جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) - ابن الدمشقي ج 2

جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع)

ابن الدمشقي ج 2


[ 1 ]

جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ع) تأليف شمس الدين أبي البركات محمد بن احمد الدمشقي الباعوني الشافعي المتوفى سنة 871 ه‍ الجزء الثاني تحقيق المحقق الخبير العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي مجمع إحياء الثقافة الاسلامية (13)

[ 2 ]

هوية الكتاب: إسم الكتاب: جواهر المطالب في مناقب الامام الجليل علي بن أبي طالب عليه السلام - ج 2 تأليف: محمد بن أحمد بن ناصر الدمشقي الباعوني الشافعي. تحقيق: العلامة الخبير الشيخ محمد باقر المحمودي. الاخراج الفني: فارس حسون كريم ومحمد آغا أو غلو. الناشر: مجمع إحياء الثقافة الاسلامية. الطبعة: الاولى 1416 ه‍. ق. المطبعة: پاسدار اسلام. العدد: 2000 نسخة. جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لمجمع إحياء الثقافة الاسلامية ايران - قم المقدسة ص - ب - 367 7 / 37185 تلفون 730981

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

الباب الواحد والخمسون في خلافته (عليه السلام) وما اتفق فيها وصورة ما وقع أجمع المؤرخون أن عثمان لما قتل أقبل الناس يهرعون إلى علي رضي الله عنه وتراكمت الناس في طلب البيعة (1) فدخل بيته وأصفق عليه بابه / 69 / ب / وامتنع من الاجابة وقال: إنما انا امرؤ من المسلمين من رضيتموه بايعته ورضيته. فأخرجوه من بيته فقبض يده فبسطوها وقالوا له: الله الله في أمة محمد (ص). فقال: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لاهل بدر. فأقبل أهل بدر إليه ليبايعوه فقال: أين طلحة والزبير وسعد ؟ فأقبلوا وبايعوه ثم بايعه المهاجرون والانصار ولم يتخلف عنه أحد ممن هو حاضر بالمدينة وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكان أول من بايعه طلحة وكانت إصبعه شلاء فنظر إليها وقال: ما أخلقه أن ينكث ؟ ! فكان كما قال (2).


(1) وقريبا منه رواه ابن عبد ربه المتوفى سنة: " 328 " في عنوان: " خلافة علي بن أبي طالب " من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 57 طبعة لبنان، ولكن تعبير: " أجمع المؤرخون " غير موجود فيه، وفيه: " فتراكمت عليه الجماعة في البيعة... ". وليلاحظ الحديث: " 250 و 252 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 205 - 206 ط 1 (2) كذا في أصلي، وفي كتاب العقد الفريد: " فتطير منها علي وقال: " ما أخلقه أن ينكث " فكان كما قال علي رضي الله عنه. ولكن في الحديث المتقدم الذكر من أنساب الاشراف: " فبصر بها اعرابي - حين بايع - فقال: ابتدأ هذا الامر أشل لايتم ". (*)

[ 6 ]


وفي رواية الطبري: " فنظر حبيب بن ذويب إلى طلحة حين بايع فقال: أول من بدأ بالبيعة يد شلاء، لا يتم هذا الامر " كما في أول خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ الطبري: ج 4 ص 824 ط مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. (*)

[ 7 ]

الباب الثاني والخمسون في نكث طلحة والزبير بيعته عليه السلام قال أبو اليقظان: خرج طلحة والزبير بعد أن بايعا عليا عليه السلام مغاضبين له حتى لحقا بعائشة بمكة وكانت قد خرجت قبل مقتل عثمان إلى مكة فلحقا بها واجتمع من انضم إليهم من بني أمية وحرضوا عائشة على الخروج والطلب بدم عثمان، فاعتذرت إليهم بقلة ذات اليد فقال يعلى بن منية: عندي أربع مائة ألف مساعد وخمس مائة فارس أجهزها لكم. - وكان عثمان على اليمن -. وقال عبد الله بن عامر - وكان عامله (أي عثمان) على البصرة -: عندي ألف ألف درهم ومائة من الابل وأشار إليهم بالبصرة. ثم نادى المنادي بالتحريض والطلب بدم عثمان فاجتمع لهم ألف منهم ست مائة على النوق والباقي على الخيل. ووهب يعلى بن منية لعائشة الجمل وكان اسمه عسكر. فلما قدم طلحة والزبير بن العوام وعائشة (البصرة) تلقاهم الناس بأعلى " المربد " (وازدحموا) حتى لو رمي بحجر لما وقع إلا على رأس إنسان (فتكلم) طلحة وعائشة وكثر اللغط فجعل طلحة يقول: أيها الناس انصتوا فجعلوا يرهجون ولا ينصتون (1) فقال: أف أف فراش نار وذباب (طمع. وكان عثمان بن حنيف الانصاري عامل علي بن أبي طالب على البصرة فخرج إليهم في رجاله ومن معه فتواقفوا حتى) زالت الشمس (2) ثم اصطفوا وكتبوا بينهم كتابا


(1) كذا في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي: " فجعلوا يركبونه ولا ينصتون ". يرهجون: يهيج بعضهم بعضا. (2) ما بين المعقوفات أخذناه مما ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في (*)

[ 8 ]

أن يكفوا عن القتال حتى يقدم علي بن أبي طالب ولعثمان دار الامارة والمسجد وبيت المال فكفوا عنه.


الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 60. وقريبا منه أورده أيضا البلاذري في الحديث: " 284 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 226 ط 1، قال: وأقبل طلحة والزبير حتى دخلوا " المربد " مما يلي بني سليم. وجاء أهل البصرة مع عثمان (بن حنيف الانصاري والي البصرة) ركبانا ومشاة)، وخطب طلحة فقال... (*)

[ 9 ]

الباب الثالث والخمسون في (ذكر) وقعة الجمل وما كان فيها وما آلت إليه مختصرا قال (أبو اليقضان): لما اجتمع الناس (على عائشة وطلحة والزبير) - على ما تقدم ذكره - خطبت عائشة وقد سمعت لغطا بعسكرها فقالت: (أيها الناس صه صه) إن لي عليكم حق الامومة و (حق) الموعظة ؟ ! لا يتهمني إلا من عصى ربه، مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين سحري ونحري (1) وأنا إحدى نسائه في الجنة ادخرني ربي له (وخلصني من كل بضع) (2) وميز بي بين منافقكم ومؤمنكم وبي أرخص الله لكم الصعيد (3) ثم إن أبي ثالث ثلاثة المؤمنين (4) وثاني اثنين / 70 / ب / في الغار وأول من سمي صديقا مضى رسول الله (ص) راضيا عنه وطوقه (طوق) الامامة ! ! ! ثم اضطرب حبل الدين (بعده) فمسك أبي بطرفيه ورتق به أفياءه


(1) وهذا ذكره أيضا ابن الاثير في مادة: " سحر " من كتاب النهاية، قال: وفي حديث عائشة: " مات رسول الله (ص) بين سحري ونحري " السحر: الرئة أي إنه مات وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي سحرها منه. وقيل: السحر: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن. (2) جميع ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 61. ومثله ذكره أيضا ابن عبد ربه في كتاب الواسطة في الادب من العقد الفريد: ج 4 ص 187، طبعة لبنان، ولكن فيه: " وبي ميز مؤمنكم من منافقكم... ". (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وبي أرخص الله لكم في صعيد الابواء ". (4) كذا في أصلي وفي العقد الفريد: " ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما، وأول من سمي صديقا... ". (*)

[ 10 ]

فوق النفاق (وأغاض) نبع الردة وأطفأ ماحش يهود (1) وأنتم يومئذ جحظ العيون تنظرون العدوة وتسمعون الضجة فرأب الثأي وأوذم العطلة وانتاش من الهوة واحتجى دفين الداء حتى أعطن الوارد وأورد الصادر وعل الناهل (2) فقبضه الله (إليه) واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين فانتظمت طاعتكم بحبله ثم ولى (أمركم) رجلا مرعيا إذا ركن إليه بعيدا ما بين اللابتين (إذا ضل عركة للاذاة بجنبه ؟) (3) يقظان الليل في نصرة الاسلام فسلك مسلك السابقة ففرق شمل الفتنة وجمع أعضاد ما جمع القرآن وأنا نصب المسألة عن مسيري (هذا) لم ألتمس إثما ولم أدلس فتنة أوطئكموها (4) أقول قولي هذا صدقا وعدلا وإنذار وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفكم بأفضل خلافة المرسلين (5). وكتبت أم سلمة إلى عائشة لما عزمت على الخروج إلى الجمل: من أم سلمة زوج النبي (ص) إلى عائشة أما بعد فإنني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو (و) اعلمي أنك سدة بين رسول الله (ص) و (بين) أمته وحجاب مضروب على حرمته قد جمع القرآن ذيولك فلا تصحريها ؟ وسكر عقيرتك فلا تندحيها (6) والله من وراء هذه


(1) ومثله في عنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد، وفي كتاب الواسطة في الادب من العقد الفريد: " ورتق لكم فتق النفاق.. ". (2) كذا في أصلي، في عنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد، غير أن في أصلي: " وأوذم الغلطة ؟ ". وفي كتاب الواسطة في الادب من العقد الفريد: " وأود من الغلظة ؟ وامتاح من الهوة حتى احتجى دفين الداء... ". (3) كذا في كتاب الواسطة في الادب، وعنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد، وكلما وضعناه بين المعقوفات فهو منهما، وكان ها هنا ألفاظ نسختي المخطوطة من جواهر المطالب سقيمة جدا. (4) كذا في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي تصحيف. وفي الطبعة الازهرية ج 3 ص 102: عمار بن الحارث السدوسي. (5) كذا جاء في العقد الفريد، ولفظه: " خلافة " رسم خطها في أصلي غير جلي. (6) هذا هو الظاهر المذكور في غير واحد من المصادر، وفي عنوان: " يوم الجمل " من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 61. قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكر خفارتك فلا تبتذليها ؟.... وفي كتاب الواسطة منه: " قد جمع القرآن فلا تندحيه، وسكن عقيرتك فلا (*)

[ 11 ]

الامة ولو علم رسول الله (ص) أن النساء يحتملن الجهاد لعهد إليهن أما علمت أنه نهاك عن الفراطة في البلاد (1) فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إذا مال ولا يرأب بهن إذا انصدع جهاد النساء غض الاطراف وضم الذيول وقصر الوهازة (2) ماكنت قائلة لرسول الله (ص) لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصدا ؟ قعودا من منهل إلى منهل (3) وغدا تردين عليه وأقسم لو قيل لي يا أم سلمة ادخلي الجنة لا ستحييت أن ألقى رسول الله (ص) هاتكة حجابا ضربه علي فاجعليه سترك وقاعة بيتك حصنك (4) فإنك أنصح ما تكونين لهذه الامة ما قعدت عن نصرتهم / 71 / أ / ولم تدخلي فيما شجر بينهم ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله (ص) لنهشت نهش الحية الرقطاء المطرقة والسلام (5). فأجابتها عائشة: من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فما أقبلني لوعظك وأعرفني بنصحك وما أنا بمعتمرة بعد تعريج (6) ولنعم المطلع مطلع فرقت به بين فئتين متشاجرتين (من المسلمين) فإن أقعد فعن غير حرج وإن أمض فإلى ما لاغنى به عنه ولا عن الازدياد فيه والسلام. وكتبت عائشة إذ قدمت البصرة إلى زيد بن صوحان:


تصحريها... ". وألفاظ أصلي من جواهر المطالب ها هنا سقيمة جدا. (1) هذا هو الظاهر المذكور في عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 62. وفي أصلي: " عن الفراطة في الدين... ". (2) كذا في أصلي، ومثله في العقد الفريد. (3) وفي غير واحد من المصادر: " ناصة قلوصا من منهل إلى منهل ". (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فاجعليه سترك، ووقاعة البيت حصنك... ". (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة والسلام ! ! ! ". وللحديث مصادر كثيرة يجدها الطالب تحت الرقم: " 124 " وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب بحار الانوار: ج 23 ص 149 - 170، بتحقيق المحمودي. (6) كذا في عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 63. وها هنا لفظة نسختي من جواهر المطالب غير واضحة. وفي كثير من المصادر: " وما أنا بمغتمرة بعد التغريد... ". (*)

[ 12 ]

من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان سلام عليك أما بعد فإن أباك كان رأسا في الجاهلية وسيدا في الاسلام وإنك من أبيك بمنزلة المصلي من السابق يقال: كاد (أن) يلحق (1) وقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان بن عفان ونحن قادمون عليك والعيان أشفى لك من الخبر فإذا أتاك كتابي هذا فثبط الناس عن علي بن أبي طالب وكن بمكانك حتى يأتيك أمري والسلام (2) فكتب (زيد رضوان الله عليه) جوابها: من زيد بن صوحان إلى عائشة سلام عليك (أما بعد) فإنك (أمرت بأمر وأمرنا بغيره) أمرت أن تقري في بيتك وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة فتركت ما أمرت (به) وكتبت تنهيني عما أمرنا به والسلام (3). ووجه علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر (إلى الكوفة) يستنفر (ان) الناس / 70 / أ / فنفر معهما تسعة آلاف من أهل الكوفة. وقال عمار: والله أعلم أنها زوجته في الدنيا والاخرة ولكن الله قد ابتلاكم (بها ليعلم إياه نطيع أو إياها) (4).


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وسيدا في الاسلام يقال: كاد أو لحق.. ". (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وكن مكانك... ". (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وكتبت تنهيننا عما أمرنا به، والسلام ". (4) ما بين المعقوفين مأخوذ مما رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في عنوان: " ما ذكر في عائشة... " في كتاب الفضائل، تحت الرقم: " 12333 " من كتاب المصنف: ج 12، ص 132، ط 1، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة عن الحكم عن أبي وائل أن عليا بعث عمارا والحسن يستنفران... ورواه عنه البيهقي في السنن الكبرى: ج 8 ص 174. وأيضا قريبا منه رواه ابن أبي شيبة بسند آخر، في كتاب الجمل تحت الرقم: (19629) من كتاب المصنف: ج 15، ص 264 ط 1، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن الاعمش، عن شهر بن عطية، عن عبد الله بن زياد قال: قال عمار بن ياسر... وقريبا منه رواه أيضا ابن سعد في أواسط ترجمة أم المؤمنين عائشة من كتاب الطبقات الكبرى: ج 8 ص 65 ط بيروت قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حميد بن عريب قال: وقع رجل في عائشة.. وفي العقد الفريد: " ولكن الله ابتلاكم بها لتتبعوه أو تتبعوها ". (*)

[ 13 ]

وخرج علي في أربعة آلاف من أهل المدينة ثمان مائة من الانصار وأربع مائة ممن شهد بيعة الرضوان مع النبي (ص) وراية علي مع ابنه محمد ابن الحنفية وعلى ميمنته الحسن وعلى ميسرته الحسين عليهما السلام. ولواء طلحة والزبير مع عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى الخيل طلحة بن عبيد الله وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير. فالتقوا بموضع قصر عبد الله بن زياد في النصف من جمادى الاولى يوم الخميس وكانت الوقعة يوم الجمعة. ولما قدم علي البصرة قال لابن عباس: إئت الزبير - ولا تأت طلحة فإن الزبير ألين منه وإنما طلحة كالثور عاقصا بقرنه يركب الصعوبة (ويقول: هي أسهل) (1) - فاقرأه مني السلام وقل له: يقول لك ابن (خالك): عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا ؟ ! (2). قال ابن عباس: فأتيته (فبلغته) فقال: قل له: بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة واجتماع ثلاثة وانفراد واحد وأم مبرورة العشيرة ونشر المصاحف نحل ما أحلت ونحرم ما حرمت (3). فقال علي (عليه السلام): ما زال الزبير رجل منا حتى أدرك ابنه عبد الله فلفته عنا (4). وقال طلحة لاهل البصرة - وقد سألوه عن بيعته لعلي ؟ فقال: أدخلوني في حش لهم ووضعوا اللج في قفي وقالوا: بايع وإلا قتلناك ! ! ! (5). قوله: " اللج " يريد به السيف، وقوله: " قفي " يريد به قفاه على لغة طئ وكانت أمه طائية.


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد، وقد سقط من أصلي كتاب جواهر المطالب. والكلام رواه السيد الرضي بلفظ أجود مما هنا، في المختار: " 31 " من نهج البلاغة. (2) قال الشريف الرضي في ذيل المختار: " 31 " من نهج البلاغة: هو عليه السلام أول من سمعت منه هذه الكلمة. (3) والصواب أن قائل هذا القول هو الميشوم ابن الزبير، كما في المختار: " 94 " من نهج السعادة: ج 1، ص 307 ط 2. (4) وقريبا منه رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: " 453 " من قصار نهج البلاغة. (5) والحديث رواه ابن أبي شيبة في كتاب الامراء تحت الرقم: (10648، و 10676) من كتاب (*)

[ 14 ]

ثم قام علي فخطب خطبته المشهورة وقد تقدم ذكرها في باب خطبه عليه السلام (1) وقال علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن (أبي) الاسود عن أبيه قال: خرجت مع عمران بن حصين وعثمان بن حنيف ؟ إلى عائشة فقال (لها) (2): أخبرينا عن مسيرك هذا أعهده إليك رسول الله (ص) أم رأي رأيتيه ؟ قالت: بل رأي رأيته حين قتل عثمان إنما نقمنا عليه ضربه بالسوط وموقع السحابة المحماة وإمرة سعيد الوليد فاستحللتم منه الثلاث الحرم: حرمة البلد وحرمة الخلافة وحرمة الشهر الحرام بعد أن مصتموه كما يماص الاناء (3) فغضبنا لكم من سوط عثمان / 71 / أ / ولا نغضب لعثمان من سيفكم ؟ ! ! (قال أبو الاسود:) فقلت: وما أنت وسيفنا وسوط عثمان وأنت حبيس رسول الله (ص) ؟


المصنف: ج 11، ص 117 و 107. ورواهما أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: (19619، و 19621) من مصنفه: ج 15، ص 260 - 261 ط الهند. والمعروف أن قائل هذا القول هو الزبير. (1) ولعل مراده من قوله: " وقد تقدم ذكرها في باب خطبه عليه السلام " هو ما تقدم في أواسط الباب: " 48 " في الورق: / 53 / أ / وفي هذه الطبعة ص.. قال: وقال الحسن البصري: لما نز علي " الدفافة " خطب الناس.. ويحتمل أيضا أنه أراد من قوله: " وقد تقدم ذكرها... " خطبته عليه السلام لما قدم عليه ابنه الحسن مع فرسان أهل الكوفة، وذلك بقرينة وقوع تلك الخطبة بين الحديث الماضي والتالي في كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 63 طبعة لبنان. والخطبة ذكرناها حرفية في المختار: " 91 " من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 293. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فقلنا: يا أم المؤمنين أخبرينا عن مسيرك هذا عهد عهده إليك رسول الله ؟... " (3) كذا في العقد الفريد: ج 5 ص 64، ولفظة: " الاناء " في أصلي رسم خطها غير جلي. وروى ابن الاثير في مادة: " موص " من كتاب النهاية، قال: (و) في حديث عائشة قالت عن عثمان: " مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه ". الموص: الغسل بالاصابع، أرادت أنهم استتابوه عما نقموا منه، فلما أعطاهم ما طلبوه قتلوه. (*)

[ 15 ]

أمرت أن تقري في في بيتك فجئت تضربين (الناس) بعضهم ببعض ؟ فقالت: وهل أحد يقابلني أو يقول مثل هذا ؟ (1) قلنا: نعم. قالت: ومن يفعل ذلك ؟ وهل أنت مبلغ عني يا عمران ؟ قال: لست بمبلغ عنك حرفا واحدا. فقلت: لكني مبلغ عنك ما شئت. قالت: اللهم اقتل مذمما قصاصا بعثمان وارم الاشتر بسهم من سهامك لا يشوى وأدرك عمارا بجفوته على عثمان (2). وقال أبو بكر ابن أبي شيبة (3) حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين (عن عمر بن جاوان) عن الاحنف بن قيس قال: قدمنا المدينة ونحن نريد الحج فانطلقت فأتيت طلحة والزبير فقلت: إني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولا فما تأمرانني به وترضيانه لي ؟ قالا: نأمرك بعلي بن أبي طالب. قلت: تأمرانني به وترضيانه لي ؟ قالا: نعم. (قال:) ثم انطلقت حتى قدمت مكة فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان وبها عائشة فانطلقت إليها فقلت: من تأمريني (به) أن أبايع ؟ قالت: علي بن أبي طالب. قلت: تأمريني به وترضينه لي ؟ قالت: نعم. قال (الاحنف:) فمررت على علي بن أبي طالب بالمدينة فبايعته ثم رجعت إلى البصرة وأنا لا أرى (الامر إلا) قد تم واستقام فما راعنا إلا قدوم طلحة والزبير وعائشة (4) قد نزلوا جانب الخريبة قال: قلت: ما جاء بهم ؟ قالوا: أرسلو إليك


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " قلنا: ما أنت وسيفنا وسوط عثمان... فقالت وهل أحد يقاتلني ؟... غير هذا ؟ ". (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأدرك عمارا بخفره بعثمان... ". (3) والحديث رواه ابن أبي شيبة في كتاب الامراء تحت الرقم: " 678. 1 " من كتاب المصنف: ج 11، ص 90 ط 1. وجميع ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من كتاب المصنف. ورواه بأطول مما في كتاب المصنف - الطبري في وقعة الجمل من تاريخه: ج 4 ص 497 طبعة بيروت، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينا يذكر عنن عمرو بن جاوان، عن الاحنف... ثم رواه عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه عن حصين عن عمرو بن جاوان... (4) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وفي العقد الفريد: " وأنا أرى أن الامر قد استقام... ". (*)

[ 16 ]

يستنصرونك على دم عثمان أنه قتل مظلوما ! ! قال: فأتاني أفظع أمر (ما) أتاني (قط مثله) فقلت: إن خذلان هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواريي رسول الله (ص) لشديد وإن قتال ابن عم رسول الله (ص) وهم قد أمروني بمبايعته لعظيم (1) قال: فلما لقيتهم قالوا: جئناك نستنصرك على دم عثمان فإنه قتل مظلوما ! ! فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك الله أ (ما) قلت لك من تأمريني (أن) أبايعه ؟ فقلت: عليا ؟ ! ! فقلت: (تأمرينني به) وترضيه لي ؟ فقلت: نعم ؟ (قالت: نعم) ولكنه بدل ! ! ! فقلت: يا حواريي رسول الله (يا زبير) ويا طلحة ناشدتكما الله أقلت لكما: من تأمرانني به وترضيانه لي ؟ فقلتما لي: علي. (فقلت: تأمراني به وترضيانه لي فقلتما: نعم ؟) قالا: نعم ولكنه بدل ! ! ! فقلت: والله / 72 / أ / لا أقاتلكم ومعكم عائشة ولا أقاتل عليا ابن عم رسول الله (ص) ولكن اختاروا مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي باب الجسر فألحق بأرض الاعاجم حتى يقضي الله من أمره بما يقضي وإما أن الحق بمكة فأكون فيها أو أتحول فأكون قريبا ؟ قالوا: نأتمر ثم نرسل إليك. فأتمروا (بينهم) فقالوا: نفتح له باب الجسر فيلحق (به) المفارق والخاذل ؟ أو يلحق بمكة فيفحشكم في قريش فيخبرهم بأخباركم ؟ (ليس ذلك برأي) اجعلوه ها هنا قريبا حيث تنظرون إليه (وتطؤن صماخه) ! ! ! (2). قال: فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين واعتزل معه زهاء ستة آلاف من بني تميم (3).


(1) وفي كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 65 طبعة لبنان: فأتاني أمر لم يأتني قط... بعد أن أمروني ببيعته لشديد... (2) كذا في عنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد: ج 5 ص 66 طبعة بيروت، نقلا عن ابن أبي شيبة، ولفظة: " فيفحشكم " رسم خطها غير جلي في نسختي من جواهر المطالب، كما أنهم صحفوها في كتاب المصنف لابن أبي شيبة بلفظة: " فيتعجلكم ". وما وضعناه بين المعقوفات، أحذناه من كتاب المصنف وتاريخ الطبري: ج 4 ص 496 و 498، ومن أنساب الاشراف: ج 2 ص 233. (3) كلم: " من بني تميم " غير موجود في كتاب المصنف، والعقد الفريد، وأنساب الاشراف وتاريخ الطبري. (*)

[ 17 ]

مقتل طلحة قال أبو الحسن (المدائني): وكانت وقعة الجمل (يوم الجمل) في النصف من جمادى الاخرة التقوا فكان أول (من) صرع طلحة بن عبيد الله أتاه سهم غرب فأصاب ركبته فكان إذا أمسكوه فتر الدم وإذا تركوه انفجر فقال لهم: اتركوه فإنما هو سهم أرسله الله تعالى (1) ! ! وعن حماد بن زيد عن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل: ندمت ندامة الكسعي لما شريت رضا بني حزم بزعم اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى (2). ومن حديث أبي بكر ابن أبي شيبة قال: لما رآى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد الله قال: ما أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان فرماه بسهم فقتله (3). ومن حديث سفيان الثوري رحمه الله قال: لما انقضى يوم الجمل خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ليلة ذلك اليوم ومعه قنبر مولاه وبيده شمعة يتصفح وجوه القتلى حتى وقف على طلحة بن عبيد الله في بطن واد متعقرا بالتراب فجعل يمسح الغبار عن وجهه ويبكي ويقول: اعزز أبا محمد (علي) أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء وبطون الاودية إنا لله وإنا إليه راجعون شفيت نفسي وقتلت معشري إلى الله اشكو عجري


(1) وليراجع ترجمة طلحة من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 220. (2) ومثله في ترجمة طلحة من كتاب الاستيعاب: ج 2 ص 223. (3) رواه أبو بكر ابن أبي شيبة، في كتاب الامارة تحت الرقم: " 10626 " من كتاب المصنف: ج 11، ص 90 طبعة الهند. وأيضا رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19616 " من المصنف: ج 15، ص 259. ورواه عنه البلاذري في عنوان: " مقتل طلحة بن عبيد الله " تحت الرقم: " 304 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 246 بتحقيقنا. وأيضا رواه ابن عبد ربه نقلا عن ابن أبي شيبة، في عنوان: " مقتل طلحة " من العقد الفريد: ج 3 ص 99، وفي طبعة لبنان: ج 5 ص 66. ورواه أيضا ابن سعد، بأسانيد، في ترجمة طلحة من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 223. (*)

[ 18 ]

وبجري (1) ثم قال: إني لارجو (أن) أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله في حقهم: * (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) * (47 / الحجر: 15) وإذا لم يكن نحن وهم فمن هم ؟ (2). أبو إدريس / 72 / أ / عن ليث عن طلحة بن مصرف (3) (قال:) إن عليا عليه السلام أجلس طلحة يوم الجمل ومسح الغبار عن وجهه وهو يبكي. ومن حديث سفيان الثوري أن عائشة بنت طلحة كانت ترى في منامها طلحة وذلك بعد دفنه بعشرين سنة (4) وهو يقول لها: يا بنية أخرجيني من هذا الماء الذي


ورواه أيضا ابن عبد البر في ترجمة طلحة من كتاب الاستيعاب، المطبوع بهامش الاصابة: ج 2 ص 223. والحديث من أثبت القضايا التاريخية، وله شواهد كثيرة جدا. (1) هذا الذيل قد تكرر ذكره في مصادر شيعة آل أبي سفيان، وذكره الجزري في مادة: " بجر " ومادة " عجر " من كتاب النهاية. وأما صدر الحديث فلم نقف له على شاهد، والذي ورد في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام خلاف ذلك، فليلاحظ ما رواه الشيخ المفيد، في تطواف أمير المؤمنين عليه السلام على القتلى من كتاب الارشاد، ص 131، طبعة الغري. وليلاحظ أيضا ما رواه السيد الرضي في المختار: " 217 " من كتاب نهج البلاغة. (2) هيهات أن يتفوه إمام الحق بمثل الكلمات في شأن من سن الضلالة وخرج على إمام زمانه وهلك مصرا على ضلالته ؟ ! ! هيهات أن يتكلم أمير المؤمنين بمثل هذه الكلمات من أمر بقتاله وقتله ! !. هيهات أن يقول أمير المؤمنين هذه الكلم لمن سماه عين الفتنة، وافتخر بأنه قلعها. هيهات أن يتلفظ أمير المؤمنين بهذه الكلم في حق شخص هو من أوضح أفراد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سن سنة ضلالة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا ". (3) كذا في عنوان: " مقتل طلحة " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 66، وفي أصلي: " وعن إبن إدريس عن أبيه عن طلحة بن مضر.. ". أقول: وبما أن مطالب الكتاب في هذه الابواب مأخوذة من العقد الفريد أرجعنا لفظ الكتاب إلى ما فيه من طبعة لبنان وإن كانت مطبوعة لبنان من العقد الفريد أيضا غير خال عن الاغلاط، ولكن لم نتحمل كلفة البحث لعدم حجية هذه الاحاديث لارسالها وعدم معرفة رواتها، ولكونها من منفردات شيعة آل أبي سفيان. (4) كذا في أصلي والطبعة الازهرية من العقد الفريد: ج 3 ص 100، وفي طبعة لبنان منه " وذلك بعد موته بعشرين يوما ؟ ". (*)

[ 19 ]

يؤذيني. فلما انتبهت من نومها جمعت أعوانا ثم نهضت إليه فنبشته فوجدته صحيحا كما دفن ولم تنحسر له شعرة وقد اخضر جنبه من الماء فصار كالسلق فلفته في الملاحف واشترت له عرصة في البصرة فدفنته بها (1). ولما قتل (طلحة) وجدوا في تركته ثلاث مائة بهار من ذهب وفضة والبهار: مزود من جلد عجل (2). قال ؟: ووقع قوم في طلحة عند علي عليه السلام فقال: أما والله لئن قلتم إنه كما قال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر


(1) وبعده في العقد الفريد زيادة سطرين. (2) المزود: ما يوضع فيه الزاد والمتاع، سواء كان من الجلد، أو من غيره، ولكن فسره في هذا الحديث بخصوص جلد العجل. وفي الاعصار القديمة كانوا يدبغون جلود الحيوانات ويجعلون فيها زادهم وأمتعتهم. وقال الجزري في مادة " بهر " من كتاب النهاية: وفي حديث ابن العاص: " إن ابن الصعبة ترك مائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير (من) ذهب وفضة ". قال الجزري: والبهار عندهم ثلاث مائة رطل... وقال الازهري: هو ما يحمل على البعير بلغة أهل الشام وهو عربي صحيح. وأراد (عمرو) بابن الصعبة طلحة بن عبيد الله كان يقال لامه الصعبة. (*)

[ 20 ]

مقتل الزبير عن شريك عن الاسود قال: حدثني من رآى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا فنوه به علي (يا أبا عبد الله) فأقبل (إليه) حتى التقت أعناق خيلهما فقال له علي رضي الله عنه: أنشدك الله أتذكر يوم أتانا رسول الله (ص) وأنا أناجيك فقال: أتناجيه فو الله ليقاتلنك وهو ظالم لك ؟ ! ! قال: فضرب الزبير وجه دابته وانصرف (1). قال أبو الحسن (المدائني): ولما انصرف الزبير (يوم الجمل) مر بماء لبني تميم فقيل للاحنف بن قيس هذا الزبير قد أقبل. قال: (ما) أصنع (به) أن جمع بين العسكرين وترك الناس ؟ وأقبل ابن جرموز فسمع مقالة الاحنف ثم قام من مجلسه فأتبعه حتى وجده بوادي السباع نائما فقتله وأقبل برأسه إلى علي فقال له: أبشر بالنار فإني قد سمعت رسول الله (ص) يقول: بشروا قاتل الزبير بالنار. فخرج عمرو بن جرموز وهو يقول: أتيت عليا برأس الزبير وقد كنت أحسبها زلفة فبشر بالنار قبل العيان فبئس بشارة ذي التحفة وقالت امرأته / 72 / ب / ترثيه: غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم الهياج وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعش البنان ولا اليد ثكلتك ؟ أمك أن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد وقال جرير: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير (2) قال:


(1) وهذا ليس بتوبة، فلو كان تائبا كان يجب عليه أن ينحاز إلى علي ويصرخ على أصحاب الجمل بأني كنت على ضلالة في نقض بيعة علي ودعوتي إياكم على خلافه ونقض بيعته، فالان قد تبت ورجعت إليه فتوبوا أنتم وكونوا معه ولا تخالفوه. (2) في هذا السند جماعة من المبتلين بداء النفاق، فلا اعتبار لحديث يرويه مثلهم إلا أن تقوم قرينة قطعية على صدق حديثهم، (*)

[ 21 ]

دعاني أبي يوم الجمل فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وما أراني إلا سأقتل مظلوما وإن أكبر همي ديني فبع مالي ثم اقض ديني فإن فضل منه شئ فثلثه لولدك وإن عجز عني منه شئ فاستعن بمولاي. قلت: (و) من مولاك ؟ قال: الله تعالى. قال عبد الله: فو الله ما وقعت بعد ذلك في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه. فيقضيه ! قال: فقتل الزبير ونظرت في دينه فإذا هو ألف ألف ومائة ألف فبعت ضيعته بالغابة بألف ألف وست مائة ألف ثم ناديت: من كان له على الزبير شئ فليأتنا بالغابة يقبضه. فلما قضيت دينه أتاني إخوتي فقالوا: اقسم بيننا ميراثنا. قلت: والله لا أقسمه حتى أنادي أربع سنين بالموسم: من كان له على الزبير شئ فليأتنا يقبضه . فلما مضت أربع سنين أخذت الثلث لولدي ثم قسمت الباقي فصار لكل امرأة من نسائه - وكان له أربع نسوة - فجاء ريع كل ثمن ألف ألف ومائة ألف. ومن حديث ابن أبي شيبة (1) قال: كان علي يخرج مناديه يوم الجمل فينادي: لا يسلبن قتيل ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح. وخرج كعب بن سور من البصرة وقد تقلد مصحفا في عنقه فجعل ينشره بين الصفين ويناشدهم الله في دمائهم إذ أتاه سهم فقتله وهو في تلك الحال لا يدرى من قتله. وقال علي يوم الجمل للاشتر مالك بن الحارث - وكان على الميمنة -: احمل. فحمل فكشف من بإزائه. وقال لهاشم بن عتبة - أحد بني زهرة بن كلاب - وكان على الميسرة: احمل. فحمل فكشف من بإزائه ؟ فقال عليه السلام لاصحابه: كيف ترون مضري ويماني (ميسرتي وميمنتي). وعن أبي حاتم قال / 73 / أ /: أنشدني الاصمعي عن رجل شهد الجمل فقال: شهدت الحروب فشيبنني فلم تر عيني كيوم الجمل أشد على مؤمن فتنة وأقتل منه بخرق بطل فليت الضعينة في بيتها ويا ليت عسكر لم يرتحل (قال) والعسكر اسم الجمل الذي وهبه يعلى بن منية لعائشة وجعل لها هودجا


(1) وهذا المضمون متواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام وله أسانيد ومصادر كثيرة، وقد رواه الحافظ ابن أبي شيبة بأسانيد في كتاب الجمل تحت الرقم: (19624) وما بعده من كتاب المصنف: ج 15، ص 262 - 280 ط 1. (*)

[ 22 ]

من حديد وجهز خمس مائة فارس معها بأسلحتهم (وأزودتهم) وكان أكثر أهل البصرة مالا (1). وكان علي يقول: بليت بأنض الناس وأنطق الناس وأطوع الناس (في الناس. يريد بأنض الناس يعلى بن منية وكان أكثر الناس ناضا، ويريد بأنطق الناس طلحة بن عبيد الله، ومراده عليه السلام من أطوع الناس في الناس) عائشة. وكانت راية علي يوم الجمل سوداء وراية أهل البصرة الجمل. وقال الاعمش عن (رجل سماه قال:) (2) كنت أرى عليا يوم الجمل يحمل فيضرب بسيفه حتى ينثني ثم يرجع فيقول: لا تلومونني ولوموا هذا، ثم يعود ويقومه. ومن حديث أبي بكر ابن أبي شيبة (قال:) قال عبد الله بن الزبير: التقيت أنا والاشتر يوم الجمل فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسا أو ستا ثم جرني برجلي وألقاني في الخندق وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع منك عضو إلى عضو آخر. وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: أعطت عائشة للذي بشرها بحياة ابن الزبير - لما التقى بالاشتر - أربعة آلاف درهم. وعن سعيد عن قتادة قال: قتل يوم الجمل مع عائشة عشرين ألفا منهم ثمان مائة من بني ضبة. وقالت عائشة: ما أنكرت رأس جملي حتى فقدت أصوات بني عدي وضبة. وقتل من أصحاب علي خمس مائة رجل لم يعرف منهم إلا علباء بن الهيثم السدوسي (3) وهند الجملي قتلهما ابن اليثربي وأنشأ يقول: إني لمن يجهلني ابن اليثربي * قاتل علباء وهند الجملي ثم ابن صيحان ؟ على دين علي ويروى أن عليا أتي (بابن) اليثربي أسيرا فأمر بقتله صبرا لقوله: ثم ابن صيحان على دين علي ؟ وقال عبد الله بن عون عن أبي رجاء قال: لقد رأيت الجمل يومئذ وهو كظهر


(1) ما بين المعقوفات مأخوذ من عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 70 ط بيروت، (2) ما بين المعقوفين كان ساقطا من أصلي وأخذناه من كتاب العقد الفريد. (3) هذا هو الصواب لمصدر المصنف العقد الفريد ط بيروت ولترجمة الرجل من الاصابة 3 / 109 وكان في أصلي: بن الحارث. (*)

[ 23 ]

القنفذ / 37 / ب / من النبل ورجل من بني ضبة آخذ بخطامه وهو يقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل الموت أحلى عندنا من العسل ننعي ابن عفان بأطراف الاسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل وعن غندر وأبي داود (1) قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة - وكان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل - والحارث بن سويد - وكان مع طلحة والزبير - فتذاكرا وقعة الجمل فقال الحارث بن سويد: والله ما رأيت مثل يوم الجمل لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا وأشرعنا رماحنا في صدورهم فلو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت يقول هؤلاء: " لا إله إلا الله والله أكبر " ويقول هؤلاء: " لا إله إلا الله والله أكبر " فو الله لوددت أني لم أشهد ذلك اليوم وأني (أعمى) مقطوع اليدين والرجلين (2). (ف‍) قال عبد الله بن سلمة: والله ما يسرني أني غبت عن ذلك اليوم ولا عن مشهد شهده علي بن أبي طالب ولو أن لي حمر النعم. وعن علي بن عاصم عن حصين قال: حدثني أبو جميلة البكائي (3) قال: إني لفي الصف مع علي بن أبي طالب إذ عقر بعائشة جملها فرأيت محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر يشتدان بين الصفين أيهما يسبق إليها فقطعا عارضة الرحل واحتملاها من هودجها (4). قال (ابن أبي شيبة): وحدثني خالد بن مخلد عن يعقوب عن جعفر بن (أبي) المغيرة عن أبن أبزي (5) قال: انتهى عبد الله (بن) بديل إلى عائشة وهي في الهودج فقال: أنشدك الله أتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت لك: إن عثمان قد قتل فما تأمرينني به ؟ فقلت: الزم


(1) كذا في أصلي، وكلمتا: " وأبي داود " غير مذكورتين في عنوان: " ومن حديث الجمل " من العقد الفريد، وفيه: " غندر، قال: حدثنا شعبة... ". (2) ما بين المعقوفين مأخوذ من عنوان: " ومن حديث الجمل " من العقد الفريد. (3) وفي العقد الفريد: " أبو جميلة البكاء ". (4) كذا في العقد الفريد، غير أن فيه: " واحتملاها في هودجها ". وفي أصلي: " فقطعا عرضة الرحل... ". (5) كذا في كتاب الجمل تحت الرقم (19677) من كتاب المصنف: ج 15، ص 284 ط 1، ومثله رواه عنه ابن عبد ربه في العقد الفريد ج: 5 ص 71 وفي أصلي: " عن جعفر بن المغيرة عن ابن أبزى.. " (*)

[ 24 ]

عليا فو الله ما غير ولا بدل فسكتت فأعاد عليها (ثلاث مرات) فسكتت فقال اعقروا الجمل (1) فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد بن أبي بكر فاحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي علي رضي الله عنه فأمر بها فأدخلت منزل عبد الله بن بديل بن ورقاء ؟. وقالوا: لما كان يوم الجمل وظفر علي دنا من الهودج / 74 / أ / فسلم على عائشة وكلمها (2) فأجابته: ملكت فأسجح. فجهز (ها) علي بأحسن جهاز وبعث معها سبعين امرأة حتى قدمت المدينة (3). وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما انقضى أمر (وقعة) الجمل دعا علي بآجرتين فعلاهما ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة رغا فجئتم وعقر فهربتم نزلتم بشر بلاد الله ( أقربها من الماء، و) أبعدها من السماء وبها مغيض كل ماء (4) ولها شر أسماء وهي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر. (ثم قال:) أين ابن عباس ؟ قال (ابن عباس) فدعيت (له) من كل مكان فأقبلت إليه فقال: إئت هذه المرأة (ومرها) فلترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقر فيه قال (ابن عباس: فجئتها) فاستأذنت عليها فلم تأذن لي فدخلت بلا إذن ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها فقالت: تالله يا ابن عباس ما رأيت مثلك تدخل علينا (بيتنا) بغير إذننا وتمد يدك إلى وسادتنا فتجلس عليها بغير أمرنا ! ! ! فقلت لها: والله ما هو بيتك (ما بيتك إلا) الذي خرجت منه، وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي (5) إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بيتك الذي خرجت منه.


(1) ما بين المعقوفين غير موجود في أصلي وإنما أخذناه من كتابي المصنف والعقد الفريد: ج 5 ص 71 ط بيروت. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " دنا من هودج عائشة (ف‍) كلمها بكلام فأجابته: ملكت فأسجح. (3) وفي العقد الفريد: فجهزها علي بأحسن وبعث معها أربعين امرأة وقال بعضهم: سبعين امرأة حتى قدمت المدينة. (4) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: " رغا فحنيتم وعقر ففر (ر) تم ؟ نزلتم بشر بلاد الله، أبعدها الله من السماء وجعلهها مغيض كل ماء... ". (5) هذا هو الظاهر في العقد الفريد: ج 5 ص 72. وفي أصلي: " فقال لها: والله ما هو بيتك (إلا) الذي خرجت منه وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي ". (*)

[ 25 ]

قالت: يرحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب ! ! ! قلت: نعم وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قالت: أبيت أبيت ! ! ! فقلت: والله ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة حتى صرت لاتحلين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين. قال: فبكت حتى سمعت نشيجها ثم قالت: أرجع أرجع فإن أبغض البلدان إلي بلد أنتم به ! ! ! قلت: أما والله ما كان (هذا) جزاؤنا منك، إذ جعلناك للمؤمنين أما وجعلنا أباك لهم صديقا ؟ ! قالت: أتمن علي برسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن عباس ؟ قلت: نعم والله نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلة منا لمننت به علينا ! ! ! قال ابن عباس: ثم أتيت عليا فأخبرته الخبر فقبل ما بين عيني وقال: بأبي وأمي * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) *. (ومن حديث أبي بكر ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب (قال:) إن قاضيا قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين رأيت رؤيا أفظعتني ! ! قال (عمر): وما رأيت ؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين. قال (عمر): فمع أيهما كنت ؟ قال: مع القمر على الشمس. قال عمر بن الخطاب: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) * (12 / الاسراء: 17) فانطلق فو الله لاتعمل لي عملا أبدا. قال عطاء: فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفين (1).


(1) وهذا الحديث التالي مذكوران في كتاب الفريد بين الحديث المتقدم والتالي الذي هو كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الاشعث بن قيس والظاهر أنهما من جواهر المطالب ويحتمل أيضا أن الباعوني لم ينقلهما ومن أجله وضعناهما بين المعقوفين. والحديث رواه ابن أبي شيبة في كتاب الايمان والرؤيا، وكتاب الامراء تحت ررقم: (10554، 10754) من كتاب المصنف: ج 11 ص 47 و 144. ورواه أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: (19710) في ج 15، ص 294 وبرقم: (19658) ص 278. ورواه ابن عبد ربه عن ابن أبي شيبة في أوائل العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 73 ط بيروت. وأيضا رواه السيوطي في تفسير الاية: (12) من سورة الاسراء في تفسير الدر المنثور: ج 4 ص 167. ورواه محمد بن سليمان في الحديث (521 و 789) في الجزء الخامس من كتابه: مناقب علي عليه السلام الورق 122 / ب 1 / وفي ط 1: ج 2 ص 35 و 317. (*)

[ 26 ]

أبو بكر ابن أبي شيبة قال: أقبل سليمان بن صرد - وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم - إلى علي بن أبي طالب بعد وقعة الجمل فقال له (علي عليه السلام): تنأنأت وتزحزحت وتربصت ؟ فكيف رأيت صنع الله ؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الشوط بطين وقد بقي من الامور ما تعرف به عدوك من صديقك) (1) وكتب علي رضي الله عنه إلى الاشعث بن قيس بعد (حرب) الجمل وكان واليا لعثمان على آذربيجان: سلام عليك أما بعد فلولا هنات كن منك لكنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا (إن) اتقيت الله / 74 / ب / تعالى وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، وقد كان طلحة والزبير أول من بايعاني ثم نكثا بيعتي من غير حدث ولا سبب، وأخرجا عائشة وساروا إلى البصرة (وسرت إليهم فيمن بايعني من المهاجرين والانصار) والتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا، فبالغت في الدعاء لهم والموعظة وأحسنت في البقيا بالله (2) فأبوا إلا الحرب، فأمرت أن لا يدفف على جريح ولا يتبع منهزم ولا يسلب قتيل، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن. واعلم أن عملك ليس لك بطعمة وإنما هو أمانة في عنقك، وهو مال من مال الله وأنت من خزاني عليه إلى أن تؤديه (إلي) إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلما بلغ الاشعث كتاب علي قام خطيبا فقال: أيها الناس إن عثمان بن عفان ولاني آذربيجان وقد هلك، وبقيت في يدي ؟ وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له واجبة، وقد كان منه ومن أمر عدوه ما كان، وهو المأمون على ما غاب من ذلك.


(1) ورواه أيضا نصر بن مزاحم المنقري في الحديث الرابع من كتاب صفين، ص 6 ط مصر ورواه أيضا أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: (19658) من كتاب المصنف: ج 15 ص 278 ط 1 الهند. وأشار إليه ابن الاثير في مادة " نأنأ " من كتاب النهاية. (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد - غير أن فيه: " فأبلغت في الدعاء وأحسنت البقيا " - وما بين المعقوفات أيضا مأخوذ منه، وفي أصلي: " وأحسنت اليقين بالله ". (*)

[ 27 ]

ما قيل في أهل الجمل (1) عن أبي بكر ابن أبي شيبة (2) قال: سئل علي عليه السلام عن أهل الجمل أمشركون هم ؟ قال: من الشرك فروا. قالوا: فمنافقون هم ؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قالوا: فما هم ؟ إخواننا بغوا علينا. (قال ابن أبي شيبة:) ومر (علي) عليه السلام بقتلى الجمل فقال: اللهم اغفر لهم. ومعه محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر فقال أحدهما لصاحبه: أما تسمع ما يقول ؟ قال: اسكت لا يزيدك (3). وعن وكيع عن مسروق عن مسعر عن عبد الله (بن رباح) عن عمار قال: لا تقولوا كفر أهل الشام ولكن قولوا: فسقوا وظلموا (4). وسئل عمار بن ياسر عن عائشة يوم الجمل ؟ فقال: إنا والله لنعلم أنها زوجته في الدنيا والاخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم هل تتبعونه أم تتبعونها ؟ ! (5).


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 74: " قولهم في أصحاب الجمل ". (2) هذا وبعض ما يليه، رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19069 " وما بعده من كتاب المصنف: ج 15، ص 256. وأيضا رواه ابن أبي شيبة بسند آخر في كتاب الجمل عند الكلام حول الخوارج تحت الرقم: " 19788 " من المصنف: ج 15، ص 332. ورواه ابن عبد ربه - مع الابيات الاتية نقلا عن ابن أبي شيبة وغيره - في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " من العقد الفريد: ج 5 ص 74. (3) رواه ابن أبي شيبة في أواخر كتاب الجمل تحت الرقم: " 19675 " من كتاب المصنف ج 15، ص 284. ورواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " في العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 74. (4) رواه - مع بعض ما في معناه عن عمار - ابن أبي شيبة في كتاب الجمل في الحديث: " 19589 " وما قبله من المصنف: ج 15، ص 290. (5) رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19629 " من المصنف: ج 15، ص 264. (*)

[ 28 ]

وقال علي رضي الله عنه يوم الجمل: إن قوما يزعمون أن البغي كان منا عليهم وزعمنا أنه كان منهم علينا وإنما قتلناهم على البغي ولم نقتل (هم) على الكفر (1). وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: أول ما تكلمت الخوارج (كان) يوم الجمل قالوا: ما أحل لنا دماءهم وحرم علينا أموالهم ؟ فقال (لهم) علي عليه السلام / 75 / أ /: هي السنة في أهل القبلة. قالوا: والله لا ندري ما هذا ؟ قال: فهذه عائشة أتتساهمون عليها ؟ قالوا: سبحان الله هي أمنا فهي حرام علينا. قال: فإنه يحرم من بناتها ما يحرم منها (2). ودخلت أم أفعى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ؟ قالت: وجبت لها النار ! قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الكبار عشرين ألفا في صعيد واحد ؟ ! !. فقالت (عائشة): خذوا بيد عدوة الله (وأخرجوها عن محضري) (3).


(1) وهذا أيضا جاء في العقد الفريد: ج 5 ص 74. وروى عمر بن خضر المعروف ب‍ " ملا " في أواسط الباب: " 13 " وهو من باب معجزات النبي (ص) من كتاب وسيلة المتعبدين الورق 178 / أ / قال: (و) عن حذيفة (بن اليمان) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب جنب عمار بن ياسر وقال: إنك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية ويكون آخر زادك شربة من لبن. (ف‍) قيل: إنه شرب شربة من لبن في يوم صفين وقاتل حتى قتل رحمه الله. وعن حذيفة (بن اليمان) قال: لو أحدثكم بما سمعت من رسول الله (ص) لرجمتوني ؟ ! ! قالوا: سبحان الله أنحن نفعل (هذا) ؟ قال: لو أحدثكم أن بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عدها، شديد بأسها تقاتلكم (أ) صدقتم هذا ؟ قالوا: سبحان الله ومن يصدق بهذا ؟ قال: تأتيكم أمكم الحميراء في كتيبة يسوق بها أعلاجها من حيث يسوء وجوهكم ! ! ! وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) (لنسائه): أيتكن صاحبة الجمل الاديب، يقتل حولها قتلى كثير ح تنجو) بعد أن كادت ! ! ! (2) وهذا الحديث كأن المصنف أخذه من صدر حديث وذيل حديث آخر، ذكرهما ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19605، 19679 " من المصنف ج 15، ص 256 و 286 طبعة الهند. ورواه ابن عبد ربه - نقلا عن ابن أبي شيبة - في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " في العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 74. (3) ورواه أيضا ابن عبد ربه في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " من العقد الفريد: ج 5 ص 74، وفيه: " أم أوفى العبدية ". (*)

[ 29 ]

قال (ابن أبي شيبة): ولما مات عائشة ؟ في زمن معاوية وقد قاربت السبعين وقيل لها: تدفنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: لا إني أحدثت بعده حدثا أدفنوني مع أخواتي بالبقيع (1). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: يا حميراء كأني بك تنبحك كلاب الحوأب (ثم) تقاتلين عليا وأنت له ظالمة (2). والحوأب قرية في طريق المدينة إلى البصرة. وبعض الناس يسمونها الحوب - بضم الحاء (وتثقيل الواو وقد زعموا أن الحوأب ماء في طريق البصرة). وقال بعض الشعراء (وهو السيد الحميري) (3) في ذلك: إني أدين بحب آل محمد وبني الوصي شهودهم والغيب إني البرئ من الزبير وطلحة ومن التي نبحت كلاب الحوأب وقد ذكر بعض المؤرخين (4) في مسير سيدنا علي رضي الله عنه صورته ما سنذكره قال: (وعن أبي خليفة بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى) أخبرنا المنذر الجارود العبدي قال: لما قدم علي بن أبي طالب البصرة دخل مما يلي الطف فجاء إلى الزاوية ؟ فخرجنا ننظر (إليه وإلى جنده) فمر بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء متقلدا سيفا وبيده راية في ألف من الناس فقلنا من هذا ؟ فقيل: هذا أبو أيوب الانصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) وقريب من جاء أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19618 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 260. ورواه أيضا ابن سعد في ترجمة عائشة من الطبقات الكبرى: ج 8 ص 51 طبعة بيروت. (2) وقريبا منه رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19617، و 19631 " من المصنف: ج 15، ص 260 و 265. (3) وفي العقد الفريد: (وقد) قال في ذلك بعض الشيعة... (4) وهو المسعودي ذكره في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 370 طبعة بيروت، وما وضعناه من السند بين المعقوفين مأخوذ منه. (*)

[ 30 ]

ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلدا سيفا متنكبا قوسا (وهو) في ألف من الناس فقلنا: من هذا ؟ قيل: خزيمة بن الثابت ذو الشهادتين. ثم مر فارس آخر على فرس كميت متعمما بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قباء أبيض مصقول ؟ متقلدا سيفا متنكبا قوسا (وهو) في ألف (من الناس) قلنا: من هذا ؟ قيل (هو) أبو قتادة الانصاري / 75 / ب /. ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشقر عليه ثياب بياض وعمامة سوداء قد أسدلها بين يديه ومن خلفه (وهو) شديدة الادمة متقلدا سيفا متنكبا قوسا في ألف من الناس قلنا: من هذا ؟ قيل: (هو) عمار بن ياسر. ثم مر فارس على فرس أشقر (و) عليه ثياب بياض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكبا قوسا يخط الارض برجليه سناط ؟ (وهو) في ألف فارس من الناس قلنا: من هذا ؟ قيل: (هو) قيس بن سعد بن عبادة الانصاري. ثم مر بنا فارس على فرس أشقر ما رأينا أحسن منه وجها (و) عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد أسدلها بين يديه ومن خلفه، بيده لواء (ف‍) من هذا ؟ قيل: (هو) عبد الله بن عباس. ثم مر بنا فارس أشبه الناس به عليه مثل لباسه فقلنا: من هذا ؟ قيل: (هو) قثم بن العباس. ثم أقبلت الرايات وأقبل فارس يشبههما فقلنا: من هذا ؟ فقيل: (هو) معبد بن العباس. ثم أقبلت كتيبة عليهم الدروع متعممين بعمائم بيض شاكين في السلاح يقدمهم رجل كأنه كسر ثم جبر نظره في الارض أكثر من نظره إلى السماء كأنما على رؤسهم الطير وعن يمينه شاب حسن الوجه وعن شماله شاب حسن الوجه وبين يديه الراية العظمى وخلفه شاب في عدة شباب معهم قلنا: من هؤلاء ؟ فقالوا: أما هذا فعلي بن أبي طالب وهذا (ن) الحسن والحسين عن يمينه وعن يساره وهذا محمد بن الحنفية بين يديه ومعه الراية، وهذا خلفه عبد الله بن جعفر ولد عقيل معه و (أما) هؤلاء المشايخ فهم (من) أهل بدر. (قال:) فجاء حتى نزل الزاوية فصلى أربع ركعات ثم رفع يديه ثم قال: اللهم رب السماوات وما أظلت ورب الارضين وما أقلت ورب البحار وما جرت ورب الرياح وما درت ورب الشياطين وما أطلت (1) هذه البصرة أسألك من خيرك الذي


(1) ما درت: ما أنتجت وجلبت من اخير. وما أطلت: ما أشرفت عليه وغلبت عليه. (*)

[ 31 ]

فيها وأعوذ بك من الشر الذي فيها (1). اللهم إن هؤلاء القوم قد بغوا وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي فأقبل بقلوبهم واحقن دماء المسلمين فإن أبوا فانصرني عليهم (2). ثم دعا عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤلي فوجههما إلى طلحة والزبير / 76 / أ / فلم يرجعا إليه بجواب يحمده، فأمر أصحابه أن لا يبدؤهم (بقتال) ولا يرمونهم بسهم ولا يطعنو (هم) برمح ولا يضربوا بسيف وقال (لهم): ليس بعد الدماء بقية ؟ فاصطفوا للقتال فرموهم أولئك بالنشاب فقال علي: اعذروا إليهم. فخرج علي بنفسه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسرا ليس عليه سلاح فنادى: يا زبير اخرج إلي. فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه - فقيل لعائشة: إن الزبير قد خرج إليه فقالت: واثكل أسماء. - فاعتنق كل واحد منهما صاحبه ؟ فقال علي: ويحك يا زبير ما أخرجك ؟ قال: دم عثمان ! ! قال: قتل الله أولا (نا) بدم عثمان أتذكر يوم لقيت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو راكب حماره فضحك إلي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقلت أنت: " ما يدع علي زهوه يا رسول الله " فقال (رسول الله: يا زبير) ليس به زهو أتحبه يا زبير ؟ فقلت: بلى والله أحبه فقال: أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم (3). فقال الزبير: أستغفر الله لو ذكرتها ما خرجت، فكيف أرجع الان وقد التقت حلقتا البطان ؟ هذا والله العار الذي لا يغسل ! ! !. فقال علي: يا زبير ارجع فالعار خير من الدنيا (ارجع) قبل أن يجمع عليك العار والنار. فرجع الزبير وهو يقول: أخترت عارا على نار مؤججة أنى يقوم لها خلق من الطين نادى علي بأمر لست أجهله عار لعمرك في الدنيا وفي الدين


(1) وفي مروج الذهب: هذه البصرة، أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرها.. أيها الناس إن الموت طالب (حثيث). (2) والدعاء في كتاب الذهب أقصر مما ها هنا، وقد روينا حرفيا عن مروج الذهب في المختار: " 71 " من باب الدعاء من كتاب نهج السعادة: ج 6 ص 292 ط 1. (3) وهذا المعنى من متواترات فن التاريخ والحديث، وقريبا منه رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19674 " من المصنف: ج 15، ص 284 ط 1، وفيه: حتى التقت أعناق دوابهما... (*)

[ 32 ]

فقلت: حسبك من عذل أبا حسن فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني فقال له ابنه (عبد الله): أين تذهب وتدعنا ؟ فقال: يا بني إن عليا ذكرني أمرا كنت له ناسيا ! ! قال: لا والله ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب إنها طوال حداد يحملها فتية أمجاد ! ! ! قال: لا والله يا بني (ولكن) ذكرني ما أنسانيه الدهر فاخترت العار على النار أبا لجبن تعيرني لا أبا لك ؟ ثم خلع عنانه وشد في ميمنة علي فقال (علي): افرجوا له فقد هاجوه. ثم شد في الميسرة ثم رجع وشد في القلب ثم رجع إلى ابنه فقال: أيفعل هذا جبان ؟ ثم مضى وكان من أمره ما كان (1). ثم دعاهم علي رضي الله عنه إلى ما فيه الصلاح من الكف عن الدماء والرجوع إلى الطاعة فأبوا إلا القتال فقال علي: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه ؟ فقال غلام من عبد القيس يقال له: مسلم أنا آخذه فأخذه وتقدم (إليهم) فرموه حتى قتلوه فجاءت أمه إلى علي فوقفت عليه ثم قالت: لهم إن مسلما دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم فخضبوا من دمه لحاهم وأمه قائمة تراهم فقال علي: احملوا على القوم. فحملوا فانهزمت ميمنة علي وميسرته. قال بعض ولد عقيل: فأتيته وهو يخفق برأسه من النعاس فقلت: يا عم قد بلغت (ميمنتك) وميسرتك ما ترى وأنت تخفق نعاسا ؟ ! ! فقال: اسكت يا ابن أخي فإن لعمك يوما لا يعدوه والله لا يبالي عمك أن وقع على الموت أو وقع الموت عليه (2). ثم بعث إلى ابن الحنفية أن أقحم فداك أبي وأمي. قال: فأبطأ عليه وكان بإزائه قوم من الرماة فكان ينتظر أن يفنى سهامهم ثم يحمل فجاءه علي فقال: احمل فداك أبي وأمي. قال والله ما أجد متقدما إلا على سنان. فقال له عليه السلام: اقحم فلن ينالك الاسنة لان للموت عليك جنة فحمل محمد فشبك بالرماح فوقف عليه علي فضربه بقائم السيف وقال: أدركك عرق من أمك ؟ !


(1) رواه المسعودي في سيرة أمير المؤمنين في حرب الجمل من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 366. (2) ومعنى هذا الكلام قد استفيض عنه عليه السلام. (*)

[ 33 ]

ثم أخذ الراية من يده فحمل (وحمل) الناس معه فما كان أهل البصرة إلا كرماد اشتدت به الريح فاستطار في يوم عاصف فبلغت ميمنتهم إلى مدينة الرزق وبلغت الميسرة إلى مقبرة بني حصن وبلغ القلب إلى بني عدي (1). ولقي علي طلحة فقال: يا أبا محمد ما أخرجك علي ؟ قال: طلب دم عثمان ! قال: قتل الله أولانا بدم عثمان أما سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ؟) أوما أنت أول من بايعني ثم نكثت ؟ ! ! (ثم) قال: * (ومن نكث فإنما ينكث عن نفسه) * (2) فقال (طلحة): استغفر الله ورجع (3). فقال مروان (بن الحكم) قاتله الله: رجع طلحة والزبير ؟ ما أبالي إلى ها هنا رميت أم ها هنا ؟ ! فرمى طلحة في أكحله فقتله ! ! ! (4) فمر به علي وهو مقتول في موضعه فنظر إليه / 77 / أ / وبكى وقال: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * (5) أبا محمد أنت والله كما قال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا هو ما استغنى ويبعده الفقر كأن الثريا علقت في جبينه (6) وفي خده الشعرى وفي الاخر البدر


(1) وليراجع مروج الذهب وتاريخ الطبري. (2) اقتباس من الاية العاشرة ة من سورة الفتح: 48. (3) لم يكن رجوع طلحة إلا رجوع منهزم فاشل فلو كان رجوعه رجوع تائب كان يعلن ذلك وينادي به أو ينحاز إلى صف عسكر أمير المؤمنين عليه السلام، وكل ذلك ما فعل بل أصر على انحرافه وكان في آخر رمق منه يقول: " اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى مني " ولم يكن قائلا: " اللهم اغفر لي بما نقضت بيعة علي سبب، وبما ألقيت بين المسلمين من الشقاق حتى قتل بعضهم بعضا ؟ ! " فليلاحظ ترجمة طلحة من تاريخ دمشق أو حرب الجمل من تاريخ الطبري: ج 4 ص 527 والعقد الفريد: ج 3 ص 99 ط القديم بمصر. (4) وقتل طلحة بسهم مروان - أمير المؤمنين للطائفة السنية - أمر متواتر لم يتيسر لشيعة آل أبي سفيان كتمانه وإنكاره، وشواهده في كتبهم جمة جدا. ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب الامراء تحت الرقم: " 10627 " من المصنف: ج 11، ص 9. وذكره أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19616، و 19650 " من المصنف: ج 15، ص 259 وص 276 ط 1. ورواه أيضا ابن عساكر في ترجمة كل من طلحة ومروان من تاريخ دمشق. (5) تفرد بهذا الذيل - بسند ضعيف - ابن عبد ربه عن أبي إدريس، عن ليث، عن طلحة بن مصرف كما في عنوان: " مقتل طلحة " يوم الجمل من كتاب العسجدة الثانية وتواريخهم من الطبعة المصرية من العقد الفريد ج 3 ص 100. (6) هذا هو الصواب، وفي أصلي تصحيف فاحش. (*)

[ 34 ]

ثم استسقى عسلا فأتاه (ابن أخيه) بعسل فحسا منه حسوة ثم قال: إن عسلك هذا طائفي وهذا غريب من هذه البلدة. قال: يا أمير المؤمنين (أ) ما شغلك ما أنت فيه عن علم هذا ؟ ! فقال: إنه والله ماملا صدري شئ (من أمر الدنيا) يا ابن أخي ! ! !. ثم دخل البصرة فخطب خطبته المشهورة الطويلة التي احتوت من الفصاحة والبلاغة وأنواع البديع والمواعظ وذكر عجائب السموات والارض والوعد والوعيد وأتى فيها بما حارت فيه العقول (1). ثم بعث إلى عائشة بعد أيام يأمرها بالخروج (من البصررة إلى المدينة) ووجه إليها (مع) ابن عباس بمال كثير ثم ذهب إليها بنفسه وشيعها أميالا (2) ووجه معها أربعين إمرأة - وقيل: سبعين (إمرأة) - من عبد شمس وقال (لهن): كن في هيئة الرجال وهي لا تعلم فسارت إلى أن وصلت المدينة فقيل لها: كيف رأيت مسيرك ؟ قالت: كنت بخير ولقد أعطاني فأكثر لكنه بعث مع حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ! ! ! فكشف النساء عن وجوههن وقلن: أنحن رجال ؟ ! فخرت على وجهها وهي تقول: علي أعرف بالله من ذلك أبى أبن أبي طالب إلا كرما وعلما وحلما والله لوددت أني لم أقاتله ولم أخرج مخرجي هذا الذي خرجته ولو أن لي من رسول الله (ص) عشرة من الولد الذكور مثل أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام وإنما خدعت وغررت وقيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس فكان ما كان والله المستعان. ثم إنه عليه السلام عند فراغه من (حرب) الجمل كتب إلى معاوية يأمره بالمبايعة له والدخول فيما دخل فيه الناس وأن لا يشق عصى المسلمين و (أن لا) يسفك دماءهم. وقد أتينا (على) ذلك من موضعه فلا فائدة في إعادته والله أعلم.


(1) ياليت أن المصنف كان ذكر الخطبة، وسد على القراء باب الترديد والاحتمال. (2) ما وجدت مصدرا يذكر تشييع أمير المؤمنين عليه السلام إياها غير ما ذكره الطبري بسنده عن سيف الكذاب، في تاريخه ج 4 ص 544. روى ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19676 " من المصنف: ج 15، ص 284 قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني أبو بكر، عن جحش بن زياد الضبي قال: سمعت الاحنف بن قيس يقول: لما ظهر علي على أهل البصرة أرسل إلى عائشة (أن) أرجعي إلى المدينة وإلى بيتك. قال: فأبت، قال: فأعاد إليها الرسول (يقول لها): والله لترجعن أو لابعثن إليك نسوة من بكر بن وائل معهن شفار حداد يأخذنك بها ! ! ! فلما رأت ذلك خرجت. (*)

[ 35 ]

الباب الرابع والخمسون في (حوادث) أيام صفين، وما اتفق فيها من الوقائع والمحن وما آل الامر إليه حدث أبو بكر ابن أبي شيبة قال: خرج علي رضي الله عنه من الكوفة إلى معاوية في خمسة وتسعين ألفا وخرج معاوية من الشام في بضع وثمانين فالتقوا بصفين. وكان عسكر علي يسمى الرجرجة لكثرة حركته وعسكر معاوية يسمى الخضرية لاسوداده بالسلاح والدروع. قال أبو الحسن (المدائني): وكانت أيام صفين كلها مواقفة ولم يكن هزيمة بين الفريقين إلا على حمية ثم يكرون (1). وكان منادي علي عليه السلام يخرج كل يوم فينادي: أيها الناس لا يجهزن على جريح ولا يتبعن مول ولا يسلبن قتيل ومن ألقى سلاحه فهو آمن (2) وعن أبي الحسن قال: خرج معاوية إلى علي رضي الله عنه (يوم صفين) ولم يبايعه أهل الشام بالخلافة وإنما بايعوه على نصرة عثمان والطلب بدمه فلما كان من أمر (الحكمين في) التحكيم ما كان بايعوه بالخلافة. وكتب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص يدعوه إلى القيام معه في (طلب) دم عثمان (وهذا نص كتابه إلى سعد):


(1) كذا في أصلي، وفي ط مصر، من العقد الفريد: ج 3 ص 109: " إلا على حامية ثم يكرون " والحمية: الانفة والاباء والمروءة والنخوة. والحامية - مؤنث الحامي والتاء للمبالغة -: الجماعة التي تحامي وتذب عن نفسها أو عن غيرها، والجمع الحوامي. (2) وفي العقد الفريد: " ولا تتبعن موليا ولا تسلبن قتيلا " ووصية أمير المؤمنين عليه السلام جنده بهذه الوصية في جميع حروبه متواترة أو كادت أن تكون متواترة، وبعض طرقها ذكرناه في المختار: (44 - 47) نهج السعادة: ج 8 ص 337 - 343 ط 1، وذكره أيضا المسعودي قبل إلتحام حرب الجمل في مروج الذهب ج 2 ص 362، والطبري في وقعة صفين من تاريخه: ج 4 ص 6 وفي ط: ج 5 ص 11. (*)

[ 36 ]

سلام عليك أما بعد (فإن) أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الامر ونظيراك في الاسلام وخفت (معهما) لذلك أم المؤمنين فلا تكره ما رضوا ولا ترد ما قبلوا فإنما نريد أن نردها شورى بين المسلمين والسلام. فأجابه سعد: أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة فلم يكن أحد أولى بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه غير أن عليا كان فيه ما فينا ولم يكن فينا ما فيه ولو لم يطلبها ولزم بيته لطلبته العرب ولو بأقصى اليمن وهذا الامر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره. وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما والله يغفر لام المؤمنين ما أتت والسلام. وكتب معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة (وهو أمير مصر من قبل علي عليه السلام): أما بعد فإنما أنت يهودي وابن يهودي إن ظفر بك أحب الفريقين إليك عزلك (واستبدل بك) وإن ظفر بك أبغض الفريقين إليك قتلك ونكل بك، وقد كان أبوك قد أوتر قوسه ورمى غرضه فأكثر الحز / 78 / ب / وأخطأ المفصل، فخذله قومه وأدركه يومه، فمات طريدا ب‍ " حوران " (1). فأجابه قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما: أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن دخلت في الاسلام كرها وخرجت منه طوعا لم يقدم إيمانك (ولم يحدث نفاقك) ولا لك سابقة (2) ونحن أنصار (الدين) الذي خرجت منه وأعداء الدين الذي دخلت فيه ! ! !


(1) والحديث رواه ابن عبد ربه في عنوان: " يوم صفين " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 81 ط بيروت، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه، وفيه: " ثم مات طريدا بحوران " (2) هذا هو الصواب الموافق لما رواه أبو الفرج في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من كتاب مقاتل الطالبين ص 66. ومثله رواه أيضا البلاذري في الحديث: " 46 " من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 3 ص 40 ط بيروت. وفي أصلي ها هنا تصحيف، ورواه أيضا ابن عبد ربه في العقد الفريد، وفيه أيضا في الطبعة البيروتية تصحيف: " ولم يحذر نفاقك ؟ كما في عنوان: " يوم صفين " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 81 ط لبنان. (*)

[ 37 ]

وخطب علي عليه السلام يوم صفين لاصحابه فقال: أيها الناس إن الموت (حثيث) لا يعجزه هارب ولا يفوته مقيم اقدموا ولا تنكلوا فليس عنه محيص والذي نفس ابن أبي طالب بيده إن (ألف) ضربة بالسيف (على رأسي) أهون (علي) من موتة على فراش (1). أيها الناس اتقوا السيوف بوجوهكم والرماح بصدوركم وموعدي وإياكم الراية الحمراء (2). فقال رجل من أهل العراق: ما رأيت كاليوم خطيبا يأمرنا أن نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بصدورنا ويعدنا راية بيننا وبينها مائة ألف سيف ! ! قال أبو عبيد في كتابه التاج (3): وجمع علي بن أبي طالب رئاسة بكر ورايتها يوم صفين للحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة وجعل ألويتها تحت لوائه فقال فيه عليه السلام (4): لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل: قدمها حضين تقدما يقدمها في الصف حتى يزيرها (5) حياض المنايا يقطر السم والدما جزى الله عني والجزاء بكفه ربيعة خيرا ما أعف وأكرما


(1) ما بين المعقوفين زيادة منا لاصلاح الكلام، وببالي أن ما وضعناه بين المعقوفين ورد في روايات ومصادر أخر، ولكن لم يتيسر لي المراجعة. وفي العقد الفريد: " إن ضربة سيف أهون من موت الفراش ؟ ". (2) لا عهد لي بمصدر يذكر هذا الدليل عنه عليه السلام غير عقد الفريد: ج 3 ص 110. (3) لا عهد لي بكتاب التاج لابي عبيد. (4) كذا في العقد الفريد: ج 5 ص 82 ولكن زاد بعد قوله: " تحت لوائه " ما لفظه: وكانت له راية سوداء يخفق ظلها إذا أقبل، ولم يغن أحد في صفين غناءه، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " لمن راية سوداء " وساق كلامه عليه السلام إلى قوله: " ادخلوا بسلام " وفي أصلي من جواهر المطالب ها هنا تكرار كلمات. (5) هذا هو الصواب المذكور في جميع مصادر الابيات وهكذا في العقد الفريد: ج 3 ص 110، من الطبعة الازهرية، وفي ط لبنان: ج 5 ص 82، وفي أصلي من مخطوطة جواهر المطالب تصحيف. (*)

[ 38 ]

وكان (لطائفة) همدان بلاء يوم صفين (1) حتى قال فيهم (علي) عليه السلام: لهمدان أخلاق ودين يزينهم وبأس إذا لاقوا (2) وحسن كلام فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت همدان: ادخلي (3) بسلام وقال أبو الحسن (المدائني): كان علي بن أبي طالب يخرج كل غداة بصفين في سرعان الخيل فيقف بين الصفين ويقول: يا معاوية يقتل الناس ؟ (4) ابرز إلي وأبرز إليك فيكون الامر لمن غلب. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أنصفك الرجل ! ! فقال (له) معاوية: أردتها والله يا عمرو والله لارضيت عنك حتى تبارز عليا. فبرز (عمرو) إليه متنكرا فلما غشيه علي بالسيف / 79 / أ / رمى بنفسه (إلى الارض) وأبدى له عورته فصرف علي وجهه عنه وانصرف عمرو (5) قال: فجلس (عمرو) يوما مع معاوية فلما نظر إليه (معاوية) ضحك فقال له عمرو: مم تضحك أضحك الله سنك ؟ ! ! قال: من حضور ذهنك يوم بارزت عليا إذ اتقيته بعورتك أما والله لقد صادفته كريما منانا ولولا ذلك لخرم رفغيك بالرمح ! ! ! فقال له عمرو: والله إني عن يمينك إذ دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وربا سحرك وبدا منك ما أكره ذكره لك وأنت أعلم به (6). وذكر عمرو بن العاص عند علي رضي الله عنه فقال فيه علي: عجبا لابن النابغة يزعم أني تلعابة أعافس وأمارس أما - وشر القول أكذبه (7) - إنه


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وكان من همدان في صفين بلاء (حسن) فقال فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه... ". (2) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد: ج 5 ص 82، وفي أصلي: " يعزهم ببأس... " (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " ادخلوا بسلام ". (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " يقتتل الناس ". (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فلما غشيه علي... رمى بنفسه إلى الارض وأبدى له سوأته ! ! ! فضرب علي وجه فرسه وانصرف عنه ؟ " (6) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فجلس معه معاوية يوما فنظر إليه (وهو) يضحك... وبدا منك ما أكره ذكره لك ". (7) هذا هو الصواب المذكور في غير واحد من المصادر، وها هنا في كل من جواهر المطالب والعقد الفريد حدث التصحيف في كلمات. (*)

[ 39 ]

ليسأل فيلحف ويسأل فيبخل فإذا حمي البأس وحمي الوطيس وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا أن يترفط ثيابه ويمنح الناس أسته قبحه الله وترحه وأخزاه وفضحه (1).


(1) كلمة: " يترفط " غير واضحة في أصلي. وفي العقد الفريد: " فإذا احمر البأس وحمي الوطيس وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا نزعه ثيابه ويمنح الناس أسته ؟ أغصه الله وترحه ". وفي طبعة مصر: ج 3 ص 111 أيضا تصحيف: لم يكن له هم إلا غرقة ثيابه ويمنح الناس... (*)

[ 40 ]

ذكر مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه قال العتبي: لما التقى الناس بصفين نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة الذي يقال له: المرقال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ارقل ليموت (1) وكان أعور والراية بيده وهو يقول: أعور يبغي نفسه محلا قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا فقال معاوية لعمر بن العاص: يا عمرو هذا المرقال والله لئن زحف بالراية زحفا إنه ليوم أهل الشام الاطول لكني أرى أن (ابن) السوداء إلى جنبه - (يعني) عمارا - وفيه عجلة في الحرب وأرجو أن تقدمه للهلكة (2). وجعل عمار يقول: يا أبا عتبة تقدم. فيقول (هاشم): يا أبا اليقظان أنا أعلم بالحرب منك دعني أزحف بالراية زحفا. فما أضجره (تحريض عمار) تقدم. وأرسل معاوية (خيلا) فاختطفوا عمارا رحمه الله وكان يسمي أهل الشام يوم قتل عمار يوم فتح الفتوح (3). وقال أبو بكر ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون (عن العوام بن حوشب عن أسود بن مسعود): عن حنظلة بن خويلد قال: إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار كل واحد منهما يقول: أنا قتلته ! ! فقال لهما (عبد الله بن) عمرو بن العاصي: ليطب به أحدكما نفسا (لصاحبه) فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (له): يا عمار تقتلك الفئة الباغية (4).


(1) كذا في عنوان: " مقتل عمار " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 83 ط لبنان، وفي أصلي: " ارقد ليموت ؟ ". (2) وفي العقد الفريد: " وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة ". (3) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي هنا بعض النقص. (4) وهذا الحديث بهذا السند رواه ابن أبي شيبة في عنوان: " باب ما ذكر في (أمر) صفين " في كتاب (*)

[ 41 ]

(فقال معاوية لعمرو: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو ؟ فما بالك معنا ؟ قال (عبد الله): إني معكم ولست أقاتل إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه. فأنا معكم ولست أقاتل). وعن أبي بكر ابن أبي شيبة (1) عن ابن علية عن ابن عون عن الحسن (البصري) عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية.


الجمل تحت الرقم: " 19691 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 291 ط الهند. وما وضعناه في المتن بين المعقوفين مأخوذ منه ومن المصادر الذي نذكرها الان، وكان ساقطا من أصلي. ورواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 83. ورواه أيضا ابن سعد بالسند المتقدم عن ابن أبي شيبة، وبأسانيد أخر من ترجمة عمار من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 181، وفي طبعة بيروت ص 253. ورواه أيضا أحمد بن حنبل في أوائل مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي أواخره من كتاب المسند: ج 2 ص 164، وص 206. ورواه أيضا البلاذري في الحديث: " 400 " من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الحديث: " 380 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1، ص 168، ط 1، وج 2 ص 312. (1) هذا هو الصواب المذكور في رواية ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19697 " من المصنف: ج 15، ص 293. وفي مخطوطة جواهر المطالب، " عن أبي علية عن أبي عون عن الحسن عن أبيه... " والحديث رواه ابن سعد بأسانيد عن أم المؤمنين أم سلمة في ترجمة عمار بن ياسر، من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 180، وفي طبعة بيروت: ج 3 ص 252. ورواه أيضا النسائي بأسانيد كثيرة تحت الرقم " 156 " وما بعده من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ص 289 طبعة بيروت بتحقيق المحمودي. ورواه أيضا بأسانيد الحافظ البيهقي في عنوان: " باب ما جاء في إخبار النبي (ص) بما يحدث بعده " من كتاب دلائل النبوة الورق 210 / ب / من نسخة قيمة يظن أنها كتبت في القرن السابع، وفي طبعة بيروت: ج 6 ص 420. ورواه الحافظ ابن عساكر على وجه بديع بأسانيد في ترجمة عمار قدس الله روحه القدوسي من تاريخ دمشق: ج 11، من المخطوطة الظاهرية. (*)

[ 42 ]

وعن أبي بكر بن (أبي شيبة) (1) عن علي بن حفص عن أبي معشر عن محمد بن عمارة (بن خزيمة بن ثابت) قال: ما زال جدي خزيمة بن ثابت كافا سلاحه (يوم صفين ويوم الجمل) حتى قتل عمار فلما قتل سل سيفه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية. وما زال يقاتل حتى قتل. وقال: أبو بكر عن غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين وهو شيخ آدم طوال آخذ الحربة بيده ويده ترعد وهو يقول: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الحربة ؟ مع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة. والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى بلغنا سعفات هجر لعرفت أنا على الحق وأنهم على الباطل. ثم جعل يقول: صبرا عباد الله الجنة تحت ظلال السيوف (2).


(1) رواه ابن أبي شيبة في عنوان: " ما ذكر في (أمر) صفين " في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19721 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 302 ط 1. ورواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " - ولكن ليس فيه: " ويوم الجمل " - من العقد الفريد: ج 5 ص 84 ط بيروت. (2) ورواه أيضا - عن ابن أبي شيبة - ابن عبد ربه في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 84. وقريبا منه ذكره في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19712 " من المصنف: ج 15، ص 297 ط الهند، قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا ويداه ترتعش وبيده الحربة فقال: لو ضربونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل. وذيل الحديث - وتاليه - صحفه بعض النواصب بقول: " لعلمت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الباطل ". وأيضا روى ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19718 " من المصنف: ج 15، ص 299 قال: حدثنا غندر عن شعبة، عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة سمعه يقول: رأيت عمارا يوم صفين شيخا طوالا آخذ حربة بيده ويده ترعد فقال: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أنا على الحق وأنهم على الباطل أنه بعينه الرواية التي نقلها المصنف هنا ولكن سقط منه شئ (*)

[ 43 ]

وقال أبو بكر ابن أبي شيبة (1) عن وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي البختري قال لما كان يوم صفين واشتد الحرب دعا عمار بشربة لبن فشربها وقال: إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال لي: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة (من) لبن. وعن أبي يزيد (عن محمد بن يحيى) (2) عن محمد بن عبد الرحمان عن أبيه عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما بنى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن فقرب ما كان يحتاج إليه ثم قام فوضع رداءه فلما رآى ذلك المهاجرون والانصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون (3): لئن قعدنا والنبي يعمل فإن ذاك العمل المضلل (4) قالت: وكان عثمان (بن عفان) رجلا نظيفا (متنظفا) وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه وإذا وضعها نفض بكفيه ونظر إلى ثوبه فإن أصابه تراب نفضه فنظر إليه علي عليه السلام ثم أنشأ يقول: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها راكعا وساجدا وقائما 80 / أ / طورا قاعدا ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني (بها) فسمعه عثمان فقال: يا ابن سمية ما أعرفني بمن تعرض ؟ و (كان) معه جريدة فقال: لتكفن أو لاعترضن بهذه الجريدة وجهك ! ! !


ورواه ابن عبد ربه من غير تحريف في العقد الفريد: ج 3 ص 111، ط مصر، وأيضا رواه على نحو الصواب ابن سعد في ترجمة عمار من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 259 ط بيروت. ومثله رواه البلاذري في الحديث: (386) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 317 ط 1. ومثلهما رواه الحاكم في فضائل عمار من المستدرك: ج 3 ص 384 و 386 وليلاحظ ص 392 منه أيضا. (1) رواه ابن أبي شيبة في العنوان المتقدم الذكر تحت الرقم:، " 19723 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 302. (2) ما بين المعقوفين مأخوذ من عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من العقد الفريد: ج 5 ص 84 وفيه: " أبو ذر عن محمد بن يحيى بن عبد الرحمان... ". (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فلما رآى ذلك المهاجرون والانصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يعملون ويرتجزون ويقولون:... (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " ذاك إذا لعمل مضلل ". (*)

[ 44 ]

فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط فقال: عمار جلدة بين عيني وأنفي فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني. وأشار بيده فوضعها بين عينيه. فكف الناس عنه (1) وقالوا لعمار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لك ونخاف أن ينزل فينا قرآن ! ! فقال (عمار): أنا أرضيه كما غضب فأقبل إليه فقال: يا رسول الله مالي ولاصحابك ؟ قال: ما لك ولهم ؟ قال: يريدون قتلي يحملون لبنة لبنة ويحملون علي لبنتين لبنتين. فأخذه (النبي) وطاف به في المسجد وجعل يمسح عن وجهه التراب وجعل يقول: يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي ولكن يقتلك الفئة الباغية. فلما قتل (عمار) بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال معاوية: هم قتلوه لانهم أخرجوه إلى القتل ! ! ! فلما بلغ ذلك عليا: ونحن قتلنا أيضا حمزة لانا أخرجناه ! ! ! (2). قال أبو بكر ابن أبي شيبة (3): انقضت وقعة صفين عن سبعين ألف قتيل خمسين


(1) وللقضية مصادر وأسانيد جمة، يجد الطالب كثيرا منها في حرف الدال من الباب السادس من كتاب نهج السعادة. وأيضا حديث: " تقتل عمارا الفئة الباغية " من أثبت أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متواتر عنه (ص) وقد أخرجه الحافظ ابن عساكر على وجه بديع في ترجمة عمار من تاريخ دمشق. وقد رواه النسائي أيضا بأسانيد في الحديث: " 157 " وما بعده من كتاب خصائص علي عليه السلام ص 289 - 301 ط بيروت بتحقيق المحمودي. وأيضا رواه مسلم بأسانيد في الباب " 18 " من كتاب الفتن وأشراط الساعة تحت الرقم: " 2915 " وما بعده من صحيحه: ج 4 ص 2235 ط الحديث. ورواه أيضا محمد بن سليمان الكوفي اليمني تحت الرقم: " 828 " في أواخر الجزء السادس من كتابه: مناقب علي عليه السلام الورق 176 / ب / وفي ط 1: ج 2 ص 350. ورواه أيضا بأسانيد ابن كثير عند ذكره شهادة عمار رفع الله مقامه في حوادث سنة: " 37 " الهجرية من تاريخه البداية والنهاية: ج 8 ص 269 طبعة دار الفكر. (2) رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19706 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 295 قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن سيرين قال: بلغ القتلى يوم صفين سبعين ألفا فما قدروا على عدهم إلا بالقصب، وضعوا على كل إنسان قصبة ثم عدوا القصب. (3) كذا في العقد الفريد: ج 5 ص 86 ط بيروت، ولفظ أصلي غامض. وليراجع ما رواه ابن أبي شيبة تحت الرقم: " 19713 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 297. (*)

[ 45 ]

ألفا من أهل الشام وعشرين ألفا من أهل العراق. فلما انصرف الناس من صفين قال عمرو بن العاصي: شبت الحرب فأعددت لها مفرع الحارك محبوك الثبج يصل الشر بشر فإذا (1) وثب الخيل من الشر معج (جرشع أعظمه جفرته فإذا ابتل من الماء خرج) (2) وقال السيد الحميري - وهو من كبار الشيعة وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة في مسجد الكوفة (كي يتكئ عليها) -: إني أدين بما دان الوصي به وشاركت كفه كفي بصفينا في سفك ما سفكت فيها إذا احتضروا وأبرز الله للقسط الموازينا تلك الدماء معا يا رب في عنقي ومثلها فاسقني آمين آمينا آمين من مثلهم في مثل حالهم في فتية هاجروا في الله شارينا ليسوا / 80 / ب / يريدون غير الله ربهم نعم المراد توخاه المريدونا وقال النجاشي - وكتب بها إلى معاوية - وهو بصفين: يا أيها الملك المبدي عداوته انظر لنفسك أي الامر تنتظر فإن نفست على الاقوام مجدهم فابسط يديك فإن الخير ينتظر واعلم بأن علي الخير من نفر شم العرانين لا يعلوهم بشر نعم الفتى أنت لولا أن بينكما كما تفاضل ضوء الشمس والقمر وما إخا لك إلا لست منتهيا حتى ينالك من أظفاره ظفر


(1) كذا في العقد الفريد: ج 3 ص 112، ط القديم بمصر، وفي أصلي تصحيف. (2) ما بين المعقوفين غير موجود في أصلي من جواهر المطالب، وإنما هو من كتاب العقد الفريد. (*)

[ 46 ]

خبر عمرو بن العاصي مع معاوية عن سفيان بن عيينة قال: أخبرني أبو موسى (البصري إسرائيل بن موسى (1)) قال: أخبرني الحسن (البصري) قال: علم - والله - معاوية أنه (لو) لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر (2) فقال له: يا عمرو بايعني. قال (عمرو): لماذا ؟ الاخرة ؟ فو الله ما معك آخرة ! ! ! أم للدنيا ؟ فو الله لا كان ذلك حتى أشاركك فيها ! ! قال (معاوية): فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له وكتب في آخر الكتاب: (وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب:) السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا (3) قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا ؟ قال (عمرو): لا والله لا أكتب حتى تكتب قال: فكتب والله ما يجد بدا من كتابتها (4). ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يتكلم في مصر وعمرو يقول: إنما أبيعك بها ديني ! ! ! فقال عتبة: أثمن الرجل بدينه فإنه من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (5). وكتب عمرو بن العاصي إلى معاوية: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل به منك دنيا فانظرن كيف تصنع وما الدين والدنيا سواء وإنني لاخذ ما تعطي ورأسي مقنع


(1) ما بين المعقوفات ماخوذ من ترجمة إسرائيل بن موسى من كتاب تهذيب التهذيب: ج 1، ص 261 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 87 " قال: علم معاوية - والله - إن لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر ". (3) ما بين المعقوفات مأخوذ من كتاب العقد الفريد، وقد سقط من أصلي من مخطوطة جواهر المطالب الورق 80 / ب /. (4) هذا هو الظاهر، وجملة: " لا والله لا أكتب " قد سقطت أو أسقطت من كتاب العقد الفريد. (5) هذا هو الظاهر، أي قدر للرجل ثمنا بإزاء دينه الذي تريد أن تشتري منه، فإن الرجل عند الناس يعد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم مرموقون عند الناس وتستفيد من وجاهتهم إذا كانوا معك. وها هنا في أصلي المخطوط وفي العقد الفريد كليهما تصحيف، وهذ شنشنة معروفة من بني أخزم حول مناقب أهل البيت عليهم السلام ومخازي أعدائهم ! ! ! (*)

[ 47 ]

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة (1) أخذت بها شيخا يضر وينفع ولما قدم عمرو على معاوية وقام معه في شأن (حرب) علي بعد أن جعل له مصر طعمة قال له: إن بأرضك رجلا له شرف واسم وإنه إن قام معك استهويت به قلوب الرجال وهو / 81 / أ / عبادة بن الصامت (2) فأرسل إليه معاوية فلما أتاه وسع له بينه وبين عمرو بن العاصي فجلس (عبادة) بينهما فحمد الله معاوية وأثنى عليه وذكر فضائل عبادة وسابقته وذكر عثمان وفضائله وما ناله وحضه على القيام معه في نصرته. فقال عبادة: قد سمعت ما قلت أتدريان لم جلست بينكما ؟ قالا: نعم لفضلك وسابقتك وشرفك ! ! قال: لا والله ما جلست بينكما لذلك وما كنت لاجلس بينكما في مكانكما ولكن (لاجل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم) بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدثان فالتفت إلينا وقال: إذا رأيتموهما جميعا (3) ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير أبدا ! ! !


(1) هذا هو الظاهر المذكور في أصلي، وفي طبعة لبنان من العقد الفريد: " فأربح صفقة... ". وللقصة وأبيات ابن النابغة مصادر جمة يقف الباحث على كثير منها في صدر المختار: " 173 " وتعليقته من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 65 وما حولها من ط 1. (2) والرجل صحابي بدري من رجال الصحاح الست السنية مترجم في حرف العين من تهذيب التهذيب: ج 5 ص 111، وتحت الرقم: " 4497 " من كتاب الاصابة: ج 2 ص 268، وكذلك في الاستيعاب بهامش الاصابة. (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 88 ط بيروت: " إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما... ". وما بعده أيضا بعض كلماته يغاير ما ها هنا. والحديث رواه ابن عساكر، في ترجمة عمرو بن العاص من تاريخ دمشق: ج 42 ص 99 قال: أنبأنا أبو علي الحداد - وحدثني أبو مسعود الاصبهاني عنه - (قال:) أنبأنا أبو نعيم الحافظ، أنبأنا سليمان بن أحمد، أنبأنا يحيى بن عثمان بن صالح أنبأنا سعيد بن عفير أنبأنا سعيد بن عبد الرحمان، وولد من ولد شداد بن أوس ؟ عن أبيه عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه: أنه دخل على معاوية وهو جالس، وعمرو بن العاص على فراشه ؟ فجلس شداد بينهما وقال: هل تدريان ما مجلسي بينكما ؟ (قالا: لشرفك وسابقتك. قال: لا بل) لاني سمعت رسول الله (ص) يقول: " إذا رأيتموها جميعا ؟ ففرقوا بينهما فو الله ما يجتمعا إلا على غدرة " فأحببت أن أفرق بينكما ! ! ! أقول: كان في أصلي: " فو الله ما اجتمعا إلا على عذره ! ! ! وما وضعناه بين المعقوفين أيضا كان (*)

[ 48 ]

فأنا أنهاكما عن إجتماعكما، وأما ما دعوتماني إليه من القيام معكما فإن لكما عدو هو أغلظ أعدائكما عليكما وأنا كائن من ورائكم وإذا اجتمعتم على شئ دخلنا فيه إن شاء الله تعالى.


محذوفا من أصلي وأخذناه مما ذكره الباعوني وابن عبد ربه في عنوان: " خبر عمرو بن العاص ومعاوية " من العقد الفريد: ج 4 ص 114، وفي ط: ج 5 ص 88. ثم إنا وجدنا الحديث في أواخر مسند شداد بن أوس تحت الرقم (7161) من المعجم الكبير: ج 7 ص 289 وفيه: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني شداد بن عبد الرحمان من ولد شداد بن أوس، عن أبيه يعلي بن شداد... ورواه عنه الهيثمي وقال: وفيه عبد الرحمان بن يعلى ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. كما في مجمع الزوائد: ج 7 ص 241 ولسان الميزان: ج 3 ص 36. (*)

[ 49 ]

الباب الخامس والخمسون فيما كان (بصفين) من تحكيم الحكمين وما كان منهما بعد ذلك قال أبو الحسن (المدائني): لما كان يوم الهرير وهو أعظم يوم بصفين زحف أهل العراق إلى أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم حتى انتهوا إلى سرداق معاوية فدعا بالفرس وهم بالهزيمة (ثم) التفت إلى عمرو بن العاصي فقال: ما عندك (لمثل هذه الساعة) ؟ قال: تأمر بالمصاحف فترفع في أطراف الرماح ويقال: هذا كتاب الله بيننا وبينكم. ففعل (معاوية ذلك). فلما نظر أهل العراق إلى المصاحف اختلفوا فقال بعضهم نحاكمهم إلى كتاب الله . وقال بعضهم: لا نحاكمهم لانها على الحق واليقين من أمرنا ولسنا على شك ثم اجتمع أمرهم على التحكيم فهم (علي) أن يقدم أبا الاسود الدؤلي فأبى الناس عليه ! ! ! فقال له ابن عباس: اجعلني أحد الحكمين فو الله لافتلن (لك) حبلا لا ينقطع وسطه ولا ينثر طرفاه. (ف‍) قال له علي: لست من كيدك وكيد معاوية في شئ (1) ولا أعطيه إلا السيف حتى يغلب الحق. قال (و) هو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يعطيك الباطل (2) قال: وكيف ذلك ؟ قال: لانك تطاع اليوم وتعصى غدا وهو يطاع ولا يعصى. فلما انتشر على علي أصحابه قال: لله (در) ابن عباس إنه لينظر / 81 / ب / (الى) الغيب من ستر رقيق (3)


(1) ومثله في عنوان: " أمر الحكمين " من حوادث وقعة صفين من الطبعة الازهرية من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 114. ولم يعلم من أين أخذ ابن عبد ربه هذا المطلف الضعيف المعارض لما جاء في كثير من المصادر (2) كذا في أصلي، وفي الطبعة الازهرية من العقد الفريد: " حتى يغلبك الباطل ؟ ". هذا خلاف ما جاء في المصادر الموثوقة، وما أدري من أين أخذ المؤلف هذا المطلب، والذي جاء في مصادر عديدة: أنه لما اتفق جمهور جند العراق على قبول التحكيم وأكرهوا أمير المؤمنين عليه السلام على قبوله، أراد عليه السلام أن يجعل ابن عباس حكما ولكن الاشعث وعشيرته والخوارج أبوا عليه ذلك، فأراد أن يختار الاشتر للحكومة، فأبى عليه الاشعث ومن على شاكلته. (3) هذا تقول على أمير المؤمنين عليه السلام فإنه كان ينظر إلى الغيب بلا ستار، كما قال عليه السلام: " (*)

[ 50 ]

ثم اجتمع أصحاب البرانس وهم وجوه أصحاب علي عليه السلام على أن يقدموا أبا موسى الاشعري وكان مبرنسا وقالوا: لا نرضى بغيره ! ! ! فقدمه علي (1) وقدم معاوية عمرو بن العاصي فقال له (معاوية): إنك رميت برجل طويل اللسان قصير الرأي فلا ترمه بعقلك كله. وأجلي لهما مكان يجتمعان فيه (فلما أتياه) فأمهله عمرو بن العاصي ثلاثة أيام ثم أقبل إليه بأنواع الطعام يشهيه بها حتى استبطن أبو موسى وكان معاوية أمره بذلك وقال له: إن البطنة تذهب الفطنة (2). ثم ناجاه عمرو فقال له: يا أبا موسى إنك شيخ من أصحاب محمد وذو فضلها وسابقتها وقد ترى ما وقعت فيه الامة من الفتنة العمياء التي لابقاء معها فهل لك أن تكون ميمون هذه الامة فيحقن الله بك دماءها فإن الله يقول: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * (32 / المائدة: 5) في نفس واحدة فكيف بمن أحيا هؤلاء الخلق ؟ (3) فقال له (أبو موسى): فكيف ذلك ؟ قال: تخلع أنت علي بن أبي طالب وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ونختار لهذه الامة رجلا لم يحضر في شئ من هذه الفتنة ولم يغمس يده فيها ! ! ! قال (أبو موسى): ومن يكون ذلك ؟ قال عمرو بن العاصي - وقد فهم رأي أبي موسى في عبد الله بن عمر -: فقال: (هو) عبد الله بن عمر. قال (أبو موسى): أما إنه كما ذكرت ولكن كيف لي بالوثيقة منك ؟ قال له عمرو: * (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) * (4) خذ (عني) من العهود والمواثيق واليمين ما يرضيك مني. ثم لم يبق عمرو بن العاصي عهدا


لو كشف لي الغطاء ما إزددت يقينا ". وابن عباس وغيره إن كان عندهم شئ من علم الحقائق والاسرار، فهم عياله في ذلك، كما يدل على ذلك قول ابن عباس: علمي بالنسبة إلى علم علي كالقرارة في البحر المثعنجر. هذا أو قريب منه، وببالي أن الحديث مذكور في مادة " ثعجر " من كتاب لسان العرب والقاموس وتاج العروس: ج 3 ص 75. (1) كذا قال، وكان الصواب أن يقول: فقبله بعدما أباه ورده مرارا. وذلك لان نوكى القراء والاشعث المنافق أصروا على عدم قبول غير الاشعري. (2) من قوله: " وكان معاوية أمره بها " إلى قوله: " تذهب الفطنة " غير موجود في طبعة بيروت من العقد الفريد: ج 5 ص 89. (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فيحقن الله بك دماءها، فإنه يقول في نفس واحدة: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله ؟ !. (4) ما بين النجمتين هي الاية: (28) من سورة آل عمران: 3، اقتبسها كلب الحكمين لاغفال حمار الصحابة والحكمين ! ! !. (*)

[ 51 ]

ولا موثقا ولا يمينا مؤكدة يحلف بها مؤمن إلا حلف بها حتى بقي الشيخ (أبو موسى) مبهوتا فقال له: قد أجبتك. فنودي في الناس بالاجتماع إليهما فاجتمعوا، فقال له عمرو: قم فاخطب (الناس) يا أبا موسى. قال: بل أنت قم. قال: سبحان الله أنا أتقدم (عليك) وأنت شيخ من أصحاب محمد والله لا أفعل وعسى في نفسك أمر أو شئ ؟ فزاده إيمانا وموثقا وعهودا (1) حتى قام الشيخ فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إنه (قد) أجمعت أنا وصاحبي على أن أعزل أنا علي بن أبي طالب ويعزل هو / 82 / أ / معاوية بن أبي سفيان ونجعل هذا الامر لعبد الله بن عمر فإنه لم يحضر في فتنة ولم يغمس يده في دم مسلم ألا وإني قد خلعت علي بن أبي طالب كما أخلع سيفي هذا. ثم خلع سيفه من عاتقه (2). ثم جلس وقال لعمرو: قم. فقام عمرو ثم قال: أيها الناس إنه قد كان من رأي صاحبي ما سمعتم وإنه قد أشهدكم أنه قد خلع علي بن أبي طالب كما خلع سيفه، وأنا اشهدكم أني أثبت معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا. وكان قد خلع (سيفه) قبل أن يقوم للخطبة فأعاده إلى نفسه ! ! ! فاضطرب الناس وخرجت الخوارج (3) فقال أبو موسى لعمرو: لعنك الله إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ! ! ! فقال له عمرو: وأنت فلعنك الله إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا ! ! ! (4).


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " قال: سبحان الله أنا أتقدمك وأنت شيخ أصحاب محمد ؟ والله لافعلت أبدا ! ! قال: أو عسى في نفسك أمر ؟ فزاده إيمانا وتوكيدا... " (2) معاشر العقلاء انظروا إلى الضليل الغبي، بعث ليحكم بحكم القرآن على تعيين ولي الامر وزعيم الامة، فطفق يبدي رأيه ويتبع خطواته الشيطانية، ويقول: أجمعت أنا وصاحبي على كذا ! ! ! (3) كذا في أصلي، ومثله في العقد الفريد: ج 3 ص 116، ط مصر، وهذا سهو منهما فإن الخوارج أخزاهم الله قد خرجوا قبل ذلك بمدة. (4) هذه شهادة كلب الحكمين وحمارها على أنفسهما - ولها شواهد قطعية يجدها الطالب في بداية حرب الجمل وصفين من كتب التاريخ - وبها يتجلى ضلاله ابن كثير فيما أورد في عنوان: " ما جاء في إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي رضي الله عنه " من البداية والنهاية ط دار الفكر: ج 6 ص 215 قال: والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما عمرو بن العاص... وأبو موسى... قال المحمودي إذا كان ابن العاص كلبا وملعونا بشهادة صاحبه وأبو موسى حمارا وملعونا بشهادة ابن العاص فإدعا كونهما من خيار الصحابة - كما يزعمه ابن كثير - مناقض لعقيدة كل واحد منهما في (*)

[ 52 ]

وخرج أبو موسى من فوره إلى مكة مستعيذا بالله من علي بن أبي طالب وحلف عى أن لا يكلمه أبدا وأقام بمكة حينا حتى كتب إليه معاوية (بما لفظه): سلام عليك أما بعد فإن النية لو كانت تدفع الخطأ لنجا المجتهد وأعذر الطالب والحق لمن نصب له فأصابه وليس لمن عرض (له) فأخطأه (1) وقد كان الحكمان إذا حكما على رجل ؟ لم يكن له الخيار عليهما وقد اختاره القوم عليكم فاكره منهم ما كرهوه منك (2) وأقبل إلى الشام فإني خير لك من علي ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكتب إليه أبو موسى: سلام عليك أما بعد فإنه لم يكن مني في علي شئ إلا ما كان من عمرو فيك غير أن أردت بما صنعت (ما عند) الله وأراد عمرو ما عندك وقد كان بيني وبينه شروط وشورى عن تراض فلما رجع عمرو رجعت. وأما قولك: إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما فإنما ذلك في الشاة والبعير والدينار والدرهم، فأما في أمر هذه الامة فليس لاحد فيما تكره حكم، ولن يذهب الحق عجز عاجز ولا خديعة فاجر.


صاحبه، وعدهما من خيار الصحابة نظير عد ابن أبي المنافق وأمثاله من خيار الصحابة ؟ وليس هذا بعيدا من ابن كثير وأضرابه، فإنهم عدوا جميع أعداء علي عليه السلام خيارا مع تواتر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من طريقهم -: " يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " أكان ابن أبي سفيان وأنصاره والحمار الاشعري من أحبة علي أم من مبغضيه ؟ ! !. (1) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد: ج 5 ص 92، وفي أصلي: " والحق لما نصب له ". (2) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: " وقد كان الحكمان إذ حكما على رجل... وقد اختاره القوم عليكم ". (*)

[ 53 ]

وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي رغبة عن مقام إبراهيم (1). فبلغ عليا كتاب معاوية إلى أبي موسى فكتب إليه: سلام عليك أما بعد فإنك امرء أضلك الهوى واستدرجك الغرور وخفق لك حسن الظن / 82 / ب / لزومك بيت الله غير حاج ولا قاطن فاستقل الله يقلك فإن الله يغفر (ولا يغفل) وأحب عباده إليه التوابون (2). فكتب جوابه إليه: سلام عليك فإنه والله لولا أني خشيت أن يرفعك مني منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك علي لم أجبك (3) لانه ليس لي عندك عذر فينفعني ولا قوة تمنعني وأما قولك في لزوم بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن فإني أسلمت أهل الشام (4) وانقطعت عن أهل العراق وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم وعظموا من حقي ما صغرتم إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير. وكان علي بن أبي طالب إذ وجه الحكمين قال لهما: إنا حكمناكما على أن تحكما بكتاب الله فتحيا ما أحيا القرآن وتميتا ما أمات القرآن. فلما كاد عمرو بن العاصي أبا موسى اضطرب الناس على علي واختلفوا (عليه) وخرجت الخوارج وقالوا: لا حكم إلا لله. وجعل علي يتمثل بهذه الابيات: لي زلة إليكم فأعتذر ؟ سوف أكيس بعدها وانشمر (5) وقال أبو الحسن (المدائني): قدم أبو الاسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة فقال له معاوية: بلغني يا أبا الاسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين فما كنت تحكم (لو جعلك أحدهما ؟) قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين (


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي رغبة عن حرم إبراهيم ". (2) كذا في أصلي، غير أن رسم الخط من لفظ " حقق " فيه إلى " خفق " أقرب منه إلى " حقق ". وفي العقد الفريد وغير واحد من المصادر: " أما بعد فإنك امرء ضللك الهوى " وما بين المعقوفين مأخوذ منه. (3) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: " إلى عظيم ما في نفسك علي... ". (4) كذا في أصلي غير أن لفظة: " حاج " كانت فيه مصحفة، وفي العقد الفريد: " فإني اعتزلت أهل الشام ". (5) نسبة هذه الابيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام غير صحيحة إلا على إرادة الاستفهام الانكاري، إذ الصواب كان معه عليه السلام بداية ونهاية، فمتى كان مخطئا حتى يحتاج إلى الاعتذار إليهم ؟ (*)

[ 54 ]

وأبناء المهاجرين) وألفا من الانصار (وأبناء الانصار) ثم ناشدت الله المهاجرين والانصار وأبناء (المهاجرين) والانصار: من أولى بهذا الامر ؟ الطلقاء وأبناء الطلقاء ؟ أم المهاجرين والانصار ؟ قال معاوية: لله أبوك أي حكم كنت وأي (حكم) كنت حكمت به ؟ ! ! والله المستعان ؟.

[ 55 ]

الباب الخامس والخمسون فيما كان من تحكيم الحكمين وما كان منهما بعد ذلك، كل ذلك نذكره على طريق الاختصار والله المستعان (1) قال أبو الحسن (المدائني): لما انقضى أمر الحكمين واختلف أصحاب علي عليه، قال بعض الناس: ما منع أمير المؤمنين أن يأمر (بعض) أهل بيته فيتكلم فإنه لم يبق أحد من رؤساء العرب إلا وقد تكلم (قال:) فبينا علي يوما على المنبر إذ التفت (إلى) الحسن ابنه فقال: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس وعمرو بن العاصي. فقام الحسن: فقال: أيها الناس قد أكثرتم في هذين الرجلين وإنما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب (2) ومن كان هكذا لا يسمى حكما ولكنه محكوم عليه / 82 / أ / وقد أخطأ عبد الله بن قيس إذ جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة (منها) أنه خالف أباه إذ لم يرضه لها ولا جعله من أهل الشورى. وأخرى فإنه لم يستأمره في نفسه. وثالثة أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والانصار الذين يعقدون الامارة ويحكمون بها على الناس. وأما الحكومة فرضي الله (بها) وقد حكم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم برضاء الله لا شك فيه (3) ولو خالف لم يرضه رسول


(1) كذا في الورق 82 / أ / من أصلي، ومثله في مقدمة المصنف، ولكن رجحنا أن العنوان أخر عن محله فقدمناه، ولاجل التحفظ على سياق الاصل ذكرناه على وفقه ثانيا فهذا تكرار ما قدمناه. وما ذكره المؤلف ها هنا، أورده ابن عبد ربه في عنوان: " احتجاج علي وأهل بيته في الحكمين " العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 117، ط سنة (1346) بمصر. (2) كذا في أصلي غير أن فيه: " فإنما بعثا ". وفي العقد الفريد: " وإنما بعثا ليحكما بالكتاب دون الهوى فحكما بالهوى دون الكتاب ". (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأما الحكومة فقد حكم النبي عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ (*)

[ 56 ]

الله صلى الله عليه (وآله) وسلم. ثم جلس. فقال علي عليه السلام لعبد الله بن عباس قم (فتكلم.) فقام عبد الله بن عباس فقال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه - (1): أيها الناس إن للحق أهلا أصابوه بالتوفيق والناس بين راض به وراغب عنه، فإنه إنما بعث عبد الله بن قيس يهدى إلى ضلالة وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى هدى (2) فلما التقيا رجع عبد الله عن هداه، وثبت عمرو على ضلاله ! ! ! وأيم الله لئن كانا قد حكما بما اجتمعا عليه ؟ فما اجتمعا على شئ (3) ولئن كانا حكما على ما سارا به، لقد سار عبد الله وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه، فما بعد هذا من غيب ينتظر ؟ ! فقال علي لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قم (فتكلم). فقام (عبد الله) فحمد الله وأثنى عليه فقال: أيها الناس إن هذا الامر كان النظر فيه إلى علي والرضا إلى غيره فجئتم بعبد الله بن قيس مبرنسا فقلتم لا نرضى إلا به. وأيم الله ما استفدنا به علما ولا انتظرنا منه غائبا، ولا آمنا ضعفه ولا رجونا صاحبه (4) ولا أفسدا بما عملا أهل العراق، ولا أصلحا أهل الشام ولا وضعا حق علي، ولا رفعا باطل معاوية (5) ولا يذهب الحق رقية راق ولا نفخة شيطان ونحن اليوم ما كنا عليه أمس. ثم جلس.


في بني قريظة فحكم بما يرضى الله به ولا شك... ". آ (1) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد: ج 5 ص 93، وفي أصلي: " فقال عبد الله بن عباس بعد أن حمد الله وأثنى عليه... ". (2) هذا هو الظاهر، الموجود في العقد الفريد، وفي أصلي: " فالناس بين راض به وراغب فيه، وإنما بعث عبد الله بن قيس يهدي من ضلالة ؟ وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى هدى... ". (3) هذه الجمل: " وأيم الله... على شئ " غير موجودة في طبعة بيروت من العقد الفريد: ج 5 ص 93. (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأيم الله ما استفدنا به علما ولا انتظرنا منه غائبا وما نعرفه صاحبا، وما أفسدا بما فعلا أهل العراق... ". (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وما أصلحا أهل الشام، ولا رفعا حق علي ولا وضعا باطل معاوية ". (*)

[ 57 ]

مقتل مالك (بن الحارث) الاشتر رضي الله عنه وكتب علي رضي الله عنه إلى أهل مصر - حين بعث الاشتر عاملا عليها -: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الامة الذين غضبوا الله حين عصي في الارض، وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر (1) فلا معروف يستراح إليه، ولا منكر ينهى عنه (2) سلام عليكم. أما بعد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله / 83 / أ / لا ينام أيام الخوف حذار الدوائر (3) ولا ينكل عن الاعداء أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث فاستمعوا له وأطيعوا (فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا) وإن استنفركم وانفروا معه (4) عصمكم الله بالهدى وزينكم بالتقوى وهو المستعان على ما تصفون. وقال الاصمعي: حدثني عوانة بن الحكم (5) قال: لما ولى علي مالك بن (الحارث) الاشتر (مصر) سار (إليها) فلما بلغ العريش قال (له) مولى لعثمان بن عفان: هل لك في


(1) وهذا الكتاب تقدم بأطول مما هنا في أواسط الباب: (50) من هذا الكتاب الورق 65 / ب / وفي هذه الطبعة ص 318، وفيه هكذا. إلى قوم الذين غضبوا الله، حين عصي الله وضرب الجور سرداقه على البر.... والسرداق - بضم السين -، الخيمة. الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت. الدخان أو الغبار المرتفع المحيط بالشئ. والجمع: السرداقات. والارواق: جمع الرواق - بضم أوله وكسره -: كساء مرسل على مقدم البيت من أعلاه إلى الارض. (2) كذا ها هنا، وفي كثير من المصادر: (ولا منكر يتناهى عنه). (3) وفي كثير من المصادر: لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر.. " لا ينكل - من باب ضرب ونصر وعلم -: لا يجبن ولا ينكص. وحذار الدوائر: الاحتراز والاحتراس منها. والدوائر: جمع الدائرة: النائبة من حوادث الدهر. (4) ما بين المعقوفين قد جاء في مصادر عديدة وفيها: " فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا... ". (5) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " أبو عوانة بن الحكم ". والرجل كان عثمانيا يضع الاخبار لبني أمية، وتوفي سنة: " 158 " كما في ترجمته من لسان الميزان: ج 4 ص 386. (*)

[ 58 ]

شربة من سويق ؟ قال: نعم. فجعل له فيها سما وسقاه فلما شربها يبس فبلغ (خبره) معاوية فقال: يا بردها على كبدي ثم قال: إن لله جندا من عسل ! وبلغ عليا عليه السلام فاسترجع وقال: لليدين والفم (1). وقال عمرو بن العلاء: بلغني أن عتبة بن أبي سفيان قال لابن عباس: ما منع عليا أن يبعثك مكان أبي موسى ؟ فقال (ابن عباس): منعه والله من ذلك حاجز القدر وقصر المدة ومحنة الاسلام أما والله لو بعثني لاعترضت في مدارج نفس عمرو ناقضا لما أبرم ومبرما لما نقض أسف إذا طا ير إذا أسف ولكن مضى قدر وبقي أسف وللاخرة خير لامير المؤمنين. وقال خريم بن فاتك الاسدي لو كان للقوم رأي يرشدون به أهل العراق رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل ما مثله لقضاء الامر في الناس (2) لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس وقال الاحنف بن قيس لعلي رضي الله عنه: إنك رميت بحجر الارض (3) وإنه


(1) وبما أن راوي الحديث عوانة بن الحكم كان عثمانيا لبني أمية فلا يمكن تصديقه في هذه الفقرة وأمثالها. قال ابن الاثير في مادة: " سفف " من النهاية: " وفي حديث علي (في الخطبة الشقشقية): " لكني اسففت إذ أسفوا (وطرت إذ طاروا) " أسف الطائر: دنا من الارض. وأسف الرجل للامر: قاربه. (2) كذا في أصلي: والابيات رواها نصر بن مزاحم في الجزء السادس من كتاب صفين ص 502 طبعة مصر، وفيه: لو كان للقوم رأي يعصمون به من الضلال رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل ما مثله لفصال الخطب في الناس (3) قال الازهري: وفي حديث الاحنف: قال لعلي - حين ندب معاوية عمرا للحكومة -: " لقد رميت بحجر الارض " أي بداهية عظيمة تثبت ثبوت الحجر في الارض. هكذا رواه عنه ابن الاثير في مادة: " حجر " من النهاية، كما ذكره أيضا ابن منظور في لسان العرب. وروى الطبري في حوادث سنة: " 37 " من تاريخه: ج 5 ص 52 قال: وجاء الاحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الارض وبمن حارب الله ورسوله أنف الاسلام، وإني قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، ويبعد (منهم) حتى يصير بمنزلة النجم منهم (فإن تجعلني حكما فاجعلني) فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن (*)

[ 59 ]

لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد (منهم) حتى يصير بمنزلة النجم، فإن شئت أن تجعلني حكما ثانيا فاجعلني أو ثالثا ؟ فإنه لم يعقد عقدة إلا حللتها ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت له عقدة أخرى أحكم بها. فأبا الناس إلا أبا موسى يقضي بما قضى ! ! ! (1). والذي أشار به (هو) الاشعث بن قيس وتابعه أهل اليمن. وكان (أبو موسى) قد اعتزل الناس في بعض أرض الحجاز (2) فذهب الرسل إليه فأحضروه إلى علي بن أبي طالب / 84 / أ / وأمروا أن يكتب بينهم كتابا فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم وليس بأميرنا. فقال الاحنف: لا يكتب إلا أمير المؤمنين. فقال علي (عليه السلام للكاتب): امح أمير المؤمنين واكتب: هذا ما قضى عليه علي بن أبي طالب (3) فكتب الكاتب: هذا ما قضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم من المسلمين وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم


يعقد عقدة إلا حللتها، ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها. فأبا الناس إلا أبا موسى ! ! ! أقول: ومثله في وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 501 ط مصر، وما وضعناه في المتن بين المعقوفين مأخوذ منه. (1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " يقضي الله بما قضى ". وفي كتاب صفين: ص 500 طبعة مصر: " فقال الاشعث: والله لان يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون (بعض) ما نحب في حكمهما وهما مضريان ! ! ! ". وليراجع كتاب المعيار والموازنة ص 158، طبعة بيروت. (2) هذه اللفظة في أصلي غير واضحة، وربما تقرأ: " الحجارة ". وفي كتاب وقعة صفين ص 500: فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل بأرض من أرض الشام يقال لها: عرض. وقريب منه في تاريخ الطبري: ج 5 ص 52. وقيل: " عرض " بلد بين تدمر والرصافة الشامية. (3) وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 52 قال: وقال له الاحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإني أتخوف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا ! فأبى ذلك علي مليا من النهار... (*)

[ 60 ]

من المسلمين أننا على حكم الله وكتابه نحيي ما أحيا (ه الله) ونميت ما أمات الله فما وجد الحكمان - وهما أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص - في كتاب الله عملا به وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة (1). ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية (و) من العسكرين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما و (أن) الامة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه (2) وعلى المؤمنين من الطائفتين عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجل القضاء إلى (شهر) رمضان وكتب في يوم الاربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي (و) معاوية موضع الحكمين بدومة الجندل وأن يجتمعا لذلك اجتماعا من العام المقبل. وخرج الاشعث بن قيس بالكتاب (كي) يقرؤه على الناس (3) فمر بطائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية فقرأه (عليهم) فقال (عروة): تحكمون في أمر الله الرجال ؟ لا حكم إلا لله. ثم ضرب عجز دابة الاشعث فغضب الاشعث (و) قومه وأذن بالرحيل فمضى على غير طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهى إلى هيت (4). وقال سيف بن عمر (5): أقاموا بصفين تسعة أشهر وكان بينهم القتال نحو سبعين زحفا وقتل في ثلاثة أيام نحو من سبعين ألفا من الفريقين. قال الزهري: بلغني إنه كان في القبر خمسين نفسا. وقال ربيعة بن لقيط: (أ) مطرت عليهم السماء دما حتى كانوا يأخذونها في الانية.


(1) أي السنة التي تكون مورد وفاق المسلمين جميعا ولا تكون من متفردات إحدى الطائفتين وتنكرها الطائفة الاخرى. (2) ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 53 ط بيروت، وفي كتاب صفين: " على ما قضينا به من العدل " وهو الظاهر. (3) كلمتا: " يقرؤه على " رسم خطهما غير واضح في أصلي، ولكن حاجة السياق إليهما واضحة. (4) رحيل الاشعث وانتهاؤه إلى " هيت " بعد ضرب عجز دابته لم أره في المصادر التاريخية، والمصنف لم يصرح بأنه من أي مصدر أخذه، فليتثبت. (5) قد اتفقت كلمة الحفاظ على تضعيف سيف بن عمر هذا، وترك حديثه، بل رماه غير واحد منهم بالزندقة ! !. وذكره ابن حجر في ترجمته من كتاب تهذيب التهذيب: ج 4 ص 295 وقال: قال ابن معين: (هو) ضعيف الحديث. وقال مرة: فليس خير منه (*)

[ 61 ]

قال كتابه وجامعه محمد بن (أحمد بن ناصر) الباعوني لطف الله به: هذا ما نقلته / 84 / ب / من تاريخ الامام العلامة أحمد بن محمد بن عبد ربه (1) المسمى بالعقد (الفريد) - وهو من أجل كتب التاريخ وأبلغها عبارة وأفصحها (2) - وهو ما يتعلق


وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه الواقدي. وقال أبو داود: ليس بشئ. وقال النسائي والدار قطني: ضعيف. وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الاثبات وقالوا: إنه يضع الحديث قال ابن حجر: قلت: بقية كلام ابن حبان: أتهم بالزندقة ! ! !. وقال البرقاني عن الدراقطني: متروك. وقال الحاكم: أتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط. ثم قال ابن حجر: قرأت بخط الذهبي (أنه) مات سيف زمن رشيد. وليراجع ترجمته من كتاب ميزان الاعتدال: ج 1، ص 438، واللالي المصنوعة: ج 1، ص 157، و 199، و 429 والغدير: ج 8 ص 84 و 140، و 326 طبعة بيروت. (1) ابن عبد ربه ولد عام: " 246 " الهجري وتوفي سنة " 328 " بمدينة قرطبة، وهو مترجم تحت الرقم: " 46 " من كتاب وفيات الاعيان: ج 1، ص 110، وفي معجم الادباء: ج 4 ص 212، وفي الوافي بالوفيات: ج 8 / الورقة 3، ولترجمته مصادر أخر فليراجع. (2) أما كون كتاب العقد الفريد فصيحة العبارة، بليغة الالفاظ، لا كلام فيه، وأما كونه من أجل كتب التاريخ فلا، وكيف يمكن أن يكون من أجل كتب التاريخ وأكثر محتوياته بلا سند، ولم يوجد لها مصدر، ويحتمل أنه أخذه من الوضاعين والافاكين ! ! ! وكيف يكون من أجل كتب التواريخ، وبين محتوياته تهافت من حيث التعبير والزيادة والنقيصة والتحريف، وإن كان يحتمل أن التحريف فيه، يكون من جانب المستنسخين وعبث العابثين به، كما صرح بذلك محقق الطبعة اللبنانية، محمد سعيد العريان في مقدمة طبعته البيروتية، في الجزء الاول منه ص 28 - 30 ولكن يكفي لضعف محتوياته التي لا شاهد لها، ما ذكرناه أولا. وليراجع مقدمة الطبعة البيروتية البتة. ثم القسم الذي ينقله ابن عبد ربه مسندا أيضا لابد من ملاحظة وثاقة رواته ثم ملاحظة أن لا يكون له معارض مثله أو أقوى منه، كما هو الشأن في جميع المسانيد والروايات المعنعنة. وموجز الكلام أن شأن كتاب العقد الفريد كشأن بقية التواريخ في الحاجة إلى عرض محتوياته على الموازين العلمية فما قبلته الموازين العلمية يقبل، وما لم يوافقه المقياس العلمي يرد. كل هذا مع الغض عن التعصب الجاهلي لمؤلفه، ومع ملاحظة تعصباته لا بد من رد كثير من منقولاته التي لا شاهد خارجية لها، لقيام القرينة القطعية على عدم التزام مؤلفه بحق العلم وأداء (*)

[ 62 ]

بحروبه ووقايعه وما اتفق بالجمل وصفين وغيرهما. (ثم) عن لي أن أذكر غيره من المؤرخين في معنى ذلك من حين بويع إلى انقضاء (حرب) صفين، ثم أذكر بعد ذلك قضايا الخارجين (عليه) من الخوارج وكل ذلك أذكره في غاية الاختصار فلو ذكرت ما ذكره أصحاب التواريخ المطولة كابن جرير الطبري وصاحب مرآة الزمان وابن الاثير وغيرهم لطال الكلام والشرح وهذه النبذة منه إن شاء الله كافية ونسأل الله السلامة والعافية (فنقول:) قال أبو محمد بن جرير (1): لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المغيرة بن شعبة لعلي بن أبي طالب: قم فاصعد المنبر قبل أن يصعده غيرك. فقال علي: إني استحي من الله أن أصعد منبرا ورسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم (لم) يدفن ؟ ! ! ولما كانت (أيام) الشورى قال المغيرة: انزع نفسك منها فإنهم لا يبايعون غيرك. وقال له حين قتل عثمان: اقعد في بيتك ولا تدع الناس إلى بيعتك فإن الناس لا يبايعون سواك. وقال له حين بويع: ابعث إلى معاوية بعهده ثم اعزله بعد ذلك فلم يفعل ليقضي الله أمرا كان مفعولا. (و) قال الامام الحافظ البيهقي (ره) (2): أما من خرج من أهل الشام على علي رضي الله عنه فإنهم غير مصيبين بالاجماع فإن عليا له السابقة من الاسلام والقرابة والهجرة والمصاهرة والجهاد والفضائل الكثيرة الجمة والمواقف المشهورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا تحصى ولا تخفى (هذه الفضائل) إلا على جاهل بحقه ولا خفاء عند كل ذي فتنة وبصيرة أن الذي خرج عليه كان باغيا متعديا جاحدا بحقه فإنه لم يكن يومئذ على الارض أفضل منه ولا أحق بالخلافة ولا أجمع لشروطها منه.


الامانة، ومن أراد أن يلاحظ نموذجا من هذا النمط فليراجع ما نقله عنه العلامة الاميني في كتاب الغدير: ج 3 ص 78 طبعة بيروت. (1) كذا في أصلي، والحديث مرسل ورواته مجهولون غير معروفين والمغيرة بن شعبة كان مبتلى بسرطان النفاق وهو بغض الامام علي بن أبي طالب عليه السلام وكان من أسب الناس له. (2) لم يتيسر لي مراجعة كتب البيهقي فلعل البيهقي ذكر هذا الكلام في كتاب شعب الايمان أو في اعتقاداته. ومع هذا كله يعظم البيهقي قائد الفئة الباغية ويعده من أولي الامر الذين يجب طاعتهم ! ! ! (*)

[ 63 ]

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عمارا أن الفئة الباغية تقتله. وهم هؤلاء الذين خرجوا عليه وحاربوه يوم صفين (و) قال الامام الحافظ أبو بكر ابن خزيمة: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم / 85 / أ / وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب فكل منازع نازعه فهو باغ عليه متعد جاحد بحقه هذا ما عرفنا (ه) وأخذناه من مشايخنا البارين ؟ (1). قال الامام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم (الساعة) حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما فتنة عظيمية ؟ دعواهما واحدة. والصحيح أن عليا قاتلهم وهو على الحق وهم على الباطل. وكان السبب في صفين أن عليا لما فرغ من (حرب) الجمل وبلغه اجتماع أهل الشام على معاوية على الطلب بدم عثمان سار ينحو الشام والفرات. وسار (معاوية) أيضا بجنوده فاجتمعوا بصفين وتراسلوا وتكاتبوا نحوا من شهر فامتنع (علي) من إقرار معاوية على الشام وامتنع معاوية من المبايعة لعلي وقال: أنا ولي عثمان والمطالب بدمه وقد انضاف أولياء الدم إلي ولا أسلم إلا لامام مجمع عليه قد رضي به أكفاؤه ونظراؤه. ونشب الحرب لخروج طلحة والزبير (2). (و) قال الحافظ الخطيب (ره) (3): إنهم التقوا سبعة أيام متتابعة يخرج بعضهم لبعض كل كتيبة مقابلة لكتيبة يقتتلان إلى المساء ثم يرجعان وقد انتصف بعضهم من بعض. وفي اليوم الثامن رجعوا من الجانبين ؟ وانصرفوا عند المساء ثم رجعوا بأجمعهم من الجانبين وانصرفوا عند المساء وكل غير غالب.


(1) كلام ابن خزيمة هذا بنحو الكلي والمطابقة وإن لم يمكن إقامة شاهد عليه - لان الشواهد قائمة على خلاف إطلاق كلامه - ولكن عقيدته هذه غير ملائمة لموالاته معاوية ومن على نزعاته ! ! ! وهذا أحد الموارد التي التزم المفارقون لاهل البيت عليهم السلام بالتضاد والتناقض ! ! حيث يعتقدون ويريدون أن يجمعوا بين حب معاوية ومن على نزعته، وبين حب من حبه إيمان وبغضه نفاق ! ! ! للاثر المقطوع الصدور عن النبي (ص): يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ! ! ! (2) ما بثه معاوية إلى خواصه وجرى بينهما أجلى لكشف نوايا معاوية مما ذكره المصنف ها هنا. (3) لم أطلع بعد على المصدر الذي ذكر الخطيب فيه هذه القصة. (*)

[ 64 ]

ثم التقوا في اليوم التاسع واشتد الحرب بين الفريقين وقتل من أصحاب علي عمار بن ياسر وهاشم بن (عتبة) وعبد الله بن بديل. و (قتل) من أصحاب معاوية عبد الله بن عمر وذو الكلاع وغيرهما واقتتل الناس تلك الليلة حتى أصبح الصباح وهي ليلة الهرير. وذكر القاضي أبو بكر (1) أنهم لما التقوا في اليوم التاسع وقد كانوا يتنادون في كل عشية من تلك العشاء ؟ بالانصراف فينصرفون إلى معسكرهم فيبيتون ويداوون الجرحى ويصلحون شأنهم فلما نادى المنادي تلك الليلة على الرسم وسمع أهله الرايات والطلائع والمقدمة النداء بالانصراف تنادوا من كل ناحية: لا براح لنا واللقاء من هذه البقعة إلى المحشر ! ! فاشرأب الناس / 85 / ب / بعضهم إلى بعض وعظم البلاء، واشتد القتال وآيس الناس من الحياة واستسلموا للموت وملوا مما عضهم من السلاح وألم الجراح ! ! وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض كتزاحف السيول ! ! ! ثم التقى الناس (عند) المغرب والعشاء فلم يصلوا إلا إيماءا ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت فلم يسمع إلا قصفا ثم تضاربوا بالعمد الحديد ومواضي السيوف على الهام والاقدام وكلما جهدهم القتال وجهضهم ؟ كفوا هنيهة ثم رجعوا إلى المضاربة ! ! وكان علي رضي الله عنه يباشر الحرب بنفسه ويده فإذا وقف على قوم وقفة ؟ يعترضهم بها وسيفه معلق بيده اليسرى وهو يقول: دبوا دبيب النمل لا تفوتوا وأصبحوا بحربكم وبيتوا حتى تنالوا الفوز أو تموتوا ليس لكم ما شئتموا وشئت بل ما يريد المحيي المميت (2) ثم (يطفق) يضرب بسيفه حتى ينثني ويقول تحت العجاج إذا حمي الضراب: من أي يومي من الموت أفر ؟ أيوم لن يقدر أم يوم قدر ؟ (3)


(1) لم تتبين لي معرفة أبي بكر ناقل هذه القضية ولعله أبو بكر الباقلائي (2) وللابيات مصادر، وقد رواها نصر بن مزاحم في أواخر الجزء السادس من كتاب صفين ص 403 ط مصر. (3) وللابيات مصادر، يجد الطالب ذكر كثير منها في حرف الراء من الباب السادس من كتابنا نهج السعادة. (*)

[ 65 ]

وقد سمع صوته تحت العجاج وهو يقرأ: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * (115 / المؤمنون: 23 /). وقيل: إنه جرح خمس جراحات ثلاث في رأسه وثنتين في وجهه. وقتل تلك الليلة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. ولم يزل الفريقان على ذلك من التضارب والتراضخ والتكادم، يحصد بعضهم بعضا كحصاد الزرع حتى برق الفجر على ذلك (ولم يصلوا حتى قرب) طلوع الشمس ! ! ! ثم صاح صائح بين الفريقين: يا معشر المسلمين من أمة محمد (أرفضتم الاسلام) بعد الدخول (فيه) وأضعتم الصلاة بعد وجوبها الصلاة الصلاة الله الله في (أمة محمد) حتى صار عالما من الناس ينادون ويقولون: من للروم إذا قتل المسلمون (من أهل الشام) ؟ من للفرس والترك إذا قتل أهل العراق ؟. والناس يتكالبون ويتضاربون بالسيوف ! ! ! فأشار عمرو (بن العاص) على معاوية برفع المصاحف والدعاء إلى حكم الله ففعل (معاوية) فأمسك الفريقان وصلوا الغداة وأذن معاوية لهؤلاء بأن يدخلوا على هؤلاء. ووقعة صفين عظيمة والاخبار عنها كثيرة مختلفة الروايات. وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم (1): في حديث ابن عباس / 86 / أ قال: ما رأيت والله رجلا من الناس يزن علي بن أبي طالب (2) وعقم النساء أن يأتين بمثله، والله ما رأيت ولا سمعت بمن يوازنه لقد رأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عيناه سراجا سليط وهو بين أصحابه يقف على شرذمة (شرذمة) يحرضهم حتى انتهى إلي وأنا في كثف


(1) وهو ابن قتيبة، ذكر الحديث في أول كتاب الحرب من كتاب عيون الاخبار: ج 1، 110. ورواه بسنده عنه ابن عساكر في الحديث: " 1303 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 187، ط 2. وقد رواه أيضا السيد الرضي في المختار: " 64 " من نهج البلاغة، ونحن أيضا ذكرناه في المختار: " 215 " من نهج السعادة: ج 2 ص 228 طبعة 1. وقد ذكرنا للخطبة مصادر كثيرة في ذيل المختار المتقدم الذكر من نهج السعادة، وفي تعليق الحديث: " 1303 " من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق. (2) كذا في أصلي، ومثله في مادة: " زنن " من كتاب الفائق، وقال: يزن به أي يتهم بمشاكلته. وفي كتاب عيون الاخبار: " ما رأيت رئيسا يوزن به " وهو الظاهر. (*)

[ 66 ]

من الناس (1) فقال: يا معشر المسلمين استشعروا الخشية وغضوا الاصوات (2) وتجلببوا السكينة (وأكملوا اللؤم وأخفوا الجنن) واطعنوا الوحر (وعضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأكملوا اللامة والحظوا الخزر) (3) ونافحوا بالظبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنبل (4) فإنكم بعين الله ومع ابن عم نبيه (5) عاودوا الكر (واستحيوا من الفر) (6) وأعلموا الاسنة (7) وأقلقوا السيوف في الاغماد قبل السلة والحظوا الشزر واستحيوا من الفرار فإنه عار باق في الاعقاب ونار في (يوم) الحساب وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت (مشيا) سجحا وعليكم بهذا السواد الاعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعبه مفترس ذراعيه (8) قد قدم للوثبة (يدا) وأخر للنكوص (رجلا (9) فصبرا (صبرا) حتى يتجلى لكم صبح اليقين وأنتم الاعلون (والله معكم ولن يتركم أعمالكم) (/ 35 / محمد: 47) (10).


(1) كذا في المطبوعة من كتاب عيون الاخبار - غير أن مصححه قال: و (كان) في الاصل: " وأنا في كنف " - والكثف: الحشد والجماعة. وفي أصلي من مخطوطة جواهر المطالب أيضا " وأنا في كنف ". (2) كذا في أصلي، ومثله في كثير من المصادر، ولكن في كتاب عيون الاخبار: " وعنوا الاصوات " أي احبسوا الاصوات ولا ترفعوها. (3) ما بين المعقوفين أخذناه من المختار: (64) من نهج البلاغة وغيره، وفي أصلي تصحيف. (4) ومثله في الحديث: (1200) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 186، ط 2. ونافحوا: كافحوا. ضاربوا. وظبا - بضم أوله -: جمع ظبة: طرف السيف وحده. (5) وفي مروج الذهب: " مع ابن عم رسول الله " وفي نهج البلاغة: " واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله " وفي نهج البلاغة: " واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله... ". (6) ما بين المعقوفين أخذناه من نهج البلاغة وتفسير فرات، وفي مروج الذهب: " واستقبحوا الغر ". (7) كذا في المخطوطة الظاهرية من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق، ولعله من قولهم: أعلم فلان نفسه: وسمها بسيماء الحرب ؟ ولكن في مخطوطتي من جواهر المطالب - ومثله في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: ج 18، ص 49 ط دار الفكر -: " وأعلموا الاسنة ". (8) ينبغي للذين جمعوا بين محبة أولياء الله ومحبة أعدائه أن يتأملوا في هذا الكلام حق التأمل. (9) وها هنا في مخطوطتي من جواهر المطالب تصحيف: " وعليكم بالسواد الاعظم والرواق المطنب، فاصبروا سحة... قد قدم الوثبة وأخر اللكوص ؟ ". (10) كذا في أكثر مصادر الخطبة، وفي أصلي المخطوط من جواهر المطالب: " فصبرا حتى يتجلى لكم صبح اليقين وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين ". (*)

[ 67 ]

الباب السادس والخمسون في خروج الخوارج عليه واحتجاجهم عليه، وما أنكروه من التحكيم وما اتفق على أهل النهروان ؟ وذلك إن عليا عليه السلام لما اختلف عليه أصحابه أهل النهروان والقرى ؟ وأصحاب البرانس نزلوا قرية يقال لها: حروراء وذلك بعد وقعة صفين فخرج علي إليهم وقال لهم: يا هؤلاء من زعيمكم ؟ قالوا: ابن الكواء. قال: فليبرز إلي. فبرز إليه ابن الكواء فقال له علي رضي الله عنه: يا ابن الكواء ما أخرجكم علينا بعد رضا (كم ب‍) الحكمين ومقامكم بالكوفة ؟ قال (ابن الكواء): قاتلت بنا عدوا لا يشك في جهاده فزعمت أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار فبينا نحن كذلك إذ أرسلت منافقا وحكمت كافرا وكان من شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم كتاب الله بيني وبينكم فإن قضى الله علي تابعتكم وإن قضى عليكم تابعوني. فلولا شكك لم تفعل هذا والحق في يدك ؟ ! فقال علي: يا ابن الكواء إنما الجواب بعد الفراغ أفرغت فأجيبك ؟ قال: نعم. قال عليه السلام: أما قتالك لعدوك وأنت لا تشك في جهاده فصدقت ولو شككت / 86 / ب / لم تقاتلهم (1). وأما قتالنا وقتالهم فقد قال الله في ذلك (ما) يستغنى به عن قولي (2).


(1) كذا في أصلي، وفي عنوان: " احتجاج علي على أهل النهروان " من العسجدة الثانية من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 94 طبعة بيروت: " وأما قتالك معي عدوا لا نشك في جهاده فصدقت، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم... ". (2) كما في الاية التاسعة من سورة الحجرات * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله...) *. (*)

[ 68 ]

وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر (فأنت) أرسلت أبا موسى وأرسل معاوية عمرو بن العاصي وأنتم أتيتم بأبي موسى مبرنسا (1) وقلتم: لا نرضى إلا به فهلا قام إلي رجل منكم فقال: يا علي لا نعط هذه الدنية فإنها ضلالة (2). وأما قولي لمعاوية: (إن جرني إليك كتاب الله اتبعتك وإن جرك إلي فاتبعني) وزعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا ألا تحدثني ويحك (3) عن اليهود والنصارى أو مشركي العرب أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشام ؟ قال: بل معاوية وأهل الشام أقرب ؟ قال علي: أفرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوثق بما في يديه من كتاب الله أم أنا ؟ قال: بل رسول الله (ص) قال: أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول: * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين) * (49 / القصص: 28) أما كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يعلم أنه لا يؤتى بكتاب (هو أهدى) منهما ؟ (4) (قال ابن الكواء: بلى. قال: فلم أعطى رسول الله القوم ما أعطاهم ؟ قال: إنصافا وحجة. قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله) (5). قال ابن الكواء: فإني أخطأت، (هذه) واحدة فزدني. (ف‍) قال علي عليه السلام: فما أعظم ما نقمتم علينا ؟ قال: تحكيم الحكمين نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهم شكا وتبديلا (6) ! ! ! قال علي (عليه السلام): فمتى سمي أبو موسى حكما ؟ (أ) حين أرسل أم حين حكم ؟ قال: حين أرسل. قال: أليس أرسل وهو مسلم ؟ وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله ؟ قال: بلى. قال علي: فلا أرى الضلال في إرساله. قال ابن الكواء:


وها هنا في الطبعة البيروتية من العقد الفريد تصحيف (1) ما بين المعقوفين هنا - وأكثر ما يأتي بعد ذلك - مأخوذ من العقد الفريد، وفيه: " وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا، ومعاوية حكم عمرا، أتيت بأبي موسى مبرنسا... ". (2) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: " إنها ضلال ". (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وإن جرك إلي تبعتني.. فحدثني ويحك عن اليهودي... ". (4) وفي العقد الفريد: " أما كان رسول الله يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى مما في يديه ؟ قال: بلى... ". (5) ما بين المعقوفين كان ساقطا من أصلي، وأخذناه من العقد الفريد. (6) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " شكا وتبذيرا... ". (*)

[ 69 ]

سمي حكما حين حكم. قال: نعم (إذا فإرساله كان) عدلا (1) أرأيت يا ابن الكواء لو أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعث رجلا مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم لكتاب الله ؟ فارتد على عقبيه كافرا أكان يضر نبي الله شيئا ؟ قال: لا. قال: فما (كان) ذنبي إن كان أبو موسى ضل ؟ هل رضيت حكومته حين حكم ؟ أو قوله حين قال ؟. (قال) ابن الكواء: لا ولكنك جعلت مسلما وكافرا يحكمان في كتاب الله ! قال علي: ويحك يا ابن الكواء هل بعث عمرا غير معاوية ؟ وكيف أحكمه وحكمه على ضرب عنقي ؟ ! ! إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك ! ! وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان فيحكمان في أمر الله أرأيت لو أن رجلا مؤمنا / 86 / ب / تزوج يهودية أو نصرانية فخافا الشقاق بينهما ففزعا إلى كتاب الله (والله يقول) في كتابه: * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (35 / النساء: 4) فجاء رجل من اليهود (أ) والنصارى الذين ؟ يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما (2) قال ابن الكواء: وهذه أيضا (يرد قولنا) أمهلنا حتى ننظر. فانصرف عنهم علي (عليه السلام). قال صعصعة بن صوحان: يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام القوم ؟ قال: نعم ما لم تبسط يدا. قال: فنادى صعصعة ابن الكواء فخرج إليه، فقال: أنشدكم الله معاشر الخارجين أن لا تكونوا (عارا) على من يقرأ القرآن وأن لا تخرجوا بأرض تسمون بها بعد اليوم (3) وأن لا تستعجلوا ضلال عام خشية ضلال عام قابل ! ! ! (ف‍) قال له ابن الكواء: إن صاحبك لقينا بأمر (قولك فيه صغير) فأمسك صابرا (4) ثم خرج علي بعد ذلك إليهم، فخرج ابن الكواء إليه فقال له علي عليه السلام: يا ابن الكواء إنه من أذنب في هذا الدين ذنبا يكون في الاسلام حدثا استتبناه من ذلك


(1) ما وضعناه بين المعقوفين كان ساقطا من أصلي، وأخذناه من العقد الفريد: ج 5 ص 94 طبعة بيروت. (2) كذا في طبعة بيروت من العقد الفريد، وفي أصلي: " أيجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما... ". (3) كذا في أصلي، غير أن ما بين المعقوفين كان ساقطا منه، وأخذناه من العقد الفريد طبعة لبنان، وفيه: " أنشدكم بالله يا معشر الخارجين أن لا تكونوا عارا على من يغزوا لغيره ؟... ". (4) ما بين المعقوفين لم يكن في أصلي، وإنما أخذناه من العقد الفريد، ولا توجد فيه لفظة: " صابرا ". (*)

[ 70 ]

الذنب بعينه، وإن من توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه، وضلال ما دخلت فيه. قال ابن الكواء: إنا لا ننكر أنا قد فتنا ! ! ! فقال عبد الله بن عمرو بن جرموز (1): أدركتنا والله هذه الاية: * (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون) * (1 - 2 / العنكبوت: 27 ؟). وكان عبد الله (هذا) من قراء أهل حروراء، فرجعوا وصلوا خلف علي الظهر وانصرفوا معه إلى الكوفة، ثم اختلفوا بعد رجعتهم ولام بعضهم بعضا فقال يزيد بن عبد الله الراسبي وكان من أهل حروراء يشككهم في أمرهم: شككتم ومن أرسى ثبيرا مكانه ولو لم تشكوا ما نكلتم (2) عن الحرب وتحكيمكم عمرا على غير توبة وكان لعبد الله خطب من الخطب (فأنكصه للعقب لما خلا به (3) فأصبح يهوي من ذرى حالق صعب) وقال الرياحي: ألم تر أن الله أنزل حكمه وعمرو وعبد الله مختلفان وقال مسلم بن يزيد الثقفي وكان من عباد حروراء: لئن كان ما عبناه عيبا فحسبنا خطاءا بأخذ النصح من غير ناصح وإن لم يكن عيبا فأعظم بتركنا (4) عليا على أمر من الحق واضح ونحن أناس بين بين وعلنا سررنا بأمر غبه غير صالح ثم خرجوا / 87 / أ / على علي رضي الله عنه بعد ذلك، وقاتلوه بالنهروان فقتلهم كما هو المشهور عنه. هذا ما ذكره ابن عبد ربه رحمه الله في كتابه المعروف بالعقد وهو عمدة (5)


(1) ولعله قاتل الزبير، وهو ابن الجرموز المعروف أو ابنه ؟ وكيف كان فلم أقف على ترجمة له. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " ما انثنيتم عن الحرب ". (3) هذا الشطر والشطر التالي مأخوذان من العقد الفريد، وقد سقطا من أصلي. (4) كذا في أصلي، وها هنا في طبعة لبنان من العقد الفريد تصحيف. (5) أي ما نقلته من العقد الفريد هو العمدة، أو أن ابن عبد ربه عمدة وليس بشخص وضيع هين ؟ أقول: وقد علم من التعليقات المتقدمة، أن بين ما هنا، نقلا عن العقد الفريد - وبين ما في المطبوع من العقد الفريد، مغايرات لفظية جمة ! ! ! فيخطر ببال القارئ ما هو سبب هذا الاختلاف ؟ !. أقول: ويمكن أن يفسر سبب هذا الاختلاف على وجوه: الوجه الاول أن الباعوني مؤلف جواهر المطالب هذب ألفاظ ابن عبد ربه وجودها، كما أن ابن عبد ربه كثيرا ما هذب ألفاظ أحاديث كتابه. (*)

[ 71 ]

وقد نقلت من غيره ما سأذكره إن شاء الله تعالى: قال علماء السير: لما بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبا موسى الاشعري للحومة أتاه رجلان من الخوارج يقال لاحدهما: زرعة بن البرج (ولثانيهما) حرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. فقال (له) حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. قال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم علي (1) وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهدا وقد قال الله * (ومن أوفى بعهده من الله) * (2) وقال: * (وأوفوا بعهده الله إذا عاهدتم) * (91 / النحل: 16). فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم (عنه). فقال (زرعة): أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لاقاتلنك وأطلب بذلك وجه الله ورضوانه ! ! ! فقال له علي: بؤسا ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح. فقال (زرعة): وددت والله ذلك. فقال علي: إنك لو كنت محقا لكان لك في الموت (على الحق) تعزية عن الدنيا


وعلى هذا كان ينبغي للمصنف ولابن عبد ربه أن ينصبا قرينة على ما صنعا من التهذيب، ولكنهما لم ينصبا. الوجه الثاني أن المغايرات بين الكتابين جاءت من قبل مستنسخ جواهر المطالب ؟ !. الوجه الثالث أن سبب الاختلاف بين نسخة جواهر المطالب، والعقد الفريد إنما تنشأ من جهة التصرف في نسخة العقد كما صرح بذلك محقق الطبعة اللبنانية من العقد الفريد في مقدمته فعلى هذا، سبب الاختلاف إنما هو من جهة أن المصنف أخذ مطالبه من كتاب العقد الفريد قبل أن يلعب به اللاعبون والاحتمال الاخير أوجه، لما ذكره محقق الطبعة البيروتية، من كثرة الاختلاف بين نسخ العقد الفريد، وليراجع مقدمة المحقق فإنها نافعة في مقامات كثيرة. (1) هذا هو الصواب المذكور في أول عنوان: " ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة " من تاريخ الطبري: ج 5 ص 72 - غير أن فيه: " فعصيتموني " -، وفي أصلي: " قد حذرتكم من ذلك فأبيتم علي ". (2) كذا في أصلي، ولعله مصحف عن الاية العاشرة من سورة الفتح: * (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) * والاقتباس من الاية الكريمة لم يأت في تاريخ الطبري. (*)

[ 72 ]

ولكن الشيطان قد استهواكم (1). فخرجا من عنده وبالغا (في إشعال) الشر عليه والتكفير له وصرحا بكفره (2) ! ! وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن (3) وذلك إن عليا قام خطيبا في بعض الجمع وذكر من أمر الخوارج وذمه وعابه فقام جماعة منهم وهم يقولون (ظ): لا حكم إلا الله. وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه وهو يقول: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * (65 / الزمر. 3 ؟) ! ! ! فجعل علي يقلب (كفيه) هكذا وهكذا وهو على المنبر وهو يقول: حكم الله ينتظر فيكم ؟. واجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب (4 فقال: لهم: إن الله أخذ (علينا) عهودا ومواثيق على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك / 87 / ب / هم الفاسقون) * (47 / المائدة: 5) وأشهد على أهل قبلتنا من أهل دعوتنا أنهم قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الله وجاروا في القول والعمل وأن جهادهم حق على المؤمنين وأقسم من يعنوا له الوجوه وتخشع له الابصار أني لو لم أجد على تغيير الجور وقتال القاسطين أحد (ا) مساعد (ا) لاقمت على ذلك حتى ألقى ربي. فقال عبد الله بن وهب ؟: اشخصوا بنا إلى بلدة نستعد فيها (5). فقال له شريح بن (أبي) أوفى العبسي: اخرجوا بنا إلى المدائن ننزلها ونأخذها ونجلي منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: (لكم) إن خرجتم (مجتمعين) تبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأما المدائن فإن بها قوما يمنعونها منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة وأعلموهم بأمركم، وسيروا حتى تنزلوا جسر النهروان.


(1) وبعده في تاريخ الطبري: " فاتقوا الله عز وجل إنه لا خير في دنيا تقاتلون عليها " فخرجا من عنده يحكمان. (2) جملة: " وبالغا في إشعال الشر عليه " في أصلي غير واضحة، وفيه بياض بمقدار كلمتين. (3) كلمتا: " الشتم والتعريض " في أصلي لم تكونا كاملتين، وأيضا كان في أصلي: " وتعرضوا لعلي.. ". ثم إن أكثر ما هنا، أو جميعه ذكره الطبري مسندا في تاريخه: ج 5 ص 72 وما بعدها. (4) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " قال: وخرج الخوارج في منزل زيد بن حصين... ". (5) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " إلى بلدة نعد فيها ". (*)

[ 73 ]

(ف‍) قالوا: هذا نعم الرأي وأجمعوا على ذلك، وكتبوا إلى أهل البصرة، وخرجوا يتسللون، وبلغ مسيرهم عليا رضي الله عنه فكتب إليهم وهم بالنهروان (1): بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله (علي) أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين، وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فإن هذين الرجلين الذين ارتضيا حكمين ؟ قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدى من الله ولم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون فإذا أتاكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا ونحن على الامر القديم الاول. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بينا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين. فلما قرأ (علي) الكتاب يئس منهم (فرآى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام حتى يلقاهم ويناجزهم) (2). ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا (له): هل سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبيك حديثا ؟ (يحدث) أنه ذكر الفتنة التي القاعد فيها خير من القائم (والقائم فيها) خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ؟ قال


(1) وذكر الطبري في آخر حوادث سنة: " 37 " من تاريخه: ج 5 ص 77، قال: فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي ابن عباس إلى البصرة، قام في الكوفة فخطبهم وقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. أما بعد فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري ونحلتكم رأيي لو كان لقصير أمر ! ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: أمرتكم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ألا إن هذين الرجلين الذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهروهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما، وكلامهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. (ف‍) استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين. (2) ما بين المعقوفات مأخوذ من أواخر حوادث سنة " 37 " من تاريخ الطبري. (*)

[ 74 ]

: نعم (1) قال قتادة فردوه وأحدروه معهم فبينما هم يسيرون وهو معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا / 88 / أ / لبعض النصارى فقتله فقال له آخر: لم فعلت ذلك وهو لذمي ؟ فذهب (قاتل الخنزير) إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه ؟ ! ! وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فيه، فقال له آخر (منهم): بغير إذن ولا ثمن ؟ فألقاها من فيه ! ! ! ومع هذا جاؤا بعبد الله بن خباب وذبحوه من أذنه إلى أذنه ! ! ! وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني حبلى فاتقوا الله في. فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها ! ! ! فلما بلغ ذلك عليا رضي الله عنه بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي يسألهم عن قتلهم لابن خباب، فلما دنا منهم قتلوه ! ! ! فأتى الخبر إلى علي فبعث إليهم يقول ؟ ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم بهم ثم نكف عنكم واخرجوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم ؟ فبعثوا إليه: كلنا قتلتهم وكلنا نستحل دماءكم ! ! ! فسار الامام علي رضي الله عنه (إليهم) حتى أشرف عليهم، فلما وقعت العين في العين عبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي، وعلى الميسرة ربعي بن حراش (2) وعلى الخيل أبي أيوب الانصاري وعلى القلب قيس بن سعد.


(1) كذا في أصلي، والظاهر أنه عرض في الحديث تقديم وتأخير، ولا عهد لي بالحديث على هذا النسق، نعم معناه موافق لما جاء في سيرة الخوارج وقصصهم. وهذا الحديث رواه الطبري بسندين بمغايرة في متنهما وإليك الحديث الاول منه، الاقرب مضمونا لما هنا، كما في تاريخه ج 5 ص 81، قال: حدثني يعقوب، قال: حدثني إسماعيل قال: أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم قال: (إن الخوارج) دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب - صاحب رسول الله (ص) - ذعرا يجر رداءه، فقالوا: لم ترع ؟ فقال: والله لقد ذعرتموني ! قالوا: أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ؟ قال: نعم. قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله (ص) ؟ أنه ذكر فتنة (فقال): القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير منن الماشي، والماشي فيها خير من الساعي (ثم قال (النبي): فإن أدركتم ذلك (الزمان) فكن يا عبد الله المقتول ؟ - قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: - ولا تكن يا عبد الله القاتل ؟ قال: نعم. قال: فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها ! ! ! (2) كذا في أصلي، ولا عهد لي بإمارة ربعي بن حراش في أيام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع ما قرأته من (*)

[ 75 ]

وعبأت الخوارج (جماعتهم) فجعلوا على الميمنة زيد بن حصين، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي وعلى خيلهم حمزة بن سنان وعلى رجالتهم حرقوص. فناداهم علي رضي الله عنه: من لم يقاتل ولم يتعرض لنا فهو آمن (1) ومن انصرف إلى الكوفة فهو آمن، ومن خرج عن هؤلاء الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا في سفك دمائكم. فانصرف فروة بن نوفل في خمس مائة فارس، وخرجت طائفة متفرقين إلى الكوفة فنزلوها، وأتى إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة آلاف، فبقي مع عبد الله وهب، ألفا وثمان مائة (2) وزحفوا إلى علي، فقال (علي) لاصحابه: كفوا حتى يبدؤكم.


المصادر الجمة التاريخية والحديثية. وفي الحديث: " 439 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 371 ط 1، قال: و (كان) على ميسرته شبث بن ربعي... ". ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 85 طبعة بيروت. والظاهر أن ما ها هنا في جواهر المطالب من تصحيف الناسخين، أو غلط من المصنف في إجتهاده. (1) وجاء في تاريخ الطبري: ج 5 ص 86: ورفع علي راية أمان مع أبي أيوب (الانصاري) فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم. (2) كذا في أصلي، وفي الحديث: " 439 " من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 371 ط بيروت: ثم بسط لهم علي الامان ودعاهم إلى الطاعة. فقال فروة بن نوفل الاشجعي: والله ما ندري على ما (ذا) نقاتل عليا ؟ فانصرف في خمس مائة فارس حتى نزل " البندنيجين والدسكرة ". وخرجت طائفة منهم أخرى متفرقين إلى الكوفة. وأتى مسعر بن فدكي (إلى) راية أبي أيوب الانصاري. وخرج إلى علي منهم ثلاث مائة فأقاموا معه. وكانوا أربعة آلاف فارس ومعهم خلق من الرجالة. واعتزل حوثرة بن وداع في ثلاث مائة. واعتزل أبو مريم السعدي في مائتين. واعتزل غيرهم حتى صار مع ابن وهب الراسبي ألف وثمان مائة فارس، ورجالة يقال: إنهم ألف (*)

[ 76 ]

فنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة، ثم شدوا على الناس فلم تثبت خيل علي لحملتهم فاستقبلتهم الرماة وعطف عليهم الخيل من الميمنة فلم ينج منهم ناج، ولم يقتل من أصحاب علي سوى تسعة أنفس. قال علماء السير: فخرج علي في طلب ذي الثدية فوجده على حفرة على شاطئ النهر قتيلا فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا / 88 / ب / لحم مجتمع على هيئة الثدي التي للمرأة له حلمة عليها شعرات سود فقال: الله أكبر أما والله ما كذبت (ولا كذبت) أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم لمن قاتلهم مستبصرا (ضلالهم عارفا بالهدى الذي نحن عليه) (1) وقال عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحرورية لما خرجت على علي رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أخبرنا عن ناس إني لاعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز هذا منهم - وأشار الى حلقه - (هم) من أبغض خلق الله إليه فيهم أسود إحدى يديه لها حملة كالثدي. (قال) فلما قتلهم قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا (فتفحصوا عنه) فو الله ما كذبت ولا كذبت (قالها مرتين) أو ثلاثا، (فذهبوا ففحصوا عنه) فوجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا (كنت) حاضر (ا) ذلك من أمرهم وقول علي فيهم (2). قال أبو جحيفة (وهب بن عبد الله السوائي الصحابي): قال علي حين فرغنا من الحرورية: إن فيهم رجلا مخدجا ليس في عضديه عظم، وعضده له حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات عقف. فالتمسوه فما وجدوه، قال: فما رأيت عليا جزع جزعا (قط) كجزعه يومئذ ! ! فقالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين. قال: ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قلنا: النهروان. قال: صدق الله ورسوله وكذبتم إنه لفيهم. (قال:) فثورنا القتلى فلم نجده (فعدنا


وخمس مائة. وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 86: فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمان مائة... (1) هذا هو الصواب، وفي أصلي تصحيف: " لولا أن تتكلوا على العمل... ". وما وضعناه بين المعقوفين أخذناه من مصادر أخر، ومن الحديث: " 188 " من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي ص 324 بتحقيق المحمودي. (2) وهذا رواه النسائي في الحديث: " 176 " من كتاب الخصائص 309، وله مصادر أخر أيضا. (*)

[ 77 ]

إليه) فقلنا: يا أمير المؤمنين ما نجده. (قال عودوا فالتمسوه. قال: فرجعنا) ثم التمسناه فوجدناه في (ساقية) فجئنا به، فنظرت في عضده ليس فيها عظم وعليها حلمة كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات (طوال) عقف (1). قال أهل التاريخ: ثم قام علي رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله قد نصركم (فأعز نصركم) فتوجهوا من فوركم (هذا) إلى عدوكم. قالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا وكلت سيوفنا فارجع بنا إلى بلدنا لنستعد بأحسن عدتنا. فأقبل (بهم) حتى نزل النخيلة وأمر الناس أن يلزموا معسكرهم وبذلوا أنفسهم على جهاد عدوهم، فأقاموا أياما (ثم) تسللوا فدخلوا إلا قليلا منهم، فلما رآى ذلك دخل الكوفة وانكسر رأيه عن المسير. وهذا الذي ذكرته من الوقائع كله على الاختصار لا على الاكثار، فقد أطال المؤرخون الكلام وأوسعوه، وفيما ذكرته كفاية والله أعلم.


(1) والحديث رواه الخطيب في ترجمة أبي جحيفة وهب بن عبد الله تحت الرقم: " 38 " من تاريخ بغداد: ج 1، ص 199، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه. ورواه البلاذري عن غلام أبي جحيفة كما في الحديث: " 449 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 376 ط 1. (*)

[ 79 ]

الباب السابع والخمسون في خروج عبد الله بن عباس رضي الله عنه (من البصرة مغاضبا لعلي عليه السلام) (1) عن أبي بكر ابن أبي شيبة قال: كان عبد الله بن عباس من أحب الناس إلى عمر بن الخطاب (رض) وكان يقدمه على الاكابر من أصحاب محمد (ص) ولم يستعمله قط فقال له يوما: كنت (أحب) على أن أستعملك ولكني أخشى أن تستحل الفئ على التأويل (2). فلما صار الامر إلى علي عليه السلام استعمله على البصرة فاستحل الفئ على (تأويل) قول الله عز وجل: * (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (41 / الانفال: 8) فاستحله لقرابته من رسول الله (ص). وروى أبو مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن عبد الرحمان بن عبيد قال: مر ابن عباس على أبي الاسود الدؤلي فقال (له) لو كنت من البهائم لكنت جملا ولو كنت راعيا ما بلغت المرعى ! ! ! فكتب أبو الاسود إلى علي عليه السلام: أما بعد فإن الله جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مسؤلا وقد بلوناك رحمك الله فوجدناك عظيم الامانة ناصحا للرعية توفر فيئهم وتظلف نفسك


(1) ما بين المعقوفين أخذناه من مقدمة المصنف. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 96: " فقال له يوما: كدت (أن) استعملك... " أقول: لم أجد الحديث في مصنف ابن أبي شيبة، والظاهر أن الحديث مختلق. (*)

[ 80 ]

عن دنياهم (1) ولا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك فلم يسعني كتمانك ذلك فانظر رحمك الله فيما هنالك واكتب إلي برأيك فيما أحببت أتبعه إن شاء الله والسلام. فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فمثلك من نصح الامام والامة ووالى على الحق وفارق الجور (2) وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه ولم أعلمه بكتابك إلي فلا تدع إعلامي (ع‍) ما يكون بحضرتك مما يكون النظر فيه للامة صلاحا فإنك بذلك جدير وهو حق واجب لله عليك والسلام (3). و (أيضا) كتب علي (عليه السلام) إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت الله وأخزيت أمانتك وعصيت إمامك وخنت المسلمين بلغني أنك جردت الارض وأكلت ما تحت يديك فارفع إلي حسابك واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس والسلام (4). فكتب إليه إبن عباس: أما بعد فإن الذي بلغك (عني) باطل، وأنا لما تحت يدي ضابط فلا تصدق علي الظنين والسلام. فكتب (عليه السلام) إليه: أما بعد فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته ؟ وما وضعت منها أين وضعته ؟ فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه، فإن المتاع بما أنت رازمه قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد (5) والسلام.


(1) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري، وفي العقد الفريد: " وتكف نفسك عن دنياهم.. " وفي أصلي: " وتلطف نفسك... " (2) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: " وفارقق على الجور ؟ " (3) وللكتاب مصادر يجد الطالب ذكر كثير من مصادرها في ذيل المختار: " 165 " من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج السعادة: ج 5 ص 325 ط 1. (4) هذا هو الصواب المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: " واعلم أن حسابك أعظم من حساب الناس ". (5) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " وتباعته وبال... " (*)

[ 81 ]

فلما رآى (ابن عباس) أن عليا غير مقلع عنه كتب إليه: أما بعد فقد بلغني تعظيمك علي مرزأة ما رزأته أهل هذه البلاد، وأيم الله لان ألقى الله بما في بطن الارض من عقيانها ولجينها وبما على الارض من طلاعها أحب إلي من أن ألقى الله وقد سفكت دماء هذه الامة لان أنال بذلك الملك والامرة (1) ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن والسلام. فلما أراد عبد الله المسير من البصرة دعا أخواله من بني هلال بن عامر بن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحاك بن عبد الله الهلالي فأجاره ومعه رجل منهم يقال له رزين بن عبد الله (2) وكان شجاعا فقالت بنو هلال: لا غناء بنا عن بني سليم. ثم أتتهم قيس فلما رآى (ابن عباس) اجتماعهم له، حمل ما كان في بيت المال بالبصرة - وكان فيما زعموا ستة آلاف ألف - فجعله في الغرائر (3). قال: فحدثني الازرق اليشكري (4) قال: سمعت أشياخنا من أهل البصرة (قالوا:) لما وضع (ابن عباس) المال في الغرائر ثم مضى تبعته الاخماس كلها فلحقوه بالطف على أربع فراسخ من البصرة فواقعوه فقالت لهم قيس: لا يصلون (إليك وفينا) عين تطرف. فقال صبرة (بن شيمان) وكان رأس الازد (5): والله إن قيسا لاخواننا في الاسلام وجيراننا على العدو، وإن الذي يذهبون به من (المال) لو رد إليكم لكان نصيبكم منه الاقل، ولهم خير لكم من المال. قالوا: فما ترى ؟ قال: انصرفوا عنهم.


(1) الكلام تعريض بأمير المؤمنين عليه السلام، ولكن ساحة ابن عباس أجل من أن يخطر هذا الامر الباطل على قلبه فضلا عن أن ينطق به، أو يخطه قلمه، فالكلام اختلقه دعاة بني أمية كي يسجلوا على الناس أن حروب أمير المؤمنين عليه السلام كانت بهدف الحفاظ على الملك والامارة، لا أنه كان مأمورا بقتال من قاتله، كما هو مدلول قوله عليه السلام المستفيض: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: عبد الله بن رزين. (3) الغرائر: جمع غرارة - بكسر الغين المعجمة -: الجوال وجمعه جوالق. (4) كذا في أصلي، ومثله في كتاب العقد الفريد، ومرجع الضمير في " قال " غير واضح، كما أن الازرق اليشكري ما وجدت له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال. (5) الظاهر أن هذا هو الصواب، وهكذا جاء في المطبوع من العقد الفريد: ج 5 ص 98 ط بيروت. ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 142، وفي أصلي: فقال ضمرة ؟... (*)

[ 82 ]

فقال بكر بن وائل وعبد القيس: نعم الرأي (رأي صبرة) فاعتزلوهم. فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم حتى نقاتلهم عليه، فقال الاحنف بن قيس: أنتم والله أحق أن لا تقاتلوهم (عليه) وقد ترك قتالهم من هو أبعد رحما منكم. قالوا: والله لنقاتلنهم. فقال: والله لا نشايعكم على قتالهم. فانصرف عنهم (الاحنف) فقدموا عليهم (1) ابن المجدعة فقاتلهم فحمل عليه الضحاك بن عبد الله / 90 / أ / وطعنه في كتفه فصرعه وسقط إلى الارض بغير قتل، وحمل سالم بن ذويب السعدي على الضحاك فصرعه أيضا، وكثرت بينهم الجراح من غير قتل. فقال الاخماس الذين اعتزلوا: والله ما صنعتم شيئا اعتزلتم عن قتالهم وتركتموهم يتشاجرون ؟ ! ! فجاؤا حتى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض وقالوا لبني تميم إن هذا للؤم قبيح لنحن أسخى أنفسا منكم حين تركنا أموالنا لبني عمكم وأنتم تقاتلونهم عليها، خلوا عنهم وعن ابن أختكم فإن القوم قد جمعوا فانصرفوا عنهم (2). (فمضى ابن عباس ومن معه) ومضى معهم ناس من قيس فيهم الضحاك بن عبد الرحمان بن رزين حتى قدموا الحجاز، فنزل مكة، فجعل زاجر لعبد الله بن عباس يسوق به ويقول: صبحت من كاظمة القصر الخرب مع ابن عباس بن عبد المطلب وجعل ابن عباس يرتجز ويقول: آوي إلى أهلك يا رباب آوي فقد آن لك الاياب وجعل يرتجز أيضا: وهن يمشين بنا هميسا إن يصدق الطير ننك لميسا فقيل: يا أبا العباس أمثلك يرفث في مثل هذا الموضع ؟ إنما الرفث ما يقال في النساء (3). قال أبو مخنف: فلما نزل (ابن عباس) مكة اشترى من عطاء بن جبير مولى بني


(1) كذا في أصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد: ج 5 ص 98: فقال (الاحنف): والله لا نساعدكم على قتالهم... فقدموا عليهم ابن مجاعة.. ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 142، وفيه: " المجاعة " (2) كذا في أصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد: " خلوا عنهم وأرواحهم فإن القوم فدحوا ؟ فانصرفوا عنهم ". وفدحوا - على زنة منعوا وبابه -: ثقلوا أي ثقل عليهم قتالكم إياهم. (3) كذا في أصلي، والرفث - على زنة الفرس -: قول الفحش كقول ابن عباس ها هنا: " ننك لميسا ". (*)

[ 83 ]

كعب من جواريه ثلاث مولدت حجازيات يقال لهن: شاذن وحوراء وفتون ؟ بثلاثة آلاف دينار. (و) قال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبد الرحمان (1) قال: كنت من أعوان عبد الله في البصرة، فلما كان من أمره ما كان، أتيت عليا عليه السلام فأخبرته فقال: * (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان وكان من الغاوين) * (175 / الاعراف: 7 /. (قال): ثم كتب (علي) معي إليه (2): أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك، لمواساتي وموازرتي وأداء الامانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو عليه قد حرب، وأمانات الناس قد خزيت وهذه الامة قد فتنت، قبلت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان وخنته مع من خان، فلا ابن عمك آسيت ولا الامانة أديت / 90 / ب / كأن لم تكن على بينة من ربك (3) وإنما كدت أمة محمد عن دنياهم وغررتهم عن فيئهم ! ! فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الامة أسرعت العدوة وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم وانتقلت بها إلى الحجاز، كأنك إنما حزت إلى أهلك ميراثا (من أبيك و) أمك ! ! ! فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟ (4) أما تخاف الحساب ؟ أما تعلم أنك تأكل


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود " ولعله الصواب. وأبو الكنود ذكره ابن حجر في باب الكنى من كتاب تهذيب التهذيب: ج 12، ص 212، قال: أبو الكنود الازدي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن عامر. وقيل: عبد الله بن عمران. وقيل: عبد الله بن عويمر. وقيل (عبد الله) بن سعيد. وقيل: عمرو بن حبشي. روى عن علي وابن مسعود وخباب بن الارت وابن عمر. وعنه أبو إسحاق السبيعي وقيس بن وهب وإسماعيل بن أبي خالد وأبو سعيد الازدي قارئ الازد. ذكره ابن حبان في الثقات... وقال أبو موسى: أدرك الجاهلية. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 99: ثم كتب علي إليه: أما بعد... (3) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " كأن لم تكن على بينة لربك... ". (4) هذا هو الظاهر الموافق للعقد الفريد، وغير واحد من المصادر، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه ومن غيره. وفي أصلي: " أما تؤمن بالعذاب ؟ ". (*)

[ 84 ]

حراما ؟ وتشرب حراما ؟ وتشتري الاماء وتنكحهن بأموال اليتامى والارامل والمجاهدين (في سبيل الله) التي أفاء الله عليهم ؟ ! ! فاتق الله وأد إلى القوم أموالهم فانك والله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك ! ! ! فو الله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة (1) ولما تركتهما حتى آخذ الحق منهما والسلام. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد (فقد بلغني) كتابك تعظم علي إصابة المال الذي أصبت، من بيت مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت مال الله أكثر مما أخذت، والسلام. فكتب إليه (علي عليه السلام): أما بعد فإن العجب كل العجب منك أن ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر مما لرجل من المسلمين، قد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الاثم ويحل لك ما حرم الله عليك، عمرك الله إنك لانت السعيد السعيد (2) وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري المولدات من المدينة والطائف، وتختارهن على عينك، وتعطي بها مال غيرك، فإني أقسم بالله ربي وربك ورب العزة ما أحب أن (ما) أخذت من أموالهم حلال لي أدعه ميراثا لعقبي، فما بال اغتباطك به تأكله حراما ! ! ! ضح رويدا وكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة والظالم الرجعة ! ! ! فكتب إليه ابن عباس: والله لئن لم تدعني من أساطيرك لاحملنه إلى معاوية (كي) يقاتلك به ! ! ! فكف عنه (أمير المؤمنين عليه السلام) ولم يكاتبه بعدها. ذكر ذلك (كله) ابن عبد ربه في تاريخه المسمى بالعقد، والله أعلم.


(1) الهوادة - على زنة السعادة -: الرفق واللين. المحاباة. (2) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: " إنك لانت المفيد السعيد ؟ ". وفي الطبعة القديمة من العقد الفريد: إنك لانت البعيد البعيد. وفي طبعة بيروت منه: " إنك لانت البعيد ؟ " من غير تكرار. (*)

[ 85 ]

الباب الثامن والخمسون في مقتل الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، (وذكر) قاتله ابن ملجم لعنه الله عن سفيان بن عيينة قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج بالليل إلى المسجد فقال ناس من أصحابه نخشى أن يصيبه بعض عدوه ولكن تعالوا نحرسه فخرج ذات ليلة فإذا هو بنا فقال: ما شأنكم ؟ فكتمناه فعزم علينا فأخبرناه فقال: تحرسونني من أهل السماء أو من أهل الارض ؟ قلنا: من أهل الارض. قال: إنه ليس يقضى في الارض شئ حتى يقضى في السماء (1). وعن التميمي بإسناد له (2) قال: لما تواعد ابن ملجم وصاحباه على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص دخل ابن ملجم المسجد (في بزوغ) الفجر الاول فدخل في الصلاة تطوعا وافتتح القراءة وجعل يكرر هذه الاية: * (ومن الناس من يشري نفسه


(1) والحديث أو ما يقربه رواه ابن عساكر بأسانيد تحت الرقم: " 1405 " وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 354 - 356 ط 2. (2) كذا في أصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد: " التميمي بإسناد له... ". ولم يتيسر لي الفحص عن ترجمة التميمي. وقريبا من صدر الحديث رواه ابن أبي الدنيا، في الحديث: " 19 " من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام الورق 23 / أ / وفي ط 1، ص 43 قال: حدثنا المنذر بن عمار الكاهلي ؟ قال: حدثني ابن أبي الحثحاث العجلي عن أبيه قال: خرج علي بالسحر يوقظ الناس للصلاة فاستقبله ابن ملجم ومعه سيف صغير، فقال: * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) * فظن علي أنه يستفتحه فقال: * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) * فضربه (ابن ملجم) بالسيف على قرنه. وانظر ما يأتي تحت الرقم: (4) من تعليق الورق 93 / أ / من الاصل، وفي هذه الطبعة ص... (*)

[ 86 ]

ابتغاء مرضاة الله) * (207 / البقرة: 2) فأقبل علي رضي الله عنه وبيده مخفقة وهو يوقظ الناس للصلاة ويقول: أيها الناس الصلاة الصلاة. فمر بابن ملجم وهو يكرر هذه الاية فظن أنه يعيى فيها ففتح عليه فقال: * (والله رؤوف بالعباد) * (207 / البقرة) ثم انصرف علي وهو يريد أن يدخل (في) الصلاة فتبعه (ابن ملجم) فضربه على قرنه ووقع (ذبابة) السيف في الجدار فأطار فدرة من آجره (1) فابتدره الناس ووقع السيف منه فجعل يقول: أيها الناس احذروا السيف فإنه مسموم. قال: فأتي به علي عليه السلام فقال: احبسوه ثلاثا وأطعموه واسقوه فإن أعش أر فيه رأيي وإن أمت فاقتلوه ولا تمثلوا به. فمات (علي) من تلك الضربة فأخذه عبد الله بن جعفر فقطع يديه ورجليه فلم يجزع ثم أراد قطع لسانه (ففزع فقيل له: لم لم تفزع لقطع يديك ورجليك وفزعت لقطع لسانك ؟) (2) قال: إني أكره أن تمر (بي) ساعة من نهار لا أذكر الله فيها ! ثم قطعوا لسانه وضربوا عنقه. وتوجه الخارجي الاخر إلى معاوية فلم يجد إليه سبيلا. وتوجه الثالث إلى عمرو بن العاصي فوجده قد اعتل تلك الليلة فلم يخرج إلى الصلاة وقدم مكانه رجلا يقال له: خارجة فضربه الخارجي بالسيف - وهو يظنه عمرو بن العاصي - فقتله فأخذه الناس وقالوا: قتلت خارجة ؟ قال: أو ليس (هو) عمرو ؟ قالوا: لا. (قال:) أردت عمرا وأراد الله خارجة.


(1) كذا في أصلي، وهو الظاهر من السياق، وفي الطبعة البيروتية من العقد الفريد: ج 5 ص 101، بتحقيق محمد سعيد العريان تصحيف، وهذا لفظه: ثم انصرف (علي) وهو يريد أن يدخل الدار فاتبعه (ابن ملجم) فضربه على قرنه ووقع السيف في الجدار فأطار فدرة من آخره... والفدرة كالقطعة لفظا ومعنى. (2) والحديث ليس بحجة لانه مرسل لا سند له وربما يكون من اختلافات الخوارج أو من يهوى هواهم ونزعتهم ساقه على هذا الوجه لرفعه شأن أشقى البرية ابن ملجم وتخفيض شأن أهل بيت الوحي ومن يلوذ بهم بأنهم كسائر الناس في الرضا والغضب ! ! ! والصواب في كيفية قتل أشقى الاخرين ابن ملجم - ضاعف الله عذابه - وهو ما يأتي عن المصنف في أواسط الباب التالي ص 435 فراجعه ولاحظ ما علقناه عليه. (*)

[ 87 ]

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعلي): ألا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة ؟ (قال: أخبرني يا رسول الله. قال: فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة) عاقر ناقة ثمود وخاضب لحيتك بدم رأسك (1). وقد أحسن القائل: وليتها إذ فدت عمرا بخارجة فدت عليا بما شاءت من البشر


(1) كذا في أصلي، غير أن ما وضعناه بين المعقوفين كان ساقطا من الاصل وأخذنا من مصدر الحديث وهو العقد الفريد: ج 5 ص 102، ط بيروت. والحديث يأتي أيضا في أواخر الباب: " 59 " الاتي في الورق 96 / أ /. ولا يحضرني في الحال مصدر للحديث بهذا السياق، والمعروف المتداول الذي له مصادر كثيرة وبلغ بمعونة شواهده إلى الامر الثابت المقطوع هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي وعمار: " ألا أخبركما بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا بلى يا رسول الله. قال: (هو) أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - فوضع رسول الله يده على رأسه - حتى يبل منها هذه - ووضع يده على لحيته -. وهذا رواه النسائي في الحديث: " 152 " من كتابه خصائص علي عليه السلام ص 279 طبعة بيروت بتحقيقنا، وانظر ما علقناه عليه. ورواه أيضا الدولابي نقلا عن النسائي في كتابه الكنى والاسماء: ج 2 ص 163. ورواه أحمد بن حنبل في عنوان: " بقية حديث عمار بن ياسر " من كتاب المسند: ج 4 ص 163 - 264. وأيضا رواه أحمد بسندين في الحديث: " 265 - 266 " من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 218 ط قم. وقد تقدم رواية الحديث عن أحمد في الباب الثاني من هذا الكتاب في الورق 8 / ب /. ورواه الهيثمي عن أحمد والطبراني والبزار، كما في فضائل علي عليه السلام من مجمع الزوائد: ج 9 ص 136. ورواه أيضا الحاكم في الحديث: " 110 " من مناقب علي عليه السلام من المستدرك: ج 3 ص 140. ورواه الحاكم الحسكاني بسندين في تفسير سورة: " والشمس " من كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 336 ط 1. ورواه أيضا بسندين الحافظ ابن عساكر في الحديث: " 1398 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 348 - 349. وأيضا يجد الطالب شواهد لبعض فقرات الحديث تحت الرقم: " 1369 - 1402 " من ترجمة علي عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 328 - 352. (*)

[ 88 ]

وقد قال كثير عزة / 92 / أ /: ألا إن الائمة من قريش ولاة العهد أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه هم الاسباط بهم خفاء فسبط سبط إيمان وسر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمه اللواء (وقال) الحسن بن علي رضي الله عنهما صبيحة الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدثني البارحة أبي قال: يا بني إني صليت ما رزق الله ثم نمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فشكوت إليه ما أنا فيه من مخالفة أصحابي وقلة رغبتهم في الجهاد ! ! ! قال: ادع الله أن يريحك منهم. فدعوت (1). ثم قال (الحسن عليه السلام): والله لقد قتلتم الليلة رجلا إن كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يبعثه فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره حتى يفتح الله عليه ما ترك بعده إلا ثلاث مائة درهم رضوان الله عليه، هذا ما ذكره ابن عبد ربه رحمه الله في (كتاب) العقد. وأما ما ذكره غيره من المؤرخين الثقات فقالوا: قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالكوفة يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين (2). وقيل: (قتل) في ربيع الاخر سنة أربعين.


(1) لم يعلم أن ابن عبد ربه من أين أخذ هذا الحديث بهذا السياق. وللحديث سياق آخر، ومصادر أخر وأسانيد يجد الطالب كثيرا منها في المختار: " 381 " وما بعده من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 222 - 227 ط 1. ولكلام الامام الحسن عليه السلام صور أخر أحسن مما ها هنا، وله مصادر وأسانيد يجد الطالب كثيرا منها في الحديث: " 1495 " وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: 3 ص 398 - 404. (2) إن تبدل لفظة: " قتل " بقول: " وضرب " ويبدل قول: " خلت " بقول: " بقيت " فالمطلب صواب، وإلا فلا. (*)

[ 89 ]

و (قال الطبري): حدثني موسى بن (عثمان بن) عبد الرحمان (المسروقي) قال: حدثنا عمار بن عبد الرحمان الحراني (أبو عبد الرحمان) (1) قال: حدثنا إسماعيل بن راشد قال: كان من حديث عبد الرحمان (بن ملجم) وأصحابه عليهم لعائن الله أن عبد الرحمان والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم (و) قالوا: ما نصنع بالحياة بعدهم (شيئا ؟ هم) إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم وكانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم العباد والبلاد وثأرنا (بهم) إخواننا. فقال (ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب. وقال البرك: أنا أكفيكم) (2) معاوية بن أبي سفيان. وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاصي. فتعاهدوا وتواثقوا بالله (أن) لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه. فأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه (الذي يطلبه). فأما ابن ملجم لعنه الله - وكان (عداده) من كندة - فخرج إلى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا (شيئا) من أمره، فزار ذات يوم أصحابه من بني تيم - وكان علي يوم النهر قتل منهم عددا كبيرا (3) - فذكروا قتلاهم ولقي من يومه (ذلك) امرأة يقال لها قطام وقد قتل علي أباها وأخاها يوم النهر وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء إليها فخطبها فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي قلبي. قال: ما تشتهين ؟ (4) قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب. فقال: هو مهر لك ؟ وأما قتل علي فلا أراك (ذكرته لي وأنت تريدين ذلك ؟ ثم أنى لي ذلك وقد احتوشه


(1) كذا في عنوان: " ذكر الخبر عن قتل علي ومقتله " من تاريخ الطبري: ج 5 ص 143، وما وضعناه بين المعقوفات أخذناه منه، وفي أصلي: " عمار بن عبد الرحمان الخزاعي ". (2) ما بين المعقوفين قد سقط من أصلي: وأخذناه من تاريخ الطبري. (3) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة. (4) وفي تاريخ الطبري: فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي (قلبي) قال: وما يشفيك ؟ فحربة وحشي. (*)

[ 90 ]

أصحابه ؟) قالت: فالتمس غرته فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها ! قال (ابن ملجم): والله ما جئت إلى هذا المصر إلا لقتله فلك ما سألت. قالت: فإني أطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك على مرادك. فبعثت إلى رجل من قومها يقال له: وردان وكلمته فأجابها. وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب فقال له: هل لك في شرف الدنيا والاخرة ؟ قال: وما (هو ؟ قال:) قتل علي بن أبي طالب. قال: ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر على قتل علي بن أبي طالب ؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه ؟ فإن نجينا شفينا أنفسنا وأدركنا ثارنا وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك لو كان غير علي كان أهون علي قد عرفت بلاءه في الاسلام وسابقته مع النبي (ص) وما أجدني أشرح لقتله. قال: أما تعلم (أنه) قتل أهل النهروان المصلين العباد ؟ (1) قال: بلى. قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه. فجاؤا (إلى) قطام وهي في المسجد الاعظم / 93 / أ / معتكفة فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي. قالت: فإذا أردتم هذا فأتوني. ثم عاد (إليها ابن ملجم) ليلة الجمعة التي قتل (في صبيحتها علي) (2) - وهي سنة أربعين - فقال: هذه الليلة (هي) التي واعدت فيها أصحابي (3) أن يقتل كل واحد منا صاحبه فيها. فدعت لهم بالحرير فعصبتهم فأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي رضي الله عنه. فلما خرج (علي منها) ضربه (شبيب بالسيف فوقع بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه) بالسيف (4).


(1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: " أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين ؟ ". (2) كذا في تاريخ الطبري، وهو الظاهر من السياق، وفي أصلي: " ثم عادوا ليلة الجمعة التي قتل فيها رضوان الله عليه... ". (3) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: " واعدت فيها صاحبي ". (4) ما وضعناه بين المعقوفين الثانيين كان ساقطا من أصلي وأخذناه من تاريخ الطبري ج 5 ص 145. ثم إنه قد ورد أحاديث كثيرة في أنه ضرب وهو في الصلاة، وقد ذكره ابن عبد البر في آخر ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب: بهامش الاصابة: ج 3 ص 59 قال: وقد اختلف في صفة أخذ ابن ملجم، فلما أخذ قال علي رضي الله عنه: احبسوه فإن مت فاقتلوه (*)

[ 91 ]

وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره فقال: ما هذا الحرير والسيف ؟ فأخبره بما (كا) ن فانصرف بسيفه فعلا به وردان فقتله. وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له: عون (1) وفي يده السيف فأخذه وجثم الحضرمي عليه فلما رآى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه (فتركه وألقى السيف من يده) ونجا شبيب في غمار الناس. وشدوا على ابن ملجم فأخذوه وتأخر علي رضي الله عنه ودفع في ظهر رجل يسمى جعدة بن هبيرة فصلى بالناس الغداة. فقال علي عليه السلام: علي بالرجل. عليه فقال (له): أي عدو الله ألم أحسن إليك ؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا ؟ قال: شحذته أربعين يوما وعاهدت الله أن أقتل به شر خلقه ! ! ! فقال علي: رضي الله عنه: ما أراك إلا مقتولا به ولا أراك إلا شر خلقه. وقال محمد بن حنيف (2): إني لفي المسجد الاعظم في رجال من أهل المصر


ولا تمثلوا به، وإن لم أمت فالامر إلي في العفو والقصاص. واختلفوا أيضا هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها ؟ وهل أستخلف من أتم بهم الصلاة ؟ أو هو أتمها ؟ والاكثر على أنه استخلف جعدة بن هبيرة فصلى بهم تلك الصلاة. وروى عبد الله بن أبي الدنيا في الحديث الخامس والسادس من كتابه: مقتل أمير المؤمنين عليه السلام الورق 3 / وفي طبعة بتحقيق المحمودي ص 32 قال: (و) عن عمران بن ميثم عن أبيه أن عليا خرج (لصلاة الصبح) فكبر في الصلاة ثم قرأ من سورة الانبياء إحدى عشرة آية ثم ضربه ابن ملجم من الصف على قرنه... والحديث مسند في مقتل ابن أبي الدنيا، ولكن لم يك بمتناولي حين تحرير ما هنا إلا ما ذكرته، وأيضا قال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي عن هشام بن محمد قال: حدثني عمر بن عبد الرحمان بن نفيع جعدة بن هبيرة (عن أبيه عن جده قال:) لما ضرب ابن ملجم عليا عليه السلام وهو في الصلاة تأخر فدفع في ظهر جعدة بن هبيرة فصلى بالناس... (1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: " عويمر... ". (2) كذا في أصلي، ومثله في الفضل: " 26 " من مناقب الخوارزمي ص 277 طبعة الغري. والقضية رواها أبو الفرج في مقتل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب مقاتل الطالبين ص 34 (*)

[ 92 ]

يصلون قريبا من السدة وهم بين راكع وساجد (وما يسأمون من أول الليل إلى آخره) إذ خرج علي عليه السلام لصلاة الغداة فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة. إذ نظرت إلى بريق السيف وسمعت (قائلا يقول:) " الحكم لله لا لك يا علي ولا لاصحابك " ورأيت الناس وقد ماجوا وسيفا مشهورا وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل. فشد الناس عليه من كل جانب فلم يبرح حتى أخذ وأدخل (على) علي عليه السلام فدخلت (عليه) فيمن دخل من الناس فسمعت عليا يقول: * (النفس بالنفس) * إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي. ثم دخل الناس أفواجا على الحسن (بن علي عليه السلام) / 93 / ب / فزعين وابن ملجم مكتوف بين يديه إذ قالت أم كلثوم بنت علي - رضي الله عنها وهي تبكي -: يا عدو الله لا بأس على أبي والله مخزيك. قال: فعلى من تبكين ؟ والله لقد شريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد ! ! ! ودخل جندب بن عبد الله (1) على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن فقدناك - ولا نفقدك إن شاء الله - فنبايع الحسن ؟ فقال عليه السلام: لا آمركم ولا أنهاكم


وقال: " عبد الله بن محمد الازدي... ". ولعله الصواب، إذ لم نجد لمحمد بن حنيف ترجمة. ورواها الطبري في مقتل أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخه وقال: " محمد ابن الحنفية ". والقصة لا تنطبق على محمد بن أمير المؤمنين المكنى بابن الحنفية، ولم نعهد من يكنى بابن الحنفية غيره. (1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري ومناقب الخوارزمي: " وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي فسأله... ". وهكذا يكون أداء حق العلم لكل كاتب ومحدث ومؤلف، إذا لم يجدوا طريقا لاثبات ما يذكروه، ويريدون أن يذكروا ما بلغهم كما بلغهم، وكان على المصنف أن يسوق الحديث على منهجهم العلمي كي لا يغتر بكلامه من لا يعرف الواقع. والحديث من الاخبار الشاذة حيث مثل الطبري المحيط بالاثار والتاريخ ما وجد له سندا، وإلا كان يذكره مسندا. ونحن أيضا أستقرأنا ما كتبه ثقات المحدثين والمؤرخين من القدماء فلم نجد للحديث سندا غير ما أورده ابن أبي الدنيا في الحديث: " 33 " من كتابه مقتل أمير المؤمنين عليه السلام ص 55 وفيه شخص غير مسمى. وغير ما رواه البلاذري بسند فيه ضعفاء في أواخر أمير المؤمنين عليه السلام في الحديث: " 555 " من أنساب الاشراف: ج 2 ص 503 ط 1. (*)

[ 93 ]

أنتم أبصر. (فعلت فقلت مثلها) فرد علي مثلها (1). فدعا حسنا وحسينا وقال: أوصيكما بتقوى الله و (أن) لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ منها زوي عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع وأغيثا الملهوف واعملا للاخرة (2) وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال: نعم. (قال:) فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك. (ثم قال للحسن والحسين:) وأوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه. ثم قال للحسن (عليه السلام): إني أوصيك يا بني بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحسن الوضوء فإنه لا صلاة إلا بطهور و (إنه) لا تقبل الصلاة ممن منع الزكاة وأوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم على الجاهل والثبات في (الامر والتعاهد للقرآن وحسن الجوار و) الامر (بالمعروف) والنهي عن المنكر واجتناب الفواحش (3). فلما حضرته الوفاة أوصاه وصيته الجامعة (4) رحمه الله ورضي عنه وجمعنا به في دار الاخرة.


(1) ما بين المعقوفين قد سقط من أصلي وأخذناه من الحديث: " 33 " من كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام لعبد الله بن أبي الدنيا. (2) كذا في المختار: " 47 " من الباب الثاني من نهج البلاغة، ولفظ أصلي ها هنا غير جلي. وفي تاريخ الطبري والمختار: " 384 " من نهج السعادة: ج 2 ص 734، ط 1: " واصنعا للاخرة " وهو أظهر معنى. وللكلام مصادر كثيرة يجد الطالب ذكر كثير منها فيما أوردناه في مصادر المختار: " 47 " من باب الكتب من نهج البلاغة. (3) كذا في تاريخ الطبري، والمختار: " 385 " من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 736، ولكن فيهما: " والتثبت في الامر " وما بين المعقوفات أيضا مأخوذ منهما، وفي نهج السعادة: " واجتناب الفواحش كلها في كل ما عصي الله فيه ". (4) والوصية تأتي حرفية في الباب التالي. (*)

[ 94 ]

(ولله در القائل:) ولا عجب للاسد إن ظفرت بها كلاب الاعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى ومات علي من حسام ابن ملجم (وروى) الحافظ أبو بكر البيهقي (ره) (قال:) روينا بإسناد ثابت (عمن أدرك عليا) قال: خرج علي رضي الله عنه لصلاة الفجر فأقبل الوز يصحن في وجهه فطردوهن عنه فقال: دعوهن (فإنهن) نوائح (1). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني جدي (2) (قال: حدثني) عبد الله بن يونس (بن بكير قال: حدثني أبي (قال:) حدثنا علي بن أبي فاطمة الغنوي قال) حدثني الاصبغ الحنظلي (3) / 94 / أ / قال: لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي رضي الله عنه أتاه ابن


ومما يناسب المقام جدا ما رواه الطبري في كتاب الولاية، قال: (و) عن أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عطية الدغشي المحاربي ؟ بإسناده عن الاصبغ بن نباتة قال: لما أصيب علي عليه السلام وضربه ابن ملجم لعنه الله الضربة التي مات منها، لزمناه يومه ذلك وبتنا عنده، فأغمي عليه في الليل ثم أفاق فنظر إلينا فقال: وإنكم لها هنا ؟ قلنا: نعم يا أمير المؤمنين قال: وما الذي أجلسكم ؟ قلنا: حبك. (قال: الله ؟ قلنا: الله) قال: والله الذي أنزل التوراة على موسى والانجيل على عيسى والزبور على داود والفرقان على محمد صلى الله عليه وآله لا يحبني عبد إلا ورآني حيث يسره، ولا يبغضني عبد إلا رآني حيث يسوؤه. (ثم قال عليه السلام) ارتفعوا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أني أضرب ليلة تسعة عشر من شهر رمضان في الليلة التي مات فيها وصي موسى، وأموت في ليلة إحد (ى) وعشرين منه، في الليلة التي رفع فيها عيسى عليه السلام. هكذا رواه عن الطبري القاضي نعمان المصري في الحديث: " 61 " من فضائل علي عليه السلام من كتاب شرح الاخبار. (1) وانظر تعليق الحديث الاول من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام - المنقوص الاول - لابن أبي الدنيا، ولكن كلمة: " جدي " غير موجودة فيه. ورواه أيضا ابن عساكر بسنده عن ابن أبي الدنيا، خاليا عن كلمة: " جدي " كما في الحديث: " 1415 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 358 ط 2. (3) كذا في أصلي - غير أن ما بين المعقوفات أخذناه من الحديث الرابع من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام لابن أبي الدنيا. (*)

[ 95 ]

النباح فقال: يا أمير المؤمنين إن الفجر قد طلع وهو مضطجع متثاقل، ثم عادوه وهو كذلك ثم عاد الثالثة فقام وهو متثاقل يمشي متكاسلا متباطئا (4) ثم أنشد وقال: اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت إذا حل بناديك (فلما) بلغ الباب الصغير شد عليه ابن ملجم فضربه (5). وعن (الربيع بن) المنذر عن أبيه عن محمد بن الحنفية قال: دخل علينا ابن ملجم لعنه الله الحمام وأنا والحسن والحسين جلوس في الحمام فاشمأزا منه وقالا: ما الذي جرأك بالدخول علينا ؟ قال: فقلت لهما: دعاه عنكما فلعمري ما يريد بكما أجسم من هذا ! ! فلما كان يوم أتى به أسيرا قال محمد بن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف به من يوم الحمام. والقصة مشهورة (6).


ومثله في الحديث: " 1415 " من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 358 ط 2 (1) كذا في أصلي، وهو غير موافق لما في الحديث الرابع من مقتل ابن أبي الدنيا، كما أنه لا يوافق ما رواه ابن عساكر بسنده عن ابن أبي الدنيا، وفي تاريخ دمشق. ولعل المصنف نقل الحديث بالمعنى، أو أن بعض المستنسخين لجواهر المطالب كان صنيعة من أشقاء أبي بكر السبزواري ؟ ! ! وإليك ذكر الحديث أخذا من الحديث: " 52 " من كتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا، الورق 13 / أ / ومثله في الحديث الرابع من النسخة المنقوص الاول من كتابه مقتل أمير المؤمنين عليه السلام قال: حدثني عبد الله بن يونس بن بكير، قال: حدثني أبي (قال:) حدثنا علي بن أبي فاطمة الغنوي قال: حدثني شيخ من بني حنظلة قال: لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي رحمه الله أتاه ابن النباح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل، فقال (في) الثانية يؤذنه بالصلاة فسكت، فجاء الثالثة، فقام علي يمشي بين الحسن والحسين وهو يقول: شد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك فلما بلغ الباب الصغير قال لهما: مكانكما. ودخل فشد عليه عبد الرحمان بن ملجم فضربه... (2) كذا في أصلي، وبمد نظر القارئ ما قدمناه آنفا في التعليق السالف (3) وللحديث مصادر وأسانيد، وقد رواه ابن سعد في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 35 طبعة بيروت، وما بين المعقوفين مأخوذ منه ورواه عنه البلاذري في الحديث: " 550 " من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 (*)

[ 96 ]

وبعث الاشعث بن قيس ابنه صبيحة ضرب علي عليه السلام فقال: إئت‍ (هم) فانظر كيف أمير المؤمنين ؟ قال: فذهب ثم رجع (ف‍) قال: رأيت عينيه قد دخلا في أم رأسه. فقال الاشعث: إنا لله (وإنا إليه راجعون) (1). ولما ضرب (علي عليه السلام) قال: فزت ورب الكعبة (2). ومكث رضوان الله عليه يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي يوم الاحد لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان (3) سنة أربعين وغسله الحسن والحسين عليهما السلام.


ص 501 ط 1. وأيضا رواه عن ابن سعد ابن عساكر في الحديث: " 1420 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 362 ط 2. ورواه ابن أبي الدنيا، بسند آخر، في الحديث: " 82 " من كتابه أمير المؤمنين عليه السلام بتحقيقنا. (1) كذا في أصلي، وهذا الذيل بهذه الصورة غير وارد في أي مصدر المصادر الحديثية والتاريخية، والظاهر إنه من إجتهاد المصنف ؟ ! والحديث رواه كل من ابن أبي الدنيا وابن سعد والبلاذري وابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين من المصادر المتقدم الذكر آنفا، وكلهم قالوا: إن الاشعث قال: " عيني دميغ ورب الكعبة ". (2) وللحديث مصادر، وقد رواه البلاذري في الحديث: " 543 " من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 499 ط 1. ورواه أيضا ابن قتيبة في الامامة والسياسة، ص 160. ورواه أيضا ابن أبي الدنيا، في الحديث: " 20 " من كتابه مقتل أمير المؤمنين عليه السلام. ورواه ابن عساكر بسنده عنه، في الحديث: " 1424 " من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 367 ط 2. (3) والذي عليه جمهور شيعة أهل البيت عليهم السلام أن عليا عليه السلام ضرب في آخر ليلة التاسع عشر، من شهر رمضان من سنة الاربعين الهجرية، وتوفي ليلة الاحدى والعشرين من الشهر المذكور، ولهذه العقيدة شواهد كثيرة في أخبار المسمين بأهل السنة. وقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في الحديث: " 62 " وتاليه من باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل ص 37 ط قم قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال: حدثنا سوار بن عبد الله قال: حدثنا معتمر، قال: قال أبي: حدثني حريث بن مخش أن عليا قتل صبيحة إحدى وعشرين من شهر رمضان. (و) حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا يحيى بن بكير المصري قال: حدثني الليث بن سعد: أن عبد الرحمان بن ملجم ضرب عليا في صلاة على دهش بسيف كان سمه بالسم و مات (*)

[ 97 ]

وذكر ابن عبد البر (1) أنهم اختلفوا هل ضربه ابن ملجم في الصلاة أو قبل الدخول فيها ؟ وهل استخلف (من) أتم (بهم) الصلاة (أو هو أتمها ؟) والصحيح أنه استخلف جعدة بن هبيرة المقدم ذكره. وقيل: إنه لما ضربه ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة. (ثم) لم يتكلم بعد ذلك بغير " لا إله إلا الله ".


من يومه ودفن بالكوفة. أقول: وذيل الرواية شاذ مخالف للروايات المستفيضة الدالة على أنه عليه السلام بعد الضربة عاش يومين ومات في الليلة الثالثة. ص 25 و 28. وروى ابن أبي الدنيا، في الحديث: " 40 " من كتابه مقتل أمير المؤمنين عليه السلام الورق 8 / بإسناده عن ابن إسحاق، قال: ضرب علي في رمضان سنة أربعين في تسع عشرة ليلة مضت منه، ومات في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان. ورواه أيضا أبو الفرج في مقتل أمير المؤمنين عليه السلام من مقاتل الطالبين ص 41. ورواه أيضا بزيادة محمد بن سليمان الكوفي من أعلام القرن الثالث والرابع في الحديث: " 1098 " في أواخر الجزء السابع من كتابه مناقب علي عليه السلام الورق 228 / ب / وفي ط 1: ج 2 ص 587. (1) ذكره ابن عبد البر بمغاير لفظية جزئية في أواخر أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 3 ص 59، وقد تقدم لفظه في أوائل تعليقات هذا الباب، فليلاحظ. ولصدر الحديث شواهد تقدمت آنفا، ولذيله أيضا شواهد، منها ما رواه البلاذري في آخر ترجمة أمير المؤمنين تحت الرقم: " 543 " منها من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 499 ط 1، قال: (حدثني) المدائني عن يعقوب بن داود الثقفي عن الحسن بن البزيع (قال): إن عليا خرج (في) الليلة التي ضرب في صبيحتها في السحر وهو يقول: أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت أذا حل بواديك فلما ضربه ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة. وكان آخر ما تكلم به: (قوله:) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. (*)

[ 98 ]

وعن أبي الطفيل قال: لما أجمع الناس على المبايعة لعلي بن أبي طالب أتا (ه) عدو الله عبد الرحمان بن ملجم لعنه الله ليبايعوه فرده عليه السلام، ثم عاد فرده فلما كانت الثالثة بايعه فأنشد علي رضي الله عنه ما تقدم (ذكره) من قوله (1): أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا وأتاه (اللعين) يوما فنظر (إليه) مليا ثم أنشد متمثلا: أريد حياته ؟ ويريد قتلي عذيري من خليلي ؟ من مرادي فقال له ابن ملجم: بالله إن كان في نفسك / 94 / ب / هذا فاضرب عنقي. قال: ويحك ومن يخضب هذه من هذا ؟ (2). وعن (السري بن) يحيى (عن) ابن شهاب (1) قال: قدمت دمشق وأنا أريد الغزو فأتيت عبد الملك بن مروان لاسلم عليه فوجدته في قبة على فرش يفوق القائم فيها ؟ والناس تحته سماطان فسلمت عليه وجلست فقال يا ابن شهاب أتعلم ما كان (في) بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هلم. فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة فحول وجهه إلي وانحنى وقال: ما كان ؟ فقلت: لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وتحته دم ! ! ! فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك - ثم قال: - لا يسمعن هذا منك (أحدا) أبدا. قال (ابن شهاب الزهري): فما فهت به حتى مات عبد الملك. والله أعلم.


(1) ولصدر الحديث مصادر جمة، منها ما يأتي ها هنا في ذيل الوصية التالية، كما ذكرها أيضا في ذيل الوصية ابن أبي الدنيا في الحديث: " 30 " من كتابه مقتل أمير المؤمنين عليه السلام. ورواه عنه وعن غيره ابن عساكر، في الحديث: " 1428 " وتاليه من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 371 ط 2. (2) وللحديث شواهد، يجدها الطالب تحت الرقم: " 81 " وما علقناه عليه من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام لابن أبي الدنيا. وليلاحظ ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 22، طبعة بيروت، والاستيعاب بهامش الاصابة: ج 3 ص 61. (3) ابن شهاب هو محمد بن مسلم وهو من رجال الصحاح الست السنية. ثم إن ما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ مما رواه أبو نعيم في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب (*)

[ 99 ]


معرفة الصحابة الورق 16 / ب / ومما رواه الحاكم في الحديث: " 21 " من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب المستدرك: ج 3 ص 113، ومما رواه ابن عساكر في الحديث: " 1446 " من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 382 ط 2. وللحديث مصادر أخر يجدها الطالب في الحديث: " 107 " وتاليه من مقتل ابن أبي الدنيا. وأيضا يجد الطالب للحديث شواهد تحت الرقم: " 325 " في الباب: " 70 " من كتاب فرائد السمطين: ج 1، ص 388 ط 1. (*)

[ 101 ]

الباب التاسع والخمسون في (ذكر) وصيته عليه السلام (الاخيرة) على الاختصار (1) بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. ثم (إني) أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربي وربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) يقول: إن صلاح ذات البين أفضل من (عامة) الصلاة والصيام (2). انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. الله الله في الايتام فلا تغلبوا أفواههم (3).


(1) لعل مراد المصنف من " الاختصار " هو الاقتصار على إحدى وصايا الامام عليه السلام بعد ما ضربه أشقى البرية ابن ملجم لعنه الله تعالى، لا تلخيص الوصية الشريفة واختصارها. (2) ومثله في المختار: " 47 " من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة، وقال ابن أبي الحديد في شرح الكلام: " و (لفظة) ذات ها هنا زائدة مقحمة. (3) ومثله في المختار: (47) من الباب الثاني من نهج البلاغة، وهو من قولهم: غب فلان فلانا - على زنة " مد " وبابه -: أتاه وتركه يوما. أو من قولهم: غبت الماشية: شربت يوما وتركت الشرب يوما. (*)

[ 102 ]

والله (الله) في جيرانكم فإنه وصية نبيكم عليه السلام ما زال يوصي بهم خيرا حتى ظننا أنه سيورثهم. والله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم. والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم. (والله الله) في بيت ربكم فلا تخلونه ما بقيتم. والله الله في شهر رمضان / 95 / أ / فإن صيامه جنة من النار. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب. والله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن أحد (منهم) بين أظهركم (1). والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه (وآله) أوصى بهم (2). والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم. وأوصيكم بالضعيفين: نسائكم وما ملكت أيمانكم. الصلاة الصلاة ولا تخافن في الله لومة لائم والله يكفكم من أرادكم وبغى عليكم. ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيؤل الامر إلى شراركم (3) ثم تدعون


ومراده عليه السلام أن لا تجيعوا الايتام بأن تطعموهم يوما وتمسكوا الطعام عنهم يوما. وفي المطبوع من كتاب مقاتل الطالبيين: فلا تغيرت أفواههم بجفوتكم... (1) هذا هو الصواب، وصحفه غير واحد من دعاة بني أمية بقول: " ذمة نبيكم " وهذه شنشنة أخزمية قديمة. (2) وفي المختار الاخير من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 8 ص 480: الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثنا ولم يؤوا محدثا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدث... ". وليراجع ما أوردناه في تذييلات الوصية الشريفة. (3) كذا في أصلي، وهو أظهر مما جاء في مصادر كثيرة: " فيولى الامر شراركم... ". (*)

[ 103 ]

فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم استودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم (لم) ينطق بعدها إلا ب‍ " لا إله إلا الله " حتى قبض رضوان الله عليه. وقد كان (عليه السلام) نهى الحسن عن المثلة وقال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون: قتل أمير المؤمنين. ألا لا يقتلن (بي) إلا قاتلي (و) انظر يا حسن إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل به فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. ولما قبض عليه السلام بعث الحسن إلى ابن ملجم لعنه الله فأحضره فقال (ابن ملجم) للحسن: هل لك في خصلة ؟ إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به وإني أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل معاوية أو أموت فإن شئت خليت بيني وبينه ولك عهد الله إن قتلته أو لم أقتله ثم بقيت أتيت إليك حتى أضع يدي في يدك. فقال الحسن رضي الله عنه: أما والله لا يكون ذلك حتى تعاين النار. ثم قدمه فقتله وأخذه الناس فأدرجوه في البواري وأحرقوه (1). و (قال الراوي: إنه لما أحضر ابن ملجم عند الحسن عليه السلام ليقتله فقال ما قال ورد عليه الحسن) قال للحسن رضي الله عنه: يا ابن رسول الله دعني أسر إليك كلمة لا تعدم منها خيرا / 95 / ب /. فقال له (الحسن عليه السلام): يا عدو الله ما أردت إلا أن تصطلم أذني ! ! ! (ف‍) قال (اللعين): أما والله لو أمكنني منها لاقتلعتها من صماخها ! ! !


(1) وما ذكره الباعوني ها هنا أحسن سياق لكيفية قتل أشقى البرية ابن ملجم، وقد ورد من طريق شيعة آل أبي سفيان أخبار مستفيضة أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل برجل أراد قتله ! فقال: اقتلوه ثم حرقوه بالنار. وليراجع ما علقناه على الحديث: (77) من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام - لابن أبي الدنيا - ص 86 ط 1. (*)

[ 104 ]

فانظر إلى عدو الله لم يشغله ما حل به من البلاء العظيم وتوقع القتل والتمثيل عن الخديعة والمكر وقصد السوء. وانظر إلى الحسن (عليه السلام) لم يغفل عن التيقظ والتحفظ وقد أصيب بهذا المصاب الجسيم والهول العظيم. (قال الباعوني:) وفيما سقته من أمر مقتله (عليه السلام) كفاية والله أعلم. وأما البرك بن عبد الله فإنه توجه في تلك الليلة التي ضرب فيها علي عليه السلام بقصد معاوية (إلى مسجد دمشق) فلما خرج (معاوية لصلاة) الغداة شد عليه بسيفه فوقع السيف بإليته وأخذ (الرجل) فقال (لمعاوية): إن عندي خبرا أسرك به فإن أخبرتك فنافعني عندك ؟ قال (معاوية): نعم. قال: إن أخا لي قتل علي بن أبي طالب في هذه الليلة. قال: لعله لم يقدر على ذلك. قال: بلى إن عليا يخرج وليس معه أحد يحرسه. (فحبسه معاوية عنده فلما أتاه أن عليا قتل خلى سبيله. وقال غيره من الرواة: بل قتله من وقته) (1). وبعث معاوية إلى الساعدي وكان طبيبا فلما نظر إليه قال له: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف وإما (أن) أسقيك شربة ينقطع بها منك الولد وتبرأ فإن ضربتك مسمومة. قال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها وأما إنقطاع الولد فإن في يزيد (وعبد الله) ما تقر به عيني. فسقاه (الطبيب) تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها ولد. وأما عمرو بن العاصي فإن صاحبه جلس له تلك الليلة فلم يخرج (عمرو) وكان (عمرو) قد اشتكى بطنه (تلك الليلة) فأمر خارجة - وكان صاحب شرطته - فخرج (خارجة) ليصلي مكانه فشد عليه (الخارجي) وهو يرى أنه عمرو فضربه فقتله وأخذه الناس وانطلقوا به إلى عمرو وهو يسلمون عليه بالامرة فقال (الخارجي): من هذا ؟ قالوا: عمرو بن العاص. قال: فأنا من قتلت ؟ قالوا: خارجة. فقال: أنا أردت عمرا وأراد الله خارجة والله ما أردت يا فاسق إلا أنت. فقدمه (عمرو) وقتله، وقد تقدم ذكر بعض ذلك و (لكن) إنما الحديث ذو شجون. ولما انتهى خبر علي رضي الله عنه إلى عائشة أم المؤمنين " رض " قالت: فألقت عصاها واستقر بها النوى كما / 96 / أ / قر عينا بالاياب المسافر


(1) ما بين المعقوفين أخذناه من كتاب مقاتل الطالبين ص 30 (*)

[ 105 ]

ثم قالت: فإن يك نائيا فلقد نعاه نعاة ؟ ليس في فيها التراب (1) فقالت لها زينب بنت أبي سلمة: أبمثل هذا تقولين لعلي ؟ قالت: إني أنسى فإذا نسيت فذكروني ! ! ! وقال ابن أبي مياس (المرادي): ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة كمهر قطام من فخار مفخم (2)


(1) كذا في أصلي، وفي كتاب مقاتل الطالبيين ص 42: " غلام ليس في فيه التراب ". وهكذا كانت أم المؤمنين في أحقادها على أمير المؤمنين عليه السلام ما كانت تكتفي بإضمارها بل كانت تبديها كلما تسمح لها الظروف والمقتضيات، وقد روى أبو الفرج في هذا المقام من كتاب مقاتل الطالبيين بسنده عنها ما يكشف عما كانت تضمر أم المؤمنين بجميع المعنى قال: حدثني محمد بن الحسين الاشناني قال: حدثنا أحمد بن حازم قال: حدثنا عاصم بن عامر وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا جرير عن الاعمش عن عمرو بن مرة: عن أبي البختري قال: لما أن جاء عائشة قتل علي عليه السلام سجدت ! ! ! وقد روى الزبير بن بكار ما هو أشد مما ذكرناه عن أبي الفرج، كما في الجزء: " 16 " من كتاب الموفقيات ص 131، طبعة بغداد، قال: حدثت عن ابن دأب، عن موسى بن عقبة، عن ذكوان مولى أم سلمة عن زينب بنت أبي سلمة قالت: كنت يوما عند عائشة ابنة أبي بكر زوج النبي صلى الله عليه وآله فإني لعندها إذ دخل رجل معتم عليه أثر السفر فقال: قتل علي بن أبي طالب - عليه السلام - فقالت عائشة: (ف‍) إن يك نائيا فلقد نعاه نعي ليس في فيه التراب ! ! ثم قالت: من قتله ؟ قالوا: رجل من مراد، قالت: رب قتيل لله بيد رجل من مراد ؟ ! ! قالت زينب: فقلت: سبحان الله يا أم المؤمنين أتقولين مثل هذا لعلي في سابقته وفضله ؟ فضحكت وقالت: بسم الله إذا نسيت فذكريني ! ! وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الحقد المشتعل في المختار: (154) من نهج البلاغة فقال: وأما فلانة فأدركها، أي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين... وانظر شرح الكلام في شرح ابن أبي الحديد، أو محمد عبدة على نهج البلاغة. (2) كذا في أصلي، والمتداول في كتب السير والتواريخ، ومنها تاريخ الطبري: " كمهر قطام من فصيح وأعجم ". (*)

[ 106 ]

ثلاثة آلاف وعبد قينة وقتل علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم (1) وقال أبو الاسود الدؤلي: يرثي عليا عليه السلام: ألا أبلغ معاوية بن حرب فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا بخير الناس طرا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا ورحلها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ومن قرأ المثاني والمئينا إذا استقبلت وجه أبا حسين رأيت البدر راع الناظرينا وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله (ص) قال: ألا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة ؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: عاقر ناقة ثمود وخاضب لحيتك بدم رأسك (2). وحكى أبو الاصبغ (3) قال: قدم علينا شيخ شديد البياض يشبه بياضه البرص يقال له: ابن الماء وكان عربيا فذكر أنه كان نصرانيا وكان يتعبد في صومعته فبينا هو ذات يوم أو ليلة في صومعته إذ جاء طائر كالنسر يشبه الكركي بسطح الصومعة وفي منقاره بضع لحم ؟ ثم نقرها فعادت بضع لحم ؟ ثم ابتلعها وطار ! ! ! ثم جاء الليلة الثانية ففعل مثل ذلك. ثم جاء الليلة الثالثة ففعل مثل ذلك فالتأم رجلا فقلت له: أسألك بالله من أنت ؟ قال: (أنا) عبد الرحمان بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل الله بي هذا الطائر يفعل بي ما ترى / 96 / ب / إلى يوم القيامة ! ! ! وروي عن علي رضي الله عنه (على ما) خرجه أبو الفتوح محمد بن محمد الطائي


(1) ومثله في تاريخ الطبري، وفي بعض المصادر: " ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم ". (2) والحديث رواه ابن عبد ربه في آخر ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام في العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 102، طبعة بيروت. والحديث قد تقدم عن المصنف في أوائل الباب: " 58 " من هذا الكتاب الورق 91 / ب / وقد ذكرنا هناك ما عندنا. (3) كذا في أصلي، ولم أطلع بعد على هوية أبي الاصبغ هذا ولكن لحديثه مصادر وشواهد، وقد رواه الخوارزمي في الفصل: " 26 " من كتابه مناقب علي عليه السلام ص 281، طبعة الغري. ورواه الحموئي بسند آخر، في أواخر الباب: " 70 " من فرائد السمطين: ج 1، ص 393 ط 1. (*)

[ 107 ]

بسنده عن القاسم بن (نافع المعروف ب‍) أبي بزة قال: سمعت أبا الطفيل قال: قلنا لعلي رضي الله عنه: هل ترك رسول الله (ص) كتابا عندكم ؟ قال: ما ترك (عندنا) كتابا نكتمه إلا شيئا في علاقة سيفي. (قال أبو الطفيل:) فوجدنا (في علاقة سيفه) صحيفة صغيرة فيها: لعن الله من زحزح منار الارض. وهو (حديث) صحيح متفق عليه من حديث أبي الطفيل خرجه مسلم في كتابه عن محمد بن بشار ومحمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن القاسم بن أبي بزة رواه عن النبي (ص) (5). (و) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو رابع الخلفاء الراشدين أقدمهم إجابة وإيمانا (6) (وهو) أبو الحسنين علي بن أبي طالب. (قال الباعوني:) نقلت ذلك من رسالة ابن عبدون المسماة ب‍ " سرح العيون " (قال:) ولم ينم (علي عليه السلام في) ليلة قتل (فيها) وإنما (كان) يمشي (بين الباب و) المسجد (7) ويقول: والله ما كذبت ولا كذبت وإنها لهذه الليلة التي وعدت، ومتى يبعث


(1) رواه مسلم في باب فضل المدينة من كتاب الحج من جامعه: ج 2 ص... وأيضا رواه مسلم في الباب الرابع من كتاب العتق من جامعه: ج.. ص... وأيضا رواه مسلم في آخر كتاب الاضاحي من جامعه: ج 6 ص 84. وأما البخاري فقد رواه في الباب الثاني من كتاب الفرائض من جامعه. ورواه أحمد بن حنبل في أوائل مسند علي عليه السلام من كتاب المسند: ج 1، ص 81، و 118، 119، و 126، ط 1. وليلاحظ ما علقناه على الحديث الاول والحديث: " 1042 - 1043 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 16، ط 2، وج 3 ص 22 ط 2. (2) وأخبار المسلمين بذلك متواترة، وقد تقدم نبذ من ذلك عن المصنف في الباب السادس من هذا الكتاب. ومن أراد استيعاب ذلك فعليه بما أورده الحافظ ابن عساكر - وما أوردناه في تعليقه - في الحديث: " 59 - 141 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 41 - 117، ط 2. (3) ما بين المعقوفين مأخوذ مما رواه المسعودي في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب مروج (*)

[ 108 ]

أشقاها ؟ (1) فرحمة الله ورضوانه عليه


الذهب: ج 2 ص 413 قال: وقيل: إن عليا لم ينم تلك الليلة وأنه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة وهو يقول: " والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت فيها... وقريبا منه رواه الشيخ المفيد في كتاب الارشاد. وليراجع ما أوردناه في شرح المختار: " 5 " من باب وصايا أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة: ج 7 ص 101 - 122، ط 1. (1) وحديث: " يقتلك أشقى الاخرين " أورده ابن عبد البر بطرق أواخر ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب: ج 3 ص 1125، طبعة القاهرة. (*)

[ 109 ]

الباب الستون في غسله، وكفنه، والصلاة عليه، ودفنه، وإخفاء قبره عليه السلام غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن رضوان الله عليه في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص. وصلى عليه الحسن وكبر عليه تسع تكبيرات. ودفن بدار الامارة خوفا من الخوارج أن ينبشوه. هذا هو المشهور (1)


(1) أي إن القول بدفن أمير المؤمنين عليه السلام بدار الامارة خوفا من أن ينبشه الخوارج هو المشهور. أقول: مراد المصنف من قوله: " هو المشهور " الشهرة بين المفارقين عن أهل البيت، لانا نعلم - وكل من يراجع ترجمة المؤلف وكتابه أيضا يعلم - أن الباعوني مؤلف هذا الكتاب لم يكن محشورا مع حفاظ الشيعة ولا مراجعا لما كتبه علماء الشيعة حتى يحكي عنهم ويحكم بأن ما ذكره مشهور بين جميع العلماء حتى علماء الشيعة، فمراده من الشهرة هي الشهرة بين المنقطعين عن أهل البيت، الملتصقين ببني أمية وحفاظهم. واشتهار شئ بين هؤلاء بل اتفاقهم عليه لا يفيد شيئا، لا سيما في مثل هذا الامر الذي يكتم على الاعداء، ويكون العلم به والاطلاع عليه مختصا بخواص أولياء أمير المؤمنين والملازمين بهم. والمتفق عليه بين أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم أن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بأمر منه دفن بالغري في ظهر الكوفة في القبة المقدسة التي بنيت بعد على مدفنه الشريف وتزوره في كل يوم وليلة آلاف من الشيعة وغيرهم من زمن قديم إلى عصرناا هذا، وهذا عندهم من الضروريات التي لا يشوبها شك. (*)

[ 110 ]

ويقال: إنه حمل على راحلته فلا يدرى أين ذهبت (به) (1). وحكى الخطيب (2) أن الحسن والحسين حولاه ونقلاه إلى المدينة فدفناه عند فاطمة رضي الله عنهما.


(1) والظاهر أن هذا موجز ما أورده الخطيب في ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ بغداد: ج 1، ص 137. (2) ذكره الخطيب في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ بغداد: ج 1 ص 137 - 138 ومما يؤيد ما هو المتفق عليه بين أهل البيت وشيعتهم عليهم السلام هو ما رواه ابن أبي الدنيا - المتوفى عام: (281) - في عنوان: " موضع دفن علي رحمة الله عليه " تحت الرقم: (68) من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام ص 79 ط 1، قال: حدثني أبي رحمه الله، عن هشام بن محمد، قال: قال لي أبو بكر بن عياش: سألت أبا حصين وعاصم بن بهدلة والاعمش وغيرهم فقلت: (هل) أخبركم أحد أنه صلى على علي أو شهد دفنه ؟ قالوا: لا. فسألت أباك محمد بن السائب فقال: أخرج به ليلا خرج به الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وعدة من أهل بيتهم فدفن في ظهر الكوفة. قال (أبو بكر ابن عياش): فقلت لابيك: لم فعل به ذلك ؟ قال: مخافة أن تنبشه الخوارج أو غيرهم. والحديث رواه ابن عساكر تحت الرقم: (1438) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 376 وقد علقنا شواهد عليه وعلى كتاب المقتل فليراجع. وأما ما ذكره الباعوني من أن دفن أمير المؤمنين عليه السلام في مدفنه كان لاجل الخوف من أن ينبشه الخوارج، ففيه أن الخوف لم يكن مقصورا على الخوارج، فكان ينبغي له أن يقول: خوفا من أن ينبشه الخوارج والنواصب، أو يقول خوفا من أن ينبشه أعداؤه أو نحو ذلك، بل بملاحظة إخبار أمير المؤمنين المقطوع الصدور عنه عليه السلام من سلطة بني أمية - على الكوفة وعلى جميع الاقطار الاسلامية - كان ينبغي للمصنف أن يقول: " خوفا من أن ينبشه بنو أمية وعمالهم ". وهذا الوجه الاخير دليل على أنه عليه السلام لم يدفن في دار الامارة إذ من المستحيل من العقلاء ممن يعرف أن دار الامارة ستصير مركزا للملاحظة من أعدائه من عمال بني أمية أن لا يعهد إلى أوليائه بعدم دفنه فيها ! ! ! وإليك أيها القارئ بعض الشواهد من كتاب موالي بني أمية على أن الخوف من بني أمية وعمالهم لم يكن أقل من الخوف من الخوارج: (*)

[ 111 ]


روى البلاذري في آخر ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 509 قال: وحدثني (عباس بن) هشام، عن أبيه عن عوانة عن عبد الملك بن عمير أن الحجاج بن يوسف عمل في القصر بالكوفة عملا فوجد (عماله) شيخا أبيض الرأس واللحية مدفونا (فأخبروه) فقال: أبو تراب والله. وأراد أن يصلبه، فكلمه عنبسة بن سعيد في ذلك وسأله أن لا يفعل: فأمسك. ورواه أيضا ابن أبي الدنيا، بسنده عن الشعبي في الحديث (73) من مقتل أمير المؤمنين قال: حدثني الحارث بن محمد التميمي حدثنا داود بن المحبر، حدثنا المحبر بن قحذم، عن مجالد بن سعيد: عن الشعبي قال: أمر الحجاج بن يوسف ببناء القبة التي بين يدي المسجد بالكوفة فلما حروا أساسها هجموا على جسد طري فإذا به ضربة على رأسه طرية، فلما نظروا إليه قالوا: هذا علي بن أبي طالب: فأخبر الحجاج بذلك، فقال: من يخبرني عن هذا ؟ فجاءه عدة من مشيخة الكوفة، فلما نظروا إليه قالوا: هذا علي بن أبي طالب، فقال الحجاج: أبو تراب لاصلبنه ! ! فقال له ابن أم الحكم: أذكرك الله أيها الامير أن تلقي هذه الثائرة بيننا وبين إخواننا من بني هاشم، فقال له الحجاج: فما تخشى ؟ أتخشى أن يؤتى جسدك بعد موتك فيستخرج ؟ مرهم أن يدفنوك حيث لا يعلم بك. فقال له ابن أم الحكم: والله ما أبالي إذا أتي جسدي فأستخرج جسدي كان أم جسد غيري إذا قيل: هذا جسد فلان ؟ ! فأمر الحجاج بحفائر حفرت من النهار، ثم أمر بجسد علي فحمل على بعير وأطرافه تنشل فخرج به ليلا فدفن في ناحية أخرى حيث لا يعلم به. وروى خطيب آل أمية بسنده عن عبد الملك بن عمير من رجال صحاح الست الاموية في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ بغداد: ج 1 ص 137، قال: أخبرنا محمد بن الحسين القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن إسحاق الخراساني قال: نبأنا أبو زيد بن طريف، قال: نبأنا إسماعيل بن موسى قال: نبأنا أبو المحياة: عن عبد الملك بن عمير، قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار يزيد ابنه استخرجوا شيخا مدفونا أبيض الرأس واللحية فقال: أتحب أن أريك علي بن أبي طالب ؟ فكشف لي فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالامس طري - وزاد في الحديث إسماعيل بن بهرام -: فقال: يا غلام علي بحطب ونار ! ! ! فقال الهيثم بن العريان: أصلح الله الامير ليس يريد القوم منك هذا كله. فقال (خالد): يا غلام علي بقباطي. (فجئ بها) فلفه فيها وحنطه وتركه مكانه. وانظر ما يأتي عن المصنف - بروايته عن خطيب آل أمية - في آخر هذا الباب. ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة ما فعله يوسف بن عمر عامل بني أمية ببدن زيد الشهيد وأصحابه من كتاب أنساب الاشراف: ج 3 ص 251 وما حولها، ط 1. (*)

[ 112 ]

وأورد بعضهم خبرا في دفنه وهو غريب ولكني رأيته في بعض الكتب (1) وقد ذكر بسند طويل، ولا أدري صحيح أم سقيم، والله سبحانه أعلم، قال: حدثنا المقدم بن عبد الله، قال: حدثنا عمرو بن عائد ؟ قال: صعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه المنبر وحض الناس على الجهاد وقتال عدوهم وقال: يا قنبر أخرج الراية وانصبها بالنخيلة، فو الله لا أردها حتى أوردها القصور الحمر من الشام. فقال أهل الكوفة: يا أمير المؤمنين الحر شديد / 96 / ب / فلو صبرت إلى أن تطيب الزمان ويعتدل. فأمر قنبرا فرد الراية ودعا برقبة و (أ) عتقها، فلما طاب الزمان صعد المنبر وأمر بالراية أن ينصبها ؟ وحض الناس على الجهاد ووبخهم (على إبطائهم لاجابته) فأجمع أهل الكوفة وتحالفوا (على) أن لا يخلفوا بالكوفة إلا شيخا عاجزا لا يقوى على السفر (أو) غلاما لا يطيق حمل السلاح. قال أبو عبد الله (الجدلي): وكان عمي ممن قطع عنه البعث ؟ فقال: لو أتيت أمير المؤمنين لعله يضع عني البعث. قال: فأتيته في الغلس فإذا الباب لا يحجبه حاجب ولا عنده أحد، فلما سمع حسي قال: من هذا ؟ قال: (قلت:) أنا (أبو) عبد الله الجدلي. قال: ألك حاجة ؟ قلت: نعم. قال: تصبح إن شاء الله وتذكر حاجتك.


أو يراجع إلى ما فعله شقيق بني أمية المتوكل على الشيطان العباسي بمدفن سيد الشهداء ريحانة رسول الله الامام الحسين عليه السلام في كربلاء. (1) لم يذكر المصنف معرفات مصدره حتى نراجعه إذا كان الوقوف عليه ميسورا، ولكن وجدنا قريبا مما رواه الباعوني ها هنا، فيما أورده السيد عبد الكريم ابن طاووس المتوفى سنة (693) في الباب الثاني من كتاب فرحة الغري 32 ط 1، قال: وذكر جعفر بن مبشر (المترجم في لسان الميزان: ج 2 ص 121، وفهرس ابن النديم) في كتابه في نسخة عتيقة عندي ما صورته قال: قال المدائني عن أبي زكريا، عن أبي بكر الهمداني عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة (عن) عبد الله بن محمد عن علي بن اليمان عن أبي حمزة الثمالي (عن) أبي جعفر محمد بن علي. و (عن) القاسم بن محمد المقري عن عبد الله بن زيد عن المعافا عن عبد السلام عن أبي عبد الله الجدلي قالوا: إستنفر علي بن أبي طالب عليه السلام الناس في قتال معاوية في الصيف وذكر الحديث مطولا وقال في آخره (قال) أبو عبد الله الجدلي وقد حضره - عليه السلام - وهو يوصي الحسن فقال: يا بني إني (*)

[ 113 ]

قال أبو عبد الله: فخرجت ودخلت (المسجد) من باب الفيل، ودخل أمير المؤمنين من بابه، فلما توسط المسجد سمعت صياحا وجلبة وسمعت أم كلثوم (تقول:) ردوا إلي قاتل أبي ؟ (فتقدمت) فإذا أمير المؤمنين مستند إلى حائط المسجد وقد خضبت لحيته الدم ؟ فحمل وأدخل داره وصلى الحسن بالناس فزاحمت حتى صرت عند رأس أمير المؤمنين، فدعا الحسن ابنه فقال: يا حسن. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: خذ أسيرك فألن وطاءه وأطب طعامه فإن أمت فضربة بضربة وإن أعش أخذت حقي بيدي. فقال ابن ملجم عليه اللعنة: ما زلت يا أمير المؤمنين عدلا في الغضب والرضا (ولكن) إنك ميت. قال: يا فاسق وما علمك بذلك ؟ قال: يا أمير المؤمنين كيف لا أعلم وإني أسم السيف منذ شهر ! ! ! فالتفت (أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن) وقال: يا حسن. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: إني ميت بعد ثلاث، فإذا مت فكفني بثياب بياض وحنطني بفضلة الحنوط الذي نزل به جبرئيل إلى جدك من الجنة، وضعوني على سريري واحملوا مؤخر السرير فسيروا حيث سار بكم السرير، فإذا وقف قفوا، ثم احفروا فإنكم ستجدون ساجة اتخذها لي جدك (نوح) عليه أفضل الصلاة والسلام فضعوني فيها، وضعوا علي من اللبن سبعا، فإن انكشف بعض اللبن فلم تروني فلا يهولنكم ذلك / 97 / أ / فإن الله لو قبض نبيه بالمغرب ووصيه بالمشرق لجمع بينهما. قال أبو عبد الله (الجدلي): فأتيت اليوم الثاني والثالث ؟ وقد توفي عليه السلام وغسل وكفن ووضع على سريره رضي الله عنه، فلما حمل المؤخر وإن المقدم ليسير بنا ؟ فلما وقف السرير وقفنا وحفرنا فوجدنا ساجة منقورة على مثال أمير المؤمنين فوضعناه فيها، ووضعناه عليه من اللبن سبعا فذهب الحسن ليكشف اللبن فلم ير شيئا، والله أعلم


ميت من ليلتي هذه فإذا أنا مت فغسلني وكفني وحنطني بحنوط جدك وضعني على سريري ولا يقربن أحد منكم مقدم السرير فإنكم تكفونه، فأينما المقدم ذهب فاذهبوا حيث ذهب، فإذا وضع المقدم فضعوا المؤخر. ثم تقدم أي بني فصل علي وكبر سبعا فإنها لن تحل لاحد من بعدي إلا لرجل من ولدي يخرج في آخر الزمان يقيم اعوجاج الحق، فإذا صليت، فخط حول سريري، ثم احفر لي قبرا في موضعه إلى منتهى كذا وكذا، ثم شق لحدا فإنك تقع على ساجة منقورة إدخرها لي أبي نوح وضعني في الساجة، ثم اصنع لي سبع لبنات كبار، ثم ارقب هنيئة، ثم انظر فإنك لن تراني في لحدي وبعده أيضا حديث آخر في معنى ذيل الحديث. (*)

[ 114 ]

وقد وقع اختلاف كثير في موضع قبره، وقد رأيت في (كتاب) منهاج الطالبيين تاريخ هارون (1) قال: دفن (أمير المؤمنين) بزاوية الجامع بالكوفة. وقيل حمل إلى سمرقند ودفن إلى جنب ابن عمه قثم بن العباس ؟ وقيل: كان مدفونا بجامع الكوفة فاستخرجه الحجاج بن يوسف ودفن حيث لا يعلمون. وقال أبو نعيم: نقل إلى المدينة. وقيل إن الرشيد خرج يوما إلى الصيد فأتى إلى موضع قبره الان فأرسل فهدا على صيد فتبع الفهد الصيد إلى موضع القبر فوقف ولم يتجاوزه فعجب الرشيد من ذلك ف‍ (أ) حضر إليه رجل ؟ وقال: يا أمير المؤمنين (مالي من الكرامة) إن دللتك على قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؟ قال: كل كرامة. قال: هذا قبره. قال: من أين علمت ؟ قال: كنت أخرج (إليه) مع أبي فيزوره، وأخبرني أنه كان يجئ مع جعفر الصادق فيزوره، وأن جعفرا كان يجئ (مع أبيه محمد الباقر فيزوره، وأن محمدا كان يجئ) مع علي بن الحسين فيزوره، وأن الحسين أعلمهم أن هذا قبره. فتقدم الرشيد بأن يحجر ويبنى عليه، فكان أول من بنى (عليه) هو، ثم تزايد البناء. (وروى الخطيب في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ بغداد: ج 1، ص 136، قال: أخبرنا محمد بن الحسين القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن إسحاق الخراساني قال: أنبأنا زيد بن طريف قال: أنبأنا إسماعيل بن موسى قال: أنبأنا أبو المحياة): قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار يزيد ابنه استخرجوا شيخا مدفونا أبيض الرأس واللحية، فقال (الحفار): أتحب أن أريك علي بن أبي طالب ؟ فكشف لي ؟ فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالامس طري - وزاد في الحديث إسماعيل بن بهرام ؟ - فقال: يا غلام علي بحطب ونار ! ! ! فقال الهيثم بن العريان: أصلح الله الامير ليس يريد منك القوم هذا كله. فقال: يا غلام علي بقباطي. (فجئ بها) فلفه فيها وحنطه وتركه مكانه. قال أبو زيد بن طريف: هذا الموضع بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد


(1) كذا في أصلي، ولم أطلع بعد على كتاب منهاج الطالبيين تاريخ هارون ؟ (*)

[ 115 ]

بيت إسكاف وما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل عنه (1). (و) قال أحمد بن عبد الله العجلي: دفن رضي الله عنه بالكوفة ولا يعلم مكانه وقيل: دفن بقصر الامارة بالكوفة وغبي قبره فلم يعرف. وعن عاصم عن الاعمش قال: أخرج ليلا مع / 97 / ب / أهل بيته الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، ودفن بظاهر الكوفة (2).


(1) كذا في تاريخ بغداد، وبما أن الحديث كان منقولا منه، وكان في نسختي نقص فاحش نقلناه عن مصدره وهو تاريخ بغداد، وإليك لفظ المصنف: وقال أبو يزيد بن ظريف: حدثنا أبو المحاسن عن عبد الملك بن عمير، قال: حفر خالد بن عبد الله أساس دار ابنه فاستخرجوا منه شيخا أبيض الرأس واللحية فقال: أتحب أن أراك عليا ؟ قلت: نعم. فكشف لي عنه وهو كأنه كما دفن غضا طريا لم يتغير، ثم قال: يا غلام علي بالقباطي. فكفنه فيها بعد أن حنطه، وأعاده إلى مكانه. ورواه ابن عساكر - بسنده عن الخطيب - في الحديث: " 1436 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 375 ط 2. (2) وقريبا منه رواه السيد النقيب عبد الكريم ابن طاووس المتوفى عام " 693 " في الباب الثاني من كتاب فرحة الغري ص 32 ط 1. وقد تقدم أن هذا من الضروريات عند شيعة أهل البيت عليهم السلام، ولها شواهد في كتب بعض المنصفين من أهل السنة، كما أشرنا إلى بعضها فيما تقدم. (*)

[ 117 ]

الباب الستون في أسمائه (عليه السلام) (1) وقد تقدم ذكر شئ منها في أول الابواب ؟ ولم يذكر (هناك) غالبها فنذكر الان ما أهملناه (هناك) مما اختصرناه، على سبيل الاختصار: فمن أشهر أسمائه رضي الله عنه وأعرفها هو علي (2) وقد تقدم (في الباب الاول من هذا الكتاب). ومنها حيدرة، وقد تقدم قوله (رضي الله عنه): أنا الذي سمتني أمي حيدة (ضرغام آجام وليث قسوة) وحيدرة من أسماء الاسد، وقيل: إنما سمته بهذا (أمه) - إلا أنه اسم أسد ؟ - وكان أبوه غائبا، فلما حضره سماه عليا. ومنها أبو القصم (3) لانه لما بارزه عمر بن عبد ود قال: إلي فأنا أبو القصم ؟ وذلك


(1) كذا في أصلي ها هنا، ولم يذكر المصنف هذا الباب - أي الباب الستون في أسماء علي عليه السلام - في مقدمة جواهر المطالب هذا عند تعداد أبوابه. ثم العنوان خاصة - دون ذيله وما ذكر بعده - مكرر ما تقدم آنفا. (2) لعل هذا الصواب، وفي أصلي المخطوط: " فمن أشهر أسمائه رضي الله عنه أشهرها وهو علي ". (3) كذا في أصلي بالصاد المهملة، وروى أبو نعيم الحافظ في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب معرفة الصحابة: ج 1، ص 281 ط 1، قال: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا عمرو بن أبي الطاهر ؟ حدثنا عبد الغفار بن داود الحراني قال: سمعت زهير بن معاوية وذكر عليا فدمعت عيناه وقال: كان علي يكنى بأبي قصم ؟. وصريح ما ينقله المصنف بعد ذلك عن السهيلي أنه ضبط " قصم " بالصاد المهملة، وهذا خلاف ما هو المعروف بين المحدثين فإنهم ذكروه بالضاد المعجمة قال ابن الاثير في مادة " قضم " من كتاب النهاية: ج 4 ص 78: ومنه حديث علي: كانت قريش إذا رأته قالت: " احذروا الحطم، احذروا (*)

[ 118 ]

إنه خرج عمرو يوم الخندق، فنادى هل من مبارز ؟ فقام علي بن أبي طالب وهو مقنع بالحديد ؟ فقال: أنا له يا نبي الله، قال: إنه عمرو اجلس. ونادى عمرو: ألا رجل يبارزني ؟ وهو يوبخهم ويقول: (أين المشتاق إلى) جنتكم التي تزعمون أنه من قتل (منكم) دخلها (1) أفلا تبرزون إلي ؟ فقال علي: أنا له يا رسول الله. قال: إنه عمرو فاجلس. ثم نادى الثالثة فقام علي فقال: أنا له يا رسول الله. فقال: إنه عمرو. فقال: وإن كان عمر فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه علي حتى أتاه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة (والصدق منجا كل فائز) فقال له عمرو: من أنت ؟ قال: (أنا) علي بن أبي طالب. قال: ابن عبد مناف ؟ قال: نعم. قال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أريق دمك. فقال علي رضي الله عنه: لكني والله ما يريق دمك إلا أنا ! ! (2). فغضب (عمرو) ونزل وسل سيفه وكأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا واستقبله علي بدرقته فضربه عمرو فقدها وأثبت فيها سيفه وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرف أن عليا قتله (ف‍) قال علي رضي الله عنه أنا أبو القصم. ثم أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متهلل. فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه فإنه ليس في العرب درع خير منه 98 / أ /. فقال: إنه استقبلني بسوأته حين ضربته فاستحييت أن أسلبه.


القضم " أي الذي يقضم الناس فيهلكهم. وليلاحظ ما علقناه على هذا البحث في خاتمة تفسير آية المودة الورق 72 / ب /. (1) ما وضعناه بين المعقوفين معنى لازم الكلام وليس منطوقه المطابقي. الحديث: (216) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق - وغيره - ج 1، ص 170، ط 2. (2) كذا في أصلي، وفي تاريخ دمشق وغيره: " فقال علي لكني والله ما أكره أن أهريق دمك.... ". وانظر كتاب المغازي من مستدرك الحاكم: ج 3 ص 32 ودلائل النبوة للبيهقي: ج 3 ص 435 وتفسير الاية: (25) من سورة الاحزاب من شواهد التنزيل ج 2 ص 10، ط 2، والبداية والنهاية: ج 4 ص 106، وبحار الانوار: ج 20 ص 257. (*)

[ 119 ]

وقيل: إنما قال (علي): أنا أبو القصم يوم بارز طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين، قال (القائل): حدثنا المغيرة، قال: حدثني عمرو بن المثنى قال: كان لواء المشركين يوم " أحد " مع طلحة. وذكر (ه) ابن هشام، قال: لما اشتد (الامر) يوم " أحد " وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الانصار أرسل إلى علي أن قدم الراية. فتقدم علي رضي الله عنه وقال: أنا أبو القصم فناداه طلحة: وهو صاحب لواء المشركين يومئذ -: هل لك يا أبا القصم في البراز ؟ قال: نعم. فبرز إليه فضربه علي فصرعه ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: فهلا أجهزت عليه ؟ قال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم وعلمت أن الله قد قتله (1). قال الامام أبو القاسم السهيلي: إنما قال علي: " أنا أبو القصم " لقول أبي سعيد طلحة: " أنا قاصم من يبارزني ؟ " والقصم: جمع قصمة وهي المعضلة المهلكة. وإنما قال علي: " أنا أبو القصم " أي أبو المعضلات، والقصم كسير بغير سوية أعظم ؟ وفي الاية: (11) من سورة الانبياء من) التنزيل (الكريم الحميد): * (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) *. وفيه (أيضا): * (لا انفصام لها) * (256 / البقرة: 2) ذكره السهيلي رحمه الله في (كتاب) الروض (الانف).


(1) وقريبا من ذيل الحديث رواه الطبري في حوادث السنة الثالثة الهجرية في وقعة " أحد " من تاريخه: ج 2 ص 509 ط مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم قال: ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار ؟ ! ! فقال إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار أو تعجلني بسيفك إلى الجنة ؟ ! فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم. فتركه (علي) فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعلي: ما منعك أن تجهز عليه ؟ قال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه. (*)

[ 120 ]

ومن أسمائه (عليه السلام) يعسوب (المؤمنين) (1). وقد ذكر الشيعة (لعلي عليه السلام) أسماء كثيرة، وألقاب متعددة (2) وفي هذا القدر (الذي ذكرناه ها هنا) كفاية.


(1) وقد ورد أخبار مستفيضة قطعية الصدور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه لقبه ب‍ (يعسوب المؤمنين " ويجد الطالب قبسات من تلك الاخبار في الحديث: (119) وما بعده وتعليقاتها من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 87 - 89 ط 2. وهكذا يجد الباحث أسانيد أخر للحديث تحت الرقم: (179، 194، 200، 220، و 502، من مناقب محمد بن سليمان: ج 1، ص 267 - 268 و 280 و 284 وفي ج 2 ص 14. وأيضا رواه أبو نعيم الحافظ في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب معرفة الصحابة: ج 1 / الورق 21 / أ / وفي ط 1: ج 1، ص 296، 299. ورواه أيضا الحافظ الخزاعي في الحديث: (30) من كتاب الاربعين في فضائل أمير المؤمنين. (2) وانظر الباب الثاني من المجلد 35 من البحار ص 47. (*)

[ 121 ]

الباب الواحد والستون في ذكر أزواجه، وأسمائهن، وما ولدن (له عليه السلام) أولهن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليهما وسلم، ولم يتزوج عليهما حتى توفيت عنده. وكان له منها الولدين الحسن والحسين عليهما السلام. وقيل: كان له منها ابن آخر يقال له: محسن مات وهو صغير (1). فزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى.


(1) الاحاديث مستفيضة على أنه كان لعلي وفاطمة - صلواة الله عليهما - ابن ثالث كان يسمى محسنا، كما أورد الحافظ ابن عساكر عدة أحاديث بهذا المعنى تحت الرقم: (19 - 20) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 16، ط 1. وأيضا أورد أحاديث أخر بهذا اللسان في الحديث: (19) وما بعده من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 16، ط 1. وأيضا أورد أحاديث أخر بهذا اللسان في الحديث (19) وما بعده من ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق، ص 17، ط 1. والمذكور في تلك الاحاديث انه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوفي في زمانه. وفي عنوان: " ولد علي... " تحت الرقم: " 234 " من أنساب الاشراف: ج 2 ص 189، ط 1: ولد علي بن أبي طالب الحسن والحسين، ومحسن، درج صغيرا. ومثله معنى ذكره اليعقوبي في ختام ترجمة أمير المؤمنين من تاريخه: ج 2 ص 203. وذكره أيضا الطبري في عنوان: " ذكر الخبر عن أزواج امير المؤمنين وأولاده " في أواخر سيرة امير المؤمنين من سيرته من تاريخه: ج 5 ص 153، قال: ويذكر أنه كان لها (أي لفاطمة) منه (يعني من علي) ابن آخر يسمى محسنا توفي صغيرا... ومثله في تاريخ الكامل: ج 3 ص 397. وروى ابن أبي دارم المحدث أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن كما في ترجمة أحمد بن محمد (*)

[ 122 ]

ثم تزوج بعدها أم المؤمنين (1) بنت حرام بن الوحيد بن كعب بن عامر فولدت له العباس وجعفر وعبد الله وعثمان قتلوا مع الحسين رضي الله عنهم بالطف ولا عقب لهم (غير العباس) (2). وتزوج (أيضا) ليلى بنت مسعود بن خالد / 99 / أ / بن مالك بن زيد مناة بن تميم فولدت له عبد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين (عليهم السلام) بالطف. وتزوج (أيضا) أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له يحيى ومحمد الاصغر ولا عقب لهما. قال الواقدي: وولدت له محمد الاصغر قتل مع الحسين (عليه السلام). وله (عليه السلام) من الصهباء بنت زمعة بن ربيعة علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعيد - وهي أم ولد له - عمر ورقية بنت علي وعمر عمر حتى بلغ خمسا وثمانين سنة " ومات ببقيع ؟ و (أيضا) تزوج أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن (عبد) مناف - وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - فولدت له محمد الاوسط. وله (عليه السلام) محمد الاكبر، وهو محمد بن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن يربوع (3).


بن السري برقم: (552) من كتاب ميزان الاعتدال: ج 1، ص 139، ومثله في كتاب لسان الميزان: ج 1، ص 268. وذكره أيضا الزبيدي وضبطه مثقلا وقال: " (ومحسن) كمحدث (هو) محسن بن علي بن أبي طالب " كما في آخر مادة " حسن " من تاج العروس 9 ص 178. وذكره أيضا ابن قتيبة المتوفى سنة (276) في كتاب المعارف ص 92 ط القاهرة تحقيق ثروت عكاشة، قال: إن محسنا فسد من ضرب قنفذ العدوي. ورواه عنه السروي في مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 358 والبحراني في ترجمة أم الائمة فاطمة من كتاب العوالم ص 302 ط 1. (1) ظاهر كلام المصنف أن عليا عليه السلام تزوجها بعد وفاة فاطمة عليها السلام، وهذا خلاف الواقع، والظاهر أن أول امرأة تزوجها علي بعد وفاة فاطمة عليهما السلام هي امامة بنت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أسماء بنت عميس رضوان الله عليها. (2) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري: ج 5 ص 153، ط القاهرة وفي أصلي تصحيف. (3) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " وله (عليه السلام) محمد الاكبر وهو محمد بن الحنفية وأما خولة بنت (*)

[ 123 ]

وتوفي (محمد بن الحنفية) بالطائف، وصلى عليه ابن عباس رضي الله عنهما. وتزوج (أيضا) أم سعيد عروة بن مسعود فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى. وكانت له (عليه السلام) بنات من أمهات شتى منهن أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى وأم كلثوم وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة. وهؤلاء أمهاتهن أمهات أولاد. وتزوج (أيضا) محياة بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس فولدت له جارية هلكت وهي صغيرة. قال الواقدي: كانت تخرج وهي جارية (صغيرة) فيقال لها: من أخوالك ؟ فتقول: وه وه - تعني كلبا -. قال (الواقدي): فجميع ولد علي عليه السلام أربعة عشر ذكرا وسبعة عشر امرأة (1).


جعفر بن قيس ابن سلمة بن يربوع فولدت له يحيى ؟ وتوفي بالطائف، وصلى عليه ابن عباس رضي الله عنهما. أقول: محمد بن الحنفية توفي بالمدينة - أو بين المدينة والشام كما في مختصر تاريخ دمشق: ج 23 ص 109 - كما في ترجمة محمد بن الحنفية من الطبقات الكبرى: ج 5 ص 116، ط بيروت، وفي أنساب الاشراف: ج 2 ص 200، وآخر ترجمة ابن الحنفية من تاريخ دمشق، من النسخة الاردنية: ج 15، ص 744. ثم إن الذي توفي بالطائف هو ابن عباس وصلى عليه محمد بن الحنفية لا العكس، كما في ترجمة ابن عباس في كتب التاريخ غير الطبري 5 ص 154، وفي ترجمة محمد بن الحنفية من سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 119. وليلاحظ ما أورده ابن أبي الدنيا في الحديث: (109) وما بعده من مقتل أمير المؤمنين عليه السلام ص 115، ط 1. وليراجع أيضا ما ذكره البلاذري في عنوان: " ولد علي... " في الحديث: (234) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 189، ط 1. (1) وذكرهن وأمهماتهن وأزواجهن - ابن أبي الدنيا في الحديث: (118) وما بعده من مقتل أمير المؤمنين ص 121. (*)

[ 124 ]

(وروى الطبري في عنوان: " ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده " في أواخرر ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخه ج 5 ص 155، قال): وحدثني الحارث بن (محمد بن أبي أسامة التميمي قال: حدثني ابن) سعد عن الواقدي رحمه الله، قال: النسل من ولد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - خمسة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعباس بن الكلابية وعمر ابن التغلبية والله أعلم.


ومثله ذكره الطبري في أواخر أمير المؤمنين في عنوان: " ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده " من تاريخه: ج 5 ص 153 - 155، ط مصر. وجميع ما ذكر هنا - مع الحديث التالي - أورده ابن سعد ولكن قال: " وتسع عشرة امرأة " كما في أول ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 19، ط بيروت. وأنهى محمد بن سليمان عدد أولاد أمير المؤمنين عليه السلام إلى (16) ذكرا و (19) أنثى كما في الحديث: (538) من كتابه مناقب أمير المؤمنين عليه السلام: ج 2 ص 48. وذكرهم الشيخ المفيد، وقال: فأولاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه سبعة وعشرون ولدا ذكرا وأنثى ثم سماهم إلى أن قال: وعلى قول من قال: إن فاطمة أسقطت محسنا فهم (28) نفرا كما في آخر سيرة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 354. ونقل الاربلي عن محمد بن طلحة الشافعي أنه عد الذكور من أولاد أمير المؤمنين (14) ذكرا والاناث (19) نفرا ثم سماهم كما في خاتمة سيرة امير من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 441. (*)

[ 125 ]

الباب الثاني والستون في ذكر عماله، (وحاجبه) عليه السلام كان واليه على البصرة عبد الله بن عباس، وعلى اليمن عبيد الله / 99 / ب / بن عباس. وكان عامله على الطائف ومكة قثم بن العباس، وعلى المدينة أبو أيوب الانصاري. ومن عماله وولاته سهل بن حنيف وكان واليا على البصرة قبل ابن عباس (1). و (من) عماله زياد بن أبيه وكان عاملا على فارس وما والاها من البلاد (2). ومحمد بن أبي بكر (كان) عاملا على مصر وأعمالها. و (كان) قنبر مولاه وحاجبه.


(1) كذا في أصلي، والصواب أن عثمان بن حنيف كان والي أمير المؤمنين على البصرة قبل ابن عباس. (2) والصواب: أن ولاية زياد على " فارس " كانت من قبل ابن عباس والي البصرة. (*)

[ 127 ]

الباب الثالث والستون في عدله (عليه السلام) في أحكامه، وقوته في الله، وإنصافه (روى الطبري في آخر سيرة علي عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 156، قال): حدثنا يونس بن عبد الاعلى (1) قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني ابن أبي ذئب عن عباس بن الفضل مولا لبني هاشم جده أبي رافع (2) أنه كان خازنا لعلي بن أبي طالب على بيت المال، قال: فدخل يوما (و) وجد زينب بنته (محلاة) بلؤلؤة من بيت المال (3) كان قد عرفها، فقال رضي الله عنه: من أين (لها) هذه اللؤلؤة ؟ لله علي أن أقطع يدها. قال (أبو رافع): فلما رأيت الجد منه في ذلك قلت: أما والله (إن) زينب بنت أخي أخذتها فحليتها (بها) وإلا فمن أين تقدر هذه على أخذها لو لم أعطها. قال الشعبي: وجد (علي عليه السلام) درعه عند يهودي (أو) مع رجل نصراني (4) فأقبل به إلى القاضي شريح يخاصمه فلما جاء جلس إلى جنب شريح وقال:


(1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: حدثني يونس.. قال: أخبرنا وهب... (2) كذا في أصلي وفي طبعة القاهرة من تاريخ الطبري تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم: عن عباس بن الفضل مولى بني هاشم، عن أبيه، عن جده، ابن أبي رافع ؟ وعباس هذا ذكره ابن حجر بعنوان التمييز في تهذيب التهذيب: ج 5 ص 128، قال: عباس بن الفضل بن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. روى عن أبيه، (و) روى عنه ابن أبي ذئب. (3) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: فدخل يوما وقد زينت ابنته فرأي عليها لؤلؤة. (4) لفظة: " أو " الموضوعة بين المعقوفين لابد منه، إذ المصادر مختلفة فجاء في بعضها: أن عليا عليه السلام وجد درعه عند نصراني، وفي بعضها: أنه عليه السلام وجده بيد يهودي كما يلاحظ الطالب في الحديث: (1262) وتعليقه من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 344. (*)

[ 128 ]

يا شريح لو كان خصمي مسلما لما جلست إلا إلى جنبه ولكنه نصراني وقد قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضائقه. ثم قال: هذا درعي (لم) أبع ولم أهب. فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين بكاذب. فالتفت شريح وقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك علي وقال: أصاب القاضي ما لي بينة. فقضى (شريح) بها للنصراني. فمشى النصراني خطوات ثم رجع (و) قال: أما أنا فأشهد (أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله و) أن هذه أحكام الانبياء الدرع والله يا أمير المؤمنين درعك اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فطرحت (ظ) من بعيرك الاورق (فأخذته) فقال له (علي عليه السلام): أما إذا أسلمت فهي لك. وحمله على فرس (1). وأما قوته (عليه السلام) في الله فذكر ابن إسحاق في السيرة عن أبي رافع / 100 / أ / مولى رسول الله (ص) قال: خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله (ص) برايته (إلى حصن خيبر) فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به فلم يزل بيده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد (على) أن نقلب ذلك الباب فلا نقدر على قلبه (2) (ورواه ابن عساكر في الحديث: " 268 " من ترجمة علي عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 224، وأبو الخير القزويني في الباب " 38 " من كتاب الاربعين المنتقى والحموئي في الباب: " 58 " من السمط الاول من فرائد السمطين: ج 1، ص 261 ط بيروت).


(1) وفي بعض المصادر ومنها تاريخ دمشق زيادة عما هنا وهذا لقطها: قال الشعبي: فأخبرني من رآه و (أنه) يقاتل مع علي يوم النهروان. (2) أي على تقليبه، وقلب الشئ تحويله عن وجهه أو من حالته. جعل ظاهره باطنه والقلب على زنة الضرب، مصدر " قلب " على زنة ضرب وبابه. (*)

[ 129 ]

الباب الرابع والستون في جوده وكرمه (عليه السلام) روى الحافظ ابن عساكر (في الحديث 1331 من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 301 ط 2 بسند) يرفعه إلى الاصبغ (بن نباتة) قال: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة قد رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك فإن قضيتها حمدت الله وشكرتك وإن لم تقضها حمدت الله وعذرتك. (ف‍) قال (له) علي رضي الله عنه: اكتب حاجتك على الارض فإني أكره أن أرى ذل السؤال على وجهك.. فكتب (الرجل): إني محتاج. فقال علي: (علي) بحلة. فأتي بها فأخذها الرجل ولبسها وقال: كسوتني حلة تبلى محاسنها فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة ولست تبغي بما قد قلته بدلا إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا لا تزهد الدهر في خير تواقعه فكل شخص سيجزى بالذي عملا فقال علي: (علي) بالدنانير. فأتي بمائة دينار فدفعها إليه، قال الاصبغ: فقلت: يا أمير المؤمنين حلة ومائة دينار ؟ ! قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: انزلوا الناس منازلهم وهذه منزلة هذا الرجل عندي (1).


(1) ورواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين الفقيه بزيادة في ذيله في الحديث: (10) من المجلس: (46) من أماليه، وقال في ذيله: (ثم قال أمير المؤمنين:) إني لاعجب من أقوام يشترون المماليك بأموالهم ولا يشترون الاحرار بمعروفهم ؟ ! !. (*)

[ 131 ]

الباب الخامس والستون في ذكر شئ من شعره (عليه السلام) يذكر على سبيل الاختصار قال أبو بكر بن دريد كتب معاوية إلى الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أبا الحسن (إن) لي فضائل كثيرة كان أبى سيدا في الجاهلية والاسلام وصرت ملكا في الاسلام (و) صهر رسول الله (ص) وخال المؤمنين وكاتب الوحي (1). فقال علي: أعلي يفتخر ابن آكلة الاكباد ورأس الاحزاب ؟ اكتب يا غلام: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا (2) صغيرا ما بلغت أوان حلمي


(1) ورواه ابن عساكر في الحديث: (1329) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ج 3 ص 299 ط 2. ورواه المتقي - نقلا عن ابن عساكر - في الحديث: (349) من فضائل أمير المؤمنين من كنز العمال ج 15، ص 120، ط 3. (2) هذا هو الصواب المذكور في الحديث: (1328) - المنقول عن ابن دريد - من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 298، والحديث رواه ابن دريد في كتاب المجتنى ص 49 ط الهند. ولكن لم يك بمتناولي حين تحقيق هذا المقام. وفي أصلي: " سبقتكم إلى الاسلام طفلا... ". وللحديث مصادر كثيرة يجد الباحث بعضها فيما علقناه على الحديث المتقدم الذكر من تاريخ دمشق. (*)

[ 132 ]

فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب وإياكم أن يطلع عليه (أهل) الشام فيفتتنون علي بن أبي طالب (1). وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينشد ورسول الله يسمع هذه الابيات: أنا أخو المصطفى لا شك في حسبي معه ربيت وسبطاه هما ولدي جدي وجد رسول الله منفرد وفاطم زوجتي لا قول ذي فند صدقته وجميع الناس في بهم من الضلالة والاشراك والنكد فالحمد لله شكرا لا شريك له البر بالعبد والباقي بلا أمد فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: صدقت يا علي. وروى الخطيب البغدادي في تاريخه (1) قال: ومن شعر علي بن أبي طالب قوله: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واستقرت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الاريب أتاك على قنوط منك غيث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها فرج قريب


(1) وفي تاريخ دمشق: فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام، فيميلون إلى ابن أبي الخطاب. وللابيات مصادر كثيرة يجد الباحث بعضها في تعليق الحديث المتقدم الذكر من تاريخ دمشق. (2) ورواه ابن عساكر بسنده عن الخطيب في الحديث: (1332) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 302 ط 2. وأيضا رواه ابن عساكر - من غير رفع إلى أمير المؤمنين - بسنده عن ابن دريد، في ترجمة علي بن أبراهيم بن عباس من تاريخ دمشق من النسخة الاردنية: ج 11، ص 859 وفي مختصره: ج 17، ص 195، ط 1. وأشار محققه في هامشه أن القالي رواها في أماليه: ج 2 ص 303 والبغدادي في شرح ابيات المغني ج 4 ص 193، وبما أن علي بن إبراهيم العلوي المترجم كان على نزعة النواصب - كما يعلم جليا من ترجمته - وأن أبا حاتم كان ممن أخذ معلوماته عن البخلاء المعاندين فلا ينهض حديثه لمعارضة ما رواه غيره لا سيما إذا لا حظنا عدم نسبته الابيات إلى أحد ؟ !. (*)

[ 133 ]

ومما ينسب (إليه عليه السلام) قوله: ولا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه فكم من جاهل أردى حكيما حين واخاه يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه وللشئ على الشئ دلالات وأشباه (1) وسمع (عليه السلام) ناقوسا يضرب فقال: أتدرون ما يقول هذا الناقوس قالوا: لا قال: فإنه (يقول): إن الدنيا (قد غرتنا) فاستهوتنا واستذلتنا واستبلتنا لسنا ندري فيها إلا لو قدمنا واستبدلنا دارا تبقى - جهلا منا - دارا تفنى يا بن الدنيا زن بالدنيا وزنا وزنا وزنا يابن الدنيا تفني الدنيا قرنا قرنا (قرنا قرنا) (2)


(1) رواه أبو طالب المكي في الفصل (44) من كتاب قوت القلوب: ج 2 ص 56. ورواه أيضا ابن عساكر في الحديث: (1338) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 304 ط 2. (2) وقريبا منه رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين الفقيه رفع الله مقامه في الحديث الثالث من المجلس: " 40 " من أماليه ص 187 كما رواه أيضا في باب " معنى قول الناقوس " من كتاب معاني الاخبار، ص 230، ورواه عنه المجلسي رحمه الله في الحديث من الباب: " 35 " من كتاب العلم من بحار الانوار: ج 2 ص 321: (قال الصدوق): حدثنا صالح بن عيسى بن أحمد بن محمد العجلي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن علي قال حدثنا أبو نصر الشعراني في مسجد حميد قال: حدثنا سلمة بن الوضاح عن أبيه عن أبي إسرائيل عن أبي إسحاق الهمداني عن عاصم بن ضمرة: عن الحارث الاعور قال: بينا أنا أسير مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الحيرة إذا نحن بديراني يضرب الناقوس، قال: فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس ؟ قلت: الله ورسوله وابن عم رسوله أعلم. قال: إنه يضرب مثل الدنيا، وخرابها ويقول: لا إله إلا الله حقا حقا صدقا صدقا إن الدنيا قد غرتنا وشغلتنا واستهوتنا واستغوتنا يا ابن الدنيا مهلا مهلا يا ابن الدنيا دقا دقا يا ابن الدنيا جمعا جمعا تفني الدنيا قرنا قرنا (*)

[ 134 ]

ومما أنشده الصولي للامام علي رضي الله عنه (قوله عليه السلام): (ألا فاصبر على الحدث الجليل وداو جواك بالصبر الجميل) (1) ولا تجزع وإن أعسرت يوما فقد أيسرت في الزمن الطويل ولا تظنن بربك غير خير فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار وقول الله أصدق كل قيل فلو أن العقول تجر رزقا لكان الرزق عند ذوي العقول فكم من مؤمن قد جاع يوما سيروى من رحيق سلسبيل وعن عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف علي بن أبي طالب على قبر فاطمة فبكى طويلا ثم أنشد متمثلا: ذكرت أبا أروى فبت كأنني برد الهموم الماضيات كفيل لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي قبل المماة قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل (ومما ينسب إليه عليه السلام أنه قال:) حقيق بالتواضع من يموت ويكفي المرء من دنياه قوت


ما من يوم يمضي عنا إلا أوهت ركنا منا قد ضيعنا دارا تبقى واستوطنا دارا تفنى لسنا ندري ما فرطنا فيها إلا لو قدمنا ! ! ! قال الحارث: يا أمير المؤمنين النصارى يعلمون ذلك ؟ قال: لو علموا ذلك لما اتخذوا المسيح إلها من دون الله. قال (الحارث): فذهبت إلى الديراني فقلت له: بحق المسيح عليك لما ضربت الناقوس على الجهة التي تضربها، قال: فأخذ يضرب وأنا أقول (ما فسره أمير المؤمنين عليه السلام) حرفا حرفا حتى بلغ إلى موضع: " إلا لو قد متنا " فقال: بحق نبيكم من أخبركم بهذا ؟ قلت: هذا الرجل الذي كان معي أمس. فقال: وهل بينه وبين النبي من قرابة ؟ قلت: هو ابن عمه. قال: بحق نبيكم أسمع هذا من نبيكم ؟ قلت: نعم. فأسلم ثم قال لي: والله إني وجدت في التوراة أنه يكون في آخر الانبياء نبي وهو يفسر ما يقول الناقوس. (1) ما بين المعقوفين مأخوذ مما رواه السيد الامين عن هذا الكتاب، فيما جمعه من ديوان أمير المؤمنين عليه السلام ص 74. (*)

[ 135 ]

فما للمرء يصبح ذا هموم وحرص ليس يدركه النعوت صنيع مليكنا حسن جميل وما أرزاقنا عنا تفوت فيا هذا ؟ سترحل من قريب إلى قوم كلامهم سكوت ومن شعره (عليه السلام) بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: غر / 101 / أ / جهولا أمله يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه لم تغن عنه حيله وما بقاء آخر قد غاب عنه أوله والمرء لا يصحبه في القبر إلا علمه (1) وله أيضا رضي الله عنه: من جاور النعمة بالشكر لم يجسر على النعمة مغتالها (2) لو شكروا النعمة زادتهم مقالة لله قد قالها لئن شكرتم لازيدنكم لكنما كفرهم غالها والكفر بالنعمة يدعو إلى زوالها والشكر أبقى لها ومن حكمه عليه السلام أفادتني القناعة كل عز وهل عز أعز من القناعة فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعة تحز ربحا وتغنى عن بخيل (3) وتنعم في الجنان بصبر ساعة وله أيضا كرم الله وجهه: (اصبر على مضض الادلاج بالسحر وبالرواح إلى الحاجات بالبكر) لا تجزعن ولا يدخلك مضجرة فالنجح يهلك بين العجز والضجر (إني رأيت وفي الايام تجربة للصبر محمودة الاثر


(1) والابيات رواها أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: " 42 " من نهج البلاغة: ج 2 ص 320 ط الحديث بمصر (2) كذا في الديوان جمعه السيد الامين، ص 109، وفي أصلي: " يحسن على النعمة معنى لها ". (3) هذا هو الصواب المذكور في حرف العين من ديوان أمير المؤمنين - جمع السيد الامين - ص 91 ط 1 وفي مخطوطة جواهر المطالب: " تحزن حين يغني عن بخيل ". (*)

[ 136 ]

فقل نم جد في شئ يطالبه فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (1)) وله عليه السلام: دواؤك منك وما تشعر وداؤك فيك وتستنكر (2) وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر وله رضوان الله عليه: إذا شئت أن تستقرض المال منفقا على شهوات النفس في زمن العسر فسل نفسك الانفاق من كنز صبرها عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن سمحت كنت الغني وإن أبت فكل منوع بعدها واسع العذر (3) وله كرم الله وجهه: اصبر على حسد الحسود فإن صبرك قاتله


(1) رواها أيضا ابن عساكر في الحديث: (1347) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 38 ط 2 وما بين المعقوفين منه. رواها أيضا بسند ابن الجوزي وفي أواخر الباب: (6) من تذكرة الخواص ص 126. (2) كذا في أصلي المخطوط، ورواه السيد الامين عنه في حرف الراء من ديوان أمير المؤمنين وفيه: دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر ثم إنه ذكر المجلسي العظيم كلاما عن السيد الداماد رفع الله مقامه ينبغي الرجوع إليه لمناسبته للمقام كما في شرح الحديث: (46) من الباب: (87) من فضائل أمير المؤمنين من بحار الانوار ج 39 ص 271. (3) كذا في حرف الراء من الديوان الذي جمعه السيد الامين نقلا عن جواهر المطالب، وفي أصلي: " وفي كنز صرها... وإنصار إلى زمن اليسر... واسعي العذر ". (*)

[ 137 ]

كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله ورآى عليه السلام رجلا من قريش يمشي بالتبختر ؟ في مشيته فقال: يا مؤثر الدنيا على دينه التائه الحيران في قصده أصبحت ترجو الخلد فيها وقد ابرز باب ؟ الموت عن حده هيهات إن الموت ذو أسهم من يرمه يوما بها يرده لا يشرح الواعظ صدر امرئ لم يعزم الله على رشده وله أيضا رضي الله عنه: تأدب إن عبرت محل قوم وأنزل منزل الرجل الاقل فإن رفعوك فافعل ما أرادوا وإن تركوك (قل هذا) محلي (1) وله أيضا كرم الله وجهه: يمثل ذو اللب في نفسه مصائبه قبل ان تنزلا فإن نزلت بغتة لم يرع (2) لما كان في نفسه مثلا رآى الامر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا وذو الجهل يهمل أيامه وينسى مصائب من قد خلا (فإن بدهته صروف الزمان ببعض عجائبه أعولا)


(1) ما وضعناه بين المعقوفين مما يقتضيه السياق، وكان محله بياضا في أصلي. وهذه الاشطر الاربعة من الابيات لم يذكرها السيد الامين رحمه الله، فيما جمعه من ديوان أمير المؤمنين عليه السلام. كما أن الكيدري رحمه الله أيضا لم يوردها فيما جمعه من أبيات أمير المؤمنين عليه السلام وإني أيضا ما عثرت على مصدر لها في غير جواهر المطالب، (2) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه السيد الامين رحمه الله في حرف اللام من ديوان أمير المؤمنين عن هذا الكتاب ثم قال في هامشه وفي نسخة بدله هكذا: " فإن نزلت بابه لم ترعه " أقول: ومثل ما ذكره في الهامش كان في أصلي. والابيات أوردها سبط بن الجوزي في أواخر الباب: (6) من تذكرة الخواص ص 169. (*)

[ 138 ]

ولو مثل الحزم في نفسه لعلمه الصبر عند البلا (1) ومما ينسب إليه رضي الله عنه: لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني إلى الجهل في بعض الاحايين أحوج ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للشر بالشر مسرج فمن شاء تقويمي فإني مقوم ومن شاء تعويجي فإني معوج (2) وله أيضا عليه السلام: إني أقول لنفسي وهي ضيقة وقد أناخ عليها الدهر بالعجب صبرا على شدة الايام إن لها عقبى وما الصبر إلا عند ذي الحسب وله رضي الله عنه إذا ما عرى خطب من الدهر فاصطبر فإن الليالي بالخطوب حوامل وكل الذي يأتي به الدهر زائل سريعا فلا تجزع لما هو زائل (3)


(1) ومثله فيما جمعه السيد الامين من ديوان أمير المؤمنين ص 111، ط 1، وفي تذكرة الخواص: " لعلمه الصبر حسن البلا " وما وضع بين المعقوفين أخذ منه ومن جمع السيد الامين. (2) والابيات نسبها أحمد بن يحيى ثعلب إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما رواها ابن عساكر بسنده عن ثعلب في الحديث: (2346) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 307 ط 2. ولكن أوردها الحافظ ونسبها إلى صالح بن جناح اللخمي الشاعر كما في ترجمته من تاريخ دمشق ج 17 ص 190 وفي مختصره: ج 11، ص 28 ط 1، فراجعه وكلماته المفيدة. وأوردها السيد الامين في أول حرف الجيم مما جمعه من أبيات أمير المؤمنين وقال: وقيل: إنها موجودة في الديوان المنسوب إلى عنترة، المطبوع وما أحراها أن تكون (ظ) من نفس عنترة، ومن ذلك يتطرق الشك الى نسبتها إليه عليه السلام وإن كان من جيد الشعر ؟ ! (3) ورواها أيضا التنوخي في الباب: (14) من الفرج بعد الشدة ص 435. ورواه السيد الامين عنه وعن جواهر المطالب فيما أورده فيما جمعه من ديوان أمير المؤمنين ص 31. ومن هنا نقله السيد الامين في حرف اللام فيما جمعه حول ديوان أمير المؤمنين ص 108، ط 1. ولم يذكر المصنف ما أنشده أمير المؤمنين عليه السلام في مرثية النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما رواه عنه عليه السلام عمر بن محمد بن خضر المعروف ب‍ " ملا " في الباب العاشر من كتابب المتعبدين (*)

[ 139 ]

الباب السادس والستون فيما يروى عنه (عليه السلام) من الكلمات المنثورة المأثورة، والوصايا الجامعة، والمواعظ النافعة فمنها ما كتب به (عليه السلام) لعامله سهل بن حنيف وهو عامله على البصرة (1) وقد بلغه أنه توسع في دنياه يعاتبه على ذلك، وهو كتاب طويل علق بخاطري منه ما حضرني الان في جملته: واعلموا أن إمامكم قد قنع من دنياه بطمريه، وتجزى (من طعمها) بقرصيه (2) لا يطعم الفلذة إلا في أضحيته (3) أما والله لو شئت لتسربلت الدمقس من ديباجكم (4) ولاكلت لباب البر بصدور دجاجكم ولشربت صافي الماء في رقيق زجاجكم ! ! !


(1) كذا في أصلي، والصواب أنه عليه السلام كتب به إلى عثمان بن حنيف، وكان عامله على البصرة قبل فتنة طلحة والزبير. وهذا الكتاب رواه السيد الرضي رفع الله مقامه بألفاظ أجود مما هنا، في المختار: " 45 " من الباب الثاني من نهج البلاغة. ورواه أيضا العاصمي في عنوان: " وأما علم الكتابة " من الفصل الخامس من كتاب زين الفتى المخطوط، ص 224. ونحن أيضا رويناه في المختار: " 14 " من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 32 ط 1 (2) ما بين المعقوفين مأخوذ، من نهج البلاغة، ولفظة: " تجزي " من أصلي غير واضحة. (3) الفلذة: القطعة من الكبد أو اللحم. والاضحية - بضم الهمزة وكسرها -: الشاة التي تضحى وتذبح بعد شروق الشمس من يوم الاضحى وهو يوم النحر. (4) كذا في أصلي. (*)

[ 140 ]

(أ) أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى إذا يخصمني يوم القيامة دهم من ذكر وأنثى (1). والله لقد رقعت مرقعتي هذه حتى استحييت من راقعها فقال: ألقها فذو الاتن لا يرضاها لبراذعه (2) فقلت: اعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى وينجلي غيابات الكرى (3). ثم قال في آخر كتابه: واعلموا أنكم لن تستطيعوا ذلك ولكن سددوا وقاربوا (4). 2 - ومما رأيت من وصاياه (عليه السلام) لصاحبه كميل بن زياد (قوله): يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم (5) ويسعوا في حاجة من هو نائم، فو الذي وسع سمعه الاصوات، ما من مسلم أدخل على أخيه المسلم سرورا إلا وخلق الله من ذلك السرور لطفا يتبعه به حيث كان، حتى إذا نزلت به نازلة انحدر ذلك اللطف إليه كما ينحدر الماء إلى مجاريه (6). 3 - ومن حكمه المأثورة وكلماته المنثورة (قوله عليه السلام): كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب (7). 4 - (قال عليه السلام): إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكرا للمقدرة عليه.


(1) الدهم - على زنة الفهم -: العدد الكثير، وفي نهج البلاغة: أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل: وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد. (2) أي لان يجعله براذع حمره، والبرذعة: كساء يلقى على ظهر الدابة كي تحفظها عن الجرح. والاتن - على زنة قفل -: جمع الاتان: الحمارة. (3) اعزب عني: ابعد عني. والسرى - على زنة هدى - سير الليل. والغيابة من كل شئ: ما يسترك منه، والجمع الغيابات. والكرى - على زنة لظى -: النعاس. السهر. (4) كذا في أصلي، وفي نهج البلاغة: ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد... (5) كذا في المختار: " 257 " من قصار نهج البلاغة، وفي أصلي: أن يذبحوا في المكارم ؟. (6) وبعده في المختار: " 257 " من قصار نهج البلاغة: كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الابل. (7) وهذا هو المختار الاول من قصار نهج البلاغة، وله مصادر كثيرة (*)

[ 141 ]

5 - وقال عليه السلام: من أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه. 6 - وقال (عليه السلام): قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان. 7 - و (قال عليه السلام): الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير. 8 - وقال رضي الله عنه: (يا ابن آدم) إذا رأيت ربك تعالى يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره. 9 - وقال (عليه السلام): ما أضمر أحد شيئا / 102 / ب / إلا وظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه. 10 - وقال (عليه السلام): إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى. 11 - وقال (عليه السلام): لسان العاقل في قلبه وقلب الاحمق في لسانه. 12 - وقال (عليه السلام): سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك. 13 - وقال (عليه السلام): قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته. 14 - وقال (عليه السلام): عيبك مستور ما أسعدك جدك. 15 - (وقال عليه السلام): أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة 16 - وقال (عليه السلام): لا غنى كا لعقل ولا فقر كالجهل، ولا ميراث كالادب، ولا ظهر كالمشاورة.


5 - وهو المختار " 11 " من قصار نهج البلاغة. 6 - وهو المختار: " 22 و 389 " من قصار نهج البلاغة. 7 - كذا في المختار: " 21 " من قصار نهج البلاغة، وفي أصلي تصحيف. 8 - وهذا هو المختار: " 25 " من قصار نهج البلاغة بمغايرة في بعض المفردات. 9 - ومثله في المختار: " 26 " من قصار نهج البلاغة. 10 - ومثله في المختار: " 28 " من قصار نهج البلاغة. 11 - وفي المختار: " 40 " من قصار نهج البلاغة: لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الاحمق وراء لسانه. 12 - ومثله في المختار: " 46 " من قصار نهج البلاغة. 13 - ومثله في المختار: " 47 " من قصار نهج البلاغة. 14 - ومثله في المختار: " 51 - " من قصار نهج البلاغة. 15 - ومثله في المختار: " 52 " من قصار نهج البلاغة. 16 - ومثله في المختار: " 54 " من قصار نهج البلاغة، غير أن فيه: ولا ظهير كالمشاورة. وأيضا قريبا منه رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار " 113 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 142 ]

17 - وقال (عليه السلام): الشفيع جناح الطالب. 18 - و (قال عليه السلام): أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. 19 - وقال (عليه السلام): فقد الاحبة غربة، وفوت الحاجة أهون من طلبها من غير أهلها. 20 - وقال (عليه السلام): لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا. 21 - وقال (عليه السلام): أنفاس المرء خطاه إلى أجله. 22 - و (قال عليه السلام): الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق. 23 - وقال (عليه السلام): قيمة كل امرئ ما أحسنه. 24 - وقال عليه السلام: من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ. 25 - وقال (عليه السلام): رب عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه. 26 - وقال (عليه السلام): لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه وهي القلب وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها: فإن سنح له الرجاء أذله الطمع ! ! ! وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ! وإن ملكه اليأس قتله الاسف ! وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ! وإن أسعده الرضا نسي التحفظ ! وإن غاله الخوف


17 - ومثله في المختار: " 63 " من قصار نهج البلاغة. 18 - ومثله في المختار: " 64 " من قصار نهج البلاغة. 19 - ومثله في المختار: " 65 - 66 " من قصار نهج البلاغة. 20 - ومثله في المختار: " 70 " من قصار نهج البلاغة. 21 - ومثله في المختار: " 74 " من قصار نهج البلاغة: نفس المرء خطاه إلى أجله. 22 - ومثله في المختار: " 80 " من قصار نهج البلاغة، وقريب منه أيضا في المختار: " 79 " منه. 23 - وفي المختار: " 81 " من قصار نهج البلاغة: قيمة كل امرء ما يحسنه. 24 - ومثله في المختار " 89 " من قصار نهج البلاغة. 25 - ومثله في المختار: " 107 " من قصار نهج البلاغة. 26 - ومثله في المختار: " 108 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 143 ]

شغله الحذر ! وإن اتسع له الامن استلبته الغرة ! وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ! وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ! وإن عضته الفاقة شغله البلاء ! وإن جهده الجوع قعد به الضعف ! وإن أفرط به الشبع كظته البطنة (1) فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد. 27 - وقال (عليه السلام): كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه وما ابتلى الله عبدا بمثل الاملاء له. 28 - وقال (عليه السلام): عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه، فيفوته الغنى الذي طلب (2) فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الاغنياء ! ! 29 - وقال (عليه السلام): إن لله ملكا ينادي كل يوم: لدو للموت (واجمعوا للفناء) وابنوا للخراب. 30 - وقال (عليه السلام): الدنيا دار ممر إلى دار مقر والناس فيها رجلان: رجل باع (فيها) نفسه فأوبقها أو شرى الاخرة فأعتقها (3). 31 - وقال (عليه السلام): من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدعاء لم يحرم الاجابة ومن سأل التوبة لم يمنع من القبول، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم من المغفرة ومن أعطي الشكر لم يمنع الزيادة. (قال المصنف:) وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: * (ادعوني استجب لكم) * (60 / غافر: 40).


(1) البطنة: الامتلاء المفرط من الاكل. وكظته البطنة: ملاته حتى يضيق به النفس ولا يطيق التنفس. أثقلته وكربته: والفعل من باب " مد " وعلى زنته. 27 - ومثله في المختار: " 116 " من قصار نهج البلاغة. 28 - وقريب منه - بزيادات في ذيله - في المختار: " 126 " من قصار نهج البلاغة. (2) وفيه: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب... ألا وإن. 29 - ومثله في المختار: " 132 " من قصار نهج البلاغة. (3) كذا في أصلي، وفي المختار " 133 " من قصار نهج البلاغة: رجل باع فيها نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها. 31 - ومثله - أو قريب منه - في المختار: " 135 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 144 ]

وقال في الاستغفار: * (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله توابا رحيما) * (110 / النساء: 4). و (قال) في الشكر: * (ولئن شكرتم لازيدنكم) * (7 / إبراهيم: 14). و (قال) في التوبة: * (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) * (17 / النساء: 4). 32 - وروي عنه عليه السلام أنه قال لبعض نوابه: أيها المتوشح بالولاية المترشح للرعاية دع عنك الا دلال بدولتك والاغترار بصولتك فإن الدنيا دار غرور والدهر غيور والمرء فيه مزنة صيف أو نوم بطيف (1). ألا وإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته واشتد (ت بهم) رعايته (2) فلا تكن ممن ساءت رعايته ولا تكن ممن يحب العاجلة ويبغيها ويذر الاخرة ويلغيها فلا يهنأ بإنسان وكما تدين تدان (3). 33 - وقال (عليه السلام): الزمان أجور والدهر أقصر من أن يديم على أحد نعمة، فإذا أعطي العبد نعمة فليكن فكره في انتهاز الفرص وتقليد المنن لاعناق الرجال (4). 34 - وقال (عليه السلام): إن أخيب الناس سعيا وأخسرهم صفقة من أخلق بدنه في آماله وشغل بها عن معاده ومآله، ولم توافقه الاقدار على مراده وقدم على آخرته بغير زاده. 35 - وقال رضي الله عنه: من كرمت خصاله وجب وصاله، ومن حسنت مساعيه طابت مراعيه (5) ومن سلك سبيل الرشاد بلغ كنه المراد.


32 - لا عهد لي بمصدر للكلام. (1) لعل هذا هو الصواب، ورسم الخط من أصلي غير واضح. وكأن فيه: أو نومة طيف. (2) الظاهر أن هذا هو الصواب، ورسم الخط من أصلي غير واضح. (3) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: فلا يهنأ بإنسان... 33 - لا عهد لي بمصدر للكلام. 34 - وقريب منه في المختار: " 43 " وما قبله من قصار نهج البلاغة 35 - لا عهد لي بمصدر للكلام. (*)

[ 145 ]

36 - وسئل رضي الله عنه: ما الفقر ؟ قال: الاستقلال لما في يدك وشدة الطمع لما في أيدي الناس، وتمام الفقر من يذل (نفسه) لمن يطمع فيما عنده، وأفقر من هذا من أنزل حاجته لغير الله. 37 - وقال (عليه السلام): أحسن إلى من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره. 38 - وقال (عليه السلام): عجبت لمن يحتمي من الطعام والشراب مخافة الاسقام كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النيران. 39 - وقال (عليه السلام): أربعة تضحك من أربعة: القدر من الحذر والاجل من الامل والرزق من الحرص والولاية من العزل. 40 - وقال (عليه السلام): الاضداد لا تتفق والاشكال لا تفترق، والناس كالشجر ؟ شرابه واحد والثمر مختلف، والعوافي مجهولة فإذا فقدت عرفت (و) إنما تعرف النعمة بمقامات قصدها ؟. 41 - وقال (عليه السلام): تأدبوا بآداب الله التي دعاكم إليها وأمركم بحفظها واتبعوا العقلاء ؟ وخذوا عنهم العلم والتدبير ولتكن شهواتكم منصرفة إلى طلب الحمد واستحقاق المدح ولا تصرفوها إلى السرور ومفاتيح الامل. 42 - وقال (عليه السلام): استعينوا بذوي العقول ترشدوا ولا تخالفوهم تندموا. 43 - وقال (عليه السلام) لشاب: لا تتواهن في (طلب) العلم (فإنك) إن لم تصبر على تعب العلم صبرت على شقاوة الجهل. 44 - (وقال عليه السلام:) الدنيا دول فما كان لك منها أتاك عن ضعفك، وما كان


36 - لا أعهد للكلام مصدرا. 37 - للكلام مصادر، ورواه البيهقي مسندا كما في ذيل الحديث (9) من الباب: (24) من مناقب الخوارزمي ص 265 ط الغري. 38 - وهذا الكلام نسبه بعضهم إلى الامام الحسن عليه السلام. 39 - 43 - لا عهد لي بمصدر للفقرات الخمس هذه. 44 - وقريب منه جدا في ذيل المختار: " 72 " من الباب الثاني من نهج البلاغة، وإليك صدره: (*)

[ 146 ]

عليك لم تستطع أن تدفعه عنك بقوتك. 45 - وقال عليه السلام: (من أراد) العشرة بغير مال والنصرة بغير سلطان والعزة بغير رجال فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة. 46 - وقال رضي الله عنه: ثلاث من كن فيه عاش حميدا ومات شهيدا: مجانبة أهل الريب وكف الاذى وحسن الادب. 47 - وقال (عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه: لا تكن ممن يرجو الاخرة بغير عمل، ويرجي التوبة بطول الامل (1) ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ويبغض المذنبين وهو منهم (2) يقول في الدنيا بقول الزاهدين / 104 / أ / ويعمل فيها بعمل الراغبين (3) إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع (منها) لم يقنع (4) يعجز عن


أما بعد فإنك لست بسابق أجلك، ولا مرزوق ما ليس لك، واعلم بأن الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، وأن الدنيا دار دول.... 45 - وقريبا منه رواه اليعقوبي في أواسط سيرة أمير المؤمنين من تاريخه: ج 2 ص 196، قال: وقال عليه السلام: من كان يريد العز بلا عشيرة، والنسل بلا كثرة ؟ والغنى بلا مال فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة. 46 - لا عهد لي بمصدر للكلام. 47 - ورواه السيد الرضي بمغايرة طفيفة وتأخير عما هنا في المختار: " 150 " من الباب الثالث من نهج البلاغة. ورواه بنحو الايجاز منصور بن الحسين الوزير الابي المتوفي عام: (421) - في الحديث: (17) مما أختار من كلم أمير المؤمنين من كتاب نثر الدرر: ج 1، ص 277 ط 1. (1) كذا في المختار: " 150 " من قصار نهج البلاغة، وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه. وأما أصلي هذا، فمن قوله: " ترجي التوبة " إلى ها هنا، الافعال مذكورة فيها بالتأنيث: تأمر. تنهى ووو (2) هذا هو الظاهر المذكور في المختار المتقدم الذكر من نهج البلاغة، وفي أصلي: " وتبتغي.... وتأمر... وتحب الصالحين ولا تعمل عملهم، وتبغض المبغضين وأنت منهم... ". (3) هذا هو الظاهر المذكور في المختار: (150) من قصار نهج البلاغة، وفي أصلي: " تقول في الدنيا بقول الزهادين ؟ وتعمل فيها عمل الراغبين ". (4) كذا في المختار المتقدم الذكر من نهج البلاغة، وما بين المعقوفين أيضا منه، وفي أصلي: " إن أعطي بها لم يشع ". (*)

[ 147 ]

شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي، إن سقم ظل نادما، وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن (1). إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل، ويلحف إذا سأل (2) إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبة. (وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة) يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ (في) الموعظة ولا يزدجر (3) فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل، ينافس فيما يغنى وينافس فيما يبقى يرى الغنم مغرما والغرم مغنما (4) يخشى الموت ولا يبادر الفوت يستعظم معصية غيره، ويستقل ما أكثر من الذنوب لنفسه، (و) يستكثر من طاعته ما يستحقره من طاعة غيره (5) فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن، اللهو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء مرشد لغيره مغو لنفسه، فهو يطاع ويستوفي ولا يوفي ويخشى الخلق في غير ربه (6) ولا يخشى ربه في خلقه ! ! ! 48 - (وقال عليه السلام:) كم من مستدرج بالاحسان إليه مغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه ! ! وما ابتلى الله أحدا بمثل الاملاء له. 49 - وقال رضي الله عنه: عشر كلمات (إذا) يفقهها العاقل يمنع الجاهل جهله وهي: لا تقعد عند من لا يشتهيك، ولا تعاشر من لا يساويك، ولا تشكو الفقر لمن


(1) هذا هو الصواب الموافق لنهج البلاغة، وفي أصلي: " ولا يعلمها على ما يستيقن ". (2) كذا في أصلي وفي نهج البلاغة: " ويبالغ إذا سأل.... ". (3) ما بين المعقوفات مأخوذ من المختار: (150) من قصار نهج البلاغة، وفيه: " ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ ". (4) كذا في المختار المتقدم الذكر من نهج البلاغة، وفي أصلي: " يرى العزم معتما ؟ والعزم مغرما ؟ ". (5) كذا في أصلي، وفي نهج البلاغة: " يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه ؟ ويستكثر من طاعته ما يحقر، من طاعة غيره... ". (6) كذا في المختار: (150) من الباب الثالث من نهج البلاغة، وفي أصلي: " ويخشى الخالق من غير ربه ؟ ولا يخشى ربه في خلقه ؟ ". 48 - ومثله في المختار: (116) من قصار نهج البلاغة. والاملاء: الامهال. 49 - لا عهد لي بمصدر لصدر الكلام، وأما ذيله فقد جاء في مصادر. (*)

[ 148 ]

لا يغنيك، ولا تتكلم بما لا يعنيك، الزم الصمت تعد في فضلك عاقلا وفي عقلك حكيما وفي حكمك كريما (1). إياك وفضول الكلام فإنه يحرك من عدوك كل ساكن ويكن من صديقك ما ظهر (2) اليوم الرهان وغدا السباق والرابح من دخل الجنة والخاسر من دخل النار. وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر. 50 - وروي أنه عليه السلام قال: قلت: (يا) رسول الله علمني الزهد. (ف‍) قال: يا علي مثل الاخرة بين عينيك والموت في قلبك، ولا تنس موقفك بين يدي الله، وكن من الله على وجل وأد فرائضه، واكفف (وجهك) عن محارمه (3) ونابذ هواك، واعتزل عن الشك والشبه والحرص والطمع، واستعمل التواضع والنصفة وحسن الخلق ولين الكلام، واخضع لقبول الحق من حيث ورد عليك، واجتنب الكبر والرياء ومشية الخيلاء، ولا تستصغر نعم الله وجازها بالشكر، واحمد الله على كل حال، وانصف من ظلمك، وصل من قطعك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وليكن صمتك تفكرا ونظرك اعتبارا، وتجنب الريب ما استطعت، وعاشر الناس بالحسنى ونابذ هواك واعتزل ؟ واصبر على النازلة، واستهن بالمصيبة، وأطل الفكر في المعاد واجعل شوقك إلى الجنة، واستعذ بالله من النار، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخذ من الحلال ما أمكنك ؟ وجانب الشح والمنع والسرف، واعتصم بالاخلاص والتوكل، ودع الظن وابن على أساس اليقين، وميز ما اشتبه عليك بعقلك فإنه حجة الله عليك وبرهانه عندك ووديعته قبلك. فذلك أعلام الزهد ومناهجه، والعاقبة للمتقين وقد خاب من افترى ولا يظلم ربك أحدا.


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " تعد في فضلك عاقل... حكيم... كريم... ". (2) كذا في أصلي. 50 - معاني هذا الفصل متكرر في كلم أمير المؤمنين عليه السلام ولكن ألفاظه غير معهودة لي. (3) ما بين المعقوفين - أو ما في معناه - زيادة يقتضيها السياق. (*)

[ 149 ]

51 - وقال رضي الله عنه: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فقد شكرك عليه من لم يستمتع منه بشئ. 52 - وقال كرم الله وجهه: القناعة نعمة جسيمة (وعطية) عظيمة (1) وعيش صافي ورزق واسع وحصن منيع، وألفة دائمة ودعة للنفس، وصيانة للعرض، وحياة طيبة وسلامة وعاقبة. 53 - وقال (صلوات الله عليه):.... الله خير عبادة (2) ومن لا يرحم لا يرحم ومن أحب أن يطاع فليسأل ما يستطاع. 54 - وقال عليه السلام: ترك الذنب أفضل من التوبة (3) (و) سعة الخلق يطيب العيش (و) الانبساط يزيل الوحشة ويسهل الالفة ويطيب القلب، ويولد الحب، (و) إدمان العتاب يفسد المودة يؤل (إلى) الملل، (و) كثرة النوم والكسل تورث الفقر، (و) العبادة تميت الشهوة، (و) الكرم حارس الاعراض (و) الحلم زيادة في العقل، (و) المودة قرابة مستفادة، (و) التدبير قبل العمل أمان من الندم / 105 / أ / (و) خير الثناء ما كان من الاخيار، (و) خير السخاء ما وافقت وقت الحاجة (و) أفضل العفو ما كان عن قدرة، (و) أظلم الناس من ظلم لغير (ظالمه) (4) (و) أخس الناس من ظلم من هو دونه، (و) حسن الخلق أحسن رفيق، (و) من أطلق طرفه كثر أسفه، (و) من قمع شهوته صان عرضه وعظم عند الناس قدره.


51 - وفي المختار: " 204 " من الباب الثالث من نهج البلاغة: لا يزهدنك في المعروف من لا يشكرههه لك، فقد يشكرك عليه من لا يستطيع (بشئ) منه، وقد تدرك من شكر الشاكر أكثر ما أضاع الكافر، والله يحب المحسنين. (1) لا عهد لي بمصدر للكلام، وما وضعناه بين المعقوفين زيادة منا يقتضيه السياق، وبقدره كان غير مقروء من أصلي كما أن قيل قوله: " للنفس " كلمتان غير مقروئتين لوقعهما تحت التلزيقة. (2) بقدر ما أبقيناه بياضا كان ألفاظ أصلي غير مقروء. 53 - لا عهد لي بمصدر للكلام. 54 - لم أعهد مصدرا للكلام بهذا السياق. (3) والظاهر أن هذا هو الصواب، ورسم الخط من أصلي غير واضح، وفي المختار: " 170 " من قصار نهج البلاغة: ترك الذنب أهون من طلب المعونة ؟ (4) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: أظلم الناس من ظلم لغيره ؟ (*)

[ 150 ]

55 - وقال كرم الله وجهه: الهوى عدم العقل، (و) الطمع فقر العلماء. 56 - (وقال عليه السلام:) كن حذرا من الكريم إذا أهنته، ومن العاقل إذا ظلمته ومن الاحمق إذا ما زحته، ومن الفاجر إذا عاشرته (1). 57 - وقال رضي الله عنه: لا كنز أنفع من العلم ولا عز من الحلم، ولا شرف أحسن من التقوى ولا علم أفضل من الفكر، ولا دواء أفضل من الرفق، ولا رسول أعدل من الحق، ولا دليل أوضح من الصدق، ولا حارس أفضل من الصمت. ولا تبذل وجهك لمن لا يعرف قدرك، ولا تسأل لئيما فهو الموت الاكبر. 58 - وقال عليه السلام: بالشكر تدوم النعم، وبالكفر زوالها، وخير القول أصدقه. 59 - وقال (عليه السلام): عود لسانك الصدق (وقولك) الوفاء تطمئن إليك القلوب، والزم التواضع تكن عند الله مقبولا وعند الناس محبوبا. 60 - وقال (عليه السلام): قيمة كل امرئ ما أحسنه، والمرء مخبوء تحت لسانه. (و) من عذب لسانه كثرت إخوانه. لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. ما هلك امرؤ عرف قدره، (و) من عرف نفسه فقد عرف ربه. بشر مال البخيل بحادث أو وارث.


55 - لا عهد لي بمصدر للكلام على هذا السياق. (1) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: ومن العاجز... 56 - لم أعهد للكلام على هذا النهج مصدرا. 57 - وبعض هذا الكلام جاء في نهج البلاغة وغيره. 58 - بعض هذا الكلام رأيته في مصدر آخر ذهب عن بالي. 59 - لا عهد لي بالكلام على هذا السياق. 60 - أكثر فقرات هذا الكلام جاء مبعثرا في قصار نهج البلاغة. (*)

[ 151 ]

61 - (وقال عليه السلام:) لا تنظر إلى من قال، و (لكن) انظر إلى ما قال (1). 62 - لا ظفر مع بغي ولا تابع مع كبر، ولا بر مع شح ولا صحة مع نهم، ولا شرف مع سوء أدب، ولا محبة مع مراء، ولا سؤدد مع انتقام، ولا راحة لحسود، ولا صواب مع ترك المشورة، ولا مروءة لكذوب، ولا وفاء لملوك. ولا كرم أعز من التقوى ولا شرف أعلى من الاسلام، ولا معقل أمنع من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا كنز أغنى من القناعة، ولا لباس أجمل من العافية، ولا داء أعنى من الجهل، ولا مرض أضنى من قلة العقل. 63 - وقال رضي الله عنه: لسانك يقتضيك ما عودته، والمرء عدو ما جهل (2). 64 - (وقال عليه السلام:) رحم الله امرءا عرف قدره ولم يتعد طوره (3) 65 - (وقال عليه السلام:) إعادة الاعتذار تذكير للذنب. 66 - (وقال عليه السلام:) إذا تم العقل نقص الكلام. 67 - (وقال عليه السلام:) الشفيع جناح الطالب (و) لحاف المرء من ذله (5).


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي في كلتي الفقرتين: من قال... 61 - كثير من هذه الفقرات ورد في نهج البلاغة وغيره. (2) هذا هو الظاهر الموافق للمختار العاشر من قصار نهج البلاغة، وفي أصلي تصحيف. (3) الطور: القدر والحد. (4) كذا في أصلي، والفقرة الاولى من الكلام جاءت في المختار: " 54 " من قصار نهج البلاغة هكذا: ولا ظهير كالمشاورة... وأما الفقرة الثالثة المذكورة هنا، فلم أتذكر مصدرا له. 67 - ومثله في المختار: " 71 " من قصار نهج البلاغة. (5) كذا في أصلي، والظاهر أن اللحاف بمعنى الالحاف والالحاح. وهذه الجملة لم أعهد له مصدرا، وأما الجملة الاولى من الكلام فقد جاء مثله في المختار: " 63 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 152 ]

68 - (وقال عليه السلام:) نعمة الجاهل كروضة على مزبلة. 69 - (وقال عليه السلام:) الجزع عند البلاء تمام المحنة (و) الجزع أتعب من الصبر. 70 - (وقال عليه السلام:) أكبر الاعداء أخفاهم مكيدة. 71 - (وقال عليه السلام:) من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه، (و) السامع للغيبة أحد المغتابين. 72 - (وقال:) المزاح يثير العداوة، (و) الذل مع الطمع، والراحة مع اليأس، (و) من كثر مزاحه لم يخل من خفة عليه واستخفاف به. 73 - (وقال عليه السلام:) عبد الشهوة أذل من عبد الرق، (و) الحاسد مغتاض على من لا ذنب له. 74 - (وقال عليه السلام:) كفى بالظفر شفيعا للمذنب. 75 - (وقال عليه السلام:) رب ساع فيما يضره. 76 - (وقال عليه السلام:) لا تتكل على المنى فإنها بضائع النوكى، (و) اليأس حر والرجاء عبد. 77 - (وقال عليه السلام:) من نظر اعتبر، (و) العداوة شغل شاغل 78 - (وقال عليه السلام: و) القلب إذا أكره عمي (و) الادب صورة العقل ؟


75 - هذه الجملة قد وردت في أواخر كتابه عليه السلام إلى الامام الحسن عليه السلام، المذكور في المختار: " 31 " من الباب الثاني من نهج البلاغة. 76 - وهذا قد تكرر ذكره في كلمه عليه السلام، وقد ذكر في المختار: " 31 " من باب الكتب من نهج البلاغة، كما ذكر أيضا في وصيته عليه السلام إلى محمد بن الحنفية، كما في المختار: " 11 " من باب الوصايا، من نهج السعادة: ج 7 ص 247. 77 - كذا في أصلي، وفي المختار: " 208 " من قصار نهج البلاغة: ومن اعتبر أبصر. 78 - وفي المختار: " 193 " من نهج البلاغة: " القلب إذا أكره عمي " وبقية الكلام المذكور ها هنا، لم أعهد لها مصدرا. (*)

[ 153 ]

79 - (وقال عليه السلام:) لا حياء لحريص، (و) من لانت أسافله صلبت أعاليه. 80 - (وقال عليه السلام:) السعيد من وعظ بغيره. 81 - (وقال عليه السلام:) الحكمة ظالة المؤمن. 82 - الشره جامع للمساوئ. 83 - (وقال عليه السلام:) كثرة الخلاف شقاق. 84 - (وقال عليه السلام:) رب أمل خائب وطمع كاذب، رب رجاء يؤدي إلى الحرمان (و) رب ربح يؤدي إلى الخسران. 85 - (وقال عليه السلام:) البغي سائق إلى الحين، في كل جرعة شرقة ومع كل أكلة غصة. 86 - (وقال عليه السلام:) من أكثر فكره في العواقب لم يشجع. 87 - (وقال عليه السلام:) إذا حلت المقادير بطل الحذر. 88 - (وقال عليه السلام:) الاحسان يقطع اللسان. 89 - (وقال عليه السلام:) الشرف بالعفة والادب لا بالاصل والحسب (و) أكرم


80 - هذه الجملة مذكورة في ضمن المختار: " 86 " من نهج البلاغة. 81 - هذه الحكمة من مشاهير حكمه عليه السلام، ولها مصادر وأسانيد. 82 - كذا في أصلي، وفي آخر المختار: " 371 " من قصار نهج البلاغة: " والشره جامع لمساوئ العيوب ". 84 - كثير من هذه الفقرات مذكور في كتابه عليه السلام إلى الامام الحسن وهو المختار: " 31 " من باب الكتب من نهج البلاغة. 85 - ببالي أن هذه الفقرة قد جاءت منقولة عنه عليه السلام في عدة مصادر، ولكن لم يتيسر لي المراجعة. وفي أول المختار: " 145 " من نهج البلاغة: " مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص ". 88 - كذا في أصلي، وفي أواخر عهده عليه السلام إلى الاشتر، في المختار: " 53 " من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة: " فإن المن يبطل الاحسان ". 89 - وهذا الكلام معنى قد جاء عنه عليه السلام مكررا. (*)

[ 154 ]

النسب حسن الادب. 90 - (وقال عليه السلام:) أفقر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأغنى لغنى العقل. 91 - (وقال عليه السلام:) أكثر مصارع العقول تحت بروق الاطماع. 92 - (وقال عليه السلام:) من أبدى صفحته للحق هلك. 93 - (وقال عليه السلام:) إذا أملقتم فاتجروا على الله بالصدقة. 94 - (وقال عليه السلام:) من لان عوده كثرت أغصانه. 95 - (وقال عليه السلام:) قلب الاحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه. 96 - (وقال عليه السلام:) من جرى في ميدان أمله عثر بعنان أجله. 97 - (وقال عليه السلام:) إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكر القدرة (عليه). 98 - (وقال عليه السلام:) الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله 99 - ودعاه رجل إلى طعامه فقال (عليه السلام): نأتيك على أن لا تتكلف لنا شيئا مما ليس عندك، ولا تدخر ما عندك.


90 - وقريب منه جدا جاء في المختار: " 38 " من قصار نهج البلاغة. 91 - كذا في أصلي، ومثله في المختار: " 219 " من قصار نهج البلاغة. 92 - وهذا قد تكرر ذكره في كلمه عليه السلام، وجاء ذكره أيضا في خطبته عليه السلام بعد قتل عثمان. 93 - كذا في أصلي، وفي المختار: " 258 " من قصار نهج البلاغة: " فتاجروا الله بالصدقة... ". 94 - ومثله في المختار: " 214 " من قصار نهج البلاغة. 95 - وقريب منه جاء في المختار: " 40 " من قصار نهج البلاغة. 96 - كذا في أصلي، وفي المختار: " 18 " من قصار نهج البلاغة: من جرى في عنان أمله... 97 - هذا هو الصواب المذكور في المختار العاشر، من قصار نهج البلاغة، وفي أصلي: " فاجعل العاقبة... ". 99 - وفقرات من هذا الكلام رواها أبو عمرو الكشي رحمه الله - وغيره - كما في ترجمة الحارث الهمداني من تلخيص رجال الكشي رحمه الله (*)

[ 155 ]

100 - وسئل رضي الله عنه عن النذالة ؟ فقال (عليه السلام: هي) الجرأة على الصديق والنكول عن العدو. 101 - وقال (عليه السلام): لا خير في صحبة من إذا حدثك كذبك، وإن ائتمنته خانك، وإن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليك من عليك. 102 - وقال (عليه السلام) في بعض خطبه: اتقوا الله الذي إذا قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، واحذروا الموت الذي إن أقمتم أخذكم وإن هربتم أدرككم. فقال ابن عباس: سبحان الله لكأن هذا الكلام (قرآن) ينزل من السماء ! ! ! 103 - وقال له الحسن: أما ترى حب الناس للدنيا ؟ (ف‍) قال (عليه السلام): هم أولادها أفيلام المرء على حب (من) ولده ؟. 104 - وقال عليه السلام: أهل الدنيا كصور في صحيفة كلما نشر بعضها طوي بعضها. 105 - وكتب (عليه السلام) إلى عامل له: فاعمل بالحق اليوم (ليوم) لا يقضى فيه إلا بالحق. 106 - ورآى (عليه السلام) رجلا ومعه ابنه فقال: من هذا منك ؟ قال: (هو) ابني. قال: أتحبه ؟ قال: إي والله حبا شديدا، قال: لا تفعل. فإنه إن عاش كدك، وإن مات هدك. 107 - وقيل له (عليه السلام): كيف يحاسب الله الخلق على كثرة عددهم ؟ قال: كما


101 - وبرواية غير الباعوني أيضا جاء هذا الكلام عنه عليه السلام في صفة الاحمق. 102 - وللكلام مصادر، وذكره السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: " 203 " من قصار نهج البلاغة. ونحن أيضا ذكرناه عن مصادر في المختار: " 31 " من القسم الثاني من خطب نهج السعادة: ج 3 ص 119، ط 1. 103 - ببالي أني رأيت الكلام في مصدر، أو مصادر، ولكن لم يتيسر لي المراجعة. 105 - ببالي أني رأيت هذا الكلام مرويا عنه عليه السلام في مصدر أو مصادر. 106 - قد رأيت الكلام منسوبا إليه عليه السلام في مصدر آخر ولكن لم يك بمتناولي. 107 - وقريبا منه - مع ذيل غير مذكور ها هنا - رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: " 300 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 156 ]

رزقهم على كثرة عددهم. 108 - وقيل له: أين تذهب الارواح إذا فارقت الاجساد ؟ (ف‍) قال (عليه السلام): أين تذهب نار المصابيح عند فناء الادهان. 109 - وروى قثم بن العباس قال: قيل لعلي (عليه السلام): كم بين السماء والارض ؟ قال: دعوة مستجابة. قيل: فكم بين المشرق والمغرب ؟ قال: مسيرة يوم للشمس. 110 - وقال عليه السلام: خير الامور النمط الوسط ؟ إليه يرجع الغالي وبه يلحق التالي. 111 - وقال رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: إتباع الهوى وطول الامل فإن اتباع الهوى يضل عن الحق وطول الامل ينسي الاخرة. 112 - وقال (عليه السلام): إياكم وتحكيم الشهوات على نفوسكم فإن عاجلها ذميم وآجلها وخيم، فإن لم ترها تنقاد بالتخويف والارهاب سوفها بالتأميل والارغاب فإن الرغبة والرهبة إذا اجتمعا على النفس ذلت لها وانقادت. ومن تفكر / 107 / أ / (أ) بصر، والمحبوب السهل تسر إليه النفس وتعجل بالاقدام عليه فيقصر الزمان على تصحفه ؟ ويفوت استدراكه لتقصير فعله ولا ينفع النصح بعد العلم ولا الاستبانة بعد النور. 113 - وقال عليه السلام: الناس أبناء ما يحسنون، وقيمة كل امرء ما يحسن. وقد نظم هذا المعنى الخليل بن أحمد فقال: لا يكون العلي مثل الدني لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء ما يحسن المرء قضاء من الامام علي


109 - وهذا رواه السيد الرضي رفع الله مقامه - من غير ذكر " قثم " - في المختار: " 294 " من قصار نهج البلاغة. 110 - وقريب منه جاء عنه عليه السلام في عدة مصادر. 111 - للكلام مصادر وأسانيد كثيرة بحيث يصح أن يعد من متواترات كلامه عليه السلام. 113 - والجملتان من مشاهير كلمه عليه السلام ولهما مصادر كثيرة جدا، والجملة الاولى رواها السيد الرضي رحمه الله في المختار: " 81 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 157 ]

114 - وقال رضي الله عنه: قلب الحدث كالارض الخالية كلما ألقي فيها من شيئ قبلته. 115 - وقال (عليه السلام نظما): لا تعجزن ولا تدخلك مضجرة فالنجح يهلك بين العجز والضجر 116 - وقال عليه السلام: وابردها على القلب إذا سئل أحدكم عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم فإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل. 117 - وقال (عليه السلام): إنما (زهد) الناس في طلب هذا العلم لما يرون (من) قلة انتفاع من علم بما علم. والله ما أخذ لعهد على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ العهد على أهل العلم أن يعلموا. 118 - وروي أنه (عليه السلام) كان كلما دخل عليه وقت صلاة اصفر واحمر مرة فقيل له في ذلك ؟ فقال: أتاني (وقت أداء) الامانة (التي) عرضت على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها (الانسان) (1) وأنا لا أدري أسئ فيها أم أحسن ! ! ثم جعل له شروطا لازمة من رفع حدث وإزالة نجس ليستديم النظافة المقارنة للطهارة لاداء الفريضة. ثم ضمنها تلاوة كتابه المنزل ليدبر ما فيه من أوامره ونواهيه وأعاجيبه ومعانيه.


114 - وهذه القطعة مذكورة في المختار: " 31 " من باب كتبه عليه السلام من نهج البلاغة. 115 - ولنظمه عليه السلام هذا مصادر، ذكرناها في حرف الراء من ديوانه عليه السلام الذي جمعناه. 116 - للكلام مصادر وأسانيد، ذكرناها فيما جمعناه من قصار كلمه عليه السلام. 117 - قريبا من الفقرة الثانية رواه السيد الرضي قدس الله نفسه في المختار: " 478 " من قصار نهج البلاغة. 118 - صدر الكلام الحاكي عن حال أمير المؤمنين عليه السلام، معروف وفي غير واحد من المصادر مذكور، ولكن ذيل الكلام لا عهد لي بمصدر له. (1) هذا هو الصواب الموافق للاية: (72) من سورة الاحزاب: (33) والكلام مقتبس منها، وفي أصلي: " أتتني الامانة (التي) وضعت على السماوات... ". (*)

[ 158 ]

ثم علقها بأوقات راتبة وأزمان مترادفة ليكون ترادف أزمانها (و) تباع أوقاتها سببا لا ستدامة الخضوع إليه والابتهال (له) فلا ينقطع الرهبة والرغبة فيه، وإذا لم ينقطع الرهبة والرغبة استدام إصلاح القلب، وبحسب قوة الرغبة والرهبة يكون استيفاؤها على الكمال والمقصر فيها من حال الجواز ؟ / 107 / ب / 119 - وقال رضي الله عنه: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها فأعرض عما أعجبك منها ؟ (لقلة ما يصحبك منها، وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها فإن صاحبها كلما اطمأن) منها إلى سرور أشخصته عنها بمكروه (و) إن سكن منها إلى إيناس أزالته عنها (إلى) إيحاش. ألا فاتقوا الله الذي إن قلتم سمع وإن أضمرتم علم وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم وإن أقمتم أخذكم. 120 - وذم رجل عنده الدنيا فقال عليه السلام: هي دار صدق لمن صدقها ودار نجاة (لمن) فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها. 121 - وقال رجل (له عليه السلام) إني أحبك وأحب معاوية ؟ ! (فقال له عليه السلام:) أما الان فأنت أعور، فإما أن تبرأ أو تعمى ؟ ! 122 - وقال رضي الله عنه: الغريب من ليس له حبيب، والصاحب مناسب.


120 - لصدر الكلام مصادر كثيرة، يجدها الطالب في ذيل المختار الثاني من باب الكتب من نهج السعادة: ج 4 ص 8 ط 1. ولذيل الكلام أيضا مصادر أشرنا إليها فيما علقناه على المختار: " 104 " ها هنا. 121 - وما ذكر ها هنا قبس من كلام طويل له عليه السلام قد جاء في مصادر بعدة أسانيد، يجد الطالب كثيرا من مصادره وأسانيده فيما علقناه على المختار: " 131 " من قصار نهج البلاغة. 122 - وهذا الكلام رواه الفقيه إبن إدريس عن كتاب " أنس العالم " كما في المستطرف: " 19 " من كتاب السرائر. ورواه أيضا محمد بن حسين الحلواني من كتاب نزهة الناظر. (*)

[ 159 ]

123 - وقال رضي الله عنه: إن الله تبارك وتعالى جعل مكارم الاخلاق ومحاسنها في إصلاح ما بينكم وبينه فيحسب الرجل أن يتصل من الله بخلق منها. 124 - وقال (عليه السلام): الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب. 125 - وسأل رضي الله عنه عامر بن مرة الزهري من أحمق الناس ؟ قال: من ظن أنه أعقل الناس. قال: صدقت فمن أعقل الناس ؟ قال: من لم يتجاوز الصمت في عقوبة الجهال. 126 - وقال رضي الله عنه: الكذب كالسراب لما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من دلة المتوهمين لان هذه أمور لا يمكن أن يدفعها الانسان عن نفسه لما في الطبع من آثارها. 127 - وقال (عليه السلام) لاشعث بن قيس: إنك لو صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك وأنت مأزور. ونظم ذلك أبو تمام (وقال): وقال علي في التعازي لاشعث وخاف عليه بعض تلك المآثم أتصبر للبلوى جزاءا وحسبه فتؤجر أم تسلو سلو البهائم 128 - وقال عليه السلام لابنه: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه. 129 - وقال (عليه السلام): إذا ضحك العالم ضحكة مج العلم مجة.


123 - جاء هذا الكلام في ضمن المختار: " 31 " من الباب الثاني من نهج البلاغة 126 - لم أعهد للكلام مصدرا. 127 - للكلام مصادر وأسانيد، يجد الطالب كثيرا منها فيما علقناه على المختار: " 291 " من قصار نهج البلاغة. 128 - المختار: " 211 " من قصار نهج البلاغة. 129 - وفي المختار: " 450 " من قصار نهج البلاغة: " ما مزح امرؤ مزحة إلا مج من عقله مجة ". (*)

[ 160 ]

130 - وقال لابنه الحسن رضي الله عنهما: يا بني إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، فإن اليسير من الله أكرم وأعظم من الكثير من غيره، وإن كان كل منه / 107 / ب /. 131 - وقال (عليه السلام): يا بني لا تطلب الحوائج من غير أهلها، ولا تطلبها في غير حينها، ولا تطلب ما لست مستحقا له فإنك إن فعلت ذلك كنت حقيقا بالحرمان. 132 - وقال (عليه السلام): ليس (حسن) الجوار كف الاذى ولكنه الصبر على الاذى، وكفى بما يعتذر منه تهمة. 133 - وقال (عليه السلام): يقول الله: يا ابن آدم ما أنصفتني أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي (ب‍) المعاصي، خيري إليك منزل، وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك بكل قبيح. يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم الموصوف لا سرعت إلى مقته. 134 - ومن كلامه (عليه السلام): ما زنا غيور (قط). 135 - (وقال عليه السلام:) غيرة المرأة كفر، وغيرة الرجل إيمان. 136 - وقال رضي الله عنه: احذروا (الغوغاء من) الناس فإنهم ما ركبوا بعيرا إلا إدبروا (1) ولا جوادا إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلا أخربوه ! ! !.


130 - وهذه القطعة قد ذكرت في ضمن كتابه عليه السلام إلى الامام الحسن كما في المختار: " 31 " من الباب الثاني من نهج البلاغة. 131 - لا عهد لي بمصدر للكلام. 132 - صدر هذا الكلام معروف عن أهل البيت عليهم السلام. وأما ذيل الكلام فلا عهد لي بمصدر له. 133 - هذا النسق من الكلام في روايات أهل البيت عليهم السلام كثير المصادر، ولكن لم أتمكن من بيان مورد ذكره في المصادر. 134 - ورواه أيضا السيد الرضي في المختار: " 305 " من قصار نهج البلاغة. 135 - ومثله رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: " 124 " من قصار نهج البلاغة. 136 - لا عهد لي بهذا النمط من الكلام في كلم أمير المؤمنين عليه السلام. (1) أدبروه: جعلوه دبرا - بفتح الدال وكسر الباء - أي مصابا بالدبرة - على زنة الشجرة والمدرة - أي القرحة (*)

[ 161 ]

137 - وقال (عليه السلام): جمع الله سبحانه من حزن الارض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ولاطها بالبلة حتى لزبت فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء (وفصول) أجمدها حتى استكملت وأصلدها حتى تصلصلت لوقت معدود وأجل معلوم (1) ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان (يجيلها) وفكر يتصرف فيها وجوارح (يختدمها) وأدوات يقلبها ومعرفة يفرق بها بين الاذواق والمشام والالوان والاجناس، معجونا بطينة الالوان المختلفة والاشباه المؤتلفة والاضداد المتعادية (2) والاخلاط المتباينة من الحر والبرد والبلة والجمود والمساءة والسرور (3). 138 - وقال كرم الله وجهه: من أحد سنان الغضب لله قوي على (قتل) أشداء الباطل. 139 - وقال (عليه السلام): أكرم نفسك من كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لا تعتاظ بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا. 140 - وقال رضي الله عنه موصيا لبعض أصحابه: احمل نفسك في أخيك عند


وهي ما يحدث في ظهر الدابة من الرحل ونحوه. والجواد: السريع السير من الفرس. وعقروه - على زنة ضربوه ومن بابه -: قطعوا قوائمه: جرحوه. 137 - هذه القطعة من كلامه عليه السلام رواها السيد الرضي رفع الله مقامه في أوائل المختار الاول من كتاب نهج البلاغة. (1) كذا في أصلي، وفي المختار الاول من نهج البلاغة: أجمدها حتى استكملت وأصلدها حتى صلصلت... (2) هذا هو الصواب المذكور في نهج البلاغة وما بين المعقوفات أيضا كلها منه، وفي أصلي: " والاضداد المعتادة... ". (3) ومثله في نهج البلاغة برواية ابن أبي الحديد، دون محمد عبده. 138 - ومثله جاء في المختار: " 174 " من قصار نهج البلاغة. 139 - وهذه القطعة قبسات من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الامام الحسن المذكور في المختار: " 31 " من الباب الثاني من نهج البلاغة. 140 - لم يعلم من أين أخذ المصنف هذا الكلام مصدرا بقوله: " موصيا لبعض أصحابه " وكذا ما ذكره (*)

[ 162 ]

انصرامه منك على الدنو، وعند شدته وصدوده على اللين، وعند جموده على البذل (1) وعند تباعده على الدنو، وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد (2). ولا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي 108 / ب / وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها أن بدا لك يوما، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس بأخ (لك) من ضيعت حقه، ثم أنشد (عليه السلام:) أخ طاهر الاخلاق عذب كأنه جنى النخل ممزوجا بماء غمام يزيد على الايام فضل مودة وشدة إخلاص ورعي ذمام 141 - وقال عليه السلام: إذا تم العقل نقص الكلام. 142 - وقال عليه السلام:) ورب وحدة أحسن من جليس، و (رب) وحشة أمنع من أنيس. 143 - وقال رضي الله عنه: طلاق الدنيا مهر الاخرة، وطلاق الاخرة مهر الدنيا. 144 - وقال (عليه السلام): ما آثر الدنيا على الاخرة حكيم، ولا عصى الله كريم، فلا تمهر الدنيا دينك، فمن أمهرها دينه زفت إليه عرائس الندم.


في ذيل الكلام من قول: " أخ طاهر الاخلاق عذب كأنه... " ؟ وللكلام مصادر وأسانيد - عدا ما في صدره من قول: " موصيا لبعض أصحابه " وعدا الابيات المذكورة في ذيل الكلام - ورواه السيد الرضي في ضمن المختار: " 31 " من باب الكتب من نهج البلاغة. (1) كذا في أصلي، وفي المختار: (31) من الباب الثاني من نهج البلاغة: احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين.... (2) كذا في ذيل الجمل المتقدمة من المختار (31) من الباب الثاني من نهج البلاغة، وفي أصلي: " وعند حرمانه على العذر... ". 141 - وهذا رواه السيد الرضي رضوان الله عليه، في المختار: " 71 " من قصار نهج البلاغة. 142 - هذا الكلام وما بعده إلى قوله: " واستسقى مرة... " لا عهد لي بمصادرها. (*)

[ 163 ]

145 - (وقال عليه السلام:) ومثل الدنيا والاخرة كمثل كفتي ميزان بقدر ما ترجح هذه تخف الاخرى. 146 - واستسقى (عليه السلام) مرة فقال: اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين وأخلفتنا مخائل الجود (1) فكنت الرجاء للبائس والبلاغ للملتمس ندعوك حين قنط الانام ومنع الغمام وهلك السوام (2) فانشر علينا رحمتك بالسحاب المنعبق والربيع المغدق والنبات المونق (3). اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا، وتجري بها أنهارنا وأنزل علينا سحبا مخضلة مدرارا يتابع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر (4). 147 - ومن بديع كلامه (عليه السلام): توقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره فإنه يفعل بالابدان كفعله في الاشجار، أوله يحرق وآخره يورق. 148 - وقال رضي الله عنه: اتخذوا الشيطان لامرهم ملاكا واتخذهم له أشراكا فباض وفرخ في صدورهم ودب ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم فركب بهم الزلل وزين لهم الخطل، فعل من (قد) شركه في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه.


145 - لهذه القطعة من كلامه عليه السلام مصادر وأسانيد، يجد الطالب كثيرا منها فيما علقناه على المختار: " 115 " من نهج البلاغة. 146 - وللدعاء مصادر كثيرة يجدها في المختار: (61) من القسم الثاني من نهج السعادة: ج 3 ص 130، ط 1، وفيما علقناه على المختار: (113) من نهج البلاغة. (1) الجود - على زنة الروض -: المطر. والمخائل - على زنة المصائب - جمع مخيلة - على زنة مصيبة -: السحابة التي يتوسم منها أنها ماطرة ولا تمطر. (2) كذا في أصلي، وفي المختار: (113) من نهج البلاغة: " فكنت الرجاء للمبتئس... " والسوام: جمع سائمة: البهيمة الراعية. (3) كذا في مخطوطة جواهر المطالب، وفي نهج البلاغة: " وانتشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق... ". (4) كذا في أصلي، وفي نهج البلاغة: " وأنزل سماءا مخضلة... ". 146 - وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي في المختار: " 128 " من قصار نهج البلاغة. 147 - ومثله جاء في المختار السابع من نهج البلاغة. 148 - وقريبا منه أوردناه في المختار: " 10، و 62 " من باب الدعاء من كتاب نهج السعادة: ج 6 ص 42 و 274 ط 1. (*)

[ 164 ]

149 - ومن بديع كلامه (عليه السلام) - في تفسير قوله تعالى: * ((وفي الارض آيات للموقنين) وفي أنفسكم أفلا تبصرون) * (20 / 21 الذاريات: 51) -: أشهد أن السماوات والارض وما فيهما آيات دالات عليك، تشهد لك بما وصفت به نفسك وتؤدي عنك حجتك وتقر لك بالربوبية آثار قدرتك / 108 / ب ومعالم تدبيرك الذي تجليت به لخلقك فوسمت من معرفتك القلوب بما آنسها من وحشة الفكر وكفاها رجم الاحتجاب فهي على اعترافها بك شاهدة أنك لا تحيط بك الصفات ولا تدركك الاوهام وأن حظ الفكر منك الاعتراف بك والتوحيد (لك). 150 - وقال رضي الله عنه: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع. ومن أراد الغنى بلا مال والعز بلا عشيرة والطاعة بلا سلطان فليخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة. 151 - وقال (عليه السلام): اتقوا ظنون المؤمنين فإن الله جعل الحق على ألسنتهم. 152 - وقال رضي الله عنه: إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله حقه وإن الله لا يمنع من ذي حق حقه يقول الله سبحانه: اشتد غضبي على من ظلم من لا ناصر له غيري. 153 - وقال (عليه السلام) أيضا: أشد الاعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال ومواساة الاخوان بالمال (1) وإنصاف الناس من نفسك. 154 - وقال عليه السلام لعامله: انطلق على تقوى الله عز وجل فلا تروعن مسلما ولا تنزلن عليه كارها ولا تأخذ (ن) من أكثر من حق الله، فإذا قدمت على الحي فانزل (بما) ئهم من غير أن تخالط بيوتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فسلم عليهم ثم قل (لهم): يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لاخذ منكم حق الله في أموالكم فهل في أموالكم من حق فتؤدوه إليه فإن قال قائل: لا فلا تراجعه وإن أنعم لك


136 - الجملة الاولى من الكلام مذكورة في المختار: " 219 " من قصار نهج البلاغة. 150 - لم يتيسر لي البحث الكافي حول صحة نسبة هذا الكلام إلى خصوص أمير المؤمنين عليه السلام، ولكن لتالي التالي أسانيد ومصادر كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام. 153 - هذا المعنى مستفيض عن أهل البيت عليهم السلام وأورده المجلسي رفع الله مقامه بعدة أسانيد في بحار الانوار والمواساة: المعاونة وجعل الشخص اخاه أسوة له في ماله. 154 - هذا الكلام قبس من المختار: " 25 " من الباب الثاني من نهج البلاغة. (*)

[ 165 ]

مؤمن فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة، فإن كانت (له) ماشية من إبل أو نحوها فلا تدخلها إلا بإذنه ولا تدخلها دخول متسلط عليه، ولا عنيف به ولا تنفر (ن) بهيمته ولا تفزعها ولا تسوأن صاحبها (فيها) (1). 155 - وقال (عليه السلام في عهده) للاشتر حين ولاه مصر: أوصيك أن تجعل لذوي الحاجات منك قسما (من وقتك) تبدي لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما متواضعا لله عز وجل الذي خلقك وتبعد عنهم جندك وأعوانك وحرسك حتى يكلمك مكلمهم غير متتعتع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم / 109 / ب / يقول في غير موطن: لن يقدس الله أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع. ثم احتمل (الخرق منهم والعي) ونح عنك الضيق والانفة يبسط الله عليك (بذلك) أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته. 156 - وقيل له عليه السلام: صف لنا العاقل. (ف‍) قال: هو الذي يضع الشئ مواضعه. قيل: فمن الجاهل ؟ قال: الذي لا يضع الشئ مواضعه. 157 - وقال (عليه السلام): الحلم غطاء ساتر والعقل حسام قاطع فاستر خلل عقلك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك، واجعل سرك لواحد، ومشورتك إلى ألف واحد ؟ فالمشاور مرشد والمستبد موقوف، وقد خاطر من استغنى برأيه. 158 - وقال (عليه السلام): أفضل الاعمال ما أكرهت نفسك عليه، وقليل تدوم عليه خير من كثير مملول منه.


(1) ما بين المعقوفات مأخوذ من المختار: (25) من الباب الثاني من نهج البلاغة. 155 - وهذه القطعة شذرات من حكمه عليه السلام المتعالية المذكورة في عهده عليه السلام إلى البطل المذحجي مالك الاشتر رفع الله مقامه، المذكور في المختار: " 53 " من باب كتب أمير المؤمنين من نهج البلاغة. 156 - ومثله في المختار: " 235 " من نهج البلاغة. 157 - صدر هذا الكلام مذكور في المختار: " 424 " من قصار نهج البلاغة، كما أن ذيله أيضا جاء في المختار: " 211 " من قصار نهج البلاغة. 158 - ومثله جاء في المختار: " 429 و 444 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 166 ]

159 - ومن وصاياه عليه السلام: لا فقر أشد من الجهل ولا وحشة أوحش من العجب (1) ومن رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، وإياك والاعجاب بنفسك فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحو ما يكون من إحسان المحسن باختيارها ؟ 160 - وسئل رضي الله عنه عن مسألة فدخل مبادرا ثم خرج في حذاء ورداء وهو متبسم فقيل له: يا أمير المؤمنين إنك كنت إذا سئلت عن مسألة كنت فيها كالسكة المحماة وسئلت الان فدخلت مبادرا ؟ (ف‍) قال: كنت حاقنا ولا رأي لحاقن. ثم أنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين لي كشفت حقائقها بالنظر وإن برقت في مخيل الصواب عمياء لاتجتليها الفكر (2) مقنعة لغيوب الامور وضعت عليها صحيح الفكر لسانا كشقشقة الارحبي أو كالحسام اليماني الذكر ولست بإمعة في الرجال أسائل هذا وذا ما الخبر 161 - وقال رحمه الله: رحم الله عبدا سمع فوعى ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا، وراقب ربه وخاف ذنبه، وقدم (خالصا وعمل) صالحا، واكتسب مذخورا واجتنب محذورا. ورمى غرضا وأحرز عوضا، يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم به المؤمن من الطريقة الغراء والمحجة البيضاء (3) اغتنم المهل وبادر الاجل، وتزود من العمل، وكابر هواه وكذب مناه، وجد راحلا ودأب عاملا. 162 - وذم رجل عنده الدنيا فقال (علي عليه السلام: الدنيا) دار صدق لمن صدقها ودار تجارة لمن فهم عنها، ودار عناء لمن لم يتزود منها.


159 - أكثر جمل هذا الكلام مذكور في المختار: " 38 و 113 " من قصار نهج البلاغة. (1) العجب: إعجاب الشخص بنفسه وإنكاره شخصية غيره. 160 - للكلام مصادر كثيرة يجد الطالب كثيرا منها فيما ذكرناه في حرف الراء من ديوان أمير المؤمنين في الباب السادس من نهج السعادة. (2) هذا هو الصواب المذكور في مصادر كثيرة، وفي أصلي. " لا تجتليها الذكر... ". 161 - وقريب منه جاء في المختار: " 76 " من نهج البلاغة. (3) كذا في أصلي، وجمل: " يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم به المؤمن من الطريقة الغراء " غير موجود في المختار: (76) من نهج البلاغة، وفيه بعد قوله: " وحرز عوضا ": كابر هواه وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء... 162 - للكلام مصادر وأسانيد يجد الطالب كثيرا منها فيما علقناه على المختار: " 131 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 167 ]

(هي) مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت لبينها ودانت ونادت بفراقها ؟ وذكرت لسرورها بشرورها (1). فيا أيها الذام لها المعلل نفسه بغرورها والمقام بها والناسي لمصارع آبائه في الثرى وأمهاته في البلى (2). 163 - ومن كلامه (عليه السلام): البشاشة مخ المودة، والصبر يدرك به صعاب الامور. 164 - (وقال عليه السلام:) والمغالب بالظلم مغلوب، وما ظفر من ظفرت الاثام به، فسالم تسلم. 165 - (وقال عليه السلام:) الناس أعداء ما جهلوا. 166 - (وقال عليه السلام:) رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. 167 - (وقال عليه السلام:) الدنيا بالمال والاخرة بالاعمال. 168 - (وقال عليه السلام:) لا تخافن إلا ذنبك ولا ترجو (ن) إلا ربك. 169 - (وقال عليه السلام:) وجهوا آمالكم لمن تحبه قلوبكم.


(1) كذا في أصلي، ويساعد رسم خطة أيضا أن يقرء " لمسرورها بشرورها "، وفي المختار: (131) من قصار نهج البلاغة: " وشوقتهم بسرورها إلى السرور ". (2) كذا في أصلي، والجواب محذوف أي متى غرتك الدنيا ؟ ! 163 - كذا في أصلي، وفي المختار السادس من قصار نهج البلاغة: " صدر العاقل صندوق سره والبشاشة حبالة المودة، والاحتمال قبر العيوب ". 164 - وفي المختار: " 327 " من قصار نهج البلاغة: " ما ظفر من ظفر الاثم به، والغالب بالشر مغلوب ". 165 - ومثله في المختار: " 172، و 438 " من قصار نهج البلاغة. 166 - وفي المختار: " 86 " من قصار نهج البلاغة: " رأي الشيخ أحب إلي من جلد الغلام " وروي: " من مشهد الغلام ". 167 - لا عهد لي بمصدر للكلام. 168 - للكلام مصادر، وفيها زيادات كثيرة عما ها هنا. (*)

[ 168 ]

170 - (وقال عليه السلام:) الناس من خوف الذل في الذل. 171 - (وقال عليه السلام:) من أيقن بالخلف جاد بالعطية. 172 - (وقال عليه السلام:) أفضل الكلام ما أغناك قليله عن كثيره ومعناه ظاهر في لفظه. ولما قتل عمرو بن (عبد) ود جاءت أخته فقالت: من قتله ؟ قيل لها: علي بن أبي طالب. قالت: كفو كريم ثم انصرفت وهي تقول: لو كان قاتل عمرو غير قاتله لكنت أبكي عليه آخر الابد لكن قاتله من لا يقاد به ومن يكنى أبوه بيضة البلد من هاشم في داره وهي صاعدة إلى السماء يميت الناس بالحسد قوم أبى الله إلا أن يكون لهم مكارم الدين والدنيا بلا أمد يا أم كلثوم بكيه ولا تدعي بكاء معولة حرا على ولد 173 - ولما رجع (أمير المؤمنين عليه السلام) من صفين (و) دخل الكوفة رآى قبرا جديدا فقال: قبر من هذا ؟ 110 / ب أ / قيل: (هذا قبر) خباب بن الارت. فقال (عليه السلام): رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسمه أحوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. فمضى (عليه السلام) فمر بقبور فقال: السلام عليكم (يا) أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم بعفوك. طوبى لمن ذكر المعاد وعمل ليوم الحساب وقنع بالكفاف.


170 - ببالي أني رأيت في أحاديث المعصومين عليهم السلام ما لفظه: الناس في الفقر مخافة الفقر. 171 - ومثله في المختار: " 138 " من قصار نهج البلاغة. 172 - مصدر صدر الكلام المنسوب إلى أمير المؤمنين غير معهود لي، وأما قصة قتل عمرو وأبيات أخته فمعروفة ولها مصادر. 173 - وللكلام مصادر وأسانيد يجد الطالب كثيرا منها فيما علقناه على المختار: " 43 و 130 " من قصار نهج البلاغة. (*)

[ 169 ]

ثم التفت إلى أصحابه (ف‍) قال: أما إنهم لو قدروا لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى (1). 174 - ومن كلامه رضي الله عنه وكرم وجهه في صفة أهل البيت رضوان الله عليهم (2): أهل البيت هم أهل الفضل والاحسان وتلاوة القرآن ونبعة الايمان وصوام شهر رمضان ولهم كلام يختال في حلل البيان وينقش في فص الزمان ويحفظ على مر الدهر ويفضح عقائل الدر ويخجل نور الشمس والبدر ولم لا يكون ذلك وهم يطأون ذلول البلاغة ويجرون ذيول فصول البراعة وأبوهم الرسول وأمهم البتول وهم غاية السؤل وكلهم قد غذي بدر الحكم وربي في حجر العلم والله أعلم حيث يجعل رسالاته.


(1) وفي ذيل المختار: (130) من قصار نهج البلاغة: ثم التفت (أمير المؤمنين عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أما لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى. 174 - كذا ذكره المصنف ها هنا، ولكني لم أجد له مصدرا ينسبه إلى أمير المؤمنين عليه السلام. نعم وجدته بأوجز مما هنا، لكن مرويا عن غيره، كما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله بسنده عن عبد الله بن مطرف بن هامان ؟ كما في الحديث 10 من الباب: " 40 " من كتاب عيون أخبار الرضا - عليه السلام -: ج 2 ص 155. ورواه عنه المجلسي رفع الله مقامه في الباب: " 17 " من سيرة الامام الرضا عليه السلام من كتاب بحار الانوار: ج 49 ص 237 طبعة بيروت. ورواه أيضا العاصمي في عنوان: "...... " من الفصل الخامس من كتاب زين الفتى ص 444، وفي تهذيبه: ج 1 ص... (*)

[ 171 ]

الباب السابع والستون في تبرئ علي رضي الله عنه من دم عثمان (رض)، وبطلان ما نسبه إليه بنو أمية من ذلك (1) عن المثنى بن يعلى قال: سمعت عليا رضي الله عنه على المنبر وهو يقول: والله لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لادخلتها أبدا ! ! ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لادخلتها أبدا (2). وأشرف (عليه السلام) يوما على قصره بالكوفة فنظر إلى سفينة في دجلة (3) فقال: والذي أرسلها مسخرة في بحره بأمره ما بدأت في شئ من دم عثمان ولا أعذر ؟ ولئن شاء بنو أمية لاباهلنهم عند الكعبة خمسين يمينا، والله إنهم ليعلمون أني منه برئ (4) فبلغ هذا الحديث عبد الملك بن مروان فقال: والله إني لاحسبه صادقا


(1) كل من يراجع محكمات التاريخ المروية من طريق الثقاة يتجلى له أن عليا عليه السلام كان من أبرء الناس من دم عثمان، وأنه لم يمالئ ولم يساعد قاتليه بوجه من الوجوه بل دافع عنه مرارا. (2) هذا الحديث وما بعده ذكرها ابن عبد ربه في عنوان: " تبري علي (عليه السلام) من دم عثمان " في ترجمته من العسجدة الثانية من كتاب العقد الفريد ج 3 ص 88 ط 2 بمصر، سنة (1346). والمثنى بن يعلى غير مذكور في مطبوعتي من العقد الفريد، وهو مجهول أيضا لا ترجمة له، كما أن من روى عن المثنى أيضا غير معلومي الهوية فهذا الحديث باطل غير صالح للاسناد إليه. (3) كذا في أصلي، ولذيل الحديث شواهد ومصادر يجدها الطالب في المختار: (65) وما حوله من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 227 ط 2. (4) وقريبا منه جدا رواه عمر بن شبة في ترجمة عثمان من كتابه: تاريخ المدينة: ج 4 ص 1269، ط 1. (*)

[ 172 ]

وقال جرير بن حازم: إن ابن سيرين قال: ما علمت أن عليا اتهم بدم عثمان حتى بويع، فاتهمه بها بنو أمية وألبوا عليه الناس ليبلغوا مقاصدهم (1). وقال معبد الخزاعي ؟ (2) لقيت عليا بعد الجمل فقلت: إني سائلك عن مسألة كانت بينك وبين عثمان ؟ قال: سل عما بدا لك. قلت: أخبرني أي منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره ؟ قال: إن عثمان إماما وإنه نهى عن القتال وقال: من سل سيفه فليس مني فلو أنا قاتلنا دونه عصينا. قال: قلت: فأي منزلة وسعت عثمان إذ استسلم للقتل حين قتل ؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لاخيه: * (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين) * (28 / المائدة: 5). فقلت: فهلا وسعتك هذه المنزلة يوم الجمل ؟ إنا قاتلنا يوم الجمل من ظلمنا وقد قال الله * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق فأولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الامور) * (41 - 43 / الشورى: 42). ومن حديث بكر بن حماد أن عبد الله بن الكواء سأل علي بن أبي طالب يوم صفين فقال: أخبرني عن مخرجك هذا تضرب الناس بعضهم ببعض أ (عهد) عهده إليك رسول الله (ص) أم رأي رأيته ؟ فقال له علي: إني كنت أول من (آمن) به فلا أكون من كذب عليه لم يكن عندي فيه عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم (عهد) ولو كان فيه عهد منه لما تركت أخا تيم وعدي على منابرهما ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم نبي رحمة (3) مرض أياما وليالي فقدم أبا بكر على الصلاة وهو يراني ويرى مكاني (4) فلما توفي


(1) ما أفاده ابن سيرين في هذا موافق لمحكمات التاريخ. (2) كذا في أصلي، وما وجدت ترجمة لمعبد الخزاعي هذا، وبجهالته يسقط الحديث عن الحجية فلا يبقى مجال للتمسك به. (3) الظاهر أن يكون لفظ الاصل في كتابنا، وفي مخطوطتي: ولكن نبينا... مني رحمة من مرض أياما... " ثم إن هذا الحديث أيضا ضعيف لا حجية له لارساله ومجهولية رواته، وبكر بن حماد الواقع في صدر الحديث أيضا مجهول. (4) لا يصح نسبة التقديم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم يكن أمره إياه بالصلاة وإنما كان الامر برأي من كان يهوى ترشيح أبي بكر، وكيف يمكن أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (*)

[ 173 ]

صلى الله عليه (وآله) وسلم رضيناه لامر دنيانا إذ رضيه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لامر ديننا فسلمت وبايعت وسمعت وأطعت وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأقيم الحدود بين يديه (1) ثم أتته منيته 111 / ب / ثم توفاه الله بعد أن استخلف عمر فسمعت وأطعت وسلمت وبايعت وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأقيم الحدود بين يديه ثم أتته منيته فرآى أنه (إن) استخلف رجلا فعمل (ذلك الرجل) بغير طاعة الله (يكون هو مسئولا عنه) في قبره ! ! ! فجعلها شورى في ستة كنت أحدهم فأخذ عبد الرحمان (بن عوف منا) عهودا ومواثيق أن يخلع نفسه وينظر لعامة المسلمين فبسط يده إلى عثمان فبايعه اللهم إن قلت: إني لم أجد في نفسي فقد كذبت (2) ولكن نظرت في أمري فوجدت طاعتي قد تقدمت معصيتي ؟ ووجدت الامر الذي كان بيدي قد صار بيد غيري فسلمت وبايعت وسمعت وأطعت، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأقيم الحدود بين يديه، ثم نقم الناس عليه أمورا فقتلوه. ثم بقيت أنا ومعاوية (3) فرأيت نفسي أحق بهذا الامر من معاوية لاني مهاجري


بالصلاة بالناس وهو عنده ملعون لتخلفه عن جيش أسامة وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله من تخلف عن جيش أسامة كما ذكره السيد الشريف الجرجاني في أواخر شرحه على كتاب المواقف - تأليف عبد الرحمان بن أحمد الابجي - ص 619 ط اسلامبول، وفي ط الهند، ص 746 وفي ط مصر، ص 376. وذكره أيضا الشهرستاني في المقدمة الرابعة من كتاب الملل والنحل ص 13، ط 1 القاهرة. وإن شك معاند في حديث اللعن فلا يمكنه أن يشك وينكر أن الرجل وصاحبه قد تخلفا عن جيش أسامة ورجعا إلى المدينة مع تأكيد رسول الله وحثه الاكيد على تنفيذ جيش أسامة، والرجلان خالفا أمر رسول الله ورجعا إلى المدينة، وقد قال الله تبارك وتعالى في الاية: (36) من سورة الاحزاب: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) *. وقال تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (36 / الاحزاب 33). وقال عز وجل: * (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها) * (الجن 23 / 72). وليلاحظ ما أورده ابن الجوزي في كتابه آفة أصحاب الحديث، وما حققه بعض الافاضل المطبوع في تراثنا: ج 24 ص 7 - 76. (1) لاحظ ما علقناه على الحديث: (1155) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 137، وما حولها من ط 2. (2) كذا في كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 89 ط سنة (1346) بمصر، وفي أصلي: اللهم إني قلت إني لم أجد... كربت... (3) من هوان المسلمين أن يقيسوا عليا مع معاليه النيرة بمعاوية مع مثالبه الجلية وسوابقه السيئة، وعن (*)

[ 174 ]

وهو أعرابي وأنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وصهره وهو طليق ابن طليق. قال ابن الكواء: صدقت ولكن طلحة والزبير (أ) ما كان لهما في الامر مثل (ما) كان لك ؟ قال: إن طلحة والزبير (با) يعاني (بالحجاز) ونكثا بيعتي بالعراق فقاتلتهما على نكثهما، ولو (كانا) نكثا بيعة أبي بكر وعمر (أما كانا يقاتلان ؟) قال: صدقت. قال: واستعمل عبد الملك بن مروان علقمة بن صفوان على (مكة) (1) فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان جالس فذكر عليا فقال أبان واعبد عثمان (2): قتله علي. فقال عثمان بن حنيف: إني شهدت مشهدا اجتمع (فيه) علي وعمار ومالك الاشتر وصعصعة فذكروا عثمان فوقع فيه عمار ثم حذا مالك (الاشتر) حذوه ووجه علي يتغير ثم تكلم صعصعة فقال: والله ما كان أول من ولي واستأثر وأول من تفرقت عنه هذه الامة (3). فقال علي: يا أبا اليقظان لقد سبقت لعثمان سوابق لا يعذبه الله بها أبدا (4). قال (محمد بن حاطب): وقال لي علي يوم الجمل: انطلق إلى قومك فأبلغهم قولي. قلت: إن قومي إذا أتيتهم يقولون (لي): ما قول صاحبك في عثمان ؟ قال: قل لهم: (قوله فيه)


مثل هذه المقايسة والمواساة يشتكي أمير المؤمنين عليه السلام ويقول في كلامه المعروف: " متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى أقرن إلى هذه النظائر ". (1) كذا في أصلي، ولكن ما بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد: ج 3 ص 90، وفيه: واستعمل عبد الملك بن مروان، نافع بن علقمة بن صفوان على مكة، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان قاعد عند أصل المنبر فنال من طلحة والزبير، فلما نزل قال لابان: أرضيك من المدهنين في أمير المؤمنين ؟ قال: لا ولكنك سئوتني حسبي أن يكونا بريئين من أمره وعلى هذا المعنى ؟ أقول: ما وجدت لعلقمة بن صفوان، ولا لنافع بن علقمة ترجمة فيما عندي من كتب الرجال. (2) كذا في أصلي. (3) كذا في أصلي المخطوط، غير أن فيه: " ومالك بن الاشتر "، وفي العقد الفريد: ج 3 ص 90: وقال عثمان بن حبيب: إني شهدت مشهدا اجتمع فيه علي وعمار ومالك الاشتر... (4) هذه الفقرات كلها من تتمة حديث بكر بن حماد المجهول، ولم يعلم أنه أي حي بن بي وهل له حظ في درك أزمنة الوجود ؟ وعلى فرض وجوده هل الذين رووا عنه هذه الاساطير ولدوا في عالم الوجود أم لا وجود لهم إلا في علبة ذهن ذاكر هذه المفتريات. وليلاحظ سوابق عثمان من كتاب الغدير: ج 9 ص 325 ط 1. (*)

[ 175 ]

أحسن قول وأن عثمان كان / 111 / أ / من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا (1). وإنما السبب في فتنة عثمان وقتله ما نقم عليه من أمور أنكروها: منها: تأمير الاحداث من أهل بيته على الجلة من أصحاب محمد (ص) فقالوا لعبد الرحمان (بن عوف): هذا عملك واختيارك لهذه الامة ؟ ! قال (عبد الرحمان): لم أظن به هذا. ودخل على عثمان فقال له: إني إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فقد خالفتهما. قال (عثمان): كان عمر يقطع قرابته وأنا أصل قرابتي في الله (2) فقال له (عبد الرحمان): إني لا أكلمك أبدا. فمات عبد الرحمان وهو لا يكلمه (3). و (مما نقم عليه أنه) لما رد عثمان الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (ص) وأقاربه ؟ وجد المسلمون في أنفسهم من ذلك وكان قد نفاهم رسول الله (ص) إلى حاح ؟ وأقرهم أبو بكر وعمر فردهم عثمان وأعطى الحكم مائة ألف درهم فتكلم الناس في


(1) وبالتدبر فيما تقدم تجلى أمر هذه الفقرة أيضا. والرواة عن محمد بن حاطب المترجم في تهذيب التهذيب: ج 9 ص 106 أيضا غير معلومين ولعلهم من نماردة بني أمية أو مرتزقتهم ! ! ! (2) لو كان ابن عفان يصل قرابته بمال ورثه من أمه أو أبيه، أو بما كسبه بكد يمينه وعرق جبينه كان أمرا محبوبا عند الله ورسوله والمؤمنين، وأما صلته إياهم بأموال المؤمنين والارامل والايتام بلا طيب نفوسهم وتسليط الفجرة وشاربي الخمور ولا عبي الشطرنج على المسلمين ونواميسهم كل ذلك مما يبعد عن الله ويكون فاعلها من العصاة الظالمين لا سيما مع تظلم المسلمين منهم ورفع شكايتهم إلى الخليفة وعدم اعتنائه بشكايتهم وإصراره على إبقاء المتجاهرين بالفسق على رؤوس المسلمين وسياستهم إياهم على مقتضى شهواتهم الشيطانية ؟ ! أيكون قطع رزق مثل الصحابين عبد الله بن مسعود وأبي ذر الغفاري وإعطاء نصف مليون من خمس إفريقية لطريد بن الطريد الوزغ بن الوزغ الملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مروان بن الحكم من التقرب إلى الله ؟ !. (3) وهذا رواه ابن عبد ربه في ترجمة عمر، ثم في ترجمة عثمان من العسجدة الثانية من العقد الفريد ج 3 ص 73 و 77 من الطبعة الازهرية في سنة: (1346) وفيه. فمات عبد الرحمان وهو مهاجر لعثمان، ودخل عليه عثمان فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه ! ! ! وروى البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 57 قال: وأوصى عبد الرحمان أن لا يصلي عليه عثمان... (*)

[ 176 ]

ذلك، فقال (عثمان): ما هم الناس علي إن وصلت رحما وقربت عما (1). (ومما نقم الناس - ومنهم المهاجرون والانصار - على عثمان نفيه وطرده الصحابي الكبير أبي ذر الغفاري عن مدينة رسول الله (ص)) حدثنا حصين بن زيد (2) قال: حدثنا ابن وهب قال: مررنا بالربذة وأبو ذر بها وكان عثمان نفاه إليها فسألناه عن منزله ؟ (ف‍) قال: كنت بالشام فقرأت هذه الاية: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * (34 / التوبة: 9) قال معاوية: إنها نزلت في أهل الكتاب. فقلت: (بل نزلت) فيهم وفينا (معا) فكتب (معاوية) إلى عثمان فكتب (عثمان) إلي أن اقدم. فلما قدمت ركبني الناس (3) حتى كأنهم لم يروني قط فشكوت ذلك إلى عثمان فأنزلني هذا المنزل و (إني) لا أدع قولي، ولو ولوا علي عبدا حبشيا لاطعت.


وقرأت في بعض مصادر القوم - وقد ذهب عن بالي معرفاته - أن عثمان عرض له عارضة فكتب: " الخلافة بعدي لعبد الرحمان بن عوف " وأرسله إليه فغضب عبد الرحمان وقال: وليته جهارا وهو يوليني سرا. وذكر البلاذري في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 57 ط المستشرقين قال: ذكر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال: عبد الرحمان: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه ! ! فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يسقى نعم عبد الرحمان فمنعه إياها. (1) وكان رحمه وعمه ممن طردهم رسول الله لخبثهم ونفاقهم وإعادتهم كانت مخالفة لله ولرسوله وعصيانا لهما، وقال الله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (36 / الاحزاب: 33). (2) كذا في أصلي، وفي العنوان المتقدم الذكر من العقد الفريد: ج 3 ص 90: (عن) حصين بن زيد بن وهب ؟... والظاهر أنه مصحف. (3) ومثله في ترجمة عثمان من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 91. والظاهر أن معنى قوله: " ركبني الناس ": علوني وتظاهروا علي منكرين لي ولقولي حماية لعثمان والسلطة الغاشمة. ويحتمل أيضا أن يكون معنى " ركبني الناس ": أنهم ضربوني بركبهم إنكارا علي وانتصارا لعثمان وسلطته ! ! ولا استبعاد في ذلك: فإن الناس أبناء من غلب، وقد لعنوا عليا في مسجد الرسول وفي مسجد الحرام طول سلطة بني أمية إلا في أيام زعامة عمر بن عبد العزيز وأي استبعاد في ذلك وقد جمع مروان ثلاثة آلاف مسلح من أهل المدينة وهو يهدر بينهم ويقول: " يا رب هيجاء هي خير من دعة " فمنع بني هاشم من دفن الامام الحسن عند جده صلى الله عليهما. فدقق في محكمات التاريخ تجد اكثر المسلمين في أكثر أزمنتهم أبناء من غلب والمتاجرين بدينهم تقربا إلى من بيده السلطة كي ينالوا أمنياتهم ويتوغلوا في شهواتهم ! !. (*)

[ 177 ]

ونقلت ما ذكره الشيخ كمال الدين الدميري في (كتاب) حياة الحيوان (1) عن شداد بن أوس قال: لما اشتد الحصار على عثمان رأيت عليا رضي الله عنه خارجا من منزله (معتما) بعمامة رسول الله (ص) متقلدا بسيفه وأمامه ابنه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين فحملوا على الناس وفرقوهم ثم دخلوا على عثمان / 112 / ب / فقال له علي: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لم يلحق هذا الامر حتى ضرب المقبل والمدبر ؟ وإني والله ما أرى القوم إلا سيقتلونك فمرنا فلنقاتل ! فقال عثمان: أنشد الله رجلا لله عليه حقا أو لي عليه حقا أن يهريق بسبي محجمة دم. فأعاد عليه القول فأجابه بمثل ذلك، (قال:) فلقد رأيت عليا خارجا من الباب وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود. وحدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري (2) قال: رأيت ناسا كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكة فمر بنا عثمان فما بقي أحد من القوم إلا لعنه غيري وكان فيهم رجل من أهل الكوفة وكان عثمان أجرأ على الكوفي من غيره فقال: يا كوفي أتشتمني ؟ اقدم المدينة. كأنه يتهدده فقيل له: عليك بطلحة. (فاستشفع الكوفي بطلحة عند قدومه إلى المدينة) فانطلق به (طلحة) إلى عثمان فقال عثمان: والله لاجلدنه مائة جلدة ! ! ! قال (طلحة): والله لا تجلده إلا أن يكون زانيا. قال: والله (لا) حرمنه عطاءه. قال (طلحة): الله يرزقه.


(1) شداد بن أوس هذا هو أخو حسان بن ثابت وهم متوغلون في حب عثمان، وحديثه هذا إن صح يدل على أنهم وإمامهم الذين لجؤا إليه وهو معاوية من أهل الضلال حيث افتروا على علي أنه قتل عثمان أو أعان قاتليه أو سعى في قتله، وكفى بهذا لهم انحرافا عن الحق وخزيا في الدنيا والاخرة. (2) والحديث رواه ابن عبد ربه في أواخر ترجمة عثمان من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 3 ص 91 ط سنة (1346) بمصر وفي لبنان ج 5 ص 54. ورواه أيضا أبو بكر ابن أبي شيبة في الحديث: (10677) في كتاب الامراء، من المصنف: ج 11، ص 90 ط 1 الهند، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا معتمر، عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد (قال:) إن أناسا كانوا عند فسطاط عائشة، فمر عثمان (وهو) إذ ذاك بمكة قال أبو سعيد: فما بقي أحد منهم إلا لعنه أو سبه غيري ؟ ! وكان فيهم رجل من أهل الكوفة فكان عثمان على الكوفي أجرأ منه على غيره فقال: يا كوفي أشتهي (أن) أقدم المدينة - كأنه يتهدده - قال: فقيل له: عليك بطلحة. قال: فانطلق معه طلحة حتى أتى عثمان (ف‍) قال عثمان (للكوفي): والله لاجلدنك مائة. قال طلحة: والله لا تجلده مائة إلا أن يكون زانيا. فقال: لاحرمنك عطاءك. قال طلحة: إن الله سيرزقه. (*)

[ 178 ]

وعن الاعمش عن عبد الله بن سنان (1) قال: خرج علينا عبد الله بن مسعود ونحن بالمسجد وكان على بيت مال الكوفة والوليد بن (عقبة بن) أبي معيط أمير الكوفة فقال (ابن مسعود): يا أهل الكوفة فقدمت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب أمير المؤمنين ولم يكتب بها براة. فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك فنزعه عن بيت المال فنقم عليه الناس ذلك. ومن ذلك ما ذكره ابن أبي شيبة (2) قال: كتب أصحاب محمد عيب عثمان وما نقموه عليه من صحيفة وقالوا: من يذهب بهذه إليه ؟ فقال عمار (بن ياسر): أنا. فذهب بها إليه فلما قرأها قال: أرغم الله أنفك. (وأنف من بعثك بها. قال عمار:) وأنف أبي بكر وعمر. قال: فقام إليه (عثمان) فوطأه حتى غشي عليه ! ! ! فنقم عليه ذلك. ومن ذلك أن عثمان (رض) ولى الكوفة الوليد بن عقبة غلاما شابا، فلما صلى بهم الصبح صلى ثلاثا وقال: لو شئتم زدتكم ركعة - وهو سكران ! ! ! - فقامت البينة على ذلك عند عثمان فقال لطلحة: قم فاجلده. فقال (طلحة): لم أكن من الجلادين. فقام إليه علي فجلده، وفيه يقول الحطيئة / 112 / ب /: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالغدر نادى وقد تمت صلاتهم ليزيدهم خيرا على خير ليزيدهم خيرا ولو قبلوا لجمعت بين الشفع والوتر كبحوا عنانك إذ جريت ولو تركوا عنانك لم تزل تجري (3)


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 3 ص 91 ط سنة (1346) بمصر: " ومن حديث ابن أبي قتيبة، عن الاعمش عن عبد الله بن سنان... ". (2) رواه ابن أبي شيبة في الحديث: (10688) في كتاب الامراء من المصنف: ج 11، ص 90 ط 1، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا قطبة بن عبد العزيز، عن الاعمش عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كتب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عيب عثمان... (3) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 92 ط 2 بمصر، وكلن فيه: " مسكوا عنانك ". وفي أصلي: " كبحوا عتابك... ولو تركوا عتابك... ". يقال: كبح فلان دابته - على زنة منع وبابه -: جذبها باللجام حتى تقف ولا تجري. والابيات رواها أيضا البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 22 ط المستشرقين قال: (*)

[ 179 ]

وطلب منه عبد الله بن خالد (بن أسيد بن أبي العيص بن أمية) صلة فأعطاه أربع مائة ألف (1) و (أيضا) أقطع مروان فدك ! ! ! وافتتح إفريقية فوهب خمسها جميعه لمروان فقال عبد الرحمان بن حنبل الجمحي (2): أحلف بالله رب العباد ما ترك الله (لنا) شيئا سدى ولكن خلقت لنا فتنة لكي نبتلي بك أو تبتلى أأعطيت مروان خمس العباد هيهات ساوك ممن سها ولما أنكر الناس عليه " رض " اجتمعوا إلى علي وسألوه أن يلقى عثمانا فأقبل حتى دخل عليه فقال: إن الناس ورائي وقد سألوني أن أكلمك، والله ما أدري ما أقول ؟ ولا أعرف شيئا إلا وكنت تعرفه ولا تنكره (3) وما (ابن أبي قحافة و) ابن الخطاب أولى بشئ من الخير منك، ولا نبصرك من عمي ولا نعلمك من جها (لة، وإن) الطريق لواضح تعلم يا أمير المؤمنين أن خير عند الله إمام عدل (هدى) وهدي (به)، ومن أحيا


وفي الوليد يقول الحطيئة وهو جرول ابن أوس بن مالك بن جوية... وفيه: " حبسوا عنانك..... ". (1) وانظر ما أورده العلامة الاميني رفع الله تحت الرقم: (26) من معرفات عثمان وعطاياه لبني أمية من كتاب الغدير: ج 8 ص 283 ط 1. (2) وهو مترجم في حرف العين تحت الرقم: (5098) من الاصابة ج 4 ص 156، وأورده له ابن حجر بعض ما هو مذكور ها هنا من الابيات وغيرها ثم قال: وشهد (حرب) الجمل مع علي ثم (شهد معه حرب) صفين) صفين فقتل بها. (3) كذا في أصلي، وفي ترجمة عثمان من العقد الفريد: ج 3 ص 92. والله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئا تنكره، ولا أعلمك شيئا تجهله... وفي المختار: (46) من نهج السعادة: ج 1، ص 178: ما أعرفك شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه... (*)

[ 180 ]

سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة، وأن شر الناس عند الله إمام ضلالة ضل وأضل وأحيا بدعة مجهولة، وأمات سنة معلومة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: يؤتى بالامام الجائر يوم القيامة وليس معه ناصر ولا له عاذر فيلقى في جهنم (ف‍) تدور (به) دور الرحى ويلتطم في غمرة النار إلى آخر الابد (1) وإني محذرك أن تكون إمام (هذه الامة) المقتول الذي يفتح به باب القتل إلى يوم القيامة (و) يمرج به أمروهم إلى يوم القيامة (2). فخرج عثمان وخطب خطبته التي أظهر فيها التوبة. وكان علي رضي الله عنه كلما اشتكى من عثمان أرسل إليه ابنه الحسن (يبلغه ما يقول الناس فيه) فأرسل (عثمان) إليه كأنك ترى أن أحدا لا يعلم ما تعلم ! ! ونحن أعلم بما نفعل / 113 / أ / (3) ! فكف عنه (علي عليه السلام) ولم يبعث إليه بعدها (في) شئ. ثم إنه (عليه السلام) في غضون ذلك (كان) يأمر الناس بالكف عنه ويقول: أيها الناس اتقوا الله في إمامكم وخليفتكم الله الله في أمره. ثم إن عثمان صلى العصر (يوما) وخرج إلى علي يعوده من مرض عرض له ومعه مروان فرآه ثقيلا ؟ فقال (له): أما والله ما أدري أي يوميك أحب إلي ؟ ولولا أني أرى منك ما أرى ما تكلمت، أي يوميك أحب إلي أو أبغض أيوم حياتك أم يوم وفاتك ؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم (ك) شامتا، ولئن مت لافجعن بك ! ! فحظي (منك) حظ الوالد المشتاق ؟ من الولد العاق (4) إن عاش عقه وإن مات فجعه ! ! ! فليتك جعلت لنا من أمرك علما نقف عليه ونعرفه، إما صديق مسالم أو عدو معالن ! ! ! ولم تجعلني كالمنخنق ؟ بين


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: يرتطم بحمرة النار إلى آخر الابد... (2) وفي العقد الفريد: وأنا أحذرك أن تكون إمام هذه الامة المقتول (الذي) يفتح به باب القتل والقتال إلى يوم القيامة يمرج بهم أمرهم ويمرجون. (3) كذا في أصلي، وفي ترجمة عثمان من العقد الفريد: ج 3 ص 92: وكان علي كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان، أرسل ابنه الحسن إليه، فلما أكثر عليه قال له (عثمان): " إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل فكف عنا ! ! ! " فلم يبعث علي ابنه في شئ بعد ذلك. (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتا بعدك كفا ؟ ويتخذك عضدا، ولئن مت لا فجعن بك، فحظي منك حظ الالد المشفق من الولد العاق... (*)

[ 181 ]

السماء والارض لا يرقأ بيد ولا يهبط برجل ! ! ! والله إن قتلتك لا أصيب منك خلفا، ولئن قتلتني لا أجد منك خلفا ؟ ما أحب والله البقاء بعدك ! ! ! فقال مروان: إي والله وأحرى إنه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا وتتقطع سيوفنا فما خير العيش بعد هذا ؟ ! فضرب عثمان في صدره وقال: ما يدخلك في كلامنا ؟ فقال علي رضي الله عنه: والله إني لفي شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبو يوسف: * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) * (18 / يوسف: 12). وقال ابن عباس: أرسل إلي عثمان فقال: اكفني ابن عمك. فقلت (له): إن (ابن) عمي ليس كما تظن ولا بالرجل الذي ترى فأرسلني (إليه) بما أحببت فهو سامع لك ومطيع. قال (عثمان: قل له): يخرج إلى ماله ب‍ " ينبع ". (قال ابن عباس:) فأتيت عليا وخبرته (بما قال عثمان) فقال: نعم ولا يجدني عثمان (إلا) سامعا لامره مطيعا، ثم أنشد: فكيف به إني أداوي جراحه فتدوى فلا مل المداوي ولا الدوا (1) اما والله إني لخير القوم وأنصحهم له، وأكثرهم إشفاقا عليه. (قال ابن عباس:) فأتيت عثمان فأخبرته فأنشد: فكيف به من (أن) أداوي جراحه فيدوى فلامل المداوي ولا الدوا ؟ فخرج علي إلى " ينبع " مبادرا لامره فكتب إليه عثمان حين اشتد به الامر: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وتجاوز الخلع الطبيين وطمع في كل ضعيف النفس فأقبل إلي على كل حال / 113 / ب / صديقا أو عدوا ! ! ثم أنشد: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق قال: فأقبل إليه (علي) وبالغ في وعظ الناس ونهيهم عن التعرض له وقال: لا يحل لكم التعرض إليه ؟ ولا انتهاك حرمته فلم يسمعوا (منه) وكثر الهرج فكان يرسل بالحسن والحسين إليه كل يوم ويأمرهما بامتثال أمره ونهي الناس عنه ويبالغ في القول. هذا ما ذكره (ابن عبد ربه) صاحب (كتاب) العقد (الفريد) (2).


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد ها هنا وفي البيت التالي معا: " فلا مل الدواء ولا الداء ". (2) كما في الطبعة الثانية بمصر سنة (1346) منه: ج 3 ص 88 - 93. (*)

[ 182 ]

وأما ما ذكره ابن أبي شاكر الكتبي (1) فقال: إنما أوغر صدور الناس على علي بنو أمية ونسبوا إليه ما نسبوا من الخوض في دمه وأنه هو الذي ألب عليه - وذلك بعد مبايعته بالخلافة - ليوغروا القلوب عليه ويبلغوا أغراضهم (من) ذلك وإلا فقد علم كل ذي عقل صحيح أن عليا (كان) من أبرء الناس من دم عثمان وأن بني أمية (كانوا) هم الذين أوغروا الصدور على عثمان وأثاروا الفتن. و (هذا) صورة ما ذكره ابن أبي شاكر ؟ الكتبي قال: ومن الحوادث (التي جرت) في سنة أربع وثلاثين اجتماع المنكرين على عثمان بن عفان، وتكاتبوا من الاقطار للاجتماع لمناظرته مما نقموا عليه فأجمع رأيهم (على) أن يبعثوا إليه) رجلا يكلمه ويخبره بما أنكروه عليه فيما أحدث، فأرسلوا إليه عامر بن قيس، فدخل عليه فقال: إن ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله وانزع عنها. فأرسل (عثمان) إلى معاوية وابن أبي سرح وإلى سعيد بن العاصي (وعمرو ؟) العاصي فجمعهم وشاورهم في أمره، فقال عبد الله بن عامر: أرى أن (تلهيهم) بجهاد يشغلهم عنك ؟ وقال ابن أبي سرح: أعطهم المال تعطف (قلوبهم) عليك.


(1) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " ابن أبي شاكر الليثي... ". وهو محمد بن شاكر الكتبي المولود عام: (686) - على ما حكى عن نسخة من كتاب الدرر الكامنة - والمتوفى سنة: (764). والظاهر أن ما نقله المصنف ها هنا مأخوذ من كتاب عيون التواريخ، وهذا الكتاب ذكره الحاجي خليفة في كشف الظنون: ج 2 ص 1185، قال: (وكتاب) عيون التواريخ - في ست مجلدات - لفخر الدين محمد بن شاكر الكتبي المتوفى سنة (764) انتهى فيه إلى آخر سنة (760)... وذكره أيضا معاصره ابن كثير في المتوفين عام: (764) من كتاب البداية والنهاية: 14، ص 303 قال: وفي يوم السبت الحادي عشر (من رمضان، سنة (764 *) صلينا بعد الظهر... وعلى الشيخ صلاح الدين محمد بن شاكر الليثي ؟ تفرد في صناعته وجمع تاريخا مفيدا من عشر مجلدات، وكان يحفظ ويذاكر ويفيد رحمه الله وسامحه. ولترجمته مصادر، يجدها الطالب في مقدمة فوات الوفيات ط دار صادر. (*)

[ 183 ]

وقال معاوية: تأمر أجنادك فيكفيك كل منهم من قبله. فقال عمرو:...... اعتدل (أ) واعتزل. فردهم عثمان إلى أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ورد سعيد بن العاصي إلى الكوفة. فخرج جماعة من الكوفة فيهم يزيد بن قيس والاشتر / 114 / ب / وغيرهم وضرب الاشتر غلاما كان مع سعيد، فرجع سعيد إلى عثمان (فقال له عثمان:) ما يريدون ؟ قال: البدل. قال (عثمان): من (يريدون ؟) قال: أبو موسى الاشعري. فجعله عليهم. وروى الواقدي عن أشياخه أن جماعة (من الناقمين على عثمان) اجتمعوا (إلى علي وسألوه أن يلتقي بعثمان ويبلغه ما نقموا عليه. فدخل علي على عثمان) وكلمه وقال (له): لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ونلت صهرا ؟ وما أحد أحق بعمل الحق منك. فقال عثمان: أتلومني أن وصلت رحما وسددت خلة أنشدك (الله) هل تعلم أن عمر ولى المغيرة بن شعبة وليس ذلك ؟ قال (علي): نعم. قال: أفتلومني أن وليت ابن عامر في قرابته ؟ قال (علي): سأخبرك: إن عمر كان إذا ولى شخصا فكأنما يطأ على صماخه (و) إن بلغه عنه حرف (جلبه) ثم يبلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل (هذا بابن عامر، وغيره من ولاتك) رفقا به ورقة على أقاربك ! ! (1). قال (عثمان): فهل تعلم أن معاوية ولاه عمر خلافته كلها ؟ (ف‍) قال علي: أنشدك الله أتعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من غلام عمر ؟ قال (عثمان): نعم. (ف‍) قال علي: إن معاوية يقطع الامر دونك ويقول: هذا أمر عثمان ويبلغك ذلك فلا تغير عليه. ثم خرج (علي) من عنده (2).


(1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: ج 4 ص 338 ما لفظه: إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه (صماخيه) إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل (هذا) ضعفت ورفقت على أقربائك. (2) هذا تلخيص ما رواه الطبري في تاريخه: ج 4 ص 338. ورواه أيضا البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 60. (*)

[ 184 ]

وخرج عثمان على أثره فصعد المنبر وأرعد وأبرق (1) وقال فيما قال: والله لقد عبتم علي ما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده ونهركم بلسانه فدنتم له (2) و (أنا) كففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي أما والله لانا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا، ولقد أعددت أقرانكم وكشرت


ورواه العلامة الاميني رفع الله مقامه عنه وعن الطبري وتاريخ الكامل - لابن الاثير -: ج 3 ص 63 وعن تاريخ أبي الفدا: ج 1 ص 168، وتاريخ ابن خلدون: ج 2 ص 391 كما في الغدير: ج 9 ص 161، ط 1. ورواه أيضا ابن قتيبة في الامامة والسياسة ص 28 وعنه العلامة الاميني في الغدير ج 9 ص 18، ط (1) وخطبته التي أرعد وأبرق فيها، رواها أيضا موجزة ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة ص 28 قال: حدثنا ابن أبي مريم وابن عفير، قالا: حدثنا ابن عون، قال: أخبرنا المخول بن إبراهيم وأبو حمزة الثمالي - وبعضهم يزيد على بعض والمعنى واحد فجمعته وألفته على قولهم ومعنى ما أرادوا - عن علي بن الحسين، قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن لكل شئ آفة ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه الملة قوم عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون ! ! أما والله يا معشر المهاجرين والانصار لقد عبتم علي أشياء ونقمتم أمورا قد أقررتم لابن الخطاب مثلها ! ! ولكنه وقمكم وقمعكم ولم يجترئ أحد يملا بصره منه، ولا يشير بطرفه إليه ! ! ! أما والله لانا أكثر من ابن الخطاب عددا وأقرب ناصرا وأجدر... وقريبا منه رواها أيضا البلاذري نقلا عن الواقدي كما في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 61. ورواها أيضا بزيادات الطبري في حوادث سنة: (34) من تاريخه: ج 4 ص 337 قال: وأما الواقدي فإنه زعم أن عبد الله بن محمد، حدثه عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلا نفير (منهم) زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت. (2) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري، وفي أصلي: " والله لقد عبتم علي ما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطأكم برجلكم وضربكم برجله بيده... ". (*)

[ 185 ]

لكم عن نابي وأخرجت خلقا لم أكن أحسنه (1) ونطقت لما لم أنطق به قبل وإني الان قد كففت عنكم (2) واعتذر عما كان يعطي أقاربه من فضل ماله ؟. فقام مروان وقال: إن شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف. فقال له عثمان: اسكت - لا سكت - دعني وأصحابي ألم أتقدم إليك أن لا تنطق ؟ فسكت مروان ونزل عثمان. وكان معاوية لما ودع عثمان عرض عليه أن يدخل به الشام فقال (عثمان): لا اختار بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا. فقال له (معاوية): أجهز لك جيشا من الناس يقيمون لنصرتك. قال (عثمان): أخشى أن أضيق بهم بلد رسول الله (ص) / 114 / ب /. فخرج معاوية وهو متقلد سيفه فمر على ملا من المهاجرين والانصار فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلم بكلام يشتمل بالوصية على عثمان والتحذير من إسلامه لاعدائه ثم انصرف. قال الزبير: ما رأيته أهيب في عيني من يومئذ ! !. وذكر ابن جرير الطبري (3) أن معاوية (كان) ليستشعر الامر لنفسه في سفرته هذه


(1) هذا هو الظاهر المذكور في تاريخ الطبري، وفي أصلي: " وكثرت لكم عن بابي... ". (2) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا... (3) ذكره الطبري بسندين عن سيف الكذاب في حوادث العام: (35) من تاريخه ج 4 ص 343، وساق قصة مطولة بأول سنديه إلى أن قال: ولما استقل عثمان رجز الحادي: قد علمت ضوامر المطي وضامرات عوج القسي أن الامير بعده علي وفي الزبير خلف رضي وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب (الاحبار) - وهو يسير خلف عثمان -: الامير والله بعده صاحب البغلة وأشار إلى معاوية. ثم قال الطبري: كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الاسدي، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمعوا إليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدا به الراجز: (*)

[ 186 ]

إلى المدينة وذلك إنه سمع حاديا يرتجز بكلام تفأل به، وقال كعب الاحبار وهو يسير خلف عثمان والله إن الامر بعده لصاحب البغلة الشهباء. (ثم قال الطبري:) فلما كانت السنة الخامسة والثلاثون كان فيها قتل عثمان " رض " و (كان) السبب في ذلك عمرو بن العاصي حين عزله (عثمان) من مصر، وولى عليها ابن أبي سرح (ف‍) انتقل (عمرو) إلى المدينة وفي نفسه ما فيها من عثمان وتكلم بكلام افتخر فيه على عثمان وأنه أعز منه ! فقال عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية (1). فجعل عمرو يبالغ في الانكار على عثمان ويؤلب عليه ويكاتب أهل مصر، وكان بها جماعة يبغضون عثمان فاستنفروا عليه ست مائة راكب في (شهر) صفر معتمرين، فساروا إلى المدينة تحت أربع رايات وأمر الجميع إلى بديل بن ورقاء الخزاعي. فلما قدموا المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يكلمهم وأن يأمرهم بالرجوع إلى بلدهم فانطلق علي رضي الله عنه وأنبهم وعنفهم وانتهرهم وشتمهم (2) وأمرهم بالرجوع وكانوا يعظمونه ويبالغون في سماع كلامه فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة وقالوا: هذا الذي تعظمونه وتختارونه من أعظم أنصاره وأعوانه فرجعوا خائبين من حيث أتوا (ورجع علي إلى) عثمان (واستدعى منه) أن يخطب الناس ويعتذر إليهم مما وقع وأنه سيسير فيهم (بسيرة) أبي بكر وعمر (3) فاستمع (منه) عثمان، فلما كان يوم الجمعة خطب الناس ثم رفع يديه وقال: اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، اللهم إني تائب مما كان مني. وأرسل عينيه بالبكاء - فبكى الناس ورقوا على إمامهم - وأشهدهم أنه قد لزم طريقة أبي بكر وعمر / 115 / ب / وأنه فتح بابه لكل من أراد الدخول عليه، ونزل فصلى ودخل منزله.


إن الامير بعده علي وفي الزبير خلف رضي. قال كعب: كذبت ! صاحب الشهباء بعده - يعني معاوية - فأخبر معاوية، فسأله عن الذي بلغه (عنه)، قال: نعم، أنت الامير بعده، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا. فوقعت في نفس معاوية. وقريبا منه رواه عمر بن شبة في أواخر ترجمة عمر من تاريخ مدينة المنورة: ج 3 ص 932 ط 1. (1) وانظر تاريخ المدينة المنورة - لعمر بن شبة -: ج 3 ص 1088. (2) ذكره الطبري في سيرة عثمان في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 343 ط الحديث بمصر. (3) انظر تاريخ الطبري: ج 4 ص 360 و 370 وما حولها. (*)

[ 187 ]

فجاء مروان فقال: يا أمير المؤمنين أسكت أم أتكلم ؟ قال: بل تكلم. قال: لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ السيل الزبى والله لاقامة على خطيئة تستغفر منها خير من توبة (عن) خوف وإنك لو شئت أقررت بالتوبة ولم تقر بالخطيئة وقد اجتمع لك ؟ من الرجال كأمثال الجبال ببابك. قال عثمان: فاخرج إليهم وكلمهم. فخرج مروان إلى الباب والناس قد ركب بعضهم بعضا فقال (مروان): ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب ! ! ! شاهت الوجوه أتريدون تنزعون ملكا من أيدينا ؟ اخرجوا عنا. فرجع الناس إلى علي فأخبروه الخبر فجاء ودخل على عثمان فقال: ما رضيت إلا أن يحولك مروان عن عقلك ورأيك والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه. وخرج من عنده مسترجعا. فلما بلغ أهل الانصار مقالة مروان تكاتب أهل مصر والكوفة والبصرة وكان أهل البصرة يشتهون طلحة وأهل الكوفة يشتهون الزبير (فظعن إلى المدينة جماعة من أهل الكوفة) فلما كانوا من المدينة على ثلاث تقدم زياد بن النضر وقال: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد فدخل الرجلان ؟ وجاء طائفة منهم إلى علي وسلموا عليه، فصاح بهم (علي) وشتمهم وقال: ارجعوا لاصحبكم الله بسلامة (1) فانصرفوا إلى طلحة والزبير فسبوهم وفعلوا فعل علي فرجع كل فريق إلى قومهم وأعلموا أنهم راجعين إلى بلادهم وساروا أياما ثم ردوا راجعين فلم يرع أهل المدينة إلا التكبير وإذا القوم قد رجعوا إلى المدينة وأحاطوا بدار عثمان وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن. فكف الناس أيديهم ولزموا بيوتهم هذا كله ولا يدري الناس كلهم ما يصنعون. وقال علي لاهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ؟ قالوا: وجدنا مع بريد كتاب (عثمان) بقتلنا ! ! ! وكذلك قال البصريون لطلحة والكوفيون للزبير، وقال أهل مصر: إنما جئنا لنصرة أصحابنا ؟ فقال لهم الصحابة: هذا أمر اتفقتم عليه ؟


(1) وقريبا منه معنى رواه الطبري بسنده عن سيف الكذاب في حوادث العام: (35) من تاريخه: ج 4 ص 348. وأما ما جاء في الفقرة من أن طلحة والزبير سبا الثائرين، فالقرائن التاريخية الثابتة على خلافه، لانهما كانا يحمسان الثائرين على خلاف عثمان ! ! !. (*)

[ 188 ]

وكان / 116 / أ / المصريون لما رجعوا وجدوا بريدا يسير وحده (فشكو فيه) فأخذوه وفتشوه وإذا معه كتاب (من) عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم وبصلب أخرى وبقطع أيدي أخرى وعلى الكتاب خاتم عثمان وهو على جمل لعثمان تعلم (1) ! ! ! (فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا ؟ فقال: إنما هما اثنتان: أن يشهد على عدلان من) الناس في ذلك وإلا فو الله ما كتبت ولا أمليت ولا دريت، والخاتم قد يتزور على الخاتم (2). (قال أبو الحسن (المدائني): لما قدم وفد أهل مصر دخلوا على عثمان فقالوا (له): كتبت فينا بكذا وكذا ؟ قال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم) (3) فصدقه المصدق وكذبه المكذب ! ! ! وكان أهل مصر قد سألوا عثمان أن يولي عليهم غير ابن أبي سرح وأن يعزله عنهم ويولي (عليهم) محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك. فلما رجعوا (منصرفين إلى بلادهم) وجدوا بريدا ومعه كتاب (من عثمان إلى ابن أبي سرح) بقتل محمد وآخرين معه (4) فرجعوا (إلى المدينة) وقد حنقوا عليه حنقا شديدا وطافوا بالكتاب على الناس. فلما كان يوم الجمعة وقد قام عثمان على المنبر وفي يده العصا كان يتوكأ عليها النبي (ص) فقدم إليه رجل وسبه وأنزله عن المنبر (5) فطمع الناس فيه من يومئذ.


(1) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: " نكلم ". (2) ما وضع بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وفي أصلي: " وهو على جمل لعثمان تكلم الناس في ذلك وإلا فو الله ما كتب ولا أمليت ولا دريت، والخاتم قد يتزور على الخاتم ". (3) ما وضع بين المعقوفين غير موجود في أصلي وليس ببالي من أين أخذته ؟ وليلاحظ ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 66 / أ والعقد الفريد ج 5 ط لبنان. (4) راجع تفصيل القصة في كتاب أنساب الاشراف وتاريخ الطبري والغدير ج 9 ص 124، ط 1. (5) وهو الجهجاه الغفاري من الصحابة الذين بايع النبي تحت الشجرة وتفصيل القصة في أنساب الاشراف ج 5 ص 47 والطبري ج 5 ص 114 والغدير ج 9 ص 124 ط 1. وما أبداه عثمان من أنه " قد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم " وإن كان (*)

[ 189 ]

ثم خطب (عثمان) بعد ذلك فقال في خطبته: يا هؤلاء الغر ؟ الله الله في فو الله إن أهل المدينة ليعلمون أنهم ملعونون على لسان نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم (1). فثار القوم وحصبوهم حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرعوه عن المنبر وغشي عليه واحتمل إلى داره وأقبل علي وطلحة والزبير يعودونه ويشكون بثهم وما لقوا من الناس ثم رجعوا إلى مكانهم. وتفاقم الامر وطمع أولئك الاحلاف (في عثمان) وضيقوا عليه. ولزم الصحابة بيوتهم وصار إليه جماعة من أبنائهم منهم الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير فكانوا يناضلون (من دونه كراهة) أن يصل أحد (إليه فيقتله). وأسلمه بعض الناس رجاء أن يصير إلى واحدة مما (طلبوه منه و) هو أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان الطريد فإنه (كان) أصل هذه (الفتنة ولكن لم يرض عثمان بأي واحد من الامرين).


أمرا محتملا، ولكن المصريون الذين قبضوا الرسالة من يد غلام عثمان كانوا يقولون: إن الرسالة إما منك وإما من مروان ليس إلا، فإن كان منك فلست خليقا بزعامة المسلمين فاستقل عنها. وإن كان من مروان فافصله عنك وأدبه حتى لا يقدم ثانيا على الافتاء بقتل نفوس محترمة، وعثمان ما أجاب القوم في كل واحد من الامرين فإذا المحكومية صارت مسجلة عليه على كل تقدير ! !. (1) أكثر ما أورده المصنف في هذا الباب مرسلة أختلقها أولياء عثمان، وأعضاد معاوية وأعوان بني أمية تدعيما لباطلهم، وحذفوا أسانيدها مخافة أن ينتبه القراء أنها من سنخ استشهاد الثعلب بذنبه ! ! ! وكيف يمكن أن يقال: إن الصحابة لزموا بيوتهم والحال أن أكثرهم - وفي طليعتهم طلحة والزبير - كانوا من الثائرين عليه والمشجعين للثوار، حتى أن طلحة في أيام حصار عثمان استولى على بيت المال وطرد عمال عثمان وأخذ منهم المفاتيح. ورى البلاذري أن عليا عليه السلام مر بدار بعض آل أبي سفيان فسمع بعض بناته تقول: ظلامة عثمان عند الزبير وأوتر منه لنا طلحة هما سعراها بأجذالها وكانا حقيقين بالفضحة فقال علي: قاتلها الله ما أعلمها بموضع ثارها ! !. وكان ابن الابتر عمرو بن العاص يقول: إني كنت لا حرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. كما في حوادث العام: (35) من تاريخ الطبري: ج 4 ص 357 ط مصر. (*)

[ 190 ]

وانقطع عثمان عن المسجد بالكلية ودام الحصار، وجاء (لنصرته) سعد (وزيد بن ثابت و) أبو هريرة والحسن والحسين فقال عثمان: إن كنتم تريدون الطاعة فاغمدوا سيوفكم وانصرفوا. وجاءه كثير بن الصلت (1) (من حواريه) فقال: لو رأيت الناس وجهك. قال: يا كثير رأيت (ظ) رسول الله / 116 / أ / صلى الله عليه وسلم في منامي وكأني دخلت عليه، وهو وأبو بكر وعمر (جلوس) فقالوا: قد صبرت وشيعتك ؟ وتفطر عندنا يوم كذا وكذا، ولن تغيب الشمس يوم كذا إلا وأنا في الاخرة فارجعوا ! ! ! وجاءت الاخبار بأن العساكر قادمة لنصرة عثمان، فلما علموا أنهم مقصودون قالوا: لا ينجينا إلا قتل هذا الرجل. فجاؤا إلى الباب فمنعهم الحسن والحسين ومحمد بن طلحة فناداهم عثمان: الله الله أنتم في حل من نصرتي. فأبوا أن يفتحوا الباب. فجاء المصريون فأحرقوا الباب، وقيل: تسوروا عليه الجدار ولم يعلم الذين يحرسونه على الباب فلم يشعروا حتى دخلوا عليه، فقتل والمصحف في حجره. وقد أطال المؤرخون شرح مقتله وأوردوه على طرق شتى وروايات مختلفة وبالغوا في ذكر الاسباب الموجبة لقتله، وقد ذكر غالبها صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة، وعدد ما اعتذر عنه، وبالغ في إيضاح ذلك (2) ولم يحملني على ذكر ذلك إلا تبرأة الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مما نسبه إليه من زاغ عن الحق واتبع هواه وكان أمره فرطا (3) ولقد أنكر ذلك ظاهرا وباطنا ووقع ما وقع من قتله عن غير رضا منه ولا اختيار وساءه ذلك غاية الاساءة ولو استطاع دفع ذلك لما تأخر عن دفعه ولا توانى


(1) كثير بن الصلت كان من أعضاد الشجرة الملعونة في القرآن وكان كاتبا لابي الذبان عبد الملك بن مروان، فلا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة أن يرى لحديثه مقيلا من الصحة ومسيسا بالواقع. (2) ولكنه في أكثر ما أورده تمسك بمفتريات بني أمية ومختلفات مشايخ حريز الحمصي وتلاميذه. ومن أراد أن يعرف ما جرى على عثمان من مصدر محتوياته قريب بالواقع فعليه بترجمة عثمان من القسم الاول من الجزء الخامس من أنساب الاشراف، من ص 25 - 105، طبع المستشرقين. ومن أراد تمحيص أخبار عثمان وتحقيقها فعليه بكتاب الغدير: ج 8 وج 9 ص 3 - إلى آخر الكتاب - لا سيما ص 78 وما بعدها. (3) وهذا مقتبس من الاية: (28) من سورة الكهف: 18: * (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) *. والفرط - على زنة العنق -: الامر الذي يجاوز فيه الحد. الاسراف. الاعتداء. (*)

[ 191 ]

وكرهت (ذلك أيضا) رؤساء الصحابة وأكابرهم ولكن عجزوا عن رد تلك الجيوش والجموع (1) وكان أمر الله قدرا مقدورا. وإنما أشاع بنو أمية ة ذلك ونسبوه إلى علي رضي الله عنه ليوغروا عليه القلوب، ويوقدوا (عليه) نار الحرب، لعداوتهم القديمة لاصلهم الشريف (ظ) فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ندر دماءهم وطردهم عن المدينة ونفاهم (ظ) وما زالوا مخاخ (2) حتى أقدمهم عثمان المدينة وأعطاهم الاموال الجزيلة وولاهم الولايات الجليلة فركبوا أعناق الناس ووطؤهم بأرجلهم ونالوا من أعراضهم فأنفت وولاهم من ذلك النفوس وأرعدت الانوف ؟ ثم صدرت منهم من الامور / 116 / ب / وإثارة الاهواء والفتن والسعي في الفساد وإراقة الدماء ما لا يخفى فوقع ما وقع (3). وقد ذكر الشيخ كمال الدين الدميري رحمه الله في كتابه حياة الحيوان (4) عند ذكر الوزغ وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، قال: كان لا يولد لاحد مولود إلا أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدعو له، فأدخل عليه مروان فقال: هذا الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون ! ! ! وذكره الحاكم في كتاب الفتن والملاحم في المستدرك (5) (بسنده) عن عبد الرحمان بن عوف وقال: (هذا حديث) صحيح الاسناد. وأيضا ذكر (الحاكم في كتاب الملاحم والفتن من المستدرك) قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد، قال مروان: (هذه) سنة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمان بن أبي بكر: (بل هي) سنة هرقل وقيصر فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: * (والذي قال لوالديه أف لكما) * (17 / الاحقاف: 46) فبلغ ذلك عائشة (فقالت) كذب


(1) تقدم آنفا أن كثيرا من الصحابة كانوا مع الثائرين وفي طليعتهم طلحة والزبير. (2) كذا في أصلي، والمخاخ: ما يخرج من مخ العظم في فم من يمصه. (3) ياليت كان المصنف يعطف على هذا الواقع - الذي هو محصول محكمات التاريخ - كلم أمير المؤمنين عليه السلام المذكورة في مصادر الشيعة والسنة معا، منها قوله عليه السلام في الخطبة الشقشقية حول هوية عثمان وبني أمية، قال: " إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ! ! إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته... ". (4) انظر القصة في مادة: " الوزغ " من كتاب حياة الحيوان. (5) أورده الحاكم في أواسط كتاب الفتن والملاحم من المستدرك ج 4 ص 479. وقريبا منه رواه البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ط المستشرقين ص 27. (*)

[ 192 ]

والله ما هو فيه ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان (وهو) في صلبه (1). ثم روى الحاكم عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - أن الحكم بن العاصي استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف صوته فقال: ائذنوا له (عليه) لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم وقليل منهم يشرفون في الدنيا، ويضعون في الاخرة، ذو مكر وخديعة ليس لهم في الاخرة من خلاق (4). هكذا ذكره الدميري في (كتاب) حياة الحيوان. فقد وضح لكل منصف ولكل ذي عقل صحيح أن هؤلاء القوم هم الذين كانوا سببا في فتنة عثمان وإيغار قلوب الحق عليه ؟ وأن عليا رضي الله عنه لم يكن فيما نسبوه إليه صحة ؟ بل كان من أكره الناس له، وأبعدهم منه، وفي ذلك كفاية، والقيامة تجمعهم وإلى الله مرجعهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


(1) نقله الحاكم في أواسط كتاب الملاحم والفتن من المستدرك: ج 4 ص 481. وليلاحظ كتاب الغدير: ج 8 ص 254 وما حولها، من ط 1. وإليك تفصيل ما أشرنا إليه من الروايات الواردة، في المقام: روى البلاذري في عنوان: " مروان بن الحكم " - بعد ختام ترجمة عثمان بن عفان وأولاده - من أنساب الاشراف: ج 5 ص 125، ط 1، قال: حدثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن جعفر بن سليمان، عن سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن الجزري (عبد الحميد بن عبد الرحمان): عن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين ؟ - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا ويتضعون في الاخرة ؟ و (الحديث) رواه (أيضا) الطبراني عن أحمد بن داود المكي عن مسلم بن إبراهيم، عن جعفر بن سليمان (الضبعي عن سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم عن أبي الحسن الجزري، عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - قال: استأذن الحكم بن أبي العاصي ؟ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه ؟ فقال: ائذنوا له فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وما يخرج من صلبه - إلا الصالحين منهم - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا ويرذلون في الاخرة ذوو مكر وخديعة). (*)

[ 193 ]


أقول: ما وضع بين المعقوفين قسم السند منه مأخوذ من رواية أبي يعلى وغيره، والمتن مأخوذ مما رواه الهيثمي - عن الطبراني - في مجمع الزوائد ج 5 ص 242. ورواه الحاكم في أواسط كتاب الفتن والملاحم من المستدرك: ج 4 ص 481 ط 1، قال: حدثني محمد بن صالح بن هانئ حدثنا الحسين بن الفضل، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي (من رجال صحاح أهل السنة) حدثنا علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري (عبد الحميد بن عبد الرحمان الثقة المأمون كما في تهذيب التهذيب 12 / 73): عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - (قال:) إن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته وكلامه فقال: ائذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا ويضعون في الاخرة، ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا، ومالهم في الاخرة من خلاق. والحديث رواه أيضا عنه البيهقي في آخر عنوان " ما جاء في رؤياه (أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ملك بني أمية " من كتاب النبوة: ج 6 ص 516 ط بيروت، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في (شهر) صفر سنة إحدى وخمسين (وثلاث مائة قال:) حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا محمد بن نعيم بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمان السمرقندي الشيخ الفاضل ؟ حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن. عن عمرو بن مرة - وكانت له صحبة - قال: جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال: ائذنوا له، حية (ظ) - أو ولد حية - عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنون - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الاخرة، ذوو مكر وخديعة يعظمون في الدنيا ومالهم في الاخرة من خلاق. (ثم قال البيهقي) قال الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمان (السمرقندي من رجال مسلم وأبي داود والترمذي) أبو الحسن هذا حمصي. ورواه ابن عساكر بسنده عن البيهقي في أخر ترجمة مروان من تاريخ دمشق: ج 16 ص 357 قال: وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أنبأنا أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، أنبأنا علي (*)

[ 194 ]


بن حمشاذ العدل، أنبأنا محمد بن نعيم بن عبد الله، أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمان السمرقندي الشيخ الصالح ؟ أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن (الجزري الحمصي)... وأيضا رواه ابن عساكر في أواخر ترجمة مروان بن الحكم من تاريخ دمشق: ج 16 ص 357 من المصورة الاردنية - وفي مختصره - باختصار إبراهيم صالح - ج 24 ص 191 ط 1، قال: أخبرتنا أم المجتبى بنت ناصر، قالت: قرئ على إبراهيم بن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقرى أنبأنا أبو يعلى أنبأنا محمد بن عقبة السدوسي أنبأنا جعفر بن سليمان الضبعي أنبأنا سعيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن الجزري، عن عمرو بن مرة، قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: ائذنوا له حية (أو ولد) حية - لعنه الله وكل من خرج من صلبه إلا المؤمنون منهم - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الاخرة، ذوو مكر وخديعة، يعظمون في الدنيا ومالهم في الاخرة من خلاق. قال: (محمد) بن عقبة: عمرو بن مرة هذا له صحبة (و) قال عبد الله بن عبد الرحمان الدارمي: أبو الحسن هذا حمصي. كذا قال ؟. ورواه أيضا ابن كثير في حوادث سنة (132) في ختام دولة بني أمية من البداية والنهاية: ج 10 ص 50 قال: قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمان الدارمي (السمرقندي المترجم في تهذيب التهذيب: ج 5 ص 294): حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن (الجزري و) هو الحمصي: عن عمرو بن مرة - وكانت له صحبة - قال: جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال: ائذنوا له صبت عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الاخرة، ذوو دهاء وخديعة، يعطون في الدنيا ومالهم في الاخرة من خلاق. ورواه العلامة الاميني رحمه الله عن مصادر في الغدير ج 8 ص 251. (*)

[ 195 ]

الباب الثامن والستون في خلافة سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولما توفي علي رضي الله عنه بويع الحسن بن علي بن أبي طالب ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة أربعين. فكتب إليه عبد الله بن عباس / 117 / أ /: أما بعد ف‍ (إن المسلمين) قد ولوك أمرهم بعد أبيك ورضي بك الناس (1) فاشدد عزيمتك وجاهد عدوك، واشتر من الظنين دينه بما لم يثلم دينك، واستعمل أهل البيوت تستصلح بهم عشائهم (2). فكان أول من بايعه قيس بن سعد (الانصاري) قال: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم وقتال المحلين. فقال الحسن (عليه السلام): على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي من وراء كل شئ ؟ من الشروط. فبايعه (قيس) وسكت ؟ وبايعه الناس. وقال (الطبري): حدثنا عبد الله بن أحمد (بن شبويه المروزي قال:) حدثنا أبي قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن يونس (3): عن الزهري (قال:) جعل علي عليه السلام على مقدمة أهل العراق (و) الي آذربيجان قيس بن سعد في أربعين بايعوا عليا على الموت، ولم يزل ذلك الجيش حتى قتل (علي) واستخلف أهل العراق، الحسن رضي الله عنه، وبايعوه على الخلافة


(1) ما بين المعقوفين أخذناه مما رواه البلاذري في ترجمة عبد الله بن العباس من مخطوطة كتاب أنساب الاشراف: ج 1 / الورق 274 / أ وص 550. (2) وفي أنساب الاشراف: " ووال أهل البيوتات والشرف تستصلح عشائرهم ". (3) ما بين المعقوفين زيادة توضيحية منا. (*)

[ 196 ]

، وكان الحسن لا يرى القتال (1) ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن من قيس بن سعد أنه لا يوافق على ذلك، فنزعه وأمر عبيد الله بن عباس (على مقدمته) فلما علم عبيد الله بن عباس بالذي يريد (الحسن) خشي على نفسه (2) فكتب إلى معاوية يسأله الامان ويشترط لنفسه على الاموال التي أصابها (3) فشرط لهه معاوية ذلك ؟. (وأيضا قال الطبري: وحدثني موسى بن عبد الرحمان قال:) حدثنا (عثمان بن عبد الحميد، أو ابن) عبد الرحمان الحراني الخزاعي أبو عبد الرحمان قال: حدثنا إسماعيل بن راشد (4) قال: بايع الناس الحسن بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد بن عبادة على مقدمته في اثني عشر ألفا، (وأقبل) معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن، فبينا الحسن بالمدائن إذ (نادى مناد) في العسكر: ألا أن قيس بن سعد


(1) إن صح هذا وسند الحديث يكون صالحا لاثباته، فمحمول على أنه عليه السلام كان عالما بتخاذل أصحابه وبيعهم دينهم بالدنيا، وانه عليه السلام لم يكن يجد عونا وعضيدا على قتال المعتدين والفئة الباغية. (2) لحوق عبيد الله بن عباس بمعاوية إنما كان لحرصه على الحياة والتمتع بزخارفها، وجبنه عن مقارعة أعداء الله وكراهته القتال في سبيل الله، لم يكن لحوقه بمعاوية إلا لما ذكرنا، لا لما جاء في هذا الحديث الضعيف من نزع الامام الحسن قيسا من الامارة، واستشعار هذا المادي عبيد الله من أن الامام الحسن كان لا يرى القتال وانه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية. (3) هذه أيضا قرينة أخرى لضعف الرواية، إذ هذا المادي الراكن إلى الشهوات لم يكن من إصابة الاموال واختلاسها حتى يشترط على معاوية الاغضاء عنها. نعم أول ما تمكن من حيازة الاموال بغير حق واغتنم الفرصة لاختلاسها هو حينما التقى بمعاوية وهو قائد مقدمة جيش الامام الحسن، فأرسل إليه معاوية بعض من كان طبقا له بأنه إن يترك جيش العراق ويلتحق به يسدد له من فوره مائة وخمسين ألفا، ويسدد له بعد دخوله الكوفة مائة وخمسين ألفا أخرى أو ألف ألف درهم مع مواعيد أخر كما في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من أنساب الاشراف وغيره. (4) ما وضع بين المعقوفات أخذناه مما أورده الطبري في حوادث العام: (40) في أوائل سيرة الامام الحسن عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 158، ط مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. وفي أصلي من جواهر المطالب: حدثنا ابن عبد الرحمان عن إسماعيل بن راشد... ثم إن إسماعيل بن راشد الواقع في سند هذا الحديث، ما وجدت له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال. (*)

[ 197 ]

قد قتل فانفروا. فنفروا إلى سرداق الحسن وانتهبوه حتى نازعوه بساطا تحته فأخذوه ! ! ! فخرج الحسن حتى نزل المقصورة بالمدائن، وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن من قبل علي رضي الله عنه، وكان اسمه سعد بن مسعود فقال له المختار: وهو غلام شاب / 117 / ب /: هل لك في الغنى والشرف ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: توثق الحسن وتصيره إلى معاوية ! ! ! فقال له (عمه) سعد: عليك لعنة الله أنا أفعل ذلك بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أوثقه وأسلمه لمعاوية ؟ ما عند الله عذر من فعل ذلك (1) بئس الرجل والله أنت. فلما رآى الحسن تفرق الامر عنه، بعث يطلب الصلح منه، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمان بن (سمرة بن حبيب بن عبد) شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت المال بالكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها، ثم قام الحسن في أهل العراق خطيبا فقال: يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث (2): قتلكم لابي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي. ودخل الناس في طاعة معاوية. ولما كتب الحسن إلى معاوية يطلب منه الامان، قال للحسين ولعبد الله بن جعفر: إني كتبت لمعاوية أطلب منه الامان ! فقال الحسين: انشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة علي ! ! ! فقال الحسن: اسكت فإني أعلم بهذا الامر منك (3). فلما أنهي كتاب الحسن إلى معاوية أرسل إليه عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سمرة ؟ كما تقدم فقدما (إلى) الحسن فأعطياه ما أراد. وكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته يأمره بالدخول في طاعة معاوية


(1) سند الحديث ضعيف، فإن صح ذلك عن المختار - من طريق وثيق - ولم يكن اختلافا عليه، فلا ينافي ذلك سمو مقامه من جهة ختم حياته في سبيل أخذ ثار أهل البيت والانتقام من طواغيت الامة وتدمير قتلة سيد شباب أهل الجنة، وشفاء قلوب المؤمنين باهلاك المنافقين واستشهاده في هذا الطريق الميمون، والاعمال بخواتيمها. (2) لكلام الامام الحسن عليه السلام هذا، أسانيد ومصادر، فليراجع ما رواه الطبراني في الحديث: (232) من ترجمة الامام الحسن من المعجم الكبير: ج 3 ص 96. وليلاحظ أيضا ما أورده ابن عساكر في الحديث: (308 - 309) و (495) في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 172، و 183 ط 1. (3) وبما أن سند الحديث ضعيف فلا يعول على محتوياته إلا ما تعضده القرائن المنفصلة. (*)

[ 198 ]

، فقام قيس بن سعد في الناس فقال: أيها الناس اختاروا (إما) الدخول في طاعة إمام ضلالة (أ) والقتال مع غير إمام ؟ فقالوا: لا بد (من ذلك ؟ قال: لا بد من أحد الامرين) قالوا: لا بد لنا من إمام ضلالة ! ! ! فبايعوا لمعاوية وانصرف عنهم قيس بن سعد. (وأيضا قال الطبري) وحدثنا عبد الله بن أحمد (بن شبويه المروزي) قال: أخبرني أبي (قال: حدثنا سليمان قال: حدثني عبد الله بن يونس): عن الزهري قال: بايع أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنهما على الخلافة فطفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت. فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط وقالوا: ما لكم ولهذا ؟ فإنه لا يريد قتالا. فلم يلبث الحسن إلا قليلا بعد ما بايعوه / 118 / أ / حتى طعنوه طعنة أشوته، فازداد بغضا لهم وذعرا، فكاتب معاوية وأرسل إليه بشروط اشترطها (عليه) وقال: ان أعطيتني هذا فأنا سمع لك مطيع إن تفي به. ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى حسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. فلما (وصلت تلك الصحيفة إلى الحسن) كتب (فيها و) اشترط أضعاف الشر (و) ط التي سأل فيها معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتب إليه يسأل (ه) ما فيها، فلما التقى معاوية والحسن سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل التي ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك، وقال: ما كتبت تسألني فيه أعطيتكه هو، فاختلفا في ذلك فلم ينفذ معاوية للحسن من الشروط شيئا (1). وكان عمرو بن العاصي حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية وأمره أن يأمر الحسن فيقوم ويخطب الناس فكره ذلك (معاوية) وقال: ما أريد (ظ) أن يخطب الناس ؟ قال عمرو: لكني أريد ذلك ! ! فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه فخرج معاوية فخطب الناس ثم أمر رجلا فنادى الحسن بن علي وقال: قم يا حسن فكلم الناس. فقام الحسن (عليه السلام) فتشهد في بديهة (أمر (ه) لم يرو فيه) ثم قال:


(1) أي لم يف ولم ينفذ له شيئا من الشروط لا الشروط المتفق عليها ولا الشروط المختلف فيها. (*)

[ 199 ]

أيها الناس (1) فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن هذا الامر مدة وللدنيا دول والله يقول لنبيه عليه السلام: * (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) * (110 / الانبياء: 21) فلما قالها قال له معاوية: اجلس. ولم يزل حنقا على عمرو (2). وسلم الحسن الامر لمعاوية في جمادى الاولى سنة إحدى وأربعين فسمي عام الجماعة. وكانت مدة (خلافة) الحسن سبعة أشهر وسبعة أيام. ومات الحسن رضي الله عنه بالمدينة في شهر ربيع الاول سنة تسع وأربعين من سقية سقيها وضع منها كبده وهو ابن تسع وأربعين سنة رحمة الله عليه ورضوانه وصلى عليه سعيد بن العاصي وهو والي المدينة (3). وأوصى (الحسن) أن يدفن مع جده صلى الله عليه وسلم فمنعه مروان بن الحكم ورده إلى البقيع فقال أبو هريرة: أشهد أني سمعت رسول الله (ص) / 119 / أ / يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال مروان: لقد ضيع الله حديث نبيه إذ لم يروه غيرك ! فقال له (أبو هريرة): أما


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فقام الحسن (عليه السلام) فتشهد ثم قال في بديهته (لم يرو فيه) ثم قال: أيها الناس أما بعد فإن الله... ". (2) الحنق - على زنة الفرس -: شدة الاغتياظ. وبفتح الحاء وكسر النون: ضد الفرج، يقال: حنق عليه حنقا - على زنة علم وبابه -: غتاظ، فو حنق وحنيق. (3) إن العاصي سعيد بن العاص كان في ذلك اليوم كالكلب الممطور مختبئا في زاوية الانزواء، وكان ترك عرصة منع بني هاشم عن دفن الحسن عليه السلام عند جده لمروان بن الحكم المسلوب الحياء المفطور من الخبث والشقاء المنبثق من شجرة الكفر والنفاق، وكان مروان هذا جمع من شياطين بني أمية وجراثيم الفساد ألفي مقاتل وكان يتجول بين أيديهم ويقول: يا رب هيجا هي خير من دعة أيدفن عثمان في " حش كوكب " ويدفن الحسن مع النبي ؟ لا يكون هذا أبدا ! ! !. فأين كان العاصي ابن العاصي المسمى بسعيد حتى يصلي على جنازة الامام الحسن ؟ وعلى فرض خروجه من الانزواء وحضوره عند الجنازة هل كانت تسمح نفوس بني هاشم وهم حنقون عليه من أجل دعمه لمروان وتركه إياه لمعارضة بني هاشم مع انه هو الوالي ومروان من رعاياه ؟ هل مع ذلك يمكن للغيارى الهاشميين أن يسمحوا له ويكرموه بالصلاة على جنازة سيد شباب أهل الجنة ؟ ! ! وليلاحظ ما علقناه على الحديث: (360) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 223 ط 1. (*)

[ 200 ]

إنك إن قلت ذلك، (ف‍) لقد صحبته حتى والله عرفت من أحب ومن أبغض، ومن أقر ومن نفى ومن دعا له ومن دعا عليه (1). ولما بلغ معاوية موت الحسن خر ساجدا (2). فلا حول ولا قوة إلا بالله * (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) *. وأرسل معاوية إلى ابن عباس وكان بالشام فعزاه وهو مستبشر ثم قال: كم كان سنه ؟ قال (ابن عباس): سنه كان يسمع في قريش فالعجب أن يجهلها مثلك (3) قال: بلغني أنه ترك أطفالا صغارا. قال: كلنا كان صغيرا فكبر، وإن طفلنا لكهل وإن صغيرنا لكبير، ثم قال: مالي أراك يا معاوية مستبشرا بموت الحسن ؟ فو الله لا ينسئ في أجلك ولا يسد حفرتك وما أقل بقاؤك بعده. وقال الترمذي في جامعه (4): قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: يا مسود وجوه المؤمنين سودت وجوه المؤمنين. فقال. (له الحسن): لا تؤنبني رحمك الله


(1) هذا الكلام من أبي هريرة تعريض بمروان بأنه وأباه وأهله من مبغضي النبي صلى الله عليه وسلم وقد نفاهم النبي (ص) عن المدينة المنورة إلى الطائف، ودعا عليهم ولعنهم لتظاهر أبيه على بغض النبي وعداوته ! ! !. وشواهد ما أشرنا إليه كثيرة جدا، ويجد الباحث كثيرا منهما في ترجمة مروان ومعاوية وأبي هريرة والحكم من تاريخ دمشق والبداية والنهاية ودلائل النبوة - للبيهقي - ج 6 ص 509 وتفسير ابن كثير: ج 6 ص 243 ومجمع الزوائد وغيرها. ومن أحب أن يرى كل الصيد في جوف الفرى - وأن كون مروان من شجرة النفاق والخباثة من الواضحات الاولية بحسب أخبار المسلمين جميعا - فليراجع كتاب الغدير: ج 8 ص 248 - 274. (2) وانظر تفصيل القصة في ترجمة الامام الحسن من مروج الذهب ج 2 ص 339 وتحت الرقم: (155) من كتاب وفيات الاعيان: ج 2 ص 66، وعنوان: " خلافة الحسن بن علي من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد ج 3 ص 124، ط مصر، والغدير: ج 11، ص 13، وما حولها. (3) وقريب منه جاء في الحديث: (368) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 230 ط 1، بتحقيق المحمودي. (4) رواه الترمذي في تفسير سورة القدر من أبواب التفسير تحت الرقم: (3350) من سننه لشرح السيوطي: ج 12، ص 212. ورواه أيضا البيهقي في كتاب دلائل النبوة: ج 6 ص 509. وللحديث مصادر كثيرة يجدها الطالب في تعليق الحديث: (327) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 198 - 200. (*)

[ 201 ]

فإن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أري بني أمية على منبره (1) فساءه ذلك فنزلت (عليه) * (إنا أعطيناك الكوثر) * ونزلت * (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) * يملكها بعدك بنو أمية. قال (القاسم بن الفضل أحد رواة الحديث): فعدوا أيامهم فكانت ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص يوما. وصح حديث رسول الله (ص) (في شأنه): إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (2). وقوله عليه السلام: يكون الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا (3) وعن (محمد بن) الفضيل عن السري (بن إسماعيل) عن الشعبي عن سفيان بن الليل قال: أتيت الحسن رضي الله عنه بعد رجوعه من الكوفة إلى المدينة (4) (فقلت له: السلام عليك) يا مذل المؤمنين، فكان مما احتج به علي أن قال لي: قال لي أبي رضي الله عنه (5): سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: يقول: " لا تذهب الليالي والايام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع وهو معاوية " فعلمت أن أمر الله واقع وخفت / 119 / ب / أن يجري بيني وبينه الدماء ! ووالله ما يسرني بعد إذ سمعت هذا الحديث أن الدنيا وما طلعت عليه الشمس والقمر لي وأني لقيت الله بمحجمة دم مسلم ! ! ! نقلت هذا الحديث من كتاب الفتن لابي عبد الله نعيم بن حماد المروزي رحمه الله (6)


(1) وانظر شواهد ما هنا في الغدير: ج 8 ص 254 ط 1. (2) وللحديث في مصادر حفاظ آل أمية أسانيد كثيرة. (3) ولهذا الحديث أيضا مصادر وأسانيد. (4) ما بين المعقوفات مأخوذ من روايات نعيم بن حماد المتوفى عام (230) وأبي الفرج الاصبهاني المتوفى (356) ومن الحاكم النيسابوري المتوفى سنة (405) وغيرهم. وقد علقنا ما رووه على الحديث: (328) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 200 - 202 ط 1. (5) ما بين المعقوفين مأخوذ من حديث نعيم بن حماد، وأبي الفرج وغيرهم. وفي أصلي: " فقال له بعد رجوعه إلى الكوفة إلى المدينة ؟... فكان مما اجتمع به علي أن قال لي رضي الله عنه: سمعت رسول الله... (6) رواه ابن حماد في الحديث الرابع من الجزء الثاني والحديث: " 412 " في أواخر الجزء الثاني من كتاب الفتن الورق 26 / أ / و 40 / ب /. (*)

[ 202 ]

ولما توفي عليه السلام أدخله القبر الحسين - وهو أخوه - ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم. ثم وقف (على قبره) أخوه محمد بن الحنفية وقد اغرورقت عيناه بالدموع فقال: رحمك الله أبا محمد والله لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك (1) ولنعم الروح (روح) تضمنها بدنك، ولنعم الجسد جسد تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمنه لحدك، وكيف لا يكون ذلك وأنت سليل الهدى وخامس أصحاب الكساء وحليف أصحاب التقى وجدك النبي المصطفى وأبوك علي المرتضى وأمك فاطمة الزهراء وعمك جعفر الطيار في جنة المأوى غذيت بيد الحق (2) وربيت في حجر الاسلام ورضعت (من) ثدي الايمان فطبت حيا و (طبت) ميتا، ولئن كانت النفوس غير طيبة بفراقك (ف‍) إنها لغير شاكة أنه قد خير لك، وأنك وأخاك سيدا شباب أهل الجنة، فعليك أبا محمد (منا) السلام أبدا. وقام رجل من ولد أبي سفيان بن الحارث على قبره فقال: إن أقدامكم قد نقلت وإن أعناقكم قد حملت إلى هذا القبر وليا من أولياء الله بشر بلقاء الله (3) وتفتح أبواب


(1) كذا في أصلي، وفي الحديث: (370) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 234 ط 1: يرحمك الله أبا محمد، فإن عزت حياتك لقد هدت وفاتك... (2) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " تغذيت بيد الحق " وفي الحديث المتقدم الذكر من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق: غذتك أكف الحق، وربيت في حجور الاسلام..... ولكلام محمد بن الحنفية هذا مصادر، وقد رواه اليعقوبي المتوفى بعد سنة (292) في عنوان: " وفات الحسن بن علي عليه السلام من تاريخه: ج 2 ص 213: ورواه أيضا ابن عبد ربه المتوفى عام (328) في عنوان: " من وقف على القبور " من كتاب الزمردة من العقد الفريد: ج 2 ص 157، وفي ط: ج 3 ص 196. ورواه بوجهين المسعودي المتوفى (346) في سيرة الامام الحسن عليه السلام من مروج الذهب ج 2 ص 428 ط دار صادر بيروت. ورواه أيضا ابن عساكر المتوفى عام (571) في الحديث (370) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 234 ط 1. (3) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " يبشر بلقاء نبي الله.... ". (*)

[ 203 ]

السماء لروحه الشريفة وتبتهج الحور بلقائه ويؤنس به سادة أهل الجنة ويستوحش الارض لفقده (1) فرحمة الله عليه ولا زالت سحب الرضوان وافية إليه (2) وعند الله نحتسب المصيبة فيه. وكتب بعضهم (إلى الناس): قد نعي سليل من سلالة النبوة وفرع من شجرة الرسالة وعضو من أعضاء الرسول وجزء من أجزاء الوصي والبتول فكتبت وليتني لا كتبت ما كتبت، وأنا ناعي الفضل من أوطاره وداعي المجد إلى معتنقه ومداره (3) ومخبر أن شمس الشرف قد وجبت (4) وآثاره قد محيت والماثر بعده دموعه ؟ وآمال الامامة منقطعة وبقايا آثار النبوة مرتفعة والدين منخرم وواجم ودمعه عليه ساجم وكتبت كتابي هذا وقد شلت يمين المجد / 120 / أ / وفقئت عين الحمد وقصر باع الفضل وكسفت شمس المعالي وأصبحت الايام بفقده كالليالي وخسف قمر الساعي وتجدد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب وأعاد النوائب فيا لها من مصيبة عمت وساءت كل دين (بالا) سلام ويقين من الصالحين والمتقين (5).


(1) تبتهج: تفرح وتسر. (2) السحب - على زنة عنق -: جمع السحاب: الغيم. (3) الظاهر ان هذا هو الصواب، وفي أصلي: منسق توبه ومداره ؟ (4) وجبت - على زنة وعدت وبابه -: سقطت غابت. غارت. غربت. (5) الدين بالاسلام - على زنة السيد - المعتنق بالاسلام المتدين به. (*)

[ 205 ]

الباب التاسع والستون في تاريخ مولده (عليه السلام)، ووفاته، وشبهه بجده عليه السلام مولده عليه السلام (كان) في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة الشريفة، و (لما ولد) حنكه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه وسماه حسنا. وله (عليه السلام) صحبة ورواية (1) وهو سبط رسول الله (ص) وريحانته وهو أشبه الخلق به وأحبهم إليه. مر (عليه) أبو بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (ص) وهو يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: " بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي " وعلي يتبسم (2). وقال ابن الزبير - (لما اختلف أبناء الصحابة في أشبه الناس بالنبي (ص)) -: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه. قالوا: من (هو ؟) قال: الحسن والله لقد رأيته يجئ وهو ساجد فيركب رقبته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الاخر.


(1) وقد أورد الحافظ الطبراني قبسات من روايات الامام الحسن عن جد " صلوات الله عليهما " في عنوان: " ما أسند الحسن... " تحت الرقم: (2700) وما بعده من ترجمة الامام الحسن عليه السلام: ج 3 ص 72 - 97 ط 2. وأيضا روى الحافظ ابن عساكر شذرة من الاحاديث التي رواها الامام الحسن عن جده صلوات الله عليهما في الحديث الاول وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 6 وما بعدها. (2) وانظر سند الحديث وبعض مصادره تحت الرقم (1) من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف: ج 3 ص 5 ط 1. وليراجع أيضا ما رواه ابن عساكر في الحديث: (33) وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 20 ط 1. (*)

[ 206 ]

وقال فيه: إنه ريحانتي في الدنيا اللهم إني أحبه فأحبه (1). (و) عن جابر بن عبد الله قال: دخلت على رسول الله (ص) والحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع ويقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما (2). وقال ابن الزبير: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن. وكان الحسين (عليه السلام) يعظمه ويمتثل أمره ويرد الناس (عنه) إذا اجتمعوا وازدحموا عليه. وكان عليه السلام عالما عابدا ناسكا صديقا فاضلا مهابا جوادا وقورا حليما حكيما فصيحا ورعا رحيما صدوقا وليا تقيا نقيا، (وكان) شديد الخوف كثير الخشوع جامعا لجميع الاوصاف الحميدة. حج (عليه السلام) خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه. ولقد قاسم الله ماله ثلاث مرات حتى إنه كان يعطي الخف والنعل. وكان عليه السلام مع ذلك مطلاقا، وقيل: إنه تزوج بسبعين إمرأة وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه (3).


(1) وللحديث وما قبله شواهد ومصادر يجدها الطالب في الحديث (22) وما حوله من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف ج 3 ص 19، وما حولها. وأيضا يجد الباحث لما هنا شواهد في الحديث: (58) وما بعده من ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 39 - 40 ط 1. (2) وللحديث أسانيد ومصادر كثيرة يجد الباحث أكثرها تحت الرقم: (157) وما بعده وتعليقاتها من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 92 - 95. وكذا يجد الطالب للحديث شواهد في الحديث (148) من ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 110، وفي الحديث (40) من ترجمته عليه السلام من بغية الطلب: ج 6 ص 2574. وأيضا للمطلب شواهد في الحديث (44) وما بعده من ترجمته عليه السلام من كتاب بغية الطلب: ج 6 ص 2567. ورواه أيضا الطبراني في أواسط ترجمة الامام الحسين عليه السلام تحت الرقم: (2661) من المعجم الكبير: ج 3 ص 46 ط القاهرة، ولاحظ ما علق عليه الناصبي العفلقي. (3) أما أصل أزدواج الامام الحسن بكثيرة من النساء، فمما لا شك فيه، لان المسلمين كانوا يتسابقون إلى تزويج بناتهم بالامام الحسن عليه السلام تقربا إلى الله، وذريعة إلى وصل نسبهم وأسرتهم بنسب (*)

[ 207 ]

وكان يكره القتال ويشير على أبيه بتركه (1) / 120 / ب أ / وتورع بعد أبيه من الخلافة (2) وكان معه تسعون ألفا، وكانوا قد أطاعوه وأحبوه أشد من محبتهم لابيه (3) فبقي (على الخلافة) نحو ستة أشهر ثم خلع نفسه - كما ذكرناه - وسلم الامر لمعاوية بن أبي سفيان لدماء هذه الامة، وكان هذا الصلح (هو) الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومات رضي الله عنه مسموما ولم يقنعهم ترك الخلافة لهم (ورأوا حياته ثقيلا عليهم فسموه ! ! !)


رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسرته الكريمة. وأما النساء التي تزوج بهن الامام الحسن فغير معلومة الكمية، فربما يعجز القائلون بأنه عليه السلام تزوج بتسعين أو بسبعين أمرأة من إثبات سبعة أو تسعة منهن وتسميتهن فكيف بإثبات سبعين وما فوقه ؟ والظاهر أن طواغيت بني العباس هم الذين أشاعوا هذا المعنى لتقريع العلويين وتشويه سمعة أحفاد الامام الحسن بداعي تنفير قلوب الناس عنهم. (1) جميع ما يشعر هذا المعنى مما اختلقه مخالفوا أهل البيت من الامويين والعباسيين، وقلما يروى ذلك من طريق معتبر عندهم. (2) لم يكن الامام الحسن عليه السلام متورعا عن الخلافة الحقة والقيام بمنصب الامامة، وإنما كان متورعا عن الخلافة الغاشمة المدعمة بالاستعانة بالماكرين والخائنين، واستمالة قلوب المنافقين ببذل أموال بيت المال لهم وإغراء أمنياتهم بوعدة توليتهم على البلاد والعباد، وجعلهم عباد الله خولا لهم كما كانت إمارة بني أمية وبني العباس مدعمة بتلك الامور، كما هو واضح حلي لمن يكون له أدنى خبرة بتاريخ بني أمية وبني العباس. (3) نعم كثير ممن بايعه على الخلافة كان يتظاهر بذلك في بداية الامر، ولكن عندما دس معاوية جواسيسه في العراق - بصكوكه ومواعيده والتقوا بأهل الاهواء والشهوات من أهل العراق - انقلبوا على أعقابهم القهقري فأصبحوا بين ثائر للانتقام من الامام الحسن والصالحين من شيعته ومشاغب ومثاور للتقرب بمعاوية كي يشتركوا معه في التوغل في الشهوات وأكل أموال اليتامى والايامى والمساكين، كما يدل عليه وتشير إليه خطبة الامام الحسن عليه السلام في أهل الكوفة: إنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ! ! ! وليلاحظ تمام الخطبة في الحديث: (303) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 179. وبهذا يتضح أن قولهم " كان معه تسعون ألفا " غير مفيد لهم لما ادعوا فإن تسعين ألف وزيادة من هؤلاء كانت أبدانهم معه ولكن قلوبهم كان مع بني أمية، وهم الذين اشتكى منهم أمير المؤمنين مرارا (*)

[ 208 ]

قال (بعض) أهل التاريخ: والصحيح أن الذي سمته (هي) زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندية أمرها بذلك يزيد بن معاوية عليه من الله ما يستحقه (1).


ووبخهم كرارا بقوله " عجبا لاجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم... " ومائة ألف من هؤلاء هم الذين ألحوا على الامام الحسين بالقدوم وأرسلوا إليه رسلهم تترى وكتبوا إليه مائة ألف رسالة بأن له عندهم مائة ألف جنود مجندة، وبايع ثلاثون ألف أو ثمانية عشر ألف منهم مع سفيره مسلم بن عقيل فلم يستقيموا له يوما كاملا ! ! ولما نزل الامام الحسين بمرحلتين من بلدهم ملبيا لدعوتهم خرج كثير من هؤلاء مع أعدائه فقاتلوه وقتلوه ! ! ! أفبهؤلاء كان الامام الحسن يتمكن من حرب عدو غدار غير مقيد بأي أصل من الاصول الانسانية والدينية ؟ ! وبما نبهنا عليه تجلى سخافة ما نسبوه إلى الحسن البصري من أنه قال استقبل الامام الحسن معاوية بكتائب أمثال الجبال... نعم كان من نخبة هؤلاء الذين كانوا مع الامام الحسن عبيد الله بن العباس المادي الذي ولاه الامام الحسن على مقدمة جيشه فأرسله إلى مواجهة معاوية فباع دينه بالدنيا، وترك جيشه والتحق بمعاوية ! ! ومن هؤلاء التسعين ألف الاشعث بن قيس وبنيه جذور الفساد، وكان ينقاد للاشعث ويتبعه ثلاثون ألفا من أسرته من الكنديين. ومن هؤلاء التسعين ألفا هم الذين كانوا معه عندما خرج لقتال معاوية فبمجرد ما سمعوا هتاف دعاة معاوية الذين كانوا معهم: " إن قيس بن سعد بن عبادة قائد مقدمة الجيش قد قتل " ثاروا وهجموا على خيمة الامام الحسن فنهبوا جميع ما فيها ! ! !. (1) هذا تجاهل عن الواقع وما حدث في عالم الخارج، فإن يزيد في عهد ابيه كان دائم السكر شغوفا باللعب مع المغنين والمغنيات والمسابقة بالقرود، ولم يك يفيق عن السكر واللعب حتى يفكر في السياسة ودعائم الرئاسة والقيادة وتنمية مؤيدي سيادته وإماتة معارضيها. والذي يلوح جليا من قرائن أحوال معاوية وأخبار أوليائه انه هو الذي دس السم إلى بنت الاشعث زوجة الامام الحسن كي تتزوج بيزيد بن معاوية كما يذكره المصنف في الحديث التالي عن ابن الجوزي. وكما ذكره أيضا البلاذري في الحديث: (57 و 67 و 69) من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف: ج 3 ص 47 و 55 و 59 ط 9. ورواه أيضا أبو الحسن المدائني كما في شرح المختار " 33 " من الباب الثاني من نهج البلاغة من ابن أبي الحديد: ج 16، ص 11. ورواه أيضا أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 50 و 73. ورواه أيضا ابن سعد، وابن عساكر في الحديث: (325) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ (*)

[ 209 ]

وعن عمير بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن نعوده فقال: قد ألقيت قطعة من كبدي وأني سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة. (قال عمير: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني. قال (الرجل): ما أسألك حتى يعافيك الله. قال: فخرجنا من عنده) (1) ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين رضي الله عنه عند رأسه وهو يقول: يا أخي من تتهم ؟ قال: ولم ؟ تريد قتله ؟ لا والله إن كان الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكن (هو) فما أحب أن تقتل (بي) بريئا. ثم قضى نحبه رضوان الله عليه وسلامه ورحمته. قال الامام ابن الجوزي في تاريخه: المنتظم (2) والصحيح أن (الذي سمه هي) جعدة بنت الاشعث بن قيس وكانت تحت الحسن فدس إليها معاوية أن سمي الحسن وأزوجك يزيد.


دمشق ص 59 ط 1. (1) وانظر الحديث: (334) وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 207 ط 1. وليلاحظ أيضا ما رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة المنورة: ج 1 ص 110. وليراجع أيضا ما نقله محمد بن حبيب في كتاب المغتالين ص 164. وكذا ما أورده السمهودي في الذكر (14) من القسم الثاني من كتاب جواهر العقدين 238 نسخة باريس. (2) كلام ابن الجوزي هذا ما وجدته فيما أورده ابن الجوزي حول شهادة الامام الحسن عليه السلام في حوادث العام: (49) من النسخة المطبوعة سنة (1412) من تاريخ المنتظم: ج 5 ص 225 ط المكتبة العلمية ببيروت. والظاهر أن أنصار الشجرة الملعونة أسقطوه منه سترا على مخازي المنافقين، وينبغي لانصار الحق والحقيقة مراجعة المخطوطات من تاريخ المنتظم أينما وجدوها. ويحتمل بعيدا أن ابن الجوزي ذكره في غير حوادث سنة (49) مخافة وثبة النواصب عليه، وآندياس خصيتيه كما داسوا خصيتي الحافظ النسائي عند ما أخبرهم عن حرمان معاوية عن دعاء الخير ! !. وإليك ما ذكره ابن الجوزي حول شهادة الامام الحسن في العام (49) على ما في المطبوع من تاريخ المنتظم ج 5 ص 225 قال: أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سلمان، قال: أخبرنا أبو نعيم الاصبهاني قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو عروبة الحراني قال: حدثنا سليمان بن محمد بن خالد، قال: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن عمير بن اسحاق، قال: (*)

[ 210 ]

وكان معاوية قد جعل ولاية العهد بعده للحسن فسمه ليكون الامر بعده لابنه يزيد. فلما فعلت ذلك أرسلت إليه تطالبه بما عاهدها عليه وتذكره بالعهد والوفاء ! ! ! فأجابها معاوية: لا نفعل (ذلك) وقد فعلت بالحسن ما فعلت فكيف آمنك على يزيد ! ! ! وعند الله تجتمع الخصوم والحرب ما زالوا حربا لله ورسوله وذرية نبيه والله يحكم بينهم بعدله. وكان الحسن يوضع تحت طست ويرفع آخر مدة أربعين يوما. وقال الطبيب (الذي كان يتولى معالجته: هذا مريض) قد قطع السم أمعاءه ! ! ! ولما مات (الحسن عليه السلام) ارتجت المدينة صياحا وبكاءا ونوحا وأقام عليه نساء بني هاشم المأتم شهرا وحددن عليه سنة (1). وعلى مثله يناح ويبكى جمع الله بينه وبين جده بالرفيق الاعلى ورواه من كوثره


دخلت أنا ورجل على الحسن (بن علي عليهما السلام) نعوده فقال: قد ألقيت طائفة من كبدي و إني قد سقيت السم مرارا فلم اسق مثل هذه المرة. (قال): ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عند رأسه فقال (له): يا أخي من تتهم (انه سقاك السم ؟) قال: لم ؟ لتقتله ؟ قال: نعم. قال: إن يكن الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكن (هو) فلا أحب أن يقتل بي برئ، ثم قضى رضي الله عنه. (و) أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثني أبو عبد الله اليماني قال: حدثنا محمد بن سلام الجمحي عن ابن جعدة قال: كانت جعدة بنت الاشعث بن قيس تحت الحسن بن علي فدس إليها زيد أن سمي حسنا حتى أتزوجك. ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها. فقال (لها يزيد): إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لانفسنا ؟. وللحديثين شواهد كثيرة وأسانيد ومصادر، يجد الطالب كثيرا منها في الحديث: (334) وما بعده من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 207 ط 1. (1) وللفاجعة شواهد يجدها الطالب في الغدير: ج 11، ص 8 - 14 وفي الحديث: (337) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تأريخ دمشق ص 209 ط 1. وبها وبأمثالها يلقم النواصب حجر إسكات خوارهم حول النياحة والبكاء على أهل البيت عليهم السلام. (*)

[ 211 ]

الاحلى. قال أبو نعيم: لما اشتد بالحسن عليه السلام / 120 / أ / الوجع جزع (1) فدخل عليه رجل فقال: يا أبا محمد ما هذا الجزع ؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على جدك محمد (ص) وعلى علي وفاطمة وخديجة وعلى أعمامك حمزة وجعفر وعلى أخوالك القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب (2) فأنت بالسرور أولى من الجزع. فسرى عنه (عليه السلام). وقال سفيان بن عيينة (عن رقبة بن مصقلة): لما حضرت الحسن بن علي الوفاة قال: أخرجوني إلى الصحن أنظر في ملكوت السماوات والارض فأخرجوه فرفع رأسه ونظر ثم قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الانفس علي (3). ومات (عليه السلام) بالمدينة في شهر ربيع الاول سنة تسع وأربعين وقد تقدم ذكر ذلك وأن معاوية سجد عند ما بلغه وفاته (4) والله الفعال لما يريد.


(1) إن صح النقل ولم يعارضه ما هو أقوى منه، فيحمل على أن الجزع والاضطراب إنما كان من أجل تقطع أمعائه وانفصال بعضها عن بعض، وهذا أمر طبيعي لكل ذي روح عند إزهاق روحه من جهة الاختلال في نظم الجسد والاعضاء. وليلاحظ ما علقناه على الحديث: (345) من ترجمة الامام الحسن ص 214 ط 1. (2) كذا في رواية أبي نعيم هذه، ورواها عنه وعن غيره بطرق الحافظ ابن عساكر، ولكن ذكر " رقية وأم كلثوم وزينب " سلام الله عليهن لم يأت في غير حديث أبي نعيم كما في الحديث (345) وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 214 - 215 ط 1. (3) وللحديث شواهد يجدها الطالب تحت الرقم: (342) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 213 ط 1. (4) ولهذه القصة شواهد، منها ما رواه الطبري عن محمد بن حميد الرازي عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عباس بن ربيعة قال: وفد عبد الله بن العباس على معاوية، قال: فو الله إني لفي المسجد إذ كبر معاوية في الخضراء، فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء فخرجت (زوج معاوية) فاختة بنت قرضة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخة لها، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين ما هذا الذي بلغك فسررت به ؟ قال (معاوية بلغني) موت الحسن بن علي. فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بكت و قالت: مات سيد المسلمين وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال معاوية: نعما والله ما فعلت ! (*)

[ 212 ]

وقال الواقدي: وكان الحسن رضي الله عنه قد استأذن عائشة في أن يدفن عند جده فأذنت له في ذلك. وقد تقدم قصته مع مروان ومنعه لهم من ذلك مع أنه كان معزولا وإنما قصد (مروان) بذلك رضا معاوية، وما زال (كان) مروان عدوا لهذا البيت لحيهم وميتهم عامله الله بما يستحقه. وقال مساور مولى يعد بن أبي وقاص (1): رأيت أبا هريرة واقفا على (باب) المسجد يوم مات الحسن عليه السلام: وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس اليوم مات حب (2) رسول الله (ص) وريحانته فابكوا (عليه) (3).


إنه كان كذلك أهلا أن تبكى عليه ! !. ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي الله عنهما، فراح فدخل على معاوية (ف‍) قال (له معاوية: أ) علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي ؟ قال (ابن عباس) ألذلك كبرت ؟ قال: نعم. قال (ابن عباس): أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به فقد أصبنا قلبه بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الاوصياء فجبر الله تلك المصيبة، ورفع تلك العثرة. فقال (معاوية): ويحك يا ابن عباس ما كلمتك إلا وجدتك معدا. هكذا رواه المسعودي عن الطبري كما في سيرة الامام الحسن عليه السلام من كتاب مروج الذهب ج 2 ص 429 وهذا الحديث - وقضايا أخر حول شهادة الامام الحسن عليه السلام ودفنه - قد أسقطه مسبلو الستار على فجائع المنافقين من تاريخ الطبري ! ! ولما رويناه هنا عن المسعودي عن الطبري شواهد آخر يجدها الطالب في تعليق الحديث (368) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 320 ط 1. (1) كذا في أصلي، وفي الحديث: (367) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 229 ط 1: " مساور مولى بني سعد ابن بكر... " ؟. (2) الحب - بضم الحاء وكسرها -: المحب. المحبوب والحديث رواه ابن عساكر تحت الرقم: (367) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 229 ط 1. (3) ما وضع بن المعقوفين زيادة يقتضيها السياق والحديث حجة على الحريزيين القائلين بعدالة كل صحابي ومنهم أبو هريرة، ومع ذلك يستنكرون البكاء على المظلومين من آل محمد صلى الله عليهم أجمعين. (*)

[ 213 ]

واجتمع الناس بجنازته حتى كان البقيع لا يسع أحدا من الزحام. وكان الحسين (عليه السلام) قد لبس السلاح هو وبنو هاشم لما جاء مروان (في ألفي رجل) في السلاح (هو) ومن معه من بني أمية (وأتباعهم) وقال الحسين: لا أدفنه إلا عند جده. فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار شعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وجابر بن عبد الله على الحسين أن لا يقاتل وأن يدفن أخاهه قريبا من أمه فاطمة رضوان الله عليهم أجمعين (1).


(1) وليلاحظ شواهد قوله: " جاء مروان في السلاح " في تعليق الحديث: (356) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 222 - 225. (*)

[ 215 ]

الباب السبعون فيما وقع بين الحسن رضي الله عنه وبين معاوية حين نال من علي عليه السلام بحضوره وما أسمعه الحسن (عليه السلام) لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من علي رضي الله عنه، فقام الحسن / 121 / ب / فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا وجعل له عدوا من المجرمين (1) فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأنا ابن فاطمه الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنت ابن هند آكلة الاكباد، وجدتك نثيلة وجدتي خديجة فلعن الله ألا منا حسبا وأخملنا ذكرا وأعظمنا كفرا وأشدنا نفاقا. فصاح أهل المسجد: آمين آمين آمين. فقطع معاوية الخطبة ونزل (عن المنبر) ودخل منزله (2).


(1) اقتباس من الاية: (31) من سورة الفرقان: 25 * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا المجرمين) *. (2) ورواه العلامة الاميني رحمه الله عن كتاب المستطرف: ج 1 ص 157، والاتحاف ص 10، كما في كتاب الغدير: ج ص 160. وقريبا منها رواه أبو الفرج مسندة في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من مقاتل الطالبيين ص 70، وعنه العلامة الاميني في الغدير: ج 11 ص 7. وللامام الحسن عليه السلام حوار كثير مع ألد خصمائه يجد الطالب قبسات منها في عنوان: " محاسن كلام الحسن بن علي عليه السلام " من كتاب المحاسن والمساوئ - للبيهقي - ص 102. وليلاحظ ما أورده العلامة الاميني في الغدير: ج 2 ص 134، وج 10، ص 168. وليراجع أيضا ما سجله العلامة الاميني في الغدير: ج 3 ص 121 - 124. وكان ينبغي للمصنف أن يقدم هذا الباب وتاليه على الباب المتقدم (69). (*)

[ 216 ]

ودخل الحسن (عليه السلام يوما) على معاوية وهو مضطجع عند رجليه فقال معاوية (للحسن): ألا أطرفك ؟ بلغني أن عائشة تقول: " معاوية لا يصلح للخلافة " فقال الحسن (عليه السلام): وأعجب من ذلك قعودي عند رجليك ! ! فقام (معاوية) واعتذر إليه. وقال الحسن (عليه السلام): أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعفى الناس من عفا عند القدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه

[ 217 ]

الباب الحادي والسبعون فيما وقع بين الحسن (عليه السلام) وبين معاوية وأصحابه، وما أفحمهم من الجواب اجتمع عند معاوية عمرو بن العاصي والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا: يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن بن علي. فقال (معاوية): فيم ولم ؟ قالوا: كي نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان ! ! ! فقال لهم معاوية: إنكم لا تتصفون منه إنه لا يقول إلا صدقه الناس، ولا تقولون له شيئا إلا وكذبكم الناس. قالوا: فأرسل إليه فإنه يكفيك هو ؟ فأرسل معاوية (إلى الحسن عليه السلام) فلما دخل حمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال: يا حسن إني لم أرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجبهم ولا يمنعك من الجواب هيبتي. (ف‍) قال الحسن (عليه السلام): أفلا آذنتموني حتى آتي بأعدادهم من بني هاشم و (إني) ما استوحش منهم إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فليتكلموا ونسمع. فقام عمرو بن العاصي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع الله بك ؟ أما رأيت كيف سلبه وسلبك ملكك وتركك أحمق ؟ ! ! ! فاعلم أنك وأباك من شر البرية ! ! ! ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان فنعم الصهر كان لكم يعونكم ويفضلكم ثم نقمتم عليه / 121 / أ / فقتلتموه ولقد أردنا يا حسن قتلك وقتل أبيك من قبلك فأعاذنا الله منك، ولو قتلناك لما كان علينا من ذنب ولا إثم ! ! ! ثم قم عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن هل تعلم أن أباك بغى على عثمان فقتله حسدا وبغيا وطلب الامارة لنفسه فسلبه الله إياها ولقد أردنا قتله فقتله الله.

[ 218 ]

ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه شتما لعلي وتعظيما لعثمان. ثم قام الحسن عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى عليه النبي (ص) ثم قال: بك أبدء يا معاوية فلم يشتمني هؤلاء بل أنت شتمتني بغضا وعداوة لمحمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ! ! ! ثم التفت (عليه السلام) إلى الناس فقال: أنشدكم الله هل تعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله وصلى (إلى) القبلتين وأنت يومئذ يا معاوية كافر مشرك ؟ ! ! وكان معه لواء محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم يوم بدر، ومع معاوية وأبيه لواء المشركين ؟ قالوا: اللهم نعم (1). قال: وأذكركم بالله والاسلام هل تعلمون أن معاوية كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الرسائل فأرسل إليه يوما فقالوا: هو يأكل. فرد الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك يقول (الرسول): هو يأكل. فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا أشبع الله بطنه. أتعرف ذلك (يا معاوية) في بطنك إلى اليوم ؟ فقالوا ؟: اللهم نعم (2). قال وأذكركم الله والاسلام أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوق به فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لعن الله الجمل وراكبه وقائده (وسائقه. قالوا: اللهم نعم. فقال عليه السلام لمعاوية:) هذا لك (3).


(1) وأخبار القوم متواترة على أن عليا أول من آمن بوحدانية الله ورسول الله في جميع ما جاء به من عند الله تبارلله وتعالى. ومن أراد أن يلمس تواتر أخبار القوم على سبق إسلام علي على إسلام جميع المسلمين فليراجع ما رواه ابن عساكر في الحديث: (59 - 140) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1 ص 41 - 117، ط 2. (2) رواه مسلم بن الحجاج بسندين برقم: (2604) في آخر الباب: (25) - وهو باب من لعنه أو سبه أو دعا عليه - من كتاب البر والصلة من صحيحه: ج 4 ص 2010. وأورده أيضا المعتضد العباسي في رسالته التي كتبها حول لعن بني أمية كما في حوادث سنة (283) من تاريخ الطبري: ج 10، ص 58. (3) ما بين المعقوفين مما يستدعيه سياق الكلام، ويدل عليه ما ذكره المعتضد العباسي في رسالته التي تقدم ذكرها آنفا، وما نذكره بعد ختام المتن في تعليقه عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات، وذكره أيضا نصر بن مزاحم في أول الجزء الرابع من كتاب صفين ص 247. ولاجل إيفاء الفائدة نذكر بعض القدماء من الحفاظ، منهم ابن أبي عاصم فإنه روى في عنوان: " ذكر عاصم الليثي أبي نصر بن عاصم " من كتاب الاحاد والمثاني ص 192 ما لفظه: (*)

[ 219 ]

وأما أنت يا عمرو فإنه تنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه الامهم حسبا وشرهم منصبا ؟ وأعظمهم لعنة ؟ وسئلت أمك عنك فقالت: كلهم (كان) يأتيني فلا أعلم (هو لايهم) ! ! ! ثم (أنت) قمت في وسط قريش فقلت: إني شانئ محمدا. فأنزل الله (فيك) * (إن شانئك هو الابتر) *. ثم هجوت محمدا صلى الله عليه (وآله) وسلم بسبعين بيتا من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: (اللهم) إني لا أحسن الشعر ولكن العدو عمرو بن العاصي بكل بيت لعنة.


قال قيس بن حفص: أنبأنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد، عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقولون: نعوذ بالله عن عز وجل من غضب الله ورسوله. قلت: ما شأنكم ؟ قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله القائد والمقود به ؟ ورواه أيضا ابن سعد - المتوفى عام: (230) - في العنوان الذي مر عن ابن أبي عاصم في طبقات البصريين من الطبقات الكبرى: ج 7 ص 78 ط دار صادر، بيروت، قال: أخبرت عن أبي مالك كثير بن يحيى البصري قال: حدثنا غسان بن مضر، قال: حدثنا سعيد بن يزيد، عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. قلت: ما هذا ؟ قالوا: معاوية مر قبيل (هذا الان و) أخذ بيد أبيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخرجان من المسجد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما قولا ! ! ! ورواه أيضا الطبراني المتوفى عام: (360) في عنوان: " عاصم الليثي " من المعجم الكبير 17، ص 176، قال: حدثنا العباس بن الفضل الاسفاطي حدثنا موسى بن إسماعيل. حيلولة: وحدثنا عبد الرحمان بن الحسين العابوري التستري حدثنا عقبة بن سنان البارع، قالا: حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة، عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: دخلت مسجد المدينة فإذا الناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. قال: قلت: ماذا ؟ قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على منبره فقام رجل فأخذ بيد أبيه (ظ) فأخرجه من المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله القائد والمقود، ويل لهذه الامة من فلان ذي الاستاه ! ! ! ورواه الهيثمي في أواخر " باب أئمة الظلم والجور والضلالة " من مجمع الزوائد: ج 5 ص 242 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. (*)

[ 220 ]

ثم انطلقت إلى النجاشي في جعفر وأصحابه بغيا عليهم وعداوة وظلما وبغضا فردك الله خائبا ولم يعاقبك فيه. وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف ألومك على شتمك عليا وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطا وقتل أباك بأمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم / 122 / ب / وقال لما قدمه للقتل: من للصبية ؟ فقال (رسول الله): النار. فلم يكن لكم عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا النار ولم يكن لكم عند علي إلا السوط والسيف ! ! ! وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان فكيف تعد أحدا بالقتل ؟ ألا قتلت الذي وجدته على فراشك مضاجعا لامرأتك ؟ ثم أمسكتها بعد إذ بغت عليك، فكيف تعد أحدا بالقتل بعد ذلك ؟ وأما أنت يا أعور ثقيف ففي (أي) ثلاث تسب عليا ؟ أفي بعده عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ أم في حكم جائر ؟ أم في رغبة في دنيا ؟ فإن قلت شيئا من ذلك كذبك الناس وكذبت ؟ وأما وعيدك إيانا فإن مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة ؟ فقالت لها: استمسكي فإني أريد أن أطير ! فقالت النخلة: والله ما علمت بقعودك فكيف يشق علي طيرانك ؟ وأنت فو الله (يا أعور) ما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك ؟ ثم نفض (عليه السلام) ثيابه وقام. فقال لهم معاوية خيبكم الله ألم أقل لكم: أنكم لا تنتصفون منه والله لقد اظلم علي البيت حتى قام، ولقد هممت به (ثم كظمت غيضي) قوموا فليس فيكم بعد اليوم من خير (1).


(1) وهذه المحاورة رويت بأطول مما ها هنا، ورأينا أن نذيلها بما رواه المصنف، فنقول: روى ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (83) من الباب الاول من نهج البلاغة: ج 2 ص 101، وفي طبع مصر تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم: ج 6 ص 285 قال: وروى الزبير بن بكار - في كتاب المفاخرات (من تأليفه) - قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا (لمعاوية): يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا. قال معاوية: فما تريدون ؟ قالوا: ابعث إليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعيره ونوبخه ونخبره أن (*)

[ 221 ]


أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا ! فو الله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي، قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لانصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربى قوله عليه قولنا ؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لامرنه أن يتكلم بلسانه كله، قالوا: مره بذلك. قال: أما إذ عصيتموني، وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله. فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله، فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده ؟ فسماهم له فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال: يا جارية، ابغيني ثيابي، اللهم إني اعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك من نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت، بحول منك وقوة، يا أرحم الراحمين. ثم قام، فلما دخل على معاوية، أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد القوم، وخطروا خطران الفحول، بغيا في أنفسهم وعلوا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني. فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله، الدار دارك، والاذن فيها إليك، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم، إني لاستحيي لك منن الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك، إني لاستحيي لك من الضعف، فأيتهما تقرر، وأيهما تنكر، أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، ومالي أن أكون مستوحشا منك ولا منهم، إن وليي الله، وهو يتولى الصالحين. فقال معاوية: يا هذا: إنى كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النصف ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما، وأن أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك. فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلى على رسوله، ثم ذكر عليا عليه السلام، فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته، وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له. ثم ذكر الفتنة يعيره بها، وأضاف إليه مساوئ، وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن، تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت (*)

[ 222 ]


فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان. ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقال: يا بني هاشم، إنكم كنتم أخوال عثمان، فنعم الولد كان لكم، فعرف حقكم، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلما، لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلتكم، والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، وإن معاوية خير لك من نفسك. ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فقال: يا حسن، كان أبوك شر قريش لقريش، أسفكها لدمائها، وأقطعها لارحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان، ونحن قاتلوك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا، ولا في ميراثها راجحا، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه، وأما أنت، فو الله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان. ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فشتم عليا، وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل، ولكنه قتل عثمان، ثم سكتوا. فتكلم الحسن بن علي عليه السلام: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله، ثم قال: أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني، فحشا ألفته وسوء رأي عرفت به، وخلقا سيئا ثبت عليه، وبغيا علينا، عداوة منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية، واسمعوا فلا قولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم. أنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم، صلى القبلتين كلتيهما وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية ! وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان، وأنت يا معاوية بإحدهما كافر، وبالاخرى ناكث ! وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تسرون الكفر، وتظهرون الاسلام، وتستمالون بالاموال ! وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد ويوم الاحزاب، ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواطن كلها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط ! وأنشدك الله يا معاوية، أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرأكم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: " اللهم العن الراكب والقائد والسائق ! ". (*)

[ 223 ]


أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبه إلى أبيك لما هم أن يسلم، تنهاه عن ذلك: يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا خالي وعمي وعم الام ثالثهم وحنظل الخير قد أهدى لنا الارقا لا تركنن إلى أمر تكللنا والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول العداة: لقد حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا والله لما اخفيت من أمرك أكبر مما أبديت. وأنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل فيه: * (يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) * وأن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية، فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها !. ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة، فبعث إليك (ابن عباس، فوجدك تأكل، ثم بعثه إليك مرة أخرى فوجدك تأكل، فدعا عليك الرسول بجوعك) ونهمك إلى أن تموت. (1) وأنتم أيها الرهط: نشدتكم الله، ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها: أولها: يوم لقى رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا من مكة إلى الطائف، يدعو ثقيفا إلى الدين، فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده، وهم أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله وصرف عنه. والثانية يوم العير، إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي جائية من الشام، فطردها أبو سفيان، وساحل بها، فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله صلى الله عليه وآله، ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لاجلها. والثالثة يوم أحد، حيث وقعت تحت الجبل، ورسول الله صلى الله عليه وآله في أعلاه، وهو ينادي: هبل ! مرارا، فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله عشر مرات، ولعنه المسلمون. (1) قال محمد أبو الفضل إبراهيم في تعليق الكلام: (ما بين المعقوفين) زيادة يقتضيها السياق، أخذت عن قصة نقلها (ابن الاثير، عن الباب: (25) من كتاب البر والصلة) من صحيح مسلم (ج 4 ص 2010 كما) في ترجمة معاوية من أسد الغابة: ج 4 ص 386 ط 1. (*)

[ 224 ]


والرابعة يوم جاء بالاحزاب وغطفان واليهود، فلعنه رسول الله وابتهل. والخامسة يوم جاء أبو سفيان فصدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله، ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان، ولعن القادة والاتباع، وقال: " ملعونون كلهم، وليس فيهم من يؤمن "، فقيل: يا رسول الله، أفما يرجى الاسلام لاحد منهم فكيف باللعنة ؟ فقال: " لا تصيب اللعنة أحدا من الاتباع، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد ". والسادسة يوم الجمل الاحمر. والسابعة يوم وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة ليستنفروا ناقته، وكانوا اثنى عشر رجلا، منهم أبو سفيان، فهذا لك يا معاوية (1). وأما أنت يابن العاص، فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا، من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزارها الامهم حسبا وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئ محمد الابتر فأنزل اللهه فيه ما أنزل. وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة. ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة، لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي، حسدا لما ارتكب مع حليلتك، ففضحك الله وفضح صاحبك. فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام، ثم إنك تعلم، وكل هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة "، فعليك إذا من الله ما لا يحصى من اللعن. وأما ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعرت عليه الدنيا نارا، ثم لحقت بفلسطين، فما أتاك قتله، قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له مقتولا، ويحك يا ابن العاص ! ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي: تقول ابنتي أين هذا الرحيل وما السير مني بمستنكر فقلت: ذريني فإني امرؤ أريد النجاشي في جعفر (1) هذا دليل على كذب ما اختلقه حفاظ بني أمية ظلما وعدوانا وقالوا: إن جميع من أرادوا في تبوك ذعر ناقة رسول الله كانوا من الانصار. (*)

[ 225 ]


لاكويه عنده كية أقيم بها نخوة الاصعر وشانئ أحمد من بينهم وأقولهم فيه بالمنكر وأجرى إلى عتبة جاهدا ولو كان كالذهب الاحمر ولا انثني عن بني هاشم وما اسطعت في الغيب والمحضر فإن قبل العتب مني له وإلا لويت له مشقري فهذا جوابك، هل سمعته ! وأما أنت يا وليد، فو الله ما ألومك على بغض علي، وقد جلدك ثمانين في الخمر، وقتل أباك بين يدي رسول الله صبرا، وأنت الذي سماه الله الفاسق، وسمى عليا المؤمن، حيث تفاخرتما فقلت له: اسكت يا علي فأنا أشجع منك جنانا، واطول منك لسانا، فقال لك علي: اسكت، يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق. فأنزل الله تعالى في موافقة قوله: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) *، ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) *. ويحك يا وليد ! مهما نسيت، فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه: أنزل الله والكتاب عزيز في علي وفي الوليد قرانا فتبوى الوليد إذ ذاك فسقا وعلي مبؤا إيمانا ليس من كان مؤمنا عمرك الله كمن كان فاسقا خوانا سوف يدعى الوليد بعد قليل وعلي إلى الحساب عيانا فعلي يجزى بذاك جنانا ووليد يجزى بذاك هوانا رب جد لعقبة بن أبان لابس في بلادنا تبانا وما أنت وقريش ؟ إنما أنت علج من أهل صفورية، وأقسم بالله لانت أكبر في الميلاد، وأسن ممن تدعى إليه. وأما أنت يا عتبة، فو الله ما أنت بحصيف فأجيبك، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء، وما يضر عليا لو سببته على رؤس الاشهاد ! (*)

[ 226 ]


وأما وعيدك إياي بالقتل، فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك ! أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك: يا للرجال وحادث الازمان ولسبة تخزى أبا سفيان نبئت عتبة خانه في عرسه جبس لئيم الاصل من لحيان وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك، ولم يقتل فاضحك ؟ وكيف ألومك على بغض علي، وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد ! وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي، فإني طائرة عنك، فقالت النخلة: وهل علمت بك واقعة علي فأعلم بك طائرة عني ! والله ما نشعر بعداوتك إيانا ولا اغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشق علينا كلامنا وإن حد الله في الزنا لثابت عليك، ولقد درأ عمر عنك حقا الله سائله عنه. ولقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم): هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها ؟ فقال: " لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا " لعلمه بأنك زان ! ! وأما فخركم علينا بالامارة فإن الله تعالى يقول: * (إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) * (16 / الاسراء). ثم قام الحسن فنفض ثوبه وانصرف، فتعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله في وقذفه أمي بالزنا، وأنا مطالب له بحد القذف. فقال معاوية: خل عنه لا جزاك الله خيرا. فتركه (عمرو). فقال معاوية: قد أنبأتكم ممن لا تطاق عارضته ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني والله ما قام حتى أظلم علي البيت قوموا عني فقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق. (1) ولهذا المعنى شواهد كثيرة يجدها الطالب في الغدير: ج 6 ص 126 - 132، ط 1. (*)

[ 227 ]

الباب الثاني والسبعون فيما اعتمده معاوية وسنه من لعن علي عليه السلام على المنابر، وكتابته بذلك إلى الافاق، وما قال (في ذلك) وقيل له (1) لما مات الحسن رضي الله عنه حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن علي بن أبي طالب


(1) وليلاحظ ما أورده العلامة الاميني قدس الله نفسه في الغدير: ج 2 ص 102، وما بعدها وليراجع أيضا ما ذكره في الغدير: ج 10، ص 260 - 271. وليطالع ما رواه مسلم في الحديث: (32) من باب مناقب علي عليه السلام من صحيحه: ج 7 ص 119، وفي ط: ج 4 ص 1870. وليتأمل أيضا الحديث: (15) من باب مناقب علي عليه السلام من كتاب الفضائل من مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة: ج 12، ص 61، وفي ط 2 ج 7 ص 496 وفي النسخة المخطوطة: ج 6 / الورق 154 / أ /. وليتعمق أيضا في الحديث: (215) من فضائل علي عليه السلام وتعليقه من كتاب الفضائل تأليف أحمد بن حنبل ص 148 - 149، ط قم تحقيق العلامة الطبا طبائي. وليدقق الحديث: (1341) من كتاب السنة - تأليف ابي بكر ابن أبي عاصم - ص 587 - 596. وليحقق أيضا ما رواه ابن ماجة في أواخر فضائل علي عليه السلام في الحديث: (121) في مقدمة صحيحه ج 1 ص 30. وليمعن النظر أيضا في الحديث: (1004) في أواسط الجزء (7) من مناقب علي عليه السلام - تأليف محمد بن سليمان -: ج 2 ص 501 ط 1. وليترو في الحديث التاسع وما بعده من كتاب خصائص علي عليه السلام - تأليف الحافظ النسائي - ص 46 - 47. وليتثبت فيما رواه ابن كثير في تاريخ البداية والنهاية: ج 7 ص 340. وليتركض فيما رواه الحافظ ابن عساكر في الحديث: (276) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 232 - ط 2 - 239 ط 2. (*)

[ 228 ]

على منبر رسول الله (ص) فقيل له: إن ها هنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا الامر فابعث إليه وخذ رأيه. فأرسل إليه (معاوية) وذكر له ذلك فقال: والله لئن فعلت لاخرجن من هذا المسجد فلا أعود إليه. فأمسك (معاوية) عن ذلك حتى مات (سعد) (1) فلما مات سعد لعنه على المنبر وكتب إلى سائر عماله بذلك و (أمرهم) أن يلعنوه على منابرهم فأنكر ذلك أصحاب رسول الله (ص) وأعظموه وتكلموا (في ذلك) وبالغوا فلم يفد ذلك شيئا، وكتبت أم سلمة زوج النبي (ص) إلى معاوية: " إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم وذلك إنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن رسول الله (ص) أحبه والله أحبه " فلم يلتفت (معاوية) إلى كلامها (2). وقال (معاوية) يوما لعقيل بن أبي طالب / 123 / أ /: يا أبا يزيد إنك منا بالمكان الذي علمت وقد حللت المكان الذي لا يزاحم فيه ؟ وأحب أن تقوم فتلعن عليا. قال (عقيل): أفعل (فقام) وصعد المنبر فقال: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا فالعنوه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.


(1) ما بين المعقوفين منه مأخوذ مما ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " أخبار معاوية " في أواسط كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 127. وقوله: " فأنكر ذلك أصحاب رسول... فلم يفد ذلك شيئا " غير مذكور فيه. (2) وفي معنى رسالتها سلام الله عليها، جاء عنها وعن غيرها عدة أحاديث مسندة موثوقة في كثير من مصادر الحفاظ من قدماء القوم، ويجد الطالب قبسات منها في الحديث: (91 - 93) وتعليقاتها من كتاب خصائص أمير المؤمنين - تأليف الحافظ النسائي - ص 169 - 173، ط بيروت. ورواها أيضا الحافظ ابن عساكر في الحديث: (664) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ج 2 ص 171، ط 2. وليراجع البتة ما رواه محمد بن علي بن الحسين العلوي البغدادي في المجلس (14) من كتابه عيون الاخبار الورق 41 / ب /. وليراجع أيضا ما رواه ابن عساكر في ذكر شيخه....... من معجم شيوخه الورق 87 ؟. (*)

[ 229 ]

ثم نزل فقال له معاوية لم تبين (يا) أبا يزيد (على من اللعنة) ؟ قال: والله لا أزيد على هذا حرفا واحدا والنية للمتكلم. فسكت (معاوية). (1) وكان (عقيل) قد وجد على أخيه فآوى إلى معاوية فقال معاوية يوما: يا أهل الشام إن أبا يزيد رآني خيرا له من أخيه فآوى إلي. قال (عقيل): نعم أنت خير لي في دنياي وأخي خير لي في ديني (2). وقال له ليلة صفين: أنت الليلة معنا أبا يزيد. قال: نعم ويوم بدر كنت أيضا معكم ! ! ! (3) وما أحسن ما قال أبو فراس بن حمدان من جملة قصيدة طويلة: نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة أجاب إليها عالم وجهول وفارق عمرو بن الزبير شقيقه وخلا أمير المؤمنين عقيل وقال رجل من العلماء (4) لولده: يا بني إن الدنيا لم تبن شيئا إلا هدمه الدين وإن


(1) هذا موجز ما ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " معاوية وعقيل في أمر علي ". - في أواسط كتاب المجنبة في الاجوبة من العقد الفريد: ج 4 ص 114، ط المكتبة العلمية ببيروت. (2) الظاهر إن هذا موجز ما أورده ابن عبد ربه - في عنوان: " جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية وأصحابه " - في أواسط كتاب المجنبة من العقد الفريد: ج 4 ص 90 ط بيروت وهذا لفظه: لما قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية أكرمه وقربه وقضى حوائجه وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الايام: والله إن عليا غير حافظ لك (حق الاخوة) قطع قرابتك وما وصلك ولا اصطنعك. (ف‍) قال له عقيل: والله لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنه بالله إذ ساء به ظنك، وحفظ أمانته وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أبا لك، فإنه عما تقول بمعزل. وقال له معاوية يوما: (يا) أبا يزيد أنا لك خير من أخيك علي ! قال (عقيل): صدقت إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي وأخي خير لنفسه منك. وقال له (معاوية) ليلة الهرير: أبا يزيد أنت الليلة معنا. قال (عقيل): نعم ويوم بدر كنت معكم ! !. (3) لم يثبت لحوق عقيل بمعاوية أيام حرب صفين إن صح أصل لحوقه به، وما ذكره ابن عبد ربه غير واجد لشرائط الحجية. (4) ومثله جاء في أوائل عنوان: " أخبار معاوية " من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 127، طبع مصر سنة (1346). ورواه أيضا في أوائل فضائل علي عليه السلام من كتاب اليتيمة الثانية من العقد الفريد ج 3 (*)

[ 230 ]

الدين لم يبن شيئا فهدمه الدنيا ألا ترى أن قوما لعنوا علي بن أبي طالب عليه السلام ليحطوا منه فكأنما أخذوا بناصيته مدا إلى السماء ! ! ! وكان عقيل بن أبي طالب لما التحق بمعاوية بالغ (معاوية) في إكرامه وبره إرغاما لعلي، فلما قتل علي عليه السلام استثقل مقامه عنده وكرهه فكان يسمعه ما يكره لينصرف عنه، فبينا هو يوما بمجلس حفل من (أهل) الشام وغيرهم إذ قال معاوية لاهل


ص 278 من الطبعة الثانية بمصر، سنة (346) قال: قال الرياشي: انتقص ابن حمزة بن عبد الله بن الزبير عليا (عليه السلام) فقال له أبوه: يا بني إنه والله ما بنت الدنيا شيئا إلا هدمه الدين، وما بنى الدين شيئا فهدمته الدنيا، أما ترى عليا وما يظهر بعض الناس من بغضه ولعنه على المنابر فكأنما والله يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء ! ! (أ) وما ترى بني مروان وما يندبون به موتاهم من المدح بين الناس فكأنما يكشفون عن الجيف ! ! وقريبا منه رواه البيهقي في آخر عنوان: " مساوئ من عادى علي بن أبي طالب.... " من كتاب المحاسن والمساوئ ص 40، وفي ط دار إحياء العلوم ببيروت ص 77 قال: قال الاصمعي: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من علي رضي الله عنه، فقال: يا بني إياك وذكر علي رضي الله عنه، فإن بني أمية تنقصته ستين عاما فما زاده الله بذلك إلا رفعة ! ! ! وروى الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: ج 2 ص 173، وفي ط في أواسط ص 301 قال: وتنقص ابن لعبد الله بن عروة بن الزبير عليا - رضي الله عنه - فقال له أبوه: والله ما بنى الناس شيئا قط إلا هدمه الدين، وما بنى الدين قط شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه، ألم تر إلى علي كيف يظهر بنو مروان من عيبه وذمه والله لكأنما يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء... (أ) وما ترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمديح والله لكأنما يكشفون عن الجيف ؟ ! !. وقريبا منه جدا رواه عنه ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن عروة كما في مختصر تاريخ دمشق - لسكينة الشهباني - ج 13 ص 140، قال: قال مصعب بن عبد الله: جمع عبد الله بن عروة بنيه ثم قال: يا بني إن الله تعالى لم يبن شيئا فهدمه (الناس) وإن الناس لم ينوا شيئا قط إلا هدموه وإن بني أمية من عهد معاوية إلى اليوم يهدمون بشرف علي فلا يزيده الله إلا شرفا وفضلا ومحبة في قلوب المؤمنين ! ! يا بني فلا تشتموا عليا. (*)

[ 231 ]

الشام: أتعرفون أبا لهب الذي قال الله في حقه: * (تبت يدا أبي لهب وتب) * من هو ؟ قالوا: لا. قال: عم هذا وأشار إلى عقيل ! فقال عقيل: يا أهل الشام (هل) تعرفون حمالة الحطب (التي قال الله في شأنها، وشأن زوجها: * (سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب) * ؟) قالوا: لا. قال: هي عمة هذا وأشار إلى معاوية وهي أم جميل بنت حرب ! ! ! (1) وعن عبد الله الكندي أن معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس إذ دخل عليه رجل من أهل الشام فقام خطيبا فكان آخر كلامه أن لعن عليا فأطرق الناس. وتكلم الاحنف بن قيس فقال / 123 / ب /: يا معاوية إن هذا القائل - لما قال - لو يعلم أن رضاك لعن المرسلين للعنهم فاتق الله ودع عنك عليا فقد أفرد في قبره ولقى ربه وخلا بعمله، وكان والله المبرز في سبقته الطاهر في ثوبه والميمون نقيبته العظيمة مصيبته ! ! ! فقال معاوية: والله لقد أغضيت العين على القذى وقلت بما ترى وأيم الله لتقومن ولتلعننه على المنبر ولتصعدنه طوعا أو كرها. قال: (فقال الاحنف:) إن تعفيني فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجري به شفتاي أبدا ! ! ! قال (معاوية): قم فاصعد والعنه كما أمرتك. قال: أما والله يا معاوية لانصفنك في القول والفعل. قال: وما كنت قائل ؟ قال (الاحنف): أصعد المنبر كما أمرتني فأحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أقول: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإن عليا ومعاوية اختلفا وادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته. فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول: (اللهم) العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي


(1) وقريبا منه ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية " من كتاب المجنبة من العقد الفريد: 4 ص 91 قال: ودخل عقيل على معاوية فقال (معاوية) لاصحابه: هذا عقيل عمه أبو لهب: (ف‍) قال له عقيل: وهذا معاوية عمته حمالة الحطب ! ثم قال: يا معاوية إذا دخلت النار فاعدل ذات اليسار فإنك ستجد عمي أبا لهب مفترشا عمتكم حمالة الحطب، فانظر أيهما خيرا الفاعل أو المفعول به ؟ ! ! !. (*)

[ 232 ]

منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية لعنا كبيرا أمنوا رحمكم الله. والله يا معاوية لا أزيد على هذا حرفا، ولا أنقص من ذلك حرفا، ولو كان في ذلك ذهاب نفسي ! ! ! فقال معاوية: إذا نعفيك (من ذلك يا) أبا بحر. وقد بالغ الصحابة رضوان الله عليهم في نهيه عن ذلك وعابوه عليه، وبينوا له ما في ذلك من عار الدنيا والاخرة، فلم يفد فيه ذلك ولا التفت إلى أقوالهم، والقيامة تجمعه وإياه، وما ربك بظلام للعبيد.


(1) وقريبا منه ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " مجاوبة الامراء والرد عليهم " من كتاب المجنبة في الاجوبة من العقد الفريد: ج 4 ص 113، طبع بيروت، وفيه: (روى) الشيباني عن أبي الجناب الكندي عن أبيه أن معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس... (*)

[ 233 ]

الباب الثاني والسبعون (1) في (ذكر) الوافدات على معاوية بعد قتل علي عليه السلام، وما خاطبوه به، وما أسمعوه فمنهم الزرقاء وبكارة الهلالية وبقية الوافدات - (وفي الباب أيضا) خطبة معاوية بن يزيدد بن معاوية (المكنى بأبي ليلى) رحمه الله ورضي عنه - قال الشعبي رحمه الله: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية، قالوا: بينما معاوية ليلة مع عمرو بن العاصي ومروان وسعيد وعتبة والوليد إذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن القيس الهمدانية وكانت شهدت صفين (مع) قومها، فقال معاوية: أيكم يحفظ كلامها (يوم صفين) ؟ فقال بعضهم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين. قال: فأشيروا علي / 123 / ب / في أمرها. فقال بعضهم أشير بقتلها. قال: بئس الرأي أشرتم به، أيحسن بي أن يتحدث عني بأنه قتل امرأة بعد ما ظفر ؟. ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من محارمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاءا لينا، ويسير بها سيرا حفيفا، ويوسع لها في النفقة. فأرسل إليها (والي الكوفة بعد وصول كتاب معاوية إليه) وأقرأها الكتاب، فقالت: إن كان جعل الخيار إلي فإني لا آتيه، وإن حتم الامر فالطاعة أولى.


(1) كذا في أصلي ها هنا، وفي مقدمة المصنف من أصلي: " الباب الرابع والسبعون ". (2) وليلاحظ خبر الزرقاء في كتاب بلاغات النساء، ص 37، وفرش كتاب الوفود من العقد الفريد: ج 1 ص 213 ط 2. والرقم (28) من تراجم النساء في المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 209، ط 1. وكتاب عصر المأمون: ج 2 ص 17، وجمهرة الخطب ص 197. (*)

[ 234 ]

قال فحملها وجهزها على ما أمره به، فلما دخلت على معاوية، قال: مرحبا بك يا خالة وأهلا، قدمت خير مقدم قدمة وافد كيف كان حالك في مسيرك ؟ قالت: خير مسير. قال: كيف كنت ؟ قالت: (ك‍) ربيبة بيت أو كطفل في مهد. قال: بذلك أمرتهم، أفتدرين فيهم بعثت إليك ؟ قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم ؟ ولا يعلم الغيب إلا الله. قال: ألست الراكبة الجمل الاحمر (في يوم صفين) والواقفة بين الصفين تحضين على القتال وتوقدين نار الحرب ؟ قالت: يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والامر يحدث بعده الامر. ثم قال (معاوية): أيكم يحفظ كلامها ؟ قالت: أما أنا فو الله لقد أنسيته ؟ قالوا: لكنا نحفظه لله أبوك حين تقولين: أيها الناس إنكم قد أصبحتم في فتنة قد غشيتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد السبيل، فيا لها من فتنة عمياء بكماء لا يسمع لنا عقلها ولا يستكين لقائلها ؟ إن المصباح لا يضئ بالشمس وإن الكواكب لا تنير مع القمر ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس إن الحق كان يطلب طالبه فأصابه ؟ فصبرا عباد الله، صبرا أيها المهاجرون والانصار على الغصص وكان قد اندمل جرح الشتات والتأمت كلمة التقوى ودفع الحق باطله ؟ فلا يجهلن أحد فيقول: كيف ؟ وإذا يقضي الله أمرا كان مفعولا، وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم وما بعده، والصبر خير في الامور وأحمد في العواقب، إيها عباد الله إلى الحرب قدما غير ناكصين ! ! ! ثم قال (معاوية): يا زرقاء لقد شاركت عليا في (كل) دم سفكه / 124 / أ. قالت: بشرك الله بالخير وأحسن بشارتك على ذلك، وأدام سلامتك فمثلك من بشر بخير وسر جليسه ! ! ! قال (معاوية): أو يسرك هذا ؟ قالت: نعم والله ما سررت كسروري بهذا البشرى وأنى لي بتصديق الفعل ؟ فضحك معاوية وقال: والله لو فاؤكم له بعد موته أعجب عندي من حبكم له أيام حياته ! ! ! اذكري حاجتك. قالت: آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا عتب علي، ومثلك من أعطى بغير سؤال وجاد من غير طلب. قال: صدقت. وأمر لها بجائزة ولمن حضر معها بجوائز وكسوة.

[ 235 ]

وفود بكارة الهلالية (على معاوية) قال (ابن عبد ربه) صاحب (كتاب) العقد في كتابه (1): قال محمد بن عبد الله الخزاعي عن الشعبي قال: استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها، وهو يومئذ بالمدينة فدخلت عليه وكانت قد أسنت وعشى بصرها وضعفت قوتها وهي ترعش بين خادمين، فسلمت وجلست، فرد معاوية عليها السلام وقال: كيف أنت يا خالة ؟ قالت: بخير. قال: غيرك الدهر ؟ قال: كذلك الدهر ذو غير، من عاش كبر ومن كبر مات، ومن مات قبر (ف‍) قال عمرو بن العاصي: هي والله القائلة: يا زيد دونك فاحتفر من دارنا سيفا حساما في التراب دفينا قد كنت أذخره ليوم ملمة فاليوم أبرزه الزمان مصونا فقال مروان: وهي والله القائلة أيضا: أترى ابن هند مالكا هيهات ذاك وذاك منك بعيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة أغراك عمرو والشقي سعيد فاذهب بأبخس طائر وأذله لا قت علي ذا العلاء سعود فقال سعيد بن العاصي: وهي والله القائلة أيضا: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لا يزال خطيبهم / 124 / ب / بين الجموع لال أحمد عائبا ثم سكتوا، فقال معاوية: سلي حاجتك. فقالت: تنح (عني) كلابك يا معاوية إن (كلام هؤلاء أعشى) بصري وقصرت حجتي وذهبت (ب‍) قوتي (2) نعم أنا


(1) المعروف بالعقد الفريد، والقصة ذكرها في فرش كتاب الوفود في عنوان: " الوافدات على معاوية " من ج 1، ص 212 ط 2. (2) والقصة ذكرها ابن طيفور بسندين في كتاب بلاغات النساء وفي متن سندها الاول: " فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين وعشى بصري ؟... ". وفي الطبعة الثانية من العقد الفريد: ج 1، ص 213: فقالت: يا معاوية كلامك أعشى بصري وقصر حجتي... (*)

[ 236 ]

والله القائلة لما ذكروا، وما خفي أعظم وأكثر. فضحك (معاوية) فقال: ليس يمنعنا ذلك من برك. قالت: (أما الان ف‍) لا حاجة لي بشئ من برك. ثم قامت (فخرجت).

[ 237 ]

وفود أم سنان (بنت خيثمة بن حرشة المذحجية) على معاوية (1) (عن سعيد بن حذاقة) قال: حبس مروان - وهو عامل معاوية على المدينة - غلاما من بني ليث في جناية جناها بالمدينة، فأتت جدته (أم أبيه) إلى مروان وهي أم سنان (بنت خيثمة) المذحجية فكلمته فيه، فأغلظ لها (مروان) فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه وانتسبت له فعرفها، وقال: مرحبا بابنة خيثمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتمينا وتحرضين علينا عدونا (2). قالت: لسان نطق وقول صدق (3) وإن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما ظاهرة (وأحلاما وافرة) لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم (ولا ينتقمون بعد عفو) وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه أنت ! ! ! قال (معاوية): صدقت نحن كذلك، فكيف قولك - وأنشدها (قولها) -: عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد والليل يصدر بالامور ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمروا إن العدو لال أحمد يقصد هذا علي كالهلال تحفه وسط السماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عم محمد إن يهدكم بالنور منه تهتدوا ما زال مذ حضر الحروب مظفرا والنصر فوق لوائه لا يفقد قالت: قد كانت ذلك، وهو لسان نطق وقول صدق (4) وأرجو أن تكون لنا


(1) والقصة ذكرها بان عبد ربه في كتاب: " فرش كتاب الوفود " من العقد الفريد: ج 1 ص 214 من الطبعة الثانية بمصر. وما وضع بين المعقوفات مأخوذ مما ذكره ابن عساكر في ترجمة أم سنان تحت الرقم: (152) من تراجم النساء من المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 530 ط 1. وذكرها أيضا ابن طيفور في كتاب بلاغات النساء ص 63. والقصة ذكرها أيضا مؤلف كتاب الحدائق فيه، كما أشار إليها في هامش ترجمة أم سنان من تاريخ دمشق. (2) وفي تاريخ دمشق: " تشنئين قومي وتحضين علي عدوي وفي هامشه نقلا عن كتاب الحدائق: " تشنئين قربي.... ". (3) هاتان الجملتان لا توجدان في ترجمتها من تاريخ دمشق. (4) وفي تاريخ دمشق: " قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك أوفر... ". (*)

[ 238 ]

خفا من بعده. فقال رجل من جلسائه: وهي والله القائلة أيضا: إما هلكت أبا الحسين فلم تزل بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريا قد كنت بعد محمد خلفا لنا أوصى إليك وكنت وفيا فاليوم لاخلف يؤمل بعد / 125 / أ / هيهات نأمل بعده إنسيا فالتفتت إليه (1) وقالت: أما والله لقد قلت ذلك والمخفي عنك أكبر ! ! ! والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فادحض مقالتهم وأبعدهم عنك فإنك إن فعلت ذلك ازددت من الله قربا ومن قلوب المؤمنين حبا. قال (معاوية): وإنك لتقولين ذلك ؟ قالت: سبحان الله والله ما مثلك من مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضميرنا، كان والله علي أحب إلينا منك وأنت أحب الان إلينا من غيرك. قال (معاوية): مثل من ؟ قالت: (مثل) مروان وسعيد بن العاصي ؟ قال: وبم استحققت هذا عندك ؟ قالت: بسعة حلمك وكرم عفوك. قال: فإنهما يطمعان في ذلك ؟ قالت: هما والله لك من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفان ؟ قال (معاوية): والله لقد قاربت، فما حاجتك ؟ قالت: إن مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح (2) لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة يتبع عورات المسلمين ويكشف عن عثرات المؤمنين (3) حبس (ابن ابني) فأتيته فقال: كيت وكيت. فأسمعته أخشن من الحجر وألقمته أمر من الصبر (4) ثم راجعت إلى نفسي باللائمة وقلت: لم


(1) هذا هو الظاهر، ولفظ أصلي غير واضح. (2) كذا في أصلي، يقال: تبنك فلان بالمكان وفي المكان: أقام به وتمكن فيه. والبراح - بفتح الباء -: التحول والانتقال. (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين... ". (4) ما بين المعقوفين قد سقط من أصلي، وهو موجود في العقد الفريد وبلاغات النساء وتاريخ دمشق. وفي بلاغات النساء: " فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصبر ". وفي العقد الفريد: " وألقمته أمر من العذاب ". وفي تاريخ دمشق - وهامشه عن الحدائق -: " فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصاب ". (*)

[ 239 ]

لا أصرف ذلك إلى من هو أولى منه بالعدل والانصاف فأتيتك لتكون في أمري ناظرا وإليه معديا (1). قال (معاوية: صدقت) لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته اكتبوا لها بإطلاقه. قالت: يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفد زادي وكلت راحلتي. فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم (2).


والصبر - بفتح الصاد -: عصارة مرة، والصاب: شجر إذا قطع منه عود يخرج منه شبه لبن، والظاهر انه هو الذي يسميه أهل بلدنا ب‍ " خرك ". (1) معديا: شاكيا ومستنصرا. (2) كذا في كتاب بلاغات النساء وتاريخ دمشق: وفي أصلي: مرطاة ؟ (*)

[ 240 ]

وفود عكرشة بنت الاطروش على معاوية (1) قال الشعبي: دخلت عكرشة بنت الاطروش بن رواحة (2) على معاوية بن أبي سفيان وهي متوكئة على عكاز فسلمت عليه بالخلافة وجلست، فقال لها (معاوية): يا عكرشة الان صرت عندك أمير المؤمنين ؟ قالت: نعم إذ لا علي حي. قال: ألست المتقلدة بالسيف بصفين (3) وأنت واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس * (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) * إن الجنة لا يرحل عنها من أوطنها / 126 / أ / ولا يهرم من سكنها ولا يموت من دخلها (4) فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا ينصرم همومها، فكونوا قوما (مستبصرين في دينهم) مستظهرين بالصبر على حقهم (5) إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب وغلف القلوب لا يفقهون الايمان ولا يدرون الحكمة دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله وإياكم (والتواكل) والتواني فإن ذلك ينقض عرى الايمان ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى والعقبة الكبرى يا معشر المهاجرين والانصار امضوا سيرة (بصيرتكم واصبروا على) عزيمتكم فكأني بكم غداة وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البعير (وتروث روث العتاق) (6).


(1) كذا في أصلي، وفي ترجمتها من العقد الفريد: ج 1، ص 215 ط 2: " بنت الاطروش ". وذكرها أيضا ابن عساكر، ولكن قال: " بنت الاطش بن رواحة ". كما في ترجمتها تحت الرقم: (72) من تراجم النساء من تاريخ دمشق ص 254 ط 1. ومثله ذكره ابن طيفور ولكن لم يذكر أباها كما في بلاغات النساء، ص 70. (2) وساق ابن عساكر سند القصة الى أن قال: عن عكرمة وعبد الله بن سليمان عن أبيه قالا: دخلت عكرشة.. (3) وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: ألست صاحبة الكور المسدول والوسط المشدود، والمتقلدة بحمائل السيف.... (4) وفي بلاغات النساء: إن الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها، ولا يحزن من سكنها، فابتاعوها بدار لا يدم نعيمها... (5) ما بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد. (6) ما وضعناه بين المعقوفين الاولين أخذناه من كتاب العقد الفريد، وما وضع بين المعقوفين الثانيين أخذ من بلاغات النساء وفيه: " فكأني بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كالحمر النهاقة والبغال الشحاجة تضفع ضفع البقر (ظ) وتروث روث العتاق ". (*)

[ 241 ]

(ثم قال معاوية:) وكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك الناس يقولون: هذه عكرشة بنت الاطروش فقد كدت تقتلين أهل الشام (1) لولا قدر الله وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما حملك على ذلك ؟ قالت: يا أمير المؤمنين يقول الله تبارك وتعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) * الاية: (101 / المائدة: 5) إن اللبيب إذا كره أمرا كره إعادته (2). قال (معاوية): صدقت فاذكري حاجتك. قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا وقد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير ولا يقل لنا عسير ولا ينعش لنا فقير ! ! فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من يستعين بالخونة ولا يستعمل الظلمة. قال معاوية: يا هذه إنه تنوبنا من أمور الرعية ما يوجب ذلك (3). قالت: سبحان الله والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضرارا لغيرنا وهو سبحانه علام الغيوب ! ! قال معاوية: هيهات والله يا أهل العراق فقهكم علي فلن تطاقوا ! ! (4) ثم أمر لها بما سألت من ذلك.


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فإن كدت تقتلين أهل الشام ". وفي العقد الفريد: " فإن كنت لتقتلين اهل الشام ". وفي تاريخ دمشق: " فإن كدت لتلفتين عني أهل الشام ؟... ". (2) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " إن اللبيب إذا كره أمرا يحب اعادته ". (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " يا هذه إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق وبحور تنفهق ". وفي بلاغات النساء: " يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم من بحور تنبثق، وثغور تنفتق ". ومثله في تاريخ دمشق غير أن فيه: " من نحور تنبثق ". (4) هذا هو الصواب الموافق لكتاب بلاغات النساء، وتاريخ دمشق، وفي أصلي ومثله في العقد الفريد: " نبهكم علي.. ". (*)

[ 242 ]

قصة دارمية الحجونية مع معاوية سهل بن أبي سهل رحمه الله عن أبيه قال: حج معاوية فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل الحجون يقال لها: دارمية - وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها - فبعث إليها فجئ بها فقال (لها): ما حالك با ابنة حام ؟ قالت: (أ) بحام أدعى / 126 / ب / (و) إنما (أنا) امرأة من بني كنانة ؟ (1) قال (معاوية): صدقت أتدرين لم أرسلت إليك ؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت إليك لاسألك علام أحببت عليا وأبغضتيني وواليتيه وعاديتيني ؟ قالت: أو تعفني (عن ذلك) فهو خير لك. قال: والله لا أعفيك. قالت: أما إذ أبيت فإني أحببت عليا لدينه وعدله في الرعية وقسمته بالسوية وأمانته على أمر الامة، وأبغضتك على قتالك لمن هو أحق بالامر منك، وطلبك لما ليس لك بحق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله (ص) من الولاية، وعلى حبه للمساكين وإعظامه لاهل الدين ورحمته للمتسضعفين، وعاديتك (على) جورك في القضاء وسفكك للدماء وحكمك بالهوى ! ! قال (معاوية): فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك. قالت: يا هذا والله إنما كانت تضرب الامثال بعظم عجيزة هند أمك ! ! ! قال معاوية: اربعي على نفسك فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى ولدها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكنت. فقال لها معاوية: هل رأيت عليا ؟ قالت: نعم. قال: فكيف رأيتيه ؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم يشغله النعمة التي شغلتك، ولم تستعبده أطماعه كما استعبدك ! ! ! قال (معاوية): فهل سمعت شيئا من كلامه ؟ قالت: نعم والله لقد كان كلامه يجلو القلب من العمى كما يجلو الزيت الصدا عن الطست.


(1) كذا في ظاهر رسم الخط من أصلي، وفي العقد الفريد: " فقالت: لست لحام إن عبتني أنا امرأة من بني كنانة ". وفي بلاغات النساء: ولست لحام إنما أنا امرأة من قريش من بني كنانة... (*)

[ 243 ]

قال: صدقت فهل (لك) من حاجة ؟ قالت: وتفعل ذلك إذا سألتك ؟ قال: نعم. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها محلبها وراعيها. قال: ما تصنعين بها ؟ قالت: أغذو بألبانها الصغار، واستجير بها الكبار، واكتسب بها المكارم، وأصلح بها قال (معاوية): فإن أعطيتك ذلك هل أحل (عندك) محل علي بن أبي طالب ؟ قالت: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كسعدان، وفتى ولا كمالك (1). سبحان الله أو دونه ! ! ! قال: فأنشأ معاوية يقول: إذا لم أعد بالحلم مني عليكم فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال لها: (أما) والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا. قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين ! ! !


(1) هذه الكلم من الامثال السائرة بين العرب من عهد قديم إلى زماننا هذا، يمثل بها عند المفاضلة بين شخصين، أو عند بيان فقد النظير للممثل به، والصداء: ركية كان ماؤها عذبا. والسعدان نبت له شوك، وهو من أفضل ما يأكله الابل. ومالك هو ابن نميرة اليربوعي قتله بعض الطغاة الفتاكين طمعا في زوجته، ثم ضاجعها ونكحها في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها عداونا ! ! والمثل لاخيه متمم بن نويرة. (*)

[ 244 ]

وفود أم الخير بنت الحريش (بن سراقة) على معاوية (1) عبيد الله بن عمر الغساني عن الشعبي قال: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية وليعلمها أنه سيجزيها بقولها (فيه) بالخير خيرا وبالشر شرا. فلما ورد عليه كتابه ركب إليها وأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن الطاعة ولا متوسلة بكذب (2) ولقد كنت أحب أن ألقاه لشئ اختلج في صدري. (فجهزها للمسير) فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه يجازيك بالخير خيرا وبالشر شرا، فما عندك ؟ قالت: يا هذا لا يطمعك برك بي أن أسرك بباطل، ولا تؤيسك (معرفتي) بك أن أقول (فيك) غير الحق. فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية فأنزلها مع حرمه، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع وعنده جلساؤه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال (معاوية): وعليك السلام يا أم الخير وبالرغم منك (ظ) دعوتيني بهذا الاسم. فقالت: يا أمير المؤمنين إن لهدية السلطان مدحضة لما تحت علمه ولكل أجل كتاب (3) قال: صدقت كيف كان حالك ومسيرك ؟ قالت: لم أزل بخير وسلامة حتى صرت إليك، فأنا بمجلس أنيق عند ملك رفيق. فقال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم. قالت: أعيذك بالله من دحض المقال وما


(1) جاءت قصتها مسندة في كتاب بلاغات النساء..... وأيضا ذكرها ابن عساكر، تحت الرقم: (145) في تراجم النساء في المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 512 ط 1. (2) كذا في العقد الفريد، وبلاغات النساء وتاريخ دمشق، وفي أصلي: " ولا متوسلة بكذب ". (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: فقالت: مه يا هذا فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه ؟. (*)

[ 245 ]

تردى عاقبته. قال: ليس هذا أردنا أخبرينا كيف كان مقالك حين قتل عمار بن ياسر ؟ قالت: لم أكن زورته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فإن أحببت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت (1). فالتفت (معاوية) إلى جلسائه وقال: أيكم يحفظ كلامها ؟ قال رجل منهم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين قال: هات. قال: كأني بها بين بردين كثيفي الحواشي وهي على جمل أربد ؟ وبيدها منتشر الضفيرة وهي تهدر كالجمل في شقشقته (2) وتقول: أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم إن الله قد أوضح لكم الحق وأنار الدليل / 127 / ب / وبين السبيل (ورفع العلم) ولم يدعكم في عمياء مبهمة ولا ظلماء مدلهمة وإلى أين تريدون رحمكم الله أفرارا عن أمير المؤمنين ؟ أم فرارا من الزحف ؟ أم رغبة عن الاسلام ؟ أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم الله يقول لنبيه * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) * (31 / محمد: 47). ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت (3): اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وتشتت الرعية وعظمت البلية وبيدك يا رب


(1) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: انبعث على لساني حين الصدمة، وإن أحببت جددت لك مقالا غيره، وإن أبيت فعلت.... وفي بلاغات النساء: وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة. وفي تاريخ دمشق: لم أكن والله رويته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثهن لساني عند الصدمة. (2) كذا في العقد الفريد، غير أن فيه: " كأني بها بين بردين زئيريين ؟ كثيفي النسيج وهي على جمل أرمك ؟ وبيدها سوط منتشر الضفيرة... ". وفي أصلي وهي على جمل أربد ؟ وبيدها سوط منتشر الضفرة... وفي بلاغات النساء: وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية.... وفي تاريخ دمشق: وعليها برد زبيدي كثير الحاشية على جمل أرمك... منتشر الضفر... (3) هذا هو الصواب المذكور في جميع المصادر، وفي أصلي: رفعت رأسها إلي... (*)

[ 246 ]

أزمة القلوب فاجمع الله بها الكلمة على التقوى وألف القلوب على الهدى واردد الحق إلى أهله. هلموا رحمكم الله إلى الامام العادل والوصي التقي والصديق الاكبر إنها والله إحن بدرية وأحقاد جاهلية (وضغائن أحدية) وثب بها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: * (قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * (1) صبرا يا معشر المهاجرين والانصار قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة لا تدري أين تسلك بها من فجاج الارض (وهم) باعوا الاخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل لصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الاقالة ولات حين مناص (إنه) والله من ضل عن الحق وقع في الباطل (ومن لم يسكن الجنة نزل النار) (2) ألا وإن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا (فرفضوها) واستطابوا مدة الاخرة فسعوا لها سعيها. فالله الله أيها الناس قبل أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود (ويظهر الظالمون) وتقوى كلمة الشيطان فإلى أين تريدون ؟ رحمكم الله عن ابن عم رسول الله (ص) وصهره وأبي سبطيه (الذي) (3) خلق من طينته وتفرع من نبعته (والذي خصه بسره) وجعله باب علمه


(1) إقتباس من الاية: (12) من سورة التوبة (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي: " ألا وإن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا، واستطالوا مدة الاخرة فسعو لها سعيها... ". وفي بلاغات النساء: " أيها الناس إن الاكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها واستبطؤا مدة الاخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون ؟ رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه، وزوج ابنته وأبي إبنيه... ". وقريب منه في تاريخ دمشق وفيه: " واستطالوا مدة الاخرة... لما اختاروا ورود المنايا... ". (3) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي " أين تدورون عباد الله عن ابن عم رسول الله... ". (*)

[ 247 ]

(وأعلم بحبه المسلمين) وأبان ببغضه المنافقين (1) وها هو ذا مفلق الهام وكاسر الاصنام وصلى والناس مشركون وأطاع وهم كارهون فلم يزل على ذلك حتى قتل مبارزيه وأفنى أهل بدر وأحد والاحزاب وقتل الله به أهل خيبر وفرق به جموعهم (2) فيالها من وقائع زرعت في القلوب شقاقا ونفاقا وزادت المؤمن / 128 / أ / إيمانا ويقينا، وقد اجتهدت لكم في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام. فقال معاوية: يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي (ولو قتلتك ما حرجت في ذلك. قالت: والله ما يسوؤني أن يجري قتلي) على (يدي) من يسعدني بشقاوته (3). قال (معاوية): هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان ؟ قالت: وما عسيت أن أقول (في عثمان) استخلفه الناس وهم به راضون وقتلوه وهم به كارهون. فقال معاوية: يا أم الخير هذا ثناؤك عليه (4)، قالت: لكن الله يشهد وكفى به شهيدا (أني) ما أردت بعثمان نقصا، ولقد كان سابقا للخير وإنه لرفيع الدرجة غدا.


(1) وفي العقد الفريد: " وجعله باب دينه، وابان ببغضه المنافقين ". وفي بلاغات النساء: " خلق من طيبنته وتفرع من نبعته وخصه بسره وجعله باب مدينته، وعلم المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين... ". ومثله في تاريخ دمشق غير أن فيه: " وأعلم بحبه المسلمين وأبان ببغضه المنافقين ". وهذا هو الظاهر أي جعل للمسلمين وسمة وعلامة وهي حبه فمن لا يحبه فليس بمسلم، وهو من قولهم " علمه علما " - من باب ضرب ونصر، وعلى زنتهما -: وسمه. وأعلم فلانا - على زنة أفعل وبابه -: جعل عليه علامة. وكلام هذه المؤمنة مقتبس من الحديث الصحيح المستفيض بل المتواتر وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " وقد تقدم بعض طرقه في الباب " 40 " ص 200 فليراجع تعليقاتنا عليه. (2) وقريب منه في العقد الفريد. وفي بلاغات النساء: " فلم يزل كذلك يؤيده الله عز وجل بمعونته ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحته الدأب ؟ ها هو مفلق الهام... ". وقريب منه في تاريخ دمشق، وفيه: " لا يفرح لراحة اللذات بها... ". (3) ما بين المعقوفين أخذناه من كتاب العقد الفريد، وبلاغات النساء وتاريخ دمشق وفيها جميعا: " بشقائه... ". (4) وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " فقال معاوية: يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه... ". وفي العقد الفريد: " هذا ثناؤك الذي تثنين... ". (*)

[ 248 ]

قال فما تقولين في طلحة ؟ قالت: اغتيل من مأمنه وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله (ص) الجنة. قال: فما تقولين في الزبير ؟ قالت: أقول ابن عمة رسول الله (ص) وحواريه وقد شهد له بالجنة، وأسألك بحق الله عليك يا معاوية أن تعفيني من مسائلك هذه وسل ما شئت غيرها. قال (معاوية): قد أعفيتك وأجازها وردها مكرمة.

[ 249 ]

وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية وما أسمعته عن أبي الهذيل أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنها دخلت على معاوية وهي عجوز فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك يا عمة كيف كنت بعدنا (1) فقالت: يا ابن أخي لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا سابقة في الاسلام لا لك ولا لابائك بعد أن كفرتم برسول الله (ص) فأتعس الله منكم الجدود وصغر منكم الخدود (2) ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور، فوليتم علينا من بعده فأصبحتم تحتجون علينا وعلى سائر العرب بقربكم من رسول الله (ص) ونحن أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الامر، وكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل من (آل) فرعون وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه (من نبينا) بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار ! ! ! فقال عمرو بن العاصي: كفي أيتها العجوز الضالة / 128 / ب / واقصري عن قولك هذا مع ذهاب عقلك إذ لا يجوز شهادتك وحدك. قالت (أروى): وأنت يا ابن النابغة تتكلم وأمك (كانت) أشهر بغي بمكة (وآخذهن للاجرة اربع على ظلعك واعن بشأن نفسك فو الله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها ولقد) ادعاك خمسة نفر من قريش (كلهم يزعم أنه أبوك) وسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم (به) فألحقوه به (3) فغلب عليك شبه العاصي فلحقت به. فقال مروان بن الحكم: (كفي) أيتها العجوز واقصدي لما جئت له. فقالت: وأنت يا ابن الزرقاء تتكلم والله لانت ببسر بن الحارث بن كلدة أشبه


(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب بلاغات النساء ص 27 وفي أصلي ومثله في كتاب العقد الفريد - ج 1 ص 219 -: يا خالة... (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد، وبلاغات النساء، وفي أصلي: " منك الجدود، وأصعر منك الخدود... ". (3) أكثر ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من كتاب بلاغات النساء. (*)

[ 250 ]

منك بالحكم بن العاصي (1) وإنك لتشبه في زرقة بصره وحمرة شعره وقصرها منه ؟ وطيارة ذمامته ؟ وصغر هامته، ولقد رأيت الحكم سبط الشعر ظاهر الادمة مديد القامة وما بينكم قرابة إلا كقرابة الفرس المضمر من الاتان فاسأل أمك تخبرك (2). ثم التفتت إلى معاوية وقالت: والله ما جرأ هؤلاء إلا أنت ولا قدمهم غيرك، وإن أمك القائلة في قتل حمزة سيد الشهداء يوم أحد وقد بقرت بطنه عن كبده ولاكتها: نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر ولا أخي وعمه وبكر سكن وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي دهري حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها ابنة عمي فقالت لها: خزيت في بدر وبعد بدر يا بنت جبار عظيم الكفر صبحك الله قبيل الفجر بالهاشميين الطوال الزهر حمزة ليثي وعلي صقري إذ رام شيب وأبوك غدري فحصيا ؟ منه بواحي النحر وترك الثار (لنا) في بدر (3) (فقال معاوية: عفى الله عما سلف يا عمة هات حاجتك. قالت: مالي إليك (من) حاجة) فخرجت عنه) (4) فلما خرجت قال معاوية لعمرو ومروان: أف لكما والله ما أسمعني ما قالت إلا أنتما (5)


(1) كذا في أصلي مع غموض فيه، وفي بلاغات النساء: " فو الله لانت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك مع قصر قامته وظاهر دمامته... ". (2) وها هنا بعض ألفاظ أصلي غامض، وفي العقد الفريد إيجاز أو حذف. (3) هذان الشطران لا توجدان في بلاغات، النساء، ولكن بعدهما شطران آخران: هتك وحشي حجاب الستر ما للبغايا بعدها من فخر. (4) ما بين المعقوفين أخذناه من العقد الفريد، وبه يختم فرش كتاب الوفود من العقد الفريد. (5) إلى هنا تنتهي القصة في أصلي والعقد الفريد معا، ولكن للقصة ذيل في كتاب بلاغات النساء. (*)

[ 251 ]

وفود سودة بنت عمارة (بن الاسك الهمدانية اليمانية) على معاوية (1) عن الشعبي قال: قدمت سودة بنت عمارة على معاوية فاستأذنت عليه فأذن لها، (2) فلما دخلت عليه سلمت فرد (معاوية) عليهما السلام (و) قال: كيف أنت يا ابنة الاسك. قالت: بخير يا أمير المؤمنين (3). (ف‍) قال لها: ألست القائلة لاخيك يوم صفين: شمر كفعل أبيك يابن عمارة يوم الطعان وملتقى الاقران وانصر عليا والحسين ورهطه واقصد لهند وابنها بهوان (إن الامام أخا النبي محمد علم الهدى ومنارة الايمان) (4) وقه الحتوف وسر أمام لوائه (5) قدما بأبيض صارم وسنان


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ مما رواه ابن عساكر بسندين عن الشعبي في تراجم النساء في آخر تاريخ دمشق ص 178، ط 1. والقصة رواها أيضا ابن عبد ربه في أواخر فرش كتاب الوفود من كتاب العقد الفريد: ج 1 ص 211 سنة (1346) بمصر. (2) ورواها أيضا ابن طيفور في كتاب بلاغات النساء، ص 31 وفي ط 35 وقال: قال أبو موسى عيسى بن مهران: حدثني محمد بن عبيد الله الخزاعي يذكره عن الشعبي. ورواه (أيضا) العباس بن بكار، عن محمد بن عبيد الله (عن عامر الشعبي) قال: استأذنت سودة بنت عمارة بن الاسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها، فلما دخلت عليه قال (لها): هيه يا بنت الاسك القائلة يوم صفين... وفي العقد الفريد: ج 1 ص 211 ط مصر، وفي ط بيروت: ج 1 ص 344: " وفدت سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمدانية على معاوية ؟.... (3) كذا في بلاغات النساء وتاريخ دمشق، ورسم الخط من مخطوطتي غير جلي، وفي العقد الفريد: كيف أنت يا ابنة الاشتر ؟..... (4) ما بين المعقوفين قد سقط من أصلي، وهو موجود في بلاغات النساء والعقد الفريد، وتاريخ دمشق. (5) وفي العقد الفريد: " فقد الجيوش... " وفي تاريخ دمشق: " فقه الحمام وسر أمام لوائه... ". (*)

[ 252 ]

فقالت (سودة): مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك ذكر ما (قد) مضى (1) قال (معاوية): هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى. قالت: صدقت والله ما كان أخي خفي المكان، ولا ذليل المقام (2) ولقد كان كما قالت الخنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وبالله أسألك إعفائي مما أستعفيك منه. قال: قد فعلت فقولي حاجتك. قالت: إنك أصبحت للناس سيدا ولامورهم متقلدا، والله سائلك عما أفرضه عليك من حقنا (3) ولا يزال يقدم علينا من ينوه بعزك (4) ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد


وفي بلاغات النساء: فقه الختوف وسر أمام لوائه قدما بأبيض صارم وسنان قالت: أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب، قال: فما حملك على ذلك ؟ قالت: حب علي عليه السلام واتباع الحق... (1) وفي العقد الفريد: قالت: أمير مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك تذكار ما قد نسي. قال: هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى. قالت: صدقت... ما كان أخي خفي المقام، ذليل المكان.... (2) وفي بلاغات النساء: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك. قالت: صدق فوك لم يكن ذميم المقام ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء ومثله أو قريب منه جدا في تاريخ دمشق. (3) كذا في أصلي، يقال: فرض الله الاحكام على عباده - على زنة ضرب وبابه، ومثله فرضها وأفرضها من باب فعل وأفعل -: أوجبها عليهم. وفي بلاغات النساء: " والله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقنا... ". (4) كذا في بلاغات النساء، ورسم الخط من مخطوطتي غير واضح، يقال: ناه فلان - على زنة قال وبابه -: ارتفع. ونوه الشئ تنويها: رفعه. وتنوه تنوها: ارتفع. (*)

[ 253 ]

السنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسيسة ويسألنا الجليلة (1) وهذا ابن أرطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته فشكرناك، وإما لا فعرفناك (2). فقال (لها معاوية): إياي تهددين بقومك ؟ والله لقد هممت أن أردك إليه على قتب أشوس فينفذ حكمه فيك (3). قال: فسكتت مليا ثم قالت: صلى الاله على روح تضمنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي بدلا فصار الحق والايمان مقرونا (4) قال (معاوية): ومن ذلك ؟ قالت: علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ما أرى عليك شيئا من آثاره قالت: بلى والله أتيته يوما في رجل ولاه صدقتانا فكان بيننا وبينه ما بين / 129 / أ / الغث والسمين (5) فوجدته قائما يصلي (فلما نظر الي) انفتل


وفي تاريخ دمشق: " ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك... ". وفي العقد الفريد: " ولا يزال يقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك ". (1) ومثله في العقد الفريد، وتاريخ دمشق، وفي بلاغات النساء: ويسلبنا الجليلة. (2) كذا في بلاغات النساء والعقد الفريد، وفي أصلي كتاريخ دمشق نقص. وبسر بن أرطأة من طواغيت الصحابة معروف بالانحراف عن الحق والتركيز على الباطل. (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء والعقد الفريد وتاريخ دمشق: " قتب أشرس ". (4) والابيات - أو قريبا منها - رواها الحافظ الحسكاني بسند آخر، عن الزرقاء الكوفية كما في آخر تفسير الاية السابعة من سورة الرعد، من شواهد التنزيل: ج 1 ص 374 ط 1، وفي ط 2: ج 1 ص 394. (5) وفي العقد الفريد: قال (معاوية): ومن ذلك ؟ قالت علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى. قال: ما أرى عليك منه أثرا ؟ (*)

[ 254 ]

من صلاته (1) ثم قال برأفة ورحمة: ألك حاجة ؟ فأخبرته خبر الرجل فبكى ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك (ولا بترك حقك) ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيها (2): بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس قد جاءتكم بينة من ربكم * ((ف‍) أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ) * (85 / هود)، إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك والسلام. فعزله (بذلك) والله ما خزمه بخزام، ولا ختمه بطين (3). قال معاوية: اكتبوا لها بالانصاف لها والاحسان إليها. قالت: أولي خاصة أم لي ولقومي عامة ؟ قال لها: مالك وغيرك ؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللؤم ؟ إن كان عدلا (شاملا فهو) وإلا يسعني ما يسع قومي ! ! ! فقال لها (معاوية): هيهات (هيهات لقد) لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على


وفي تاريخ دمشق: قال (معاوية): من ذلك ؟ قالت: علي بن أبي طالب ؟ قال: وما علمك بذلك ؟ قالت: أتيته في رجل.... (1) هذا هو الصواب الموافق للمصادر التي أوردناها في التعليقات المتقدمة، وفي مخطوطتي من جواهر المطالب: " أتيته يوما... فوجدته قائما يصلي ويفصل من صلاته... ". وانفتل من صلاته: انصرف عنها وفرغ منها. (2) وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق - واللفظ له -: أتيته في رجل ولاه على صدقاتنا - لم يكن بيننا وبينه إلا كما بين الغث إلى السمين - فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي انتفل من مصلاه، ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة ؟ فأخبره الخبر. فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد علي وعليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك. ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة الجراب فكتب فيها.... وانظر المختار: (60) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج السعادة: ج 4 ص 144، ط 1. (3) كذا في أصلي ولعله من قولهم: " خزم البعير خزما - من باب ضرب - وخزمه تخزيما - من باب فعل -: جعل في جانب منخره الخزام أو الخزامة وهي حلقة يشد فيها الزمام. وفي تاريخ دمشق: فأخذته منه، والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فعزلته به. (*)

[ 255 ]

السلطان (1) وغركم بقوله ؟: فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام (وقوله): ناديت همدان والابواب مغلقة ومثل همدان سنى فتحة الباب كالهندواني لم تقلل مضاربه وجه جميل وقلب غير هياب (2) فقال (معاوية): اكتبوا له بما سألت من قضاء حاجتها. (فكتب لها فأخذته) ثم انصرفت.


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من تاريخ دمشق. وفي بلاغات النساء: لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون. ثم قال: اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها... اكتبوا لها ولقومها. قوله: لمظكم: ذوقكم، يريد أنه عودهم على هذه السجية فمن العسير أن يتركوها بعد ما ذاقوا طعمها. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " غير وجاب ". (*)

[ 256 ]

وفود أم البراء بنت صفوان (بن هلال) على معاوية (1) عن عامر الشعبي قال: استأذنت أم البراء ابنة صفوان على معاوية (فأذن لها) فدخلت عليه وعليها ثلاث برود تسحبها دراعا قد لاثت عليها كورا كالمنسف (2) فسلمت ثم جلست، فقال لها معاوية: كيف أنت يا ابنة صفوان قالت: بخير، قال: كيف حالك ؟ قالت: كسلت بعد نشاط، وضعفت بعد جلد. قال: شتان بينك اليوم وحين تقولين بصفين (من الكامل): يا زيد دونك صارما ذا رونق (3) عضب المهزة ليس بالخوار أسرج جوادك مسرعا مشمرا للحرب غير معود لفرار (4) أجب الامام / 129 / ب / وذب تحت لوائه والق العدو بصارم بتار (5)


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ مما ذكره ابن طيفور في بلاغات النساء وابن عساكر في ترجمة أم البراء في أوائل حرف الالف في عنوان: " ذكر من ذكرت بكنيتها دون التعريف لها بتسميتها " تحت الرقم: (133) من تراجم النساء من المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 478 ط 1، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد، أنبأنا محمد بن علي الخياط، أنبأنا أحمد بن عبد الله بن الخضر، أنبأنا أحمد بن علي بن محمد، حدثني أبي حدثني أبو عمرو السعيدي (الصعيدي خ س) أخبرني جعفر بن أحمد - وهو ابن معدان - أنبأنا الحسن بن جمهور قال: قال إبراهيم بن محمد: حدثني محمد بن إبراهيم، عن الوليد بن خالد، عن سعيد بن حذاقة قال: دخلت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية وعليها ثلاث دروع قد كارت على رأسها كورا فسلمت وجلست... (2) لعل هذا هو الصواب، وهكذا جاء في بلاغات النساء، وهو على زنة منبر ومجلس: الغربال الكبير. وفي أصلي: " كالسيف " ورواه ابن طيفور مسندا في بلاغات النساء، ص 75 قال: وحدثنا العباس، قال: حدثنا سهيل بن أبي سفيان التميمي عن أبيه عن جعدة بن هبيرة المخزومي قال: استأذنت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية فأذن لها، فدخلت في ثلاثة دروع تسحبها قد كارت على رأسها كورا كهيئة المنسف، فسلمت ثم جلست... (3) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ دمشق وبلاغات النساء - ولكن فيه: " يا عمرو دونك.... " وفي أصلي: " صارم ذو رونق ". (4) وفي بلاغات النساء: " غير معرد " وفي تاريخ دمشق: " ليس موليا لفرار ". (5) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء: " وافر العدو " وهذان المصرعان غير موجودين في ترجمة أم البراء من مطبوعة تاريخ دمشق. (*)

[ 257 ]

ياليتني أصبحت غير قعيدة فأذب عنه عساكر الفجار (1) قالت: قد كان ذلك، ومثلك من عفا، والله يقول: * (عفا الله عما سلف، ومن عاد (فينتقم الله منه) * الاية: (95 / المائدة: 5). قال: هيهات أما والله لو عاد لعدت، ولكنه اخترم دونك ؟ قالت: أجل والله إني لعلى بينة من ربي وهدى من قول ؟ قال: كيف كان قولك حين قتل ؟ قالت: قد أنسيته ؟ (ف‍) قال بعض جلسائه: هو والله حين تقول: يا للرجال لعظم هول مصيبة فدحت فليس مصابها بالهازل (2) الشمس كاسفة لفقد إمامنا خير الخلائق والامام العادل (يا خير من ركب المطي ومن مشى فوق الثرى من محتف أو ناعل) (2) حاشا النبي لقد هدمت قوامنا فالحق أصبح خاضعا للباطل (4) فقال لها معاوية: قاتلك الله ما تركت مقالا (حسنا لغيرك) (5) اذكري حاجتك. قالت: أما الان فلا. فقامت فعثرت فقالت: تعس شانئ علي ! فقال (معاوية): زعمت أن لا (تعود إلى ما كنت عليه في أيام علي فما هذا الكلام ؟).


(1) كذا في أصلي غير أنه كان فيه: " فأذب عنك " وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " ياليتني أصبحت ليس بعورة... ". (2) كذا في كتاب بلاغات النساء، ورسم الخط من أصلي غير واضح. وفي تاريخ دمشق: يا للرجال لعظم أمر مصيبة جلت فليس مصابها بالزائل (3) لعل هذا هو الصواب، وفي بلاغات النساء: " لمحتف أو ناعل ". وفي تاريخ دمشق: " بحافي أو ناعل ". وهذان الشطران غير موجودين في أصلي، وأخذناهما من بلاغات النساء وتاريخ دمشق، وسياق الكلام أيضا يستدعيهما. (4) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: ومثله في بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " قواءنا ". (5) ما بين المعقوفين - أو ما في معناه - مما يقتضيه السياق، وفي بلاغات النساء: (قاتلك الله يا بنت صفوان ما تركت لقائل مقالا (ظ) ". وفي تاريخ دمشق: " قاتلك الله، والله ما كان حسان يحسن هذا ". (*)

[ 258 ]

قالت هو كما علمت (1) فلما كان من الغد بعث إليها (معاوية) بجائزة وقال: إذا ضيعت الحلم فمن يحفظه ؟ !


(1) وفي بلاغات النساء: " يا بنت صفوان زعمت أن لا. قالت: هو ما علمت، فلما كان من الغد بعث إليها بكسوة فاخرة ودراهم وقال: إذا أنا ضيعت الحلم فمن يحفظه ؟ ! وفي تاريخ دمشق: يا أم البراء زعمت أن لا. قالت: هو والله ما تعلم. وخرجت فبعث إليها بمال. (*)

[ 259 ]

قصة الذكوانية بنت زياد لما قدمت على معاوية (متظلمة) عن الشعبي (1) عن رجل من بني أمية قال: حضرت (مجلس) معاوية يوما وقد أذن للناس إذنا عاما وقد دخلوا عليه، فدخلت عليه امرأة كأنها القبة ومعها جاريتان لها، فحسرت اللثام عن وجهها وكأنما سرت ماء الدر في حمرة التفاح، ثم قالت: يا معاوية ؟ الحمد لله الذي خلق اللسان، وجعل فيه البيان (2)، ودل به على النعم، وأجرى به على القلم بما حكم وقضى فصرف الكلام بالمعاني المختلفة على المعاني المتفرقة وألفها بالتقديم والتأخير والاشباه والنظائر فأدته القلوب إلى الالسنة وأدته الالسنة إلى الاذان فاستدل به على العلم وعبد ربه الرب تبارك وتعالى وعرفت به الاقدار، وتمت به النعم (3).


(1) ورواه ابن طيفور - عن غير الشعبي - في كتاب بلاغات النساء، ص 61، قال: حدثني عبد الله بن الضحاك الهدادي قال: حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة. وحدثني محمد بن عبد الرحمان بن القاسم التميمي عن أبيه عن خالد بن سعيد عن رجل من بني أمية قال: حضرت (مجلس) معاوية يوما... ورواه أيضا ابن عساكر، تحت الرقم (178) في تراجم النساء في المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 570 قال: أنبأنا عمي أو الفتح أحمد بن عبيد الله بن ودعان، أنبأنا هارون بن أحمد بن محمد بن روح، أنبأنا الحسين بن إبراهيم الصائغ، أنبأنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي أنبأنا محمد بن زكريا الغلابي. قال ابن روح: وأنبأنا أحمد بن عبد الله بن جلين الدوري حدثني محمد بن حمزة وجعفر بن علي قالا: أنبأنا محمد بن زكريا الغلابي أنبأنا عبد الله بن الضحاك الهدادي أنبأنا هشام بن محمد الكلبي عن عوانة بن الحكم، عن خالد بن سعيد. قال ابن روح: وأنبأنا المطهر بن إسماعيل ب‍ " بلد " أنبأنا الحسن بن علي بن زكريا، حدثني ابن راشد الطفاوي والعباس بن بكار، ومحمد بن عبد الرحمان بن القاسم التميمي أنبأنا عبد الله بن القاسم ؟ عن خالد بن سعيد، عن رجل من بني أمية قال... (2) هذا هو الظاهر المذكور في بلاغات النساء وتاريخ دمشق وفي أصلي: " خلق الانسان ". (3) وفي تاريخ دمشق: الحمد لله - يا معاوية - الذي خلق اللسان فجعل فيه البيان، فدل به على النعم وأجرى به القلم وحتم وذرأ وبرأ وحكم، وقضى صرف الكلام باللغات المختلفة على المعاني المتفرقة ألفها بالتقديم والتأخير والاشباه والمناكير ؟ والموافقة والتزايد ؟ وأدته الاذان إلى القلوب بالافهام وأدته الالسن بالبيان... (*)

[ 260 ]

وكان من قضاء الله وقدره أنك قربت زيادا وجعلته في آل أبي سفيان نسبا ووليته أحكام المسلمين والعباد، فسفك الدماء / 130 / أ / بغير حلها وهتك الحريم بغير حقها ولا مراقبة لله عز وجل ولا خوف منه، ظلوم كافر غشوم ! ! ! يتخير من المعاصي أعظمها، ومن الجرائم أجسمها، ولا يرى لله وقارا ولا يظن إليه معادا ولا يحذر له نار ولا يرجو وعدا ولا يخاف وعيدا يعرض عمله في صحيفتك وتؤخذ بما اجترم بين يدي ربك سبحانه (وتعالى) ورسول الله صلى الله عليه وسلم. و (أنت يا معاوية) لا الماضين من أئمة الهدى اتبعت، ولا لطريقهم سلكت، حملت عبد ثقيف (1) على رقاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدبر أمورها ويسفك دماءها، فماذا تقول يا معاوية وقد مضى من أجلك أكثره وذهب خيره وبقي شره. إني امرأة من بني ذكوان، وثب زياد المدعى إلى آل (أبي) سفيان إلى ضيعة لي تراث أبي عن أجدادي فحال بيني وبينها وغصبني إياها وقتل رجالا من بني ذكوان ممن نازعه فيها وقد أتيتك مستصرخة، فأن أنصفت وعدلت، وإلا وكلتك وزيادا إلى الله عز وجل، فهو أحكم الحاكمين ولن تبطل ظلامتي وهو المنصف منكما. فبهت معاوية (فجعل) ينظر إليها تعجبا من كلامها، وقال: ما لزياد ؟ لعن الله زيادا فإنه لا يزال يبعث على مثالبه من ينشرها و (على) مساويه من يثيرها، ثم كتب إلى زياد بإنصافها والخروج من حقها وإلا صرفها مذموما مدحورا. وأمر لها بعشرة آلاف وصرفها مكرمة والله أعلم.


(1) وهو زياد بن عبيد الرومي عبد الحارث بن كلدة الثقفي وأمه سمية أيضا كانت أمة للحارث بن كلدة الثقفي فزوجها عبيد الرومي عبده فولدت له زياد. ولما أراد معاوية الاستهزاء بالاسلام وقوانينه نسبه إلى أبي سفيان بحجة أن أباه أبو سفيان زنى بسمية أم زياد من ماء أبي سفيان بزياد ! !. والقصة معروفة قلما يكون كتب التاريخ خال منها، وانظر تفصيل القصة في تاريخ الطبري وترجمة زياد من تاريخ دمشق والاستيعاب والاصابة وغيرها. (*)

[ 261 ]

خطبة معاوية بن يزيد رحمه الله: (قال المؤلف:) وإنما ذكرت هذه الخطبة هنا، بعد (ذكر) الوافدات على معاوية - وإن لم يكن (ها هنا) موضعها - لما فيها من الملائمة لما نحن فيه، ولما فيه من الغرابة والبلاغة، والانصاف والتنبيه على صلاح قائلها وورعه ودينه واعترافه بما أنكره أبوه وجده، وتنويهه بحق هذا البيت الشريف وتعظيمهم وأنهم أحق الناس بهذا الامر دون كل أحد، وأن أباه وجده أخذوه منه ظلما وعدوانا ! ! ! لما استخلف (معاوية بن يزيد) رضي الله عنه صعد المنبر فجلس عليه طويلا ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس والله ما أنا بالراغب في التأمير عليكم، ولا بالامن لعظيم ما أكرهه منكم / 131 / أ / إنما بلينا بكم وبليتم بنا، ألا (و) إن جدي نازع الامر من كان أولى به منه، لقرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم وقديمه ؟ وسابقته، أعظم المهاجرين قدرا وأولهم إيمانا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، جعله لها بعلا باختياره له لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، فهما بقية رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلالة خاتم النبيين. فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم معه منه ما لا تجهلون، ثم انتظمت لجدي منيته وصار مرتهنا بعمله فريدا في قبره. ثم تقلد أبي أمركم بهوى أبيه الذي كان فيه، فلقد كان (ب‍) سوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمة محمد، ولا جدير بها، فركب هواه واستحسن خطاه وأقدم على ما أقدم عليه، جرأة على الله وبغيا على ما استحل حرمته، فقلت مدته وانقطع أثره وضاجع عمله، وحصل على ما قدم ؟ وأنسانا الحزن عليه الحزن له بما قدمه، فليت شعري ما قال وما قيل له. وخنقته العبرة وبكى بكاءا شديدا وعلا نحيبه وسبح طويلا ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والساخط فيما أرى أكثر من الراضي وما كان الله يراني أحمل إمامتكم وألقاه بتبعاتكم فشأنكم بأمركم، خذوه وولوه من شئتم ممن يقوم بسياستكم فولوه أموركم. فقال له مرواه: سنها (يا) أبا ليلى عمرية ؟ قال: أتخدعني يا مروان (عن) ديني ونفسي ؟ يا (مروان) ائتني برجال مثل رجال عمر حتى أفعل، فو الله لئن كان هذا الامر مغنما لقد أصاب آل (أبي) سفيان منها حظا كافيا، ولئن كان شرا فحسبهم ما

[ 262 ]

أصابوه (1) ! ! ! ثم نزل (عن المنبر) فدخل الخضراء فقالت له أمه: ليتك كنت حيضة ! ! فقال: والله لوددت (أن كنت) ذلك، ولم أعلم أن لله نارا يعذب بها من عصاه، إن لم يرحم الله أبي وجدي (فويل لهما). ثم إنه مات بعد أربعين يوما، فوثب بنو أمية على مؤدبه المعروف بعمر المقصوص وقالوا له: أنت علمته هذا ! فقال: لا والله وإنه لمطبوع عليه، والله ما حلف قط إلا بمحمد وآل محمد، وما رأيته أفرد آل محمد منذ عرفته، فرضي الله عنه ورحمه وجزاه أحسن الجزاء بمنه وكرمه (2).


(1) من أول الخطبة إلى ها هنا، رواه اليعقوبي - بمغايرة طفيفة لفظية - في حوادث سنة " 64 " من تاريخه ج 2 ص 240 طبعة الغري. وذيل الكلام رواه أيضا المسعودي في حوادث سنة " 64 " من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 73. ورواه في كتاب الاضواء، ص 116، عن كتاب حياة الحيوان: ج 2 ص 61. ورواه بأتم منهم ابن العبري المتوفى عام " 685 " في كتابه تاريخ مختصر الدول ص 111، ثم قال في ذيل القصة: فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقال: أنت أفسدته وعلمته ! ! فطمروه ودفنوه حيا ! ! ! وانظر ترجمة عمر بن نعيم العنسي من النسخة الاردنية من تاريخ دمشق ج 13 ص 365. ورواه موجزا ابن حجر في كتاب الصواعق ص 134. ورواه عنه العلامة الاميني تحت الرقم: (75) في عنوان: " كلمات تعرف معاوية " من كتاب الغدير ج 10، ص 174. (2) وبعده في أصلي ثلاث كلمات غير مقروءة. (*)

[ 263 ]

الباب الخامس والسبعون / 131 / أ / في مقتل سيدنا وابن سيدنا الحسين بن بنت رسول الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما اعتمد آل أبي سفيان في أمره عاملهم الله بما يستحقونه (قال ابن عبد ربه: وعن) علي بن عبد العزيز قال: قرئ على أبي عبيد القاسم بن سلام وأنا أسمع، فسألته نروي عنك كما قرئ عليك ؟ قال: نعم. (قال) قال أبو عبيدة (1): لما مات معاوية بن أبي سفيان وجاءت وفاته إلى المدينة وعليها يومئذ الوليد بن عتبة (بن أبي سفيان) فأرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فدعاهما إلى البيعة، فقالا (له): بالغداة على رؤس الناس. وخرجا من عنده فدعا الحسين برواحله فركبها وتوجه نحو مكة على المنهج الاكبر، وركب ابن الزبير وأخذ طريق " الفرع " حتى قدم مكة (2). ومر الحسين عليه السلام (في مسيره) حتى أتى على عبد الله بن المطيع وهو على بئر له فنزل عليه، فقال للحسين: يا أبا عبد الله لا سقانا الله بعدك ماءا طيبا أين تريد ؟


(1) كذا في عنوان: " مقتل الحسين بن علي " من العسجدة الثانية من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 118، ط بيروت، وفي الطبعة القديمة: ج 3 ص 123، غير أن فيهما: قرأ علي أبو القاسم عبد الله بن سلام... وفي أصلي من جواهر المطالب: قرئ على أبي عبيد القاسم بن سلام وأنا أسمع وشاب يروي ما قرئ عليه، قال أبو عبيدة... ثم الظاهر أن علي بن عبد العزيز - المذكور في صدر السند - هو من يقال له علي بن غراب، وعلي بن أبي الوليد الذي يروي عنه مروان بن معاوية، وإسماعيل بن أبان الوراق، ونصر بن مزاحم المنقري وهو من رجال النسائي وابن ماجة، مترجم في تهذيب التهذيب: ج 7 ص 362. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: وركب ابن الزبير برذونا له وأخذ طريق العرج ؟... (*)

[ 264 ]

قال: العراق. قال: سبحان الله لم ؟ قال: مات معاوية وجاءني أكثر من حمل صحف (ورسائل يدعوني أن أذهب إليهم كي ينصروني) (1). قال: لا تفعل يا أبا عبد الله فو الله ما حفظوا أباك وكان خيرا منك، فكيف يحفظونك ؟ فو الله لئن قتلت لابقيت بعدك حرمة إلا استحلت. فخرج الحسين (من عنده) حتى قدم مكة، فأقام بها هو وابن الزبير. وقدم عمرو بن سعيد في رمضان أميرا على المدينة والموسم، وعزل الوليد بن عتبة، فلما استوى (عمرو) على المنبر رعف، فقال أعرابي: جاءنا والله بالدم. فتلقاه رجل بعمامته فقال (الاعرابي): مه والله عم الناس (شر). ثم قام فخطب فناولوه عصا لها شعبتان، فقال (الاعرابي): شعب أمر الناس والله (2). ثم خرج (عمرو) إلى مكة فقدمها يوم التروية، فقال الناس للحسين: يا أبا عبد الله لو تقدمت فصليت بالناس فإنه ليهم بذلك إذ جاء المؤذن فأقام للصلاة (3) وتقدم عمرو بن سعيد فكبر، فقيل للحسين اخرج يا أبا عبد الله إذ أبيت أن تتقدم. فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. قال: فصلى ثم خرج، فلما بلغ عمرو بن سعيد (أنه) قد خرج، قال: اركبوا كل بعير بين السماء والارض واطلبوه. فطلبوه فلم يدركوه (4). وأرسل عبد الله بن جعفر / 131 / ب / ولديه عونا ومحمدا ليردا الحسين، فأبى أن يرجع، وخرج بابني عبد الله بن جعفر معه. فرجع عمرو بن سعيد إلى المدينة، وأرسل إلى ابن الزبير (ليأتيه) فأبى أن يأتيه وامتنع ابن الزبير برجال من قريش وغيرهم من أهل مكة. (فأرسل عمرو بن سعيد إليهم جيشا من المدينة، وأمر عليهم عمرو بن الزبير أخا عبد الله بن الزبير) وضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة وهو كارهون للخروج


(1) ما بين المعقوفين زيادة اقتبسناها من القرائن الخارجية. (2) وليلاحظ ما أوردناه في هذا المقام في كتابنا عبرات المصطفين ص 83 ط 1. وليراجع أيضا القسم الثاني من ج 4 من أنساب الاشراف، ص 19 و 23. وكذا يراجع أواسط مسند أبي هريرة من مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 385 ط 1. (3) كذا. (4) وفي العقد الفريد ج 3 ص 134: " قال فعجب الناس من قوله هذا فطلبوه فلم يدركوه ". (*)

[ 265 ]

فقال (لهم): إما أن تأتوني ببديل وإما أن تخرجوا. فبعثهم إلى مكة فقاتلوا ابن الزبير، فانهزم عمرو بن الزبير وأسره أخوه عبد الله فحبسه في السجن (1). وقد كان الحسين بن علي بعث مسلم بن عقيل إلى (أهل) الكوفة ليأخذ بيعتهم، وكان على الكوفة حين مات معاوية النعمان بن بشير الانصاري فقال: يا أهل الكوفة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بنت بجدل (2) ! ! ! فبلغ ذلك يزيد فقال: يا أهل الشام أشيروا علي من أستعمل على أهل الكوفة ؟ قالوا: نرضى بما رضيت (3). فولى (يزيد) عبيد الله بن زياد على العراقين فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين. و (كان) قد بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة (4) وخرجوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسل منه ناس حتى بقي في شرذمة قليلة، فجعل الناس يرمونه بالاجر من فوق البيوت. فلما رآى (مسلم) ذلك، دخل دار هانئ عروة المرادي - وكان له شرف ورأي (5) - فقال له هانئ: إن لي من ابن زياد مكانا و (إني) سوف أتمارض فإذا جاء ليعودني


(1) هذا هو الظاهر المذكور في الطبعة الثانية من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 134، وفي أصلي من جواهر المطالب ها هنا اختصار مخل، وإليك لفظه: وضرب (عمرو) على أهل الديوان البعث، فبعث عمرو بن سعيد جيشا إليهم من المدينة وأمر عليهم عمرو بن الزبير، وضرب عليهم البعث إلى مكة وهم له كارهون، فوصلوا إلى مكة وقاتلوا ابن الزبير، فانهزم (عمرو) بن الزبير، وأسر (ه) أخوه عبد الله فحبسه في السجن. (2) لم أظفر على قول نعمان بن بشير: " ابن بنت رسول الله... أحب إلينا.... " إلا في كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 134، ط عام (1346) بمصر. (3) وفي العقد الفريد: قال: فبلغ ذلك يزيد، فقال: يا أهل الشام أشيروا علي من أستعمل على الكوفة ؟ فقالوا: ترضى من رضي به معاوية ؟ قال: نعم. قيل له: فإن الصك بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقيين قد كتب في الديوان. فاستعمله (يزيد) على الكوفة فقدمها قبل أن يقدم حسين.... (4) ومثله في العقد الفريد: ج 2 ص 134، ط 2 بمصر، سنة (1346). (5) هذه الفقرة - كبعض أخر من الفقرات - من أدلة شذوذ رواية ابن عبد ربه هذه، فإن دخول مسلم بيت هانئ كان قبل خروجه، وكذلك خروج مسلم كان بعد استيلاء ابن زياد على هانئ لا قبله، وهذا كاد أن يكون إجماعا بين المؤرخين. (*)

[ 266 ]

(وقلت: اسقوني (ماءا) فاخرج عليه) فاضرب عنقه (كان يقولها لمسلم بن عقيل) (1) قال: فبلغ ابن زياد أن هانئ (بن عروة) مريض (يقئ الدم - وكان شرب المغرة - (وهو الطين الاحمر على ما قيل) فجعل يقيؤها) (2). فجاء ابن زياد ليعوده، فلما دخل ابن زياد، جلس فقال هانئ: اسقوني (ماءا) فتباطؤا عليه، فقال: ويحكم اسقوني وإن كان فيه ذهاب نفسي ! ! ! فخرج ابن زياد ولم يصنع الاخر شيئا وكان (من) أشجع الناس ولكن أخذ بقلبه


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي تقديم وتأخير وتصحيف ونقص فاحش وهذا نصه: فقال له هانئ: إن لي من ابن زياد مكانا وسوف أتمارض، فإذا جاء ليعودني فاضرب عنقه. قال: فبلغ ابن زياد أن هانئ مريضا ؟ فجاء ابن زياد ليعوده وقال هانئ: إذا قلت: اسقوني فاخرج عليه واضرب عنقه. يقولها لمسلم بن عقيل. فلما دخل ابن زياد جلس، فقال هانئ: اسقوني. فتباطؤا عليه، فقال: ويحكم اسقوني وإن كان فيه ذهاب نفسي. فخرج ابن زياد ولم يصنع الاخر شيئا، قال: وكان أشجع الناس ولكن أخذ بقلبه ! ! ! (2) وهكذا ذكره أيضا ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 3 ص 135 طبعة سنة (1346) بمصر، وما وجدته في غيره من المصادر ومعنى قوله: " وقد أخذ بقلبه " أيضا غير واضح، وقد يقال: إنه أخذ بقلبه الجبن ؟ وقد يقال: إنه أخذ بقلبه ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن الايمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن. والصواب إنه أخذ بقلبه كراهية هانئ من قتل الرجس ابن زياد في داره على ما هو المعتمد، مما ورد حول تخطيط قتل ابن زياد من أنه هو شريك بن الاعور الحارثي كما في كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 79 ط 1، وكذلك ذكره ابن سعد، في ترجمة الامام الحسين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 8 / الورق 54 / ب / وهكذا ذكره الدينوري في كتاب الاخبار الطوال. ومن القرائن على كراهة هانئ من قتل الطاغوت ابن زياد في داره، أن هانئا كان من أشراف الكوفة، وله عشيرة وأحلاف وعدة وعدة فما باله يوكل أمر قتل ابن زياد إلى مسلم ؟ ولماذا يخصص مسلما بذلك ؟ وهل كان يفترق لوازم قتل ابن زياد في بيته بين أن يكون القاتل هو مسلم أم غيره ؟ وهل كان الفتاكون في الكوفة أو في عشيرته أو في الشيعة غير موجودين حتى يقوم مسلم بنفسه بذلك الامر ؟ ثم مثل هذا الامر المهم هل يفوض إلى شخص واحد يمكن أن يحول بينه وبين الوصول إلى هدفه مانع فيخيب عن الوصول إلى هدفه ويترتب على قيامه لوازم سيئة ؟ ! وبطبيعة الحال أن ابن زياد لم يأت إلى عيادة هانئ أو شريك الاعور بوحده بل في كثير من التواريخ أنه كان معه مهران غلامه فما يقال لو أن مهران الحارس لعبيد الله القائم على رأسه بالسيف يتصارع مسلم دفاعا عن عبيد الله حتى يقوم هو أيضا للدفاع عن نفسه هل كان مسلم بوحده مع شجاعته البالغة ينال أمله من قتل عبيد الله ؟ (*)

[ 267 ]

فقيل لابن زياد: ما أراد هانئ إلا قتلك ! ! فأرسل (ابن زياد إلى هانئ كي يأتيه) فقال: إني شاك لا استطيع (أن آتيه) فقال: ائتوني به وإن كان شاكيا. فأسرجت له دابة فوثب (عليها) ومعه عصا / 132 / أ / وكان أعرج يسير قليلا (قليلا) ثم يقف ثم يقول: ما أذهب إلى ابن زياد. فلما دخل عليه قال له (ابن زياد) يا هانئ أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال: بلى. قال: ويدي ؟ قال: بلى. ثم قال: قد كانت لك (ولابيك) عندي يد (فأنا أجازيك عنها) فاخرج فقد آمنتك على نفسك ! ! ! (1) فتناول العصا من يده فضربه بها فهشم وجهه ثم قدمه فضرب عنقه.


ويغلبه قطعيا ويقتله ؟ أما كان عدم نجاحه والحال هذه مظنونا قويا ؟ أما كان هانئ يدرك ذلك وهو شيخ في سن بضع وتسعين سنة ؟ نعم كل ذلك كان يدرك ولهذا خاف من وبال القيام بهذا الامر في بيته صونا لماء وجهه ودماء عشيرته إن لم يظفر مسلم بمقصده ولهذا كره من قيام مسلم بهذا الامر، فوقع فيما خاف منه وحذر عنه، وخاب آمال محبي أهل البيت، وختم بطابع السواد على وجوه من كتب إلى الامام الحسين ثم تقاعد عنه وخذله حتى استشهد صلوات الله وسلامه عليه في عقر دارهم بأفجع وجه واستؤصل أهل بيت بيد من يدعي الاسلام وليس من الاسلام في شئ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: ثم تناول العصا من يده فضربه فهشم وجهه ثم قدمه فضرب عنقه. وروى الطبري في حوادث العام: (60) من تاريخه: ج 5 ص 391: عن حسين بن نصر (عن أبيه) عن أبي ربيعة عن أبي عوانة عن حصين بن عبد الرحمان قال: فأرسل (ابن زياد) إلى هانئ فأتاه فقال (له): ألم أوقرك ؟ ألم أكرمك ؟ ألم أفعل بك ؟ قال (هانئ): بلى. قال: فما جزاء ذلك ؟ قال: جزاؤه أن أمنعك ! ! ! قال تمنعني ؟ (قال: بلى) قال: فأخذ قضيبا مكانه ؟ فضربه به... أقول: وهذه الشهامة - التي كانت بعد فوات وقتها - قد رواها عن هانئ جماعة منهم ابن سعد في ترجمة الامام الحسين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 8 / الورق 54 / ب / قال: ثم مضى (ابن زياد) حتى دخل القصر، وأرسل إلى هانئ بن عروة وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، فقال (له): ما حملك على أن تجير عدوي وتنطوي عليه: فقال (له هانئ): يا ابن أخي إنه جاء حق هو أحق من حقك وحق أهل بيتك ! ! ! فوثب عبيد الله وفي يده عنزة فضرب بها رأس هانئ حتى خرج الزج واغترز في الحائط ونثر دماغ الشيخ فقتله مكانه ؟. (*)

[ 268 ]

ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل فخرج عليهم بالسيف فما زال يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح (1) ثم أسروه وأتوا به ابن زياد فقدمه ليضرب عنقه، فقال: دعني حتى أوصي (فقال له ابن زياد أوص.) فنظر في وجوه الناس فقال لعمر بن سعد: ما أرى هنا قرشيا غيرك، أدن مني حتى أكلمك. فدنا منه، فقال له (مسلم): هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن الحسين (ومن) معه (هم) تسعون إنسانا بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم واكتب إليهم بما أصابني. ثم ضربت عنقه رحمه الله. فقال عمر (لا) بن زياد: أتدري ما الذي قال لي ؟ قال: اكتم على ابن عمك. قال: هو أعظم من ذلك ؟ قال: وما هو ؟ قال: أخبرني أن الحسين قد أقبل ومن معه وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة فاردده إليه بما قد أصابني. فقال (ابن زياد): أما والله إن دللت عليه لا يقاتله (أحد) غيرك، فبعث معه جيشا، وكان قد جاء الحسين الخبر، وهو ب‍ " شراف " فهم أن يرجع ومعه خمسة من ولد عقيل فقالوا: نرجع وقد قتل أخونا وقد جاءك من الكتب ما تثق به ؟ فقال الحسين لبعض أصحابه: والله مالي عن هؤلاء من صبر ؟ ! قال: فلقيه الجيش على خيولهم وقد نزلوا كربلاء (فقال حسين: أي أرض هذه ؟ قالوا: كربلاء. قال: أرض كرب وبلاء) وأحاطت بهم الخيل. فقال الحسين لعمر بن سعد: يا عمر اختر مني (واحدة) من ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع من حيث جئت، وإما أن تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده (2) وإما


(1) ظاهر هذه العبارة أن استشهاد مسلم رفع الله مقامه كان بعد شهادة هانئ، ولكن المذكور في جميع المصادر الوثيقة القديمة أن هانئا استشهد بعد استشهاد مسلم صلوات الله عليهما. (2) كذا في روايات آل أمية، والثابت في روايات شيعة أهل البيت عليهم السلام أنه عليه السلام لم يسأله إلا أن يتركوه كي يرجع إلى مأمنه وما جاء منه. وقد روى غير واحد من الحفاظ منهم ابن كثير في ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 175، قال: روى أبو مخنف عن عبد الرحمان بن جندب عن عقبة بن سمعان قال: لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل (من القوم) أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، ولكن طلب منهم أحد أمرين: إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الارض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه ؟ ! ! (*)

[ 269 ]

أن تسيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت. فأرسل (عمر) إلى ابن زياد بذلك، فهم به، فقال له شمر بن ذي الجوشن - لعنه الله وأخزاه -: قد أمكنك الله من عدوك فتدعه ؟ ! ! لا إلا أن ينزل على حكمك ! ! ! فأرسل (ابن زياد بذلك إلى عمر بن سعد، فأرسل به عمر إلى الحسين عليه السلام فقال الحسين:) أنا أنزل على حكم ابن مرجانة ؟ والله لا أفعل ذلك أبدا. وأبطأ عمر (عن تنفيذ أمر عبيد الله في محاربة الحسين عليه السلام، فأمر ابن زياد) شمر بن ذي الجوشن عليه لعائن الله أن يقدم (على عمر فيأمره بقتال الحسين، وقال لشمر: فإن) قاتل (فهو) وإلا فاقتله أنت وكن مكانه / 132 / ب /. (1) وكان مع عمر بن سعد ثلاثون رجلا من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن رسول الله ثلاث خصال فلا تقبلون منها شيئا ؟ فتحولوا مع الحسين رضي الله عنه فقاتلوا (حتى قتلوا). ورآى رجل من أهل الشام عبد الله بن حسن (بن علي) وكان من أجمل الناس (2) فقال: لاقتلن هذا الفتى. فقال له رجل: دعه فما تصنع بقتله ؟ فأبى وحمل عليه بالسيف فضربه وقتله، فلما أصابته الضربة قال: يا عماه. قال (الحسين): لبيك صوتا ؟ قل ناصره وكثر واتره، فحمل الحسين على قاتله فقطع يده ثم ضربه ضربة أخرى ثم اقتتلوا ؟. (قال ابن عبد ربه:) وحدثني علي بن عبد العزيز، قال: حدثني الزبير قال: حدثني محمد بن الحسن (بن علي عليهم السلام) قال: لما نزل عمر بن سعد بالحسين عليه السلام وأيقن أنهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:


(1) هكذا رممنا لفظ المصنف بما وضعناه بين المعقوفات، وما في كتاب العقد الفريد أيضا يحتاج إلى ترميم، وهذا لفظه في الطبعة الثانية منه: قال: وأبطأ عمر عن قتاله، فأرسل ابن زياد إلى شمر بن ذي الجوشن وقال له: إن تقدم عمر وقاتل (فهو) وإلا فاتركه ؟ وكن مكانه... وقريبا منه رواه مرسلا في ترجمة الامام الحسين من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 170، ط دار الفكر. (2) انطباق هذا السياق على شهادة قاسم بن الحسن عليهما السلام - على ما رواها أكثر المؤرخين - أظهر من انطباقه على شهادة عبد الله بن الحسن صلوات الله عليهما. (*)

[ 270 ]

قد نزل بنا ما ترون من الامر، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون (أن) الحق لا يعمل به ؟ والباطل لا ينتهى عنه ؟ ألا وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا (ذلا و) ندما (1). وقتل رضوان الله عليه يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بالطف من شاطئ الفرات بموضع يدعى كربلاء. و (قد كان) ولد عليه السلام) لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. وقتل وهو ابن ست وخمسين سنة. قتله سنان بن أبي أنس ؟ وأجهز عليه خولى بن يزيد بن حمير ؟ لعنهما الله وأخزاهما، وأتى برأسه لعبيد الله بن زياد الدعي وهو يقول: أوقر ركابي فضة وذهبا أنا قتلت الملك المحجبا خير عباد الله أما وأبا (وخيرهم إذ ينسبون نسبا) فقال له ابن الدعي: فإذا كان خير عباد الله أما وأبا فلم قتلته ؟ قدموه فاضربوا عنقه (فضربت عنقه) (2). وعن روح بن زنباع (عن الغاز بن ربيعة الجرشي) قال: (3) إني مع يزيد بن معاوية إذ أقبل زحر بن قيس الجعفي حتى دخل على يزيد، فقال (له يزيد): ما وراؤك يا زحر ؟ قال: أبشرك يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، قدم علينا الحسين في تسعة عشر رجلا من أهل بيته وستين رجلا من شيعته، فبرزنا إليهم / 133 / أ / وسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الامير (أو القتال) فأبوا إلا القتال فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية، حتى إذا أخذت السيوف مآخذها من هام الرجال جعلوا يلوذون منا بالاكام والحفر كما يلوذ الحمام من الصقر


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من الطبعة الثانية من كتاب العقد الفريد، وفيه وفي أصلي معا تصحيفات أصلحناها على وفق المصادر السالمة على التصحيف. (2) جملة: " فضربت عنقه " مأخوذة من العقد الفريد. (3) ما بين المعقوفات كلها مأخوذ من كتاب العقد الفريد، وفيه: إذ أقبل زحر بن قيس الجعفي حتى وقف بين يدي يزيد... والحديث رواه أيضا الطبري بالسند المذكور في تاريخه: ج 5 ص 459 طبع الحديث بمصر. (*)

[ 271 ]

(1) فلم يكن إلا كنحر جزور أو نومة حتى أتيناهم عن آخرهم ؟ فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة ؟ وخدودهم معفرة تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الرياح بقاع سبسب طعمة للعقاب والرخم (2). وعن (علي بن) عبد العزيز (عن الزبير بن بكار) عن محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي (عن أبيه) قال: لما خرج الحسين إلى الكوفة ساخطا لولاية يزيد بن معاوية، كتب يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد الدعي وهو واليه على العراق: أنه بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة (1) وقد ابتلى به زمانك من بين الازمان، وبلدك من بين البلدان وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تكون عبدا (كما يعتبد العبيد) ! ! ! فقتله (عبيد الله) - قاتله الله ولعنه وأخزاه - وبعث برأسه وثقله وأهله إلى يزيد، فلما وضع الرأس بين يديه تمثل بقول (حصين) بن الحمام المري: نفلق هاما من رجال أعزة علينا وإن كانوا ؟ أعق وأظلما فقال له علي بن الحسين - رحمه الله (3) وهو في السبي -: كتاب الله أولى بك من


(1) هكذا شأن أبناء من غلب، وكلاب أهل النار، وفراش خروء الطواغيت، مرتزقة المنافقين في التقول بالباطل والتفوه بالترهات، ويكفي لقطع نباح هذا الشقي وأمثاله، المراجعة إلى ما تجلى في يوم عاشوراء من مسابقة الحسين وأصحابه عليهم السلام في الرواح إلى الله تعالى برواية الموثوقين من المؤرخين. وكذا يكفي ما أبداه بعض الحاضرين في كربلاء من أشقاء هذا الرجس زحر بن قيس حيث اعتذر عن قتاله وقتله لال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار (51) من شرحه على نهج البلاغة ج 3 ص 307، وفي ط الحديث بمصر ج 3 ص 262، قال: ثارت علينا إصابة أيديها في مقابض سيوفها كالاسود الضارية تحتم الفرسان يمينا وشمالا وتلقي أنفسها على الموت، لاتقبل الامان ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لاتت على نفوس العسكر بحذافيرها ! !. (2) وفي كتاب العقد الفريد: " وهامهم مزملة، وخدودهم معفرة... بقاع سبسب، زوارهم العقبان والرخم. قال: فدمعت عينا يزيد، وقال: لقد كنت أقنع من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن ابن سمية أما والله لو كنت صاحبه لتركته، رحم الله أبا عبد الله وغفر له. (3) وفي العقد الفريد: خرج الحسين إلى الكوفة... فكتب يزيد إلى عبيد الله... وهو واليه بالعراق: إنه قد بلغني... (*)

[ 272 ]

الشعر، يقول الله تبارك وتعالى * (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختار فخور) * (23 / المجادلة: 57). فغضب يزيد لعنه الله وجعل يعبث بلحيته وقال: غير هذا من كتاب الله أولى بك وبأبيك، قال الله: * (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) * (42 / الشورى: 42). (ثم قال يزيد:) ما ترون يا أهل الشام في هؤلاء ؟ فقال رجل منهم: لا تتخذ من كلب سوء جروا ! ! ! فقال النعمان بن بشير الانصاري: انظر ما كان يصنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم لو رآهم في هذه الحالفة فاصنعه بهم. قال (يزيد): صدقت خلوا عنهم واضربوا عليهم القباب، وأمال عليهم المطبخ وكساهم ؟ وأخرج إليهم جوائز كثيرة، وقال: لو كان بين ابن مرجانة وبينهم نسب ما قتلهم. ثم ردهم إلى المدينة (1). وعن الرياشي قال: أخبرني محمد بن أبي رجاء، قال: أخبرنا أبو معشر عن يزيد بن / 133 / ب / (أبي) زياد، عن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (2) قال: حدثني أبي قال: أتي بنا إلى يزيد بن معاوية بعد ما قتل الحسين ونحن اثنا عشر غلاما، وكان أكبرنا علي بن الحسين وكل واحد قد غلت يده إلى عنقه، فقال لنا أحرزتم أنفسكم عبيد


(1) ما بين المعقوفات مأخوذ من كتاب العقد الفريد، وغيره. وهذا رواه أيضا الطبراني في الحديث: " 80 " من ترجمة الامام الحسين تحت الرقم: " 2846 " من المعجم الكبير: ج 3 ص 123، طبع بغداد. ورواه ابن عساكر عن طريق آخر في الحديث: " 260 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 208 ط بيروت. وقريبا من هذا الذيل مستقلا الطبراني في الحديث: " 82 " من ترجمة الامام الحسين تحت الرقم: " 2848 " من المعجم الكبير: ج 3 ص 124، ط 1. وهاهنا كان في أصلي نقص أكملناه من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 137، ط 2. (2) كذا في كتاب العقد الفريد، طبع 2 / غير أنه كان فيه: " محمد بن الحسين ". وفي أصلي: أخبرنا أبو معمر، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... (*)

[ 273 ]

أهل العراق (1) وما علمت بخروج أبي عبد الله و (لا) بقتله ؟ (2). فقال له علي بن الحسين: يقول الله: يا يزيد * (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختار فخور) *. فعاظ ذلك يزيد وأجابه بما تقدم (في الحديث المتقدم آنفا). أبو الحسن المدائني عن إسحاق، عن إسماعيل عن سفيان عن أبي موسى: عن الحسن البصري قال: قتل مع الحسين ستة عشر من أهل بيته والله ما على (وجه) الارض يومئذ أهل بيت يشبهون بهم ! ! ! (3) وحمل أهل الشام بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا على الاقتاب ! ! فلما دخلن على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد (أ) بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا ؟ ! قال: (بل) حرائر كرام ادخلي على بنات عمك تجديهن فعلن ما فعلت ! ! ! قالت فاطمة: فدخلت (عليهن) فما وجدت فيهن سفيانية إلا ملتدمة تبكي (4). وقالت فاطمة بنت عقيل ترثي الحسين ومن أصيب معه من أهله: عين بكي بعبرة وعويل واندبي إن ندبت آل الرسول ستة كلهم لصلب علي قد أصيبوا وخمسة لعقيل


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: وكان كل واحد منا مغلولة يده إلى عنقه ! ! ! فقال لنا (يزيد): أحرزت أنفسكم عبيد أهل العراق ؟... (2) إلى هنا ينتهي هذا الحديث في كتاب العقد الفريد، ط 2، وما بعده من بقية هذا الحديث غير موجود فيه. (3) كذا في الطبعة الثانية من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 137 وفي أصلي: وعن إسحاق بن إبراهيم، عن شقيق عن أبي موسى عن الحسن البصري قال: قتل مع الحسين ستة عشر (رجلا) من أهل بيته، والله ما على الارض يومئذ خير منهم. وهذا رواه أيضا الطبراني في الحديث: " 88 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام تحت الرقم: " 2854 " من المعجم الكبير: ج 3 ص 127، ط 1. (4) كذا في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي: قال: حرائر كرام، ادخلن (على) بنات عمكن تجدوهن ؟ قد فعلن ما فعلتن... وملتدمة: ضاربة وجوههن لما حل من مآتم الحسين عليه السلام. (*)

[ 274 ]

ومن حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي ومعي الحسين فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته فبكى (فتركته فدنا منه، فأخذته فبكى) فتركته، فقال له جبريل: أتحبه يا محمد ؟ قال: نعم (1) قال: إن أمتك ستقتله ! ! ! وإن شئت أريتك (من) تربة الارض التي يقتل بها ؟ ((قال: بلى) فبسط جناحه فأراه منها فبكى النبي صلى الله عليه وسلم (2). وقال محمد بن خالد: قال إبراهيم النخعي: لو كنت فيمن قتل الحسين ودخلت الجنة لاستحييت أن انظر الى وجه رسول الله صلى الله عليه ! ! ! (3) وعن ابن لهيعة، عن أبي الاسود (محمد بن عبد الرحمان) / 134 / أ / قال: لقيت رأس الجالوت قال: إن بيني وبين ابي داود سبعين أبا وإن اليهود إذا رأوني عظموني وعرفوا حقي وأنتم ليس بينكم وبين نبيكم إلا أب واحد قتلتم ابنه ! ! ! (4) وعن عبد الوهاب بن بشار أن الحكم (5) قال:


(1) كذا في الطبعة الثانية من العقد الفريد، وفي أصلي: " فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته فبكى فتركته فنزل جبريل عليه السلام وقال: يا محمد أتحبه ؟ قال: نعم... ". (2) وللحديث - أو ما في معناه - مصادر وأسانيد ذكرنا كثيرا منها في مقدمة كتابنا عبرات المصطفين فليراجع. (3) وهذا رواه أيضا الطبراني في الحديث: " 63 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام تحت الرقم : " 2829 " من المعجم الكبير: ج 3 ص 119. ورواه أيضا ابن عساكر في الحديث: " 323 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 260 ط بيروت. (4) وهذا رواه أيضا ابن سعد في الحديث: "... " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب الطبقات الكبرى: ج 8 / الورق 68 / ب / قال: أخبرنا عمرو بن خالد المصري قال: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمان قال: لقيني رأس الجالوت، فقال: والله إن بيني وبين داود لسبعين أبا، وإن اليهود لتلقاني فتعظمني وأنتم ليس بينكم وبين نبيكم إلا أب واحد قتلتم ولده ! ! ! (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: (وعن) ابن عبد الوهاب، عن يسار بن عبد الحكم قال... والحديث رواه أيضا ابن قتيبة في كتاب الحرب من عيون الاخبار: ج 1، ص 212 قال: روى سيار بن الحكم (سنان بن حكيم " خ " عن أبيه قال: انتهب الناس ورسا في عسكر الحسين بن علي يوم قتل فما تطيبت منه امرأة إلا برصت. هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي تصحيف. (*)

[ 275 ]

انتهب عسكر الحسين (عليه السلام) فوجدوا فيه طيبا فما تطيبت به امرأة إلا برصت. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وهم صغار، ولم يبايع قط صغيرا إلا منا. (1) وقيل لعلي بن الحسين: ما أقل ولد أبيك ؟ قال: العجب كيف ولدت (له) وكان رضي الله عنه يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء ! ! (2) وعن يحيى بن إسماعيل (عن سالم) عن الشعبي قال: قيل لابن عمر: إن الحسين قد توجه إلى العراق. فلحقه على ثلاث مراحل من المدينة - وكان غائبا عند خروجه - فقال: أين تريد ؟ قال: العراق - وأخرج إليه كتب القوم (و) قال: هذه بيعتهم وهذه كتبهم - فناشده الله أن يرجع، فأبى (الحسين من الرجوع) فقال: إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بين الدنيا والاخرة، فاختار الاخرة، وأنت بضعة منه، فو الله ما نالها أحد من أهل بيتك، وما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم فارجع فأنت تعلم غدر أهل العراق وما كان أبوك يلقى منهم. فأبى (الحسين من أن يرجع) فاعتنقه (ابن عمر) وبكى وقال استودعك الله من قتيل (3). وقال الفرزدق: خرجت أريد مكة فإذا (أنا) بقباب مضروبة (وفساطيط) فقلت: لمن هذه ؟ قالوا: للحسين. فعدلت إليه وسلمت عليه، فقال: من أين أقبلت ؟


(1) كذا في أصلي، وفي الطبعة الثانية من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 138: ولم يبايع قط صغيرا إلا هم. وللحديث مصادر وأسانيد يجدها الباحث تحت الرقم: " 192 - 196 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 149، ط 1 (2) وللحديث مصادر يجد الباحث بعضها في ترجمة الامام علي بن الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق. وفي كتاب العقد الفريد قبل هذا الحديث ما لفظه: (حدث) علي بن عبد العزيز، عن الزبير، عن مصعب بن عبد الله قال: حج الحسين خمسة وعشرين حجة ملبيا ماشيا. وليلاحظ الحديث: " 196 " وما بعده من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 150، ط 1 (3) وللحديث مصادر وأسانيد. (*)

[ 276 ]

قلت: من العراق. قال: كيف تركت الناس ؟ قلت: (تركتهم و) القلوب معك والسيوف عليك، والنصر من عند الله. والله أعلم. (1)


(1) كذا في أصلي، وجملة: " والله أعلم " غير موجودة في العقد الفريد. ورواه أيضا في أواسط كتاب الياقوتة في العلم: ج 1، ص... ط 2 بمصر، وفي ط بيروت: ج 2 ص 128، قال: ولقي الحسين بن علي - رضوان الله عليهما - الفرزدق في مسيره إلى العراق فسأله عن الناس ؟ فقال: القلوب معك والسيوف عليك، والنصر في السماء ؟. (*)

[ 277 ]

تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام من أصحابه وأهل بيته ومن أسر منهم (1) قال أبو عبيدة: حدثنا الحجاج، عن أبي معشر (2) قال: قتل الحسين (عليه السلام) وقتل معه (جماعة من) أهل بيته (3) منهم: عثمان بن علي وأبو بكر ابن علي وجعفر بن علي وعباس بن علي، وكانت أمهم أم البنين بنت حزام الكلبية وإبراهيم بن علي (4) لام ولد / 134 / ب /.


(1) كذا في العقد الفريد: ج 3 ص 139، من الطبعة الثانية بمصر، سنة (1346). وبعد قوله: " منهم " في أصلي من جواهر المطالب بقدر كلمتين غير مقروء لوقوعهما تحت التلزيقة. (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 3 ص 139، ط 2 بمصر: " قال أبو عبيد... " والظاهر أن أبا معشر هو نجيح بن عبد الرحمان المدني السندي مولى بني هاشم المترجم في تهذيب التهذيب ج 10، ص 419. (3) ما وضعناه بين المعقوفين من كلمتي: " جماعة من " كان غير مقروء من أصلي لوقوعه تحت التلزيقة وفي العقد الفريد: قتل الحسين بن علي، وقتل معه عثمان بن علي وأبو بكر بن علي... (4) كذا في أصلي ومثله ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 3 ص 139، والظاهر انه سهو منهما، ولم يذكره أحد من القدماء، فليراجع أسامي أولاد أمير المؤمنين عليه السلام في أول ترجمته عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 19، ط بيروت دار صادر. وهكذا يراجع ما أورده في تعداد الشهداء وأسمائهم في أواخر مقتل الحسين عليه السلام من القسم المخطوط من الطبقات الكبرى: ج 8 ص 61 / أ /. وليلاحظ أيضا ما نقله البلاذري في الحديث: (233) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 189، ط 1. وأيضا يلاحظ ما أورده ابن أبي الدنيا في عنوان: " ولد علي.. " في آخر مقتله ص 115، ط 1. وليراجع أيضا ما ذكره الطبري في آخر مقتل الحسين عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 455 ط مصر. وأيضا يراجع ما رواه محمد بن سليمان في عنوانه: " خبر أولاد علي... " في أواسط الجزء الخامس من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام: ج 2 ص 48 ط 1. ويراجع أيضا ما رواه الطبراني في الحديث: (30) من ترجمة الامام الحسين برقم: (803) من المعجم الكبير 3 ص 103. ويلاحظ أيضا ما أورده الشيخ المفيد في الحديث: (34) من كتاب الاختصاص ص 82 ط 1. ويراجع أيضا ما ذكره الشيخ المفيد في خاتمة سيرة أمير المؤمنين من كتاب الارشاد، ص 355، والاربلي في كشف الغمة: ج 1 ص 440. (*)

[ 278 ]

و (أيضا قتل معه عليه السلام) عبد الله بن حسن (وقاسم بن حسن) (1) وخمسة من ولد عقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم (1) وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر، وثلاثة من بني هاشم (من غير بني أبي طالب) فجميعهم تسعة عشر رجلا (3). وأسر من بني هاشم اثنا عشر رجلا وغلاما فيهم علي بن الحسين، ومحمد بن (علي بن) الحسين، و (جماعة من النساء والفتيات فيهن) فاطمة بنت الحسين (4) ولم تقم لبني حرب بعدهم قائمة حتى سلبهم الله ملكهم (5) وقطع دابرهم وأورثهم اللعنة والخزي والعار إلى آخر الابد. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: جنبني دماء أهل البيت فإني رأيت بني حرب سلبوا ملكهم لما قتلوا الحسين (6).


(1) ما بين المعقوفين لابد منه، وقد سقط من جواهر المطالب والعقد الفريد معا، وشهادة قاسم بن الحسن في كربلاء قطعية وشواهدها أيضا موفرة، كما أن شهادة أخيه الصغير - غير من تقدم ذكره - قطعية فانظر عبرات المصطفين: ج 2 ص 110. (2) وهكذا جاء في رثاء بعض بنات عقيل لهم كما في أكثر المصادر - وكما في زفرات الثقلين: ج 1، ص 149، ط 1: عين ابكي بعبرة وعويل واندبي إن ندبت آل الرسول ستة كلهم لصلب علي قد أصيبوا وخمسة لعقيل (3) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي جواهر المطالب والعقد الفريد معا: " سبعة عشر رجلا ". ثم إن ما صوبناه من أعداد الشهداء صلوات الله عليهم ووضعناه في المتن بين المعقوفات، إنما هو بالنسبة إلى من استشهد منهم في كربلاء، فرائد الشهداء مسلم بن عقيل صلوات الله عليه خارج عن هذا العدد. (4) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " وأسر اثنا عشر رجلا وغلاما من بني هاشم فيهم محمد بن الحسين... وفاطمة بنت الحسين... " وفي العقد الفريد: وأسر أثنا عشر غلاما من بني هاشم فيهم محمد بن الحسين وعلي بن الحسين وفاطمة بنت الحسين فلم تقم لبني حرب قائمة... (5) إلى هنا رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 3 ص 139، وفيه: " فلم تقم لبني حرب قائمة حتى سلبهم الله ملكهم ". (6) وهذا رواه أيضا ابن سعد، في آخر مقتل الحسين من الطبقات الكبرى: ج 8 / الورق 71 / ب / قال: (*)

[ 279 ]

هذا (ما) ذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد (1) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وذكر غيره في مقتله (عليه السلام) زيادة على ذلك أحببت ذكرها على سبيل الاختصار: قال ابن أبي شاكر في تاريخه (2): لما نزل الحسين عليه السلام ب‍ " شراف " طلعت عليه أعنة الخيل، فنزل في أبنيته ؟ وجاء القوم في ألف فارس فوقفوا مقاتلين للحسين في حر الظهيرة، فأمر الحسين رجلا فأذن ثم خرج (فخطبهم) فقال: أيها الناس معذرة من الله إليكم إنني والله ما أتيتكم حتى قدمت علي رسلكم بكتبكم أن اقدم إلينا. فإن كنتم (لقدومي) كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي خرجت منه ؟ ! ثم ركب (وأراد الانصراف) فركبوا وحالوا بينه وبين الانصراف ثم تسايروا حتى أنزلوه بكربلاء) (3). فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد بن ابي وقاص في أربعة آلاف فارس، وكان


قالوا: وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أما بعد فجنبني دماء بني عبد المطلب فإني رأيت آل حرب لما قتلوهم لم يناظروا. (1) ذكرنا في أول هذا الباب أن ابن عبد ربه أورد هذا، في عنوان: " مقتل الحسين " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 123، ط 2، وفي ط لبنان: ج 5 ص 118. (2) كذا في أصلي، والظاهر أن لفظه: " أبي " زائدة، والرجل ذكره ابن كثير قبيل ختام تاريخ البداية والنهاية: ج 14، ص 303 قال: وفي يوم السبت حادي عشرة (أي حادي عشر عام: (764) صلينا بعد الظهر... على الشيخ صلاح الدين محمد بن شاكر الليثي ؟ (وقد كان) تفرد في صناعته وجمع تاريخا مفيدا نحوا من عشر مجلدات، وكان يحفظ ويذاكر ويفيد رحمه الله وسامحه. أقول: وذكره أيضا صاحب كشف الظنون في حرف العين منه: ج 2 ص 1185، قال: (وكتاب) عيون التواريخ - في ست مجلدات - لفخر الدين محمد بن شاكر الكتبي المتوفى سنة (764) انتهى فيه (إلى حوادث) آخر سنة (760) وهو في الغالب يتبع ابن كثير، لا سيما في الحوادث، وكثيرا ما ينقل صفحة فأكثر بحروفه. أقول: ومن أراد المزيد فليلاحظ مقدمة كتاب فوات الوفيات من تأليفه. (3) أنظر تفصيل القصة في أوائل حوادث سنة (61) من تاريخ الطبري ج 5 ص 402 ط الحديث بمصر. (*)

[ 280 ]

عبيد الله بن الدعي زياد قد ولى عمر بن سعد (الري ودستبى) ثم جاء كتاب عبيد الله إلى عمر بن سعد: امنع الحسين وأصحابه الماء فقال: اختاروا مني واحدة من ثلاث: أن أذهب إلى يزيد حتى أضع يدي في يده، وإما أن أذهب من حيث أتيت، وإما أن أذهب إلى البعوث فأقاتل الترك ؟ ! ! فكتب (عمر) بذلك لعبيد الله، فقال: لا ولا كرامة إلا أن يضع يده في يدي. وكان (ابن زياد) قد لان للاجابة، فقال له الشمر - لعنه الله -: لئن رحل من بلادك و لم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة منك، وأنت أولى بالضعف منه / 135 / أ / ولكن (اكتب إليه أن) ينزل على حكمك (فترى فيه بعده رأيك. فكتب عبيد الله بذلك إلى عمر بن سعد، فعرضه عمر على الحسين عليه السلام) فأبى الحسين (من قبول ذلك) (1). فكتب عبيد الله إلى عمر بن سعد: إني لم أبعثك لتكف عن الحسين وأصحابه فانظر فإن استسلم ونزل (على حكمي) فأتني به، وإلا فازحف إليهم واقتلهم فإن قتل الحسين فأوطئ صدره الخيل وظهره فإنه قاطع عاق وامنعهم من الماء، فإن مضيت لامرنا فامض ؟ وإن أبيت فخل بين شمر (بن) ذي الجوشن وبين العسكر فإنا قد أمرنا (بأمرنا). (و) بعد (ه) فصول كثيرة اختصر (نا) ها. فلما جاء الشمر بالكتاب إلى عمر وقرأة قال: ويلك لا قرب الله دارك وقبح ما جئت به، أظنك والله أنك ثنيته (ظ) عما كتبت به إليه وأفسدت علينا أمرنا. فقال الشمر: أخبرني ما أنت صانع لامر أميرك ؟ أتقاتل عدوه أم لا ؟ وخل


(1) وقريب منه ذكره الطبري في تاريخه ج 5 ص 413 ط مصر ثم قال: قال أبو مخنف: فأما عبد الرحمان بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال: صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها، والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون، من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلاذهب في هذه الارض العريضة حتى ننظر ما يسير أمر الناس. (*)

[ 281 ]

بيني وبين الجند والعسكر، قال (عمر): لا ولا كرامة، أنا أتولى ذلك. فقال دونك (1). فنهض (عمر) وذلك عشية الخميس لتسع مضين من المحرم (2). وجاء الشمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال: أين بنو أختنا ؟ فخرج العباس وعبد الله وجعفر بنو علي فقالوا: مالك وما تريد ؟ فقال: أنتم يا بني أختي آمنون ! ! فقالوا: لعن الله أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمان له ؟ ! ! ! ونادى عمر بن سعد: يا خيل الله اركبي ! ! ! فركب الناس بعد صلاة العصر، والحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه وقد خفق برأسه بين ركبتيه، فسمعت أخته الضجة فقالت: يا أخي أما تسمع الاصوات قد اقتربت ؟ فرفع رأسه وقال: إني رأيت جدي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في المنام هذه الساعة وقال: إنك تقدم علينا (وشيكا) (3). فلطمت أخته وجهها (وقالت: يا ويلتا. فقال ليس لك الويل يا أخية اسكني رحمك الرحمان). فقال له العباس: يا أخي أتاك القوم. فنهض وقال: يا عباس اركب (إليهم) حتى تلقاهم فقل لهم: ما بدا لكم ؟


(1) انظر تفصيل القصة في تاريخ الطبري ج 5 ص 411 ط الحديث بمصر. وفي حوادث وقعة الطف من كتاب أنساب الاشراف: ج 3 ص 183، ط 1، قال: فلما أوصل شمر الكتاب إليه، قال عمر: يا أبرص لا قرب الله دارك ولا سهل محلتك، وقبحك وقبح ما قدمت له، والله إني لاظنك (أنت الذي) ثنيته عن قبول ما كتبت به إليه. فقال له شمر: أتمضي لامر الامير ؟ وإلا فخل بيني وبين العسكر وأمر الناس. فقال عمر: لا ولا كرامة، ولكني أتولى الامر. قال: فدونك. (2) هذا هو الصواب، الموافق لما في كتاب الطبقات الكبرى وتاريخ الطبري والبداية والنهاية: ج 8 ص 176، وغيرها وفي أصلي من جواهر المطالب: لسبع مضين من المحرم... وهذا وما حوله رواه ابن كثير في ترجمة الامام الحسين من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 176، ط دار الفكر. (3) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: إنك الان تقدم علينا ؟... (*)

[ 282 ]

فأتاهم العباس في نحو عشرين فارسا فقال: ما تريدون ؟ قالوا: أمر الامير أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم ؟ ! ! قال (العباس): فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم. فوقفوا ورجع (العباس) إلى الحسين فأخبره (بما قالوا، فقال له الحسين: يا أخي القهم وقل لهم: أمهلونا هذه الليلة حتى ننظر في أمرنا) ثم رجع رسولا (إليهم) فقال: يا هؤلاء إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه الليلة حتى ينظر في أمره فإذا أصبحنا / 135 / ب / التقينا إن شاء الله تعالى. وإنما أراد (الحسين عليه السلام أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره) وأن يوصي أهله. فقال عمر لاصحابه: ما تريدون ؟ فقال عمرو بن الحجاج: سبحان الله ؟ والله لو كان (هؤلاء) من الديلم وسألك ذلك، لكان ينبغي (لك) أن تجيبه. فرجع (ابن سعد إلى موقفه). وخطب الحسين (عليه السلام) أصحابه (1) فقال: إني قد أذنت لكم أن تنطلقوا في (سواد هذا) الليل وأن تتخذوه جملا فإن القوم إنما يريدونني فلو أصابوني لما طلبوكم (2). فقال العباس أخوه: والله لا نفعل ذلك أبدا. ثم تكلم (بقية) إخوته وأولاده وبنو أخيه وبنو عبد الله بن جعفر بنحو ذلك. فقال الحسين: يا بني عقيل حسبكم من القتل ما مسكم (بمسلم أخيكم) اذهبوا فقد أذنت لكم (3)


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي: فرجع الحسين إلى أصحابه... وفي مقتل الحسين عليه السلام من كتاب الطبقات الكبرى: ج 8 / الورق 57 / ب / قال: وجمع حسين أصحابه في ليلة عاشوراء ليلة الجمعة فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أكرمه الله به من النبوة وما أنعم الله به على أمته وقال: إني لا أحسب القوم إلا مقاتلوكم غدا، وقد أذنت لكم جميعا فأنتم في حل مني وهذا الليل قد غشيكم فمن كانت له منكم قوة فليضم رجلا من أهل بيتي إليه وتفرقوا في سوادكم حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، فإن القوم إنما يطلبونني فإذا رأوني لهوا عن طلبكم. (2) هذا هو الظاهر الموافق لما في تاريخ البداية والنهاية - وغيره - وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه. وفي أصلي: إني قد أذنت لكم أن تنطلقوا في الليل... وإنما المراد أنا، ولو أصابوني لما طلبوكم. (3) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: يا بني عقيل حسبكم من القتل ما مسكم بالله ؟... وفي البداية والنهاية: يا بني عقيل حسبكم بمسلم أخيكم اذهبوا... (*)

[ 283 ]

قالوا: لا والله نفديك بأنفسنا وأهلينا فقبح الله بعدك. وقال مسلم بن عوسجة: والله لو لم يكن معي سلاح لقاتلتهم بالحجارة ! ! ! وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لانخليك حتى يعلم الله أننا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، والله لو علمت أنني أقتل ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ! ! ! وتكلم جماعة (آخرون من) أصحابه بمثل ذلك. فجعل الحسين (عليه السلام) يصلح سيفه وهو يقول: يا دهر أف لك من خليل كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب أو طالب قتيل (والدهر لا يقنع بالبديل (1) وإنما الامر إلى الجليل وكل حي سالك سبيل) (قال علي بن الحسين زين العابدين: فأعادها أبي مرتين أو ثلاثا حتى حفظتها وفهمت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل) (2). قال: فلما سمعته (زينب) ابنة علي وقد خنقته العبرة نهضت وهي تقول: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة الزهراء أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي (3). فقال لها الحسين: يا أخية لا يذهبن حلمك - وترقرقت عيناه -. فلطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها. فقام إليها الحسن فرش على وجهها الماء وقال: يا أخية اعلمي أن أهل السماوات والارض يموتون ولا يبقون ولي أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أقسم عليك يا أخية (أن) لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي وجها (4).


(1) هذا الشطر، والشطران التاليان الموضوعان بين المعقوفين لم تكن في أصلي، وإنما أخذناها من مصادر أخر. (2) هذا هو الظاهر المذكور في كثير من المصادر الموثوقة، وقد حذف من أصلي ولذا وضعناه بين المعقوفين. (3) الثمال - بكسر الثاء - الملجأ، والغياث. (4) وفي تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 177، ما معناه: عن علي بن الحسين زين العابدين قال: أعاد أبي الابيات مرتين - أو ثلاثا - حتى حفظتها وفهمت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها، ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل ! ! وأما عمتي (زينب) فقدمت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ؟ ! ! (*)

[ 284 ]

ثم قام (الحسين عليه السلام) يصلي وقام أصحابه خلفه فصلوا الليل كله (1). فلما أصبحوا - وذلك يوم عاشوراء - صلى عمر بن سعد بأصحابه وخرج الناس. فعبا الحسين (عليه السلام) أصحابه وكانوا اثنين وثلاثين فارسا وأربعين راجلا، فركب الحسين دابته ودعا بالمصحف / 136 / أ / فوضعه أمامه (2).


اليوم ماتت أمي فاطمة، وعلي أبي وحسن أخي يا خليفة الماضي ؟ وثمال الباقي ! ! ! فنظر إليها (الحسين) وقال: يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان. فقالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله استقتلت ؟ ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشية عليها ! ! ! فقام إليها (الحسين) فصب على وجهها الماء وقال: يا أخية اتقي الله واصبري وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الارض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعبدونه وحده، وهو فرد وحده، واعلمي أن أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة. قال علي بن الحسين: ثم حرج عليها أن لا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي ؟ ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضها من بعض، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من جهة واحدة، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم. (1) الظاهر أن هذا المطلب مما أخذه المصنف عن ابن أبي شاكر صاحب كتاب عيون التواريخ، ولم يصل إلينا كتابه حتى يتحقق لنا أن هذا السياق منه ومن أي مصدر وساقه هكذا، أو أن هذا السياق من الباعوني من جهة النقل بالمعنى، وكيف كان فإني لم أجد هذا السياق في مصدر غير هذا الكتاب. وفي تاريخ البداية والنهاية: وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم... وفي حوادث وقعة كربلاء من كتاب الاشراف: ج 3 ص 186، ط 1، قال: ولما جن الليل على الحسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويسبحون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون. (2) وفي تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 178، طبعة دار الفكر: ثم ركب الحسين فرسه وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة (وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة، وأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة). أقول: ما بين المعقوفين أخذناه مما رواه عنه عليه السلام ابن سعد في مقتل الحسين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج 8 / الورق 58 / ب /. (*)

[ 285 ]

وأمر أصحابه فأوقدوا في حطب كان وراءهم لان لا يأتيهم العدو من ورائهم فقال شمر: يا حسين تعجلت النار في الدنيا ! ! ! (فقال الحسين: من هذا ؟ قالوا: شمر بن ذي الجوشن. فقال الحسين: أنت تقول هذا يا ابن راعية المعزى أنت والله أولى بها صليا) فقال مسلم بن عوسجة: ألا أرميه بسهم ؟ قال: لا إني أكره أن أبدأهم (1). (خطبة الحسين عليه السلام واحتجاجه على جيش ابن زياد) ثم قال: يا قوم انسبوني فانظروا من أنا ؟ ثم راجعوا أنفسكم هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي وأنا ابن بنت نبيكم وابن ابن عمه ؟ أليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ (أو ليس) جعفر الطيار عمي ؟ (2) فقال الشمر - لعنه الله -: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول ! ! ! (فقال له حبيب بن مظهر: والله يا شمر إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وأما نحن فو الله إنا لندري ما يقول، وإنه قد طبع على قلبك) (3). فقال الحسين (عليه السلام): أخبروني أتطلبوني بقتيل قتلته ؟ أو مال أخذته ؟ فلم يكلموه ! ! !


(1) ما وضع بين المعقوفات فيه، وفيما بعده، مأخوذ مما أورده البلاذري في مقتل الحسين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 3 ص 188، ط 1 (2) وفي رواية ابن كثير في البداية والنهاية: ج 8 ص 179،: ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمه نسبه وعلو قدره وشرفه ويقول: (أيها الناس) راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي ؟ وأنا ابن بنت نبيكم وليس على وجه الارض ابن بنت نبي غيري ؟ ! ! وعلي أبي وجعفر ذو الجناحين عمي وحمزة سيد الشهداء عم أبي، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لاخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة. فإن صدقتموني بما أقول فهو الحق، فو الله ما تعمدت كذبة منذ علمت أن الله يمقت الكذب، وإلا فاسألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، (سلوا) جابر بن عبد الله، وأبا سعيد، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم بذلك، ويحكم أما تتقون الله ؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ ! !... ثم قال: أيها الناس ذروني أرجع إلى مأمني من الارض ؟ فقالوا: وما يمنعك أن تنزل على حكم بني عمك ؟ ! فقال: معاذ الله * (إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) *. (3) ما بين المعقوفين أخذناه من البداية والنهاية وغيره. (*)

[ 286 ]

فنادى يا شبث بن ربعي ويا قيس بن الاشعث ويا حجار (بن أبجر، ويا يزيد بن الحارث) ألم تكتبوا إلي (أنه قد أينعت الثمار واخضر الجناب، وطمت الجمام فأقبل إلينا فإنما تقدم على جند مجندة ؟) قالوا: لم نفعل. قال: أما إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم (إلى مأمني من الارض ؟ ! !) فقال له قيس بن الاشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك فإنه لا يصل إليك منهم مكروه ! ! ! فقال الحسين: لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل (ولا أقر لهم إقرار العبيد، عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) (1). فزحفوا (يعني أهل الكوفة) إليهم فأول من رمى عسكر الحسين (عليه السلام) عمر بن سعد وصار الرجل من أصحاب الحسين يخرج وهو يقول: من يبارز ؟ (فيخرج إليه رجل من أصحاب عمر بن سعد فيقتل إلى أن قتل من أصحاب ابن سعد جماعة). فقال (عمر بن) الحجاج: يا حمقى أتدرون من تقاتلون ؟ هؤلاء فرسان المصر، وهم مستقتلون (2) فقال عمر بن سعد: صدقت. ثم حمل (ابن سعد) وحمل الناس من كل جانب، فكان أول من قتل من أصحاب الحسين مسلم بن عوسجة رحمه الله. وحمل الشمر - لعنه الله - على الحسين، وحملوا (معه) من كل جانب (على الحسين وأصحابه). وقاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا، ولم يحملوا على ناحية إلا كشفوها، فرشقهم أصحاب عمر بن سعد بالنبل فعقروا (عامة) خيولهم فصاروا رجالة (كلهم). ودخل الاعداء إلى بيوتهم فأحرقوها بالنار، وفي دون ساعة قتل أصحاب الحسين عن آخرهم (3) وفيهم بضعة عشر شابا من إخوته وأهل بيته رحمهم الله ورضي عنهم ولعن


(1) ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من تاريخ الطبري والبداية والنهاية وغيرهما. (2) كذا في أصلي، وفي بعض المصادر: " مستميتون " وهما بمعنى واحد. (3) هذا سهو من الكاتب، بل الثابت أنهم عليهم السلام حاربوا جند ابن مرجانة من أول صباح يوم عاشوراء بعد صلاة الصبح إلى الظهر - وكانت الايام أيام الصيف - وصلى الاحياء منهم صلاة الظهر جماعة مع الحسين عليه السلام. (*)

[ 287 ]

الله من قتلهم وأخزاهم وحاسبهم. فأصابوا ابنا للحسين وهو في حجره فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقاتلونا ! ! وحمل الشمر حتى طعن في فسطاط الحسين وقال: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله. فصاح النساء (وولولن) وخرجن من الفسطاط، فصاح به الحسين: حرقك الله / 136 / ب / بالنار (ويلك أتدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ؟) ثم اقتتلوا إلى الظهر (1). وخرج علي بن الحسين فحمل على الناس وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي فطعنه مرة بن منقذ فصرعه. ثم قطعوه بالسيوف. فبكى الحسين وقال: قتل الله قوما قتلوك، يا بني على الدنيا بعدك العفا (2). وخرجت زينب بنت فاطمة وهي تقول: واأخاه وانكبت عليه، فأخذ بيدها الحسين وردها إلى الفسطاط، وجعل (الحسين) يقاتل قتال الشجاع. وبقي الحسين زمانا كلما انتهى إليه رجل كره أن يتولى قتله حتى أتاه رجل يقال له مالك بن نسير فضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس من خز فامتلا دما (3) فقال (له


ثم ما ذكره الكاتب هنا ينافي ما يذكره قريبا من أنهم عليهم السلام اقتتلوا مع أصحاب ابن زياد إلى الظهر. وأيضا ينافيه ما يذكره بعده من قوله: " وخرج علي بن الحسين فحمل على الناس وهو يقول... ". (1) ما بين المعقوفات مأخوذ من كتاب أنساب الاشراف: ج 3 ص 194، طبع 1. (2) العفاء: التراب. الهلاك. (3) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: فضربه بالسيف على رأسه فخر وعليه برنس... والحديث رواه الطبري في تاريخه: ج 5 ص 448 قال: ومكث الحسين طويلا من النهار، كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه، وإن رجلا من كندة يقال له: مالك بن النسير - من بني بداء - أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له، فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه، فامتلا البرنس دما، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين. قال: فألقى ذلك البرنس، ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم (بها) وقد أعيا وبلد، وجاء الكندي (*)

[ 288 ]

الحسين): لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين. ثم ألقى البرنس عن وجهه ودعا بعمامة فاعتم بها، وقد أعيا، (وجاء ابن النسير حتى أخذ البرنس ! ! !). وأوتي (عليه السلام) بصبي صغير من أولاده اسمه عبد الله فحمله وقبله فرماه رجل من بني أسد فذبح ذلك الطفل ! ! ! فتلقى الحسين دمه بيده وألقاه نحو السماء ؟ وقال: رب إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير لنا، وانتقم لنا من الظالمين. واشتد العطش بالحسين فحاول أن يصل إلى الفرات فمانعوه دونه، فخلص إلى شربة (من الماء) فلما أهوى إليها رماه حصين بن نمير بسهم في حنكه فأثبته (فيه) فانتزعه من حنكه ثم رمى (به) ورفع يده إلى السماء يقول: اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تذر منهم أحدا (1). ثم إن شمرا - لعنه الله وأخزاه - استنهض جماعة من الشجعان، وجاء بهم حتى أحاط بفسطاط الحسين، ولم يبق أحد يحول بينه وبينه فجاء غلام يشبه القمر يشتد (و) في أذنيه درتان، فخرجت زينب بنت علي ترده فامتنع عليها، وجاء إلى أبيه الحسين (2) فضربه به رجل منهم بالسيف فاتقاها بيده وصاح يا أبتاه. فقال الحسين: يا بني


حتى أخذ البرنس، وكان من خز، فلما قدم به بعد ذلك على امرأته: أم عبد الله - ابنة الحر أخت الحسين بن الحر البدي - أقبل يغسل البرنس من الدم، فقالت له امرأته: أسلب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل بيتي ؟ أخرجه عني. فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيرا بشر (حال) حتى مات. قال (الراوي): ولما قعد الحسين أتي بصبي له فأجلسه في حجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين. (1) وقريبا منه رواه الطبري في حوادث عاشوراء من تاريخه: ج 5 ص 449. (2) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 450: وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه وقال لها الحسين: احبسيه - فأبى الغلام وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه وقد أهوى بحر بن كعب بن عبيد الله - من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكاية - إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي ؟ فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة، فإذا يده معلقة، فنادى الغلام: يا أمتاه ؟ فأخذه الحسين فضمه إلى صدره وقال: يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي صلى الله عليهم أجمعين. (*)

[ 289 ]

احتسبها عند الله، أجرك على الله حتى تلحق بآبائك الصالحين ؟ ! ! ثم حملت الرجالة على الحسين من كل جانب وهو يجول فيهم يمينا وشمالا فيتطايرون منه تطاير المعزى عن السبع. وخرجت أخته زينب بنت فاطمة بنت (النبي) إليه (وهي تقول:) ليت السماء / 137 / أ / وقعت على الارض. وجاء عمر بن سعد (إلى الحسين) فقالت (له): يا عمر أرضيت أن يقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟ ! فجعلت الدموع تسيل على (خده و) لحيته وصرف وجهه عنها. ثم (مكث الحسين طويلا) لا يقدم عليه أحد (1) حتى نادى شمر - لعنه الله -: ويلكم ما تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ! ! فحملت الرجالة عليه من كل جانب، فضربه زرعة بن شريك على يده اليسرى وضربه آخر على عاتقه، وحمل عليه سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، فنزل إليه الشمر لعنه الله فاحتز رأسه وسلمه إلى خولى بن يزيد الاصبحي ! ! ! ثم انتهبوا سلبه رضوان الله عليه، فأخذ قيس بن الاشعث عمامته (2) وأخذ آخر سيفه، و (أخذ) آخر نعليه، و (أخذ) آخر سراويله (3) ثم انتهبوا بقية ما وجدوه من حواصله ! ! ! ثم نادى عمر بن سعد - قبحه الله - من يوطئ فرسه الحسين فانتدب أقوام بخيولهم حتى رضوا ظهره (4) فرحمة الله عليه ورضوانه وسلامه وتحيته ونعمه وإكرامه، ولعن الله باغضه وقاتله (ومعاونيهم والراضين بأعمالهم). قال الامام أحمد في مسنده (5) (حدثنا محمد بن عبيد) عن شرحبيل بن مدرك (


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من تاريخ الطبري وغيره. (2) السلب: ما ينتزع ويؤخذ قهرا، ومنه سلب القتيل: أمتعته من سلاحه ودابته وغيرها (3) كذا. (4) ما أفجعه من فجيعة قلما حدث مثلها من الملاحدة إلى أمثالهم ! ! ! وهؤلاء من أولاد البغايا، والادعياء فعلوها بأشرف خلق الله ومع ذلك كانوا يدعون الاسلام ! ! ! (5) رواه أحمد في الحديث: " 86 " من مسند علي عليه السلام تحت الرقم: " 658 " من كتاب المسند: ج 1، ص 58، وفي ط 2: ج 2 ص 60. وجميع ما وضعناه بين المعقوفات في هذا الحديث مأخوذ من مسند أحمد. قال أحمد محمد شاكر في تعليق الحديث: إسناده صحيح. ورواه الهيثمي عن أحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني وقال: ورجاله ثقاة، ولم ينفرد نجي بهذا. (*)

[ 290 ]

عن عبد الله بن نجي عن أبيه) أنه سار مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما حاذى " نينوى " وهو منطلق إلى صفين فنادى علي: اصبر أبا عبد الله اصبر أبا عبد الله بشط الفرات ! ! ! (قال نجي:) قلت: وما ذاك ؟ قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذات يوم) وعيناه تفيضان ! ! ! فسألته ؟ فقال: قام من عندي جبريل آنفا فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات ! قال: فقال لي: هل أشمك من تربته ؟ قلت: بلى. فمد يده فقبض قبضة من تراب وأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا ! ! ! ثم سأل عن تلك الارض ؟ فقيل (يقال) لها: كربلا. فقال: كرب وبلاء (1). ووجد بالحسين رضي الله عنه ثلاثة وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة بالسيف ! ! ! وهم الشمر - لعنه الله بقتل علي الاصغر ابن الحسين - وهو زين العابدين - وهو صغير (مريض) (2) فخرجت زينب بنت علي فقالت: والله لا تقتل حتى أقتل ! ! ! فرق لها عمر وأمره بالكف عنه. وبعث (عمر بن سعد) بالرؤس إلى عبيد الله بن زياد، الفاسق ابن الفاسق الدعي لعنه الله وأخزاه، وكانت اثنان وسبعون رأسا، وسرح / 137 / ب / برأس الحسين مع خولى بن يزيد الاصبحي (فورد الكوفة ليلا). فلما انتهى إلى القصر وجده مغلقا فرجع إلى بيته فوضعه تحت إجانة (3) وقال لزوجته: جئتك بعز الدهر ! ! ! قالت: وما هو ؟ قال: رأس الحسين بن علي ! ! ! قالت: جئت والله بخزي الدنيا والاخرة (بمجيئك برأس) ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله لا يجمعني وإياك فراش أبدا (فقامت وتنحت عنه) ! ! فاستدعى (خولى) بزوجة له أخرى فنامت عنده، قالت الثانية: فو الله ما زلت


هكذا ذكره في مجمع الزوائد: ج 9 ص 187. ورواه ابن عساكر بأسانيد في الحديث: " 213 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 165، ط 1. ورواه عنه ابن كثير في أواخر ما جرى على الحسين وأهل بيته عليهم السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 199، طبع دار الفكر. (1) من قوله: " ثم سأل - إلى قوله: - كرب وبلاء " غير مذكور في حديث أحمد بن حنبل. (2) لا عهد لي بالحديث على هذا النسق، والامام زين العابدين عليه السلام لم يكن صغيرا، كيف وقد كان معه في وقعة كربلاء ابنه أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام. (3) الاجانة: إناء يغسل فيه الثياب، والجمع: أجاجين. (*)

[ 291 ]

أرى النور ساطعا من تلك الاجانة إلى السماء، قالت: ورأيت طيورا بيضاء ترفرف حولها ! ! ! (2) فلما أصبح (خولى) غدا به إلى ابن زياد فصيره بين يديه، فجعله في طست وجعل ينكت ثناياه بقضيب في يده ! ! ! فقال له زيد بن أرقم: (ارفع قضيبك عن هاتين الثنيتين) فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يترشفه ؟ ولقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما. ثم بكى. فقال عبيد الله: أبكى الله عينيك فو الله لولا أنك شيخ وقد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك (2) ! ! ! فخرج (زيد بن أرقم) وهو يقول: يا معشر العرب قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم أرضيتم بالذل ؟ فتبا لمن رضي بذلك. ثم نصب (ابن زياد) رأس الحسين بالكوفة بعد أن طيف به ! ! ! ثم دعا زحر بن قيس فبعث معه برأس الحسين رضي الله عنه ورؤس أصحابه إلى يزيد. وأقام عمر بن سعد بعد قتل الحسين يومين ثم دخل الكوفة ومعه بنات الحسين وأخواته سبايا ومن كان معهم من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين مريض فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه وهم صرعى فصاح النساء ولطمن الخدود وصاحت زينب أخته: وامحمداه هذا حسين منبوذ بالعراء مرمل بالدماء مقطع الاعضاء، وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا. فأبكت كل عدو وصديق (3) ! ! ! فلما أدخلوهم على (ابن) زياد لبست زينب أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها، فقال (ابن) زياد: من هذه ؟ فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثا وهي لا تكلمه فقال


(1) ومثله بتوضيح في تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 190، طبع دار الفكر. ولكن المستفاد من الطبري: أن قائلة هذا القول هي الامرأة الاولى التي هاجرت الشقي، كما في تاريخ الطبري: ج 5 ص 455. (2) وللحديث مصادر وأسانيد، يجدها الطالب في تاريخ الطبري: ج 5 ص 456 وغيره. وأيضا يجد الطالب للحديث أسانيد ومصادر تحت الرقم: " 321 - 322 " وتعليقهما من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 259 طبعة 1. وهكذا كان سادة حفاظ أهل السنة تصنع مع الصحابة العدول ! ! ! (4) والحديث ذكره الطبري في تاريخه: ج 5 ص 456. (*)

[ 292 ]

بعضهم: سبحان الله / 138 / أ / هذه زينب بنت فاطمة الزهراء، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها (ابن) زياد: الحمد لله الذي فضحكم وكذب أحدوثتكم ! ! ! فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه (وآله) وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا، لا كما تقول، وإنما يفتضح الفاسق الكاذب (وهو غيرنا). قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت: كتب (الله) عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم. فغضبب ابن زياد وقال: قد شفى الله غيظي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك فبكت وقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وأضعت درعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشفيت. فقال: هذه سجاعة ولقد كان أبوها سجاعا ! ! فقالت: ما للمرأة والسجاعة (1). ونظر (ابن) زياد الى علي بن الحسين فقال: ما اسمك ؟ قال: علي بن الحسين قال: ألم يقتل (الله) علي بن الحسين ؟ فسكت فقال: ما لك لا تتكلم ؟ فقال: * (الله يتوفى الانفس حين موتها) * * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) * (145 آل عمران 3) قال: أنت والله منهم. ثم قال لرجل: أنظر ويحك هذا هل أدرك ؟ فكشف عنه وقال: نعم، فقال: اقتله. (فلما ولى قال): علي (بن الحسين): من توكل بهؤلاء النسوة ؟ (2) وتعلقت به زينب وقالت: حسبك يا ابن زياد أما رويت من دمائنا وهل أبقيت منا أحدا ؟ ثم اعتنقته وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنا إلا قتلتني معه. قال: دعوه. ثم نادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس وصعد المنبر فخطب وقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب حسين بن علي وشيعته. فوثب إليه عبد الله بن عفيف الازدي - وكان شيخا كبيرا ضريرا قد ذهب بصره قد ذهب إحدى عينيه بصفين والاخرى يوم الجمل، وكان لا يفارق المسجد يصلي فيه إلي الليل ثم ينصرف فلما سمع عبيد الله (قال ما قال) - قام فقال: يا ابن مرجانة إن


(1) والحديث موجود باختلاف طفيف، في تاريخ الطبري: ج 5 ص 457. (2) ما بين المعقوفات مأخوذ من تاريخ الطبري: ج 5 ص 458. (*)

[ 293 ]

الكذاب ابن الكذاب لانت أبوك والذي ولاك (ظ) وأبوه، يا ابن مرجانة تقتلون أولاد الانبياء وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ ! ! فقال ابن زياد: علي به. فأخذوه فنادى بشعار الازد: (مبرور يا مبرور) فوثب إليه فئة من الازد فانتزعوه / 138 / أ / فأرسل إليه (ابن زياد) من أتاه به فقتله وصلبه في السبخة (1). ثم سير النساء والصبيان مع شمر بن ذي الجوشن لعنه (الله) ومعهم علي بن الحسين، وقد جعل ابن زياد الغل في عنقه وفي يده، وحملهم على الاقتاب، فلم يكلمهم علي بن الحسين في الطريق حتى بلغ الشام فدخلوا به على يزيد، فقال: ما وراءك يا زحر ؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين. - وذكر ما تقدم من كلام يزيد -. (ف‍) قال (يزيد): لعن الله ابن مرجانة لو كنت صاحبه لعفوت عنه (2) ثم دخلوا على يزيد بالرؤس ووضعوا الرأس بين يديه وحدثوه بالحديث، فسمعت الحديث هند بنت عبد الله - وكانت تحت يزيد - فتلفعت بثوبها وخرجت وقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم فأعولي عليه وحدي على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عجل عليه ابن مرجانة فقتله. ثم (إن يزيد) أذن للناس فدخلوا عليه ورأس الحسين بين يديه ومعه قضيب ينكث به في ثغره ! ! ! فقال له أبو برزة (3): أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟ ! وطالما


(1) ورواه أيضا الطبري في تاريخه: ج 5 ص 459. (2) ورواه الطبري في تاريخه: ج 5 ص 465. (3) وهو نضلة بن عبيد الاسلمي الصحابي المترجم في كتاب تهذيب التهذيب وغيره. والحديث رواه بأسانيد ابن أبي الدنيا، في مقتل الحسين عليه السلام كما في أوائل كتاب الرد على المتعصب العنيد - لابن الجوزي - ص 46 طبع بيروت. ورواه أيضا البلاذري في الحديث: " 63 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 3 ص 214 طبع بيروت. ورواه أيضا الطبري في تاريخه: ج 5 ص 465. ورواه أيضا بأسانيد المدافع عن يزيد ابن كثير الدمشقي في تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 192 - 197، طبع دار الفكر. (*)

[ 294 ]

(كان) يرشفه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجئ هذا ومحمد صلى الله عليه وسلم شفيعه. ثم قام فولى. فقال يزيد: أتدرون من أين هذا ؟ إنه (كان يقول: أبي) خير من أبيه وأمي خير من أمه وجدي خير من جده، وأنا خير منه فأتي من قلة فقهه (1) و (كأنه) لم يقرأ (قوله تعالى): * (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) * الاية: (26 / آل عمران: 3). وقيل: لما وفد أهل الكوفة بالرأس (الشريف، و) دخلوا مسجد دمشق أتاهم مروان بن الحكم فسألهم كيف صنعوا ؟ فأخبروه، ثم قام عنهم. فأتاهم يحيى (2) بن الحكم فسألهم / 139 / ب / فسألهم فأعادوا له الكلام فقال: حجبتم عن محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فلما دخلوا على يزيد، قال يحيى بن الحكم متمثلا: لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن زياد ذي النسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصا وليس لال المصطفى اليوم من النسل ؟ فضرب يزيد في صدره وقال: اسكت (3) ثم أمر بعلي بن الحسين زين العابدين فأدخل (عليه) مغلولا فقال: يا يزيد لو رآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغلولين لفك أغلالنا. قال: صدقت، وأمر بفك


(1) وهذه الحماقة والحمارة من يزيد لم يقبلها منه أحدد حتى أصلب حماته المدافعين عنه كالذهبي وابن الجوزي وابن كثير. قال ابن كثيري أوائل ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 151 طبعة دار الفكر: بل الناس إنما (كان) ميلهم إلى الحسين لانه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس على وجه الارض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه. (2) هذا هو الصواب، وفي أصلي: " مروان بن الحكم... ". وقريبا مما هنا، رواه الطبري في أواخر مقتل الحسين عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 460 و 465 (3) من قوله: " وقيل: لما وفد أهل الكوفة بالرأس... " إلى هنا، كان في أصلي مؤخرا عما يأتي في الصفحة التالية، وكان قبل قول المصنف الاتي: " وسمع أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا.. " متصلا به، وقدمناه لانه أوفق بالسياق: (*)

[ 295 ]

قيده (1) ثم أدخل (عليه) نساء الحسين عليه السلام والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان لينظرا الرأس، وجعل يزيد يستره عنهما، فلما رأينه صحن وولولن فقالت فاطمة بنت الحسين: أبنات رسول الله يا يزيد هكذا أسرى سبايا ؟ فقال: يا ابنة أخي لقد كنت أكره ذلك. فقال (رجل) ممن كان بين يديه - وهو رجل أزرق أحمر -: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية - (يعني) فاطمة بنت علي - فأخذت بثياب أختها زينب - وكانت أكبر منها - فقالت (زينب): كذبت ما ذاك لك ولا له. فقال يزيد: كذبت إن ذلك لي ولو شئت لفعلت ! ! ! قالت / 139 / أ /: كلا والله ما جعل الله ذلك إليك إلا أن تخرج من ملتنا ! ! ! فازداد (يزيد) غيظا ثم قال: تستقبليني بمثل هذا ؟ ! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك ! ! ! قالت: زينب: بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك. قال: كذبت يا عدوة الله. (قالت:) أنت أمير تشتمنا ظلما وتقهرنا بسلطانك. ثم بكت ؟ ! فقام الشامي وقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية. (ف‍) قال (له يزيد): اعزب (عنا) وهب الله لك حتفا قاضيا (2). ثم أدخلهن دوره فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن مأتما (3). فقال يزيد: جهزوهم (إلى المدينة) وأمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهن ويسير معهم (إلى أن يوصلهم المدينة). وكان مع الحسين امرأته الرباب بنت امرئ القيس - وهي أم سكينة - فحملت إلى الشام ثم عادت إلى المدينة، فخطبها الاشراف فقالت: ما كنت لاتخذ حموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيت مدة سنة لم يظلها سقف وماتت كمدا (4). وقيل: إنها أقامت على قبره سنة.


(1) من قوله: " ثم أمر بعلي بن الحسين... " إلى هنا، كان في أصلي مؤخرا، عن سالفه المتصل به، فقدمناه لانه أوفق للواقع ونفس الامر. (2) وهذا ما قبله، ذكرهما ابن كثير - مع مزجها ببعض نفثاته الاموية - في تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 194 - 195. (3) من هذا وأمثاله يستفاد، أن يزيد مع عتوه وتفرعنه، كان أسلس من مرتزقة بني أمية المانعين من إقامة عزاء ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (4) الحمو: أبو زوج المرأة. أبو امرأة الرجل. والكمد: الحزن والغم الشديد. (*)

[ 296 ]

ولما ورد نعيه (عليه السلام) إلى المدينة صاح نساء بني هاشم، وخرجت ابنة عقيل صارخة وهي حاسرة وهي تقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم: ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي أن نصحت لكم آن تخلفوني بسوء في ذوي رحم ولما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين (عليه السلام) دخل عليه بعض مواليه، فقال: هذا ما لقينا من الحسين ؟ ! ! فحذفه بنعلم وقال: يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا ؟ والله لو شهدته ما فارقته حتى قتلت معه ؟ والله لمما يسليني عنهما أنهما أصيبا معه، وهو أخي وابن عمي. وسمع أهل المدينة ليلة قتل الحسين (عليه السلام) مناديا ينادي (1): أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم من نبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داوود وموسى وصاحب الانجيل قال (الراوي): ومكث الناس ثلاثة أشهر (يرون) كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس. وروى ابن عساكر (2) أن طائفة من الناس ذهبوا لغزو بلاد الروم فوجدوا بحائط كنيسة (ظ) مكتوبا: أترجوا أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب


(1) وقريبا منه نظما ونثرا رواه ابن عساكر في الحديث " 332 - 336 " من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 266 - 268 طبع 1. ورواه أيضا الطبري في أواخر مقتل الحسين عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 467. ورواه أيضا ابن كثير في أواخر شهادة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 201 طبع دار الفكر. (2) وهذا رواه أيضا محمد بن سليمان في الحديث: " 689 " وما بعده في الجزء السادس من كتابه مناقب علي عليه السلام الورق / 155 / أ /. ورواه ابن عساكر بأسانيد في الحديث: " 340 " وما بعده من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 271 طبع بيروت. (*)

[ 297 ]

فسألوا أهل الكنيسة: من كتب هذا ؟ قالوا: إن هذا مكتوب (ها هنا) من قبل أن يبعث نبيكم بثلاث مائة سنة وحكى أبو جناب الكلبي وغيره (1) أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نوح نساء الجن على الحسين وهن يقلن: مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش وجده خير الجدود خرجوا إليه بوفدهم فهم له شر الوفود قتلوا ابن بنت نبيهم سكنوا به نار الخلود وروي أن الذين قتلوه رجعوا وهم يشربون الخمر، والرأس معهم فبرز لهم قلم من حديد فكتب في الحائط: أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب وروى الامام أحمد بن حنبل في مسنده (2) عن ابن عباس / 140 ب / قال: رأيت


(1) وللحديث وتاليه مصادر وأسانيد، يجدها الطالب تحت الرقم: (337) وما بعده من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 269 ط 1. وكذلك ذكره ابن العديم بأسانيد في ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب بغية الطالب في تاريخ حلب، ص 110، ط 1. (2) رواه أحمد بن حنبل في الحديث: (33 - 34) من باب فضائل الامام الحسن والامام الحسين عليهما السلام من كتاب الفضائل / الورق 148 / ب /. وأيضا رواه أحمد في الحديث: (398) وتاليه في مسند ابن عباس من كتاب المسند: ج 1، ص 143، طبعة 1. ورواه أيضا أبو طاهر المخلص - كما في أوائل الجزء الرابع من كتاب الفوائد المنتقاة الحسان العوالي عن الشيوخ الثقات - قال: حدثني أحمد بن عيسى حدثنا إسحاق، أخبرني حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: قال ابن عباس: رأيت رسول الله (ص) في المنام أشعث أغبر في يده قارورة من دم فقلت: يا رسول الله ما هذا الدم ؟ قال دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم ! ! ! (قال عمار:) فأحصي ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي قتل فيه الحسين رحمه الله. أقول: وللحديث أسانيد ومصادر، يجد الباحث كثيرا منها تحت الرقم: (324) وما بعده وتعليقاته من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 261 ط 1، ببيروت. وقد ذكر أيضا البيهقي بأسانيد في كتاب دلائل النبوة الورق / 222 / أ / وفي ط بيروت: ج 6 ص... (*)

[ 298 ]

النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أشعث أغبر ومعه قارورة وفيها دم فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا (الدم) ؟ قال: دم الحسين وأصحابه مازلت التقطه منذ اليوم. (قال الراوي:) فأحصي ذلك اليوم فوجد (وه) يوم قتله. وقال ابن أبي الدنيا (1) استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله وأصحابه فقالوا: كلا يا ابن عباس ؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زجاجة من دم فقال: ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعدي ؟ قتلوا ابني حسينا وهذا دمه ودم أصحابه أرفعه إلى الله عز وجل. فكتب اليوم الذي قال فيه (ابن عباس) وتلك الساعة فما لبثوا إلا أربعا وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر إلى المدينة بقتله في تلك الساعة. وروى الترمذي (2) عن أبي سعيد الاشج عن أبي خالد الاحمر عن رزين: عن سلمى (3) قالت: دخلت على على أم سلمة وهي تبكي قلت: ما يبكيك ؟ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب. فقلت: ما (بك) يا رسول الله ؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا. ثم قال: فعلوها ؟ ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا، ثم استيقظت (ووقعت) مغشيا عليها.


(1) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمان النحوي حدثنا مهدي بن سليمان حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: استيقظ ابن عباس من نومه... هكذا رواه عنه ابن كثير في أواخر ما يتعلق بالامام الحسين وأهل بيته من كتاب البداية والنهاية: ج 8 ص 200 ط دار الفكر. وانظر الحديث: (324) وما بعده من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 261 ط 1. (2) رواه الترمذي في الحديث الخامس من باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام من كتاب المناقب تحت الرقم: (386) من سننه: ج 5 ص 323، وفي ط: ج 13، ص 193. (3) هذا هو الصواب المذكور في سنن الترمذي وغيره من المصادر، وفي أصلي: (زر بن حبيش عن سليم) وهو تصحيف فاحش. ورواه أيضا الطبراني تحت الرقم: (882) من مسند أم سلمة في المعجم الكبير: ج 23 ص 373. وللحديث أسانيد أخر يجدها الطالب تحت الرقم: (327) من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 263، ط 1. (*)

[ 299 ]

وأما قبره عليه السلام فقد اشتهر عند المؤرخين (أنه) بالطف من كربلاء (1). وذكر ابن جرير الطبري: أن موضع قبره عفي أثره (2). وأما رأسه (الشريف) فالمشهور بين أهل التاريخ والسير: انه بعثه (ابن) زياد بن أبيه الفاسق إلى يزيد بن معاوية، وبعث به يزيد إلى عمرو بن سعيد الاشدق (المعروف ب‍) لطيم الشيطان وهو إذ ذاك (أمير) بالمدينة فنصبه ودفن عند أمه بالبقيع (3). وذكر ابن أبي الدنيا أن الرأس (الشريف) لم يزل في خزانته حتى هلك، فأخذ ثم غسل وكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. والله أعلم. وذكر الحافظ ابن عساكر رحمه الله (4) أن يزيد لما وضع الرأس (الشريف) بين يديه تمثل بقول ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل (5) ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام / 141 / أ / ثم وضع بخزانة السلاح حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك فجئ به وقد بقي عظما أبيضا فكفنه وصلى عليه ودفنه في مقابر المسلمين.


(1) وهو بقعة مقدسة معروفة يعرفها أكثر الامم الاسلامية من سكنة العراق ومن حولهم يردها كل يوم ألوف من زواره، ولم ينقطعوا عنها قط حتى في الايام التي كانت زواره تسجن أو تقتل. (2) نعم قد سعى طواغيت الامة مرارا لمحو قبره وطمس أثره، ولكن صار سعيهم تبابا، ولم يزده الله تبارك وتعالى إلا عزة وكرامة، فبعث أولياءه فعمروه في كل عصر أحسن من التعمير المتقدم. (3) هذا غير ثابت. (4) رواه ابن عساكر في ترجمة " ريا " مربية يزيد بن معاوية من تاريخ دمشق. ورواه عنه محامي بني أمية ابن كثير الدمشقي في أواخر ما جرى على أهل البيت عليهم السلام من كتابه: البداية والنهاية: ج 8 ص 192، و 204 طبعة دار الفكر. ورواه أيضا الذهبي - ولكن باختصار، ثم قال: وهي قوية الاسناد - كما في ترجمة الامام الحسين عليه السلام من سير أعلام النبلاء: ج 3 ص 319 وليلاحظ ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 3 ص 216 ط 1. وليراجع أيضا كتاب الرد على المتعصب العنيد، ص 46 ط 1. (5) القرم - على زنة فلس -: عظيم القوم. سيد القوم. كبير القوم. وتمثل يزيد بأبيات ابن الزبعرى وغيره، أمر مستفيض وقد رواه جماعة من أولياء يزيد. (*)

[ 300 ]

ومما ينسب إلى يزيد بن معاوية: أنه أنشد والرأس بين يديه: نعب الغراب (فقلت) قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني قال بعض أهل التاريخ: هذا كفر لا يقوله مقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن الكلبي (1) أن الماء لما أجري على قبر الحسين (عليه السلام) ليعفى قبره وأثره فنضب الماء ؟ (بعد) أربعين يوما فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ من التراب قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين (عليه السلام) فشم رائحته أزكى من المسك فبكى وقال: بأبي أنت وأمي ما أطيبك و (ما) أطيب تربتك وما حوت ثم أنشد: إرادوا ليخفوا قبره عن وليه وطيب تراب القبر دل على القبر (2) وقال ابن القفطي في تاريخه (3): إن السبي لما ورد على يزيد بن معاوية خرج


(1) ورواه بسنده عنه ابن عساكر في الحديث: ج (346) من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 275، ط 1. (2) هذا هو الصواب المذكور في غير واحد من المصادر، وفي أصلي وبعض المصادر كالبداية والنهاية: ج 8 ص 203: " عن عدوه " ! ! ! وكون هذا غلطا وتحريفا واضح، لان الذين أرادوا إخفاء قبر الحسين عليه السلام وأجروا عليه الماء وحرثوه، هم كانوا من ألد أعداء أهل البيت عليهم السلام كموسى العباسي والمتوكل العباسي وأمثالهما، وكان هدفهم من ذلك محو آثار أهل البيت ومعاليهم كي لا يلتجئ إليهم أحد، ولكي لا يعرفهم ومناهجهم إنسان لانهم خافوا أن يؤل الاياب والذهاب إلى مراقدهم المقدسة سببا للثوران على الطواغيت والقضاء على الظالمين. وهؤلاء أرادوا أخفاء قبره عليه السلام عن أحبائه وشيعته، لا عن أعدائه من النواصب والخوارج، كما هو واضح لكل بصير يراجع ما صنعه العباسيون بقبر الحسين عليه السلام فليراجع المنصفون تاريخ المتوكل العباسي وشقيقه موسى العباسي. وأما أحباء أهل البيت عليهم السلام فهم في طول القرون سعوا في إعلاء كلمة أهل البيت، وتعمير قبورهم وزيارتهم والالتفاف بها، ودعوة الناس إلى إقامة الصلوات وقراءة القرآن والدعاء حولها. (3) قال الكاتب الچلبي في عنوان: " تاريخ " من كتاب كشف الظنون: ج 1، ص 301: (ابن القفطي) هو الوزير جمال الدين علي بن يوسف النحوي المتوفى (عام) " 646 " (وتاريخه) كبير (مرتب) على (ترتيب) السنوات... (*)

[ 301 ]

لتلقيه فلقي الاطفال والنساء من ذرية علي والحسن والحسين، والرؤس على أسنة الرماح وقد أشرفوا على ثنية العقاب، فلما رآهم أنشد: لما بدت تلك الحمول وأشرقت تلك الرؤس على ربا جيرون (1) نعب الغراب فقلت: قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني يعني بذلك أنه قتل الحسين بمن قتله رسول الله (ص) يوم بدر مثل عتبة جده ومن مضى من أسلافه ! ! وقائل مثل هذا (القول) برئ من الاسلام ولا يشك في كفره. وسئل الكيا الهراسي وهو من كبار الائمة (2) عن لعنة يزيد بن معاوية ؟ فقال: لم يك


(1) وليلاحظ خصوصيات جيرون في نفس هذه المادة من كتاب معجم البلدان: ج 2 ص 199. قال ياقوت في عنوان " دمشق " من معجم البلدان: ج 2 ص 468 ط بيروت: قال: وقيل في ذم دمشق: فما هي إلا بلدة جاهلية بها تكسد الخيرات والفسق ينفق فحسبهم جيرون فخرا وزينة ورأس ابن بنت المصطفى فيه علقوا وما في المتن رواه أيضا سبط ابن الجوزي في أواخر الباب التاسع من كتاب تذكرة الخواص. وذكره أيضا في ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب مرآت الزمان / الورق 17 / أ /. (2) وهو علي بن محمد بن علي المولود سنة " 450 " عام: " 504 " عن أربع وخمسين عاما، وهو مترجم في مصادر كثيرة. وذكره الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في ترجمة الرجل من كتاب السياق - ذيل تاريخ نيسابور - قال: (هو) ثاني أبي حامد الغزالي، بل أرجح منه في الصوت والمنظر اتصل بخدمة الملك بركياروق السلجوقي وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه وتولى القضاء بتلك الدولة. وكان يستعمل الاحاديث في ميادين الكفاح إذا طارت الرؤس في مهاب الرياح. وكان قد سئل عن يزيد بن معاوية ؟ فقدح فيه وشطح، وقال: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. (قال:) فأما قول السلف فلاحمد ومالك وأبي حنيفة (فيه) قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد (هو) التصريح، وكيف لا وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر، وهو القائل: أقول لصحب ضمت الكأس شملهم وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة فكل وإن طال المدى يتصرم ولا تتركوا يوم السرور إلى غد فرب غد يأتي بما ليس يعلم (*)

[ 302 ]

(يزيد من) الصحابة، ولد في زمان عمر بن الخطاب، وركب العظائم المشهورة، (ثم) قال: وأما قول السلف ففيه لاحمد قولان: تلويح وتصريح، ولمالك أيضا قولان تصريح وتلويح، ولنا قول واحد وهو التصريح دون التلويح، قال: وكيف لا وهو اللاعب بالنرد / 141 / ب / المتصيد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر، والقاتل لاهل بيت النبي (ص) والمصرح في شعره بالكفر الصريح (1).


وقريبا منه - مع بعض ما هذى به الغزالي - ذكره الدميري في عنوان: " الفهد " من كتاب حياة الحيوان ص 424 ط إيران، وفي ط: ج 2 ص 175. (1) إشارة إلى ما رواه جماعة منهم ابن كثير الدمشقي في أواخر ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخه: البداية والنهاية: ج 8 ص 192، ط دار الفكر قال: قال محمد بن حميد الرازي - وهو شيعي (من رجال أبي داود والترمذي وابن ماجة) -: حدثنا محمد بن يحيى الاحمري حدثنا ليث عن مجاهد، قال: لما جئ برأس الحسين (عليه السلام) فوضع بين يدي يزيد، تمثل بهذه الابيات: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل فأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا لي: هنيئا لا تسل ؟ حين حكت بفناء بركها واستحر القتل في عبد الاسل ؟ قد قتلنا الضعف من أشرافكم ؟ وعدلنا ميل بدر فاعتدل قال مجاهد: نافق فيها والله، ثم والله ما بقى في جيشه أحد إلا تركه أي عابه وذمه ؟ ! ! ورواه أيضا ابن الجوزي في كتابه: " الرد على المتعصب العنيد " ص 47 طبعة بيروت قال: أنبأنا علي بن عبيد الله الزاغوني قال: أنبأنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: أنبأنا عبد الله بن أبي (*)

[ 303 ]

وحكى ابن الفوطي في تاريخه قال: كان له قرد يجعله بين يديه ويكنيه بأبي قيس ويسقيه فضل كأسه ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمسخ. وكان يحمله على أتان وحشية قد نصبت له ويرسلها مع الخيل في حلبة السباق، فحمله يوما عليها فسبقت فسر وأنشد:


سعيد الوراق قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا محمد بن يحيى الاحمري قال: حدثنا الليث: عن مجاهد، قال: جئ برأس الحسين بن علي فوضع بين يدي يزيد بن معاوية فتمثل (ب‍) هذين البيتين: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل فأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا لي بغيب: لا تشل قال مجاهد: نافق فيها، ثم والله ما بقي في عسكره أحد إلا تركه أي عابه وذمه. وذكره أيضا سبط ابن الجوزي في أواخر ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب مرآة الزمان / الورق 17 / أ /. وذكره إيضا في أواخر الباب التاسع من كتاب تذكرة الخواص، ص 298 ثم قال: وقال ابن عقيل: ومما يدل على كفره وزندقته - فضلا (عن جواز) سبه ولعنه - أشعاره التي أفصح بها بالالحاد، وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أولها: علية هاتي واعلني وترنمي بذلك إني لا أحب التناجيا حديث أبي سفيان قدما سمى بها إلى أحد حتى أقام البواكيا ألا هات فاسقيني على ذاك قهوة تخيرها العنسي كرما شاميا وإن مت يا أم الاحيمر فانكحي ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا فإن الذي حدثت عن يوم بعثنا أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا ولابد لي من أن أزور محمدا بمشمولة صفراء تروي عظاميا ومنها قوله: لما بدت تلك الحمول وأشرقت تلك الشموس على ربى جرون نعب الغراب فقلت: نح أولا تنح فلقد قضيت من الغريم ديوني ومنها قوله: معشر الندمان قوموا واسمعوا صوت الاذان واشربوا كأس مدام واتركوا ذكر المعاني شغلتني نغمة العيدان عن صوت الاذان وتعوضت عن الحور خمورا في الدنان (*)

[ 304 ]

تمسك أبا قيس بفضل زمامها فليس عليها إن سقطت ضمان فقد سبقت خيل الجماعة كلها وخيل أمير المؤمنين أتان وجاء يوما سابقا فطرحته الريح فمات فحزن عليه حزنا شديدا، وامر بتكفينه ودفنه وأمر أهل الشام أن يعزوه فيه ! ! ! وأنشأ يقول: كم قوم كرام ذو محافظة إلا أتانا يعزي في أبي قيس شيخ العشيرة أمضاها وأجملها إلى المساعي على الترق وس والريس ؟ لا يبعد الله قبرا أنت ساكنه فيه جمال وفيه لحية التيس

[ 305 ]

فصل في بعض ما رثي به (الحسين عليه السلام) وما قيل فيه: فمما أنشده الحاكم النيسابوري وهو لبعض المتقدمين (1): جاؤا برأسك يابن بنت محمد مترملا بدمائه ترميلا وكأنما بك يابن بنت محمد قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولم يترقبوا في قتلك التأويل والتزيلا ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا وروى أبو مخنف عن عبد الرحمان بن جندب أن عبيد الله بن زياد لعنه الله بعد مقتل الحسين (عليه السلام) تفقد أشراف الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر (الجعفي) فطلبه فلما جاء أسمعه غليظ ما يكره ثم خرج من عنده فامتنع عليه (2) وقال في الحسين وأصحابه / 142 / أ / (عليهم السلام مرائي): يقول أمير غادر وابن غادر ألا كنت قاتلت الحسين ابن فاطمة ونفسي على خذلانه واعتزاله وبيعة هذا الناكث العهد لائمة (3) فيا ندمي أن لا أكون نصرته ألا كل نفس لا تسدد نادمة وإني وإن لم أكن قد نصرته لذو حسرة ما إن تفارق لازمة سقى الله أرواح الذين توازروا على نصره سقيا من الغيث دائمة وقفت على أجداثهم ومحلهم فكاد الحشى ينفض والعين ساجمة


(1) وهو خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي أبو عبد الله الشامي الحمصي المتوفى سنة: " 103 " وقيل: توفي سنة: " 105 " وقيل: توفي سنة: " 106 " وقيل: " 107 " وقيل: " 108 ". والرجل من رجال الصحاح الست مترجم في تهذيب التهذيب: ج 3 ص 118. (2) هذا هو الظاهر، وفي أصلي تصحيف فاحش، وللقصة مصادر، وقد رواها أيضا الطبري في أواخر مقتل الحسين عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 469 قال: قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمان بن جندب الازدي: أن عبيد الله بن زياد - بعد قتل الحسين - تفقد أشراف أهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه، فقال (له ابن زياد): أين كنت يا ابن الحر ؟ قال: كنت مريضا. قال: مريض القلب أو مريض البدن ؟ قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله علي بالعافية. فقال له ابن زياد: كذبت ولكنك كنت مع عدونا. قال: لو كنت مع عدوك لرئي مكاني وما كان مثل مكاني يخفى... (3) هذا هو الصواب، وفي أصلي تصحيف. (*)

[ 306 ]

لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى سراعا إلى الهيجاء جمالا خضارمة (1) تآسوا على نصر ابن بنت نبيهم بأسيافهم آساد غير ضراغمة وما إن رأى الراؤن أفضل منهم لدى الموت سادات وزهر قماقمة أيقتلهم ظلما ويرجو ذمامنا (2) فدع خطة ليست لنا بملائمة لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم فكم ناقم منكم علينا وناقمة أهم مرارا أن أسير بجحفل إلى فئة زاغت عن الحق راغمة وقال سليمان بن قتة (3) يرثي الحسين عليه السلام: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقابا من قريش فذلت مررت على أبيات آل محمد فلم أرها أمثالها حين حلت (4) وكانوا لنا غنما فصاروا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلت إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ويقتلنا قيس إذا النعل زلت ألم تر أن الارض أضحت مريضة لقتل حسين والبلاد اقشعرت ورأيت في مرثيته عليه (السلام) قصيدة طويلة جدا علق بخاطري منها هذه الابيات: أما والذي لدمي حللا وخصص أهل الولا بالبلا لئن ذقت فيك كؤس الحمام لما قال قلبي لساقيه لا ولا كنت ممن يشاكي الجوى ولو قدني مفصلا مفصلا


(1) الاجداث: جمع جدث - على زنة فرس -: القبر. والحشى - على زنة عصى -: ما في أضلاع الانسان من القلب والطحال والكرش، وينض: ينشق. ساجمه: دامعة. ومصاليت: شجعان. والوغى: الحرب. والخضارمه: جمع الخضرم - على زنة زبرج -: كثير العطاء. إذا سكر بالمدينة. (2) كذا في كثير من المصادر وفي أصلي: " يقتلهم ظلما... ". (3) هذا هو الصواب المذكور في الحديث: (401) من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 301 طبعة بيروت، ومثله في كثير من المصادر، وفي أصلي: " الزبير بن قتيبة ". (4) هذا هو الصواب الموافق لسياق الكلام، والمذكور في غير واحد من المصادر، وفي أصلي: " فألفيتها ". (*)

[ 307 ]

رضيت وحقك كل الرضا إذا كان يرضيك أن أقتلا أنا ابن البتول وسبط الرسول وجدي محمد فيكم علا أنا ابن الفتى الهاشمي الذي لمرحب في خيبر جدلا فلا غرور إن مت موت الكرام كما مات في الحب من خلا أينكر بين الورى قتلتي ورأسي يطاف به في الملا ووقفت على قصيدة طويلة نحو المئة بيت في مديح أهل البيت (عليهم السلام) للشيخ العلاء يحيى بن سلامة الحصكفي (1) ذكرها ابن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم فاخترت منها هذا القدر: ليت المطايا للنوى ما خلقت ولا حدا من الحداة أحد على الجفون رحلوا وفي الحشى تقيلوا وماء عيني وردوا وأدمعي مسفوحة وكبدي مقروحة وغلتي لا تبرد وصبوتي دائمة ومقلتي دامية ونومها مشرد تيمني منهم غزال أغيد يا حبذا ذاك الغزال الاغيد حسامه مجرد وصرحه ممرد وخده مورد كأنما نكهته وريقه مسك وحمر الثنايا برد يقعده عند القيام ردفه وفي الحشا منه المقيم المقعد أيقنت لما أن حدى الحادي بهم ولم أمت إن فؤادي جلمد كنت على القرب كئيبا مغرما صبا فما ظنك بي إذ بعدوا


(1) هذا هو الصواب، وفي أصلي تصحيف. ذكره ابن الجوزي فيمن توفي سنة: (553) تحت الرقم: (276) من تاريخه المنتظم: ج 10، ص 183، قال: ولد (يحيى بن سلامة) بطنزة بعد (العام) ستين وأربع مائة، و (طنزة) بلدة من الجزيرة من ديار بكر، ونشأ بحصن كيفا وانتقل (بعد) إلى (بلدة) " ميافارقين ". وهو إمام فاضل في علوم شتى، وكان يفتي ويقول الشعر اللطيف (وكان يكتب) الرسائل المعجبة المليحة الصناعة... وساق الكلام في ترجمته إلى أن قال: توفي الحصكفي في ربيع الاول في هذه السنة (يعني سنة 553) ب‍ (بلدة) ميافارقين.. (*)

[ 308 ]

هم الحياة أعرقوا أم أشأموا أم أيمنوا أم أتهموا أم أنجدوا لولا الضنا جحدت وجدي بهم لكن نحولي بالغرام يشهد / 143 / أ لله ما أجور أحكام الهوى وما لمن يظلم فيهم مسعد (1) ليس على المتلف غرم عندهم ولا على القاتل عمدا قود هل أنصفوا إذ حكموا أم أسعفوا من أيموا أم عطفوا فاقتصدوا (2) بل أسرفوا وظلموا وأتلفوا من هيموا وأخلفوا ما وعدوا وسائل عن حب أهل البيت (هل) أقر إعلانا به أم أجحد هيهات ممزوج بلحمي ودمي حبهم وهو الهدى والرشد حيدرة والحسنان بعده ثم علي وابنه محمد وجعفر الصادق وابن جعفر موسى ويتلوه علي السيد أعني الرضا ثم ابنه محمد ثم علي وابنه المسدد والحسن التالي ويتلو تلوه محمد بن الحسن المفتقد فإنهم أئمتي وسادتي وإن لحاني معشر وفندوا فأنهم أئمتي وسادتي وإن لحاني معشر وفندوا أئمة أكرم بهم أئمة أسماؤهم مسدودة تطرد هم حجج (الله) على عباده بهم إليه منهج ومقصد هم النهار صوم لربهم وفي الدياجي ركع وسجد قوم أتى في (هل أتى) مدحهم وهل يشك فيه إلا ملحد (3) قوم لهم فضل ومدح باذخ يعرفه المشرك والموحد (4) قوم لهم في كل إرض مشهد لا بل لهم في كل قلب مشهد قوم منى والمشعران لهم والمروتان (5) لهم والمسجد قوم لهم مكة والابطح والخيف وجمع والبقيع الغرقد ما صدق الناس ولا تصدقوا ما نسكوا وأفطروا وعيدوا


(1) هذان الشطران غير موجودين في المطبوع من كتاب المنتظم: ج 10، ص 185. (2) كذا في أصلي، وفي تاريخ المنتظم: " بل أنصفوا " وذكر في تعليقه: لعله " بل عسفوا ". (3) وفي تاريخ المنتظم: ما شك في ذلك إلا ملحد. وفي بعض المصادر: وهل يشك فيه إلا ملحد. (4) كذا في أصلي، وفي تاريخ المنتظم: " يعرفه المشرك ثم الملحد ". (5) كذا في تاريخ المنتظم، وفي أصلي: " والمرقيان ". (*)

[ 309 ]

(ولا غزوا وأوجبوا حجاولا صلوا ولا صاموا ولا تعبدوا) لولا رسول الله وهو جدهم يا حبذا الوالد ثم الولد / 143 / ومصرع الطف فلا أذكره ففي الحشى منه لهيب يقد يرى الفرات ابن الرسول ظامئا يلقى الردى وابن الدعي يرد حسبك يا هذا وحسب من بغى عليهم يوم المعاد الصمد يا أهل بيت المصطفى وعدتي (1) ومن على حبهم أعتمد أنتم إلى الله غدا وسيلتي وكيف أخشى وبكم أعتضد وليكم في الخلد حي خالد والضد في نار لظى مخلد (2) ولست أهواكم لبغض غيركم إني إذا أشقى بكم لا أسعد فلا يظن رافضي أنني وافقته أو خارجي مفسد محمد والخلفاء بعده أفضل خلق الله فيما أجد هم أسسوا قواعد الدين لنا وهم بنوا أركانه وشيدوا ومن يخن أحمد في أصحابه فخصمه يوم المعاد أحمد هذا اعتقادي فالزموهه تفلحوا هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا والشافعي مذهبي مذهبه لانه في قوله مؤيد (أتبعه في الاصل والفرع معا فليتبعني الطالب المسترشد إني بإذن الله ناج سابق (3) إذا ونى الظالم والمقتصد) وله (رحمه الله) من قصيدة طويلة أيضا: يا خائفا علي أسباب الردى أما عرفت حصني الحصينا إني جعلت في الخطوب موئلي محمدا والانزع البطينا أحب طاسين وياسين ومن يلوم في ياسين أو طاسينا يا ذاهبين في أضاليل الهوى وعن سبيل الحق (4) ناكبينا


(1) كذا في أصلي، وفي المنتظم: يا أهل بيت المصطفى يا عدتي... (2) وفي المنتظم: والضد في نار لظى يخلد. (3) الاشطر الاربعة الموضوعة بين المعقوفين أخذناها من كتاب المنتظم: ج 10، ص 185. (4) كذا في أصلي، وفي بعض المصادر: يا تائهين في أضاليل الهوى وعن سبيل الرشد ناكبينا وما وضعناه بين المعقوفات مأخوذ من مصادر أخر. (*)

[ 310 ]

(تجاهكم دار السلام فابتغوا في نهجها جبريلها الامينا) لجوا الباب معي وقولوا: حطة يغفر لنا الذنوب أجمعينا (ذرو العناد فإن أصحاب العبا هم النبأ إن شئتم التبيينا) ديني الولاء لست أبغي غيره دينا وحسبي بالولاء دينا (هما طريقان فإما شامة أو فاليمين فاسلكوا اليمينا سجنكم السجين إن لم تتبعوا علينا دليل عليينا) ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى وما مدح به أهل البيت (عليهم السلام) القصيدة المشهورة / 144 / أ / الجامعة لهذه الامور من المديح والرثاء والبكاء على أهل البيت، وهي قصيدة دعبل بن علي الخزاعي (1) شاعر آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم أظفر منها إلا بهذا القدر اليسير (2) وهو هذا: مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات لال رسول الله بالخيف من منى وبالركن والتعريف والجمرات ألم ترر أني مذ ثلاثون حجة أروح وأغدو دائم الحسرات أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات وآل رسول الله نحف جسومهم وآل زياد غلظ القصرات بنات زياد في الخدور نواعم وآل رسول الله في الفلوات (3)


والابيات بطولها ذكرها السيد جواد شبر - أنجاه الله تعالى من شر الظالمين - في كتابه: أدب الطف: ج 3 ص 63 طبعة 2. (1) ولد دعبل رحمه الله سنة (148) واستشهد عام (246). وهو مترجم في مصادر شتى منها الاغاني: ج 15، ص 100، وفي ج 18، ص 20. وأيضا عقد له ترجمة ابن عساكر في حرف الدال من تاريخ دمشق، وكذلك عقد له ترجمة ابن العديم في كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب، وله أيضا ترجمة في تاريخ بغداد: ج 8 ص 350، وكذلك في معجم الادباء: ج 11، ص 110. وكذا عقد له العلامة الاميني قدس الله نفسه ترجمة في كتاب الغدير: ج 2 ص 349. (2) وللقصيدة مصادر كثيرة وصورا مطولة، وقد ذكرنا صورا منها في كتابنا " زفرات الثقلين ". (3) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: وبنت رسول الله في الفلوات ؟ وفي ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب بغية الطلب: وآل زياد في الحرير مصونة وآل رسول الله في الفلوات وآل رسول الله نحف جسومها وآل زياد غلظ الرقبات (*)

[ 311 ]

إذا وتروا إلى واتريها أكفا عن الاوتار منقبضات ولولا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطع قلبي اثرهم حسرات ولابراهيم بن سلمة بن هرمة (1): ومهما الام على حبهم فإني أحب بني فاطمة بني بنت من جاء بالمحكمات والدين والسنة القائمة فلست أبالي بحبي لهم سواهم من النعم السائمة وقد أكثر الناس في الرثاء والبكاء على ما أصاب أهل البيت (عليهم السلام) وقالوا مالا يحصى من المقالات نظما وذكروا في قتل الحسين عليه السلام وما كان من أمره ما أضرب عن ذكره صفحا ولم أرق له سفحا ولا يحتمل هذا المختصر أكثر من ذلك وفيه كفاية. وبالجملة والتفصيل فما وقع في الاسلام قضية أفظع منها وهي ما ينبو الاسماع عنها وتتفطر القلوب عند ذكرها حزنا وأسا وتأسفا وتنهل لها المدامع كالسحب الهوامع (2) هذا


(1) وللرجل ترجمة تحت الرقم: (3160) من تاريخ بغداد: ج 6 ص 127. وأيضا له ترجمة في حرف الالف من تاريخ دمشق. وذكره أيضا بدران في تهذيب تاريخ دمشق: ج 2 ص 234. وأيضا عقد له الذهبي ترجمة مختصره في سير أعلام النبلاء: ج 6 ص 207 طبعة بيروت. ورواه محققه إشارة عن مصادر كثيرة منها البداية والنهاية: ج 10، ص 169. والرجل وإن مدح أهل البيت عليهم السلام واعترف ببعض خصائصهم ولكن عملا كان من الراكنين إلى الدنيا، والتابعين لطواغيت عصره ! ! ذكر البلاذري في ترجمة الرجل - في آخر نسب قريش قبل عنوان: " نسب بني كنانة بن جذيمة " - من كتاب أنساب الاشراف: ج 4 / الورق 348 / ب / قال: وكان السلطان (وهو المنصور العباسي) أمر أن يضرب كل من شهد عليه (يعني ابن هرمة) بالسكر (وشرب الخمر) بمائة (سوط) ! ! ! فكان (ابن هرمة) إذا سكر بالمدينة (لشربه الخمر) قال: من يشتري المائة بالثمانين ! ! !. والقصة ذكرها البلاذري - بأوضح مما ذكرناه عنه هاهنا - في ترجمة نفس الزكية في أنساب الاشراف: ج 3 ص 112 - 119، طبعة بيروت. ولعل البلاذري ذكر القصة ها هنا مجلمة لحضور بعض ولد العباس عنده حين كتابته ما ها هنا، مخافة أن يبتلي بما ابتلى به الشهيد ابن السكيت رفع الله مقامه ! (2) ينبو - على زنة يدعو وبابه -: يتجافى ويتباعد. والمدامع: جمع مدمع: ماء العين. مجرى ماء (*)

[ 312 ]

والعهد بالنبي قريب وروض الايمان خصيب / 144 / ب / وغصن دوحته غض جديد وظله وافر مديد، ولكن الله يفعل ما يريد. وما أظن أن من استحل ذلك وسلك مع أهل النبي هذه المسالك شم ريحة الاسلام ولا آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ولا خالط الايمان بشاشة قلبه، ولا آمن طرفة (عين) بربه والقيامة تجمعهم وإلى ربهم مرجعهم. ستعلم ليلى أي دين تداينت وأي غريم التقاضي غريمها ولقد قرأ قارئ بين يدي الشيخ العالم العلامة أبي الوفاء (علي) ب عقيل رحمه الله (1) (قوله تعالى في الاية 20 من سورة السبأ: 34): * (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) * فبكى وقال: سبحان الله غاية ما كان طمعه فيما قال: * (فليبتكن آذان الانعام) * (119 / النساء: 4) جاوزوا والله الحد الذي طمع فيع فيه ! ! ! ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع اليل تسبيحا وقرآنا إي والله عمدوا إلى علي بن أبي طالب بين صفيه فقتلوه، ثم قتلوا ابنه الحسين بن


العين. والسحب: جمع السحاب: الغيم. والهوامع: جمع هامعة: السيال. (1) ذكره عمر رضا كحالة في حرف العين من كتاب معجم المئلفين: ج 7 ص 151، قال: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري (محلة بشرقية بغداد) الحنبلي أبو الوفاء فقيه أصولي مقرئ واعظ. ولد ببغداد (عام: 431) وتوفي (فيها) في 12، من جمادي الاولى (سنة) 513. من تصانيفه: تفضيل العبادات على نعيم الجنات، كتاب الفنون في مجلدات كثيرة، الفصول في فروع الفقه الحنبلي في عشر مجلدات، الانتصار لاهل الحديث، والواضح في أصول الفقه ثلاث مجلدات. ثم ذكر مصادر ترجمته منها: سير أعلام النبلاء: ج 19، ص 443، ومنها المنتظم: ج 9 ص 212، ومنها مناقب أحمد - لابن الجوزي - ص 526، ومنها كامل ابن الاثير: ج 10، ص 561، ومنها البداية والنهاية: ج 12 ص 184، ومنها لسان الميزان. (*)

[ 313 ]

فاطمة الزهراء وأهل بيته الطيبين الطاهرين بعد أو منعوهم الماء ! ! ! هذا والعهد بنبيهم قريب وهم القرن الذي رأوا رسول الله (ص) ورأوه (ص) يقبل فمه ويرشف ثناياه (1) فنكتوا على فمه وثناياه بالقضيب ! ! تذكروا والله أحقاد يوم بدر وما كان فيه ! ! ! وأين هذا من مطمع الشيطان وغاية أمله بتبكيت آذان الانعام ؟ هذا مع قرب العهد وسماع كلام رب الارباب: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (23 / الشورى: 42). ستروا واللهه عقائدهم في عصره مخافة السيف، فلما صار الامر إليهم كشفوا (عن) قناع البغي والحيف * (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) * (139 / الانعام: 6). ورأيت في تاريخ ابن خلكان رحمه الله (2) قضية غريبة فأحببت ذكرها ها هنا، وهي: (قال الشيخ نصر الله بن مجلي) - مشارف الخزانة الصلاحية ؟ -: فكرت ليلة وقد آوبت إلى فراشي فيما عامل به آل (أبي) سفيان لاهل بيت رسول الله (ص) وفي قضية الحسين، وقتله وقتل أهل بيته وأسر بنات رسول الله (ص) وحملهم (إياهن) على الاقتاب سبايا، ووقوفهم على درج دمشق سبايا عرايا ! ! ! فبكيت بكاءا شديدا / 145 / أ / وأرقت ثم نمت فرأيت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه فحين رأيته بادرت إليه وقبلت يديه وبكيت فقال: ما يبكيك ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابن فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن " ثم يفعل بولدك الحسين وأهل بيتك بالطف ما فعل ؟


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: (ورأوا يقبل رسول الله صلى الله عليه فمه وترشفه...). (2) المعروف ب‍ " وفيات الاعيان " والقصة مذكورة فيه معنى في ترجمة أبي الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي المعروف ب‍ " حيص بيص " في ج 11، ص 206. ورواها أيضا ابن العديم عمر بن أحمد الحنفي الحلبي - المولود (588) والمتوفى سنة: (660) - في الحديث: (196) من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من كتاب بغية الطالب في تاريخ حلب. وأيضا لحيص بيص مرثية أخرى مذكورة في مجموعة من كتب المجلس بطهران، برقم: " 3321 " ص 14، منها، ولكن لم يتيسر لي الرجوع إليها، من أرادها فليراجعها، وليراجع أيضا كتاب أدب الطف: ج 3 ص 209. (*)

[ 314 ]

فتبسم (أمير المؤمنين) وقال: ألم تسمع أبيات ابن الصيفي (سعد بن محمد) ؟ قلت: لا. قال: اسمعها منه فهي الجواب. قال: فطالت ليلتي حتى برق الفجر فجئت باب ابن الصيفي فطرقت بابه فخرج إلي حاسرا حافي القدمين وقال: ما الذي جاء بك هذه الساعة ؟ فقصصت عليه قصتي فأجهش بالبكاء وقال: والله ما قلتها إلا ليلتي هذه ولم يسمعها بشر (مني. ثم أنشدني): ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتم قتل الاسارى وطالما غدونا عن الاسرى نعف ونصفح وحسبكم هذا التفاوت بيننا وكل إناء بالذي فيه ينضح (1)


(1) وانظر كتاب أدب الطف: ج 3 ص 208. (*)

[ 315 ]

فصل في ذكر شئ من شعره (عليه السلام) ونظمه ونثره وكلامه وحكمه: فمن ذلك ما أنشده أبو بكر ابن حامد رضي الله عنه وأرضاه، ورواه عن الحسين عليه السلام (1) وهو: أغن عن المخلوق بالخالق تغن عن الكاذب والصادق واسترزق الرحمان فضله فليس غير الله من رازق من ظن أن الناس يغنونه فليس بالرحمان بالواثق أو ظن أن المال من كسبه زلت به النعلان من حالق (2) وعن الاعمش رحمه الله أن الحسين (عليه السلام) قال: كلما زيد صاحب المال مالا زيد في همه وفي الاشتغال قد عرفناك يا منغصة العيش ويا دار كل فان وبالي ليس يصفو لزاهد طلب الزهد إذا كان مثقلا بالعيال وعن إسحاق بن إبراهيم / 145 / ب / قال: بلغني أن الحسين عليه السلام زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال: ناديت سكان القبور فأسكتوا وأجابني من صمتهم ترب الحشى ؟ قالت: أتدري ما صنعت بساكني مزقت لحمهم وأبليت الكسا (3)


(1) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " ما أنشده أبو بكر ابن حامد، ورواه عن الحسين رضي الله عنه وأرضاه، ورواه عن الحسين عليه السلام ". (2) وجميع الابيات المذكورة هاهنا، رواه ابن عساكر في الحديث: " 208 " وما بعده من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 162، ط بيروت. ورواها أيضا ابن كثير في أواخر ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية: ج 8 ص 208 ط دار الفكر. (3) هذا هو الظاهر المذكور في بعض النسخ من ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ص 163، ط 1. وهكذا رواه ابن كثير في ترجمة الامام الحسين من البداية والنهاية: ج 8 ص 209. وفي أصلي: " مزقت مجمعهم ؟ ". (*)

[ 316 ]

وحشوت أعينهم ترابا بعد ما كانت تأذى باليسير من القذا أما العظام فإنني مزقتها حتى تباينت المفاصل والشوا قطعت ذا من ذا ومن هذاك ذا وتركتها رمما يطول بها البلى ومما هو منسوب إليه رضي الله عنه: (1) لئن كانت الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن كانت الابدان للموت أنشئت فقتل امرء بالسيف في الله أفضل (2) وإن كانت الارزاق شيئا مقدرا فقلة سعي المرء أولى وأجمل (3) وإن كانت الاموال للترك جمعت فما بال متروك به المرء يبخل (4) ومما أنشده الزبير بن بكار للحسين عليه السلام في زوجته الرباب بنت امرئ القيس (5) لعمرك إنني لاحب دارا تحل بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي وليس للائمي فيها عتاب ولست لهم وإن عتبوا مطيعا حياتي أو يغيبني التراب


(1) ورواها عنه عليه السلام ابن عساكر في الحديث: (211) من ترجمته عليه السلام من تاريخ دمشق ص 163، ط 1. (2) هذا هو الظاهر في أواخر ترجمة الامام الحسين عليه السلام من تاريخ البداية والنهاية ج 8 ص 209. وفي أصلي في الابيات تصحيف. (3) كذا في أصلي، وفي ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق: " فقلة سعي المرء في الكسب أجمل ". (4) هذا هو الظاهر المذكور في ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق، وفي أصلي: " فما بال متروك به يتجمل ". (5) ورواها أيضا البلاذري في ذيل الحديث: (238) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 196، طبعة ة بيروت. ورواها أيضا الدارقطني في عنوان: " جناب - و - زيد " من كتاب المؤتلف والمختلف: ج 1، ص 468 وص... ورواها مسندة ابن العديم في الحديث: " 80 " من ترجمة الامام الحسين عليه مكن تاريخه: بغية الطلب في تاريخ حلب: ج 7 ص 53 ط 1. (*)

[ 317 ]

ومن بديع كلامه (عليه السلام): أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعفى الناس من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه. وقال أنس: كنت عند الحسين بن علي رضي الله عنه فدخلت عليه جارية بطاقة ريحان فحيته بها فقال لها: أنت حرة لوجه الله. (قال أنس:) فقلت (له): تحييك بريحان لا عطر لها فتعتقها ؟ فقال: كذا أدبنا الله في كتابه فقال: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) * (86 / النساء: 4). وجنى غلام (له عليه السلام) جناية توجب العقوبة فأمر بضربه / 146 / أ / فقال: يا مولاي (فإن الله يقول:) * (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) * (134 / آل عمران: 4) (ف‍) قال (الحسين عليه السلام): قد عفوت عنك وأنت حر. وشعره وحكمه (عليه السلام) كثيرة، وقد اقتصرت على هذا القدر (1) فإن مناقبه ومناقب أخيه وأبيه لا تحصر، نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم وأن يعيد علينا من بركتهم ويحيينا ويميتنا على محبتهم آمين بمنه وكرمه.


(1) ومن أراد المزيد بكتاب نزهة الناظر لحسين بن محمد الحلواني وتحف العقول للحسن بن علي بن شعبة، وبحار الانوار: ج 17، ص 147، طبعة الكمباني. (*)

[ 319 ]

الباب السادس والسبعون في عداوة بني أمية و (بني) عبد شمس لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، والاسباب الموجبة لذلك، وانحراف الناس عنه، وميلهم (عنه) (قال الباعوني:) إن الله جعل الدنيا دار بلاء وامتحان، وخص أنبياءه وأولياءه من بالاءها وافر نصيب، قال الله سبحانه وتعالى: * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) * (31 / محمد: 47). وقال تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتمسعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور) * (186 / آل عمران: 3). وقال تعالى: * (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) * (34 / الانعام: 6). وقال تعالى: * (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * (2 / العنكبوت: 30). والايات في (هذا) المعنى لا تحصر. وأما الاحاديث فأكثر، منها ما جاء عن سعد بن أبي وقاص (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن أشد (الناس) بلاأ ؟ (1) (ف‍) قال: الامثل ثم الامثل، يبتلي الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلبا شدد عليه، وإن كان في


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: عن أشد البلاء.... (*)

[ 320 ]

دينه رقة هون عليه، وما يزال كذلك حتى يمسي وليس عليه ذنب (1). قال الترمذي: (هذا) حديث حسن صحيح. وعن أنس عن النبي (ص) أنه قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم. وقال عليه السلام: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. وقال: ما أوذي نبي (مثل) ما أوذيت (2). وقال عليه الصلاة والسلام: إذا أحب عبدا / 146 / ب / حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء. وفي الاثار أن زكريا عليه السلام لما نشر بالمنشار أن، فأوحى الله إليه إن تأوهت بعدها لامحونك من لوح النبوة. والاثار لا تحصى ولا تحصر في ذلك، والله تعالى يقول: * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) * (31 / الفرقان: 25). وقال بعضهم: البلايا هدايا الله لاحبائه وما أحب (عبدا) إلا إبتلاه. وإذا أردت أن تعرف صحة ذلك، فانظر في أحوال الانبياء عليهم الصلاة والسلام وما لقوه، فلا تجد منهم نبيا إلا وقد لقي من البلاء في الدنيا ما (لا) تحتمله الجبال، هذا


(1) وقريبا منه رواه عبد بن حميد، في مسند سعد بن أبي وقاص تحت الرقم: (146) من مسنده، ص 79. ورواه أيضا أحمد بن حنبل في أوائل مسند سعد بن أبي وقاص تحت الرقم: (1481) من كتاب المسند: ج 3 ص 45 ط 2. وقال أحمد محمد شاكر في تعليقه: إسناده صحيح، ورواه الترمذي (في سننه): ج 3 ص 286.. وقال: " حديث حسن صحيح " وقال شارحه: وأخرجه أحمد والدارمي والنسائي (في السنن) الكبرى وابن ماجة وابن حبان والحاكم. كذا في الفتح. وصدره رواه الحاكم في عنوان: " محنة أبي ذر " من كتاب المستدرك: ج 3 ص 343. ورواه أحمد بن مثنى الموصلي في الحديث: (142) من مسند بن أبي وقاص من مسنده: ج 2 ص 143، ط 1، وأورده محققه في هامشه عن مصادر جمة. (2) وقريبا منه معنى رواه أحمد في الحديث: " 263 " من مسند أنس من كتاب المسند: ج 3 ص 120. (*)

[ 321 ]

وهم صفوة الله من خلقه وأحب خلقه إليه وأكرمهم عليه. فأولهم أبو البشر آدم عليه السلام، وما لقي وهو صفوة الله، خلقه بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماءه وأسكنه جواره وضاعف له الكرامة، ثم ابتلاه وامتحنه بعدوه إبليس وسلطه عليه، فما زال يوسوس له وينصب له حبائل مكره وخدعه، ويحسن له الاكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ويقسم له ولزوجته جوابا لله إنه لهما من الناصحين ودلاهما بغروره ومكره، وما برح بهما حتى أكلا من الشجرة، وأخرجهما من الجنة، فأهبط الله آدم من الجنة إلى الارض، فهبط ب‍ " سرانديب " وهبطت حواء (زوجته) على بعض الاقوال ب‍ " جدة " فأقام كئيبا باكيا وحيدا مفارقا لجوار مولاه، مستوحشا ل‍ (فراق) زوجته حواء لا أنيس له، ولا يفيق عن البكاء ساعة واحدة، حتى جرت دموعه كالجداول ! ! ! ويقال: إنه بكى مائة عام لا يفتر عن البكاء ساعة في ليل أو نهار، ثم جمع الله بينه وبين زوجته حواء، ثم امتحن بقتل ولده إلى غير ذلك، مما كابده من المشاق إلى أن نقله الله إلى جواره وأعاده إلى دار كرامته بعد أن تاب عليه بمنة وكرمه. ثم نوح عليه السلام أرسله (الله تعالى) إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا وسرا وجهرا، فكذبوه بما جاء به وردوه عليه، ولم يؤمنوا بالله ولا (إلى) ما دعاهم إليه / 147 / أ / من توحيده وعبادته، وبالغوا في سبه ولبه وحبسه وضربه (1) حتى أن الرجل من قومه يأخذ بيد ولده الصغير ويقف به عليه، ويقول: يا بني أياك إذا أنا مت أن تصدق هذا فيما يدعوك إليه، واصنع به كا أصنع. ثم يثب عليه ويضربه حتى تسيل دماءه ! ! فيخر (نوح) مغشيا عليه. ولم يزل كذلك إلى أن أوحى إليه: * (إنه لم يؤمن من قومك إلا من قد آمن) * (36 / هود:). فلما آيس منهم قال: * (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) * (26 / نوح: 71) فاستجاب الله دعاءه وأغرق قومه بالطوفان كما ورد في القرآن.


(1) كذا في أصلي بنحو الاهمال، فإن صح فهو بمعنى الاخذ باللبب، والتلبيب، أي بالغوا في سبه والاخذ بتلبيبه متمكنا عليه. (*)

[ 322 ]

ثم النبي الجليل إبراهيم الخليل وهو أبو الانبياء عليه وعليهم السلام وما خصه الله من الجلة والاكرام، ابتلاه الله بشر خلقه نمرود، فدعاه إلى الله وإلى توحيده والايمان به فعتى على الله وبغى ونازع الله رداء عظمته وطغى ! ! وإبراهيم صلوات الله عليه يدعوه إلى طاعة الله ووحدانيته والايمان به وعبادته، فما آمن طرفة عين بربه ولا خالط الايمان بشاشة قلبه، وتجرد لعداوة إبراهيم صلوات الله عليه، ولم يدع نوعا من أنواع الاذى إلا أسدى منه إليه (1) ثم رماه بالمنجنيق في النار، فصارت عليه بردا وسلاما، واستمر بها ثلاثة أيام تماما ؟ ثم نجاه الله ونصره، وخذل نمرود وقهره، وأهلكه بذبابة من أضعف الذباب (ف‍) جرعته كؤس العذاب ! ! ! ثم سيدنا الحبيب الكليم عليه أفضل الصلاة والتسليم ابتلاه الله بعدوه فرعون حين على واستعلى وقال: * (أنا ربكم الاعلى) * فأرسله الله إليه داعيا إلى توحيده وعبادته والاقرار بربوبيته، فما آمن ولا أقر، واستمر على عناده واستغر، وأراد قتل موسى فخرج خائفا يترقب وفر، ثم إن الله حماه بعناية منه وأنجاه، وبلغه من نصره ما أمله من فضله وترجاه، فأغرق فرعون وجنوده في اليم، وأهلكه بالكمد والغم، وأباده وقومه بالهلاك وعم. ثم الروح الامين والحبيب المكين محي الموتى (2).


(1) لعل هذا هو الصواب، وأسدى منه إليه: جرى ومد منه إليه. وفي أصلي: إلا اسدامه إليه.... (2) قال المحمودي: إلى هنا ينتهي ما في أصلي من المخطوطة الرضوية التي جاد بها لنا العلامة الطبا طبائي دام عزه، والنسخة كانت مشحونة بالاغلاط والتصحيف، أصلحنا منها بقدر المستطاع، ولم نعهد للكتاب نسخة أخرى سوى ما ذكره شيخنا الحاج آغا بزرگ قدس الله نفسه في مستدرك كتابه القيم الذريعة: ج 26 ص 264 من أنه وجد نسخة من الكتاب عند بعض أهل العلم في النجف الاشرف. ولكن لم يتيسر لي الاتصال بالنجف الاشرف، وأرجو من ألطاف الله تعالى أن يبقينا في قيد الحياة حتى نتشرف بزيارة أمير المؤمنين عليه السلام ثم التفقد عن الكتاب، ثم تصحيحه ثم نشره كاملا بعون الله تعالى. ونأمل من إخواننا النجفيين خصوصا من صديقنا وسيدنا الاجل السيد مهدي خرسان أدام الله تعالى توفيقه أن يساهمنا في هذه الخدمة آمين رب العالمين. (ف‍) جرعته كؤس العذاب ! ! ! ثم سيدنا الحبيب الكليم عليه أفضل الصلاة والتسليم ابتلاه الله بعدوه فرعون حين على واستعلى وقال: * (أنا ربكم الاعلى) * فأرسله الله إليه داعيا إلى توحيده وعبادته والاقرار بربوبيته، فما آمن ولا أقر، واستمر على عناده واستغر، وأراد قتل موسى فخرج خائفا يترقب وفر، ثم إن الله حماه بعناية منه وأنجاه، وبلغه من نصره ما أمله من فضله وترجاه، فأغرق فرعون وجنوده في اليم، وأهلكه بالكمد والغم، وأباده وقومه بالهلاك وعم. ثم الروح الامين والحبيب المكين محي الموتى (2).

(1) لعل هذا هو الصواب، وأسدى منه إليه: جرى ومد منه إليه. وفي أصلي: إلا اسدامه إليه.... (2) قال المحمودي: إلى هنا ينتهي ما في أصلي من المخطوطة الرضوية التي جاد بها لنا العلامة الطبا طبائي دام عزه، والنسخة كانت مشحونة بالاغلاط والتصحيف، أصلحنا منها بقدر المستطاع، ولم نعهد للكتاب نسخة أخرى سوى ما ذكره شيخنا الحاج آغا بزرگ قدس الله نفسه في مستدرك كتابه القيم الذريعة: ج 26 ص 264 من أنه وجد نسخة من الكتاب عند بعض أهل العلم في النجف الاشرف. ولكن لم يتيسر لي الاتصال بالنجف الاشرف، وأرجو من ألطاف الله تعالى أن يبقينا في قيد الحياة حتى نتشرف بزيارة أمير المؤمنين عليه السلام ثم التفقد عن الكتاب، ثم تصحيحه ثم نشره كاملا بعون الله تعالى. ونأمل من إخواننا النجفيين خصوصا من صديقنا وسيدنا الاجل السيد مهدي خرسان أدام الله تعالى توفيقه أن يساهمنا في هذه الخدمة آمين رب العالمين. وقد أنهينا ترتيب الكتاب في بيروت في اليوم (8) من شهر رجب المرجب من سنة " 1411 " الهجرية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (*)

مكتبة شبكة أمل الثقافية