حياة الإمام الحسين (ع) - الشيخ باقر شريف القرشي ج 1

حياة الإمام الحسين (ع)

الشيخ باقر شريف القرشي ج 1


[ 1 ]

حياة الامام الحسين بن علي عليهما السلام باقر شريف القرشي حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

[ 2 ]

الطبعة الاولى 1398 ه‍ 1974 م باقر شريف القرشى حياة الامام الحسين بن علي عليهما السلام دراسة وتحليل الجزء الاول

[ 4 ]

الطبعة الاولى 1394 ه‍ - 1974 م من مبرات المغفور له الحاج محمد جواد عجينة مطبعة الآداب النجف الاشرف

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإتياء الزكاة وكانوا لنا عابدين * إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظميم. القرآن الكريم

[ 6 ]

الاهداء إليك... يا مفجر العلم والايمان في الارض. إليك... يا رائد النور والوعي ومحرر الانسانية. إليك... يا رسول الله (ص). إلى مقامك العظيم أرفع هذا البحث المتواضع عن حياة ريحانتك وولدك الثاني الامام الحسين (ع) الذي غذيته من كمال النبوة، ووهبته حبك واخلاصك، وقلدته وسامك المشرق بقولك: " حسين مني وأنا من حسين " فكان المجدد لدينك، والمنقذ لامتك، فاستشهد في سبيل أهدافك ومبادئك... فلا أحد أولى به منك، فتقبل هذه البضاعة المزجاة وامنحني الرضا والقبول وحسبي ذلك ذخرا يوم ألقى الله.

[ 7 ]

بين يديك يا انشودة الاحرار تمثلت يومك يوم الطفوف، وأنت ترفع الضحايا من أهل بيتك وأصحابك قرابين خالصة لوجه الله إيمانا منك بأن الاسلام لا يمكن أن ينتصر في كفاحه ضد قوى البغي والالحاد إلا بالتضحية الفذة التي لا يقوى على ادائها سواك. لقد استطعت أيها الفاتح العظيم أن تملي إرادتك على صفحات هذا الكون وتعالج المشاكل الرهيبة التي مني بها عصرك بالحلول المطلوبة، لكن ذلك قام بدمك القاني المعطر بشذى الرسالة ووحي السماء فدمرت أولئك الاقزام من حكام بني أمية الذين اغتالوا الاصلاح الاجتماعيي، ودفعوا الناس إلى السراب السياسي، وتاجروا بمقومات الامة ومقدراتها، وقذفوا بها في متاهات سحيقة لا حد لها من الانحطاط والجهل والتأخر، حتى توارت فكرة النور التي أو قد سناها الرسول (ص) وحلت محلها الوثنية القرشية فعقد لها في كل جامع ومنتدى من بلاد المسلمين صنم يقذف بشواظ من نار لاذابة هدي العقيدة، وتدمير المثل العليا، وتجريد الامة من عناصرها الخلاقة وأفكارها الاصيلة، حتى توارت بوارق النهضة الفكرية والاجتماعية وكادت تنطوي رسالة الاسلام بقيمها ومثلها ومكوناتها.

[ 8 ]

وانبعث صوتك - أيها الفاتح العظيم - فاستوعب صداه جميع أنحاء العالم الاسلامي، وهو ينادي بفجر جديد ويوم جديد ليستأنف فيه الانسان المسلم رسالته، ويبدأ تأريخه، ويبني كرامته، ويعدل سلوكه، وينفض عنه غبار الذل، وعار العبودية، وينطلق في ميادين التحرر ليساهم في بناء الحضارة ويدخل موكب التاريخ. لقد تحدى أبو الأحرار بثورته الكبرى الطبيعة البشرية التي هي أسيرة الغرائز والعواطف، فقد تحرر منها، ولم يعد لها أي حكم أو سلطان عليه، وقد مكنته قواه الروحية في ذاتية مذهلة أن يشق طريقه الخالد ليحقق المعجز، ويقول كلمة الله بايمان لا حد لابعاده. إنه الايمان الذي هيمن على جميع مناحي تفكيره ومقومات ذاتياته فهون عليه أهوال تلك الكوارث التي تذوب منها القلوب، ويقف الفكر أمامها هائما وهو حسير... فقد رأى أصحابه الذين هم من أصدق وأنبل وأوفى من عرفهم التاريخ الانساني يتسابقون إلى الموت بين يديه... رأى الكواكب من أهل بيته وأبنائه، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب تتناهب أشلاءهم السيوف والرماح. رأى حرم الرسالة ومخدرات النبوة تعج من ألم الرزايا وتستغيث به من أليم العطش والظمأ القاتل وهو لا يجد سبيلا لانقاذهن فوقف السبط أمام هذه الخطوب التي تذهل كل كائن حي، فقال كلمته الخالدة التي نمت عن

[ 9 ]

عمق الايمان وروعة التصميم: " هون ما نزل بي أنه بعين الله... ". أجل بعين الله رزاياك، وفي سبيل الاسلام ما عانيته من أهوال تلك الكوارث والخطوب. سيدي أبا الاحرار. لقد عوضك الله عما قاسيته من ضروب المحن، وصنوف البلاء أنواع الكرامة، فمنحك في الدار الآخرة الفردوس الاعلى، وأنزلك به منزلا كريما تتبوأ به حيثما شئت وجعلك سيد شباب أهل الجنة، والشفيع المطاع. وأما في هذه الدار الفانية فقد جعل ذكرك فيها نديا خالدا، والدنيا بأسرها خاضعة لك، فأنت حديث الدهر مهما تطاولت لياليه أياما وصرن لياليا. وأما خصومك فقد تمزقوا كل ممزق، ودفنهم التاريخ في مجاهل سحيقة من الخزي والعار ولعنة الناس. لقد بقيت أنت وحدك ملء فم الدنيا ورهن الخلود وأنشودة الاحرار في كل جبل وعلما يهتدي بك المصلحون في تحقيق ما ينفع الناس.

[ 10 ]

المقدمة - 1 - الامام الحسين عليه السلام من أبرز من خلدتهم الانسانية في جميع مراحل تاريخها. ومن أروع من ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين ساهموا في بناء الفكر الانساني، وتكوين الحضارة الاجتماعية، وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الارض. إن الامام أبا الاحرار من ألمع القادة المصلحين الذين حققوا المعجز على مسرح الحياة، وقادوا المسيرة الانسانية نحو أهدافها وآمالها، ودفعوا بها إلى ايجاد مجتمع متوازن تتحقق فيه الفرص المتكافئة التي ينعم فيها الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم... لقد كان الامام من أكثر المصلحين جهادا، وبذلا وتضحية، فقد انطلق إلى ساحات الجهاد مع كوكبة من أهل بيته وأصحابه مضحيا بنفسه وبهم، ليقيم في ربوع هذا الشرق حكم القرآن وعدالة السماء الهادفة إلى تفويض الظلم، وتدمير الجور، وإزالة الاستبداد، واقامة حكم عادل يجد فيه الانسان أمنه وكرامته ورخاءه حسب ما تقتضيه عدالة الله في الارض... ومن ثم كانت حياة الامام في جميع العصور والاجيال رمزا للعدل، ورمزا لجميع القيم الانسانية. إن أغلب حياة المصلحين الذين وهبوا حياتهم لاممهم وشعوبهم تبقى مشعة تعطى ثمارها ونتاجها للناس، ولكن في فترة خاصة ومحدودة من الزمن لم تلبث أن تتلاشى كما يتلاشى الضوء في القضاء

[ 11 ]

أما حياة الامام الحسين (ع) فقد شقت أجواء التاريخ وهي تحمل النور والهدى لجميع الناس، كما تحمل شارات الموت والدمار للمخربين والظالمين في جميع الاجيال... لقد تفاعلت حياة الامام الحسين مع أرواح الناس وامتزجت بعواطفهم ومشاعرهم، وهي ندية عاطرة تتدفق بالعزة والكرامة وتدفع المجتمع إلى ساحات النضال لتحقيق أهدافه وتقرير مصيره. إنها مدرسة الاجيال الكبرى التي تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعا متفقين ومختلفين، فهي تغذيهم بالوفاء والصبر، وتدفعهم إلى الايمان بالله، وتعمل على توجيههم الوجه الصالحة المتسمة بالكرامة وحسن السلوك كما تعمل على تهذيب الضمائر، وتكوين العواطف، وتنمية الوعي، فهي أجدر بالبقاء من كل كائن حي بل أحق بالخلود من هذا الكوكب الذي يعيش فيه الانسان، لانها أطار لاسمي معاني الكرامة الانسانية. إن حياة ريحانة الرسول ومثله ستبقى حية وخالدة إلى الابد لانها استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب، فان الامام لم ينشد في ثورته الخالدة أي مطمع سياسي أو نفع مادي، وإنما استهدف المصلحة الاجتماعية وعنى بأمر الناس جميعا ليوفر لهم العدل السياسي والعدل الاجتماعي، وقد أعلن سلام الله عليه أهدافه المشرقة بقوله: " إني لم أخر أشرا، ولا بطرا، ولا ظالما، ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... ". من أجل هذه المبادئ العليا خلدت قصة الحسين واستوعبت جميع لغات الارض، وأخذ الناس يقيمون لها الذكرى مقتبسين منها الايمان بالله، ومقتبسين منها العبر والعظات التي تنفعهم في جميع ميادين حياتهم... إنها

[ 12 ]

من دون شك ستظل تساير الركب الانساني وهي ترفع شعال العدل، وشعار الحق، وشعار الكرامة، وتضئ الطريق، وتوضح القصد أمام كل مصلح يعمل من أجل صالح الانسان. - 2 - وليس في تاريخ الاسلام من هو أكثر عائدة ولطفا وفضلا على الاسلام من الامام الحسين (ع) فهو المنقذ والمجدد لهذا الدين العظيم، الذي أجهزت عليه السياسة الاموية، وتركته جريحا على مفترق الطرق تتحداه عوامل الانحلال والانهيار من الداخل والخارج، ولم يعد أي مفهوم من مفاهيمه الحية مائلا في واقع الحياة العامة للمسلمين، قد جمدت طاقاته، وأخمد نوره وانتهكت سننه، ولم يبق منه سوى شبح خافت، وظل متهافت قد أعلنت السلطة في منتدياتها العامة والخاصة أنه لا دين، ولا اسلام، ولا وحي، ولا كتاب، يقول يزيد بن معاوية: لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل ويقول الوليد بن يزيد: تلعب بالخلافة هاشمي * بلا وحي أتاه ولا كتاب (1) وإذا استعرضنا ما أثر عنهم في هذا المجال فلا نجد إلا الكفر والالحاد والمروق من الدين، وقلما نجد منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر أو يرجو وقارا للاسلام. انه - من دون شك - لم يدخل أي بصيص من نور الاسلام في قلوبهم ومشاعرهم، وإنما ظلت نفوسهم مترعة بروح الجاهلية ونزعاتها، لم تتغير فيهم أي ظاهرة من ظواهر الكفر بعد ارغامهم


(1) مروج الذهب 3 / 149

[ 13 ]

على الاسلام، فكانوا يحملون الحقد والعداء للرسول (ص) ويكفرون بجميع ما جاء به من هدى ورحمة للناس. رأى الامام السبط الغزو الجاهلي الذي اجتاح العالم الاسلامي، وما منيت به العقيدة الاسلامية من أخطار هائلة تنذر بالردة الرجعية والانقلاب الشامل وتخلي المسلمين عن عقيدتهم ودينهم، فان السلطة الاموية كانت جاهدة في مسيرتها، وجادة في سياستها على استئصال جذور هذا الدين وإزالة ركائزه وقواعده، وقد تحذر المسلمون بشكل فظيع نتيجة أو بئة الخوف المفزعة التي انتشرت فيهم، وما طعمتهم به السياسة الاموية من روح الخيانة والغدر، فلا صوت يصدع بالاصلاح، ولا طبل يدق للحرب، ولا وازع، ولا رادع ولا زاجر لما كانت تصنعه الطغمة الحاكمة من المخططات الرهيبة الهادفة إلى استعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون. رأى الامام أنه المسؤول الوحيد أمام الله، وأمام أجيال الامة إن وقف موقفا سلبيا تجاه هذه الاوضاع المنكرة ولم يغير ولم يبدل، ولم يفجر ثورته الحمراء التي تعصف بالاستبداد وتهدم صروح الظلم والطغيان وتقود الجماهير إلى ميادين الحق والعدل... وقد أدلى الامام عليه السلام بذلك في خطابه الرائع الذي ألقاه على الحر وأصحابه من شرطة ابن زياد قائلا: " أيها الناس، إن رسول الله (ص) قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا عهده، مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله، ألا ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفئ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلالة... " (1)


(1) تاريخ الطبري (*)

[ 14 ]

إن هذه العوامل الخطيرة هي التي حفزت الامام على الثورة والخروج على النظام القائم الذي استباح كل ما خالف كتاب الله وسنة نبيه. لقد أمعنت السلطة الاموية في اضطهاد الناس وارهاقهم، واعتبرت القطاعات الشعبية بستانا لها تتحكم في مصائرها ومقدراتها، وتستنزف ثرواتها فتنفقها على ما يثير الشهوات، ويفسد الاخلاق من أجل ذلك ثار الامام لينقذ الامة، ويعيد لها كرامتها وأصالتها. - 3 - وأهم فترة في تاريخ الاسلام السياسي هي الفترة التي عاشها الامام الحسين (ع) فقد حفلت بأحداث رهيبة تغيرت بها مجرى الحياة الاسلامية وامتحن المسلمون بها امتحانا عسيرا، وارهقوا ارهاقا شديدا، قد أخلت لهم الفتن والمصاعب، وجرت لهم الخطوب والكوارث وألقتهم في شر عظيم ومن أفجع تلك الاحداث وأخلدها كارثة كربلاء التي هي أخطر كارثة في التاريخ الانساني، وهي لا تزال قائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تثير في نفوسهم الحزن واللوعة... ولم تكن هذه الحادثة الخطيرة وليدة المصادفة أو المفاجأة وإنما جاءت نتيجة حتمية لتلك الاحداث المفزعة التي أخمدت الوعي الاسلامي، وأماتت الشعور بالمسؤولية وجعلت المسلمين أشباحا مبهمة، وأعصابا رخوة خالية من الحياة والاحساس، قد سادت فيهم روح التخاذل والانهزامية، ولم تعد فيهم أي روح من روح الاسلام وهدية، وأوضح شاهد على ذلك أن ابن بنت رسول الله (ص) وريحانته يقتل في وضح النهار، ويرفع رأسه على أطراف الرماح يطاف به في الاقطار والامصار، ومعه عائلة رسول الله (ص) سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت

[ 15 ]

وجوههن يتصفحها القريب والبعيد، فلم يثر ذلك حفيظة المسلمين فيهبوا إلى الانتفاضة على حكم يزيد للثأر لابن بنت نبيهم ورحم الله دعبل الخزاعي إذ يقول: رأس ابن بنت محمد ووصيه * يا للرجال على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا جازع من ذا ولا متخشع (1) إن كارثة كربلاء لم تأت إلا بعد تخذير الامة، وتغيير سلوكها، واصابتها بكثير من الاوبئة الاخلاقية والسلوكية الناشئة من عدم تقريرها لمصيرها في أدق الفترات الحاسمة من تاريخها أمثال مؤتمر السقيفة والشورى وصفين. وعلى أي حال فان الاحداث التاريخية التي عاشها الامام الحسين (ع) يجب أن تخضع للدراسة العلمية المتسمة بالعمق والتحليل، والتجرد من العواطف وسائر التقاليد المذهبية التي أوجبت خفاء الحق، وتضليل الرأي العام في كثير من مناحي حياته العقائدية، فان التاريخ الاسلامي لم يدرس دراسة موضوعية وشاملة، وإنما عرض له أكثر البحاث بصورة تقليدية، وهي لا تجدي المجتمع، ولا تفيده، كما لا تلقى الاضواء على واقع تلك الاحداث التي جرت للمجتمع كثيرا من الخطوب والمشاكل، وأوقفت مسيرته نحو التطور حسب ما يريده الاسلام إن الذي لا مجال للشك فيه هو أن تلك الاحداث كثيرا من المنعطفات التاريخية الخطيرة التي تعمد بعض المؤرخين على إهمالها، وعدم الكشف عنها، كما أن التاريخ قد خلط بكثير من الموضوعات التي تعمد بعض الرواة إلى افتعالها تدعيما لسياسة السلطات الحاكمة في تلك العصور.


ديوان دعبل بن علي الخزاعي: (ص 107)

[ 16 ]

وهي مما توجب على الباحث التعمق والتدقيق فيها حتى يخلص إلى الحق مهما استطاع إليه سبيلا. ونحن لا نجد بدا من عرض بعض تلك الاحداث وتحليلها لانها من وسائل الكشف عن حياة الامام الحسين (ع) كما أنها في نفس الوقت من وسائل الوقوف على الحياة الفكرية والاجتماعية في ذلك العصر الذي تعد دراسة شؤونه من البحوث المنهجية التي تكشف عن أبعاد الشخصية وتحليلها حسب الدراسات الحديثة. أني أعتقد أنه لا يمكننا أن نلم إلماما واضحا بقصة الامام الحسين (ع) وما جرى فيها من الاحداث المفزعة من دون أن نكون قد درسنا الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في ذلك العصر فان لها تأثيرا ايجابيا مباشرا في حدوث هذه النكبة. إن التاريخ الاسلامي في حاجة لان يتحرر من التقديس ويكون كغيره من البحوث خاضعا للنقد والتحليل والشك والرفض كما تخضع المادة لتجارب العلماء حتى يستقيم ويزدهر، ويؤتى ثمرا ممتعا. إن السلطات السياسية في تلك العصور أخذت على المؤرخين أن يضعوا التاريخ تحت تصرفهم فلا يكتبون إلا ما فيه تأييد للسلطة السياسية، وبذلك فقد حفل التاريخ بكثير من الموضوعات التي تكلف أصحابها على وضعها وجعلها جزءا من تاريخ الاسلام، وقد شوهت واقعه، وحادث بكثير من بحوثه عن الواقع. إن الاقلام التي تناولت كتابة التاريخ الاسلامي في عصوره الاولى لم تكن نزيهة ولا بريئة على الاطلاق فكانت تخيم عليها النزعة المذهبية أو التزلف إلى السلطة الحاكمة، فلابد إذن أن يخضع لمجاهر الفحص وأضواء الدراسة والنقد.

[ 17 ]

لا أحسب أن هناك خدمة للامة أو عائدة عليها بخير تضارع نشر فضائل أئمة أهل البيت (ع)، واذاعة سيرتهم ومآثرهم فانها تفيض بالخير والهدى على الناس جميعا ففيها الدروس الحية، والعظات البالغة التي تبعث على الاستقامة والتوازن في السلوك، وهي من اثمن ما يملكه المسلمون من طاقات ندية حافلة بالقيم الكريمة والمثل العليا التي هي السر في أصالة هذا الدين وخلوده. وحياة الامام الحسين (ع) من أروع حياة الائمة الطاهرين، فقد تخطت حدود الزمان والمكان، وتمثلت فيها العبقرية الانسانية التي تثير في نفس كل انسان أسمى صور الاكبار والتقدير، فقد تجسد في سيرته ومقتله أروع موضوع في تاريخ الاسلام كله، فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم من القيم الانسانية مثل ما ظهر من الامام على صعيد كربلاء، فقد ظهر منه من الصمود، والايمان بالله، والرضا بقضائه والتسليم لامره ما لم يشاهده الناس في جميع مراحل تاريخهم، وكان هذا الايمان الذي لا حد له هو الطابع الخاص الذي امتاز به أهل بيته وأصحابه على بقية الشهداء، فقد أخلصوا في دفاعهم لله، وأخصلوا في نضالهم للحق، ولم يكونوا مدفوعين بأي دافع مادي، فالعباس (ع) الذي كان من أقرب الناس للامام الحسين وألصقهم به لم يندفع بتضحيته الفذة بدافع الاخوة والرحم، وإنما أقدم على ذلك بدافع الايمان، والذب عن الاسلام، وقد أعلن سلام الله عليه ذلك فيما أثر عنه من رجز ظل يهتف به وينشده شعارا له في تلك المعركة الرهيبة بعد أن يرى القوم يمينه قائلا:

[ 18 ]

والله إن قطعتم يميني * إني أحامي أبدا عن ديني وعن إمام صادق يقيني * نجل النبي الطاهر الامين ومعنى ذلك بوضوح - أن تضحيته لم تكن مشفوعة بأي دافع من دوافع الحب أو العاطفة، أو غيرها من الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى التراب، وإنما كانت من أجل الذب عن دين الله، والدفاع عن امام من أئمة المسلمين فرض الله طاعته وولاءه على جميع المسلمين. وكثير من أمثال هذه الصور الرائعة الخالدة في التاريخ الانساني ظهرت من الامام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه وهي - بحق - من أثمن الدروس عن الايمان والوفاء والتضحية في سبيل الله، وأن أية بادرة من بوادر يوم الطف لترفع الحسين وأهل بيته وأصحابه على جميع شهداء الحق والعدل في العالم. لقد رفع الامام الحسين عليه السلام راية الاسلام عالية خفاقة، وحرر إرادة الامة العربية والاسلامية، فقد كانت قبل واقعة كربلاء حثة هامدة لا حراك فيها، ولا وعي، قد كبلت بقيود الحكم الاموي، ووضعت الحواجز والسدود في طريق حريتها وكرامتها، فحطم الامام بثورته تلك القيود، وحررها من جميع السلبيات التي كانت ملمة بها، وقلب مفاهيم الخوف والخنوع التي بكانت سائدة فيها إلى مبادئ الثورة والنضال. لقد علمت نهضة الامام على تكوين الحس الاجتماعي، وخلق الشخصية الاجتماعية، فقد انطلقت الامة كالمارد الجبار - بعد تخديرها - وهي تنادي بحقوقها، وتعمل جاهدة على اسقاط الحكم الاموي الذي جهد على اذلالها واستعبادها، وهي تقدم القرابين تلو القرابين في ثورات متلاحقة حتى أطاحت بذلك الحكم، واكتسحت مشاعر زهوه وطغيانه وجبروته. لقد كانت ثورة أبي الاحرار عليه السلام من أعظم الثورات التحررية

[ 19 ]

في الارض، فقد حملت مشعل النور والفكر في الارض وسجلت شرفا للاسلام، وشرفا للانسانية، وأعطت الدروس المشرقة عن العقيدة التي لا تضعف، والايمان الذي لا يقهر وستظل مصدر عز وفخر وشرف للمسلمين في جميع أجيالهم - 5 - ومن أغلى أماني يعلم الله أن أحظى بالبحث عن سيد الشهداء (ع) وأكون من المساهمين في هذا الميدان المشرق، وكانت هذه الفكرة تراودني في كثير من الاوقات، وكان أخي في الله المحسن الكبير الحاج محمد رشاد عجينة حفظه الله يدفعني إلى ذلك ويحثني عليه باصرار راجيا بذلك التقرب إلى الله وإني أقول للتاريخ: إن هذا المحسن من أندر من عرفتهم في ولائه وتفانيه في حب أهل البيت (ع) فهو يتحرى كل خدمة لهم، وقد قام بخدمات مشكورة في هذا المجال كان منها قيامه بالانفاق على كتابنا (حياة الامام الحسن (ع) بجميع طبعاته، وقيامه بطبع كتابنا (حياة الامام موسى بن جعفر (ع) أجزل الله له المزيد من الاجر ووفقه لكل مسعى نبيل... وقد رغب سيادته أن تكون نفقات طبع هذا الكتاب من المبرات التي أوصى بها المغفور له والده الحاج محمد جواد عجينة رحمه الله، آملا منه تعالى أن يتولى جزاءه بالخير والاحسان، ويثيبه على ذلك، كما أن من الحق علي أن أسكل بكل تقدير ما قام به سماحة الحجة المجاهد السيد محمد كلانتر حفظه الله من التشجيع لي في تأليف هذا المجهود شاكرا له ألطافه، وأخص بالشكر سماحة الحجة الاخ الزكي الشيخ هادي القرشي على ما أبداه من لطف في مراجعة بعض المصادر التي تخص البحث.

[ 20 ]

وإني في ختام هذا التقديم أعلن بكل ثقة وايمان أني لا أجد عملا جديرا برضاء الله، وجديرا ببلوغ مغفرته ورضوانه سوى التعلق بسيد الشهداء (ع) فقذفت نفسي بسفينته التي وسعت الكثيرين من المقصرين أمثالي، واني تمسكت بأهداب ولائه، فأنا به ألوذ، وبحبل ولائه أتمسك يوم ألقى ربي. اللهم لا تخيب سعي، ولا تقطع رجائي، ولا تضيع أملي انك ولي ذلك والقادر عليه. النجف الاشرف المؤلف رجب 3 / 1394 ه‍ تموز 21 / 1974 م

[ 22 ]

غرس الرسالة

[ 23 ]

ألا بورك هذا الغرس الذي امتد على هامة الزمن وعيا وأشراقا وهو يضئ للناس حياتهم الفكرية والاجتماعية، ويهديهم إلى سواء السبيل. الام: إنه الغرس الطيب من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) التي طهرها الله بفضله، وجعلها تهدي من ضلال، وتجمع من فرقة... انها فاطمة الزهراء التي تحمل قبسا من روح أبيها وفيضا من نوره، وأشعة من هديه، فكانت موضع عنايته واهتمامه، وقد أحاطها بهالة من الاكبار والتقدير، ففرض ولاءها على المسلمين ليكون ذلك جزءا من عقيدتهم ودينهم، وقد أذاع فضلها وعظيم مكانتها في الاسلام لتكون قدوة لنساء أمته، لقد أشاد (ص) بقيمها ومثلها في منتدياته العامة والخاصة، وعلى منبره ليحفظه المسلمون فقد قال فيما أجمع عليه رواة الاسلام: 1 - " إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك... " (1) 2 - " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، وينصبني ما أنصبها... " (2)


(1) مستدرك الصحيحين 3 / 153، تهذيب التهذيب 12 / 441 كنز العمال 7 / 111، أسد الغابة 5 / 522، ميزان الاعتدال 2 / 72، ذخائر العقبى ص 39 (2) صحيح الترمذي 2 / 319، مسند أحمد بن حنبل 4 / 5، وفي صحيح الترمذي، قال (ص): " فانما ابنتي - يعني فاطمة - بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " وفي كنز العمال 6 / 219، قال (ص): " انما فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويغضبني ما يغضبها ".

[ 24 ]

3 - " فاطمة سيدة نساء العالمين... " (1). إلى غير ذلك من الاخبار التي تحدثت عن معالم شخصية الزهراء (ع) وأنها قدوة الاسلام، والمثل الاعلى لنساء هذه الامة التي تضئ لهن الطريق في حسن السلوك والعفة وانجاب أجيال مهذبة... فما أعظم بركتها وأكثر عائدتها على الاسلام، ويكفي في عظيم شأنها أنه سميت على اسمها الدولة الفاطمية العظيمة، كما أن الجامع الازهر اشتق من اسمها (2). بل يكفي في عظمة الدولة الفاطمية أن تبركت باسم الزهراء. وعلى أي حال فان الرسول الاعظم (ص) استشف من وراء الغيب أن بضعته الطاهرة هي التي تتفرع منها الثمرة الطيبة من أئمة أهل البيت عليهم السلام خلفاء الرسول، ودعاة الحق في الارض الذين يتحملون اعباء رسالة الاسلام، ويعانون في سبيل الاصلاح الاجتماعي كل جهد وضيق فلذا أولاها النبي اهتمامه، وجعل ذريتها موضع رعايته وعنايته. الاب: إنه ثمرة علي رائد الحق والعدالة في الارض، أخو النبي (ص) وباب مدينة علمه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى، وأول من آمن بالله وصدق رسوله، والقائد الاعلى في مركز القيادة الاسلامية بعد الرسول محمد (ص) تحمل اعباء الجهاد المقدس منذ فجر الدعوة


(1) أسد الغابة 5 / 522، وفي مسند أحمد بن حنبل 6 / 112، قال: " فاطمة سيدة نساء هذه الامة أو نساء المؤمنين " وفي صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين ". (2) نساء لهن في التاريخ الاسلام نصيب (ص 84)

[ 25 ]

الاسلامية، فخاض الاهوال، والتحم التحاما رهيبا مع قوى الشرك والالحاد حتى قام هذا الدين وهو عبل الذراع بجهاده وجهوده، قد حباه الله بكل مكرمة وخصه بكل فضيلة، وأنه أبو الأئمة الطاهرين الذين فجروا ينابيع الحكمة والنور في الارض. الوليد الاول: وأفرعت دوحة النبوة وشجرة الامامة الذرية الطاهرة التي تشكل الامتداد الرسالي بعد النبي (ص) فكان الوليد الاول أبا محمد الزكي، وقد امتلات نفس النبي (ص) سرورا به، فأخذ يتعاهده، ويغذيه بمثله ومكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره (1). ولم تمض إلا أيام يسيرة حددها بعض المؤرخين باثنين وخمسين يوما (2) حتى علقت سيدة النساء بحمل جديد ظل يتطلع إليه الرسول (ص) وسائر المسلمين بفارغ الصبر، وكلهم رجاء وأمل في أن يشفع الله ذلك الكوكب بكوكب آخر ليضيئا في سماء الامة الاسلامية، ويكونا امتدادا لحياة المنقذ العظيم. رؤيا أم الفضل: ورأت السيدة أم الفضل بنت الحارث (3) في منامها رؤيا غريبة


(1) ذكرنا عرضا مفصلا لولادة الامام الزكي أبي محمد (ع) في كتابنا حياة الامام الحسن 1 / 49 - 56. (2) المعارف لابن قتيبة (ص 158). (3) أم الفضل: هي لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب = (*)

[ 26 ]

لم تهتد إلى تأويلها، فهرعت إلى رسول الله (ص) قائلة له: " إني رأيت حلما منكرا كأن قطعة من جسدك قطعت، ووضعت في حجري ؟... ". فأزاح النبي (ص) مخاوفها، وبشرها بخير قائلا: " خيرا رأيت، تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك.. " ومضت الايام سريعة فوضعت سيدة النساء فاطمة ولدها الحسين فكان في حجر أم الفضل، كما أخبر النبي (ص) (1). وظل الرسول (ص) يترقب بزوغ نجم الوليد الجديد الذي تزدهر به حياة بضعته التي هي أعز الباقين والباقيات عنده من أبنائه وبناته.


= وهي أول امرأة أسلمت بمكة بعد السيدة خديجة بنت خويلد، وكانت أثيرة عند النبي (ص) فكان يزورها، ويقيل في بيتها، روت عنه أحاديث كثيرة، ولدت للعباس الفضل، و عبد الله، وعبيدالله وقثم وعبد الرحمان وأم حبيب، وفيها يقول عبد الله بن يزيد الهلالي ما ولدت نجيبة من فحل * بجيل نعلمه أو سهل كستة من بطن أم الفضل * أكرم بها من كهلة وكهل عم النبي المصطفى ذي الفضل * وخاتم الرسل وخير الرسل ترجمت في كل من الطبقات الكبر 8 / 278، والاصابة 4 / 464 والاستيعاب. (1) مستدرك الصحيحين 3 / 127، وفي مسند الفردوسي، قالت أم الفضل: رأيت كأن في بيتي طرفا من رسول الله (ص) فجزعت من ذلك، فأتيته، فذكرت له ذلك، فقال (ص): هو ذلك، فولدت فاطمة حسينا، فأرضعته حتى فطمته، وفي تاريخ الخميس 1 / 418 ان هذه الرؤيا كانت قبل ولادة الامام الحسن (ع). (*)

[ 27 ]

الوليد المبارك: ووضعت سيدة نساء العالمين وليدها العظيم الذي لم تضع مثله سيدة من بنات حواء لا في عصر النبوة، ولا فيما بعده، أعظم بركة ولا أكثر عائدة على الانسانية منه، فلم يكن أطيب، ولا أزكى ولا أنور منه. لقد أشرقت الدنيا به، وسعدت به الانسانية في جميع أجيالها، واعتز به المسلمون، وعمدوا إلى احياء هذه الذكرى، افتخارا بها في كل عام، فتقيم وزارة الاوقاف في مصر احتفالا رسميا داخل المسجد الحسيني اعتزازا بهذه الذكرى العظيمة كما تقام في أكثر مناطق العالم الاسلامي. وتردد في آفاق يثرب صدى هذا النبأ المفرح فهرعت أمهات المؤمنين وسائر السيدات من نساء المسلمين إلى دار سيدة النساء، وهن يهنئنها بمولودها الجديد، ويشاركنها في أفراحها ومسراتها. وجوم النبي (ص) وبكاؤه: ولما بشر الرسول الاعظم بسبطه المبارك خف مسرعا إلى بيت بضعته فاطمة (ع) وهو مثقل الخطا قد ساد عليه الوجوم والحزن، فنادى بصوت خافت حزين النبرات. " يا أسماء هلمي ابني ". فناولته أسماء، فاحتضنه النبي، وجعل يوسعه تقبيلا، وقد انفجر بالبكاء فذهلت أسماء، وانبرت تقول: " فداك أبي وأمي مم بكاؤك ؟ ! ! ".

[ 28 ]

فأجابها النبي (ص) وقد غامت عيناه بالدموع. " من ابني هذا ". وملكت الحيرة إهابها فلم تدرك معنى هذه الظاهرة ومغزاها فانطلقت تقول: " إنه ولد الساعة ". فأجابها الرسول بصوت متقطع النبرات حزنا وأسى قائلا: " تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي... ". ثم نهض وهو مثقل بالهم وأسر إلى أسماء قائلا: " لا تخبري فاطمة فانها حديثة عهد بولادة... " (1). وانصرف النبي (ص) وهو غارق بالاسى والشجون، فقد استشف من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات والخطوب التي تذهل كل كائن حي. سنة ولادته: واستقبل سبط النبي (ص) دنيا الوجود في السنة الرابعة من الهجرة (2)


(1) مسند الامام زيد (ص 468) وفي أمالي الصدوق (ص 120) أن النبي (ص) أخذ الحسين بعد ولادته، ثم دفعه إلى صفية بنت عبد المطلب وهو يبكي ويقول: لعن الله قوما هم قائلوك يا بني قالها: ثلاثا، قالت فداك أبي وأمي، ومن يقتله ؟ قال تقتله الفئة الباغية من بني أمية. (2) تاريخ ابن عساكر 14 / 313، تهذيب الاسماء 1 / 163، مقاتل الطالبين (ص 78) خطط المقريزي 2 / 285، دائرة المعارف للبستاني 7 / 48، جوهرة الكلام في مدح السادة الاعلام (ص 116) = (*)

[ 29 ]

وقيل في السنة الثالثة (1) واختلف الرواة في الشهر الذي ولد فيه فذهب الاكثر إلى أنه ولد في شعبان، وأنه في اليوم الخامس منه (2) ولم يحدد بعضهم اليوم، وإنما قال: ولد لليالي خلون من شعبان (3) وأهمل بعض المؤرخين ذلك مكتفيا بالقول أنه ولد في شعبان (4) وذهب بعض الاعلام إلى أنه ولد في آخر ربيع الاول إلا أنه خلاف المشهور فلا يعني به (5). مراسيم ولادته: وأجرى النبي (ص) بنفسه أكثر المراسيم الشرعية لوليده المبارك، فقام (ص) بما يلي:


= الافادة في تاريخ الائمة السادة ليحيى بن الحسين المتوفى سنة (424 ه‍) من مصورات مكتبة الامام الحكيم، الذرية الطاهرة من مخطوطات مكتبة الامام أمير المؤمنين العامة، مجمع الزوائد 9 / 194، أسد الغابة 2 / 18، الارشاد (ص 18). (1) أصول الكافي 1 / 463، خطط المقريزي 2 / 285، الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 1 / 377. (2) المعجم الكبير للطبراني من مخطوطات مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه السلام تحفة الازهار وزلال الانهار من مخطوطات مكتبة الامام كاشف الغطاء العامة، خطط المقريزي 2 / 185. (3) امتاع الاسماع (ص 187)، أسد الغابة 2 / 18، الذرية الطاهرة. (4) فتح الباري في باب مناقب الحسن والحسين. (5) المقنعة، التهذيب، الدروس. (*)

[ 30 ]

أولا - الاذان والاقامة: واحتضن النبي وليده العظيم فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى (1) وجاء في الخبر " أن ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم " (2). إن أول صوت اخترق سمع الحسين هو صوت جده الرسول (ص) الذي هو أول من أناب إلى الله، ودعا إليه، وأنشودة ذلك الصوت: " الله أكبر لا إله إلا الله... ". لقد غرس النبي (ص) هذه الكلمات التي تحمل جوهر الايمان وواقع الاسلام في نفس وليده، وغذاه بها فكانت من عناصره ومقوماته، وقد هام بها في جميع مراحل حياته، فانطلق إلى ميادين الجهاد مضحيا بكل شئ في سبيل أن تعلو هذه الكلمات في الارض، وتسود قوى الخير والسلام وتتحطم معالم الردة الجاهلية التي جهدت على اطفاء نور الله. ثانيا - التسمية: وسماه النبي (ص) حسينا كما سمى أخاه حسنا (3) ويقول المؤرخون لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الاسمين حتى تسمي أبناءهما بهما،


(1) كشف الغمة 2 / 216، تحفة الازهار وزلال الانهار. (2) روى علي (ع) أن رسول الله (ص) قال: " من ولد له مولود فليؤذن في اذنه اليمنى، وليقم في اليسرى فإن ذلك عصمة له من الشيطان الرجيم " وقد أمرني بذلك في الحسن والحسين، وأن يقرأ مع الاذان والاقامة فاتحة الكتاب وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الاخلاص والمعوذتين، جاء ذلك في دعائم الاسلام 1 / 178 (3) الرياض النضرة. (*)

[ 31 ]

وإنما سماها النبي (ص) بهما بوحي من السماء (1). وقد صار هذا الاسم الشريف علما لتلك الذات العظيمة التي فجرت الوعي والايمان في الارض، واستوعب ذكرها جميع لغات العالم، وهام الناس بحبها حتى صارت عندهم شعارا مقدسا لجميع المثل العليا، وشعارا لكل تضحية تقوم على الحق والعدل. أقوال شاذة: وحفلت بعض مصادر التاريخ والاخبار بصور مختلفة لتسمية الامام الحسين (ع) لا تخلو من التكلف والانتحال وهي: 1 - ما رواه هانئ بن هانئ عن علي (ع) قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله (ص) فقال: أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسن، فلما ولد الحسين قال: أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسين، فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت: حربا، فقال بل هو محسن (2). وهذه الرواية - فيما نحسب - لا نصيب لها من الصحة وذلك: أ - أن سيرة أهل البيت (ع) قامت على الالتزام بحرفية الاسلام


(1) أسد الغابة 2 / 11، وفي تاريخ الخلفاء (ص 188) روى عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من اسماء أهل الجنة، ما سمعت العرب بهما في الجاهلية. (2) نهاية الارب 18 / 213، الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 1 / 368، تهذيب التهذيب 2 / 296، مسند أحمد بن حنبل. (*)

[ 32 ]

وعدم الشذوذ عن أي بند من أحكامه، وقد كره الاسلام تسمية الانباء بأسماء الجاهلية التي هي رمز للتأخر والانحطاط الفكري، مضافا إلى أن هذا الاسم على لجد الاسرة الاموية التي تمثل القوى الحاقدة على الاسلام والباغية عليه، فكيف يسمي الامام ابناءه به ؟ ! !. ب - إن اعراض النبي (ص) عن تسمية سبطه الاول به مما يوجب ردع الامام عن تسمية بقية أبنائه به. ج - إن المحسن باتفاق المؤرخين لم يولد في حياة الرسول (ص) وإنما ولد بعد حياته بقليل، وهذا مما يؤكد انتحال الرواية وعدم صحتها. 2 - روى احمد بن حنبل بسنده عن الامام علي (ع) قال: لما ولد لي الحسن سميته باسم عمي حمزة، ولما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر فدعاني رسول الله (ص) فقال: إن الله قد أمرني أن أغير اسم هذين فسماهما حسنا، وحسينا " (1). وهذه الرواية كسابقتها في الضعف فان تسمية السبطين بهذين الاسمين وقعت عقيب ولادتهما حسب ما ذهب إليه المشهور ولم يذهب أحد إلى ما ذكره أحمد 3 - روى الطبراني بسنده عن الامام علي (ع) أنه قال: لما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر فدعاني رسول الله (ص) وأمرني أن أسميه حسينا (2)، وهذه الرواية تضارع الروايتين في ضعفها فان الامام أمير المؤمنين عليه السلام لم يسبق رسول الله (ص) في تسمية سبطه وريحانته وهو الذي أسماه بذلك حسب ما ذهب إليه المشهور وأجمعت عليه روايات أهل البيت (ع).


(1) مسند الامام أحمد بن حنبل. (2) المعجم الكبير للطبراني. (*)

[ 33 ]

ثالثا: العقيقة: وبعدما انطوت سبعة أيام من ولادة السبط أمر النبي (ص) أن يعق عنه بكبش، ويوزع لحمه على الفقراء كما أمر أن تعطى القابلة فخذا منها (1)، وكان ذلك من جملة ما شرعه الاسلام في ميادين البر والاحسان إلى الفقراء. رابعا: حلق رأسه: وأمر النبي (ص) أن يحلق رأس وليده، ويتصدق بزنته فضة على الفقراء (2) فكان وزنه - كما في الحديث - درهما ونصفا (3) وطلى رأسه بالخلوق (4) ونهى عما كان يفعله أهل الجاهلية من اطلاء رأس الوليد بالدم (5).


مسند الامام زيد (ص 468)، تحفة الازهار وزلال الانهار، وجاء في الذرية الطاهرة عن عائشة أن رسول الله (ص) عق عن الحسن والحسين شاتين شاتين، وذبح عنهما يوم السابع، وقال: اذبحوا على اسمه فقولوا: " بسم الله اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان " وروى هذه الرواية الحاكم في المستدرك 4 / 237، وطعن بها شمس الدين الذهبي في تلخيص المستدرك 4 / 237 وقال: إن راويها سوار وهو ضعيف، وذهب مشهور الفقهاء إلى استحباب ذبح شاة واحدة في العقيقة. (2) الرياض النضرة، صحيح الترمذي، نور الابصار. (3) دعائم الاسلام 2 / 185. (4) الخلوق: طيب مركب من زعفران وغيره (5) البحار 10 / 68. (*)

[ 34 ]

خامسا: الختان: وأوعز النبي (ص) إلى أهل بيته باجراء الختان على وليده في اليوم السابع من ولادته، وقد حث النبي (ص) على ختان الطفل في هذا الوقت المبكر لانه أطيب له وأطهر (1). رعاية النبي للحسين: وتولى النبي (ص) بنفسه رعاية الحسين، واهتم به اهتماما بالغا فمزج روحه بروحه، ومزج عواطفه بعواطفه، وكان - فيما يقول المؤرخون -: يضع ابهامه في فيه، وأنه أخذه بعد ولادته فجعل لسانه في فمه ليغذيه بريق النبوة وهو يقول له: " إيها حسين، إيها حسين، أبى الله إلا ما يريد هو - يعني الامامة - فيك وفي ولدك... " (2). وفي ذلك يقول السيد الطباطبائي: ذادوا عن الماء ضمانا مراضعه * من جده المصطفى الساقي أصابعه يعطيه إبهامه آنا وآونة * لسانه فاستوت منه طبائعه غرس سقاه رسول الله من يده * وطاب من بعد طيب الاصل فارعه


(1) جواهر الاحكام كتاب النكاح، وجاء فيه أن رسول الله (ص) قال: " طهروا أولادكم يوم السابع فانه أطيب وأطهر، وأسرع لنبات اللحم، وأن الارض تنجس من بول الاغلف أربعين يوما... ". (2) المناقب 3 / 50. (*)

[ 35 ]

لقد سكب الرسول (ص) في نفس وليده مثله ومكرماته ليكون صورة عنه، وامتدادا لحياته، ومثلا له في نشر أهدافه وحماية مبادئه. تعويذ النبي للحسنين: وبلغ من رعاية النبي (ص) لسبطيه، وحرصه على وقايتهما من كل سوء وشر أنه كان كثيرا ما كان يعوذهما فقد روى ابن عباس قال: " كان النبي (ص) يعوذ الحسن والحسين قائلا: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " ويقول: " هكذا كان ابراهيم يعوذ ابنيه اسماعيل واسحاق " (1) ويقول عبد الرحمان بن عوف: قال لي رسول الله (ص): " يا عبد الرحمان: ألا أعلمك عوذة عوذة كان ابراهيم يعوذ بها ابنيه اسماعيل واسحاق، وأنا أعوذ بها ابني: الحسن والحسين... كفى بالله واعيا لمن دعا، ولا مرمى وراء أمر الله لمن رمى... " (2). ودل ذلك على مدى الحنان، والعطف الذي يكنه (ص) لهما، وأنه كان يخشى عليهما من أن تصيبهما عيون الحساد فيقيهما منها بهذا الدعاء. ملامحه: وبدت في ملاح الامام الحسين (ع) ملامح جده الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله فكان يحاكيه في أوصافه، كما كان يحاكيه في أخلاقه


(1) ذخائر العقبى (ص 134) مشكل الآثار. (2) ذخائر العقبى (ص 134). (*)

[ 36 ]

التي امتاز بها على سائر النبيين، ووصفه محمد بن الضحاك فقال: " كان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله (ص) " (1)، وقيل: إنه كان يشبه النبي (ص) ما بين سرته إلى قدميه (2) وقال الامام علي (ع): " من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (ص) ما بين عنقه وثغره فلينظر إلى الحسن، ومن سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله ما بين عنقه إلى كعبه خلقا ولونا فلينظر إلى الحسين ابن علي... " (3). لقد بدت على وجهه الشريف أسارير الامامة فكان من أشرق الناس وجها، فكان كما يقول أبو كبير الهذلي: وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل ووصفه بعض المترجمين له بقوله: " كان أبيض اللون، فإذا جلس في موضع فيه ظلمة يهتدى إليه لبياض حسنه ونحره " (4) ويقول آخر: " كان له جمال عظيم، ونور يتلالا في جبينه وخده، يضئ حواليه في الليلة الظلماء وكان أشبه الناس برسول الله (ص) " (5)، ووصفه بعض الشهداء من


(1) المعجم الكبير للطبراني من مصورات مكتبة الامام أمير المؤمنين العامة. (2) المنمق في أخبار قريش (ص 535)، خطط المقريزي 2 / 285 الافادة في تاريخ الائمة السادة من مصورات مكتبة الامام الحكيم العامة. (3) المعجم الكبير للطبراني. (4) الافادة في تاريخ الائمة السادة. (5) محاضرات الاوائل والاواخر لعلي درة الحنفي (ص 71) وفي مصابيح السنة 2 / 202 عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي (ص) من الحسن بن علي، وقال في الحسين: كان أشبههم برسول الله (ص) وفي أنساب الاشراف ج 1 ق 1: ان الحسين كان يشبه النبي (ص). (*)

[ 37 ]

أصحابه في رجز كان نشيدا له في يوم الطف يقول: له طلعة مثل شمس الضحى * له غرة مثل بدر منير هيبته: وكانت عليه سيماء الانبياء، فكان في هيبته يحكي هيبة جده التي تعنو لها الجباه، ووصف عظيم هيبته بعض الجلادين من شرطة ابن زياد بقوله: " لقد شغلنا نور وجهه، وجمال هيبته عن الفكرة في قتله ". ولم تحجب نور وجهه يوم الطف ضربات السيوف، ولا طعنات الرماح، فكان كالبدر في بهائه ونضارته وفي ذلك يقول الكعبي: ومجرح ما غيرت منه القنا حسنا * ولا أخلقن منه جديدا قد كان بدرا فاغتدى شمس الضحى * مذ ألبسته يد الدماء برودا ولما جئ برأسه الشريف إلى الطاغية ابن زياد بهر بنور وجهه فانطلق يقول: " ما رأيت مثل هذا حسنا ! ! ". فانبرى إلى أنس بن مالك منكرا عليه قائلا: " أما أنه كان أشبههم برسول الله ؟ " (1). وحينما عرض الرأس الشريف على يزيد بن معاوية ذهل من جمال هيبته وطفق يقول: " ما رأيت وجها قط أحسن منه ! ! ".


(1) أنساب الاشراف للبلاذري ج 1 / ق 1، مخطوط بمكتبة الامام أمير المؤمنين (ع) العامة.

[ 38 ]

فقال له بعض من حضر: " إنه كان يشبه رسول الله (ص) " (1). لقد أجمع الرواة أنه كان يحاكي جده الرسول (ص) في أوصافه وملامحه وأنه كان يضارعه في مثله وصفاته، ولما تشرف عبد الله بن الحر الجعفي بمقابلته امتلات نفسه اكبارا وإجلالا له وراح يقول: " ما رأيت أحدا قط أحسن، ولا أملا للعين من الحسين.. " لقد بدت على ملامحه سيماء الانبياء وبهاء المتقين، فكان يملا عيون الناظرين إليه، وتنحني الجباه خضوعا وإكبارا له. ألقابه: أما ألقابه فتدل على سمو ذاته، وما يتمتع به من الصفات الرفيعة وهي: 1 - الشهيد. 2 - الطيب. 3 - سيد شباب أهل الجنة. 4 - السبط (2) لقوله (ص): " حسين سبط من الاسباط " (3). 5 - الرشيد. 6 - الوفي. 7 - المبارك.


(1) أنساب الاشراف للبلاذري ج 1 / ق 1. (2) تحفة الازهار وزلال الانهار. (3) دائرة المعارف للبستاني 7 / 48. (*)

[ 39 ]

8 - التابع لمرضاة الله (1). 9 - الدليل على ذات الله. 10 - المطهر. 11 - البر. 12 - أحد الكاظمين (2). كنيته: كان يكنى بأبي عبد الله (3) وذكر غير واحد من المؤرخين أنه لا كنية له غيرها (4)، وقيل: إنه يكنى بأبي علي (5) وكناه الناس من بعد شهادته بأبي الشهداء وأبي الاحرار. نقش خاتمه: كان له خاتمان أحدهما من عقيق، وقد نقش عليه " ان الله بالغ أمره " (6) الثاني وهو الذي سلب منه يوم قتل، وقد كتب عليه " لا إله


(1) نور الابصار (ص 114)، جوهرة الكلام في مدح السادة الاعلام (ص 116). (2) دلائل الامامة (ص 73). (3) الارشاد (103). (4) الفصول المهمة (ص 176) نور الابصار (ص 152). (5) المناقب 4 / 717، أنساب الاشراف ج 1 / ق 1. (6) جاء في نور الابصار أن نقش خاتمه كان " لكل أجل كتاب ". (*)

[ 40 ]

إلا الله عدد لقاء الله "، وقد ورد " أن من يتختم بمثله كان له حرز من الشيطان " (1). استعماله الطيب: وكان الطيب محببا إليه فكان المسك لا يفارقه في حله وترحاله، كما كان بخور العود في مجلسه (2). دار سكناه: وأول دار سكنها مع أبويه كانت الدار المجاورة لبيت عائشة ولها باب من المسجد، وتعرف بدار فاطمة (3).


(1) دلائل العامة (ص 73). (2) ريحانة الرسول (ص 38). (3) وفاء الوفاء. (*)

[ 41 ]

المكونات التربوية

[ 43 ]

وتوفرت في سبط الرسول (ص) وريحانته الامام الحسين (ع)، جميع العناصر التربوية الفذة التي لم يظفر بها غيره، فأخذ بجوهرها ولبابها وقد أعدته لقيادة الامة، وتحمل رسالة الاسلام بجميع أبعادها ومكوناتها، كما أمدته بقوى روحية لا حد لها من الايمان العميق بالله، والخلود إلى الصبر على ما انتابه من المحن والخطوب التي لا يطيقها أي كائن حي من بني الانسان. أما الطاقات التربوية التي ظفر بها، وعملت على تقويمه وتزويده بأضخم الثروات الفكرية والاصلاحية فهي: الوراثة: حددث الوراثة بانها مشابهة الفرع لاصله، ولا تقتصر على المشابهة في المظاهر الشكلية وإنما تشمل الخواص الذاتية، والمقومات الطبيعية، كما نص على ذلك علماء الوراثة وقالوا: أن ذلك أمر بين في جميع الكائنات الحية فبذور القطن تخرج القطن، وبذور الزهرة تخرج الزهرة، وهكذا غيرها، فالفرع يحاكي أصله ويساويه في خواصه، وأدق صفاته، يقول (مندل): " ان كثيرا من الصفات الوراثية تنتقل بدون تجزئة أو تغير من أحد الاصلين أو منهما إلى الفرع... ". وأكد هذه الظاهرة " هكسلي " بقوله: " إنه ما أثر أو خاصة لكائن عضوي إلا ويرجع إلى الوراثة أو إلى البيئة فالتكوين الوراثي يضع الحدود لما هو محتمل، والبيئة تقرر أن هذا

[ 44 ]

الاحتمال سيتحقق، فالتكوين الوراثي اذن ليس إلا القدرة على التفاعل مع أية بيئة بطريق خاص... ". ومعنى ذلك أن جميع الآثار والخواص التي تبدو في الاجهزة الحساسة من جسم الانسان ترجع إلى العوامل الوراثية وقوانينها، والبيئة تقرر وقوع تلك المميزات وظهورها في الخارج، فاذن ليست البيئة إلا عاملا مساعدا للوراثة، حسب البحوث التجربية التي قام بها الاختصاصيون في بحوث الوراثة. وعلى أي حال فقد أكد علماء الوراثة بدون تردد أن الابناء والاحفاد يرثون معظم صفات آبائهم وأجدادهم النفسية والجمسية، وهي تنتقل إليهم بغير ارادة ولا اختيار، وقد جاء هذا المعنى صريحا فيما كتبه الدكتور " الكسيس كارل " عن الوراثة بقوله: " يمتد الزمن مثلما يمتد في الفرع إلى ما وراء حدوده الجسمية.. وحدوده الزمنية ليست اكثر دقة ولا ثباتا من حدوده الاتساعية، فهو مرتبط بالماضي والمستقبل، على الرغم من أن ذاته لا تمتد خارج الحاضر... وتأتي فرديتنا كما نعلم إلى الوجود حينما يدخل الحويمن في البويضة. ولكن عناصر الذات تكون موجودة قبل هذهه اللحظة ومبعثرة في أنسجة أبوينا وأجدادنا وأسلافنا البعيدين جدا لانا مصنوعون من مواد آبائنا وأمهاتنا الخلوية. وتتوقف في الماضي على حالة عضوية لا تتحلل... وتحمل في انفسنا قطعا ضئيلة لاعداد من أجسام أسلافنا، وما صفاتنا ونقائصنا إلا امتداد لنقائصهم وصفاتهم... " (1). وقد اكتشف الاسلام - قبل غيره - هذه الظاهرة، ودلل على فعاليتها، في التكوين النفسي والتربوي للفرد، وقد حث باصرار بالغ على


(1) النظام التربوي في الاسلام (ص 61 - 62) (*)

[ 45 ]

أن تقوم الرابطة الزوجية على أساس وثيق من الاختيار والفحص عن سلوك الزوجين، وسلامتهما النفسية والخلقية من العيوب والنقص، ففي الحديث " تخيروا لنطفتكم فان العرق دساس " وأشار القرآن الكريم إلى ما تنقله الوراثة من أدق الصفات قال تعالى حكاية عن نبيه نوح: " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا. إنك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا. " (1) فالآية دلت بوضوح على انتقال الكفر والالحاد بالوراثة من الآباء إلى الابناء، وقد حفلت موسوعات الحديث بكوكبة كبيرة من الاخبار التي أثرت عن أئمة أهل البيت (ع) وهي تدلل على واقع الوراثة وقوانينها وما لها من الاهمية البالغة في سلوك الانسان، وتقويم كيانه. على ضوء هذه الظاهرة التي لا تشذ في عطائها نجزم بأن سبط الرسول صلى الله عليه وآله قد ورث من جده الرسول (ص) صفاته الخلقية والنفسية، ومكوناته الروحية التي امتاز بها على سائر النبيين، وقد حدد كثير من الروايات مدى ما ورثه هو وأخوه الامام الحسن من الصفات الجسمية من جدهما النبي (ص) فقد جاء عن علي (ع) أنه قال: " من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (ص) ما بين عنقه وشعره فلينظر إلى الحسن، ومن سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (ص) ما بين عنقه إلى كعبه خلقا ولونا فلينظر إلى الحسين " (2) وفي رواية أنه كان أشبه النبي ما بين سرته إلى قدمه (3) وكما ورث هذه الظاهرة من جده فقد ورث منه مثله وسائر نزعاته وصفاته.


(1) سورة نوح: 26 و 27. (2) المعجم الكبير للطبراني مخطوط بخط العلامة السيد عزيز الطباطبائي اليزدي. (3) المنمق في أخبار قريش (499). (*)

[ 46 ]

الاسرة: الاسرة (1) من العوامل المهمة في ايجاد عملية التطبيع الاجتماعي، وتشكيل شخصية الطفل، واكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته، فهي البذرة الاولى في تكوين النمو الفردي، والسلوك الاجتماعي، وهي أكثر فعالية في ايجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الاخرى، فمنها يتعلم الطفل اللغة، ويكتسب القيم والتقاليد الاجتماعية. والاسرة إنما تنشأ أطفالها نشأة سليمة متسمة بالاتزان والبعد عن الشذوذ والانحراف فيما إذا شاع في البيت الاستقرار والمودة والطمأنينة وابتعد عن ألوان العنف والكراهية، وإذا لم ترع ذلك فإن أطفالها تصاب بعقد نفسية خطيرة تسبب لهم كثيرا من المشاكل والمصاعب، وقد ثبت في علم النفس أن أشد العقد خطورة، وأكثرها تمهيدا للاضطرابات الشخصية هي التي تكون في مرحلة الطفولة الباكرة خاصة من صلة الطفل بأبويه (2). كما أن من أهم وظائف الاسرة الاشراف على تربية الاطفال فانها مسؤوله عن عمليات التنشئة الاجتماعية التي يتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها في صورة تؤهله في مستقبل حياته من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع. وأهم وظائف الاسرة عند علماء التربية هي ما يلي:


(1) الاسرة: عند علماء الاجتماع هي الرابطة الاجتماعية التي تتكون من زوج وزوجة وأطفالها وتشمل الجدود والاحفاد. انظر علم الاجتماع (ص 92). (2) الامراض النفسية والعقلية (ص ب). (*)

[ 47 ]

أ - اعداد الاطفال بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم البيولوجية والاجتماعية. ب - اعدادهم للمشاركة في حياة المجتمع والتعرف على قيمة وعاداته. ج - توفير الاستقرار والامن والحماية لهم. د - امدادهم بالوسائل التي تهئ لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع (1). ه‍ - تربيتهم بالتربية الاخلاقية والوجدانية والدينية (2). وعلى ضوء هذه البحوث التربوية الحديثة عن الاسرة ومدى أهميتها في تكوين الطفل، وتقويم سلوكه بجزم بأن الامام الحسين (ع) كان وحيدا في خصائصه ومقوماته التي استمدها من اسرته فقد نشأ في أسرة تنتهي إليها كل مكرمة وفضيلة في الاسلام، فما أظلت قبة السماء أسرة أسمى ولا أزكى من أسرة آل الرسول (ص)... لقد نشأ الامام الحسين (ع) في ظل هذ الاسرة وتغذى بطباعها وأخلاقها، ونعرض - بايجاز - لبعض النقاط المضيئة النابضة بالتربية الفذة التي ظفر بها الحسين (ع) في ظل الاسرة النبوية. التربية النبوية: وقام الرسول الاعظم (ص) بدوره بتربية سبطه وريحانته فأفاض عليه بمكرماته ومثله وغذاه بقيمه ومكوناته ليكون صورة عنه، ويقول الرواة: إنه كان كثير الاهتمام والاعتناء بشأنه، فكان يصحبه معه في أكثر أوقاته فيشمه عرفه وطيبه، ويرسم له محاسن أفعاله، ومكارم أخلاقه، وقد علمه وهو في غضون الصبا سورة التوحيد (3)، ووردت إليه من تمر الصدقة


(1) النظام التربوي في الاسلام. (2) نظام الاسرة في الاسلام. (3) تاريخ اليعقوبي 2 / 319. (*)

[ 48 ]

فتناول منها الحسين تمرة وجعلها في فيه، فنزعها منه الرسول (ص) وقال له: لا تحل لنا الصدقة (1)، وقد عوده وهو في سنه المبكر بذلك على الاباء، وعدم تناول ما لا يحل له، ومن الطبيعي أن ابعاد الطفل عن تناول الاغذية المشتبه فيها أو المحرمة لها أثرها الذاتي في سلوك الطفل وتنمية مداركه حسب ما دللت عليه البحوث الطبية الحديثة، فان تناول الطفل للاغذية المحرمة مما يوقف فعالياته السلوكية، ويغرس في نفسه النزعات الشريرة كالقسوة، والاعتداء والهجوم المتطرف على الغير، وقد راعى الاسلام باهتمام بالغ هذه الجوانب فألزم بأبعاد الطفل عن تناول الغذاء المحرم (2) وكان ابعاد النبي (ص) لسبطه الحسين عن تناول تمر الصدقة التي لا تحل لاهل البيت (ع) تطبيقا لهذا المنهج التربوي الفذ... وسنذكر المزيد من ألوان تربيته له عند عرض ما أثر عنه (ص) في حقه (ع). تربية الامام له: أما الامام علي (ع) فهو المربى الاول الذي وضع أصول التربية، ومناهج السلوك، وقواعد الآداب، وقد ربى ولده الامام الحسين (ع) بتربيته المشرقة فغذاه بالحكمة، وغذاه بالعفة والنزاهة، ورسم له مكارم الاخلاق والآداب، وغرس في نفسه معنوياته المتدفقة فجعله يتطلع إلى الفضائل حتى جعل اتجاهه السليم نحو الخير والحق، وقد زوده بعدة وصايا حافلة بالقيم الكريمة والمثل الانسانية ومنها هذه الوصية القيمة الحافلة بالمواعظ والآداب الاجتماعية وما يحتاج إليه الناس في سلوكهم، وهي من أروع


(1) مسند الامام أحمد 1 / 201 (2) النظام التربوي في الاسلام (ص 92 - 93) (*)

[ 49 ]

ما جاء في الاسلام من الاسس التربوية التي تبعث على التوازن، والاستقامة في السلوك قال عليه السلام: " يا بني أوصيك بتقوى الله عزوجل في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا (1) والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله تعالى في الشدة والرخاء. يا بني ما شر بعده الجنة بشر، ولا خير بعد النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية... اعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن غيره، ومن رضى بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن كابد الامور عطب، ومن اقتحم البحر غرق، ومن أعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن سفه عليهم شتم، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن خالط الانذال حقر، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن اعتزل سلم، ومن ترك الشهوات كان حرا، ومن ترك الحسد كان له المحبة من الناس. يا بني عز المؤمن غناه عن الناس، والقناعة مال لا ينفذ ومن اكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه، العجب ممن خاف العقاب ورجا الثواب فلم يعمل، الذكر نور والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، والسعيد من وعظ بغيره، والادب خير ميراث، وحسن الخلق خير قرين. يا بني ليس من قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى،... يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله، وواحد في ترك


(1) في نسخة في الرضا والغضب. (*)

[ 50 ]

مجالسة السفهاء، ومن تزين بمعاصي الله عزوجل في المجالس ورثه ذلا من طلب العلم علم. يا بني رأس العلم الرفق وآفتة الخرق، ومن كنوز الايمان الصبر على المصائب، العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطأوه، ومن كثر خطأوه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار. يا بني لا تؤيسن مذنبا فكم من عاكف على ذنبه ختم له بالخير، ومن مقبل على عمله مفسد له في آخر عمره صار إلى النار من تحرى القصد خفت عليه الامور. يا بني كثرة الزيارة تورث الملالة، يا بني الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم، اعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله. يا بني كم من نظرة جلبت حسرة، وكم من كلمة جلبت نعمة، لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعلى من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية، ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت، ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة، وتبوأ حفظ الدعة، الحرص مفتاح التعب، ومطية النصب وداع إلى التقحم في الذنوب، والشر جامع لمساوئ العيوب، وكفى أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك، لاخيك مثل الذي عليك (1) لك، ومن تورط في الامور من غير نظر في الصواب فقد تعرض لمفاجأة النوائب، التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، من استقبل وجوه العمل والآراء عرف مواقع الخطأ، الصبر جنة من الفاقة، في خلاف النفس رشدها، الساعات


(1) هكذا في الاصل ولعل الصواب (عليه). (*)

[ 51 ]

تنقص الاعمار، ربك للباغين من أحكم الحاكمين، وعالم بضمير المضمرين بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد، في كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى، ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من النعيم، والموت من الحياة، فطوبى لمن أخلص لله تعالى علمه وعمله وحبه وبغضه وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، وبخ بخ لعالم علم فكف، وعمل فجد وخاف التباب (1) فأعد واستعد، إن سئل أفصح، وان ترك سكت، كلامه صواب، وصمته من غير عي عن الجواب، والويل كل الويل لمن بلى بحرمان وخذلان وعصيان، واستحسن لنفسه ما يكرهه لغيره، من لانت كلمته وجبت محبته، من لم يكن له حياء ولا سخاء فالموت أولى به من الحياة، لا تتم مرؤة الرجل حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس، ولا أي طعاميه أكل " (2). وحفلت هذه الوصية بآداب السلوك وتهذيب الاخلاق، والدعوة إلى تقوى الله التي هي القاعدة الاولى في وقاية النفس من الانحراف والآثام وتوجيهها الوجه الصالحة التي تتسم بالهدى والرشاد. تربية فاطمة له: وعنت سيدة النساء (ع) بتربية وليدها الحسين، فغمرته بالحنان والعطف لتكون له بذلك شخصيته الاستقلالية، والشعور بذاتياته، كما


(1) التباب: الهلاك والخسران، ومنه قوله تعالى: " تبت يدا أبي لهب ". (2) الاعجاز والايجاز (ص 33). (*)

[ 52 ]

غذته بالآداب الاسلامية، وعودته على الاستقامة، والاتجاه المطلق نحو الخير يقول العلائلي: " والذي انتهى إلينا من مجموعة أخبار الحسين أن أمه عنيت ببث المثل الاسلامية الاعتقادية لتشيع في نفسه فكرة الفضيلة على أتم معانيها، وأصح أوضاعها، ولابدع فان النبي (ص) أشرف على توجيهه أيضا في هذا الدور الذي يشعر الطفل فيه بالاستقلال. فالسيدة فاطمة أنمت في نفسه فكرة الخير، والحب المطلق والواجب ومددت في جوانحه وخوالجه أفكار الفضائل العليا بأن وجهت المبادئ الادبية في طبيعته الوليدة، من أن تكون هي نقطة دائرتها إلى الله الذي هو فكرة يشترك فيها الجميع. وبذلك يكون الطفل قد رسم بنفسه دائرة محدودة قصيرة حين أدار هذه المبادئ الادبية على شخص والدته، وقصرها عليها وما تجاوز بها إلى سواها من الكوائن، ورسمت له والدته دائرة غير متناهية حين جعلت فكرة الله نقطة الارتكاز، ثم أدارت المبادئ الادبية والفضائل عليها فاتسعت نفسه لتشمل وتستغرق العالم بعواطفها المهذبة، وتأخذه بالمثل الاعلى للخير والجمال... (1). لقد نشأ الامام الحسين (ع) في جو تلك الاسرة العظيمة التي ما عرف التاريخ الانساني لها نظير في إيمانها وهديها، وقد صار (ع) بحكم نشأته فيها من أفذاذ الفكر الانساني ومن أبرز أئمة المسلمين.


(1) الامام الحسين (ص 289). (*)

[ 53 ]

البيئة: وأجمع المعنيون في البحوث التربوية والنفسية على أن البيئة من أهم العوامل التي تعتمد عليها التربية في تشكيل شخصية الطفل واكسابه الغرائز والعادات، وهي مسؤولة عن أي انحطاط أو تأخر للقيم التربوية، كما أن استقرارها، وعدم اضطراب الاسرة لهما كبير في استقامة سلوك النشئ ووداعته، وقد بحثت مؤسسة اليونسكو في هيئة الامم المتحدة عن المؤثرات الخارجة عن الطبيعة في نفس الطفل، وبعد دراسته مستفيضة قام بها الاختصاصيون قدموا هذا التقرير: " مما لا شك فيه أن البيئة المستقرة سيكولوجيا، والاسرة الموحدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل هي أول أساس يرتكز عليه تكيف الطفل من الناحية العاطفية، وعلى هذا الاساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعية بصورة مرضية، أما إذا شوهت شخصية الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع... " (1). ان استقرار البيئة وعدم اضطرابها من أهم الاسباب الوثيقة في تماسك شخصية الطفل وازدهار حياته، ومناعته من القلق، وقد ذهب علماء النفس إلى أن اضطراب البيئة وما تحويه من تعقيدات، وما تشتمل عليه من أنواع الحرمان كل هذا يجعل الطفل يشعر بأنه يعيش في عالم متناقض ملئ بالغش والخداع والخيانة والحسد وأنه مخلوق ضعيف لا حول له، ولا قوة تجاه


(1) أثر الاسرة والمجتمع في الاحداث الذين هم دون الثالثة عشرة مؤسسة اليونسكو (ص 35). (*)

[ 54 ]

هذا العالم العنيف (1)... وقد عنى الاسلام بصورة ايجابية في شؤون البيئة فأرصد لاصلاحها وتطورها جميع أجهزته وطاقاته، وكان يهدف قبل كل شئ أن تسود فيها القيم العليا من الحق والعدل والمساواة، وأن تتلاشى فيها عوامل الانحطاط والتأخر من الجور والظلم والغبن، وأن تكون آمنة مستقرة خالية من الفتن والاضطراب حتى تمد الامة بخيرة الرجال وأكثرهم كفاءة، وانطلاقا في ميادين البر والخير والاصلاح. وقد انتخب البيئة الاسلامية العظماء والافذاذ والعباقرة المصلحين الذين هم من خيرة ما أنتجته الانسانية في جميع مراحل تاريخها كسيدنا الامام أمير المؤمنين (ع) وعمار بن ياسر، وأبي ذر وأمثالهم من بناة العدل الاجتماعي في الاسلام. لقد نشأ الامام الحسين (ع) في جو تلك البيئة الاسلامية الواعية التي فجرت النور وصنعت حضارة الانسان، وقادت شعوب الارض لتحقيق قضاياها المصيرية، وأبادت القوى التي تعمل على تأخير الانسان، وانحطاطه تلك البيئة العظيمة التي هبت إلى ينابيع العدل تعب منها فتروي وتروي الاجيال الظامئة. وقد شاهد الامام الحسين وهو في غضون الصبا ما حققته البيئة الاسلامية من الاتنصارات الرائعة في اقامة دولة الاسلام، وتركيز أسسها، وأهدافها وبث مبادئها الهادفة إلى نشر المودة والدعة والامن بين الناس. هذه بعض المكونات التربوية التي توفرت للامام الحسين (ع) وقد أعدته ليكون الممثل الاعلى لجده الرسول (ص) في الدعوة إلى الحق، والصلابة في العدل.


(1) التكيف النفسي (ص 22) (*)

[ 55 ]

في ظلال القرآن والسنة

[ 57 ]

وعنى الاسلام كتابا وسنة بشأن الامام الحسين (ع) وأولاه المزيد من العناية والاهتمام لانه من مراكز القيادة العليا في الاسلام التي تطل على هذا الكون فتشرق على معالمه، وتصلح من شأن الانسان، وتدفعه إلى السلوك النير، والمنهج السليم. لقد قابل الاسلام بكل تكريم واحتفاء الامام الحسين كما عنى به مع أبويه وأخيه، فرفع ذكرهم وحث باصرار على اتباع سلوكهم، والاقتداء بهم، وضمن للامة أن لا تزيغ عن طريق الهدى إذا لم تتقدم عليهم في مجالات الحكم والتشريع وغيرهما، ونشير - بإيجاز - إلى بعض ما أثر في الكتاب والسنة في حقهم: في ظلال القرآن: أما كتاب الله العظيم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - فقد أعلن فضل الامام الحسين في اطار أهل البيت (ع) وله في كتاب الله غنى عن مدح المادحين ووصف الواصفين، وهذه بعض الآيات الناطقة في فضلهم. آية التطهير: قال تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (1) ولابد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذه الآية.


(1) سورة الاحزاب آية 22. (*)

[ 58 ]

أ - من هم أهل البيت ؟ وأجمع المفسرون وثقاة الرواة (1) أن أهل البيت هم الخمسة أصحاب الكساء وهم: سيد الكائنات الرسول (ص) وصنوه الجاري مجرى نفسه أمير المؤمنين (ع) وبضعته الطاهرة عديلة مريم بنت عمران سيدة النساء فاطمة الزهراء التي يرض الله لرضاها ويغضب لغضبها، وريحانتاه من الدنيا سبطاه الشهيدان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ولم يشاركهم أحد من الصحابة وغيرهم في هذه الآية، ويدل على هذا الاختصاص ما يلي: اولا - إن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله (ص) بكساء كان عليه ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا " يكرر ذلك، وأم سلمة تسمع وترى فقالت: وأنا معكم يا رسول الله، ورفعت الكساء لتدخل فجذبه منها، وقال لها: " انك على خير "


(1) تفسير الفخر 6 / 783، النيسابوري في تفسير سورة الاحزاب صحيح مسلم 2 / 331، ما نزل من القرآن في أهل البيت (ص 41)، من المخطوطات المصورة في مكتبة الامام الحكيم نقلت من الخزانة المستنصرية سنة (666 ه‍) تأليف الحسين بن الحكم الخنزي، الخصائص الكبرى 2 / 264، الرياض النضرة 2 / 188، خصائص النسائي، تفسير ابن جرير 22 / 5، مسند أحمد بن حنبل 4 / 107، سنن البيهقي 2 / 150 مشكل الاثار 1 / 334. وقد أورد جلال الدين السيوطي في (الدر المنثور) عشرين رواية من طرق مختلفة في اختصاص الآية بأهل البيت، وأورد ابن جرير في تفسيره خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية عليهم بالخصوص. (*)

[ 59 ]

وتواترت الصحاح بذلك (1)، وهي حسب رواية أم سلمة تدل - بوضوح - على الحصر بهم، وامتيازهم عن غيرهم بهذه المأثرة المشرفة. ثانيا - إن الرسول (ص) قد سلك كل مسلك في اعلان اختصاص الآية بهم، فقد روى ابن عباس قال: " شهدت رسول الله (ص) سبعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " الصلاة رحمكم الله، كل يوم خمس مرات " (2)، وروى أنس بن مالك أن النبي (ص) كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (3) وروى أبوبرزة قال: صليت مع رسول الله (ص) سبعة أشهر فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة (ع) فقال: السلام عليكم " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (4). وقد أكد النبي (ص) اختصاص الآية بأهل بيته ونفاها عن غيرهم ارشادا للامة وإلزاما لها باتباعهم وتسليم قيادتها لهم. ثالثا - احتجاج العترة الطاهرة على اختصاص الآية بهم، فقد قال الامام الحسن الزكي (ع) في بعض خطبه: " وأنا من أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل إلينا، ويصعد من


(1) مستدرك الحاكم 2 / 416، أسد الغابة 5 / 521. (2) الدر المنثور 5 / 199. (3) مجمع الزوائد 9 / 169، أنساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 157. (4) ذخائر العقبى (ص 24). (*)

[ 60 ]

عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (1) وتواترت الاخبار من طرق العترة الطاهرة معلنة اختصاص الآية بالخمسة من أصحاب الكساء وعدم تناولها لغيرهم من اسرة النبي. ب - خروج نساء النبي: وليس النساء النبي (ص) أي نصيب في هذه الآية فقد خرجن عنها موضوعا أو حكما - كما يقول علماء الاصول - وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي: 1 - إن الاهل - في اللغة - موضوع لعشيرة الرجل وذوي قرباه (2) ولا يشمل الزوجة، وأكد هذا المعنى زيد بن أرقم حينما سئل عن أهل بيت النبي (ص) هل يشمل زوجاته ؟ فأنكر ذلك، وقال: " لا - وأيم الله - إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها،... أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده " (3). 2 - إنا لو سلمنا أن الاهل يشمل الزوجة ويطلق عليها فلابد من تخصيصه بالاخبار المتقدمة فانها توجب التخصيص من دون شك، فقد بلغت حد التواتر اللفظي أو المعنوي. ج - مزاعم عكرمة ومقاتل: وهناك جماعة من صنائع بني أمية ودعاة الخوارج حاولوا صرف الآية عن العترة الطاهرة، واختصاصها بنساء النبي (ص) متمسكين بسياق الآية ومن الذاهبين إلى ذلك عكرمة، ومقاتل بن سليمان، وكان عكرمة من


(1) مستدرك الحاكم 3 / 172. (2) القاموس المحيط 1 / 331، أقرب الموارد. (3) تفسير ابن كثير 3 / 486، صحيح مسلم 2 / 238. (*)

[ 61 ]

أشد الناس تحاملا على أصحاب الكساء، وكان ينادي بذلك في السوق (1) وبلغ من اصراره وعناده أنه كان يقول: " من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي " (2)، ومن الطبيعي أن نداءه في السوق، وعرضه للمباهلة انما يدل على بغضه الشديد للعترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، ولابد لنا من النظر في شؤون عكرمة ومقاتل حتى تبين اندفاعهما لما زعماه. عكرمة في الميزان: عكرمة البربري هو أبو عبد الله المدني أصله من البربر كان مولى للحصين ابن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة من قبل الامام أمير المؤمنين (ع) وبقى رقا حتى توفي ابن عباس فباعه علي بن عبد الله ثم استرده (3) وقد جرح في عقيدته واتهم في سلوكه، فقد ذكر المترجمون له ما يلي: 1 - إنه كان من الخوارج (4) وقد وقف على باب المسجد فقال ما فيه إلا كافر (5) لان الخوارج ذهبوا إلى كفر المسلمين، أما موقفهم من الامام أمير المؤمنين فمعروف بالنصب والعداء. 2 - إنه عرف بالكذب، وعدم الحريجة منه، وقد اشتهر بهذه الظاهرة فعن ابن المسيب أنه قال لمولاه برد: " لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس " (6)، وعن عثمان بن مرة أنه قال للقاسم: إن


(1) أسباب النزول للواحدي (ص 268) (2) الدر المنثور 5 / 198. (3) تهذيب التهذيب 7 / 263 (4) ميزان الاعتدال 3 / 95، طبقات القراء 1 / 15، طبقات ابن سعد 5 / 216. (5) ميزان الاعتدال 3 / 95. (6) ميزان الاعتدال 3 / 96. (*)

[ 62 ]

عكرمة حدثنا عن ابن عباس كذا، فقال القاسم: يابن أخي إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثا يخالفه عشيا (1). ومع اتهامه بالكذب لا يمكن التعويل على أي رواية من رواياته فان اقتراف الكذب من أظهر الاسباب التي توجب القدح في الراوى. 3 - إنه كان فاسقا يسمع الغناء، ويلعب بالنرد، ويتهاون في الصلاة وكان خفيف العقل (2). 4 - ان المسلمين قد نبذوه وجفوه، وقد توفي هو وكثير عزة في يوم واحد فشهد الناس جنازة كثير ولم يشهدوا جنازته (3). ومع هذه الطعون التي احتفت به كيف يمكن الاعتماد على روايته والوثوق بها وقد اعتمد عليه البخاري وتجنبه مسلم (4) قال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة (5) ومن الغريب أن البخاري يعتمد في رواياته على عكرمة وأمثاله من المطعونين في دينهم، ويتحرج من رواية العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم. مقاتل بن سليمان: أما مقاتل بن سليمان بن بشير الازدي الخراساني، فهو كصاحبه عكرمة كان متهما في دينه، وذكر المترجمون له ما يلي: 1 - إنه كان كذابا، قال النسائي: كان مقاتل يكذب (6) وكذلك


(1) معجم الادباء. (2) تهذيب التهذيب 7 / 263. (3) تهذيب التهذيب 7 / 271 (4) ميزان الاعتدال 3 / 93. (5) تهذيب التهذيب 7 / 271. (6) ميزان الاعتدال 4 / 173. (*)

[ 63 ]

قال وكيع: وقال اسحاق بن ابراهيم الحنظلي: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير - يعني في البدعة والكذب -: جهم ومقاتل، وعمر بن صبح، وقال خارجة بن مصعب: كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين (1) ومع اتهامه بالكذب لا يصح الاعتماد على روايته، ويسقط حديثه عن الاستدلال به. 2 - إنه كان متهما في دينه، وكان يقول بالتشبيه، قال ابن حبان: كان مقاتل يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب سبحانه بالمخلوقين وكان يكذب في الحديث (2) وقد استحل بعض الاخيار دمه يقول خارجة: لم استحل دم يهودي ولا ذمي، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يرانا فيه أحد لقتلته (3). 3 - عرف مقاتل بالنصب والعداء لامير المؤمنين (ع) وكان دأبه صرف فضائل الامام (ع) وقد أثر عن الامام أنه كان يقول: " سلوني قبل أن تفقدوني " فأراد مقاتل أن يجاريه في ذلك فكان يقول: " سلوني عما دون العرش " فقام إليه رجل فقال له: إخبرني عن النملة أين أمعاؤها فسكت ولم يطق جوابا (4) وقال مرة: سلوني عما دون العرش فقام إليه رجل فقال له: إخبرنى من حلق رأس آدم حين حج ؟ فحار ولم يطق جوابا (5).


(1) تهذيب التهذيب 10 / 281 (2) تهذيب التهذيب 10 / 284، ميزان الاعتدال 4 / 175 (3) تهذيب التهذيب 10 / 281 (4) تهذيب التهذيب 10 / 283 (5) وفيات الاعيان. (*)

[ 64 ]

وهذه البوادر تدل على فساد آرائه، وعدم التعويل على أي حديث من أحاديثه. وهن استدلالهما: واستدل عكرمة ومقاتل بسياق الآية على أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله ولا تشمل أهل بيته، وقد عرض الامام شرف الدين بصورة موضوعية إلى ابطال ذلك، قال رحمه الله: ولنا في رده وجوه: " الاول ": إنه اجتهاد في مقابل النصوص الصريحة، والاحاديث المتواترة الصحيحة. " الثاني ": إنها لو كانت خاصة في النساء - كما لا يزعم هؤلاء - لكان الخطاب في الآية بما يصلح للاناث، ولقال عز من قائل: عنكن ويطهركن، كما في غيرهما في آياتهن، فتذكير ضمير الخطاب فيها دون غيرها من آيات النساء كاف في رد تضليلهم. " الثالث ": إن الكلام البليغ يدخله الاستطراد والاعتراض وهو تخلل الجملة الاجنبية بين الكلام المتناسق، كقوله تعالى في حكاية خطاب العزيز لزوجته إذ يقول لها: " إنه من كيدكن ان كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك " فقوله: " يوسف أعرض عن هذا " مستطرد بين خطابيه معها - كما ترى - ومثله قوله تعالى: " ان الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون واني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون " فقوله: " وكذلك يفعلون " مستطرد من جهة الله تعالى بين كلام بلقيس، ونحوه قوله عز من قائل: " فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. وإنه لقرآن

[ 65 ]

كريم " تقديره أفلا أقسم بمواقع النجوم. إنه لقرآن كريم، وما بينهما استطراد على استطراد وهذا كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب وغيرهم من البلغاء. وآية التطهير من هذا القبيل جاءت مستطردة بين آيات النساء، فتبين بسبب استطرادها أن خطاب الله لهن بتلك الاوامر والنواهي والنصائح والآداب لم يكن إلا لعناية الله تعالى بأهل البيت " أعني الخمسة " لئلا ينالهم " ولو من جهتهن " لوم أو ينسب إليهم " ولو بواسطة " هناة أو يكون عليهم للمنافقين " ولو بسببهن " سبيل ولو لا هذا الاستطراد ما حصلت النكتة الشريفة التي عظمت بها بلاغة الذكر الحكيم، وكمل اعجازه الباهر كما لا يخفى (1). ورأى الامام شرف الدين رأي وثيق فقد قطع به تأويل المتأولين، ودحض به أو هام المعاندين، وتمت به الحجة على المناوئين. دلالتها على العصمة: ودلت الآية بوضوح على عصمة الخمسة من أهل البيت (ع) فقد أذهب تعالى عنهم الرجس - أي المعاصي - وطهرهم منها تطهيرا وهذا هو واقع العصمة وحقيقتها. وقد تصدرت الآية للدلالة على ذلك بكلمة " إنما " التي هي من أقوى أدوات الحصر، ويضاف إليه دخول اللام في الكلام الخبري، وتكرار لفظ الطهارة، وكل ذلك يدل - بحسب الصناعة - على الحصر والاختصاص وارادة الله في ذلك إرادة تكوينية يستحيل فيها تخلف المراد عن الارادة " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ". ويقول الامام شرف الدين: إنها دلت بالالتزام على إمامة أمير المؤمنين


(1) الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء (ع) (ص 196 - 197). (*)

[ 66 ]

عليه السلام لانه ادعى الخلافة لنفسه، وادعاها له الحسنان وفاطمة، ولا يكونون كاذبين، لان الكذب من الرجس الذي أذهبه الله عنهم، وطهرهم منه تطهيرا (1). آية المودة: وفرض الله على المسلمين مودة أهل البيت (ع) قال تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور شكور " (2). ذهب جمهور المسلمين إلى أن المراد بالقربى هم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين وان اقتراف الحسنة إنما هي في مودتهم ومحبتهم، وفيما يلي بعض ما أثر في ذلك: 1 - روى ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال (ص): " علي وفاطمة وابناهما " (3). 2 - روى جابر بن عبد الله قال: جاء اعرابي إلى النبي (ص) فقال: يا محمد اعرض علي الاسلام، فقال (ص): تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، قال الاعرابي: تسألني عليه أجرا ؟


(1) الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء (ع) (ص 201). (2) سورة آل حم الشورى: آية 23. (3) مجمع الزوائد 7 / 103، ذخائر العقبى (ص 25)، نور الابصار (ص 101)، الدر المنثور. (*)

[ 67 ]

قال (ص) لا إلا المودة في القربى. الاعرابي: قرباي أم قرباك ؟ الرسول (ص): قرباي. الاعرابي: هات أبايعك. فعلى من لا يحبك، ولا يحب قرباك لعنة الله. قال (ص): (آمين) (1). 3 - روى ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: " قل لا اسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى "، قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثنا على قرابته من بعده فأخبر جبرئيل النبي (ص) انهم اتهموه، فأنزل " أم يقولون افترى على الله كذبا "، فقال القوم: يا رسول الله انك صادق فنزل " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " (2). 4 - احتجاج العترة الطاهرة بأنها نزلت فيهم فقد خطب سبط الرسول صلى الله عليه وآله الاول وريحانته الاما الحسن (ع) فقال في جملة خطابه: " وأنا من أهل البيت الذين أفترض الله مودتهم على كل مسلم فقال تبارك وتعالى: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا " فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت " (3). واحتج بها سيد الساجدين والعابدين الامام علي بن الحسين (ع) لما جئ به أسيرا إلى الطاغية يزيد وأقيم على درج دمشق انبرى إليه رجل من أهل الشام فقال له: " الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرني الفتنة ".


(1) حلية الاولياء 3 / 201. (2) الصواعق المحرقة (ص 102). (3) حياة الامام الحسن 1 / 68. (*)

[ 68 ]

فنظر إليه الامام فرأه مغفلا قد خدعته الدعايات المضللة وحادت به عن الطريق القويم فقال له: " اقرأت القرآن ؟ ". " نعم ". " اقرأت آل حم ؟ ". " قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم ". " ما قرأت (لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) ؟ ". فذهل الرجل ومشت الرعدة باوصاله وسارع يقول: " وانكم لانتم هم ؟ ". " نعم " (1). وقال الامام أمير المؤمنين (ع): فينا آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ثم قرأ " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (2) كلمة الفخر الرازي. وعلق الفخر الرازي على هذه الآية مشيدا بآل النبي (ص) قال ما نصه: " وإذا ثبت هذا - يعني اختصاص الآية بآل البيت (ع) - وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعطيم قال ويدل عليه وجوه: " الاول ": قوله تعالى: " إلا المودة في القربى " ووجه الاستدلال به ما سبق وهو ما ذكره من قبل أن آل محمد (ص) هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بهم وبين رسول الله (ص)


(1) تفسير الطبري 25 / 16. (2) كنز العمال 1 / 218، الصواعق المحرقة (ص 101). (*)

[ 69 ]

أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل. " الثاني ": لا شك أن النبي (ص) كان يحب فاطمة (ع) قال (ص): " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها " وثبت بالنقل المتواتر عن محمد (ص) أنه كان يحب عليا والحسن والحسين عليهم السلام، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الامة مثله لقوله تعالى: " واتبعوه لعلكم تهتدون ". ولقوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " ولقوله: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله " ولقوله سبحانه: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ". " الثالث ": إن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد " واجب... (1). ان مودة أهل البيت (ع) من أهم الواجبات الاسلامية، ومن أقدس الفروض الدينية يقول الامام محمد بن ادريس الشافعي: يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم القدر انكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له (2) وقال ابن العربي: رأيت ولائي آل طه فريضة * على رغم أهل البعد يورثني القربى فما طلب المبعوث أجرا على الهدى * بتبليغه إلا المودة في القربى ويقول شاعر الاسلام الكميت: وجدنا لكم في آل حم آية * تأولها منا تقي ومعرب إن في مودة آل البيت (ع) أداءا لاجر الرسالة، وصلة للرسول


(1) تفسير الرازي في ذيل تفسير آية المودة في سورة الشورى. (2) الصواعق المحرقة (ص 88). (*)

[ 70 ]

الاعظم (ص) وشكرا له على ما لاقاه من عظيم العناء والجهد في سبيل انقاذ المسلمين من الشرك، وتحرير عقولهم من الخرافات، وقد جعل تعالى حق نبيه العظيم على هذه الامة أن توالي عترته، وتكن لها المودة والولاء. آية المباهلة: من آيات الله البينات التي أعلنت فضل أهل البيت عليهم السلام آية المباهلة قال تعالى: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (1). واتفق المفسرون ورواة الحديث أنها نزلت في أهل البيت (2). وان أبناءنا اشارة إلى (الحسنين) ونساءنا اشارة إلى (فاطمة)، وأنفسنا إلى علي... نزلت الآية الكريمة في واقعة تاريخية بالغة الخطورة جرت بين قوى الاسلام وبين القوى الممثلة للنصارى، وموجز هذه الحادثة أن وفدا من نصارى نجران قدموا على رسول الله (ص) ليناظروه في الاسلام، وبعد حديث دار بينهم وبين النبي (ص) اتفقوا على الابتهال أمام الله ليجعل لعنته، وعذابه على الكاذبين والحائدين على الحق، وعينوا


(1) سورة آل عمران: آية 60. (2) تفسير الرازي 2 / 699، تفسير البيضاوي (ص 76) تفسير الكشاف 1 / 49، تفسير روح البيان 1 / 457، تفسير الجلالين 1 / 35، صحيح الترمذي 2 / 166، سنن البيهقي 7 / 63، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، مسند أحمد بن حنبل 1 / 185، مصابيح السنة للبغوي 2 / 201، سير أعلام النبلاء 3 / 193. (*)

[ 71 ]

وقتا خاصا لذلك، وانصرف وفد النصارى على موعد للعودة للمباهلة حتى يستبين أمر الله ويظهر الحق ويزهق الباطل، وقد هامت نفوسهم بتيارات من الهواجس والاحاسيس، لا يعلمون أن النبي (ص) بمن يباهلم ؟ وفي اليوم الذي اتفقا عليه خرج النبي (ص) وقد اختار للمباهلة أفضل الناس وأكرمهم عند الله، وهم باب مدينة علمه وأبو سبطيه الامام أمير المؤمنين (ع) وبضعته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. وأقبل (ص) وقد احتضن الحسين، وأمسك بيده الاخرى الحسن وسارت خلفه الزهراء مغشاه بملاة من نور الله، يسير خلفها الامام أمير المؤمنين (ع) وهو باد الجلال... وخرج السيد والعاقب بولديهما وعليهما الحلي والحلل، ومعهم نصارى نجران وفرسان بني الحرث على خيولهم وهم على أحسن هيأة واستعداد، واحتشدت الجماهير وقد اشرأبت الاعناق تراقب الحادث الخطير، وساد الوجوم وصار الكلام همسا، ولما رأت النصارى هيأة الرسول مع أهل بيته، وهي تملا العيون، وتعنو لها الجباه امتلات نفوسهم رعبا وهلعا من هيبة الرسول وروعة طلعته، وجثا النبي صلى الله عليه وآله للمباهلة بخضوع فتقدم إليه السيد والعاقب وقد سرت الرعدة في نفوسهم قائلين: " يا أبا القاسم بمن تباهلنا ؟ ". فأجابهم (ص) بكلمات تمثلت فيها روعة الايمان والخشية من الله قائلا: " أباهلكم بخير أهل الارض، وأكرمهم إلى الله، وأشار إلى علي وفاطمة والحسنين ". وانبريا يسألان بتعجب قائلين:

[ 72 ]

" لم لا تباهلنا بأهل الكرامة، والكبر وأهل الشارة ممن آمن بك واتبعك ؟ ! ! ". فانطلق الرسول (ص) يؤكد لهم أن أهل بيته أفضل بيته أفضل الخلق عند الله قائلا: " أجل أباهلكم بهؤلاء خير أهل الارض وأفضل الخلق ". فذهلوا، وعرفوا أن الرسول (ص) على حق، وقفلوا راجعين الى الاسقف زعيمهم يستشيرونه في الامر قائلين له: " يا أبا حارثة ماذا ترى في الامر ؟ " " أرى وجوها لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلا من مكانه لازاله " ولا يكتفى بذلك، وانما دعهم قوله بالبرهان، واليمين قائلا: " أفلا تنظرون محمدا رافعا يديه، ينظر ما تجيئان به، وحق المسيح - إن نطق فوه بكلمة - لا نرجع الى أهل، ولا الى مال ! ! ! ". وجعل ينهاهم عن المباهلة ويهتف فيهم قائلا: " ألا ترون الشمس قد تغير لونها، والافق تنجع فيه السحب الداكنة والريح تهب هائجة سوداء، حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان، لقد أطل علينا العذاب، انظروا الى الطير وهي تقئ حواصلها والى الشجر كيف تتساقط أوراقها، والى هذه الارض كيف ترجف تحت أقدامنا ! ! ! ". لقد غمرتهم تلك الوجوه العظيمة، رأوا بالعيان ما لها من مزيد الفضل والكرامة عند الله، ويتدارك النصاري الامر فاسرعوا الى النبي صلى الله عليه وآله قائلين: " يا أبا القاسم. إقلنا اقال الله عثرتك ". ويخضعون لما شرطه النبي (ص) عليهم، وأعلن بعد ذلك أنهم لو استجابوا للمباهلة لهلكت النصاري قائلا:

[ 73 ]

" والذي نفسي بيده ان العذاب تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على الشجر، وما حال الحول على النصارى كلهم... " (1). وأوضحت هذه الحادثة الخطيرة مدى أهمية أهل البيت (ع) وأنهم لا مثيل لهم في المجتمع الاسلامي الحافل آنذاك بالمجاهدين والمكافحين في سبيل الاسلام ولو أن النبي (ص) وجد من هو خير منهم ورعا وتقوى لاختارهم للمباهلة، بل لو كان هناك من يساويهم في الفضل لامتنع أن يقدم أهل بيته عليهم لقبح الترجيح بلا مرجح - كما يقول علماء الاصول - كما أنه (ص) لم ينتدب للمباهلة أحدا من عشيرته الاقربين فلم يدع صنو أبيه وعمه العباس بن عبد المطلب، ولم يدع أحدا من ابناء الهاشميين ليضمه إلى سبطيه وكذلك لم يدع واحدة من امهات المؤمنين وهن كن في حجراته بل لم يدع شقيقة أبيه صفية ولا غيرها ليضمها إلى بضعته سيدة نساء العالمين ولم يدع غيرها من عقائل الشرف وخفرات عمرو العلى وشيبة الحمد ولا واحدة من نساء الخلفاء الثلاثة وغيرهم من المهاجرين والانصار، وجميع أسرته كانوا بمرأى منه ومسمع، والغرض من ذلك التدليل على فضل أهل بيته وعظيم شأنه عند الله " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". يقول الامام شرف الدين رحمه الله... " وأنت تعلم أن مباهلته (ص) بهم والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده لفضل عظيم، وانتخابه إياهم لهذه المهمة العظيمة، واختصاصهم بهذا الشأن الكبير، وايثارهم فيه على من سواهم من أهل السوابق، فضل على فضل لم يسبقهم إليه سابق ولن


(1) نور الابصار (ص 100) (*)

[ 74 ]

يلحقهم فيه لاحق، ونزول القرآن العزيز آمرا بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث، يزيد فضل المباهلة ظهورا، ويضيف إلى شرف اختصاصهم بها شرفا، والى نوره نورا " (1). كما دلت الآية - بوضوح - على أن الامام أمير المؤمنين هو نفس رسول الله (ص) ورسول الله أفضل من جميع خلق الله فعلي كذلك بمقتضى المساواة بينهما، وقد أدلى بهذا الفخر الرازي في تفسيره الكبير قال: " كان في الري رجل يقال له محمد بن الحسن الحمصي، وكان معلم الاثنى عشرية وكان يزعم أن عليا أفضل من جميع الانبياء سوى محمد (ص) واستدل على ذلك بقوله تعالى: " وأنفسنا وأنفسكم " إذ ليس المراد بقوله: " وأنفسنا " نفس محمد (ص)، لان الانسان لا يدعو نفسه بل المراد غيرها، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، ولا يمكن أن يكون المراد أن هذه النفس هي عين تلك، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي المساواة بينهما في جميع الوجوه، تركنا العمل بهذا العموم في حق النبوة، وفي حق الفضل بقيام الدلائل على أن محمدا (ص) كان نبيا، وما كان علي كذلك، ولانعقاد الاجماع على أن محمدا (ص) كان أفضل من علي فبقي ما وراءه معمولا به، ثم الاجماع دل على أن محمدا (ص) كان أفضل من سائر الانبياء (ع) فيلزم أن يكون على أفضل من سائر الانبياء... " (2).


(1) الكلمة الغراء (ص 184). (2) تفسير الرازي 2 / 488. (*)

[ 75 ]

آية الابرار: من آيات الله الباهرات التي أشادت بفضل العترة الطاهرة، آية الابرار، قال تعالى: " إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا " (1). روى جمهور المفسرين والمحدثين أنها نزلت في أهل البيت (ع) (2) وكان السبب في ذلك أن الحسن والحسين (ع) مرضا فعادهما جدهما الرسول صلى الله عليه وآله مع كوكبة من أصحابه، وطلبوا من علي أن ينذر لله صوما ان عافاهما مما ألم بهما من السقم فنذر أمير المؤمنين صوم ثلاثة أيام، وتابعته الصديقة عليها السلام وجاريتها فضة في ذلك، ولما أبل الحسنان من المرض صاموا جميعا، ولم يكن عند الامام في ذلك الوقت شئ من الطعام ليجعله أفطارا لهم فاستقرض سلام الله عليه ثلاث أصواع من الشعير، فعمدت الصديقة في اليوم الاول إلى صاع فطحنته وخبزته فلما آن وقت الافطار وإذا بمسكين يطرق الباب يستمنحهم شيئا من الطعام فعمدوا جميعا إلى هبة قوتهم إلى المسكين واستمروا في صيامهم لم يتناولوا سوى الماء. وفي اليوم الثاني عمدت بضعة النبي (ص) إلى تهيأة الطعام الذي


(1) سورة هل أتى. (2) تفسير الفخر 8 / 392، أسباب النزول للواحدي (ص 133) النيسابوري في تفسير سورة هل أتى، روح البيان 6 / 546، الدر المنثور ينابيع المودة 1 / 93، الرياض النضرة 2 / 227، امتاع الاسماع للمقريزي (ص 502). (*)

[ 76 ]

كان قوامه خبز الشعير، ولما حان وقت الغروب وإذا بيتيم قد أضناه الجوع وهو يطلب الاسعاف منهم فتبرعوا جميعا بقوتهم، ولم يتنالوا سوى الماء. وفي اليوم الثالث قامت سيدة النساء فطحنت ما فضل من الطعام وخبزته فلما حان وقت الافطار قدمت لهم الطعام، وسرعان ما طرق الباب أسير قد ألم به الجوع فسحبوا أيديهم من الطعام ومنحوه له. سبحانك اللهم أي مبرة أعظم من هذه المبرة ! ! ! أي إيثار أبلغ من هذا الايثار، إنه ايثار ما قصد به إلا وجه الله الكريم. ووفد عليهم رسول الله (ص) في اليوم الرابع فرآهم، ويا لهول ما رأى رأى أجساما مرتعشة من الضعف ونفوسا قد ذابت من الجوع، فتغير حالهه وطفق يقول: " واغوثاه أهل بيت محمد يموتون جياعا ! ! ! ". ولم ينه الرسول كلامه حتى هبط عليه أمين الوحي وهو يحمل المكافأة العظمى لاهل البيت والتقييم لايثارهم الخالد... إنها مكافأة لا توصف بكيف ولا تقدر بكم، فهي مغفرة ورحمة ورضوان من الله ليس لها حد، فقد " جزاهم بما صبروا جنة وحريرا. متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا. وانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا. ويطاف عليهم بآنيه من فضة وأكواب كانت قواريرا، قوارير من فضة قدورها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ". إنه عطاء سمح وجزيل فقد حباهم ربهم في الدار الآخرة من عظيم النعم والكرامات، وأجزل لهم المزيد من مغفرته ورضوانه. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الآيات الكريمة التي نزلت في أهل البيت (ع) ومما لا شك فيه أن الامام الحسين (ع) من المعنيين

[ 77 ]

بتلك الآيات الكريمة النازلة من السماء، وقد أبرزت مدى مقامه العظيم عند الله. في ظلال السنة: في السنة النبوية كوكبة ضخمة من الاحاديث نطق بها الرسول العظيم صلى الله عليه وآله أبرزت معالم شخصية الامام الحسين (ع) وحددت أبعاد فضله على سائر المسلمين... وقد تضافرت النصوص بذلك، وتواترت وهي على طوائف بعضها ورد في أهل البيت (ع) مما هو شامل للامام الحسين قطعا، وبعضها الآخر ورد فيه وفي أخيه الحسن (ع)، وطائفة ثالثة وردت فيه خاصة، وفيما يلي ذلك: الطائفة الاولى: أما ما أثر عن النبي (ص) في فضل عترته ولزوم مودتهم فطائفة كبيرة من الاخبار وفيما يلي بعضها: 1 - روى أبو بكر قال رأيت رسول الله (ص): خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين (ع) فقال: " معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب لمن حاربهم وولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة " (1). 2 - روى زيد بن أرقم أن رسول الله (ص) قال لعلي وفاطمة


الرياض النضرة 2 / 252.

[ 78 ]

والحسن والحسين عليهم السلام: " أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم " (1). 3 - روى أحمد بن حنبل بسنده أن النبي (ص) أخذ بيد الحسن والحسين وقال: " من أحبني وأحب هذين وأباهما، وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة " (2). 4 - روي جابر قال رسول الله (ص): ذات يوم بعرفات، وعلى تجاهه " ادنو مني يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة... " (3). 5 - روى ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): " النجوم أمان لاهل الارض من الغرق، وأهل بيتي أمان لامتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس... " (4)


(1) صحيح الترمذي 2 / 319، وروى ابن ماجة في سننه 1 / 52 أنه (ص) قال: " أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم " ومثله رواه الحاكم في مستدركه 3 / 149، وابن الاثير في أسد الغابة 5 / 523، ورواه أحمد في مسنده 2 / 442 بسنده عن أبي هريرة، وكذلك رواه الخطيب البغدادي في تاريخه 7 / 36. (2) مسند أحمد 1 / 77، صحيح الترمذي 2 / 301، وجاء في تهذيب التهذيب 10 / 430 أن نصر بن علي حدث بهذا الحديث فأمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه. (3) مسند أحمد 1 / 77. (4) مستدرك الحاكم 3 / 149، وفي كنز العمال 6 / 116، والصواعق المحرقة (ص 111) أنه (ص) قال: " النجوم أمان لاهل الارض وأهل = (*)

[ 79 ]

6 - روى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص): " إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما... " (1). إن حديث الثقلين من أروع الاحاديث النبوية وأكثرها ذيوعا وانتشارا بين المسلمين، وقد تكرر هذا الحديث من النبي (ص) في مواضع كثيرة نشير إلى بعضها: أ - أعلن (ص) ذلك وهو في حجة يوم عرفة فقد روى جابر بن عبد الله الانصاري قال: رأيت رسول الله في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصوى يخطب فسمعه يقول: " يا أيها الناس اني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي... " (2). ب - انه (ص) أدلى بذلك في يوم الغدير، فقد روى زيد بن أرقم قال: نزل رسول الله (ص) (الجحفة) ثم أقبل على الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني لا أجد النبي إلا نصف عمر الذي قبله، وإني اوشك أن ادعى فاجيب، فما أنتم قائلون ؟ قالوا: " نصحت ". قال: " اليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق، وأن النار حق ؟ ". قالوا: " نشهد ". * (هامش) (1) بيتي أمان لامتي، ورواه المناوي في فيض القدير 6 / 297، والهيثمي في مجمعه 9 / 174. (1) صحيح الترمذي 2 / 308، أسد الغابة 2 / 12. (2) كنز العمال 1 / 48، صحيح الترمذي 2 / 308. (*)

[ 80 ]

فرفع (ص) يده فوضعها على صدره، ثم قال: " وأنا أشهد معكم " والتفت (ص) إليهم فقال: " الا تسعمون ؟ ". " نعم ". " فاني فرط على الحوض، وأنتم واردون على الحوض، وان عرضه ما بين صنعاء وبصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين ؟ ". فناداه مناد وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال (ص): " كتاب الله طرف بيد الله عزوجل وطرف بأديكم فتمسكوا به والآخر عشيرتي " (1) وان اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما، ولا تعلموهما فهم أعلم منكم، ثم أخذ بيد علي (ع) فقال: من كنت أولى به من نفسه، فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (2). ج - أعلن (ص) ذلك وهو على فراش الموت، فقد التفت (ص) إلى أصحابه فقال لهم: " أيها الناس، يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم إلا اني مخلف فيكم كتاب ربي عزوجل، وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فاسألهما ما خلفت فيهما... " (3).


(1) في كنز العمال 1 / 48 لفظ " عترتي ". (2) مجمع الهيثمي 9 / 163. (3) الصواعق (ص 75). (*)

[ 81 ]

ان حديث الثقلين من أوثق الاحاديث النبوية وأوفرها صحة، وقد ذكر المناوي عن السمهودي أنه قال: وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة (1)، وكلهم قد رووا هذا الحديث وقال ابن حجر: ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بعض وعشرين صحابيا (2). ويدل هذا الحديث دلالة صريحة واضحة على حصر الامامة في أهل البيت (ع) وعلى عصمتهم من الآثام والاهواء لان النبي (ص) قرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن الطبيعي أن اي انحراف منهم عن الدين يعتبر افتراقا عن الكتاب العزيز، وقد صرح (ص) بعدم افتراقهما حتى يردا عليه الحوض فدلالته على العصمة ظاهرة جليه لا خفاء فيها، كما أكد النبي (ص) في هذا الحديث على أمته أن لا تتقدم عليهم، وأن تسلم إليهم قيادتها لئلا تهلك في مجال هذه الحياة والبحث عن معطيات هذا الحديث الشريف يستدعي وضع كتاب خاص فيه، وقد عرض جماعة من العلماء بصورة موضوعية وشاملة للبحث عنه (3). 7 - روى أبو سعيد الخدري، قال: سمعت النبي (ص) يقول: " إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له... " (4).


(1) فيض القدير 3 / 14. (2) الصواعق (ص 136). (3) يراجع في ذلك المراجعات (ص 49 - 52) الاصول العامة للفقه المقارن (ص 164 - 187). (4) مجمع الزوائد 9 / 168، ورواه الحاكم في مستدركه 2 / 43 = (*)

[ 82 ]

وفي هذا الحديث دعوة خلافة وملزمة إلى التسمك بالعترة الطاهرة فانه ضمان لنجاة الامة وسلامتها، كما ان في البعد عنها غواية وهلاكا، يقول الامام شرف الدين في بيان هذا الحديث. " وأنت تعلم أن المراد من تشبيههم عليه السلام بسفينة نوح أن من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم نجا من عذاب النار ومن تخلف عنهم كان كمن آوى " يوم الطوفان " إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أن ذاك غرق في الماء، وهذا في الحميم - والعياذ بالله - والوجه في تشبيههم (ع) بباب حطة هو ان الله تعالى جعل ذلك الباب مظهرا من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سببا للمغفرة هذا وجه الشبه، وقد حاوله ابن حجر إذ قال: - بعد أن أورد هذه الاحاديث وغيرها من أمثالها -. " ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة شرفهم وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان إلى أن قال: " وباب حطة - يعني ووجه تشبيههم بباب حطة - ان الله جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سببا للمغفرة، وجعل


= عن حنش عن أبي ذر، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه 2 / 19 بسنده عن أنس بن مالك، ورواه أبو نعيم في الحلية 4 / 306 بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه المتقى في كنز العمال بسنده عن ابن الزبير وابن عباس، ورواه المحب الطبري في ذخائر العقبى (ص 20) بسنده عن علي، ورواه الطبراني في كتابيه الاصغر والاوسط عن أبي سعيد الخدري. (*)

[ 83 ]

لهذه الامة مودة أهل البيت سببا لها... " (1). واستدل المتكلمون من الشيعة بهذا الحديث على حصر الامامة في أهل البيت (ع) لان النبي (ص) جعلهم كسفينة نوح تميزا لهم عن غيرهم فالرجوع إليهم سبب للنجاة والتخلف عنهم سبب للضلالة والهلاك. 8 - قال رسول الله (ص): معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب " (2). 9 - قال صلى الله عليه وآله: " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، إلا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، الا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، إلا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، إلا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان، إلا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، إلا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، إلا ومن مات على حب آل محمد فتح في قبره بابان إلى الجنة، إلا ومن مات على حب آل محمد جعل قبره مزار ملائكة الرحمة، إلا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله... " (3). لقد دعا الرسول (ص) إلى موالاة عترته، وأن نكن لهم في اعماق


(1) المراجعات (ص 54). (2) المراجعات (ص 54). (3) المراجعات (ص 59) نقله عن الثعلبي في تفسير آية المودة من تفسير الكبير. (*)

[ 84 ]

نفوسنا أصدق آيات الحب والولاء، وأن يكون ذلك مستمرا حتى آخر لحظة من حياتنا. 10 - قال (ص): " اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين " (1) 11 - قال (ص): " لا تزول قدما عبد - يوم القيامة - حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه، ومن أين اكتسبه، وعن محبتنا أهل البيت " (2). 12 - قال (ص): " من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه، وليعتد بأهل بيتي من بعدي فانهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي " (3). 13 - قال علي (ع) أخبرني رسول الله (ص)، إن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت يا رسول الله فمحبونا قال: من ورائكم (4). 14 - روى أبو سعيد الخدري أن النبي (ص) دخل على فاطمة عليها السلام، قفال: إني إياك وهذا النائم - يعني عليا، وهما - يعني الحسن والحسين - لفي مكان واحد يوم القيامة (5).


(1) المراجعات (ص 58) نقله عن الشرف المؤبد (ص 58). (2) المراجعات نقله عن السيوطي في احياء الميت والنبهاني في أربعينه (3) كنز العمال 6 / 217. (4) مستدرك الحاكم 3 / 151. (5) مستدرك الحاكم 3 / 137. (*)

[ 85 ]

هذه بعض الاحاديث التي أثرت عن النبي (ص) في فضل عترته والمتأمل فيها يطل على الغاية التي ينشدها (ص) وهي جعل القيادة الاسلامية بيد أئمة أهل البيت (ع) الذين آثروا طاعة الله على كل شئ حتى لا تزيغ الامة في مسيرتها عن طريق الهدى والصلاح، ولا تنحرف عن سلوكها عما أمر الله به وتشيع في أوساطها العدالة والحق، وينسد الطريق أمام القوى الباغية من أن تنزو على منابر الحكم والخلافة الاسلامية. الطائفة الثانية: وحفلت مصادر السيرة النبوية والاحاديث بحشد كبير من الاخبار التي أثرت عن النبي (ص) في حق السبطين (ع) ومدى أهميتهما ومقامهما الكريم عنده ونعرض فيما يلي لبعضها: 1 - روى أبو أيوب قال: دخلت على رسول الله (ص) والحسن والحسين عليهما السلام يلعبان بين يديه (أو في حجره) فقلت: يا رسول الله أتحبهما ؟ فقال: وكيف لا أحبهما ! ! وهما ريحانتاي من الدنيا في مواطن عديدة ونشير إلى بعضها: أ - روى سعيد بن راشد قال: جاء الحسن والحسين (ع) يسعيان إلى رسول الله (ص) فأخذ أحدهما فضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فضمه


(1) مجمع 9 / 181، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 2 / 189 مع تغيير يسير، مختصر صفة الصفوة (ص 62) تاريخ ابن عساكر 13 / 39. (*)

[ 86 ]

إلى إبطه الاخرى وقال: هذان ريحانتاي من الدنيا من حبني فليحبهما (1). ب - قال سعد بن مالك: دخلت على النبي (ص) والحسن والحسين يلعبان على ظهره فقلت: يا رسول الله أتحبهما ؟ فقال: وما لي لا أحبهما وانهما ريحانتاي من الدنيا ؟ (2). ج - روى أنس بن مالك قال: دخلت (أو ربما دخلت) على رسول الله (ص) والحسن والحسين يتقلبان على بطنه، ويقول: ريحانتي من هذه الامة (3). د - روى أبو بكرة قال: كان الحسن والحسين عليهما السلام يثبان على ظهر رسول الله (ص) في الصلاة فيمسكهما بيده حتى يرفع صلبه، ويقومان على الارض، فلما فرغ أجلسهما في حجره ثم قال: إن ابني هذين ريحانتاي من الدنيا (4). ه‍ - روى جابر أن رسول الله (ص) قال لعلي بن أبي طالب (ع): سلام عليك يا أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتي من الدنيا خيرا فعن قليل ينهد ركناك، والله خليفتي عليك، قال فلما قبض النبي (ص) قال علي عليه السلام: هذا أحد الركنين اللذين قال النبي (ص)، فلما ماتت فاطمة (ع)، قال علي: هذا الرجن الآخر الذي قال النبي (ص) (5). و - روى البخاري بسنده عن ابن أبي نعم قال: كنت شاهدا


(1) ذخائر العقبى (ص 124). (2) كنز العمال 7 / 110. (3) خصائص النسائي (ص 37) وفي مسند الامام زيد (ص 469) الولد ريحانة، وريحانتي الحسن والحسين. (4) كنز العمال 7 / 109. (5) حلية الاولياء 3 / 201. (*)

[ 87 ]

لابن عمرو وسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت ؟ فقال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي (ص) وسمعت النبي (ص) يقول: هما ريحانتاي من الدنيا (1). 2 - روى انس بن مالك قال: سئل رسول الله (ص) أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال (ص) الحسن والحسين، وكان يقول لفاطمة: ادعي ابني فيشمهما ويضمهما إليه (2). 3 - روى ابن عباس قال: بينا نحن ذات يوم مع النبي (ص) إذ أقبلت فاطمة (ع) تبكي فقال لها رسول الله (ص): فداك أبوك، ما يبكيك ؟ قالت: إن الحسن والحسين خرجا، ولا أدري أين باتا، فقال لها رسول (ص): لا تبكين فإن خالقهما ألطف بهما مني ومنك، ثم رفع يديه، فقال: اللهم احفظهما وسلمهما، فهبط جبرئيل، وقال: يا محمد لا تحزم فانهما في حظيرة بني النجار نائمان، وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما، فقام النبي ومعه أصحابه حتى أتى الحظيرة فإذا الحسن والحسين (ع) معتنقان نائمان، وإذا الملك الموكل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما يظلهما، فأكب النبي يقبلهما حتى انتبها من نومهما، ثم جعل الحسن على عاتقه الايمن، والحسين على عاتقه الايسر، فتلقاه أبو بكر، وقال: يا رسول الله ناولني أحد الصبيين أحمله عنك، فقال (ص): نعم المطي مطيهما ونعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما حتى أتى المسجد فقام رسول الله (ص) على قدميه، وهما على عاتقيه، ثم قال:


(1) صحيح البخاري كتاب الادب، فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3 / 183. (2) صحيح الترمذي 2 / 306، فيض القدير 1 / 148. (*)

[ 88 ]

" معاشر المسلمين، ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة ؟ ". فقالوا: بلى يا رسول الله. قال (ص): الحسن والحسين جدهما رسول الله (ص) خاتم المرسلين، وجدتهما خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة. ثم قال (ص): ألا أدلكم على خير الناس عما وعمة ؟ ! ! قالوا: بلى يا رسول الله. قال (ص): الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب. ثم قال (ص): أيها الناس، ألا أدلكم على خير الناس خالا وخالة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله وخالتهما زينت بنت رسول الله. ثم قال صلى الله عليه وآله: اللهم، انك تعلم أن الحسن والحسين في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة، ومن أبغضهما في النار (1). وهذا الحديث الشريف دل بوضوح على مدى حبه صلى الله عليه وآله لسبطيه، وأنهما أحب أهل بيته إليه، كما أنهما أفضل الناس نسبا وحسبا وأن من أحبهما ينزل معهم مقاما كريما في الفردوس. 4 - روى عمر قال: رأيت الحسن والحسين (ع) على عاتقي النبي صلى الله عليه وآله: فقلت: نعم الفرس تحتكما، فقال النبي صلى الله عليهه وآله: ونعم الفارسان هما (2) وبهذا المضمون روى جابر


(1) ذخائر العقبى (ص 130) (2) مجمع الزوائد 9 / 182، كنز العمال 7 / 108. (*)

[ 89 ]

قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله: والحسن والحسين على ظهره وهو يقول: " نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان انتما " (1) وقد نظم ذلك السيد الحميري بقوله: أتى حسنا والحسين الرسول * وقد برزا ضحوة يلعبان فضمهما وتفداهما * وكانا لديهه بذاك المكان ومرا وتحتهما عاتقاه * فنعم المطية والراكبان 5 - روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة... " (2). 6 - روى سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبني، ومن أحبني


(1) كنز العمال 7 / 108، مجمع الزوائد 9 / 182. (2) صحيح الترمذي 2 / 306، مختصر صفة الصفوة (ص 62) مسند أحمد بن حنبل 3 / 62، حلية الاولياء 5 / 71، تاريخ بغداد 9 / 231، ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 167 بسنده عن ابن عمر قال صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما " وبهذا النص ورد في مسند الامام زيد: وفي الاصابة 1 / 266 روى جهم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: " إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني وفي الجامع الكبير للسيوطي عن ابن عساكر بسنده عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أتاني ملك فسلم علي نزل من السماء لم ينزل قبلها فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.. " (*)

[ 90 ]

أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار... " (1). 7 - كان النبي صلى الله عليه وآله: يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران وهما يمشيان، ويعثران فنزل (ص) عن المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، وقال: صدق الله إذ يقول: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " لقد نظرت إلى هذين الصبيين وهما يمشيان، ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما... " (2). 8 - روى يعلي بن مرة قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى


(1) مستدرك الحاكم 3 / 166، وبتغيير يسير رواه الهيثمي في مجمعه 9 / 111، وكذلك رواه المتقي في كنز العمال 6 / 221، وفي سنن ابن ماجة عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (ص): " من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " وفي تهذيب التهذيب في ترجمة نصر بن علي الازدي روى علي بن الصواف عن عبد الله بن أحمد أن نصرا حدث أن رسول الله (ص) أخذ بيد حسن وحسين فقال: " من أحبني وأحب هذين وأباهما كان معي في درجتي يوم القيامة " فلما سمع ذلك المتوكل أمر بضربه الف سوط، فكلمه فيه جعفر ابن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه. (2) صحيح الترمذي 2 / 306، صحيح النسائي 1 / 201، مستدرك الحاكم 1 / 287، صحيح أبي داود 6 / 110، مسند أحمد بن حنبل 5 / 354، سنن البيهقي 3 / 218، أسد الغابة 2 / 12، كنز العمال 7 / 168، سنن النسائي 3 / 108. (*)

[ 91 ]

رسول الله فضمهما وقال: " ان الولد مبخلة مجبنة... " (1). 9 - قال صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين سبطان (2) من الاسباط... " (3). 10 - روى أنس أن النبي (ص) قال: " أحب أهل بيتي إلي الحسن والحسين... " (4). 11 - روى أنس قال سئل النبي (ص) أي أهل بيتك أحب اليك ؟ قال: " الحسن والحسين " وكان يقول لفاطمة: ادعي لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه... " (5). 12 - قال صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين امامان إن قاما وإن قعدا... " (6).


(1) مستدرك الحاكم 3 / 168، مسند أحمد بن حنبل 4 / 172، ومعنى الحديث أن الولد يحمل أباه على البخل والجبن. (2) السبطان: تثنية سبط، وفي لسان العرب 9 / 181 أن السبط أمة من الامم في الخير. (3) كنز العمال 6 / 221، الصواعق المحرقة (ص 114)، الادب المفرد، وفي صبح الاعشى 1 / 430 ان الحسن والحسين (ع) أول من سميا بالسبطين في الاسلام. (4) صحيح الترمذي. (5) تيسير الوصول لابن الديبغ 3 / 376. (6) بحار الانوار 1078، وفي نزهة المجالس 2 / 184 ان رسول الله (ص) قال للحسن والحسين: " أنتما الامامان ولامكما الشفاعة " وورد هذا الحديث في الاتحاف بحب الاشراف (ص 129).

[ 92 ]

لقد أضفى النبي (ص) على ريحانتيه حلة الامامة، وجعلها من ذاتياتهما سواء أقاما بالامر، وتقلدا شؤون الخلافة أم لا. الولاء العميق وذكر الرواة بوادر كثيرة تدل على مدى تعلق النبي (ص) بسبطيه وشدة حبه لهما، وفيما يلي بعضها: 1 - إنه كان إذا غاب عنه الحسن والحسين اشتد شوقه إليهما، وأمر بمن يدعوهما إليه فيأخذهما، ويشمهما، ويضمهما إلى صدره (1). 2 - قال عبد الله بن جعفر: كان رسول الله (ص) إذا قفل من سفر تلقى بي أو بالحسن أو بالحسين (2). (3) وبلغ من حبه (ص) لسبطيه أنه قبل بيعتهما له ضمن الثلاثة الصغار الذين بايعوه من أهل البيت، هما مع ابن عمهما عبد الله بن جعفر ولم يبايع صغيرا قط إلا هم (3). 4 - وكان (ص) يحملهما على دابته فيجعل أحدهما قدامه والآخر خلفه... (4). 5 - وبلغ من حنانه (ص) وعطفه على سبطيه أنه كان يصلي العشاء فإذا سجد وثبا على ظهر، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رقيقا فيضعهما


(1) صحيح الترمذي. (2) سنن الدارمي 2 / 285. (3) العقد الفريد 2 / 243. (4) صحيح مسلم 5 / 191. (*)

[ 93 ]

على الارض فإذا عاد، عادا حتى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه... (1) لقد أولى النبي (ص) سبطيه رعايته ومحبته ليري المسلمين مدى مكانتهما عنده حتى تخفض لهما جناح المودة، وتقلدهما قيادتها الروحية والزمنية ليسيرا بها إلى مدارج الحياة الكريمة التي يجد فيها الانسان جميع ما يصبوا إليه. الطائفة الثالثة: وتواترت الاخبار التي أثرت عن النبي صلى الله عليه وآله: في فضل ريحانته الامام الحسين (ع) وهي تحدد معالم شخصيته، كما تحمل جانبا كبيرا من اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله به، وفيما يلي بعضها: 1 - روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسين ابن علي... " (2). 2 - روى أبو هريرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حامل الحسين بن علي، وهو يقول: " اللهم اني أحبه فاحبه " (3) 3 - روى يعلى بن مرة قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله إلى طعام دعونا له، فإذا حسين يلعب بالسكة فتقدم النبي صلى الله عليه وآله وبسط يديهه فجعل الغلام يفر ها هنا، وها هنا ويضاحكه النبي (ص)


(1) مسند الامام أحمد. (2) تاريخ ابن عساكر 13 / 50، من مخطوطات مكتبة الامام أمير المؤمنين، سير أعلام النبلاء 3 / 190. (3) مستدرك الحاكم 3 / 177، وفي نور الابصار (ص 129) لفظ الحديث " اللهم إني أحبه واحب كل من يحبه ". (*)

[ 94 ]

حتى أخذه فجعل احدى يديه تحت ذقنه والاخرى في فأس رأسه (1) فقبله وقال: " حسين منى وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الاسباط... " (2). ودلل النبي صلى الله عليه وآله بهذا الحديث الشريف على مدى الصلة العميقة التي بينه وبين وليده، وأكبر الظن أنه صلى الله عليه وآله لم يعن بقوله: " حسين مني " الرابطة النسبية التي بينه وبينه، وإنما عنى أمرا آخر هو أدق وأعمق فالحسين منه لانه يحمل روحه وهديه، ويحمل اتجاهاته العظيمة الهادفة إلى اصلاح الانسان ورفع مستواه، وتطوير وسائل حياته على أساس الايمان بالله الذي يحمل جميع مفاهيم الخير والسلام في الارض، كما عنى صلى الله عليه وآله بقوله: " وأنا من حسين " أن ما يبذله السبط العظيم من التضحية والفداء في سبيل الدين، وما تؤديه تضحيته من الفعاليات الهائلة في تجديد رسالة الاسلام، وجعلها نابضة بالحياة على ممر الاجيال الصاعدة فكان النبي صلى الله عليه وآله بذلك حقا من الامام الحسين فهو المجدد لدينه، والمنقذ له من شر تلك الطغمة الحاكمة التي جهدت على محو الاسلام من خريطة هذا الكون، واعادة مفاهيم الجاهلية وخرافاتها على مسرح الحياة، وقد نسف الامام بنهضته أحلام الامويين، وأعاد للاسلام نضارته وحياته، ورفع رايته عالية خفاقة في جميع الاجيال.


(1) وفي رواية " فوضع احدى يديه تحت قفاه، والاخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه وهو يقول حسين منى... الخ. (2) سنن ابن ماجة 1 / 51، مسند أحمد بن حنبل 4 / 172، أسد الغابة 2 / 19، تهذيب الكمال (ص 71)، تيسير الوصول 3 / 276 مستدرك الحاكم 3 / 177، أنساب الاشراف ج 1 ق 1.

[ 95 ]

كما دلل صلى الله عليه وآله على عظمة حفيده بأن أضفى عليه كلمة السبط، وأراد بها أنه أمة من الامم بذاته، ومستقل بنفسه، فهو أمة من الامم في الخير وأمة من الشرف في جميع الاجيال والآباد. 5 - روى الصحابي العظيم سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يلثم فاه، ويقول: " أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأبو الائمة وأنت حجة الله، وابن جته، وأبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم " (1). 6 - قال النبي (ص): " هذا - يعني الحسين - إمام ابن إمام أخو إمام، أبو أئمة تسعة... (2). 7 - روى أبو العباس قال: كنت عند النبي (ص) وعلى فخذه الايسر ابنه ابراهيم، وعلى فخذه الايمن الحسين بن علي، والنبى تارة يقبل هذا وأخرى يقبل هذا، إذا هبط عليه جبرئيل بوحي من رب العالمين، فلما سرى عنه قال: أتاني جبرئيل من ربي فقال لي: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: لست أجمعها لك، فافد أحدهما بصاحبه، فنظر النبي إلى ابراهيم فبكى، ثم قال: إن ابراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري، وأم الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمي، وحزنت أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل يقبض ابراهيم، فديت الحسين بابراهيم، وقبض ابراهيم بعد ثلاث، فكان النبي (ص) إذا رأى الحسين مقبلا قبله، وضمه إلى صدره، ورشف ثتاياه، وقال: فديت من فديته بابني ابراهيم " (3)


(1) المراجعات (ص 228). (2) منهاج السنة 4 / 210. (3) تاريخ بغداد 2 / 204. (*)

[ 96 ]

8 - روى ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله حامل الحسين على عاتقه، فقال له رجل: " نعم المركب ركبت يا غلام ! ! ". فأجابه الرسول صلى الله عليه وآله: " ونعم الراكب هو... " (1). 9 - روى يزيد بن أبي زياد قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكي، فالتاع (ص) من ذلك فقال لفاطمة: " ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني... " (2). 10 - روى عبد الله بن شداد عن أبيه قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدة أطالها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليه، فسألناه عن ذلك، فقال: " كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجله حتى يقضي حاجته... " (3). هذه بعض الاخبار التي أثرت عن النبي صلى الله عليه وآله في ريحانته وهي أوسمة شرف ومجد قلده بها، اشعارا منه بأن ظله، وحقيقته ستمثل في هذا الطفل، وسيكون صورة فذة لانسانيته العليا، وأسراره العظمى.


(1) التاج الجامع للاصول 3 / 218. (2) مجمع الزوائد 9 / 201، سير أعلام النبلاء 3 / 191، المعجم الكبير للطبراني، ذخائر العقبى (ص 143). (3) تهذيب التهذيب 2 / 346، تيسير الوصول إلى جامع الاصول 3 / 285، سنن النسائي. (*)

[ 97 ]

اخبار النبي بمقتله: وأحاط النبي صلى الله عليه وآله أصحابه علما بمقتل ريحانته وسبطه، وأذاع ذلك بين المسلمين، حتى بات عندهم من الامور المتيقنة التي لم يخالجهم فيها أدنى شك، يقول ابن عباس: " ما كنا نشك، وأهل البيت متوافرون أن الحسين بن علي يقتل بالطف " (1). وقد بكى النبي (ص) أمر البكاء وأفجعه - في غير موطن - على ما سيحل بريحانته من الخطوب والكوارث التي تذوب منها القلوب، وفيما يلي عرضا لتلك الاخبار. 1 - روت أم الفضل بنت الحارث قالت: كان الحسين في حجري فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد حملت معي الحسنين، فوضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله تهريقان من الدموع فقلت له: " - يا نبي الله - بأبي أنت وأمي - ما لك ؟ ! ! - أتاني جبرائيل فأخبرني أن أمتى ستقل ابني هذا. وذرعت أم الفضل، فانبرت تقول: - تقتل هذا - وأشارت إلى الحسين - ؟ - نعم، وأتاني جبرئيل بتربة من تربته حمراء (2).


(1) مستدرك الحاكم 3 / 179. (2) مستدرك الحاكم 3 / 176، وفي رواية ابن عساكر 13 / 62 عن ام الفضل قالت: إن النبي (ص) دخل علي يوما وحسين معي فأخذه وجعل يلاعبه ساعة ثم ذرفت عيناه، فقلت له: ما يبكيك ؟ فقال: هذا جبرئيل يخبرني ان امتي تقتل ابني هذا. (*)

[ 98 ]

وغرقت ام الفضل بالبكاء وهامت في تيارات مذهلة من الاسى والحزن 2 - روت السيدة أم سلمة قالت: إن رسول الله (ص) اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو خاثر (1)، ثم اضطجع فاستيقظ وهو خاثر دون ما رأيت به المرة الاولى، ثم اضطجع فاستيقظ، وفي يده تربة حمراء وهو يقبلها فقلت له: - ما هذه التربة يا رسول الله ؟ - أخبرني جبرئيل إن هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض العراق فقلت لجبرئيل: أرني تربة الارض التي يقتل بها، فهذه تربته (2). 3 - وروت أم سلمة قالت: كان النبي (ص) جالسا ذات يوم في بيتي، فقال: لا يدخلن علي أحد، فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج النبي، فإذا الحسين في حجره " أو إلى جنبه " يمسح رأسه وهو يبكي فقلت له: " والله ما علمت حتى دخل ". فقال لي: إن جبرئيل كان معنا في البيت، فقال: أتحبه ؟ فقلت: نعم، فقال: إن امتك ستقتله بأرض يقال لها كربلا، فتناول جبرئيل من ترابها، فأراه النبي (3). 4 - روت عائشة قالت: دخل الحسين بن علي على رسول الله (ص) وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله، وهو منكب، فقال جبرئيل: أتحبه يا محمد ؟ قال: وما لي لا أحب ابني ؟ قال: فان امتك ستقتله


(1) الخاثر: المضطرب. (2) مستدرك الحاكم 4 / 398، كنز العمال 7 / 106، سير اعلام النبلاء 3 / 15، ذخائر العقبى (ص 148). (3) كنز العمال 7 / 106، المعجم الكبير للطبراني. (*)

[ 99 ]

من بعدك، فمد جبرئيل فأتاه بتربة بيضاء فقال: في هذه الارض يقتل ابنك هذا، واسمها الطف، فلما ذهب جبرئيل من عند رسول الله (ص) والتربة في يده وهو يبكي فقال: " يا عائشة إن جبرئيل أخبرني أن ابني حسينا مقتول في أرض الطف وان امتي ستفتن بعدي ". ثم خرج إلى أصحابه وفيهم علي وأبو بكر، وعمر، وحذيفة، وعمار وأبو ذر، وهو يبكى فبادروا إليه قائلين: " ما يبكيك يا رسول الله ؟ ! ! ". " أخبرني جبرئيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني ان فيها مضجعه " (1). 5 - روت زينب بنت جحش زوج النبي (ص) قالت: كان النبي نائما عندي، وحسين يحبو في البيت، فغفلت عنه حتى أتى النبي فصعد على بطنه، ثم قام النبي يصلي، واحتضنه فكان إذا ركع وسجد وضعه وإذا قام حمله، فلما جلس جعل يدعو، ويرفع يديه ويقول... فلما قضى الصلاة قلت له: " يا رسول الله لقد رأيتك تصنع اليوم شيئا ما رأيتك تصنعه ؟ " فقال: " إن جبرئيل أتاني فأخبرني أن ابني يقتل، قلت: فارني إذا فأتاني بتربة حمراء " (2). 6 - روى ابن عباس قال: كان الحسين في حجر النبي (ص)


(1) مجمع الزوائد 9 / 187، وفي تهذيب الكمال (ص 71) ان النبي (ص) أخذ التربة التي جاء بها جبرئيل فجعل يشمها ويقول: " ويح كرب وبلاء ". (2) مجمع الزوائد 9 / 189. (*)

[ 100 ]

فقال جبرئيل: أتحبه ؟ فقال: كيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي ؟ ! ! فقال: إن امتك ستقتله، ألا اريك من موضع قبره ؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء (1). 7 - روى ابو امامة قال: قال رسول الله (ص) لنسائه: لا تبكوا هذا الصبي - يعني حسينا - قال وكان يوم ام سلمة فنزل جبرئيل فدخل رسول الله (ص) الداخل، وقال لام سلمة لا تدعي احدا يدخل علي فجاء الحسين فلما نظر إلى النبي في البيت اراد ان يدخل فأخذته ام سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه، وتسكنه، فلما اشتد في البكاء خلت عنه، فدخل حتى جلس في حجر النبي (ص)، فال جبرئيل للنبي: - إن امتك ستقتل ابنك هذا. - يقتلونه وهم مؤمنون بي ؟ ! ! - نعم يقتلونه. وتناول جبرئيل تربة، فقال له: بمكان كذا وكذا يقتل، فخرج رسول الله (ص) قد احتضن حسينا وهو كاسف البال مغموم فظنت أم سلمة أنه غضب من دخول الصبي عليه، فقالت: " يا نبي الله جعلت لك الفداء أنك قد قلت لا تبكوا هذا الصبي، وأمرتني أن لا أدع أحدا يدخل عليك فجاء فخليت عنه فلم يجبها النبي بشئ، وخرج إلى أصحابه، وهو غارق في الهم والاسى فقال لهم: " إن أمتي يقتلون هذا - وأشار الحسين - ". فانبرى إليه أبو بكر وعمر فقالا له: " يا نبي الله وهم مؤمنون ؟ ! ! " (2).


(1) مجمع الزوائد 9 / 191. (2) مؤمنون: أي مسلمين. (*)

[ 101 ]

" نعم وهذه تربته... " (1). 8 - روى أنس بن الحارث عن النبي (ص) أنه قال: " إن ابني (ص) أنه قال: " إن ابني هذا - وأشار إلى الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلا، فمن شهد ذلك منكم فلينصره. ولما خرج الحسين إلى كربلا خرج معه أنس، وأستشهد بين يديه (2). 9 - روت أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي في بيتي فنزل جبرئيل فقال يا محمد: إن امتك تقتل ابنك هذا من بعدك - وأشار إلى الحسين - فبكى رسول الله (ص) وضمه إلى صدره وكان بيده تربة فجعل يشمها وهو يقول: " ويح كرب وبلاء " وناولها أم سلمة فقال لها: " إذا تحولت هذه التربة دما، فاعلمي ان ابني قد قتل ". فجعلتها أم سلمة في قارورة، وجعلت تتعاهدها كل يوم وهي تقول: " إن يوما تتحولين دما ليوم عظيم... " (3). 10 - رأى النبي (ص) في منامه كأن كلبا أبقع يلغ في دمه، فأوله بان رجلا يقتل ولده الحسين، فكان شمر بن ذي الجوشن الابرص هو الذي قتل الامام (4). 11 - روت أم سلمة قالت: قال رسول الله (ص): " يقتل الحسين بن علي على رأس ستين من مهاجرتي " (5).


(1) مجمع الزوائد 9 / 189. (2) تاريخ ابن الوردي 1 / 173 - 174. (3) المعجم الكبير للطبراني في ترجمة الامام الحسين. (4) تاريخ الخميس 2 / 334. (5) المعجم الكبير للطبراني. (*)

[ 102 ]

12 - روى معاذ بن جبل قال: خرج علينا رسول الله (ص) فقال: " أنا محمد أوتيت فواتح الكلام وخواتمه، فاطيعوني مادمت بين أظهركم فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله عزوجل أحلوا حلاله، وحرموا حرامه أتتكم الموتة... أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، كلما ذهب رسل جاءت رسل، تناسخت النبوة، فصارت ملكا، رحم الله من أخذها بحقها وخرج منها كما دخلها، امسك يا معاذ، واحص، قال معاذ: فأحصيت خمسة - يعني من الخلفاء - فقال النبي (ص): " يزيد، لا بارك الله في يزيد... ". ثم ذرفت عيناه بالدموع، فقال (ص): " نعي إلي الحسين، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم أشرارهم، وألبسهم شيعا... ". ثم قال (ص): " وآها لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف يقتل خلفي وخلف الخلف. امسك يا معاذ، فلما بلغت عشرة - أي عشرة اشخاص من الذين يتولون الحكم من بعده - قال: الوليد (1) اسم فرعون هادم شرايع الاسلام يبوء بدمه رجل من أهل بيته يسل الله سيفه فلا غماد له، واختلف الناس


(1) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الملك الفاسق الذي انتهك جميع حرمات الله، أراد الحج لشرب الخمر فوق ظهر الكعبة، وهو أشد على هذههه الامة من فرعون على قومه، كما في الحديث، وهو الذي رشق المصحف بالسهام، وقد نقم عليه المسلمون لما اظهره من الالحاد والبدع والاستهتار بالفسق، وقد ثاروا عليه وقتلوه، جاء ذلك في تاريخ الخلفاء (ص 250 - 252). (*)

[ 103 ]

وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه، ثم قال: بعد العشرين ومائة موت سريع، وقتل ذريع، ففيه هلاكهم، ويلي عليهم رجل من ولد العباس (1) لقد استشف النبي (ص) من وراء الغيب ما تمنى به امته من بعده من الكوارث والفتن من جراء ما يحدث فيما بينها من الصراع الرهيب على الحكم، حتى يؤل أمر المسلمين، واذلالهم، كما أخبر بما سيجري على سبطه من القتل والتنكيل من يزيد بن معاوية، وأخبره (ص) عن زوال الحكم الاموي، وانتقاله إلى بني العباس، وعما تعانيه الامة في تلك الفترات العصبية من القتل والجور والظلم، وقد تحقق جميع ذلك على مسرح الحياة كما أخبر الصادق الامين. 13 - روى ابن عباس قال: لما أتت على الحسين سنتان من مولده خرج النبي (ص) في سفر له، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع، ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك ؟ فقال: هذا يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يقال لها كربلا، يقتل بها ولدي الحسين بن فاطمة، فانبرى إليه نفر من أصحابه فقالوا له: " من يقتله يا رسول الله ؟ ! ". فاندفع يجيبهم بنبرات متقطعة حزينة قائلا: " رجل يقال له يزيد لا بارك الله في نفسه، وكأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها، وقد أهدى برأسه، والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلا خالف الله بين قلبه ولسانه... ". ولما قفل النبي من سفره كان مغموما، فصعد المنبر ووعظ المسلمين وقد حمل حفيديه وريحانتيه، فرفع رأسه صوب السماء وقال:


(1) المعجم الكبير للطبراني في ترجمة الامام الحسين، مجمع الزوائد 9 / 190. (*)

[ 104 ]

" اللهم إني محمد عبدك ونبيك، وهذا أطايب عترتي، وخيار ذريتي، وأرومتي، ومن أخلفهم في أمتي.. اللهم وقد أخبرني جبريل بأن ولدي هذا - وأشار إلى الحسين - مقتول مخذول، اللهم فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهداء، انك على كل شئ قدير، اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله... ". وانقلبت ساحة الجامع إلى صرخة مدوية من البكاء والعويل، فقال لهم النبي: " أتبكون، ولا تنصرونه ؟ اللهم فكن أنت وليا وناصرا ! ! ". قال ابن عباس: وبقي النبي متغير اللون محمر الوجه، فصعد المنبر مرة أخرى وخطب الناس خطبة بليغة موجزة، وعيناه تهملان دموعا، ثم قال: " أيها الناس: إني قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأرومتي ومراح مماتي (1) وثمرتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وأني لا أسألكم في ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم المودة في القربى، فانظروا أن لا تلقوني غدا على الحوض، وقد ابغضتم عترتي. ألا وأنه سيرد علي في القيامة ثلاث رايات من هذه الامة راية سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة فتقف علي، فأقول: من انتم ؟ فينسون ذكري، ويقولون: نحن من أهل التوحيد من العرب، فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم، فيقولون نحن من أمتك يا أحمد: فأقول لهم كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربي ؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا ومزقنا، وأما عترتك فحرصنا على أن يندهم (2) من جديد الارض


(1) هكذا في الاصل والصحيح (ومزاج مائي). (2) هكذا في الاصل والصحيح على أن نبيدهم. (*)

[ 105 ]

فاولي عنهم وجهي فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم ثم ترد علي راية أخرى أشد سوادا من الاولى، فأقول لهم: من أنتم ؟ فيقولون كما تقول الاولى: إنهم من أهل التوحيد نحن من امتك، فأقول لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الاصغر والاكبر في كتاب الله وفي عترتي ؟ فيقولون: أما الاكبر فخالفنا، وأما الاصغر فخذلنا، ومزقناهم كل ممزق فأقول اليكم عني: فيصدرون ظماء عطاشا مسودة وجوههم، ثم ترد علي راية أخرى تلمع نورا فأقول لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن كلمة التوحيد، نحن أمة محمد، ونحن بقية أهل الحق الذي حملنا كتاب ربنا فأحللنا حلاله، وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرية نبينا محمد (ص) فنصرناهم بما نصرنا أنفسنا، وقاتلنا معهم، وقاتلنا من ناواهم فأقول لهم: ابشروا فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم، ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين، إلا وان جبرئيل قد اخبرني بان امتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء الا فلعنة الله على قاتهل وخاذله إلى آخر الدهر... ". ثم نزل عن المنبر ولم يبق أحد من المهاجرين والانصار الا واستيقن ان الحسين مقتول (1). هذه بعض الاخبار التي أعلن بها النبي (ص) عن مقتل سبطه وريحانته ويلمس فيها ذوب روحه أسى وحزنا عليه، وقد تأكد المسلمون من هذه الاخبار. بقتل الامام ولم يخالجهم فيه أدنى شك، كما آمن بها الحسين (ع) وأعلن ذلك في كثير من المواقف التي سنعرض لها في غضون هذا الكتاب.


(1) الفتوح 4 / 216 - 219. (*)

[ 106 ]

احتفاء الصحابة بالحسين: واحتفت الصحابة بالامام الحسين احتفاء بالغا، وقابلوه بمزيد من التكريم والتعظيم، وأحلوه محل جده العظيم (ص) وقد وجدوا فيه ما يرومونه من العلم والتقوى والحريجة في الدين، ويقول المؤرخون: إنه كان يحنو عليهم ويحدب على ضعفائهم، ويشاركهم في البأساء والضراء، ويصفح عن مسيئهم ويتعهد جميع شؤونهم كما كان يصنع معهم جده الاعظم صلى الله عليه وآله. وتسابق أعلام الصحابة ووجوههم للقيام بخدمته وخدمة أخيهه الزكي الامام أبي محمد الحسن (ع) وكانوا يرون أن أية خدمة تسدى لهما فإنما هي شرف ومجد لمن يقوم بها، فهذا عبد الله بن عباس حبر الامة على جلالة قدره وعظيم مكانته بين المسلمين كان إذا أراد الحسن والحسين أن يركبا بادر فامسك لهما الركاب، وسوى عليهما الثياب معتزا بذلك، وقد لامه على ذلك مدرك بن زياد أو ابن عمارة، فزجره ابن عباس وقال له: " يا لكع أو تدري من هذان ؟ هذان ابنا رسول الله (ص) أو ليس مما أنعم الله به علي أن أمسك لهما الركاب، وأسوي عليهما الثياب ؟ " (1). وبلغ من تعظيم المسلمين، وتكريمهم لهما أنهما لما كان يفدان إلى بيت الله الحرام ماشين يترجل الركب الذي يجتازان عليه تعظيما لهما، حتى شق المشي على كثير من الحجاج فكلموا أحد أعلام الصحابة، وطلبوا منه أن يعرض عليهما الركوب أو التنكب عن الطريق، فعرض عليهما ذلك


(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 212، مناقب ابن شهر اشوب 2 / 143. (*)

[ 107 ]

فقالا لا نركب ولكن نتنكب عن الطريق، وسلكا طريقا آخر. وكانا إذا طافا بالبيت الحرام يكاد الناس أن يحطموهما من كثرة السلام عليهما، والتبرك بزيارتهما (1). ومن الوان ذلك التقدير ان الامام الحسين (ع) اجتاز في مسجد جده على جماعة فيهم عبد الله بن عمرو بن العاص فسلم عليهم فردوا عليه السلام فانبرى إليه عبد الله فرد عليه السلام بصوت عال، وأقبل على القوم فقال لهم: " ألا أخبركم بأحب أهل الارض إلى أهل السماء ؟ ". " بلى ". " هذا الماشي - وأشار إلى الحسين - ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين ولئن يرضى عني أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم... ". وانبرى إليه أبو سعيد الخدري، فقال: ألا تعتذر إليه ؟ فاجابه إلى ذلك: وخفا إلى بيت الامام، فاستأذنا منه فأذن لهما، ولما استقر بهما المجلس أقبل الامام على عبد الله فقال له: " أعلمت يا عبد الله أني أحب أهل الارض إلى أهل السماء ؟ ". فأسرع عبد الله مجيبا: " أي ورب الكعبة ". " ما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفين، فوالله لابي كان خيرا مني ؟ ! " وألقى عبد الله معاذيره قائلا: " أجل ولكن عمرو - يعني أباه - شكاني إلى رسول الله (ص)


(1) البداية والنهاية 8 / 37. (*)

[ 108 ]

قال له: إن عبد الله يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال رسول الله (ص): " صل ونم، وصم، وافطر، واطع عمروا " فلما كان يوم صفين أقسم علي فخرجت أما والله ما اخترطت سيفا، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، وما زال يتلطف بالامام حتى رضي عنه (1)، وقد كان عذره في طاعة أبيه في محاربة الامام أمير المؤمنين (ع) لا يحمل طابعا من المشروعية فان طاعة الابوين لا تشرع في معصية الله حسب ما جاء في القرآن. وعلى أي حال فقد كان الامام الحسين موضع عناية المسلمين واجلالهم ويقول المؤرخون: إنه حضر تشييع جنازة فسارع أبو هريرة فجعل ينفض بثوبه التراب والغبار عن قدمه (2) وقد أوصى المقداد بن الاسود صاحب رسول الله (ص) وأحد السابقين الاولين للاسلام أن تدفع للحسين ستة وثلاثون الفا من تركته بعد وفاته (3). لقد رأت الصحابة أن الامام الحسين عليه السلام هو بقية الله في أرضه والمثل الاعلى لجده، فأولته المزيد من حبها وتقديرها، وراحت تتسابق للتشرف بخدمته وزيارته.


(1) أسد الغابة 2 / 34، كنز العمال 6 / 86، مجمع الزوائد 9 / 186. (2) سير أعلام النبلاء 3 / 193، وفي كفاية الطالب (ص 425) عن أبي المهزام قال: كنا في جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة فجيئ بجنازة رجل فجعلها بين المرأة فصلى عليهما، فلما أقبلنا أعيى الحسين فقعد في الطريق فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه فقال الحسين: أتفعل هذا ؟ فقال أبو هريرة: دعني منك فوالله لو علم الناس منك ما اعلم لحملوك على رقابهم. (3) سير اعلام النبلاء 1 / 280. (*)

[ 109 ]

لمحاب من مثل الامام الحسين عليه السلام

[ 111 ]

وتجسدت في شخصية أبي الاحرار جميع القيم الانسانية، والمثل العليا والتقت به عناصر النبوة والامامة، فكان بحكم مثله وتهذيبه فذا من أفذاذ التكامل الانساني، ومثلا رائعا من أمثله الرسالة الاسلامية، فهو - بحق - الاطروحة الخالدة للاسلام بجميع طاقاته ومقوماته. إن أية صفة من صفات أبي الشهداء أو نزعة من نزعاته الكريمة لترفعه عاليا على جميع عظماء العالم، وتدفع إلى القول - بلا مغالاة - أنه نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشرية على الاطلاق ما عدا جده وأبيه، ونعرض - بإيجاز - إلى بعض خصائصه وذاتياته. امامته: الامام الحسين أحد الكواكب المشرقة من أئمة أهل البيت (ع) الذين استكملت فيهم الصفات الانسانية، وبلغوا ذروة الكمال المطلق، وأقاموا منار هذا الدين، ورفعوا شعار الحق والعدل في الارض، وتبنوا القضايا المصيرية للاسلام، وعانوا في سبيله جميع الوان الكوارث والخطوب، ولاقوا كل جهد وضيق من جبابرة عصورهم الذين اتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا. وقد نظر النبي (ص) - وهو يوحي إليه - من خلال الاحقاب المترامية إلى الائمة الطاهرين من أهل بيته فعرفهم باسمائهم وصفاتهم، ودلل بنصوصه العامة والخاصة على أنهم خلفاؤه وأوصياؤه، وانهم سفن النجاة وأمن العباد وقرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد المعنا إلى الكثير من تلكم النصوص في البحوث

[ 112 ]

السابقة فلم تعد هنا ضرورة لذكرها، كما أنا بحثنا بصورة موضوعية وشاملة عن الامامة وضرورتها، وواجبات الامام وصفاته في كتابنا (حياة الامام الحسن) فلا حاجة لاعادة البحث هنا. مظاهر شخصيته: أما الظاهر الفذة التي اتصفت بها شخصية أبي الاحرار، وكانت من عناصره ومقوماته فهي: 1 - قوة الارادة: من النزعات الذاتية لابي الشهداء (ع) قوة الارادة، وصلابة العزم والتصميم، وقد ورث هذه الظاهرهة الكريمة من جده الرسول (ص) الذي غير التاريخ، وقلب مفاهيم الحياة، ووقف صامدا وحده أمام القوى الهائلة التي هبت لتمنعه من أن يقول كلمة الله، فلم يعن بها وراح يقول لعمه أبي طالب مؤمن قريش: " والله لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بيساري على أن أترك هذا الامر ما تركته حتى أموت أو يظهره الله... ". بهذا الارادة الجبارة قابل قوى الشرك، واستطاع أن يتغلب على مجريات الاحداث، وكذلك وقف سبطه العظيم في وجه الحكم الاموي فاعلن بلا تردد رفضه لبيعة يزيد، وانطلق مع قلة الناصر إلى ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق، ويدحض كلمة الباطل، وقد حشدت عليه الدولة

[ 113 ]

الاموية جيوشها الهائلة، فلم يحفل بها، واعلن عن عزمه وتصميمه بكلمته الخالدة قائلا: " لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما... ". وانطلق مع الاسرة الكريمة من أهل بيته وأصحابه إلى ميدان الشرف والمجد ليرفع راية الاسلام، ويحقق للامة الاسلامية اعظم الانتصارات والفتح حتى استشهد سلام الله عليه، وهو من أقوى الناس ارادة، وامضاهم عزيمة وتصميما. غير حافل بما عاناه من الكوارث التي تذهل العقول وتحير الالباب. 2 - الاباء عن الضيم: والصفة البارزة من نزعات الامام الحسين (ع) الاباء عن الضيم حتى لقب (بأبي الضيم) وهي من أعظم القابه ذيوعا وانتشارا بين الناس فقد كان المثل الاعلى لهذه الظاهرة فهو الذي رفع شعار الكرامة الانسانية ورسم طريق الشرف والعزة، فلم يخنع، ولم يخضع لقرود بني أمية، وآثر الموت تحت ظلال الاسنة، يقول عبد العزيز بن نباتة السعدي: والحسين الذي رأى الموت في الع‍ * - ز حياة والعيش في الذل قتلا ووصفه المؤرخ الشهير اليعقوبي بأنه شديد العزة (1) يقول ابن أبي الحديد: " سيد أهل الاباء الذي علم الناس الحمية، والموت تحت ظلال السيوف اختيارا على الدنية أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) عرض عليه الامان هو وأصحابه فأنف من الذل، وخاف ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله، فاختار الموت على ذلك. وسمعت النقيب


(1) تاريخ العقوبي 2 / 293. (*)

[ 114 ]

أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول: كأن أبيان أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين: وقد كان فوت الموت سهلا فرده * إليه الحفاظ المر والخلق الوعر ونفس تعاف الضيم حتى كأنه * هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر فأثبت في مستنقع الموت رجله * وقال لها: من دون أخصمك الحشر تردى ثياب الموت حمرا فما بدا * لها الليل إلا وهي من سندس خضر (1) لقد علم أبو الأحرار الناس نبل الاباء ونبل التضحية يقول فيه مصعب ابن الزبير: " واختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة " (2) ثم تمثل: وإن الالى بالطف من آل هاشم * تآسوا فسنوا للكرام التآسيا وقدكات كلماته يوم الطف من أروع ما أثر من الكلام العربي في تصوير العزة والمنعة والاعتداد بالنفس يقول: " ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام... ". ووقف يوم الطف كالجبل الاشم غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة من جيوش الردة الاموية، وقد ألقى عليهم وعلى الاجيال أروع الدروس عن الكرامة وعزة النفس وشرف الاباء قائلا: " والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد إني عذت بربي وربكم أن ترجمون... " وألقت هذه الكلمات المشرقة الاضواء على مدى ما يحمله الامام العظيم


(1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 302. (2) تاريخ الطبري 6 / 273. (*)

[ 115 ]

من الكرامة التي التي لا حد لابعادها، والتي هي من أروع ما حفل به تاريخ الاسلام من صور البطولات الخالدة في جميع الآباد. وتسابق شعراء أهل البيت (ع) إلى تصوير هذ الظاهرة الكريمة فكان ما نظموه في ذلك من أثمن ما دونته مصادر الادب العربي وقد عنى السيد حيدر الحلي إلى تصوير ذلك في كثير من روائعه الخالدة التي رثى بها جده الحسين يقول: طمعت أن تسومه القوم ضيما * وأبى الله والحسام الصنيع كيف يلوي على الدنية جيدا * لسوى الله ما لواه الخضوع ولديه جأش أرد من الدرع * لضمأى القنا وهن شروع وبه يرجع الحفاظ لصدر * ضاقت الارض وهي فيه تضيع فأبى أن يعيش إلا عزيزا * أو تجلى الكفاح وهو صريع (1) ولم تصور منعة النفس وإباؤها بمثل هذا التصوير الرائع، فقد عرض حيدر إلى ما صممت عليه الدولة الاموية من ارغام الامام الحسين (ع) على الذل والهوان، واخضاعه لجورهم واستبدادهم، ولكن يأبى له الله ذلك وتأبى له نفسه العظيمة التي ورثت عز النبوة أن يقر على الضيم، فانه سلام الله عليه لم يلو جيده خاضعا لاي أحد إلا لله، فكيف يخضع لاقزام بني امية ؟ ! وكيف يلويه سلطانهم عن عزمه الجبار الذي هو أرد من الدرع للقنا الضامئة، وما أروع قوله: وبه يرجع الحفاظ لصدر * ضاقت الارض وهي فيه تضيع وهل هناك أبلغ أو أدق وصفا لاباء الامام الحسين وعزته من هذا الوصف، فقد أرجع جميع طاقات الحفاظ والذمام لصدر الامام (ع) التى ضاقت الارض من صلابة عزمه وتصميمه، بل أنها على سعتها تضيع فيه


(1) ديوان سيد حيدر (ص 87).

[ 116 ]

ومن الحق انه قد حلق في وصفه لاباء الامام، ويضاف لذلك جمال اللفظ فليس في هذا الشعر كلمة غريبة أو حرف ينبو على السمع. وانظر إلى هذه الابيات من رائعته الاخرى التي يصف بها اباء الحسين يقول: لقد مات لكن ميتة هاشمية * لهم عرفت تحت القنا المتقصد كريم أبى شم الدنية أنفه * فأشممه شوك الوشيج المسدد وقال: قفي يا نفس وقفه وارد * حياض الردى لا وقفة المتردد رأى أن ظهر الذل أخشن مركبا * من الموت حيث الموت منه بمرصد فآثر أن يسعى على جمرة الوغى * برجل ولا يعطى المقادة عن يد (1) لا أكاد أعرف شعرا أدق، ولا أعذب من هذا الشعر فهو يمثل أصدق تمثيل منعة الامام العظيم وعزة نفسه التي آثرت الموت تحت ظلال الاسنة على العيش الرغيد بذل وخنوع، ناهجا بذلك منهج الشهداء من أسرته الذين تسابقوا إلى ساحات النضال، واندفعوا بشوق إلى ميادين التضحية والفداء لينعموا بالكرامة والعزة. ومضى حيدر في تصويره لاباء الامام الشهيد فوصفه بأنه أبى شم الدنية والضيم، وعمد إلى شم الرماح والسيوف لان بها طعام الاباء وطعم الشرف والمجد... وعلى هذا الغرار من الوصف الرائع يمضي حيدر في تصويره لمنعة الامام، تلك المنعة التي ملكت مشاعره وعواطفه كما ملكت عواطف غيره، ومن المقطوع به أنه لم يكن متكلفا بذلك، ولا منتحلا وانما وصف الواقع وصفا صادقا لا تكلف فيه. ويقول حيدر: في رائعة أخرى يصف بها اباء الامام وسمو ذاته،


(1) ديوان السيد حيدر (ص 71). (*)

[ 117 ]

ولعلها من أجمل ما رثى به الامام (ع) يقول: وسامته يركب احدى اثنتين * وقد صرت الحرب أسنانها فإما يرى مذعنا أو تموت * نفس أبى العز اذعانها فقا لهم: اعتصمي بالاباء * فنفس الابي وما زانها إذا لم تجد غير لبس الهوان * فبالموت تنزع جثمانها رأى القتل صبرا شعار الكرام * وفخرا يزين لها شأنها فشمر للحرب في معرك * به عرك الموت فرسانها (1). إن مرائي حيدر للامام تعد - بحق - طغراء مشرقا في تراث الامة العربية، فقد فكر فيها تفكيرا جادا ورتب أجزاءها ترتيبا دقيقا حتى جاءت بهذه الروعة، وكان - فيما يقول معاصروه - ينظم في كل حول قصيدة خاصة في الامام (ع) ويعكف طيلة عامه على اصلاحها، ويمعن امعانا دقيقا في كل كلمة من كلماتها حتى جاءت بمنتهى الروعة والابداع. (*) 3 - الشجاعة: ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع، ولا أربط جأشا، ولا أقوى جنانا من الامام الحسين (ع) فقد وقف يوم الطف موقفا حير فيه الالباب، وأذهل فيه العقول، وأخذت الاجيال تتحدث باعجاب واكبار عن بسالته، وصلابة عزمه، وقدم الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الارض. وقد بهر أعداؤه الجبناء بقوة بأسه، فانه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه، وكان يزداد انطلاقا وبشرا كلما ازاداد


(1) ديوان السيد حيدر. (*)

[ 118 ]

الموقف بلاء ومحنة، فانه بعد ما فقد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره وكان عدده - فيما يقول الرواة - ثلاثين الفا، فحمل عليهم وحده وقد ملك الخوف والرعب قلوبهم فكانوا ينهزمون أمامه كالمعزي إذا شد عليها الذئب - على حد تعبير الرواة - وبقي صامدا كالجبل يتلقى الطعنات من كل جانب، ولم يوه له ركن، وإنما مضى في أمره استبسالا واستخفافا بالمنية يقول السيد حيدر: فتلقى الجموع فردا ولكن * كل عضو في الروع منهه جموع رمحه من بنانه وكأن من * عزمه حد سيفه مطبوع زوج السيف بالنفوس ولكن * مهرها الموت والخضاب النجيع ويقول في رائعة أخرى: ركين وللارض تحت الكماة * رجيف يزلزل ثهلانها أقر على الارض من ظهرها * إذا ململ الرعب أقرانها تزيد الطلاقة في وجهه * إذا غير الخوف الوانها ولما سقط أبي الضيم على الارض جريحا وقد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش بأسره من الاجهاز عليه رعبا وخوفا منه، يقول السيد حيدر: عفيرا متى عاينته الكماة * يختطف الرعب الوانها فما أجلت الحرب عن مثله * صريعا يجبن شجعانها وتغذى أهل بيته وأصحابه بهذ الروح العظيمة فتسابقوا إلى الموت بشوق واخلاص لم يختلج في قلوبهم رعب ولا خوف، وقد شهد لهم عدوهم بالبسالة ورباطة الجأش فقد قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد ويحك أقتلتم ذرية رسول الله (ص) ؟ فاندفع قائلا: " عضضت بالجندل، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالاسود الضارية، تحطم

[ 119 ]

الفرسان يمينا وشمالا، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الامان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، والاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لاتت على نفوس العسكر بحذافيره، فما كنا فاعلين لا أم لك... " (1). ووصف بعض الشعراء هذه البسالة النادرة بقوله: فلو وقفت صم الجبال مكانهم * لمادت على سهل ودكت على وعر فمن قائم يستعرض النبل وجه * ومن مقدم يرمي الاسنة بالصدر وما أروع قول السيد حيدر: دكوا رباها ثم قالوا: لها * وقد جثوا نحن مكان الربا لقد تحدى أبو الأحرار ببسالته النادرة الطبيعة البشرية فسخر من الموت وهزأ من الحياة، وقد قال لاصحابه حينما مطرت عليه سهام الاعداء: " قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه، فان هذه السهام رسل القوم اليكم... ". لقد دعا أصحابه إلى الموت كأنما هو يدعوهم إلى مأدبه لذيذة، ولقد كانت لذيذة عنده حقا، لانه هو ينازل الباطل ويرتسم له برهان ربه الذي هو مبدؤه (2). 4 - الصراحة: من صفات ابي الاحرار الصراحة في القول، والصراحة في السلوك ففي جميع فترات حياته لم يوارب ولم يخادع، ولم يسلك طريقا فيه أي


(1) شرح نهج البلاغة 3 / 263. (2) الامام الحسين (ص 101). (*)

[ 120 ]

التواء، وإنما سلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي، وابتعد عن المنعطفات التي لا يقرها دينه وخلقه، وكان من الوان ذلك السلوك النير أن الوليد حاكم يثرب دعاه في غلس الليل، وأحاطه علما بهلاك معاوية، وطلب منه البيعة ليزيد مكتفيا بها في جنح الظلام، فامتنع (ع) وصارحه بالواقع قائلا: " يا أمير إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد فاسق فاجر، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله... ". وكشف هذه الكلمات عن مدى صراحته، وسمو ذاته، وقوة العارضة عنده في سبيل الحق. ومن الوان تلك الصراحة التي اعتادها وصارت من ذاتياته أنه لما خرج إلى العراق وافاه النبأ المؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم ابن عقيل، وخذلان أهل الكوفة، فقال للذين اتبعوه طلبا للعافية لا للحق: " قد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه ذمام... ". فتفرق عنه ذوو الاطماع، وبقى مع الصفوة من أهل بيته (1) لقد تجنب (ع) في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها إلى الناصر الاغراء والخداع مؤمنا ان ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربها والمؤمنة بعدالة قضيتها. ومن الوان تلك الصراحة أنه جمع أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرم، فأحاطهم علما بأنه يقتل في غد، ويقتل جميع من كان معه صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة وبينة من أمرهم، وأمرهم بالتفرق


(1) أنساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 121 ]

في سواد ذلك الليل، فأبت تلك الاسرة العظيمة مفارقته، وأصرت على الشهادة بين يديه. تدول الدول، وتزول المالك، وهذه الاخلاق الرفيعة أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن حي لانها تمثل القيم العليا التي لا كرامة للانسان بدونها. 5 - الصلاة في الحق: أما الصلاة في الحق فهي من مقومات أبي الشهداء ومن أبرز ذاتياته فقد شق الطريق في صعوبة مذهلة لاقامة الحق، ودك حصون الباطل، وتدمير خلايا الجور. لقد تبنى الامام (ع) الحق بجميع رحابه ومفاهيمه، واندفع إلى ساحات النضال ليقيم الحق في ربوع الوطن الاسلامي، وينقذ الامة من التيارات العنيفة التي خلقت في أجوائها قواعد للباطل، وخلايا للظلم، وأوكارا للطغيان تركتها تتردى في مجاهل سحيقة من هذ الحياة رأى الامام (ع) الامة قد غمرتها الاباطيل والاضاليل، ولم يعد ماثلا في حياتها أي مفهوم من مفاهيم الحق، فانبرى (ع) إلى ميادين التضحية والفداء ليرفع راية الحق: وقد أعلن (ع) هذا الهدف المشرق في خطابه الذي ألقاه أمام أصحابه قائلا: " ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله... ". لقد كان الحق من العناصر الوضائة في شخصية أبي الاحرار، وقد استشف النبي (ص) فيه هذه الظاهرة الكريمة فكان - فيما يقول المؤرخون -

[ 122 ]

يرشف دوما تغره الكريم ذلك الثغر الذي قال كلمة الله وفجر ينابيع العدل والحق في الارض. 6 - الصبر: من النزعات الفذة التي تفرد بها سيد الشهداء الصبر على نوائب الدنيا ومحن الايام، فقد تجرع مرارة الصبر منذ أن كان طفلا، فرزئ بجده وامه، وشاهد الاحداث الرهيبة التي جرت على أبيه، وما عاناه من المحن والخطوب، وتجرع مرارة الصبر في عهد أخيه، وهو ينظر إلى خذلان جيشه له، وغدرهم به، حتى ارغم على الصلح، وبقي معه يشاركه في محنه وآلامه، حتى اغتاله معاوية بالسم، ورام أن يوارى جثمانه بجوار جده فمنعته بنو امية فكان ذلك من أشق المحن عليه. ومن أعظم الرزايا التي صبر عليها أنه كان يرى انتقاض مبادئ الاسلام، وما يوضع على لسان جده من الاحاديث المنكرة التي تغير وتبدل شريعة اللهه، ومن الدواهي التي عاناها أنه كان يسمع سب أبيه وانتقاضه على كل هذه الرزايا والمصائب. وتواكبت عليه المحن الشاقة التي تميد بالصبر في يوم العاشر من المحرم فلم يكد ينتهي من محنة حتى تطوف به مجموعة من الرزايا والام، فكان يقف على الكواكب المشرقة من أبنائه وأهل بيته، وقد تناهبت السيوف والرماح أشلاءهم فيخاطبهم بكل طمأنينة وثبات: " صبرا يا أهل بيتي، صبرا يا بني عمومتي، لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم ".

[ 123 ]

وقد بصر شقيقته عقيلة بني هاشم، وقد أذهلها الخطب، ومزق الاسى قلبها، فسارع إليها، وأمرها بالخلود إلى الصبر والرضا بما قسم الله. ومن أهوال تلك الكوارث التي صبر الامام عليها أنه كان يرى أطفاله وعياله، وهم يضجون من ألم الظمأ القاتل، ويستغيثون به من أليم العطش فكان يأمرهم بالصبر والاستقامة، ويخبرهم بالعاقبة المشرقة التي يؤل إليها أمرهم بعد هذه المحن الحازبة. وقد صبر على ملاقاة الاعداء الذين ملئت الارض جموعهم المتدفقة، وهو وحده يتلقى الضرب والطعن من جميع الجهات، قد تفتت كبده من العطش وهو غير حافل بذلك كله. لقد كان صبره وموقفه الصلب يوم الطف من أندر ما عرفته الانسانية يقول الاربلي: " شجاعة الحسين يضرب بها المثل، وصبره في الحرب أعجز الاوائل والاواخر " (1). إن أي واحدة من رزاياه لو ابتلى بها أي انسان مهما تدرع بالصبر والعزم وقوة النفس لاوهنت قواه واستسلم للضعف النفسي، ولكنه (ع) لم يعن بما ابتلي به في سبيل الغاية الشريفة التي سمت بروحه أن تستسلم للجزع أو تضرع للخطوب، يقول المؤرخون: إنه تفرد بهذه الظاهرة، فلم توه عزمه الاحداث مهما كانت، وقد توفى له ولد في حياته فلم ير عليه أثر للكآبه فقيل له في ذلك فقال (ع): " إنا أهل بيت نسأل الله فيعطينا، فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا " (2)


(1) كشف الغمة. (2) الاصابة 2 / 222. (*)

[ 124 ]

لقد رضى بقضاء الله واستسلم لامره، وهذا هو جوهر الاسلام ومنتهى الايمان. 7 - الحلم: أما الحلم فهو من أسمى صفات أبي شهداء (ع) ومن أبرز خصائصه فقد كان - فيما أجمع عليه الرواة - لا يقابل مسيئا باسائته، ولا مذنبا بذنبه، وإنما كان يغدق عليهم ببره ومعروفه شأنه في ذلك شأن جده الرسول (ص) الذي وسع الناس جميعا باخلاقه وفضائله، وقد عرف بهذه الظاهرة وشاعت عنه، وقد استغلها بعض مواليه فكان يعمد إلى اقتراف الاسائة إليه لينعم بصلته واحسانه، ويقول المؤرخون: إن بعض مواليه قد جنى عليه جناية توجب التأديب فأمر (ع) بتأديبه، فانبرى العبد قائلا: " يا مولاي، إن الله تعالى يقول: " الكاظمين الغيظ ". فقابله الامام ببسماته الفياضة وقال له: " خلوا عنه، فقد كظمت غيظي... ". وسارع العبد قائلا: " والعافين عن الناس ". " قد عفوت عنك... ". وانبرى العبد يطلب المزيد من الاحسان قائلا: " والله يحب المحسنين ". " أنت حر لوجه الله... ". ثم أمر له بجائزة سنية (1) تغنيه عن الحاجة ومسألة الناس.


(1) الحسين 1 / 117. (*)

[ 125 ]

لقد كان هذا الخلق العظيم من مقوماته التي لم تنفك عنه، وظلت ملازمة له طوال حياته. 8 - التواضع: وجبل الامام الحسين (ع) على التواضع ومجافاة الانانية والكبرياء، وقد ورث هذه الظاهرة من جده الرسول (ص) الذي أقام اصول الفضائل ومعالي الاخلاق في الارض، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من سمو أخلاقه وتواضعهه نلمع إلى بعضها: 1 - انه اجتاز على مساكين يأكلون في (الصفة) فدعوه إلى الغداء فنزل عن راحلته، وتغذى معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، فلبوا كلامه وخفوا معه إلى منزله، فقال (ع) لزوجه الرباب: اخرجي ما كنت تتدخرين، فاخرجت ما عندها من نقود فناولها لهم (1). 2 - مر على فقراء يأكلون كسرا من أموال الصدقة، فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم، فجلس معهم، وقال: لولا انه صدقة لاكلت معهم ثم دعاهم إلى منزله، فاطعمهم، وكساهم، وأمر لهم بدراهم (2). لقد اقتدى (ع) في ذلك بجده الرسول (ص) وسار على هديه فقد كان - فيما يقول المؤرخون - يخالط الفقراء ويجالسهم، ويفيض عليهم ببره واحسانه، حتى لا يتبيغ بالفقير فقره، ولا يبطر الغنى ثراؤه. 3 - وجرت مشادة بين الحسين وأخيه محمد بن الحنفية، فانصرف محمد إلى داره وكتب إليه رسالة جاء فيها " أما بعد: فان لك شرفا


(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 54. (2) اعيان الشيعة 4 / 110. (*)

[ 126 ]

لا أبلغه، وفضلا لا أدركه، أبونا علي لا أفضلك فيه ولا تفضلني، وأمي أمرأة من بني حنيفة، وأمك فاطمة بنت رسول الله (ص) ولو كان ملء الارض مثل أمي ما وفين بأمك، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر الي، وترضيني، واياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني... ". ولما قرأ الحسين رسالة أخيه سارع إليه وترضاه (1) وكان ذلك من معالي أخلاقه وسمو ذاته. 9 - الرافة والعطف: ومن صفات أبي الاحرار أنه كان شديد الرأفة بالناس يمد يده لكل ذي حاجة، ويسعف كل ذي لهفة، ويجير كل من استجار به، وقد فزع مروان إليه والى أخيه وهو من ألد أعدائهم، بعد فشل واقعة الجمل، وطلب منهما أن يشفعا له عند أبيهما، فخفا إليه وكلماه في شأنه وقالا له: " يبايعك يا أمير المؤمنين ". فقال (ع): " أولم يبايعني قبل قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته انها كف يهودية، لو بايعني بيده لغدر بسبابته، أما أن له امرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الاربعة، وستلقى الامة من ولده يوما أحمر ". وما زالا يلطفان به حتى عفا عنه، إلا أن هذا الوغد قد تنكر لهذا المعروف وقابل السبطين بكل ما يملك من وسائل الشر والمكروه، فهو الذي منع جنازة الامام الحسن أن تدفن بجواز جده، وهو الذي أشار على


(1) نهاية الارب 3 / 260، الف باء 1 / 467. (*)

[ 127 ]

الوليد بقتل الامام الحسين إن امتنع من البيعة ليزيد، كما اظهر السرور والفرح بمقتل الامام (ع) وحسب مروان أنه من تلك الشجرة التي لم تثمر إلا الخبيث الدنس وما يضر الناس. ومن ألوان تلك الصور الخالدة لعطف الامام ورأفته بالناس أنه لما استقبله الحر بجيشه البالغ ألف فارس، وكان قد أرسل لمناجزته وقتاله فرأه الامام وقد أشرف على الهلاك من شدة العطش فلم تدعه أريحيته ولا سمو ذاته أن لا يقوم بانقاذهم، فأمر (ع) غلمانه وأهل بيته أن يسقوا القوم عن آخرهم، ويسقوا خيولهم فسقوهم عن آخرهم، وكان فيهم علي بن الطعان المحاربي الذي اشتد به العطش فلم يدر كيف يشرب فقام (ع) بنفسه فسقاه، وكانت هذههه البادرة من أروع ما سجل في قاموس الانسانية من الشرف والنيل. 10 - الجود والسخاء: من مزايا الامام أبي الاحرار (ع) الجود والسخاء فقد كان ملاذا للفقراء والمحرومين، وملجأ لمن جارت عليه الايام، وكان يثلج قلوب الوافدين إليه بهباته وعطاياه يقول كمال الدين بن طلحة: " وقد اشتهر النقل عنه أنه كان يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل الرحم، ويسعف السائل، ويكسوا العاري، ويشبع الجائع، ويعطي الغارم ويشد من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويغنى ذا الحاجة، وقل أن وصله مال إلا فرقه، وهذه سجية الجواد وشنشنه الكريم، وسمة ذي السماحة، وصفة من قد حوى مكارم الاخلاق، فأفعالهه المتلوة شاهدة له

[ 128 ]

بصنعه الكرم، ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم... " (1). ويقول المؤرخون إنه كان يحمل في دجى الليل السهم الجراب يملؤه طعاما ونقودا إلى منازل الارامل واليتامى والمساكين حتى أثر ذلك في ظهره (2) وكان يحمل إليه المتاع الكثير فلا يقوم حتى يهب عامته، وقد عرف معاوية فيه هذه الظاهرة فأرسل إليه بهدايا والطاف كما أرسل إلى غيره من شخصيات يثرب وأخذ يحدث جلساءه بما يفعله كل واحد منهم بتلك الالطاف فقال في الحسين: " أما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين فان بقي شئ نحر به الجزور وسقى به اللبن... ". وبعث رقيبا يرى ما يفعله القوم فكان كما أخبر فقال معاوية: " أنا ابن هند، أنا أعلم بقريش من قريش " (3). وعلى أي حال فقد نقل المؤرخون بوادر كثيرة من جود الامام وسخائه نلمع إلى بعضها: 1 - مع اسامة بن زيد. ومرض اسامة بن زيد مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه الامام عائدا فلما استقر به المجلس قال أسامة: - واغماه. - ما غمك ؟. - ديني وهو ستون الفا. - هو علي.


(1) مطالب السؤول (ص 73). (2) ريحانة الرسول (ص 71). (3) عيون الاخبار 3 / 40. (*)

[ 129 ]

- أخشى أن أموت قبل أن يقضى. - لن تموت حتى أقضيها عنك. وبادر الامام (ع) فقضاها عنه قبل موته (1) وقد غض طرفه عن اسامة فقد كان من المتخلفين عن بيعة أبيه، فلم يجازيه بالمثل وإنما أغدق عليه بالاحسان. 2 - مع جارية له: روى أنس قال: كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحانة فحيته بها، فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، وبهر أنس فانصرف يقول: - جارية تجيئك بطاقة ريحان، فتعتقها ؟ ! ! - كذا أدبنا الله، قال تبارك وتعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها "، وكان أحسن منها عتقها (2) وبهذا السخاء والخلق الرفيع ملك قلوب المسلمين وهاموا بحبه وولائه. 3 - مع غارم: كان الامام الحسين (ع) جالسا في مسجد جده الرسول (ص) وذلك بعد وفاة أخيه الحسن (ع)، وكان عبد الله بن الزبير جالسا في ناحية منه كما كان عتبة بن أبي سفيان جالسا في ناحية أخرى منه، فجاء اعرابي على ناقة فعقلها ودخل المسجد فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلم عليه فرد عليه السلام، فقال له الاعرابي: " اني قتلت ابن عم لي، وطولبت بالدية فهل لك أن تعطيني شيئا ؟ ".


(1) أعيان الشيعة 4 / 104. (2) الفصول المهمة لابن الصباغ (ص 184). (*)

[ 130 ]

فرفع عتبة إليه رأسه وقال لغلامه: ادفع إليه مائة درهم، فقال له الاعرابي: " ما أريد إلا الدية تامة ". فلم يعن به عتبة، فانصرف الاعربي آيسا منه، فالتقى بابن الزبير فعرض عليه قصته، فأمر له بمائتي درهم فردها عليهه، وأقبل نحو الامام الحسين (ع) فرفع إليه حاجته، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لقضاء ديونك، وأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى وقال له: هذه تلم بها شعثك وتحسن بها حالك، وتنفق بها على عيالك، فاستولت على الاعرابي موجات من السرور واندفع يقول: طربت وما هاج لي معبق * ولا لي مقام ولا معشق ولكن طربت لآل الرسو * ل فلذ لي الشعر والمنطق هم الاكرمون الانجبون * نجوم السماء بهم تشرق سبقت الانام إلى المكرمات * وأنت الجواد فلا تلحق أبوك الذي ساد بالمكرمات * وأنت الجواد فلا تلحق أبوك الذي ساد بالمكرمات * فقصر عن سبقه السبق به فتح الله باب الرشاد * وباب الفساد بكم مغلق (1) 4 - مع اعرابي: وقصده اعرابي فسلم عليه وسأله حاجته، وقال: سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أربعة أما عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح، فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا أردتم أن تنظروا الي فانظروا إلى الحسن والحسين.


(1) عقد الآل في مناقب الآل للبحراني. (*)

[ 131 ]

فقال له الحسين (ع): ما حاجتك ؟ فكتبها الاعرابي على الارض، فقال له الحسين (ع): سمعت أبي عليا يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أجبت عن واحدة فلك ثلث ما عندي، وان أجبت عن اثنين فلك ثلثا ما عندي وان أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي، وقد حملت الي صرة من العراق الاعرابي: سل ولا حول ولا قوة إلا بالله. الامام الحسين: أي الاعمال أفضل ؟ - الايمان بالله. - ما نجاة العبد من الهلكة ؟ - الثقة بالله. - ما يزين المرء ؟ علم معه حلم. - فان أخطأه ذلك ؟ - مال معه كرم. - فان أخطأه ذلك. - فقر معه صبر. - فان أخطأه ذلك. - صاعقة تنزل من السماء فتحرقه. فضحك الامام ورمى إليه بالصرة (1). 5 - مع سائل: ووفد عليه سائل فقرع الباب وأنشاء يقول: لم يخب اليوم من رجاك ومن * حرك من خلف بابك الحلقه


(1) فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3 / 268. (*)

[ 132 ]

أنت ذو الجود أنت معدنه * أبوك قد كان قاتل الفسقه وكان الامام واقفا يصلي فخف من صلاته، وخرج إلى الاعرابي فرأى عليه أثر الفاقة، فرجع ونادى بقنبر فلما مثل عندهه قال له: ما تبقى من نفقتنا ؟ قال: مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك، فقال هاتها فقد أتى من هو أحق بها منهم، فاخذها ودفعها إلى الاعرابي معتذرا منه وهو ينشد هذههه الابيات: خذها فاني اليك معتذر * واعلم بأني عليك ذو شفقة لو كان في سيرنا عصاتمداذن * كانت سمانا عليك مندفقة لكن ريب المنون ذو نكد * والكف منا قليلة النفقة فاخذها الاعرابي شاكرا وداعيا له بالخير، وانبرى مادحا له: مطهرون نقيات جيوبهم * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا وأنتم أنتم الاعلون عندكم * علم الكتاب وما جاءت به السور من لم يكن علويا حين تنسبه * فما له في جميع الناس مفتخر (1). هذه بعض بوادر كرمه وسخائه وهي تكشف عن مدى تعاطفه وحنوه على الفقراء، وأنه لم يبغ أي مكسب سوى ابتغاء مرضاة الله والتماس الاجر في الدار الآخرة... وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعاته وصفاته التي بلغ بها ذروة الكمال المطلق، واحتل بها قلوب المسلمين فهاموا بحبه والولاء له. عبادته وتقواه: واتجه الامام الحسين (ع) بعواطفه ومشاعره نحو الله فقد تفاعلت


(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 323 - 324. (*)

[ 133 ]

جميع ذاتياته بحب الله والخوف منه، ويقول المؤرخون: إنه عمل كل ما يقر به إلى الله فكان كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير (1). ونعرض لبعض ما أثر عنه من عبادته واتجاهه نحو الله: أ - خوفه من الله كان الامام (ع) في طليعة العارفين بالله، وكان عظيم الخوف منه شديد الحذر من مخالفته حتى قال له بعض أصحابه: " ما أعظم خوفك من ربك ؟ ! ! " فقال (ع): " لا يأمن يوم القيامة الا من خاف الله في الدنيا... " (2). وكانت هذه سيرة المتقين الذين أضاؤا الطريق، وفتحوا آفاق المعرفة، ودللوا على خالق الكون وواهب الحياة. ب - كثرة صلاته وصومه: كان (ع) أكثر أوقاته مشغولا بالصلاة والصوم (3) وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة - كما حدث بذلك ولده زين العابدين - (4) وكان يختم القرآن الكريم في شهر رمضان (5) وتحدث ابن الزبير عن عبادة الامام فقال: " أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صومه " (6).


(1) تهذيب الاسماء 1 / 163. (2) اعيان الشيعة 4 / 104، ريحانة الرسول (ص 85). (3) تهذيب الاسماء 1 / 163، خطط المقريزي 2 / 285. (4) تاريخ اليعقوبي 2 / 219، تاريخ ابن الوردي 1 / 173. (5) سير اعلام النبلاء 3 / 193. (6) تاريخ الطبري 6 / 273. (*)

[ 134 ]

ج - حجه: كان الامام (ع) كثير الحج وقد حج خمسا وعشرين حجة ماشيا على قدميه (1) وكانت نجائبه تقاد بين يديه (2) وكان يمسك الركن الاسود ويناجي الله ويدعو قائلا: " إلهي أنعمتني فلم تجدني شاكرا، وابتليتني فلم تجدني صابرا، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر، ولا أدمت الشدة بترك الصبر، إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم... " (3). وخرج (ع) معتمرا لبيت الله فمرض في الطريق فبلغ ذلك أباه أمير المؤمنين (ع) وكان في يثرب فخرج في طلبه فأدركه في (السقيا) وهو مريض فقال له: " يا بني ما تشتكي ؟ ". " أشتكي رأسي ". فدعا أمير المؤمنين ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة، فلما أبل من مرضه قفل راجعا إلى مكة واعتمر (4) هذا بعض ما أثر من طاعته وعبادته.


(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 254، سير أعلام النبلاء 3 / 193 مجمع الزوائد 9 / 201، تهذيب الاسماء 1 / 163، مناقب ابن المغازلي رقم الحديث 64، مختصر صفوة الصفوة (ص 62). (2) صفوة الصفوة 1 / 321، طبقات الشعراني 1 / 23، تاريخ ابن عساكر 13 / 54. (3) الكواكب الدرية 1 / 58. (4) دعائم الاسلام 1 / 395. (*)

[ 135 ]

د - صدقاته: كان (ع) كثير البر والصدقة، وقد ورث أرضا وأشياء فتصدق بها قبل أن يقبضها (1) وكان يحمل الطعام في غلس الليل إلى مساكين أهل المدينة (2) لم يبتغ بذلك إلا الاجر من الله، والتقرب إليه، وقد المعنا - فيما سبق - إلى كثير من الوان بره واحسانه. مواهبه العلمية: ولم يدان الامام الحسين (ع) أحد في فضله وعلمه فقد فاق غيره بملكاته ومواهبه العلمية، وقد انتهل وهو في سنه المبكر من نمير علوم جده التي أضاءت آفاق هذا الكون، كما تتلمذ على يد أبيه الامام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبي (ص) وأعلم الامة، وأفقهها بشؤون الدين، وورد في الحديث " كان الحسن والحسين يغران العلم غرا " (3) وقال حبر الامة عبد الله بن عباس: " الحسن من بيت النبوة وهم ورثة العلم " (4). وقال بعض من ترجمه: " كان الحسن أفضل أهل زمانه في العلم والمعرفة بالكتاب والسنة " (5) ونعرض - بايجاز - لبعض شؤونه العلمية


(1) دعائم الاسلام 2 / 337. (2) تذكرة الخواص (ص 264). (3) النهاية لابن الاثير مادة: غر. (4) الثائر الاول في الاسلام (ص 10). (5) الكواكب الدرية 1 / 58. (*)

[ 136 ]

الرجوع إليه في الفتيا: كان الامام الحسين (ع) من مراجع الفتيا في العالم الاسلامي، وقد رجع إليه أكابر الصحابة في مسائل الدين، وكان ممن سأله عبد الله بن الزبير فقد استفتاه قائلا: " يا أبا عبد الله ما تقول في فكاك الاسير على من هو ؟ ". فأجابه (ع): " على القوم الذين أعانهم أو قاتل معهم... ". وسأله ثانيا " يا أبا عبد الله متى يجب عطاء الصبي ؟ ". فاجابه (ع): إذا استهل وجب له عطاؤه ورزقه ". وسأله ثالثا عن الشرب قائما ؟ فدعا (ع) بلقحة - أي ناقة - له فحلبت فشرب قائما، وناوله (1) قال ابن القيم الجوزي: " إن الباقي من الصحابة من رجال الفتيا هم أبو الدرداء وأبو عبيدة الجراح، والحسن والحسين " (2) لقد كان المسلمون يرجعون إليه في مسائل الحلال والحرام ويأخذون من أحكام الاسلام وآداب الشريعة كما كانوا يرجعون إلى أبيه. مجلسه: كان مجلسه مجلس علم ووقار قد ازدان بأهل العلم من الصحابة، وهم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الادب والحكمة، ويسجلون ما يروون عنه من أحاديث جده (ص) ويقول المؤرخون: إن الناس كانوا يجتمعون إليه


(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 2 / 283. (2) الاعلام.

[ 137 ]

ويحتفون به، وكأن على رؤوسهم الطير يسمعون منه العلم الواسع والحديث الصادق (1) وكان مجلسه في جامع جده رسول الله (ص) وله حلقة خاصة به، وسأل رجل من قريش معاوية أين يجد الحسين ؟ فقال له: " إذا دخلت مسجد رسول الله (ص) فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله " (2). ويقول العلائلي: " كان مجلسه مهوى الافئدة، ومتراوح الاملاك يشعر الجالس بين يديه أنه ليس في حضرة انسان من عمل الدنيا، وصنيعة الدنيا، تمتد اسبابها برهبته وجلاله وروعته، بل في حضرة طفاح بالسكينة كأن الملائكة تروح فيها، وتغدوا... " (3). لقد جذبت شخصية الامام، وسمو مكانته الروحية قلوب المسلمين ومشاعرهم فراحوا يتهافتون على مجلسه، ويستمعون لاحاديثه، وهم في منتهى الاجلال، والخضوع. من روى عنه: كان الامام (ع) من أعلام النهضة الفكرية والعلمية في عصره، وقد ساهم مساهمة ايجابية في نشر العلوم الاسلامية، واشاعة المعارف والآداب بين الناس، وقد انتهل من نمير علومه حشد كبير من الصحابة وابنائهم وهم: ولده الامام زين العابدين، وبنته فاطمة (4) وسكينة وحفيده


(1) الحقائق في الجوامع والفوارق (ص 105). (2) تاريخ ابن عساكر 4 / 222. (3) أشعة من حياة الحسين (93). (4) الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الاول (ص 55).

[ 138 ]

الامام أبو جعفر الباقر (ع) والشعبي، وعكرمة، وكرز التميمي، وسنان ابن أبي سنان الدوئلي، و عبد الله بن عمر، وابن عثمان والفرزدق (1) وابن أخيه زيد بن الحسن (2) وطلحة العقيلي وعبيد بن حنين (3) وأبو هريرة، وعبيدالله بن أبي يزيد، والمطلب بن عبيدالله بن خنطب، وأبو حازم الاشجعي، وشعيب بن خالد، ويوسف الصباغ، وأبو هشام (4) وغيرهم وقد الف احمد بن محمد بن سعيد الهمداني كتابا في أسماء من روى عن الحسن والحسين (5). لقد اتخذ الامام الجامع النبوي مدرسة له فكان به يلقي محاضراته في علم الفقه والتفسير، ورواية الحديث، وقواعد الاخلاق وآداب السلوك وكان المسلمون يفدون عليه من كل فج للانتهال من نمير علومه المستمدة من علوم النبي (ص) ومعارفه. رواياته عن جده: وروى الامام الحسين (ع) مجموعة كبيرة من الاحاديث عن جده الرسول (ص) وقد ذكر الزهري في كتاب (المغازي) أن البخاري روى عن الحسين أحاديث كثيرة، وفيها باب تحريض النبي (ص) على قيام الليل، كما روى عنه الترمذي في كتاب (الشمائل النبوية) أحاديث


(1) تهذيب التهذيب 2 / 345. (2) تاريخ ابن عساكر 4 / 311. (3) سير اعلام النبلاء 3 / 188. (4) تاريخ ابن عساكر 13 / 50. (*) (5) النجاشي (ص 73). (*)

[ 139 ]

كثيرة، وقد نقلها عنه سفيان بن وكيع (1) ونلمع إلى بعض رواياتههه عن جده: 1 - قال (ع): قال رسول الله (ص): " من حسن اسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه " (2). 2 - قال (ع): قال رسول الله (ص): " من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (3). 3 - قال (ع): سمعت رسول الله (ص) يقول: " ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة (أو قال تصيبه مصيبة) وان قدم عهدههها فيحدث لها استراجاعا إلا أحدث الله عنه ذلك، وأعطاه ثواب ما وعده عليها يوم أصيب بها " (4). 4 - قال (ع): سمعت النبي (ص) يقول: " إن الله يحب معالي الامور ويكره سفاسفها " (5). 5 - قال (ع): سمعت النبي (ص) يقول: " من يطع الله يرفعه، ومن يعص الله يضعه ومن يخلص نيته لله يزينه، ومن يثق بما عند الله يغنيه، ومن يتعزز على الله يذله " (6). 6 - قال (ع): كان رسول الله (ص) إذا استقى قال: " اللهم اسقنا سقيا واسعة وادعة عامة نافعة غير ضارة تعم بها حاضرنا وبادينا، وتزيد بها في رزقنا، وشكرنا، اللهم اجعله رزق ايمان وعطاء ايمان، ان عطاءك لم


(1) الثائر الاول في الاسلام (ص 10). (2) و (3) مسند الامام احمد بن حنبل 1 / 201. (4) تاريخ ابن عساكر 4 / 312، أسد الغابة 2 / 19، الاصابة 1 / 222. (5) و (6) تاريخ اليعقوبي 2 / 219. (*)

[ 140 ]

يكن محظورا، اللهم انزل علينا في ارضنا سكنها (1) وانبت فيها زينتها ومرعاها " (2). 7 - قال (ع): حدثني أبي عن النبي (ص) أنه قال: " المغبون لا محمود ولا مأجور " (3). 8 - روى (ع) عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): " رأس العقل بعد الايمان بالله عزوجل التحبيب إلى الناس " (4). 9 - روى عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت " (5). مسنده: الف هذا المسند أبو بشير محمد بن أحمد الدولابي المتوفى سنة (320 ه‍) وقد أدرجه في غضون كتابه " الذرية الطاهرة " (6)، وهذه بعض بنوده:


(1) سكنها: بفتح السين والكاف، غياث أهلها الذين تسكن أنفسهم إليه. (2) عيون الاخبار 2 / 273. (3) تاريخ ابن عساكر 4 / 312. (4) الخصال (ص 17). (5) الخصال (ص 23). (6) من مخطوطات المكتبة الاحمدية بجامع الزيتونة في تونس توجد منه نسخة مصورة في مكتبة الامام أمير المؤمنين استنسخها العلامة السيد عزيز الطباطبائي اليزدي. (*)

[ 141 ]

1 - روى علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله (ص) قال: " من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه.. ". 2 - قال الحسين (ع): وجدت في قائم سيف رسول الله (ص) صحيفة مربوطة وهي: " أشد الناس على الله عذابا القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه. ومن جحد نعمة مواليه فقد برئ مما أنزل الله عزوجل 3 - روى الحسين (ع) قال: قال رسول الله (ص): " إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ". 4 - روى الحسين عن أبيه عن جده قال (ص): " يكون بعدي ثلاث فرق، مرجئة، وحرورية، وقدرية، فان مرضوا فلا تعودوهم، وان ماتوا فلا تشهدوهم، وان دعوا فلا تجيبوهم ". 5 - روى (ع) عن جده (ص) أنه قال: " ما من عبد أو أمه يضمن بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلا أنفق أضعافها في سخط الله، وما من عبد يدع معونة أخيه المسلم، والسعي في حاجته، قضيت تلك الحاجة، أو لم تقض إلا ابتلي بمعونة من يأثم فيه، ولا يؤجر عليه، وما من عبد ولا أمة يدع الحج وهو يجد السبيل إليه لحاجة من حوائج الدنيا إلا نظر إلى المحلقين قبل أن يقضي الله تلك الحاجة. 6 - روى يحيى بن سعيد قال: كنت عند علي بن الحسين فجاءه نفر من الكوفيين فقال علي بن الحسين: يا أهل العراق، أحبونا حب الاسلام فاني سمعت أبي يقول: قال رسول الله (ص): " يا أيها الناس، لا ترفعوني فوق حقي فان الله عزوجل قد اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا ". 7 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها و عبد الله بن عباس أن رسول الله (ص) كان يقول:

[ 142 ]

" لا تديموا النظر إلى المجذومين، من كلمهم منكم فليكن بينه وبينكم قيد رمح... ". 8 - روت فاطمة بنت الحسين (ع) عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ان الله يحب معالي الاخلاق وأشرافها، ويكره سفاسفها... ". 9 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها أن رسول الله (ص) قال: " لا تديموا النظر إلى المجذومين ". 10 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: كان رأس رسول الله صلى الله عليه وآله في حجر علي، وكان يوحى إليه، فلما سرى عنه - أي الوحي - قال: يا علي صليت العصر ؟ قال: لا، قال: اللهم انك تعلم أنه كان في حاجتك وحاجة رسولك فردها عليه فردها عليه، فصلى وغابت الشمس. 11 - روت فاطمة عن أبيها أن النبي (ص) قال: " للسائل حق وان جاء على فرس ". 12 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: قال رسول الله (ص): " من اصيب بمصيبة فذكرها وان تقادم عهدها فأحدث لها استرجاعا احدث الله له ثواب ما وعده حين اصيب بها... ". 13 - روت فاطمة بنت الحسين (ع) عن أبيها، قال: قال رسول الله (ص): " لما اخذ الله ميثاق العباد جعل في (الحجر) فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر ". 14 - روى عبد الله بن سليمان بن نافع مولى بني هاشم، عن الحسين ابن علي قال: قال رسول الله (ص): " يا بني هاشم أطيبوا الكلام، واطعموا الطعام ".

[ 143 ]

15 - روى أبو سعيد الميثمي قال: سمعت الحسين بن علي يقول: قال رسول الله (ص): " من لبس ثوب شهرة كساه الله ثوب نار... ". هذه بعض بنود مسند الامام الحسين (ع) وهي حافلة بآداب السلوك وتهذيب الاخلاق التي لا غني للناس عنها. رواياته عن امه فاطمة (ع) وروى (ع) عن أمه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع) من الاحاديث ما يلي: 1 - روى محمد بن علي بن الحسين قال: خرجت مع جدي الحسين ابن علي إلى أرضه فادركنا النعمان بن بشير على بغلة له فنزل عنها وقال للحسين: اركب أبا عبد الله، فأبى فلم يزل يقسم عليه، حتى قال: أما انك قد كلفتني ما اكره، ولكن احدثك حديثا حدثتنيه امي فاطمة ان رسول الله (ص) قال: " الرجل أحق بصدر وفراشه، والصلاة في بيته الا إماما الجمع من الناس، فاركب أنت على صدر الدابة، وسارت تدف، فقال النعمان: صدقت فاطمة... " 2 - روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: قال رسول الله (ص): " لا يلو من إلا نفسه من بات وفي يده غمره.. (1)... " (2).


(1) الغمر: - بالتحريك - الدسم والزهومة من اللحم. (2) الذرية الطاهرة، مسند الفردوس ج 41. (*)

[ 144 ]

رواياته عن أبيه: وروى الامام الحسين عن أبيه الامام أمير المؤمنين (ع) الشئ الكثير سواء أكان مما يتعلق بالسيرة النبوية أم في الاحكام الشرعية وهذه بعضها: 1 - روى (ع) عن أبيه (ع) أن رسول الله (ص) بعث سرية فأسروا رجلا من بني سليم يقال له الاصيد من سلمة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله رق لحاله، وعرض عليه السلام فأسلم فبلغ ذلك أباه وكان شيخا فكتب إليه رسالة فيها هذه الابيات: من راكب نحو المدينة سالما * حتى يبلغ ما أقول الا صيدا ان البنين شرارهم أمثالهم * من عق والده وبر الابعدا أتركت دين أبيك والشم العلى * أودوا وتابعت الغداة محمدا وعرض الاصيد رسالة أبيه على النبي (ص) واستأذنه في جوابه فأذن له فكتب إليه: إن الذي سمك السماء بقدرة * حتى علا في ملكه فتوحدا بعث الذي لا مثلهه فيما مضى * يدعو لرحمته النبي محمدا فدعا العباد لدينه فتتابعوا * طوعا وكرها مقبلين على الهدى وتخوفوا النار التي من أجلها * كان الشقي الخاسر المتلددا واعلم بانك ميت ومحاسب * فالى من هذي الضلالة والردى ولما قرأ سلمة رسالة ابنه وفد على النبي (ص) وأسلم (1). 2 - قال (ع) سألت أبي عن سيرة رسول الله (ص) في جلسائه


(1) أسد الغابة 1 / 100. (*)

[ 145 ]

فقال: كان رسول الله دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه، ولا يخيب فيه فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والاكبار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، ه وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا إليه، حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقة ومسألته حتى ان كأن اصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء الا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجور (1) فيقطعه بنهي أو قيام... " (2). وقد امتاز النبي (ص) على عامة النبيين بهذه الاخلاق العالية التي الفت ما بين قلوب المسلمين، ووحدت ما بين مشاعرهم وعواطفهم، وجعلتهم في عصورهم الاولى سادة الامم والادلاء على مرضاة الله وطاعته 3 - روى (ع) عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): " من قتل دون ماله فهو شهيد " (3). 4 - روى عليه السلام عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): " عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار " (4).


(1) يجور: أي يميل عن الحق. (2) الحسين 1 / 137 - 138. (3) مسند أحمد بن حنبل. (4) الاربعين (ص 111) لبهاء الدين العاملي. (*)

[ 146 ]

5 - قال (ع): سمعت أبي يقول: " الايمان معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالاركان... " (1). 6 - روى (ع) عن ابيه انه قال: " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم أشراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم... " (2). 7 - روى عن ابيه انه قال: " إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق رضاه، وأنت لا تعلم وأخفى سخطه فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم، وأخفى اجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه فربما وافق اجابته وانت لا تعلم، وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيدالله فربما يكون وليه وانت لا تعلم. " (3) 8 - روى (ع) عن ابيه انه قال: قال رسول الله (ص): " خير دور الانصار بنو النجار، ثم بنو عبد الاشهل، ثم بنو الحرث، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الانصار خير... " (4). 9 - روى (ع) عن ابيه انه قال: قال رسول الله (ص): " خير الدعاء الاستغفار، وخير العبادة قول لا إله إلا الله... " (5). وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رواياته عن جده وأبويه.


(1) الحسين 1 / 140. (2) مسند الامام زيد (ص 185). (3) الخصال (ص 191). (4) مسند الفردوس من مصورات مكتبة الامام الحكيم تأليف شهردار ابن شيرويه الشافعي المتوفى سنة (558 ه‍). (5) مسند الفردوس 37 / 27. (*)

[ 147 ]

من تراثه الرائع: للامام (ع) تراث رائع خاض في جملة منه مجموعة من البحوث الفلسفية والمسائل الكلامية التي منيت بالغموض والتعقيد، فأوضحها وبين وجهة الاسلام فيها، كما خاض في كثير من كلماته أصول الاخلاق وقواعد الآداب، واسس الاصلاح الاجتماعي والفردي، ونعرض فيما يلي لبعض ما اثر عنه: القدر: من أهل المسال الكلامية وأعمقها مسألة القدر فقد اثير حولها الكلام منذ فجر التاريخ الاسلامي، وقد تصدى أئمة أهل البيت (ع) لبيانها ودفع الشبهات عنها، وقد سأل الحسن بن الحسن البصري الامام الحسين عنها، فأجابه (ع) برسالة هذا نصها: " اتبع ما شرحت لك في القدر مما افضى الينا اهل البيت، فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره كفر، ومن حمل المعاصي على الله عزوجل فقد افترى على الله افتراء عظيما، وان الله لا يطاع بإكراه، ولا يعصى بغلبة، ولا يهمل العباد في الهلكة، لكنه المالك لما ملكهم، والقادر لما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا به فعل فليس هو حملهم عليها قسرا، ولا كلفهم جبرا، بل بتمكينه إياهم بعد اعذاره وانذاره لهم

[ 148 ]

واحتجاجه عليهم طوقهم ومكنهم وجعل لهم السبيل إلى ما اخذ ما إليه دعاهم، وترك ما عنه نهاهم عنه، جعلهم مستطيعين لاخذ ما امرهم به من شئ غير آخذ به، ولترك ما نهاهم عنه من شئ غير تاركيه، والحمد لله الذي جعل عباده أقوياء لما امرهم به ينالون بتلك القوة، وما نهاهم عنه، وجعل العذر لمن لم يجعل له السبيل حمدا متقبلا، فأنا على ذلك اذهب، وبه اقول انا واصحابي ايضا عليه وله الحمد... " (1). وقد عرض هذا الكلام الشريف إلى بحوث كلامية مهمة. والتعرض لها يستدعي الاطالة والخروج عن الموضوع. الصمد: كتب إليه جماعة يسألونه عن معنى الصمد في قوله تعالى: " الله الصمد " فكتب (ع) لهم بعد البسملة: " أما بعد: فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار، وان الله سبحانه قد فسر الصمد فقال (الله أحد الله الصمد) ثم فسره فقال: " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) (لم يلد) لم يخرج منه شئ كثيف كالولد وسائر الاشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شئ لطيف كالنفس، ولا يتشعب من البدوات كالسنة والنوم، والخطرة والهم والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء، والرغبة والسأمة والجوع والشبع، تعالى عن أن يخرج منه شئ، وان يتولد منه شئ كثيف أو لطيف " ولم يولد ":


(1) فقه الرضا (ص 55) بحار الانوار 5 / 123. (*)

[ 149 ]

لم يتولد منه شئ، ولم يخرج منه شئ كما تخرج الاشياء الكثيفة من عناصرهم والدابة من الدابة، والنبات من الارض، والماء من الينابيع والثمار من الاشجار، ولا كما يخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين والسمع من الاذن، والشم من الانف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتمييز من القلب، وكالنار من الحجر، لا بل هو اللهه الصمد الذي لا شئ، ولا في شئ، ولا على شئ، مبدع الاشياء وخالقها ومنشئ الاشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته، ويبقى ما خلق للبناء بعلمه، فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، ولم يكن له كفوا احد.. " (1). التوحيد: وعرض الامام الحسين (ع) في كثير من كلامه إلى توحيد الله فبين حقيقته وجوهره، وفند شبه الملحدين وأوهامهم، ونعرض فيما يلي لبعض ما اثر عنه: 1 - قال (ع): " ايها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، لا تدركه الابصار، وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، استخلص الوحدانية والجبروت، وامضى المشيئة والارادة والقدرة والعلم بما هو كائن، لا منازع له في شئ من امره، ولا كفو له يعادله، ولا ضد له ينازعه ولا سمي له يشابهه، ولا مثل له يشاركه، لا تتداوله الامور ولا تجري عليه الاحوال، ولا ينزل عليه


(1) معادن الحكمة في مكاتيب الائمة 2 / 48 - 49. (*)

[ 150 ]

الاحداث، ولا يقدر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لانه ليس له في الاشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق، ايقانا بالغيب لانه لا يوصف بشئ من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصمد، ما تصور في الاوهام فهو خلافه، ليس برب من طرح تحت البلاغ، ومعبود من وجد في هواء أو غير هواء، هو في الاشياء كائن، لا كينونة محظور بها عليه، ومن الاشياء بائن لا بينونة غائب عنها، ليس بقادر من قارنه ضد أو ساواه ند، ليس عن الدهر قدمه، ولا بالناحية اممه، احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار، وعمن في السماء احتجابه كمن في الارض، قر به كرامته، وبعده اهانته، لا يحله في، ولا توقته إذ، ولا تؤامره إن علو من غير توقل، ومجيئه من غير تنقل، يوجد المفقود، ويفقد الموجود ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت، يصيب الفكر منه الايمان به موجودا ووجود الايمان لا وجود صفة، به توصف الصفات لا بها يوصف، وبه تعرف المعارف لابها يعرف، فذلك الله لا سمي له، سبحانه ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير... " (1). وحذر الامام من تشبيه الخالق العظيم بعباده أو بسائر الممكنات التي يلاحقها العدم، ويطاردها الفناء. ان الانسان مهما اوتي من طاقات فهي محدودة كما وكيفا، ويستحيل ان يصل إلى ادارك حقيقة المبدع العظيم الذي خلق هذه الاكوان وخلق هذه المجرات التي تذهل العقول تصورها، وما بنيت عليه من الانظمة الدقيقة المذهلة... إن الانسان قد عجز عن معرفة نفسه التي انطوت على هذه


(1) تحف العقول (ص 244). (*)

[ 151 ]

الاجهزة العميقة كجهاز البصر والسمع والاحساس وغيرها فكيف يصل إلى ادراك خالقه ؟ ! وعلى اي حال فقد اوضحت هذه اللوحة الرائعة كثيرا من شؤون التوحيد، ودللت على كيفيته، وهي من أثمن ما اثر من ائمة اهل البيت عليهم السلام في هذا المجال. 2 - يقول المؤرخون ان حبر الامة عبد الله بن عباس كان يحدث الناس في مسجد رسول الله (ص) فقام إليه نافع الازرق فقال له: تفتي الناس في النملة والقملة صف لي إلهك الذي تعبد، فاطرق اعظاما لقوله، وكان الامام الحسين (ع) جالسا فانبرى قائلا: - إلي يابن الازرق ؟ - لست اياك. فثار ابن عباس، وقال له: " إنه من بيت النبوة، وهم ورثة العلم... ". فاقبل نافع نحو الحسين فقال (ع) له: " يا نافع من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس سائلا ناكبا عن المنهاج، ظاعنا بالاعوجاج، ضالا عن السبيل، قائلا غير الجميل اصف لك إلهي، بما وصف به نفسه، واعرفه بما عرف به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس قريب غير ملتصق بعيد غير منتقص يوحد ولا يبغض معروف بالآيات موصوف بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال... " (1). فحار الازرق، ولم يطق جوابا، فقد ملكت الحيرة أهابه، وسد عليه الامام كل نافذة ينفذ منها، وبهر جميع من سمعوا مقالة الامام، وراحوا


(1) الكواكب الدرية 1 / 58. (*)

[ 152 ]

يرددون كلام ابن عباس ان الحسين من بيت النبوة وهم ورثة العلم. الامر بالمعروف: وجه الامام (ع) هذه الكلمة النيرة إلى الانصار والمهاجرين، ونعى عليهم تسامحهم عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين بني عليهما المجتمع الاسلامي، كما عرض إلى المظالم الاجتماعية التي منيت بها الامة، والتي كانت ناجمة عن تقصيرها في اقامة هذا الواجب الخطير، وهذا نصها: " اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الاحبار إذ يقول: " لو لا ينههم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم " (1) وقال: " لعن الذين كفروا من بني اسرائيل - إلى قوله - لبئس ما كانوا يفعلون " (2) وإنما عاب الله ذلك عليهم لانهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون، والله يقول: " فلا تخشوا الناس واخشون " (3). وقال: " المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " (4) فبدأ الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها، وذلك أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفئ والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها... ثم


(1) سورة المائدة: آية 63. (2) سورة المائدة: آية 78. (3) سورة المائدة: آية 44. (4) سورة التوبة: آية 71. (*)

[ 153 ]

أنتم أيتها العصابة عصابة بالعلم مشهورة وبالخير مذكورة وبالنصيحة معروفة وبالله في أنفس الناس مهابة. يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يدلكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الاكابر، أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله، وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الائمة، فأما حق الضعفاء فضيعتم، وأما حقكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالا بذلتموه ولا نفسا خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله، أتتم تتمنون على الله جنته، ومجاورة رسله، وأمانا من عذابه، لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته لانكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها، ومن يعرف بالله لا تكرمون، وأنتم بالله في عباده تكرمون وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله صلى الله عليه وآله محقورة، والعمى والبكم والزمن في المدائن مهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعينون، وبالادهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون كل ذلك مما أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون ذلك بأن مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة ولو صبرتم على الاذى، وتحملتم المؤونة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم، واستسلمتم أمور الله في ايديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلطهم على ذلك فراركم من الموت واعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فمن

[ 154 ]

بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته، مغلوب يتقلبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداءا بالاشرار، وجرأة على على الجبار، في كل بلد منهم لهم خول، لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدئ المعيد، فيا عجبا !: وما لي لا أعجب والارض من غاش غشوم، ومتصدق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، القاضي بحكمه فيما شجر بيننا... " (1). وحفلت هذه الوثيقة السياسية بذكر الاسباب التي أدت إلى تردي الاخلاق وشيوع المنكر في البلاد الناجمة من عدم قيام المهاجرين والانصار بمسؤولياتهم وواجباتهم الدينية والاجتماعية، فقد كانت لهم المكانة المرموقة في المجتمع الاسلامي لانهم صحابة النبي (ص) وحضنة الاسلام ويمكنهم أن يقولوا: كلمة الحق، ويناهضوا الباطل إلا انهم تقاعسوا عن واجباتهم مما أدى إلى أن تتحكم في رقاب المسلمين الطغمة الحاكمة من بني امية الذين اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا. أنواع الجهاد: وسئل الامام أبو عبد الله (ع) عن الجهاد هل هو سنة أو فريضة فأجاب (ع): " الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض، وجهاد سنة لا يقام إلا مع فرض، وجهاد سنة، فأما أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسه عن


(1) تحف العقول (ص 237 - 239). (*)

[ 155 ]

معاصي الله، وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض، وأما الجهاد الذي هو سنة لا يقام إلا مع فرض فان مجاهدة العدو فرض على جميع الامة لو تركوا الجهاد لاتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الامة، وهو سنة على الامام وحده أن يأتي العدو مع الامة فيجاهدهم، وأما الجهاد الذي هو سنة فكل سنة أقامها الرجل وجاهد في اقامتها، وبلوغها واحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الاعمال لانها احياء سنة، وقد قال رسول الله (ص): " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من اجورهم شيئا... " (1). تشريع الصوم: سئل الامام الحسين (ع) عن الحكمة في تشريع الصوم على العباد فقال (ع): " ليجد الغني مس الجوع فيعود بالفضل على المساكين " (2). انواع العبادة: وتحدث (ع) عن أنواع العبادة فقال: " إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار، وهي أفضل العبادة " (3).


(1) تحف العقول (ص 243). (2) تاريخ ابن عساكر 13 / 56. (3) بحار الانوار، تحف العقول (ص 246). (*)

[ 156 ]

وتحدث (ع) عمن عبد الله حق عبادته فقال: " من عبد الله حق عبادته أتاه الله فوق أمانيه وكفايته " (1). مودة أهل البيت: وحث الامام الحسين على مودة أهل البيت (ع) يقول أبو سعيد: سمعت الحسين يقول: " من أحبنا نفعه الله بحبنا، وإن كان أسيرا في الديلم، وإن حبنا ليساقط الذنوب كما تساقط الريح الورق... " (2). قال (ع): " الزموا مودتنا أهل البيت فان من لقي الله وهو يودنا دخل في شفاعتنا ". روى بشير بن غالب أن الامام الحسين (ع) قال: " من أحبنا لله وردنا نحن وهو على نبينا (ص) هكذا - وضم اصبعيه - ومن أحبنا للدنيا فان الدنيا تسع البر والفاجر.. " (3). وحدث (ع) عما يكتسبه من أتى إليهم من الفوائد قال: " من أتانا لم يعدم خصلة من أربع: آية محكمة، وقضية عادلة، وأخا مستفادا، ومجالسة العلماء... " (4).


(1) تفسير العسكري. (2) مناقب ابن المغازلي: رقم الحديث 388، من مخطوطات مكتبة الامام امير المؤمنين (ع). (3) تاريخ ابن عساكر 13 / 56. (4) كشف الغمة. (*)

[ 157 ]

مكارم الاخلاق: ورسم الامام (ع) لاهل بيته وأصحابه مكارم الاخلاق، ومحاسن الصفات وأمرهم بالتحلي بها ليكونوا قدوة لغيرهم، وفيما يلي بعضها. 1 - قال (ع): " الحلم زينة، والوفاء مروءة، والصلة نعمة، والاستكثار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة أهل الدنائة شر، ومجالسة أهل الفسوق ريبة... " (1). 2 - قال (ع): " الصدق عز، والكذب عجز، والسر أمانة، والجوار قرابة، والمعونة صدقة، والعمل تجربة، والخلق الحسن عبادة، والصمت زين، والشح فقر، والسخاء غنى، والرفق لب... " (2). 3 - قال (ع): " أيها الناس، من جاد ساد، ومن بخل رذل وان أجود الناس من أعطى من لا يرجوه... " (3). 4 - قال (ع): " من جاد ساد، ومن بخل رذل، ومن تعجل لاخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا... " (4). 5 - قال (ع): " اعلموا ان حوائج الناس إليكم من نعم الله عزوجل عليكم، فلا تملوا النعم فتعود النقم... " (5). 6 - رأى الامام (ع) رجلا قد دعي إلى طعام فامتنع من الاجابة


(1) نور الابصار (ص 166). (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 219. (3) نهاية الارب 3 / 205. (4) نهاية الارب 3 / 205. (5) طبقات الشعراني 1 / 23، مختصر صفوة الصفوة (ص 62). (*)

[ 158 ]

فقال (ع) له: " قم فليس في الدعوة عفو، وإن كنت مفطرا فكل، وانت صائما فبارك... " (1). 7 - قال (ع): " صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فاكرم وجهك عن رده... " (2). 8 - كان (ع) دوما ينشد هذه الابيات الداعية إلى حسن الخلق، وعدم العناء في طلب الدنيا، ويزعم بعض الرواة انها من نظمه وهي: لئن كانت الافعال يوما لاهلها * كمالا فحسن الخلق أبهى وأكمل وإن كانت الارزاق رزقا مقدرا * فقلة جهد المرء في الكسب أجمل وإن كانت الدنيا تعد نفيسة * فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن كانت الابدان للموت أنشأت * فقتل امرء بالسيف في الله أفضل وإن كانت الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل (3) وألمت هذه الابيات برغبة الامام بالشهادة في سبيل الله، كما حكت عن طبيعة كرمه وسخائه. 9 - قال (ع): " لا تتكلف ما لا تطيق، ولا تتعرض لما لا تدرك، ولا تعد بما لا تقدر عليه، ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد، ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت، ولا تفرح الا بما نلت من طاعة الله ولا تتناول إلا ما رأيت نفسك أهلا له... " (4). 10 - قال (ع): لابن عباس: " لا تتكلمن فيما لا يعنيك فاني أخاف عليك الوزر، ولا تتكلمن فيما لا يعنيك حتى ترى للكلام موضعا


(1) دعائم الاسلام 2 / 105. (2) نور الابصار (ص 166)، كشف الغمة 2 / 244. (3) مختصر صفة الصفوة (ص 62)، الانوار البهية (ص 46). (4) أسرار الحكماء (ص 90) لياقوت المستعصمي. (*)

[ 159 ]

فرب متكلم قد تكلم بالحق فعيب، ولا تمارين حليما ولا سفيها، فإن الحليم يقلبك، والسفيه يؤذيك، ولا تقولن في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا ما تحب أن يقول فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل رجل يعلم أنه مأخوذ بالاجرام مجزي بالاحسان... " (1). وهذه الكلمات الذهبية هي بعض ما اثر عنه في مكارم الاخلاق، ومحاسن الصفات التي يكسب بها الانسان المنهج السليم، وحسن السلوك وسلامة الدارين. تشريع الاذان: وزعم بعض المعاصرين للامام أن الذي شرع الاذان عبد الله ابن زيد لرؤيا رآها، فأخبر بها النبي (ص) فأمر (ص) به، فأنكر الامام (ع) ذلك وقال: " الوحي يتنزل على نبيكم، وتزعمون انه أخذ الاذان عن عبد الله ابن زيد والاذان وجه دينكم... " (1). الاخوان: قال (ع): " الاخوان أربعة: فأخ لك وله، وأخ عليك، وأخ لا لك ولا له.. ". وأوضح (ع) ذلك بقوله:


(1) البحار. (2) دعائم الاسلام 1 / 172. (*)

[ 160 ]

" الاخ الذي هو لك وله فهو الاخ الذي يطلب بإخائه بقاء الاخاء ولا يطلب بإخائه موت الاخاء فهذا لك وله، لانه إذا تم الاخاء طابت حياتهما جميعا، وإذا دخل الاخاء في حال التناقض بطلا جميعا، والاخ الذي لك فهو الاخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الاخاء فهو موفور عليك بكليته، والاخ الذي هو عليك فهو الاخ الذي يتربص بك الدوائر، ويغشى السرائر، ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد فعليه لعنة الواحد، والاخ الذي لك ولا له فهو الذي قد ملاه الله حمقا فأبعده سحقا فتراه يؤثر نفسه عليك، ويطلب شح ما لديك... " (1). العلم والتجارب: قال (ع): " دراسة العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف والتقوى والقنوع راحة الابدان، ومن حبك نهاك، ومن أبغضك أغراك... " (2). حقيقة الصدقة: وتصدق رجل من بني امية بأموال كثيرة، ولم تكن تلك الاموال من حلال، وإنما كانت من حرام، فقال الامام (ع): " مثله مثل الذي سرق الحاج، وتصدق بما سرق، إنما الصدقة (1) البحار. (2) البحار. (*)

[ 161 ]

صدقة من عرق فيها جبينه، وأغبر فيها وجهه.. " (1) الوعظ والارشاد: وعنى الامام (ع) بوعظ الناس وارشادهم كما عنى أبوه من قبله، مستهدفين من ذلك تنمية القوى الخيرة في النفوس، وتوجيه الناس نحو الحق والخير وإبعادهم عن نزعات الشر من الاعتداء والغرور والطيش وغير ذلك، ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه: 1 - قال (ع): " أوصيكم بتقوى الله، وأحذركم أيامه، وأرفع لكم أعلامه، فكأن المخوف قد أقل بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاغتلق مهجكم، وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الاجسام ومدة الاعمار، كأنكم نبعات طوارقه فتنقلكم من ظهر الارض إلى بطنها، ومن علوها إلى سفلها، ومن أنسها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها حيث لا يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك اليوم، ونجانا وإياكم من عقابه وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه. عباد الله: فلو كان ذلك قصر مرماكم، ومدى مضعنكم، كان حسب العامل شغلا يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه ويومئذ " لا ينفع نفسا


(1) دعائم الاسلام 1 / 292. (*)

[ 162 ]

إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانهم خيرا قل انتظروا إنا منتظرون " (1). أوصيكم بتقوى الله فان الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد بذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فان الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله (2). وحفل هذا الكلام بما يقرب الناس إلى الله، وبما يبعدهم عن معاصيه ويجنبهم عن دواعي الهوى ونزعات الشرور. 2 - كتب إليه رجل يطلب منه أن يعظه بحرفين أي يوجز القول فكتب (ع) له: " من حاول أمرا بمعصية الله تعالى كان أفوت لما يرجو وأسرع لمجئ ما يحذر... " (3). 3 - قال (ع): " عباد الله اتقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت لاحد أو بقي عليها أحد لكانت الانبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضاء، وأرضى بالقضاء، غير أن الله خلق الدنيا للبلاء وخلق أهلها للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهر والمنزلة بلغة، والدار قلعة فتزودوا فإن خير الزاد التقوى... " (4). 4 - كتب إليه رجل يسأله عن خير الدنيا والآخرة فأجابه (ع): " أما بعد: فإن من طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله أمور


(1) سورة الانعام: آية 158. (2) الانوار البهية (ص 45). (3) أصول الكافي 2 / 273. (4) تاريخ ابن عساكر 4 / 333. (*)

[ 163 ]

الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس والسلام " (1). 5 - قال (ع): " إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الارض ومغاربها، بحرها وبرها، سهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفئ الظلال... " (2). وأضاف يقول: " ألا حر يدع هذه اللماظة - يعني الدنيا - لاهلها، ليس لانفسكم ثم إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فانه من رضى الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس... ". 6 - قال له رجل: كيف أصبحت يابن رسول الله (ص) ؟ فقال عليه السلام: " أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحب، ولا أدفع ما اكره، والامور بيد غيري، فان شاء عذبني، وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر مني ؟ " (3). 7 - قال (ع): يابن آدم تفكر، وقل: أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمروا خرابها واحتفروا أنهارها، وغرسوا أشجارها، ومدنوا مدائنها، فارقوها وهم كارهون، وورثها قوم آخرون، ونحن بهم عما قليل لاحقون. يابن آدم اذكر مصرعك، وفي قبرك مضجعك بين يدي الله، تشهد جوارحك عليك يوم تزول فيه الاقدام، وتبلغ القلوب الحناجر، وتبيض وجوه، وتبدو السرائر، ويوضع الميزان القسط.


(1) مجالس الصدوق (ص 121). (2) البحار. (3) البحار. (*)

[ 164 ]

يابن آدم اذكر مصارع آبائك، وأبنائك، كيف كانوا، وحيث حلوا، وكأنك عن قليل قد حللت محلهم، وصرت عبرة المعتبرة... ثم أنشد هذه الابيات: أين الملوك التي عن حفظها غفلت * حتى سقاها بكأس الموت ساقيها تلك المدائن في الآفاق خالية * عادت خرابا وذاق الموت بانيها أموالنا لذوي الوارث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها (1) هذه بعض ما أثر عنه من المواعظ الهادفة إلى صلاح النفوس وتهذيبها وأبعادها عن نزعات الهوى والشرور. من خطبه: وللامام (ع) مجموعة كبيرة من الخطب الرائعة التي تجسدت فيها صلابة الحق، وقوة العزم، وروعة التصميم على الجهاد في سبيل الله، وقد ألقاها الامام في وقت كان الجو ملبدا بالمشاكل السياسية، وقد شجب فيها سياسة الحكم الاموي ودعا المسلمين إلى الانتفاضة عليه، وسنذكر جملة منها في مواضعها الخاصة، ونذكر هنا خطبة واحدة منها: صعد (ع) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي (ص) فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب ؟ فأجابه (ع): " نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله (ص) الاقربون، وأهل بيته الطيبون وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله (ص) ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، ولا يبطئنا تأويله،


(1) الارشاد للديلمي. (*)

[ 165 ]

بل نتبع حقائقه، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة إذا كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عزوجل: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وأولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " واحذركم الاصغاء إلى هتاف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا كاوليائه الذين قال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وأني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: " إني برئ منكم " فتقلون للسيوف ضربا، وللرماح وردا، وللعمد حطما، وللسهام غرضا، ثم لا يقبل من نفس إيمانهم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا... " (1). وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى التمسك بعترة رسول الله (ص) ولزوم طاعتهم والانقياد لهم، وحذرهم من الدعايات المضللة التي ثبتها أجهزة الاعلام الاموي الداعية إلى إبعاد الناس عن أهل البيت (ع) الذين هم مصدر الوعي والنور في الارض. أدعيته: وحفلت الادعية التي أثرت عن الحسين (ع) بالدروس التربوية الهادفة إلى بناء صروح العقيدة والايمان بالله، وتنمية الخوف والرهبة من الله في أعماق نفوس الناس لتصدهم عن الاعتداء وتمنعهم عن الظلم والطغيان، وقد كان اهتمام أهل البيت (ع) بهذه الجهة اهتماما بالغا... ولم يؤثر عن أحد من أئمة المسلمين وخيارهم من الادعية مثل ما أثر عنهم، وأنها


(1) البحار 9 / 247. (*)

[ 166 ]

لتعد من أروع الثروات الفكرية، والادبية في الاسلام، فقد حوت أصول الاخلاق، وقواعد السلوك والآداب، كما ألمت بفلسفة التوحيد ومعالم السياسة العادلة، وغير ذلك، ونلمع لبعض أدعيته (ع): 1 - دعاؤه من وقاية الاعداء: كان (ع) يدعو بهذا الدعاء يستجير بالله من شرور أعدائه، وهذا نصه: " اللهم يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي عند كربتي إحرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك علي، فلا أهلك وأنت رجائي، اللهم انك أكبر وأجل وأقدر مما أخاف وأحذر، اللهم بك أدرأ في نحره، واستعيذ من شره، انك على كل شئ قدير... ". ودعا بهذا الدعاء الشريف الامام الصادق (ع) حينما أمر الطاغية المنصور باحضاره مخفورا لينكل به، فانقذه الله من شره، وفرج عنه فسئل عن سبب ذلك، فقال إنه دعا بدعاء جده الحسين (ع) (1). 2 - دعاؤه للاستسقاء: كان (ع) يدعو بهذا الدعاء إذا خرج للاستسقاء: " اللهم اسقنا سقيا، واسعة وادعة، عامة، نافعة، غير ضارة، تعم بها حاضرنا وبادينا وتزيد بها في رزقنا وشكرنا، اللهم اجعله رزق ايمان، وعطاء ايمان، إن عطاءك لم يكن محظورا، اللهم انزل علينا في أرضنا سكنها، وأنبت فيها زيتها ومرعاها... " (2).


(1) نور الابصار (ص 133). (2) عيون الاخبار. (*)

[ 167 ]

3 - دعاؤه يوم عرفة: وهو من أجل أدعية أئمة أهل البيت (ع) وأكثرها استيعابا لالطاف الله ونعمه على عباده وقد روى هذا الدعاء الشريف بشر وبشير الاسديان قالا: كنا مع الحسين بن علي (ع) عشية عرفة، فخرج (ع) من فسطاطه متذللا خاشعا، فجعل يمشي هونا هونا حتى وقف هو وجماعة من أهل بيته وولده ومواليه، في ميسرة الجبل مستقبل البيت، ثم رفع يديه تلقاء وجهه كاستطعام المسكين، وقال: " الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صانع، وهو الجواد الواسع، فطر أجناس البدائع، واتقن بحكمته الصنائع لا تخفى عليه الطلائع، ولا تضيع عند الودائع، ورأيش كل قانع، وراحم كل ضارع، منزل المنافع، والكتاب الجامع بالنور الساطع، وهو للدعوات سامع، وللكربات دافع، وللدرجات رافع، وللجبابرة قامع، فلا إله غيره، ولا شئ يعدله، وليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو على كل شئ قدير. اللهم إني أرغب إليك، وأشهد بالربوبية لك، مقرا بأنك ربي وإليك مردي، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا، وخلقتني من التراب، ثم أسكنتني الاصلاب آمنا لريب المنون، واختلاف الدهور والسنين، فلم أزل ظاعنا من صلب إلى رحم، في تقادم من الايام الماضية والقرون الخالية، لم تخرجني لرأفتك بي ولطفك لي (أو بي) وإحسانك إلي في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك، وكذبوا رسلك، لكنك أخرجتني رأفة منك وتحننا، - علي خ ل - للذي سبق لي من الهدى الذي

[ 168 ]

له يسرتني، وفيه أنشأتني ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك، وسوابغ نعمك، فابتدعت خلقي من يمني وأسكتني في ظلمات ثلاث بين لحم ودم وجلد، لم تشهدني خلقي (لم تشهرني بخلقي - خ ل -) ولم تجعل إلي شيئا من أمري، لم ترض لي يا إلهي نعمة دون أخرى ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنك العظيم الاعظم علي، واحسانك القديم إلي حتى إذا أتممت علي جميع النعم، وصرفت عني كل النقم لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني إلى (على - خ ل -) ما يقربني اليك، ووفقتني لما يزلفني لديك فان دعوتك أجبتني، وأن أطعتك شكرتني، وإن شكرتك زدتني (1) كل ذلك اكمال (لا - خ ل -) لانعمك علي، واحسانك الي فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد حميد مجيد تقدست أسماؤك وعظمت آلاؤك فأي نعمك أحصى عددا ثم أخرجتني للذي سبق لي من الهدى إلى الدنيا تاما سويا وحفظتني في المهد طفلا صبيا، ورزقتني من الغذاء لبنا مريا وعطفت علي قلوب الحواضن الامهات وكفلتني الامهات الرواحم (الرحائم - خ ل -)، وكلاتني من طوارق الجان، وسلمتني من الزيادة والنقصان فتعاليت يا رحيم يا رحمن حتى إذا استهللت ناطقا بالكلام أتممت علي سوابغ الانعام وربيتني زائدا في كل عام، حتى إذا اكتملت فطرتي واعتدلت مرتي (2) أوجبت علي حجتك بأن ألهمتني معرفتك وروعتني بعجائب حكمتك وأيقظتني لما ذرأت في سمائك وأرضك من بدائع خلقك، ونبهتني لشكرك وذكرك وأوجبت علي طاعتك وعبادتك وفهمتني ما جاءت به رسلك، ويسرت لي تقبل مرضاتك ومننت علي - في جميع ذلك - بعونك ولطفك، ثم إذ


(1) يشير (ع) إلى قوله تعالى في سورة ابراهيم - الآية 7 - " لئن شكرتم لازيدنكم ". (2) المرة: بكسر الميم: قوة الخلق وشدته، أصالة العقل. (*)

[ 169 ]

خلقتني من خير الثرى يا إلهي فاي نعمك أحصى عددا وذكرا، أم أي عطاياك أقوم بها شكرا وهي يا رب أكثر من أن يحصيها العادون، أو يبلغ علما بها الحافظون، ثم ما صرفت ودرأت (1) عني اللهم - من الضر والضراء - أكثر مما ظهر لي من العافية والسراء وأنا أشهد يا الهي بحقيقة ايماني وعقد عزمات يقيني وخالص صريح توحيدي، وباطن مكنون ضميري وعلائق مجاري نور بصري وأسارير صفحة جبيني (2) وخرق مسارب (3) نفسي وخذاريف (4) مارن عريني ومسارب سماخ (5) (صماخ - خ ل -) سمعي وما ضمت وأطبقت عليه شفتاي، وحركات لفظ لساني، ومغرز (6) حنك فمي وفكي ومنابت (7) أضراسي ومساغ (8) مطعمي ومشربي وحمالة (9) أم رأسي وبلوغ فارغ حبائل (وبلوغ حبائل) عنقي وما اشتمل عليه تامور (10) صدري وحمائل


(1) الدرأ: الدفع. (2) أسارير أسرار وهي جمع السر بالكسر والضم: خطوط الجبهة. (3) مسارب النفس: مجاريها في العروق والاعضاء، وخرقها: منافذها. (4) خذاريف جمع خذروف: القطعة، والمارن: مالان من الانف. (5) مسارب الصماخ: ملتوياتها وقنواتها التي تصل منها الهواء إلى السامعة. (6) المغرز: موضع الغرز، ومغرز الفكين: محل اتصالهما بالجسم. (7) المنابت: جمع منبت محل النبت، والاضراس جمع ضرس بالكسر الاسنان الخمسة أو الاربعة من كل جانب من جوانب الفك. (8) مساغ: مصدر ميمي: الذي سهل ولان وهنأ. (9) الحمالة: علاقة السيف لانها تحمله. وحمالة أم الرأس الرابطة التي ترتبط أم الرأس وهو: المخ بالبدن حتى لا يتزحزح عن محله. (10) التامور: الوعاء. (*)

[ 170 ]

حبل وتيني (1) ونياط حجاب قلبي (2) وأفلاذ حواشي كبدي (3) وما حوته شراسيف أضلاعي (4) وحقاق مفاصلي (5) وقبض عواملي، وأطراف أناملي ولحمي ودمي وشعري وبشري وعصبي وقصبي (6) وعظامي ومخي وعروقي وجميع جوارحي، وما انتسج على ذلك أيام رضاعي، وما أقلت الارض مني (7) ونومي ويقظتي (8) وسكوني، وحركات ركوعي وسجودي - ان لو حاولت واجتهدت - مدى الاعصار والاحقاب (9) لو عمرتها - أن أؤدي شكر واحدة من أنعمك، ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب


(1) الوتين: عرق في القلب يجري منه الدم إلى كافة العروق وحمائله مواضع اتصاله بالجسم. (2) نياط القلب: عرقه الغليظ الذي إذا قطع مات الشخص. (3) الافلاذ: جمع فلذة بالكسرة: القطعة، أي قطع أطراف الكبد التي تعمل لاخذ الغذاء، وتقسيمه إلى الاخلاط الاربعة. (4) شراسيف: جمع شرسوف بالضم: طرف الضلع المشرف على البطن وهو القلب والرئتان وما إليهما من الاعضاء الرئيسية. (5) الحقائق: بالكسر جمع حق بالضم: النقر التي هي الاقفال للقبض والبسط. (6) العصب: الاطناب المنتشرة في الجسم الذي بها يتحرك الانسان والقصب: كل شئ مجوف مثل الانبوب ومنه القصب الذي يخرج منه النفس (7) أقل: رفع. (8) اليقظة بالتحريك: خلاف النوم. (9) الاحقاب جمع حقب بضمتين: الدهر، السنة أو السنون، ثمانون سنة أو أكثر. (*)

[ 171 ]

علي به شكرك أبدا جديدا، وثناء طارفا عتيدا (1) أجل: ولو حرصت أنا والعادون من أنامك أن نحصي مدى انعامك سالفه (لفة - خ ل -) وآنفه ما حصرناه عددا، ولا أحصيناه أمدا، هيهات أنى ذلك ! ! ! وأنت المخبر في كتابك الناطق، والنبأ الصادق (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (2) صدق كتابك اللهم وأنباؤك وبلغت أنبياؤك ورسلك ما أنزلت عليهم: من وحيك، وشرعت لهم وبهم من دينك، غير أني - يا إلهي - أشهد بجهدي وجدي، ومبلغ طاعتي ووسعي، وأقول مؤمنا موقنا: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا فيكون موروثا، ولم يكن له شريك في ملكه فيضاده فيما ابتدع ولا ولي من الذل فيرفده فيما صنع (3) فسبحانه سبحانه (لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا) وتفطرتا (4) سبحان الله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، الحمد لله حمدا يعادل حمد ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، وصلى الله على خيرته محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين المخلصين وسلم ". وأخذ الحسين (ع) يدعو الله وقد جرت دموع عينيه على سحنات وجهه الشريف وهو يقول: " اللهم اجعلني أخشاك، كأني أراك، واسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك وخر لي في قضائك (5) وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، اللهم اجعل غناي في نفسي، واليقين


(1) الطارف: المستحدث، العتيد: الجسيم. (2) سورة ابراهيم: آية 34. (3) رفده، وأرفده: أعطاه. (4) تفطر: انشق. (5) " اللهم خر لي " أي اختر لي أصلح الامرين. (*)

[ 172 ]

في قلبي، والاخلاص في عملي، والنور في بصري، والبصيرة في ديني، ومتعني بجوارحي، واجعل سمعي وبصري الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثاري ومآربي (1) وأقر بذلك عيني اللهم اكشف كربتي واستر عورتي، وأغفر لي خطيئتي، واخسأ شيطاني (2) وفك رهاني، واجعل لي - يا إلهي - الدرجة العليا في الآخرة والاولى، اللهم لك الحمد كما خلقتني، فجعلتني سميعا بصيرا ولك الحمد كما خلقتني، فجعلتني خلقا (حيا - خ ل -) سويا رحمة بي وقد كنت عن خلقي غنيا، رب بما برأتني فعدلت فطرتي رب بما انشأتني فاحسنت صورتي، رب بما أحسنت إلي وفي نفسي عافيتي، رب بما كلاتني ووفقتني رب بما أنعمت علي فهديتني، رب بما أوليتني ومن كل خير أعطيتني، رب بما أطعمتني وسقيتني، رب بما أغنيتني وأفنيتني، رب بما أعنتني وأعززتني، رب بما ألبستني من سترك الصافي ويسرت لي من صنعك الكافي، صل على محمد وآل محمد وأعني بوائق الدهور (3) وصروف الليالي والايام، ونجنا من أهوال الدنيا وكربات الآخرة، وأكفني شر ما يعمل الظالمون في الارض، اللهم ما أخاف فاكفني، وما أحذر فقني وفي نفسي وديني فاحرسني، وفي سفري فاحفظني، وفي أهلي ومالي فأخلفني (4) وفيما رزقتني فبارك لي، وفي نفسي فذللني، وفي أعين الناس فعظمني ومن الشر الجن والانس فسلمني، وبذنوبي فلا تفضحني، وبسريرتي فلا تخزني وبعملي


(1) الثار، من ثأر من باب منع: الدم، والمآرب جمع مأرب بتثليث الراء: الحاجة. (2) خسأ من باب منع: طرد. (3) بوائق جمع بائقة: الشر والغائلة. (4) أي عوضني. (*)

[ 173 ]

فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني (1) إلهي إلى من تكلني ؟ إلى قريب فيقطعني أم إلى بعيد فيتجهمني (2) أم إلى المستضعفين لي وأنت ربي ومليك أمري أشكو اليك غربتي، وبعد داري، وهواني على من ملكته أمري إلهي، فلا تحلل علي غضبك فان لم تكن غضبت علي فلا بالي سواك، سبحانك غير أن عافيتك أوسع لي، فأسألك يا رب بنور وجهك الذي أشرقت له الارض والسموات، وكشف به الظلمات وصلح به أمر الاولين والآخرين أن لا تميتني على غضبك، ولا تنزل بي سخطك، لك العتبى (3) حتى ترضى قبل ذلك، لا إله إلا أنت رب البلد الحرام، والمشعر الحرام، والبيت العتيق الذي أحللته البركة وجعلته للناس أمنا، يا من عفا عن عظيم الذنوب بحمله، يا من أسبغ النعماء بفضله (4) يا من أعطى الجزيل بكرمه، يا عدتي في شدتي (5) يا صاحبي في وحدتي يا غياشي في كربتي، يا ولي في نعمتي، يا إلهي وإله آبائي: ابراهيم، واسماعيل واسحاق ويعقوب، ورب جبرئيل وميكائيل واسرافيل، ورب محمد خاتم النبيين وآله المنتجبين منزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان، ومنزل كهيعص وطه ويس القرآن الحكيم، أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها (6) وتضيق بي الارض يرحبها ولو لا رحمتك لكنت من الهالكين


(1) من وكل يكل من باب ضرب التفويض والتسليم إلى الغير. (2) تجهمه: استقبله بوجه كريه عبوس. (3) العتبى بالضم: الرضا. (4) أسبغ عليه النعم: وسع وأتم عليه جميع ما يحتاجه. (5) العدة بالضم: ما يستعد به الانسان من مال أو سلاح. (6) الكهف بالفتح: الملجأ، والعي: العجز. (*)

[ 174 ]

وأنت مقيل عثرتي (1) ولولا سترك إياي لكنت من المفضوحين، وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي ولولا نصرك إياى (لي - خ ل -) لكنت من المغلوبين، يا من خص نفسه بالسمو والرفعة، فأولياؤه بعزه يعتزون، يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم (2) فهم من سطواته خائفون يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور وغيب ما تأتي به الازمنة والدهور، يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، يا من لا يعلم ما هو إلا هو، يا من لا يعلمه إلا هو (يا من لا يعلم ما يعلمه إلا هو - خ ل -) يا من كبس الارض على الماء (3) وسد الهواء بالسماء (4)، يا من له أكرم الاسماء، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، يا مقيض الركب ليوسف في البلد القفر ومخرجه من الجب (5) وجاعله بعد العبودية ملكا، يا راده على يعقوب بعد أن أبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم يا كاشف الضر والبلوى عن أيوب وممسك يدي ابراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنه وفناء عمره، يا من استجاب لزكريا فوهب له يحيى، ولم يدعه فردا وحيدا، يا من أخرج يونس من بطن الحوت، يا من فلق البحر لبني اسرائيل فأنجاهم وجعل فرعون وجنوده من المغرقين، يا من أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته، يا من لم يجعل على من عصاه من خلقه، يا من استنقذ السحرة من بعد طول الجحود،


(1) مقيل العثرة: الذي يصفح عن الذنوب ومنه الحديث: " من اقال مؤمنا أقاله الله يوم القيامة ". (2) النير: الخشبة التي توضع على عنق الثور. (3) الكبس على الشئ: الشد والضغط عليه. (4) وهو الغلا الجوي الذي يمنع من تسرب الهواء من الارض. (5) الجب: البئر والحفرة العميقتين. (*)

[ 175 ]

وقد غدوا في نعمته يأكلون رزقه، ويعبدون غيره وقد حادوه ونادوه (1) وكذبوا رسله، يا الله يا الله يا بدئ يا بديع لا ندلك، يا دائما لا نفاد لك (2) يا حيا حين لا حي يا محي الموتى، يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت، يا من قل له شكري فلم يحرمني، وعظمت خطيئتي فلم يفضحني، ورآني على المعاصي فلم يشهرني، يا من حفظني في صغري، يا من رزقني في كبرى، يا من أياديه عندي لا تحصى ونعمه لا تجازى، يا من عارضني بالخير والاحسان وعارضته بالاسائة والعصيان، يا من هداني للايمان من قبل أن أعرف شكر الامتنان، يا من دعوته مريضا فشفاني، وعريانا فكساني، وجائعا فاشبعني، وعطشانا فأرواني وذليلا فاعزني، وجاهلا فعرفني، ووحيدا فكثرني، وغائبا فردني، ومقلا فاغناني، ومنتصرا فنصرني، وغنيا فلم يسلبني، وأمسكت عن جميع ذلك فابتدأني فلك الحمد والشكر، يا من أقال عثرتي ونفس كربتي، وأجاب دعوتي، وستر عورتي، وغفر ذنوبي، وبلغني طلبتي، ونصرني على عدوي، وان أعد نعمك ومننك وكرائم منحك لا أحصيها، أنت الذي أجملت، أنت الذي أفضلت، أنت الذي أكملت، أنت الذي رزقت، أنت الذي وفقت، أنت الذي أعطيت، أنت الذي اغنيت، أنت الذي اقنيت (3)، أنت الذي آويت، أنت الذي كفيت، أنت الذي هديت، أنت الذي عصمت أنت الذي سترت، أنت الذي غفرت، أنت الذي أقلت، أنت


(1) حاده: غضبه وأظهر العداوة له، نادوه: أي جعلوا له ندا وشريكا. (2) النفاد: الفناء والانقطاع. (3) أقناه الله: أي أعطاه بقدر ما يكفيه. (*)

[ 176 ]

الذي مكنت، أنت الذي أعززت، أنت الذي أعنت، أنت الذي عضدت أنت الذي أيدت، أنت الذي نصرت. أنت الذي شفيت، أنت الذي عافيت، أنت الذي أكرمت، تباركت وتعاليت فلك الحمد دائما، ولك الشكر واصبا أبدا ثم أنا - يا إلهي - المعترف بذنوبي فاغفرها لي، أنا الذي أسأت، أنا الذي أخطأت، أنا الذي هممت، أنا الذي جهلت، أنا الذي غفلت، أنا الذي سهوت، أنا الذي اعتمدت، أنا الذي تعمدت أنا الذي وعدت، أنا الذي أخلفت، أنا الذي نكثت، أنا الذي أقررت أنا الذي اعترفت بنعمتك علي وعندي، وأبوء بذنوبي فاغفرها لي (1) يا من لا تضره ذنوب عباده وهو الغني عن طاعتهم، والموفق من عمل صالحا منهم بمعونته ورحمته، فلك الحمد إلهي وسيدي، إلهي أمرتني فعصيتك ونهيتني فارتكبت نهيك، فاصبحت لا ذا براءة (لي - خ ل -) فاعتذر ولا ذا قوة فانتصر فبأي شئ استقبلك (استقيلك - خ ل -) يا مولاي ابسمعي أم ببصري أم بلساني أم بيدي أم برجلي، أليس كلها نعمك عندي وبكلها عصيتك ؟ يا مولاي فلك الحجة والسبيل علي يا من سترني من الآباء والامهات أن يزجروني، ومن العشائر والاخوان أن يعبروني ومن السلاطين أن يعاقبوني، ولو اطلعوا يا مولاي على ما اطلعت عليه مني إذا ما انظروني، ولرفضوني وقطعوني، فها أنا ذا يا إلهي بين يديك يا سيدي خاضع ذليل حصير حقير، لا ذو برائة فاعتذر ولا ذو قوة فانتصر، ولا حجة فاحتج بها، ولا قائل لم اجترح (2) ولم أعمل سوء، وما عسى الجحود ولو جحدت يا مولاي ينفعني، كيف وانى ذلك، وجوارحي كلها شاهدة علي بما قد علمت وعلمت يقينا غير ذي شك انك سائلي من عظائم الامور


(1) باء يبوء: بالذنب: اعترف وتكلم به. (2) الاجتراح: الارتكاب والاكتساب. (*)

[ 177 ]

وأنك الحكم العدل الذي لا تجور، وعدلك مهلكي، ومن كل عدلك مهربي فان تعذبني - يا إلهي - فبذنوبي بعد حجتك علي، وإن تعف عني فبحلمك وجودك وكرمك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الوجلين لا إله إلا أنت سبحانك أني كنت من الراجين، لا اله الا انت سبحانك إني كنت من الراغبين، لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من المهللين، لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من السائلين، لا إلا أنت سبحانك اني كنت من المسبحين لا اله الا أنت سبحانك اني كنت من المكبرين، لا اله الا أنت سبحانك ربي ورب آبائي الاولين، اللهم هذا ثنائي عليك ممجدا واخلاصي لذكرك موحدا، واقراري بآلائك معددا وان كنت مقرا أني لم أحصها لكثرتها وسبوغها وتظاهرها وتقادمها إلى حادث ما لم تزل تتعهدني به معها منذ خلقتني وبرأتني من أول العمر من الاغناء بعد الفقر، وكشف الضر، وتسبيب اليسر، ودفع العسر، وتفريج الكرب، والعافية في البدن والسلامة في الدين ولو رفدني على قدر ذكر نعمتك جميع العالمين من الاولين والآخرين ما قدرت ولا هم على ذلك تقدست وتعاليت من رب كريم عظيم رحيم لا تحصى آلاؤك، ولا يبلغ ثناؤك، ولا تكافي نعماؤك، صل على محمد وآل محمد واتمم علينا نعمك واسعدنا بطاعتك، سبحانك لا اله الا أنت. اللهم انك تجيب المضطر وتكشف السوء، وتغيث المكروب، وتشفي السقيم وتغني الفقير، وتجبر الكسير، وترحم الصغير، وتعين الكبير، وليس دونك ظهير، ولا فوقك قدير، وأنت العلي الكبير يا مطلق المكبل الاسير يا رازق الطفل الصغير، يا عصمة الخائف المستجير، يا من لا شريك له ولا وزير صل على محمد وآله محمد، وأعطني في هذه العشية أفضل ما أعطيت وأنلت

[ 178 ]

أحدا من عبادك، ومن نعمة توليها، وآلاء تجددها، وبلية تصرفها، وكربة تكشفها، ودعوة تسمعها، وحسنة تتقبلها، وسيئة تتغمدها، انك لطيف بما تشاء خبير، وعلى كل شئ قدير، اللهم انك أقرب من دعي وأسرع من أجاب وأكرم من عفا وأوسع من أعطى، وأسمع من سئل، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ليس كمثلك مسؤول، ولا سواك مأمول دعوتك فأجبتني، وسألتك فأعطيتني، ورغبت اليك فرحمتني، ووثقت بك فنجيتني، وفزعت اليك فكفيتني اللهم فصل على محمد عبدك ورسولك ونبيك وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين وتمم لنا نعماءك وهنئنا عطاءك واكتبنا لك شاكرين ولآلائك ذاكرين آمين آمين رب العالمين اللهم يا من ملك فقدر، وقدر فقهر وعصي فستر، واستغفر فغفر يا غاية الطالبين الراغبين، ومنتهى أمل الراجين، يا من أحاط بك شئ علما، وسع المستقيلين رأفة ورحمة وحلما، اللهم انا نتوجه اليك في هذهه العشية التي شرفتها وعظمتها، بمحمد نبيك ورسولك، وخيرتك من خلقك، وأمينك على وحيك البشير النذير، السراج المنير الذي أنعمت به على المسلمين، وجعلته رحمة للعالمين، اللهم فصل على محمد وآله محمد، كما محمد أهل لذلك منك يا عظيم، فصل وعلى آله المنتجبين الطيبين الطاهرين أجمعين، وتغمدنا بعفوك عنا، فاليك عجت (1) الاصوات بصنوف اللغات فاجعل لنا اللهم في هذه العشية نصيبا من كل خير تقسمه بين عبادك ونورا تهدي به، ورحمة تنشرها وبركة تنزلها، وعافية تجللها ورزقا تبسطه يا أرحم الراحمين، اللهم إقبلنا في هذا الوقت منجحين مفلحين، مبرورين غانمين (2)


(1) عج: صاح وارتفع صوته. (2) البر بالكسر: الصلاح والطاعة، والغانم: هو الذي يفوز وينال الغنيمة. (*)

[ 179 ]

ولا تجعلنا من القانطين (1) ولا تخلنا من رحمتك، ولا تحرمنا ما نؤمله من فضلك، ولا تجعلنا من رحمتك محرومين ولا لفضل ما نؤمله من عطائك قانطين ولا تردنا خائبين، ولا من بابك مطرودين، يا أجود الاجودين، وأكرم الاكرمين، إليك أقبلنا موقنين، ولبيتك الحرام آمين قاصدين (2) فاعنا على مناسكنا، واكمل لنا حجنا، واعف عنا، وعافنا فقد مددنا اليك أيدينا، فهي بذلة الاعتراف موسومة، اللهم فاعطنا في هذه العشية ما سألناك واكفنا ما استكفيناك، فلا كافي لنا سواك، ولا رب لنا غيرك نافذ فينا حكمك محيط بنا علمك، عدل فينا قضاؤك، أقض لنا الخير، واجعلنا من أهل الخير، اللهم أوجب لنا بجودك عظيم الاجر، وكريم الذخر، ودوام اليسر، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين، ولا تهلكنا مع الهالكين ولا تصرف عنا رأفتك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا في هذا الوقت ممن سألك فأعطيته وشكرك فزدته، وتاب اليك فقبلته وتنصل (3) اليك من ذنوبه كلها فغفرتها له يا ذا الجلال والاكرام، اللهم تضرعنا (وفقنا - خ ل -) وسددنا (واعصمنا - خ ل -) واقبل تضرعنا، يا خير من سئل، ويا أرحم من استرحم، يا من لا يخفى عليه اغماض الجفون ولا لحظ العيون، ولا ما استقر في المكنون ولا ما أنطوت عليه مضمرات القلوب، ألا كل ذلك قد أحصاه علمك ووسعه حلمك، سبحانك وتعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا، تسبح لك السموات السبع، والارضون ومن فيهن، وان من شئ الا يسبح بحمدك، فلك الحمد والمجد، وعلو الجد، يا ذا الجلال والاكرام والفضل والانعام، والايادي الجسام، وأنت


(1) القنوط بالضم: اليأس. (2) آمين بالتشديد: قاصدين. (3) تنصل: خرج وتبرأ. (*)

[ 180 ]

الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم، اللهم أوسع علي من رزقك الحلال، وعافني في بدني وديني، وآمن خوفي واعتق رقبتي من النار، اللهم لا تمكر بي ولا تستدرجني (1) ولا تخدعني، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس (ثم رفع بصره إلى السماء وقال برفيع صوته): يا أسمع السامعين، يا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، صلى على محمد وآل محمد السادة الميامين (2) وأسألك اللهم حاجتى التي ان اعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، وان منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، اسألك فكاك رقبتي من النار لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك ولك الحمد، وأنت على كل شئ قدير يا رب يا رب ". وأثر هذا الدعاء تأثيرا عظيما في نفوس من كان مع الامام، فاتجهوا بقلوبهم وعواطفهم نحوه يستمعون دعاءه، وعلت أصواتهم بالبكاء معه، وذهلوا عن الدعاء لانفسهم في ذلك المكان الذي يستحب فيه الدعاء، ويقول الرواة: ان الامام استمر يدعو حتى غربت الشمس، فأفاض إلى (المزدلفة) وفاض الناس معه (3). جوامع الكلم: ومنح الله الامام الحسين أعنة الحكمة، وفصل الخطاب فكانت تتدفق


(1) الاستدراج من الله للعبد أن يفعل شيئا بالنسبة إلى العبد حتى لا يوفق أن يتوب ويرجع إلى خالقه. (2) الميامين جمع ميمون: ذو اليمين والبركة. (3) زاد المعاد للمجلسي، البلد الامين للكفعمي، بلاغة الامام الحسين، الاقبال لابن طاووس وفيه زيادة على هذا الدعاء. (*)

[ 181 ]

على لسانه سيول من الموعظة والآداب، والامثال السائرة، وفيما يلي بعض حكمه القصار. 1 - قال عليه السلام: " العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يثق بمن يحاف غدره، ولا يرجو من لا يوثق برجائه... " (1). 2 - قال (ع) لابنه علي بن الحسين: " أي بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله عزوجل... " (2). 3 - قال (ع): ما أخذ الله طاقة أحد الا وضع عنه طاعته، ولا أخذ قدرته الا وضع عنه كلفته... " (3). 4 - قال (ع): " إياك وما تعتذر منه، فان المؤمن لا يسئ، ولا يعتذر، والمنافق كل يوم يسئ ويعتذر... " (4). 5 - قال (ع): " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فان الكذب ريبة، والصدق طمأنينة... (5). 6 - قال (ع): " اللهم لا تستدرجني بالاحسان، ولا تؤدبني بالبلاء... " (6). 7 - قال (ع): " خمس من لم تكن فيه، لم يكن فيه كثير مستمتع العقل، والدين والادب، والحياء، وحسن الخلق.. " (7)


(1) ريحانة الرسول (ص 55) (2) و (3) و (4) تحف العقول (ص 46). (5) أنساب الاشراف ج 1 ق 1. (6) كشف الغمة 2 / 243. (7) ريحانة الرسول (ص 55). (*) (2) و (3) و (4) تحف العقول (ص 246 - 248). (5) ريحانة الرسول (ص 55). (6) البحار، تحف العقول (ص 245). (7) تحف العقول (ص 245). (*)

[ 182 ]

15 - سأله رجل عن تفسير قوله تعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث " (1) قال (ع): " أمره أن يحدث بما أنعم الله به عليه في دينه " (2) 16 - قال (ع): " موت في عز خير من حياة في ذل " (3). 17 - قال (ع): " البكاء من خشية الله نجاة من النار " (4). 18 - قال (ع): " من أحجم عن الرأي، وأعيت له الحيل كان الرفق مفتاحه " (5). 19 - قال (ع): " من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم " (6). 20 - قال (ع): " إذا كان يوم القيامة نادى مناد، أيها الناس من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا أهل المعروف. " (7). 21 - قال (ع): " ما من أعمال هذه الامة هذه الامة من صباح إلا ويعرض على الله عزوجل " (8). إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم، والمواعظ والاداب، ولم نحلل مضامينها إيثارا للايجاز، وابتعادا عن الاطالة.


(سورة الضحى: آية 11. (2) تحف العقول (ص 246). (3) البحار. (4) نزهة الناظر في تنبيه الخاطر. (5) تاريخ ابن عساكر 4 / 323 (6) و (7) و (8) البحار. (*)

[ 183 ]

15 - سأله رجل عن تفسير قوله تعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث " (1) قال (ع): " أمره أن يحدث بما أنعم الله به عليه في دينه " (2). 16 - قال (ع): " موت في عز خير من حياة في ذل " (3). 17 - قال (ع): " البكاء من خشية الله نجاة من النار " (4). 18 - " من أحجم عن الرأي، وأعيت له الحيل كان الرفق مفتاحه " (5). 19 - قال (ع): " من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم " (6) 20 - قال (ع): " إذا كان يوم القيامة نادى مناد، أيها الناس من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم الا أهل المعروف.. " (7). 21 - قال (ع): " ما من أعمال هذه الامة من صباح إلا ويعرض على الله عزوجل " (8). إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم، والمواعظ والآداب، ولم نحلل مضامينها إيثارا للايجاز، وابتعادا عن الاطالة.


(1) سورة الضحى: آية 11. (2) تحف العقول (ص 246). (3) البحار. (4) نزهة الناظر في تنبيه الخاطر. (5) تاريخ ابن عساكر 4 / 323. (6) و (7) و (8) البحار. (*)

[ 184 ]

في حلبات الشعر: وعرضت مصادر التاريخ والادب العربي إلى بعض ما نظمه الامام الحسين (ع) من الشعر وما استشهد به في بعض المناسبات، وإن كان بعضها - فيما نحسب - لا يخلو من الانتحال، وهذه بعضها: 1 - دخل اعرابي مسجد الرسول الاعظم (ص) فوقف على الحسين ابن علي وحوله حلقة مجتمعة من الناس فسأل عنه، فقيل له إنه الحسن ابن علي، فقال: إياه أردت بلغتي أنهم يتكلمون فيعربون في كلامهم، واني قطعت بوادي، وقفارا، وأودية، وجبالا، وجئت لا طارحة الكلام وأسأله عن عويص العربية، فقال له أحد جلساء الامام: ان كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب، وأومأ إلى الحسين، فبادر إليه، ووقف فسلم عليه فرد الامام عليه السلام، فقال له: - ما حاجتك ؟ - جئتك من الهرقل والجعلل والاينم، والهمهم. فتبسم الامام الحسين، وقال له: يا اعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله الا العالمون، فقال الاعرابي: وأقول: أكثر من هذا، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي ؟ فقال له الحسين: - قل ما شئت فاني مجيبك. - إني بدوي، وأكثر مقالي الشعر، وهو ديوان العرب. - قل ما شئت فاني مجيبك.

[ 185 ]

وأنشأ الاعرابي يقول: هفا قلبي إلى اللهو * وقد ودع شرخيه وقد كان أنيقا عصر تجراري ذيليه عيالات ولذات * فيا سقيا لعصريه فلما عمم الشيب * من الرأس نطاقيه وأمسى قد عناني منه تجديد خضابيه تسليت عن اللهو * وألقيت قناعيه وفي الدهر أعاجيب * لمن يلبس حاليه فلو يعمل ذو رأي * أصيل فيه رأييه لالفى عبرة منه * له في كر عصريهه فأجابه الامام الحسين (ع) ارتجالا: فما رسم شجاني قد * محت آيات رسميه سفور درجت ذيلين * في بوغاء قاعيه (1) هتوف حرجف تترى * على تلبيد ثوبيه (2) وولاج من المزن * دنا نوء سماكيه أتى مثغنجر الورق * بجود من خلاليه وقد أحمد برقاه * فلا ذم لبرقيه وقد جلل رعداه * فلا ذم لرعديه ثجيج الرعد ثجاج * إذا أرخى نطاقيه


(1) سفور: مأخوذ من سفرت الريح التراب أو الورق أزالتهما وذهبت بهما كل مذهب، درجت من نعوت الريح، البوغاء التراب. (2) الهتوف: الريح ذات الصوت، والحرجف: الريح الباردة. التلبيد: التداخل. (*)

[ 186 ]

فاضحي دارسا قفرا * لبينونة أهليه فلما سمع الاعرابي ذلك بهر وانطلق يقول: ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاما وأذرب لسانا، ولا أفصح منه نطقا، فقال له الامام الحسن (ع) يا اعرابي: غلام كرم الرحمن بالتطهير جديه * كساه القمر القمقام من نور سنائيه وقد أرصنت من شعري وقومت عروضيه فلما سمع الاعرابي قول الامام الحسن (ع) انبرى يقول: بارك الله عليكما، مثلكما تجلهما الرجال فجزاكما الله خيرا وانصرف (1) ودلت هذه البادرة على مدى ما يتمتع به الامام (ع) من قوة العارضة في الشعر، ومقدرته الفائقة في الارتجال والابداع، إلا أن بعض فصول هذه القصة - فيما نحسب - لا يخلو من الانتحال، وهو مجئ الاعرابي من بلد نائي قد تحمل عناء السفر وشدته من أجل اختبار الامام ومعرفة مقدراته الادبية 2 - نسبت له هذه الابيات الحكمية: إذا ما عضك الدهر * فلا تجنح إلى الخلق ولا تسأل سوى الله * تعالى قاسم الرزق فلو عشت وطوفت * من الغرب إلى الشرق لما صادفت من يقد * ر أن يسعد أو يشقى (2) وحث هذا الشعر على القناعة واباء النفس، وعدم الخنوع للغير، وأهاب بالانسان أن يسأل أحدا إلا ربه الذي بيده مجريات الاحداث.


(1) مطالب السؤل في مناقب آل الرسول. (2) كشف الغمة 2 / 246 الفصول المهمة. (*)

[ 187 ]

3 - قال (ع): اغن عن المخلوق بالخالق * تغن عن الكاذب والصادق واسترزق الرحمن من فضله * فليس غير الله من رازق من ظن أن الناس يغنونه * فليس بالرحمن بالواثق أو ظن أن المال من كسبه * زلت به النعلان من حالق (1) وفي هذههه الابيات دعوة إلى الالتجاء إلى الله خالق الكون وواهب الحياة، والاستغناء عمن سواه فان من ركن لغيره فقد خاب سعيه وحاد عن الصواب. 4 - زار الامام الحسين (ع) مقابر الشهداء بالبقيع فانبرى يقول: ناديت سكان القبور فاسكتوا * فأجابني عن صمتهم ترب الحشا قالت: أتدري ما صنعت بساكني * مزقت لحمهم وخرقت الكسا وحشوت أعينهم ترابا بعدما * كانت تأذى باليسير من القذا أما العظام فانني مزقتها * حتى تباينت المفاصل والشوى قطعت ذا من ذا ومن هذا كذا * فتركتها مما يطول بها البلى (2) وحفلت هذه الابيات بالدعوة إلى الاعتبار والعظة بمصير الانسان وأنه حينما يودع في بطن الارض لم يلبث أن يتلاشى وتذهب نضارته ويعود بعد قليل كتلة من التراب المهين. 5 - ونسب الاعشى هذه الابيات للامام الحسين (ع): كلما زيد صاحب المال مالا * زيد في همه وفي الاشتغال قد عرفناك يا منغصة العيش ويا دار كل فان وبال


(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 324 (2) البداية والنهاية 8 / 208. (*)

[ 188 ]

ليس يصفو لزاهد طلب الزهد إذا كان مثقلا بالعيال (1) وتحدث الامام بهذه الابيات عن ظاهرة خاصة من ظواهر الحياة وهي أن الانسان كلما اتسع نطاقه المادي ازدادت آلامه وهمومه، وازداد جهدا وعناءا في تصريف شؤون أمواله، وزيادة أرباحه، كما تحدث الامام عمن يرغب في الزهد في الحياة فانه لا يجد سبيلا إلى ذلك ما دام مثقلا بالعيال فان شغله بذلك يمنعه عن الزهد في الدنيا. 6 - روى الاربلي أن الامام قال هذه الابيات في ذم البغي: ذهب الذين أحبهم * وبقيت فيمن لا أحبه في من أراه يسبني * ظهر المغيب ولا أسبه يبغي فسادي ما استطا * ع وأمره مما أربه (2) حنقا يدب لي الضرا * ء وذاك مما لا أدبه ويرى ذباب الشر من * حولي يطن ولا يذبه وإذا خبا (3) وغر الصدو * ر فلا يزال به يشبه أفلا يعيج بعقله (4) * أفلا يثوب إليه لبه (5) أفلا يرى من فعله * ما قد يسور إليه غبه (6) حسبى بربي كافيا * ما أختشي والبغي حسبه


(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 324 (2) أربه: أصلحه. (3) خبا: سكن. (4) يعيج: ينتفع. (5) اللب: العقل. (6) يسور: يرجع. (*)

[ 189 ]

ولقل من يبغى عليه * فما كفاه الله ربه (1) وتحدث الامام (ع) بهذه الابيات عن احدى النزعات الشريرة في الانسان وهي البغي فان من يتلوث به يسعى دوما إلى سب أخيه والاعتداء عليه وافساده أمره، وانه إذا سكن وغر الصدور فانه يسعى لاثارتها انطلاقا منه في البغي والاعتداء، وقد وجه (ع) إليه النصح فانه إذا رجع عقله وفكر في أمره فان غيه على حيه يرجع إليه، وتلحقه أضراره وآثامه ومن الطبيعي انه إذا أطال التفكير في ذلك فانه يقلع عن نفسه هذه الصفة الشريرة حسب ما نص عليه علماء الاخلاق. 7 - وزعم أبو الفرج الاصبهاني ان الامام الحسين (ع) قال: هذين البيتين في بنته سكينة وامها الرباب: لعمرك أنني لاحب دارا * تكون بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي * وليس لعاتب عندي عتاب (2) وزاد غيره هذا البيت: فلست لهم وان غابوا مضيعا * حياتي أو يغيبني التراب (3) وهذه الابيات فيما نحسب من المنتحلات والموضوعات فان الامام الحسين عليه السلام أجل شأنا وأرفع قدرا من أن يذيع حبه لزوجته وابنته بين الناس، فليس هذا من خلقه، ولا يليق به، ان ذلك - من دون شك - من المفتريات التى تعمد وضعها للحط من شأن أهل البيت (ع). 8 - ومما قاله: الله يعلم أن ما * بيدي يزيد لغيره


(1) كشف الغمة. ريحانة الرسول (ص 48). (2) الاغاني. (3) ذكرى الحسين 1 / 139، البداية والنهاية 8 / 209. (*)

[ 190 ]

وبأنه لم يكتسب‍ * - ه بخيره وبميره لو انصف النفس الخؤو * ن لقصرت من سيره ولكان ذلك منه أد * نى شره من خيره (1) وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض مثل الامام الحسين (ع) ونزعاته التي كان بها فذا من أفذاذ العقل الانساني ومثلا رائعا من أمثلة الرسالة الاسلامية بجميع قيمها ومكوناتها.


(1) ريحانة الرسول (ص 49). (*)

[ 191 ]

مأساة الاسلام الكبرى

[ 193 ]

عاش الامام الحسين (ع) وهو في ريعان الصبا، وغضارة العمر في كنف جده الرسول الاعظم (ص) وكان يغدق عليه بعطفه، ويفيض عليه بحنانه، ويعمل على توجيهه وتقويمه، حتى توسعت مداركه، ونمت ملكاته وهو في سنه المبكر، وكانت هذه الفترة القصيرة التي عاش مع جده من أهم الفترات وأروعها في تاريخ الاسلام كله، فقد وطد الرسول (ص) فيها أركان دولته، وأقامها على أساس العلم والايمان، وهزم جويش الشرك وفلل قواعد الالحاد، وقام الاسلام على سوقه عبل الذراع مفتول الساعد وأخذت الانتصارات الرائعة تترى على الرسول (ص) وأصحابه، فقد دخل الناس في دين الله أفواجا، أفواجا، وامتد حكم الاسلام على أغلب مناطق الجزيرة العربية. وفي غمرات هذه الانتصارات الرائعة شعر الرسول (ص) بان حياته قد انطوت وأيامه قد انتهت، لانه أدى ما عليه وأقام دينه العظيم يؤدي فعالياته في توجيه الانسان، واقامة سلوكه، فإذن لابد له من الرحيل عن هذه الحياة.... ونتحدث عن فصول هذه المأساة الكبرى التي مني بها المسلمون وننظر إلى ما رافقها من الاحداث الخطيرة فانها ترتبط ارتباطا موضوعيا بما نحن فيه، فهي تكشف عن كثير من الاسباب التي أدت إلى ما عاناه الامام الحسين (ع) مع أهل البيت من النكبات والخطوب. طلائع الرحيل: وبدت طلائع الوفاة، ومفارقة الحياة للقائد والمنقذ والمعلم الرسول صلى الله عليه وآله فقد كانت هناك انذارات متوالية تدلل على ذلك وهي كما يلي:

[ 194 ]

1 - ان القرآن نزل على الرسول (ص) مرتين فاستشعر (ص) بذلك حضور الاجل المحتوم (1) وأخذ ينعى نفسه، ويذيع بين المسلمين مفارقته لهذه الحياة، وكان يقول لبضعته سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام " ان جبرئيل كان يعارضنى بالقرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضني به العام مرتين وما أرى ذلك الا اقتراب أجلي... " (2). 2 - انه نزل عليه الوحي بهذه الآية: " انك ميت وانهم ميتون ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " وكانت هذه الآية انذارا له بمفارقة الحياة، فأثارت كوامن التوجس في نفسه، وسمعه المسلمون يقول: " ليتني أعلم متى يكون ذلك ؟ ". ونزلت عليه سورة (النصر) فكان يسكت بين التكبير والقرأة ويقول: " سبحان الله وبحمده. أستغفر الله وأتوب إليه " وفزع المسلمون وذهلوا، وانطلقوا إليه يسألونه عن هذه الحالة الرهيبة فأجابهم (ص): " ان نفسي قد نعيت الي... " (3). وفزع المسلمون وهاموا في تيارات مذهلة من الهواجس والافكار، فقد كان وقع ذلك عليهم كالصاعقة، فلا يدرون ماذا سيجري عليهم ان خلت هذه الدنيا من النبي (ص). حجة الوداع: ولما علم النبي (ص) بدنو الاجل المحتوم منه رأى أن يحج إلى


(1) الخصائص الكبرى 2 / 386. (2) تاريخ ابن كثير 5 / 223. (3) مناقب ابن شهر اشوب 1 / 167. (*)

[ 195 ]

بيت الله الحرام ليلتقي بعامة المسلمين، ويعقد هناك مؤتمرا عاما يضع فيه الخطوط السليمة لنجاة أمته، ووقايتها من الزيغ والانحراف. وحج النبي (ص) حجته الاخيرة الشهيرة بحجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة فاشاع فيها بين الوافدين لبيت الله الحرام ان التقاءه بهم في عامهم هذا هو آخر عهدهم به قائلا: " إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف أبدا... ". وجعل يطوف على الجماهير، ويعرفهم بما يضمن لهم نجاحهم وسعادتهم قائلا: " يا أيها الناس، اني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي... " (1). ان الركيزة الاولى لسلامة الامة، وصيانتها عن أي زيغ عقائدي هو تمسكها بكتاب الله، والتمسك بالعترة الطاهرة فهما أساس سعادتها ونجاحهها في الدنيا والآخرة. ولما انتهى (ص) من مراسيم الحج، وقف عند بئر (زمزم) وأمر ربيعة بن أمية بن خلف فوقف تحت صدر راحلته، وكان صبيا فقال: يا ربيعة قل: " يا أيها الناس ان رسول الله يقول لكم: لعلكم لا تلقونني على مثل حالي هذه، وعليكم هذا، هل تدرون أي بلد هذا ؟ وهل تدرون أي شهر هذا ؟ وهل تدرون أي يوم هذا ؟ ". فقال الناس: نعم هذا البلد الحرام، والشهر الحرام، واليوم الحرام وبعدما أقروا بذلك قال (ص): " ان الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا، وكحرمة


(1) صحيح الترمذي 2 / 308. (*)

[ 196 ]

شهركم هذا، وكحرمة يومكم هذا ألا هل بلغت ؟ ". قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، واتقوا الله " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين " فمن كانت عنده أمانة فليؤدها. ثم قال (ص): الناس في الاسلام سواء الناس طف الصاع لآدم وحواء لا فضل لعربى على عجمي، ولا عجمي على عربي إلا بتقوى الله ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، ثم قال: لا تأتوني بأنسابكم، وأتوني باعمالكم، فاقول للناس هكذا ولكم هكذا، ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد: ثم قال (ص): كل دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول دم أضعه دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (1) ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، وكل ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، أيها الناس انما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ثم قال: " أوصيكم بالنساء خيرا فانما هن عوار عندكم لا يملكن لانفسهن شيئا


(1) آدم بن ربيعة كان مسترضعا في هذيل فقتله بنو سعد بن بكر (*)

[ 197 ]

وانما اخذتموهن بامانة الله، واستحللتم فروجهن بكتاب الله، ولكم عليهن حق ولهن عليكم حق كسوتهن، ورزقهن بالمعروف، ولكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم أحدا، ولا يأذن في بيوتكم الا بعلمكم واذنكم، فان فعلن شيئا من ذلك فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، فاوصيكم بمن ملكت ايمانكم فاطعموهم مما تأكلون، والبسوهم مما تلبسون، وان اذنبوا فكالوا عقوباتهم إلى شراركم، ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، ثم قال: ان المسلم أخو المسلم لا يغشه ولا يخونه، ولا يغتابه، ولا يحل له دمه، ولا شئ من ماله الا بطيب نفسه، الا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. ويستمر (ص) في خطابه الحافل بما تضمنته الرسالة الاسلامية من البنود المشرقة في عالم التشريع، ثم ختمه بقوله: " لا ترجعوا بعدي كفارا مضللين يملك بعضكم رقاب بعض، اني خلفت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال (ص): اللهم اشهد، ثم التفت إليهم فطالبهم بالالتزام بما أعلنه وأذاعه فيهم قائلا:

[ 198 ]

" انكم مسؤولون فليبلغ الشاهد منكم الغائب " (1). وبذلك انتهى خطابه الرائع الحافل بما تحتاجه الامة في الصعيد الاجتماعي والسياسي، كما عين لها القادة من أهل بيته الذين يعنون بالاصلاح العام وببلوغ أهداف الامة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية. مؤتمر غدير خم: ولما انتهى الرسول (ص) من حجة قفل راجعا إلى يثرب، وحينما انتهى موكبه إلى غدير خم، هبط عليه أمين الوحي يحمل رسالة من السماء بالغة الخطورة، تحتم عليه بأن يحط رحله ليقوم باداء هذه المهمة الكبرى وهي نصب الامام امير المؤمنين (ع) خليفة ومرجعا للامة من بعده، وكان أمر السماء بذلك يحمل طابعا من الشدة ولزوم الاسراع في اذاعة ذلك بين المسلمين، فقد نزل عليه الوحي بهذهه الآية: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس " (2). لقد أنذر النبي (ص) انه ان لم ينفذ ارادة السماء ذهبت أتعابه، وضاعت جهوده وتبدد ما لاقاه من العناء في سبيل هذا الدين فاتبرى (ص) بعزم ثابت وارادة صلبة إلى تنفيذ ارادة الله، فوضع اعباء المسير وحط رحله في رمضاء الهجير، وأمر القوافل أن تفعل مثل ذلك، وكان الوقت قاسيا في حرارته حتى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقي به من


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 90 - 92. (2) سورة المائدة: نص على نزول هذه الآية في يوم الغدير الواحدي في أسباب النزول والرازي في تفسيره وغيرهما. (*)

[ 199 ]

الحر، وأمر (ص) باجتماع الناس فصلى بهم، وبعد ما انتهى من الصلاة أمر أن توضع حدائج الابل لتكون له منبرا ففعلوا له ذلك، فاعتلى عليها وكان عدد الحاضرين - فيما يقول المؤرخون - مائة الف أو يزيدون، وأقبلوا بقلوبهم نحو الرسول (ص) ليسمعوا خطابه فاعلن (ص) ما لاقاه من العناء والجهد في سبيل هدايتهم وانقاذهم من الحياة الجاهلية إلى الحياة الكريمة التي جاء بها الاسلام، كما ذكر لهم كوكبة من الاحكام الدينية والزمهم بتطبيقها على واقع حياتهم، ثم قال لهم: " انظروا كيف تخلفوني في الثقلين ؟ ". فناداه مناد من القوم. " ما الثقلان يا رسول الله ؟ ". فقال (ص): " الثقل الاكبر كتاب الله طرف بيد الله عزوجل وطرف بايديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الاصغر عترتي، وان اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربي فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا... ". ثم أخذ بيد وصيه وباب مدينة علمه الامام امير المؤمنين (ع) ليفرض ولايته على الناس جميعا، حتى بان بياض ابطيهما، ونظر اليهما القوم، فرفع (ص) صوته قائلا: " يا أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من انفسهم ؟ ؟ ". فأجابوه جميعا " الله ورسوله أعلم ". فقال (ص): " ان الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه " قال ذلك ثلاث مرات أو اربع، ثم قال: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واحب من أحبه، وأبغض

[ 200 ]

من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب... ". وبذلك أنهى خطابه الشريف الذي أدى فيه رسالة الله، فنصب أمير المؤمنين (ع) خليفة، وأقامه علما للامة، وقلده منصب الامامة، وأقبل المسلمون يهرعون، وهم يبايعون الامام بالخلافة، ويهنئونه بامرة المسلمين وأمر النبي (ص)، امهات المؤمنين ان يسرن إليه ويهنئنه ففعلن ذلك (1)، وأقبل عمر بن الخطاب فهنأ الامام وصافحه وقال له: " هنيئا يابن أبى طالب أصبحت وأمسيت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة " (2). وانبرى حسان بن ثابت فاستأذن النبي (ص) بتلاوة ما نظمه فاذن له النبي (ص) فقال: يناديهم يوم الغدير نبيهم * نجم واسمع بالرسول مناديا فقال فمن مولاكم ونبيكم ؟ * فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت نبينا * ولم تلق منا في الولاية عاصيا فقا له: قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له اتباع صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا (3) ونزلت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاسلام هذه الآية الكريمة


(1) الغدير 2 / 34. (2) مسند أحمد 4 / 281. (3) الغدير 1 / 271. (*)

[ 201 ]

" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا... " (1). لقد كمل الدين بولاية أمير المؤمنين، وتمت نعمة الله على المسلمين بسمو أحكام دينهم، وسموا قيادتهم التي تحقق آمالهم في بلوغ الحياة الكريمة وقد خطا النبي (ص) بذلك الخطوة الاخيرة في صيانة أمته من الفتن والزيغ فلم يترك أمرها فوضى - كما يزعمون - وانما عين لها القائد والموجه الذي يعنى بامورها الاجتماعية والسياسية. ان هذه البيعة الكبرى التي عقدها الرسول العظيم (ص) إلى باب مدينة علمه الامام أمير المؤمنين (ع) من أوثق الادلة على اختصاص الخلافة والامامة به، وقد احتج بها الامام الحسين (ع) في مؤتمره الذي عقده بمكة لمعارضة حكومة معاوية وشجب سياسته فقد قال (ع): " أما بعد: فان هذا الطاغية - يعني معاوية - قد صنع بنا وبشيعتنا ما علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، واني أريد أن أسألكم عن شئ فان صدقت فصدقوني وان كذبت فكذبوني، واسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ومن ائتمنتموه من الناس، ووثقتم به فادعوه إلى ما تعلمون من حقنا فانا نخاف أن يدرس هذا الحق، ويذهب ويغلب، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وما ترك شيئا مما أنزل الله في القرآن فيهم الا تلاه وفسره ولا شيئا مما قاله رسول الله (ص): في أبيه وأمه ونفسه وأهل بيته إلا رواه، وكل ذلك يقولون: اللهم نعم قد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعون: اللهم نعم قد حدثني به من أصدقه وآتمنه من الصحابة، وقال (ع) في عرض استدلاله:


(1) ذكر نزول الآية في يوم الغدير الخطيب البغدادي في تاريخه 8 / 290 والسيوطي في الدر المنثور وغيرهما. (*)

[ 202 ]

" أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله نصبه - يعني عليا - يوم غدير خم فنادى له بالولاية، وقال: ليبلغ الشاهد الغائب، قالوا: اللهم نعم... " (1). إن البيعة للامام في يوم عيد الغدير جزء من رسالة الاسلام، وركن من أركان الدين، وهي تستهدف صيانة الامة من التيارات العقائدية، ووقايتها من الانحراف. مرض النبي: ولما قفل النبي (ص) راجعا إلى يثرب بدأت صحته تنهار يوما بعد يوم، فقد ألم به المرض، واصابته حمى مبرحة حتى كأن به لهبا منها فكانت عليه قطيفة فإذا وضع أزواجه وعواده أيديهم عليها شعروا بحرها (2) وقد وضعوا إلى جواره اناء فيه ماء بارد فما زال يضع يده فيه، ويمسح به وجهه الشريف، وكان (ص) يقول: (ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)، وهرع المسلمون إلى عيادته وقد خيم عليهم الاسى والذهول فازدحمت حجرته بهم فنعى إليهم نفسه وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاه قائلا: " أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بى، وقدمت اليكم القول معذرة اليكم الا اني مخلف فيكم كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي " ثم أخذ بيد وصيه وخليفته من بعده الامام أمير المؤمنين قائلا لهم:


(1) الغدير 1 / 199. (2) البداية والنهاية 5 / 266. (*)

[ 203 ]

" هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض " (1). وقد قرر (ص) بذلك أهم القضايا المصيرية لامته، وعين لها القائد العظيم الذي تنال به جميع أهدافها وامالها. استغفاره لاهل البقيع: وحينما ألم المرض بالنبي (ص) أيقن بمفارقته لهذه الحياة، وحدثته نفسه أن يذهب ليودع مقابر المسلمين ويستغفر لهم، فاستدعى أبا مويهبة في غلس الليل البهيم فلما مثل عنده أمره أن يمضى معه إلى البقيع قائلا له: " لقد امرت بالاستغفار لاهل البقيع فلذا بعثت اليك للانطلاق معي ". وسار النبي (ص) حتى انتهى إلى بقيع الغرقد، فسلم على الاموات وقال لهم: " السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما اصبح الناس فيه، اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الاولى... ". لقد استشف (ص) من وراء الغيب ما تمنى به أمته من الانقلاب على الاعقاب وما تصاب به من الانحراف بدينها وعقيدتها، وانها ستواجه أمواجا رهيبة من الفتن والضلال تعصف بها إلى مجاهل سحيقة من هذا الحياة والتفت (ص) إلى ابى مويهبة قائلا له: " يا أبا مويهبة اني قد اوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة ".


(1) الصواعق المحرقة. (*)

[ 204 ]

فبهر أبو مويهبة وانطلق قائلا: بأبى أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال (ص): " لا والله لقد اخترت لقاء ربي والجنة ". واستغفر (ص) لاهل البقيع ثم انصرف إلى منزله (ص) فاستقبله عائشة وكانت تشكو صداعا في رأسها وهي تقول: " وارأساه ". " بل أنا والله يا عائشة أقول: وارأساه، ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك، وكفنتك وصليت عليك، ودفنتك ". فأثار ذلك حفيظتها، واندفعت تقول: " والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فاعرست فيه ببعض نسائك ". فتبسم النبي (ص) (2) وجعل يطوف بأزواجه وقد رأى نفسه أنه في حاجة إلى التمريض فاستأذن ازواجه ان يمرض في بيت عائشة فاذن له في ذلك فخرج عاصبا رأسه معتمدا على علي بن ابى طالب، وعمه العباس وقدماه لا تكادان تحملانه من المرض حتى دخل بيت عائشة. سرية اسامة: واستبانت التيارات الحزبية للرسول (ص) وايقن انها جادة في


(1) البداية والنهاية / 224، سيرة ابن هشام 3 / 93، تاريخ الطبري 3 / 190، وذكرت المصادر الشيعية ان النبي (ص) لما أحس بالمرض أخذ بيد علي وتبعه الناس فتوجه إلى البقيع واستغفر لاهله. (2) البداية والنهاية 5 / 224 - 225. (*)

[ 205 ]

مخططاتها الرامية لصرف الخلافة عن اهل البيت (ع) فرأى ان خير وسيلة يتدارك بها الموقف ان يبعث بجميع اصحابه لغزو الروم حتى تخلو عاصمته منهم ليتم الامر إلى ولي عهده الامام أمير المؤمنين (ع) بسهولة ويسر، فامر اعلام المهاجرين والانصار بذلك وكان منهم - فيما يقول المؤرخون - ابو بكر وعمر وأبو عبيدة الجراح وبشير بن سعد (1) وأمر عليهم اسامة ابن زيد وهو شاب حدث السن، وكانت هذه البعثة سنة احدى عشرة للهجرة لاربع ليال بقين من صفر، وقال (ص) لاسامة: " سر إلى موضع قتل ابيك فاوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحا على اهل ابني (2) وحرق عليهم، واسرع السير لتسبق الاخبار فان اظفرك الله عليهم فاقلل اللبث فيهم، وخذ معك الادلاء، وقدم العيون والطلائع معك... " وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى جيشه قد منى بالتمرد فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية فساءه ذلك، وخرج مع ما به من المرض الشديد فحثهم على المسير، وعقد بنفسه اللواء لاسامة وقال له: " اغز بسم الله، وفي سبيل الله، وقاتل من كفر بالله... ". فخرج اسامة بلوائه معقودا ودفعه إلى بريدة، وعسكر ب‍ (الجرف) وتثاقل فريق من الصحابة من الالتحاق بالمعسكر، واظهر الطعن والاستخفاف بالقائد العام للجيش يقول له عمر:


(1) كنز العمال 5 / 312، طبقات ابن سعد 4 / 46، تاريخ الخميس 2 / 46. (2) ابني - بضم الهمزة وسكون الباء، ثم نون مفتوحة بعدها الف مقصورة - ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة تقع بالقرب من موتة التي استشهد فيها زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب. (*)

[ 206 ]

" مات رسول الله (ص) وأنت علي أمير ؟ ! ! ". وانتهت كلماته إلى النبي (ص) وقد ازدادت به الحمى وأخذ منه الصداع القاسي مبلغا عظيما، فغضب (ص) وخرج وهو معصب الرأس قد دثر بقطيفته، وقد برح به الاسى والحزن، فصعد المنبر وأظهر سخطه على عدم تنفيذ أوامره قائلا: " أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة ؟ ولئن طعنتم في تأميري أسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبلهه، وأيم الله انه كان لخليقا بالامارة وان ابنه من بعده لخليق بها.. " ثم نزل عن المنبر ودخل بيته (1) وجعل يوصي اصحابه بالالتحاق باسامة وهو يقول لهم: " جهزوا جيش اسامة ". " نفذوا جيش اسامة ". " لعن الله من تخلف عن جيش اسامة ". ومن المؤسف أنه لم تثر هذه الاوامر المشددة حفائظ نفوسهم، ولم يرهف عزائمهم هذا الاهتمام البالغ من النبي (ص) فقد تثاقلوا عن الالتحاق بالجيش واعتذروا للرسول (ص) بشتى المعاذير، وهو لم يمنحهم العذر وانما أظهر لهم السخط وعدم الرضا، وقد حللنا أبعاد هذه الحادثة المؤلمة ودللنا على مقاصد القوم في الجزء الاول من كتابنا " حياة الامام الحسن ابن علي ".


السيرة الحلبية 3 / 34. (*)

[ 207 ]

اعطاء القصاص من نفسه: وألم المرض بالنبي (ص) فكان يعاني منه أشد العناء، فاستدعى الفضل بن عباس فقال له: خذ بيدي يا فضل، فاخذ بيده حتى اجلسه على المنبر، وأمره ان ينادي بالناس الصلاة جامعة، فنادى الفضل بذلك فاجتمعت الناس فقال صلى الله عليه وآله: " ايها الناس، إنه قد دنا مني خلوف من بين أظهركم، ولن تروني في هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عني حتى اقومه فيكم، الا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت اخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد، ولا يقولن قائل اخاف الشحناء، من قبل رسول الله، الا وان الشحناء ليست من شأني، ولا من خلقي، وان احبكم إلي من اخذ حقا إن كان له علي أو حللني فلقيت الله عزوجل، وليس لاحد عندي مظلمة.. ". وقد اسس (ص) بذلك معالم العدل، ومعالم الحق بما لم يؤسسه أي مصلح في العالم فقد اعطى القصاص من نفسه ليخرج من هذه الدنيا وليس لاي احد حق أو مال أو تبعة عليه، فانبرى إليه رجل فقال له: " يا رسول الله لي عندك ثلاثة دراهم ". فقال (ص): " اما انا فلا اكذب قائلا، ولا مستحلفه على يمين فبم كانت لك عندي ؟ ". قال الرجل: أما تذكر انه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم

[ 208 ]

فأمر (ص) الفضل ان يعطيها له، وعاد (ص) في خطابه فقال: " ايها الناس من عنده من الغلول شئ فليرده ؟ ". فقام إليه رجل فقال له: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله. قال (ص): لم غللتها ؟ كنت إليها محتاجا. فأمر (ص) الفضل أن يأخذها منه فأخذها، وعاد (ص) في مقالته فقال (ص): " ايها الناس من احس من نفسه شيئا فليقم ادع الله له ". فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله اني لمنافق، واني لكذوب، واني لشئوم، فزجره عمر فقال له: " ويحك ايها الرجل لقد سترك الله لو سترت على نفسك ". فصاح به النبي (ص) " صه يابن الخطاب، فضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة، ودعا للرجل فقال: اللهم ارزقه صدقا وايمانا واذهب عنه الشئوم " (1). وانبرى إليه رجل من اقصى القوم يسمى سوادة بن قيس فقال له: يا رسول الله انك ضربتني بالسوط على بطني، وانا اريد القصاص منك فأمر (ص) بلالا ان يحضر السوط ليقتص منه سوادة، وانطلق بلال وهو مبهور، فراح يجوب في ازقة يثرب وهو رافع عقيرته قائلا: " ايها الناس اعطوا القصاص من انفسكم في دار الدنيا، فهذا رسول الله قد اعطى القصاص من نفسه... ". ومضى إلى بيت النبي فأخذ السوط وجاء به إلى الرسول فأمر ان


(1) البداية والنهاية 5 / 231. (*)

[ 209 ]

يناوله إلى سوادة ليقتص منه، فاخذه سوادة واقبل نحو رسول الله (ص) وقد اتجه المسلمون بقلوبهم إلى هذا الحادث الرهيب فالرسول (ص) قد فتك به المرض والم به الداء وهو يعطي القصاص من نفسه، ووقف سوادة على رسول الله فقال له: " يا رسول الله اكشف لي عن بطنك ". فكشف رسول الله (ص) عن بطنه فقال له سوادة بصوت خافت حزين النبرات: " يا رسول الله أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟ ". فاذن له رسول الله فوضع سوادة فمه على بطن رسول الله يوسعها تقبيلا ودموعه تتبلور على خديه قائلا: " أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار ". فقال له رسول الله: " أتعفو يا سوادة أم تقتص ؟ ". " بل اعفو يا رسول الله ". فرفع النبي (ص) يديه بالدعاء قائلا: " اللهم اعفو عن سوادة كما عفا عن نبيك " (1). وذهل المسلمون وهاموا في تيارات من الهواجس والافكار، وأيقنوا بنزول القضاء من السماء، فقد انتهت أيام نبيهم، ولم يبق بينهم إلا لحظات هي أعز عندهم من الحياة.


(1) بحار الانوار 6 / 1035. (*)

[ 210 ]

التصدق بما عنده: وكانت عند النبي (ص) قبل مرضه سبعة دنانير أو ستة فخاف صلى الله عليه وآله أن يقبضه الله وهي عنده فأمر أهله بالتصدق بها، ولكن انشغالهم بتمريضه أنساهم ذلك، وكان (ص) يفكر بها فسألهم عنها فأجابوه انها لا تزال باقية عندهم فطلب منهم أن يحضروها فلما جئ بها إليه وضعها في كفه وقال: " ما ظن محمد بربه لو لقى الله وعنده هذه ". ثم تصدق بها، ولم يبق عنده أي شئ من حطام الدنيا (1)، وقد تحرج (ص) في حياته عن جميع ملاذ هذه الحياة، فكان فيما يقول الرواة إنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير (2) وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (3) وكانت وسادته من أدم حشوها ليف (4) وكان يجلس على حصير حتى أثر في جنبه فقال له أصحابه: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال لهم: مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها (5) وقد جاءته فاطمة بكسرة خبز فقال لها: ما هذه الكسرة يا فاطمة ؟ قالت: قرص خبز


(1) مسند أحمد 6 / 104. (2) صحيح البخاري كتاب الاطعمة. (3) مسند أحمد 4 / 105. (4) صحيح مسلم كتاب اللباس والزينة. (5) صحيح الترمذي 6 / 60. (*)

[ 211 ]

لم تطب نفسي حتى اتيتك بها، فقال (ص): أما انه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام (1). وكان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء (2) وروت عائشة عن زهده فقالت: ظل رسول الله (ص) صائما ثم طوى، ثم ظل صائما ثم طوى، ثم ظل صائما، فقال: يا عائشة ان الدنيا لا تنبغي لمحمد وآل محمد، يا عائشة ان الله لم يرض من اولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها ثم لم يرض مني الا ان يكلفني ما كلفهم فقال: " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) واني والله لاصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة الا بالله (3). وظل رسول الله (ص) على هذه الحالة زاهدا في الدنيا غير حافل بجميع ما فيها من المتع والنعم حتى توفاه الله واختاره إليه. رزيه يوم الخميس: واستشف الرسول (ص) من التحركات السياسية التي صدرت من أعلام صحابته انهم يبغون لاهل بيته الغوائل، ويتربصون بهم الدوائر، وانهم مجمعون على صرف الخلافة عنهم، فرأى (ص) أن يصون امته من الزيغ، ويحميها من الفتن فقال (ص):


(1) طبقات ابن سعد ج 1 القسم 2 ص 114. (2) صحيح الترمذي 2 / 57. (3) الدر المنثور للسيوطي نص عليه في تفسيره لقوله تعالى: " فاصبر كما صبر اولو العزم ". (*)

[ 212 ]

" إئتوني بالكتف والدواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " (1) وهل هناك نعمة على المسلمين اعظم من هذه النعمة ؟ إنه ضمان من سيد الانبياء - الذي لا ينطق عن الهوى - ان لا تضل امته في مسيرتها، وتواكب الحق وتهتدي إلى سواء السبيل. انه صيانة لتوازن الامة، واستقامتها، وضمان لرخائها وامنها، وتطور لحياتها. انه التزام من سيد الكائنات بان لا تصاب امته بنكسة أو ازمة في ميادينها السياسية والاقتصادية. حقا انها فرصة من أثمن الفرص وأندرها في تاريخ هذه الامة، ولكن القوم لم يستغلوها، فقد علموا قصد الرسول (ص) وانه سينص على باب مدينة علمه وأبي سبطيه، وتضيع بذلك اطماعهم ومصالحهم فرد عليه أحدهم: " حسبنا كتاب الله.. " ولو كان هذا القائل يحتمل أن النبي (ص) يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على الشؤون الدينية لما رد عليه بهذه الجرأة، ولكنه علم قصده من النص على خلافة امير المؤمنين. وكثر الخلاف بين القوم فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به الرسول، وطائفة اخرى اصرت على معارضتها خوفا على فوات مصالحها، وانطلقت النسوة من وراء الستر فأنكرن عليهم هذا الموقف المتسم بالجرأة على النبي صلى الله عليه وآله وهو في ساعاته الاخيرة من حياته، فقلن لهم: " ألا تسمعون ما يقول رسول الله ؟ ! ! ". فثار عمر وصاح فيهن خوفا على الامر ان يفلت منهم فقال لهن:


(1) الرواية أخرجه الطبراني في الاوسط، والبخاري، ومسلم وغيرهم (*)

[ 213 ]

" إنكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن اعينكن، وإذا صح ركبتن عنقه... ". فرمقه الرسول وصاح به. " دعوهن فانهن خير منكم... ". وبدا صراع رهيب بين القوم، وكادت أن تفوز الجبهة التي ارادت تنفيذ ما أمر به الرسول (ص)، فانبرى احدهم فسدد سهما لما رامه النبي (ص) وأفسد عليه ما أراد قائلا: " ان النبي ليهجر... " (1) لقد انستهم الاطماع السياسية مقام النبي (ص) الذي زكاه الله وعصمه من الهجر وغيره مما ينقص الناس. ألم يسمعوا كلام الله يتلى عليهم في اناء الليل واطراف النهار، وهو يعلن تكامل النبي (ص) وتوازن شخصيته، قال تعالى: " ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى " وقال تعالى: " انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ". لقد وعى القوم آيات الكتاب في حق نبيهم لم يخامرهم شك في عصمته وتكامل شخصيته، ولكن الاطماع السياسية دفعتهم إلى هذا الموقف الذي يحز في نفس كل مسلم، وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب


(1) نص على الحادثة المؤلمة جميع المؤرخين في الاسلام، وذكرها البخاري في صحيحه عدة مرات في 4 / 68 و 69، و 6 / 8، الا انه كتم اسم القائل، وفي نهاية غريب الحديث، وشرح النهج المجلد الثالث (ص 114) تصريح باسمه. (*)

[ 214 ]

يبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، وهو يصعد آهاته ويقول: " يوم الخميس، وما يوم الخميس ؟ ! ! قال رسول الله (ص): إئتوني بالكتف والدواة: أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقالوا: إن رسول الله يهجر... " (1). حقا انها رزية الاسلام الكبرى فقد حيل بين المسلمين وبين سعادتهم وتقدمهم في ميادين الحق والعدل. فجيعة الزهراء: ونخب الحزن قلب بضعة الرسول (ص) وريحانته، وبرح بها الالم وأضناها الاسى حينما علمت أن أباها مفارق لهذه الحياة فقد جاءت إليه تتعثر بخطاها وهي مذهولة كأنها تعاني الآم الاحتضار فجلست إلى جانبه وهي محدقة بوجهه وسمعته يقول: " واكرباه ". ويمتلئ قلبهاه الطاهر بالاسى والحزن والحسرات فتسرع إليه قائلة: " واكربى لكربك يا أبنتي ". فاشفق الرسول (ص) حينما رأى حبيبته كأنها صورة جثمان قد فارقته الحياة فقال لها مسليا: " لا كرب على أبيك بعد اليوم " (2). فكانت هذه الكلمات أشد على نفسها من هول الصاعقة فقد علمت أن أباها سيفارقها، ورأها النبي (ص) وهي ولهى حائرة، قد خطف


(1) مسند أحمد 1 / 355 وغيره. (2) حياة الامام الحسن 1 / 112. (*)

[ 215 ]

الحزن لونها وهامت في تيارات مذهلة من الاسى فأراد أن يسليها فأمرها بالدنو إليه واسر إليها بحديث فلم تملك نفسها ان غامت عيناها بالدموع ثم أسر إليها ثانية فقابلته ببسمات فياضة بالبشر والسرور، وعجبت عائشة من ذلك وراحت تقول: " ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن ! ! ". وسألتها عائشة عما أسر إليها أبوها فاشاحت بوجهها عنها وأبت أن تخبرها، ولما انصرمت الايام أخبرت سلام الله عليها عن ذلك فقالت أخبرني: " إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وانه عارضني في هذا العام به مرتين ولا أراه الا قد حضر أجلي... ". وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها، وأما سبب سرورها وابتهاجها فتقول أخبرني: " إنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك... الا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة... " (1). لقد كان السبب في اخماد لوعتها اخباره لها أنها اول أهل بيته لحوقا به، وأخذ (ص) يخفف عنها لوعة المصاب قائلا لها: " يا بنية لا تبكي، وإذا مت فقولي انا لله وإنا إليه راجعون، فان فيها من كل ميت معوضة ". وقالت له بصوت خافت حزين النبرات: " ومنك يا رسول الله ؟ ". " نعم ومني " (2).


(1) حياة الامام الحسن 1 / 113. (2) انساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 133. (*)

[ 216 ]

واشتد الوجع برسول الله (ص) فجعلت تبكي وتقول لابيها: أنت والله كما قال القائل: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل وأفاق رسول الله (ص) فقال لها: هذا قول عمك أبي طالب: وقرأ قوله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " (1). وروى انس بن مالك قال: جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين إلى النبي (ص) في مرضه الذي قبض فيه فانكبت عليه، والصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء فنهاها النبي عن ذلك فانطلقت إلى بيتها والنبى تسبقه دموعه، وهو يقول: " اللهم أهل بيتي، وأنا مستودعهم كل مؤمن... ". وجعل يتردد ذلك ثلاث مرات وهو مثقل بالهم لعلمه بما سيجري عليهم من المحن والخطوب. ميراث النبي لسبطيه: ولما علمت سيدة النساء ان لقاء أبيها بربه قريب خفت إلى دارها وصحبت معها ولديها الحسن والحسين، وهي تذرف الدموع، وتطلب مه أن يورثهما شيئا من مكارم نفسه التي عطر شذاها العالم بأسره قائلة: " أبه هذان ولداك فورثهما منك شيئا... ".


(1) أنساب الاشراف ج 1 ق 1 (133). (*)

[ 217 ]

ويفيض عليهما الرسول ببعض خصائصه وذاتياته التي امتاز بها على سائر النبيين قائلا: " أما الحسن فان له هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فان له جرأتي وجودي " (1). ويقومان الحسنان من عند جدهما وقد ورثا منه الهيبة والسؤدد، والجرأة والجود، وهل هناك مما تحويه هذه الارض أثمن وأعز من هذا الميراث الذي لا صلة له بعالم المادة وشؤونها، وانما يحوى كمالات النبوة وخصائصها وصية النبي بالسبطين: وأوصى النبي (ص) الامام عليا برعاية سبطيه، وكان ذلك قبل موته بثلاثة ايام، فقد قال له: " يا أبا الريحانتين أوصيك بريحانتي من الدنيا فعن قليل ينهدم ركناك والله خليفتي عليك... ".


(1) مناقب ابن شهراشوب 2 / 465، وفي نظم درر السمطين (ص 212) ان فاطمة (ع) قالت: يا رسول الله انحل ابني الحسن والحسين فقال: " انحل الحسن المهابة والحلم، وانحل الحسين السماحة والرحمة " وفي رواية: " نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت الصغير المحبة والرضى " وفي ربيع الابرار (ص 315) جاءت فاطمة بابنيها إلى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله انحلهما، قال: فداك أبوك ما لابيك مال فينحلهما ثم أخذ الحسن فقبله، وأجلسه على فخذه اليمنى، وقال: (أما ابني هذا فنحلته خلقي وهيبتي، وأخذ الحسين فقبله ووضعه على فخذه اليسرى، وقال: نحلته شجاعتي وجودي ". (*)

[ 218 ]

ولما قبض الرسول (ص) قال علي: " هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله ". فلما ماتت فاطمة قال علي: " هذا الركن الثاني الذي قال لي رسول الله (ص) " (1). لوعة النبي على الحسين: وخف الامام الحسين (ع) إلى جده الرسول (ص) حينما كان يعانى آلام المرض وشدائد الاحتضار، فلما رآه ضمه إلى صدره وذهل عن آلام مرضه وجعل يقول: " مالي وليزيد، لا بارك الله فيه، اللهم يزيد... ". ثم غشي عليه طويلا، فلما أفاق أخذ يوسع الحسين تقبيلا، وعيناه تفيضان بالدموع، وهو يقول: " أما ان لي ولقاتلك مقاما بين يدي الله عزوجل " (2). لقد تمثلت كارثة الحسين (ع) أمام جده الرسول وهو في ساعاته الاخبرة فزادته آلاما وأحزانا. إلى جنة المأوى: وآن الوقت لتلك الروح العظيمة التي لم يخلق الله نظيرا لها فيما مضى


(1) أمالي الصدوق (ص 119). (2) نفس المهموم للشيخ عباس القمي (ص 29 - 30) نقله عن مثير الاحزان لابن نما الحلي. (*)

[ 219 ]

من سالف الزمن وما هو آت، أن تفارق هذهه الحياة لتنعم بجوار الله ولطفه، وجاء ملك الموت فاستأذن بالدخول على الرسول (ص) فأخبرته الزهراء بأن رسول الله (ص) مشغول بنفسه عنه، فانصرف، وعاد بعد قليل يطلب الاذن، فأفاق الرسول (ص) من اغمائه، وقال لابنته: " أتعرفيه ؟ ". " لا يا رسول الله ". " انه معمر القبور، ومخرب الدور، ومفرق الجماعات ". وقد قلب الزهراء (ع) وأحاط بها الذهول وأخرسها الخطب، واندفعت تقول: " واويلتاه لموت خاتم الانبياء، وامصيبتاه لممات خير الاتقياء، ولانقطاع سيد الاصفياء، واحسرتاه لانقطاع الوحي من السماء، فقد حرمت اليوم كلامك... ". وتصدع قلب النبي (ص) واشفق على بضعته فقال لها: " لا تبكي فانك اول أهلي لحوقا بي " (1). واذن النبي (ص) بالدخول لملك الموت، فلما مثل أمامه قال له: " يا رسول الله، ان الله أرسلني اليك، وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها وإن أمرتني ان اتركها تركتها... " فبهر النبي (ص) وقال له: " أتفعل يا ملك الموت ذلك ؟ ". " بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني ". وهبط جبرئيل على النبي (ص) فقال له:


(1) درة الناصحين (ص 66). (*)

[ 220 ]

" يا أحمد ان الله قد اشتاق اليك " (1). واختار النبي (ص) جوار ربه، فاذن لملك الموت بقبض روحه العظيمة ولما علم أهل البيت (ع) ان النبي (ص) سيفارقهم في هذه اللحظات خفوا إلى توديعه وجاء السبطان فالقيا بأنفسهما عليه وهما يذرفان الدموع والنبى (ص) يوسعهما تقبيلا فأراد أمير المؤمنين (ع) أن ينحيهما عنه فأبى النبي (ص) وقال له: " دعهما يتمتعان مني واتمتع منهما فستصيبهما بعدي إثرة... ". ثم التفت إلى عواده فقال لهم: " قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي، والمضيع لسنتي، والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض... " (2). وقال لوصيه وباب مدينة علمه الامام أمير المؤمنين (ع): " ضع رأسي في حجرك فقد جاءك أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة، وتولى أمري، وصل علي أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله عزوجل... ". وأخذ امير المؤمنين رأس النبي (ص) فوضعه في حجره، ومديده اليمنى تحت حنكه، وقد شرع ملك الموت بقبض روحه الطاهرة، والرسول صلى الله عليه وآله يعاني آلام الموت وشدة الفزع حتى فاضت روحه الزكية فمسح بها الامام وجهه (3).


(1) طبقات ابن سعد 2 / 48. (2) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 114. (3) المناقب 1 / 29، وتضافرت الاخبار بأن رسول الله (ص) توفي ورأسه في حجر علي انظر كنز العمال 4 / 55، طبقات ابن سعد وغيرهما (*)

[ 221 ]

ومادت الارض، وخبا نور العدل والحق، ومضى من كانت حياته رحمة ونورا للناس جميعا، فما اصيبت الانسانية بكارثة اقسى من هذه الكارثة لقد مات القائد والمنقذ والمعلم، واحتجب ذلك النور الذي أضاء الطريق للانسان وهداه إلى سواء السبيل. ووجم المسلمون وطاشت أحلامهم، وعلاهم الفزع، والجزع، والذعر وهرعت نساء المسلمين، وقد وضعن أزواج النبي الجلالبيب عن رؤوسهن يلتدمن صدورهن، ونساء الانصار قد ذبلت نفوسهن من الحزن وهن يضربن الوجوه حتى ذبحت حلوقهن من الصياح (1). وكان أكثر أهل بيته لوعة، وأشدهم حزنا بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) فقد وقعت على جثمانه، وهي تبكي أمر البكاء وأقساه، وهي تقول: " وا أبتاه، وا رسول الله، وا نبي الرحمتاه، الآن لا يأتي الوحي الآن ينقطع عنا جبرئيل، اللهم الحق روحي بروحه، واشفعني بالنظر إلى وجهه، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة " (2). وأخذت تجول حول الجثمان العظيم، وهي تقول: " وا أبتاه إلى جبرئيل أنعاه... وا أبتاه جنة الفردوس مأواه... وا أبتاه أجاب ربا دعاه ! ! " (3).


(1) أنساب الاشراف ق 1 / ج 1 / 574. (2) تاريخ الخميس 2 / 192. (3) سير أعلام النبلاء 2 / 88، سنن ابن ماجة وجاء فيه ان حماد ابن زيد، قال: رأيت ثابت راوي الحديث حينما يحدث به يبكي حتى تختلف أضلاعه. (*)

[ 222 ]

وهرع المسلمون وهم ما بين واجم ونائح قد مادت بهم الارض وذهلوا حتى عن نفوسهم قد عرتهم الحيرة والذهول. تجهيز الجثمان المقدس: وتولى الامام أمير المؤمنين (ع) تجهيز النبي (ص) ولم يشاركه أحد فيه فقام في تغسيله وهو يقول: " بأبي أنت وأمي، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء، وأخبار السماء خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء. ولو لا انك امرت بالصبر، ونهيت عن الجزع لانفذنا عليك ماء الشؤون، ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا... " (1). وكان العباس عم النبي (ص) واسامة يناولانه الماء من وراء الستر (2) وكان الطيب يخرج من بدن رسول الله (ص) والامام يقول: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله طبت حيا وميتا " (3)، وكان الماء الذي


(1) نهج ابلاغة محمد عبده 2 / 255. (2) وفاء الوفاء 1 / 227، البداية والنهاية 5 / 263، وفي كنز العمال 4 / 53 ان عليا غسل رسول الله (ص) وكان الفضل بن عباس وأسامة يناولانه الماء، وفي البداية والنهاية 5 / 260 ان اوس بن خولى الانصاري، وكان بدريا، نادى يا علي ننشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال علي: ادخل فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يل من غسله شيئا. (3) طبقات ابن سعد / القسم الثاني (ص 63). (*)

[ 223 ]

غسل فيه من بئر يقال لها الغرس كان (ص) يشرب منها (1)، وبعد الفراغ من غسله ادرجه في اكفانه، ووضعه على السرير. الصلاة عليه: وأول من صلى على الجثمان المقدس هو الله تعالى من فوق عرشه، ثم جبرئيل، ثم اسرافيل، ثم الملائكة زمرا زمرا (2)، ثم صلى عليه الامام امير المؤمنين (ع) وأقبل المسلمون للصلاة على جثمان نبيهم فقال لهم الامام امير المؤمنين (ع): لا يقوم عليه امام منكم، هو إمامكم حيا وميتا فكانوا يدخلون عليه رسلا رسلا فيصلون عليه صفا صفا ليس لهم امام وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول: " السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته اللهم انا نشهد انه قد بلغ ما أنزل إليه ونصح لامته وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته اللهم فجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه، وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه ". وكان الناس يقولون آمين (3). وكانت الجموع تمر على الجثمان العظيم كاسفة البال كسيرة الطرف قد نخر الحزن قلوبها، فقد مات من دعاهم إلى الهدى والحق، وأسس لهم دولة تدعو إلى انصاف المظلوم، والانتصاف من كل معتد أثيم، ومن أشعل نور الهدى، وأضاء الحياة الفكرية في جميع انحاء الارض.


(1) البداية والنهاية 5 / 261. (2) حلية الاولياء 4 / 77. (3) كنز العمال 4 / 54. (*)

[ 224 ]

دفنه: وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم وودعوه الوداع الاخير قام الامام امير المؤمنين (ع) في غسل الليل فوارى الجثمان المقدس في مثواه الاخير ووقف على حافة القبر وهو يروي ترابه بماء عينيه، وقال بصوت خافت حزين النبرات: " ان الصبر لجميل الا عنك، وان الجزع لقبيح الا عليك، وان المصاب بك الجليل، وانه قبلك وبعدك لجلل... " (1). لقد انطوت الوية العدل، ومادت أركان الحق، وارتفع ذلك اللطف الآلهي الذي غير مجرى الحياة إلى واقع مشرق تتلاشى فيه آهات المظلومين والمعذبين ولا يكون فيه ظل للحاجة والحرمان، ويجد فيه الانسان جميع ما يصبو إليه من الدعة والامن والاستقرار. فزع العترة الطاهرة: وفزعت العترة الطاهرة من موت الرسول (ص) كأشد وأقسى ما يكون الفزع فقد خافت من انتفاض العرب الذين وترهم الاسلام عليها فان نزعة الاخذ بالثأر متأصلة وذاتية عند العرب وغيرهم، وقد كانت قلوبهم مليئة بالحقد والكراهية لاسرة النبي (ص) يتربصون بها الدوائر، ويبغون لها الغوائل للانتقام منها، وكانوا يرون ان عليا هو الذي وترها وأطاح برؤوس أبنائها، فهي تتطلع إليه للاخذ بثأرها منه، وقد أيقن علي


(1) نهج البلاغة محمد عبده 3 / 224. (*)

[ 225 ]

وسائر أفراد اسرته بذلك، فقد باتوا ليلة وفاة النبي (ص) وهم يتوسدون الارق، قد أحاطت بهم الهواجس، والآلام، وقد حكى مدى ذعرهم الامام الصادق عليه السلام بقوله: " لما مات النبي (ص) بات أهل بيته كأن لا سماء تظلهم ولا ارض تقلهم لانه وتر الاقرب والابعد... " (1). وقد عانى الامام الحسين (ع) وهو في سنه المبكر هذه المحنة الكبرى وعرف أبعادها، وما تنطوي عليه من الرزايا التي ستعانيها اسرته، كما انه قد فقد بموت جده العطف الذي كان يغدقه عليه، وقد اضناه ما حل بأبويه من فادح الاسى والحزن بموت الرسول (ص) وقد ترك ذلك اسى في نفسهه استوعب مشاعره وعواطفه. لقد مضى الرسول (ص) إلى جنة المأوى، وكان عمر الامام الحسين عليه السلام - فيما يقول المؤرخون - ست سنين وسبعة أشهر (2) وقد تكاملت في ذلك الدور جميع مظاهر شخصيته وعرف واقع الاحداث التي جرت وما دبره القوم من المخططات الرهيبة لصرف الخلافة عن اهل البيت (ع)، فقد تركوا جنازة نبيهم غير حافلين بها وذهبوا يختصمون على الحكم ويتنازعون على السلطان، وقد عرفته تلك الاحداث طبيعة المجتمع وسائر غرائزه واتجاهاته، فأعلن (ع) رأيه فيه بقوله: " الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحيطونه حيث ما دارت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون، وهذه الظاهرة الذاتية سائدة في جميع انحاء المجتمع لا تتخلف في جميع ادوار التاريخ. (1) بحار الانوار ج 6 / باب وفاة النبي. (2) منهاج السنة 3 / 11، وجاء فيه ان النبي (ص) مات ولم يكمل الحسين سبع سنين. (*)

[ 226 ]

لقد حفلت وفاة النبي (ص) باحداث رهيبة بالغة الخطورة كان من أفجعها وأقساها ابعاد العترة الطاهرة عن الشؤون السياسية في البلاد وجعلها في معزل عن واقع الحياة الاجتماعية، في حين ان الامة لم تكن بأي حال في غنى عن ثرواتها الفكرية والعلمية المستمدة من الرسول الاعظم (ص) كما ان الهزات العنيفة التي منيت بها الامة إنما جاءت نتيجة حتمية لفصل الخلافة عن أهل البيت، فقد انتشرت الاطماع السياسية بشكل سافر عند كثير من الصحابة مما أدى إلى تشكيلهم للاحزاب النفعية التي لم تكن تنشد في مخططاتها السياسية سوى الوصول إلى الحكم والتنعم بخيرات البلاد. وعلى أي حال فان موت الرسول (ص) كان من أفجع الكوارث الاجتماعية التي دهمت المسلمين، وقد حكى الذكر الحكيم مدى خطورتها قال تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا "، وقد تحقق هذا الانقلاب الخطير الذي عناه الله على مسرح الحياة العامة، وكان من أفجع أنواعه ابادة العترة الطاهرة على صعيد كربلاء، ورفع رؤوس أبناء النبي (ص) على الحراب وسبي مخدرات الرسالة يطاف بها في الاقطار والامصار. (*)

[ 227 ]

حكومة الشيخين

[ 229 ]

والشئ المحقق ان الرسول (ص) قد اهتم اهتماما بالغا بتكييف حالة المسلمين وتقرير مصيرهم، واستمرار حياتهم في طريقها إلى التطور في مجالات الاجتماعية والسياسية، ورسم لها الطريق على أساس من المنهج التجريبي الذي لا يخضع بأي حال لعوامل العاطفة أو المؤثرات الخارجية، فعين لها الامام أمير المؤمنين (ع) لقيادتها الروحية والزمنية، وذلك لما يتمتع به من القابليات الفذة التي هي باجماع المسلمين لم تتوفر في غيره، ولعل من أهمها ما يلي: 1 - احاطته بالقضاء فقد كان المرجع الاعلى للعالم الاسلامي في ذلك وقد اشتهرت مقالة عمر فيه: " لولا علي لهلك عمر " ولم ينازعه أحد من الصحابة في هذه الموهبة، فقد أجمعوا على أنه أعلم الناس بعد رسول الله (ص) وأبصرهم بأمور الدين وشؤون الشريعة، وأوفرهم دراية في الشؤون السياسية والادارية، وعهدههه لمالك الاشتر من أوثق الادلة على هذا القول، فقد حفل هذا العهد بما لم يحفل به أي دستور سياسي في الاسلام وغيره فقد عنى بواجبات الدولة تجاه المواطنين ومسؤوليتها بتوفير العدل السياسي والاجتماعي لهم، كما حدد صلاحيات الحكام ومسؤولياتهم، ونص على الشروط التي يجب أن تتوفر في الموظف في جهاز الحكم من الكفاءة، والدراية التامة بشؤون العمل الذي يعهد إليه، وأن يتحلى بالخلق والايمان، والحريجة في الدين إلى غير ذلك من البنود المشرقة التي حفل بها هذا العهد والتي لا غنى للامة حكومة وشعبا عنها، وقد ألمعت كثير من رسائله إلى ولاته وعماله بالشؤون السياسية التي دلت على أنه ألمع سياسي في الاسلام وغيره، وكما كان أعلم المسلمين بهذه الامور فقد كان من أعلمهم بسائر العلوم الاخرى كعلم الكلام والفلسفة وعلم الحساب وغيرها، وقد فتق أبوابا كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علما حسب ما يقول المترجمون له، ومع هذهه الثروات العلمية الهائلة

[ 230 ]

التي يتمتع بها كيف لا ينتخبه الرسول (ص) أو يرشحه لمنصب الخلافة التي هي المحور الذي تدور عليه سيادة الامة وأمنها. ان الطاقات العلمية الضخمة التي يملكها الامام تقضى بحكم المنطق الاسلامي الذي يؤقر الصالح العام على كل شئ أن يكون هو المرشح للقيادة العامة دون غيره، فان الله تعالى يقول: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وليس أدعى إلى السخرية من القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل، فان هذا المنطق يوجب الغبن في العلم والزهد في الفضيلة وتأخير الامة وانحطاط قيمها ومثلها. 2 - ان الامام أمير المؤمنين (ع) كان من أشجع الناس، وأثبتهم قلبا، وقد استوعبت شجاعته النادرة جميع لغات الارض، وهو القائل سلام الله عليه: " لو تظافرت العرب على قتالي لما وليت عنها "، وقد قام هذا الدين بسيفه وبني على جهادهه وجهوده، وهو صاحب المواقف المشهورة يوم بدر، ويوم حنين، ويوم الاحزاب، قد حصد رؤوس المشركين، وأباد ضروسهم، وأشاع فيهم القتل، لم تنفتح ثغرة على الاسلام إلا تصدى إلى اسكاتها، وقدمه رسول الله (ص) أميرا في جميع المواقف والمشاهد، واسند إليه قيادة جيوشه العامة، وما ولج حربا إلا فتح الله على يده وهو الذي قهر اليهود، وفتح حصون خيبر، وكسر شوكتهم وأخمد نارهم. والشجاعة من العناصر الاساسية التي تتوقف عليها القيادة العامة، فان الامة إذا منيت بالازمات والنكسات وكان زعيمها ضعيف الارادة خائر القوى جبان القلب فانها تصاب حتما بالكوارث والخطوب، وتلاحقها الضربات والنكبات. ومع توفر هذه الصفة بأسمى معانيها في الامام أمير المؤمنين (ع)

[ 231 ]

كيف لا يرشحه النبي (ص) للخلافة الاسلامية ؟ انه بحكم شجاعته الفذة التي تصحبها جميع الصفات الفاضلة والمثل الكريمة كان متعينا لقيادة الامة وادارة شؤونها، حتى لو لم يكن هناك نص من النبي (ص) عليه. 3 - وأهم صفة لابد من توفرها عند من يتصدى از عامة الامة نكران الذات، وايثار مصلحة الامة على كل شئ، وعدم الاستئثار بالفئ وغيره من أموال المسلمين، وكانت هذه الظاهرة من أبرز ما عرف به الامام أيام حكومته فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم حاكما تنكر لجميع مصالحه الخاصة كالامام أمير المؤمنين (ع) فلم يدخر لنفسه ولا لاهل بيته شيئا من أموال الدولة، وتحرج فيها تحرجا شديدا، وقد أجهد نفسه على أن يسير بين المسلمين بسيرة قوامها الحق المحض والعدل الخالص، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل عند البحث عن حكومته. 4 - العدالة: وهي من أبرز الصفات المائلة في شخصية الامام فقد أترعت نفسه الشريفة بتقوى الله، والتجنب عن معاصيه، فلم يؤثر أي شئ على طاعة الله، وقد تحرج أشد ما يكون التحرج عن كل ما لا يقره الدين وتأباه شريعة الله، وهو القائل: " والله لو اعطيت الاقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في جلب شعيرة أسلبها من فم جرادة ما فعلت ". وكان من مظاهر عدالته النادرة انه امتنع من اجابة عبد الرحمان بن عوف حينما ألح عليه أن يقلدهه الخلافة شريطة الالتزام بسياسة الشيخين فأبى الا أن يسير على وفق رأيه واجتهاده الخاص، ولو كان من طلاب الدنيا وعشاق السلطان لاجابه إلى ذلك ثم يسير على وفق ما يراه، ولكنه لا يلتزم بشئ لا يقره، فلم يسلك أي طريق فيه التواء أو انحراف عن مثل الاسلام وهدية. لقد توفرت العدالة بارحب مفاهيمها في شخصية الامام (ع) وهي

[ 232 ]

من العناصر الرئيسية التي يجب أن يتحلى بها من يتقلد زمام الحكم ويلي أمور المسلمين. هذه بعض خصائص الامام (ع) فكيف لا يرشحه النبي (ص) ولا ينتخبه لمنصب الخلافة ؟ ! ! على أنا لو التزمنا بمبدأ الوراثة الذي احتج به المهاجرون على الانصار لكان الامام أولى من غيره بمقام النبي (ص) فهو ابن عمه وختنه على أبنته وأبو سبطيه، يقول سيديو: " لو كان قد تم الاعتراف بمبدأ الوراثة وهو في صالح علي منذ البداية لكان بوسع ذلك أن يمنع المنازعات النكباء التي اغرقت الاسلام في الدم. كان زوج فاطمة يضم في شخصه حق الوراثة كوارث شرعي للرسول كما يضم الحق بالانتخاب " (1). إن التأمل الدقيق الذي لا يخضع لعوامل العاطفة والتقليد يقضي بأن النبي (ص) قد عين من ينوب عنه في ادارة شؤون الخلافة، ولم يهمل هذه الجهة المصيرية لامته، وانه قد نص على الامام أمير المؤمنين لا لقاعدة الوراثة وغيرها من الاعتبارات العاطفية، وانما لتوفر الصفات القيادية في شخصيته... وان من أوهى الاقوال وأكثرها بعدا عن منطق الدليل القول بأن النبي (ص) قد أهمل أمر الخلافة، ولم يعرض لها بشئ، وانما ترك أمرها للمسلمين، وجعل لهم الحرية في اختيار من شاؤا فان ذلك - حسب ما يقوله علماء الشيعة - تدمير للبناء الاجتماعي الذي أقامه الاسلام والقاء للامة في الفتن والازمات، وفعلا قد تحقق ذلك على مسرح الحياة الاسلامية حينما عمدت الامة إلى إلغاء النصوص الواردة من النبي في حق الامام (ع) فقد واجهت هزات عنيفة، وعصفت بها الفتن والاهواء فقد سادت الاطماع السياسية عند الكثيرين من قادة المسلمين، وتهالكوا على


(1) روح الاسلام (ص 292). (*)

[ 233 ]

الامرة والسلطان، فدفعوا بالقطاعات الشعبية إلى الحروب الطاحنة، تحقيقا لاهدافهم ومطامعهم حتى شاع الثكل والحداد في جميع أنحاء العالم الاسلامي يقول الاستاذ محمد سيد الكيلاني: " لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعا قل أن نجد له مثيلا في الامم الاخرى، وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفف نحن عن ارتكابه الآن، فترتب على ذلك ان أزهقت أرواح، ودمرت مدن، وهدمت قرى، وأحرقت دور، وترملت نساء، وتيتمت أطفال، وهلك من المسلمين خلق كثير... " (1). ومن الطبيعي ان ذلك الدمار الذي حل بالمسلمين كان نتيجة حتمية لانحراف الخلافة عن مجراها الاصيل الذي اراده الله لها من جعلها في العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم. وعلى أي حال فاني أحاول بكل جهد في هذه البحوث أن اتجه صوب الحق، واصور الاحداث التي رافقت بيعة الشيخين، اصور ذلك بدقة وتجرد شأن الباحث الذي يهمه الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلا. مؤتمر السقيفة: لا ارى هناك حادثة أخطر على الامة من مؤتمر السقيفة الذي عقده الانصار للاستيلاء على الحكم، والاستبداد بشؤون الدولة، فقد كان الحجر الاساسي لتدهور الامة، وما عانته من الكوارث والخطوب، فقد انبثت فيها الاطماع، وسادت فيها الاهواء يقول بولس سلامة:


(1) أثر التشيع في الادب العربي (ص 15). (*)

[ 234 ]

وتوالت تحت السقيفة أحدا * ث أثارت كوامنا وميولا نزعات تفرقت كغصون ال‍ * - عوسج الغض شائكا مدخولا لقد جر هذا المؤتمر السياسي سلسلة طويلة من الاحداث المريعة التي كان منها - فيما يقول المحققون - رزية كربلاء، يقول الامام كاشف الغطاء رحمه الله: تالله ما كربلا لو لا (سقيفتهم) ومثل ذا الفرع ذاك الاصل ينتجه ولابد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا المؤتمر الخطير، وكيف فاز فيه أبو بكر ؟ بواعث المؤتمر: أما البواعث التي أدت إلى تسابق الانصار إلى عقد مؤتمرهم بتلك السرعة الخاطفة، وعدم التريث في الامر حتى يوارى النبي (ص) في مثواه الاخير فهي: 1 - بوضوح - بوادر التمرد، فقد امتنعوا من الالتحاق بسرية أسامة وحالوا بين النبي (ص) وبين ما رامه من الكتابة التي وصفها بأنها تضمن لامته سعادتها وأصالتها. وأكبر الظن ان الانصار وقفوا على حقد المهاجرين وكراهيتهم للامام قبل وفاة النبي (ص) بزمان بعيد، وانهم لا يخضعون لحكمه، ولا يرضون بسلطانه لان الامام قد وترهم، وحصد رؤوس أعلامهم، يقول عثمان بن عفان للامام:

[ 235 ]

" ما أصنع ان كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلا كأن وجوههم شنوف الذهب تصرع آنافهم قبل شفاههم " (1). ودلل عثمان على مدى لوعة قريش وحزنها على من قتل منها في واقعة بدر من الرجال الذين كانت وجوههم شبيهة بشنوف الذهب لنضارتها وحسنها وقد صرعت أنافهم ذلا قبل شفاههم، ومما لا شك فيه انها كانت ترى الامام (ع) هو الذي وترها، فهي تطالبه بذحلها والدماء التي سفكها، يقول الكناني محرضا لقريش على الوقيعة بالامام والطلب بثأرها منه: في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكى القرح لله دركم ألما تذكروا * قد يذكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة (2) الذي أفناكم * ذبحا بقتله بعضه لم يذبح اين الكهول واين كل دعامة * في المعضلات واين زين الابطح (3) ويروي ابن طاووس عن أبيه يقول: قلت لعلي بن الحسين (ع): ما بال قريش لا تحب عليا ؟ فأجابه (ع) " لانه أورد أولهم النار والزم آخرهم العار... " (4). وعلى أي حال فان الانصار قد علمت أن المهاجرين من قريش يدبرون المؤامرات ويبغون الغوائل للامام، وانهم لا يرضون بحكمه، وقد أعلنوا ذلك يوم غدير خم فقد قالوا: " لقد حسب محمد أن هذا الامر قد تم لابن عمه وهيهات أن يتم " وقد أيقن الانصار انهم سيصيبهم الجهد والعناء ان استولى المهاجرون على زمام الحكم، وذلك بسبب مودتهم للامام، فلذلك


(1) شرح النهج 9 / 22. (2) فاطمة: هي بنت أسد أم الامام أمير المؤمنين. (3) شرح النهج. (4) معجم ابن الاعرابي 4 / 16. (*)

[ 236 ]

بادروا إلى عقد مؤتمرهم، والعمل على ترشيح أحدهم للخلافة. 2 - واستبان للانصار فيما أخبر به النبي (ص) أن أهل بيته لا ينالون الخلافة، وانهم المستضعفون من بعده، فقد روى شيخ الامامية الشيخ المفيد أنه بقي عند النبي (ص)، في مرضه عمه العباس، وابنه الفضل، وعلي ابن أبي طالب، وأهل بيته خاصة، فقال له العباس: إن يكن هذا الامر مستقرا فينا من بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوصي بنا فقال (ص): " أنتم المستضعفون من بعدي " (1) وسبق النبي (ص) أن أذاع ذلك بين المسلمين فاحتاطت الانصار لانفسها فبادرت لعقد مؤتمرها للاستيلاء على الحكم لئلا يسبقهم إليه المهاجرون من قريش. 3 - ان الانصار كانوا العمود الفقري للقوات الاسلامية المسلحة وقد أنزلوا الضربات القاصمة بالقرشيين فأبادوا اعلامهم وأشاعوا في بيوتهم الحزن والحداد في سبيل الاسلام، وقد علموا ان الامر إذا استتب للقرشيين فانهم سيمعنون في قهرهم واذلالهم طلبا بثأرهم وقد أعلن ذلك الحباب بن المنذر بقوله: " لكننا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم واخوانهم " وتحقق هذا التنبؤ فانه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الامد حتى آل الحكم إلى الامويين فسعوا جاهدين في اذلال الانصار وقهرهم واشاعة الفقر والحاجة فيهم، وقد بالغ معاوية في الانتقام منهم، ولما ولي الامر من بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم بجيوشه في واقعة الحرة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيرا في فظاعتها وقسوتها. هذه بعض العوامل التي أدت إلى مبادرة الانصار لعقد مؤتمرهم الذي أحاطوه بكثير من السر والكتمان.


(1) الارشاد (ص 99). (*)

[ 237 ]

الخطاب السياسي لسعد: ولما اجتمع الآوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم، وكان مريضا فلم يتمكن ان يجهر بكلام وإنما كان يقول: ويبلغ مقالته بعض أقربائه وهذا هو نص خطابه: " يا معشر الانصار لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الاسلام ليست لاحد من العرب، إن محمدا (ص) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمان وخلع الانداد والاوثان، فما آمن به الا القليل ما كانوا يقدرون على منعه، ولا على اعزاز دينه، ولا على دفع ضيم حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق اليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الايمان به وبرسوله، والمنع له ولاصحابه، والاعزاز له ولدينه، والجهاد لاعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه، حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير العين، استبدوا بهذا الامر دون الناس فانه لكم دونهم... " (1) وحفل خطابه بالنقاط التالية: 1 - الاشادة بنضال الانصار وبسالتهم الفذة في نصرة الاسلام، واعزاز كلمته، وقهر القوى المعادية له، حتى استقام أمره وهو عبل الذراع، فلهم الفضل الاكبر في نشره، وازدهارهه فهم الذين حموا النبي صلى الله عليه هو آله أيام محنته وغربته، فإذن هم أولى بالنبي (ص) وأحق بمنصبه من غيرهم لان من كان عليه العزم فهو أولى بالغنم. 2 - التنديد بالاسر القرشية التي ما آمنت بالنبي (ص) وناهضت


(1) الكامل 2 / 222، الطبري 3 / 307. (*)

[ 238 ]

رسالته، وناجزته الحرب، حتى اضطر إلى الهجرة ليثرب، وان من آمن به منهم لم يتمكن ان يحميه ويذب عنه، وبذلك فلا حق لهم في الحكم ولا نصيب لهم في ادارة شؤون الدولة الاسلامية التي أقامها الرسول (ص) والتي ما قامت الا على سواعد الانصار وجهادهم. المؤاخذة على سعد: ومما يؤخذ به على سعد أنه قد تناسى العترة الطاهرة التى هي عديلة القرآن الكريم فلم يعرض إلى سيدها الامام امير المؤمنين الذى هو باب مدينة علم النبي ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى، فقد تجاهله، ودعا إلى نفسه وقومه، وأول سهم سدد إلى آل البيت (ع) كان من ذلك اليوم الذي تعمد فيه الانصار والمهاجرون على الغض من كرامة عترة نبيهم في سبيل الوصول إلى كراسي الحكم، والتنعم بخيرات الدولة ومناصبها. وعلى أي حال فان سعدا قد أخطأ إلى حد بعيد في تجاهله لحق الامام عليه السلام، ولا نرى له أي مبرر في ذلك فقد جر للامة الفتن والويلات وألقاها في شر عظيم، فقد انحرفت الخلافة عما ارادها الله ورسوله من جعلها في العترة الطاهرة التي هي أحرص ما تكون على الالتزام بحر فيه الاسلام وتطبيق شؤونه وأحكامه. وقد لاقى سعد جزاء عمله فانه لم يكد يستقر الحكم إلى أبي بكر حتى جهد في ملاحقته وفرض الرقابة عليه حتى اضطر إلى الهجرة من يثرب إلى أرض الشام فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له فكمنا له ليلا وطعناه وألقياه في البئر، وتحدثوا أن الجن هي التي قتلته، ورووا على لسانها شعرا تفتخر فيه بقتله وهو:

[ 239 ]

نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده ومن الغريب أن سياسة الحكم في تلك العصور قد استخدمت الجن واتخذته في أدواتها، وقد آمن بذلك السذج والبسطاء من غير وعي وادراك للاهداف السياسية. وهن الانصار: ولم تكن للانصار ارادة صلبة، ولا عزم ثابت كما لا دراية لهم في الشؤون السياسية، فقد منوا - على كثرتهم - بالوهن والضعف والتخاذل فكانوا بعد خطاب سعد - فيما يقول المؤرخون - قد ترادوا الكلام فيما بينهم، فقالوا: فان أبى المهاجرون من قريش، وقالوا: نحن المهاجرون وأصحابه الاولون، وعشيرته وأولياؤه فعلام تنازعون هذا الامر بعده ؟ فقالت طائفة منهم: فانا نقول: منا أمير، ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبدا، وثار سعد حينما رأى هذا الروح الانهزامية قد سرت في نفوس قومه فقال: " هذا أول الوهن " (1). أجل إن هذا أول الوهن وآخرهه فقد كشف عن ضعف نفوسهم، وتفلل صفوفهم، وعدم نضوجهم في الميادين السياسية فانهم انما عقدوا اجتماعهم، وأحاطوه بكثير من الكتمان ليسبقوا الاحداث، ويظفروا بالحكم قبل أن يعلم المهاجرون من قريش، ولكنهم ضلوا قابعين في هذا الصراع الفارغ حتى أضاعوا عليهم الفرصة فقد دهمهم المهاجرون، وأشاعوا بينهم الاختلاف والفرقة حتى سيطروا على الوضع، واستولوا على زمام الحكم.


(1) الكامل لابن الاثير 2 / 222. (*)

[ 240 ]

احقاد واضغان: وشئ آخر كان السبب في انهزام الانصار هو شيوع الاحقاد والاضغان فيما بينهم. لقد كانت هناك ثورات وأحقاد بين الاوس والخزرج منذ عهد بعيد أدت إلى اراقة الدماء واشاعة الفرقة والعداء فيما بينهم، وكان آخر أيام حروبهم - فيما يقول المؤرخون - هو يوم (بغاث) وذلك قبل ان يهاجر النبي (ص) إلى يثرب بست سنين، ولما أطل النبي (ص) عليهم عمل جاهدا على نشر المحبة والوئام فيما بينهم، واذابة الاحقاد والاضغان ولكنها لم تزل كامنة في نفوسهم، تظهر في كثير من الاحيان حينما تحدث عوامل التنافس فيما بينهم حسب ما نص عليه المؤرخون، وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة، فقد حقد خضير بن أسيد زعيم الاوس على سعد حينما رشحه القوم لمنصب الخلافة فكان يقول لقومه: " لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر... " (1). ودل ذلك على مدى الحقد الكامن في نفوس الاوس للخزرج فان سعدا ان ولي الحكم مرة واحدة فتكون بذلك فضيلة للخزرج على الاوس وهذا مما يثفل على زعيم الاوس، وفعلا قد انبرى مع قومه فبايع أبا بكر ولولاه لما تم الامر له. ومضافا إلى ذلك فان بعض الاوس ممن كانوا يحقدون على سعد، ويستكثرون عليه هذا المنصب فان بشير بن سعد الخزرجي كان من أهم


(1) تاريخ ابن الاثير 2 / 224. (*)

[ 241 ]

المنافسين له فانحاز مع الخزرج فبايع أبا بكر، وأفسد على سعد أمره. وعلى أي حال فان هذا الاختلاف والتشاحن مما أوجب أن يفلت الامر من أيدي الانصار ويظفر به المهاجرون من قريش. فذلكة عمر: وشئ خطير بالغ الاهمية قام به عمر لتجميد الاوضاع، وايقاف أي عملية تؤدي إلى انتخاب من يخلف الرسول (ص)، لان زميله أبا بكر لم يكن في يثرب عند وفاة النبي (ص) وانما كان في (السنح) (1). فبعث خلفه من يأتي به إلا أنه خشي أن يتقدم إلى الساحة أحد قبل مجيئه، فانطلق بحالة رهيبة، وهو يجوب في أزقة يثرب وشوارعها ويقف عند كل تجمع من الناس، ويهز بيده سيفه، وينادي بصوت عال قائلا: " إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله (ص) قد مات، وانه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران... والله ليرجعن رسول الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته ". وجعل لا يمر بأحد يقول: مات رسول الله إلا خطبه بسيفه وتهدده وتوعده (2)، وذهل الناس، وساورتهم الاوهام والشكوك، وعصفت بهم أمواج رهيبة من الحيرة فلا يدرون أيصدقون مزاعم عمر بحياة النبي صلى الله عليه وآله وهي من أعز ما يأملون، ومن أروع ما يحملون ؟


(1) السنح: محل يبعد عن المدينة بميل، وقيل هو أحد عواليها، ويبعد عنها بأربعة أميال. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد. (*)

[ 242 ]

أم يصدقون ما عاينوه من جثمان النبي (ص) وهو مسجى بين أهله لا حراك فيه ؟ ! ! ويستمر عمر يبرق ويرعد حتى " أزبد شدقاه " وهو يتهدد بالقتل ويتوعد بقطع الايدي والارجل ممن أرجف بموت النبي (ص) إلا انه لم يمض قليل من الوقت حتى جاء خدنه وصاحبه أبو بكر من (السنح) فانطلق مع إلى بيت النبي (ص) فكشف أبو بكر الرداء عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآلهه ليتحقق وفاته، وبعدما اطمئن بموته خرج إلى الناس وهو يفند مزاعم عمر، والتفت إلى الجماهير الحائرة التي أخرسها الخطب بموت منقذها العظيم قائلا: " من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت... وتلا قوله تعالى: " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ". ولم يلبث عمر ان أسرع إلى الاذعان والتصديق، وانبرى يقول: " فوالله ما هو الا إذا سمعتها فعقرت حتى وقعت على الارض ما تحملني رجلاي، وقد علمت أن رسول الله قد مات " (1). نقاط مهمة: ونحن إذا تأملنا بدقة وامعان هذه البادرة الغريبة التي صدرت من الشيخين نجد فيها عدة نقاط مهمة تسترعي الاهتمام والتحليل وهي: 1 - ان عمر قد أنكر بصورة جازمة، وباصرار بالغ موت النبي


(1) الكامل 2 / 219. (*)

[ 243 ]

صلى الله عليه وآله فقد زعم أنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وانه لابد ان يرجع إلى الارض وينكل بالمرجفين بموته، ومما لا شك فيه ان ذلگ لم يكن عن ايمان منه بحياة النبي (ص) وانما كان ذلك استغلالا للفرص، وتوصلا إلى أهدافه السياسية حسب المخططات التي وضع برامجها اقطاب حزبه كأبي بكر، وأبي عبيدة، ويدل على ذلك ما يلي: أ - أن عمر بالذات كان من المتفائلين بموت النبي (ص) في ذلك فكان يقول لاسامة: " مات رسول الله (ص) وأنت علي أمير ؟ هذا ورسول الله (ص) كان حيا، وقد اطمأن بوفاته حينما نعى (ص) نفسه إلى المسلمين، وساق لهم الامارات التي تدل على وفاته حسبما تقدمت في البحوث السابقة. ب - انه وقف امام النبي (ص) في مرضه الذي توفي فيه وقد صده عما رامه من الكتابة التي تقي أمته من الفتن والضلال، وقال له: " حسبنا كتاب الله ". ومن الطبيعي انه انما قال ذلك حينما أيقن بوفاة النبي (ص) ج - ان كتاب الله العظيم أعلن أن كل انسان لابد ان يتجرع كأس المنية قال تعالى: " كل نفس ذائقة الموت ثم الينا ترجعون " وقال تعالى: في خصوص نبيه: " انك ميت وانهم لميتون " وقال تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم وهذه الآيات تتلى في وضح النهار، وفي غلس الليل، أفهل خفيت على عمر، وهو ممن يسمع كتاب الله، ويصابح رسول الله (ص) ويماسيه ؟ وتصديقه بلا مناقشة لمقالته حينما أعلن وفاة النبي (ص) كل ذلك يقضي - بلا شبهة - انه انما قام بهذههه العملية توصلا إلى مأربه وأهدافه.

[ 244 ]

ان حكم عمر بأن رسول الله (ص) سوف يرجع إلى الارض ويقطع أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته، لا يخلو من وهن فان تقطيع الايدي والارجل والحكم بالاعدام انما يكون للذين يخرجون عن دين الله، أو يسعون في الارض فسادا، وليس القول بموت النبي (ص) مما يوجب ذلك قطعا. 3 - إن أبا بكر أعلن في خطابه الذي نعى به النبي (ص): " من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت " ومن المقطوع به انه لم يؤثر عن أي أحد من المسلمين انه كان يعبد رسول الله (ص) أو اتخذه ربا من دون الله، وانما أجمع المسلمون على انه عبد الله ورسوله اختاره الله لوحيه واصطفاه لرسالته. مباغتة الانصار: وحينما كان الانصار في سقيفتهم يدبرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة والبيعة، إذ خرج من مؤتمرهم وهم لا يشعرون عويم ابن ساعدة الاوسي، ومعن بن عدي حليف الانصار، وكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول الله (ص) ومن اعضاء حزبه، وكانت نفوسهما مترعة بالحقد والكراهية لسعد وانطلقا مسرعين واخبرا أبا بكر وعمر بذلك ففزعا وانطلقا مسرعين ومعهما أبو عبيدة بن الجراح (1) وسالم مولى أبي حذيفة وتبعهم جماعة آخرون من المهاجرين فكبسوا الانصار في ندوتهم، واسقط ما بأيدي الانصار وذهلوا وغاض لون سعد، وتخوف من خروج الامر عنهم، وذلك لعلمه بضعف الانصار وتفلل قواهم، وتصدع وحدتهم، فهو قد أحاط مؤتمرهم بكثير من السر والكتمان، خوفا من


(1) تاريخ الطبري 3 / 62. (*)

[ 245 ]

الهاجرين وبدخولهم المفاجأ، فقد انهارت جميع مخططاته، وفشلت جميع مساعيه في عقد البيعة له. خطاب أبي بكر: وبعد أن ولج المهاجرون في مؤتمر الانصار أراد عمر أن يفتح الحديث فنهره أبو بكر وذلك لعلمه بشدته وهي لا تنجح في مثل هذا الموقف الملبد والملئ بالاضغان والاحقاد ويجب أن تستعمل فيه الاساليب السياسية والبراعة الفائقة والكلمات الناعمة لكسب الموقف، وأنبرى أبو بكر فخاطب القوم وقابلهم ببسمات فياضة بالبشر قائلا: " نحن المهاجرون أول الناس اسلاما، وأكرمهم احسابا، وأوسطهم دارا وأحسنهم وجوها، وأمسهم برسول الله (ص) وأنتم أخواننا في الاسلام وشركاؤنا في الدين نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا، فنحن الامراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على اخوتكم المهاجرين ما فضلهم الله به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح -... " (1). دارسة وتحليل: ولابد لنا من وقفة قصيرة للنظر في هذا الخطاب: 1 - انه لم يعن بوفاة النبي (ص) التي هي أعظم رزية مني بها المسلمون، وأفجع كارثة تصدعت من هولها القلوب، وكان الاجدر به


(1) تاريخ الطبري 3 / 62. (*)

[ 246 ]

أن يعزيهم بوفاة منقذهم، ويذكرهم باحسانه وبره بدينهم ودنياهم، ويدعوهم إلى القيام بتشييع جثمانه الطاهر حتى يواروه في مثواه الاخير ويعودوا بعد ذلك إلى عقد مؤتمر عام يضم جميع الطبقات الشعبية من المسلمين لينتخبوا عن ارادتهم وحريتهم من يرضونه خليفة لهم على تقدير أن النبي (ص) لم يعهد لاحد من بعده. 2 - ان منطق هذا الخطاب هو طلب الامرة والسلطان، ولا يعني بأي شئ آخر غير ذلك، وقد عرض فيه على الانصار أن يتنازلوا لاخوانهم المهاجرين عن الخلافة ولا ينافسوهم في شؤون الملك، ومناهم عوض ذلك أن يكونوا الوزراء إلا أنه لما تم له الامر أجحف في حقهم فلم يمنحهم أي منصب من شؤون دولته، وأقصاهم عن جميع مراتب الحكم 3 - ان هذا الخطاب قد تجاهل بالمرة حق العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، أو كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى حسبما يقول النبي (ص): فكان الاولى التريث بالامر حتى يتم تجهيزه (ص) ويؤخذ رأي أهل بيته في ذلك لتحمل الخلافة طابعا شرعيا، ولا توصم بالفلتة كما وصفها عمر إذ يقول: " إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها " ويقول الامام شرف الدين: " فلو فرض أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد (ص) وفرض كونهم غير مبرزين في حسب أو نسب أو أخلاق أو جهاد أو علم أو عمل، أو ايمان، أو اخلاص، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان مانع شرعي، أو عقلي، أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله (ص) ؟ ولو بأن يوكل حفظ الامل إلى القيادة العسكرية موقتا حتى يستتب أمر الخلافة ؟ أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين ؟ وهم

[ 247 ]

وديعة النبي (ص) لديهم وبقيته فيهم، وقد قال الله تعالى: " ولقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " أليس من حق هذا الرسول - الذي يعز عليه عنت الامة ويحرص على سعادتها، وهو الرؤوف بها الرحيم لها - أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به - والجرح لا يندمل والرسول لما يقبر... " (1). 4 - ان المنطق الذي استند إليه أبو بكر لا حقبة المهاجرين من قريش بالخلافة هو انهم أمس الناس رحما برسول الله (ص) وأقربهم إليه، وهذا الملاك على أكمل وجوه، وأتم رحابه متوفر في أهل البيت (ع) فهم ألصق الناس به، وأمسهم به، وما أروع قول الامام أمير المؤمنين (ع): " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " وخاطب (ع) أبا بكر بقوله: فان كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب وان كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرن غيب ويقول الكميت: بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذ منها والرديفين نركب وقالوا: ورثناها أبانا وأمنا * وما ورثتهم ذاك أم ولا أب يرون لهم فضلا على الناس وجبا * سفاها وحق الهاشميين أوجب (2) وعرض الامام (ع) في حديث له عن شدة قربه من النبي (ص) وبعض مواهبه فقال: " والله إني لاخوه - أي أخ النبي (ص) - ووليه، وابن عمه، ووارث علمه فمن أحق به مني... ". لقد انساب القوم وراء أطماعهم وأهوائهم، وتهالكوا على الحكم،


(1) النص والاجتهاد (ص 7). (2) الهاشميات (ص 31 - 33). (*)

[ 248 ]

والظفر بخيراته، وأعرضوا عما الزمهم به النبي (ص) من التمسك بعترته وعدم التقدم عليها، ووجوب رعايتها في كل شئ. بيعة أبي بكر: وربح أبو بكر في خطابه السالف، وكسب به الموقف، فقد أثنى فيه على الانصار، ومجد فيه جهادهم وجهودهم في خدمة الاسلام، وبذلك قد أخمد نار الثورة في نفوسهم، كما مناهم بالحكم فجعلهم الوزراء، وفند ما كان يختلج في نفوسهم من استبداد المهاجرين بالامر، واستئثارهم بالحكم وافهمهم انه انما قدم المهاجرون لان العرب لا تدين إلا لهم، وكأن هذه القضية الاسلامية الكبرى من قضايا العرب وحدهم، وليس لبقية المسلمين فيها حق ؟ ! ! وههنا نكتة بارعة عمد إليها أبو بكر وهو انه جعل نفسه حاكما في هذا الامر، وجرد نفسه من جميع الاطماع السياسية، وبذلك فقد غزا نفوس الانصار، وملك قلوبهم وعواطفهم... وانبرى عمر فأيد مقالة صاحبه فقال: " هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع ان تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم. ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته ؟ ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة... ". وليس في هذا الخطاب شئ جديد سوى التأكيد لما قاله أبو بكر من أحقية المهاجرين بخلافة النبي (ص) منهم أولياؤه وعشيرته، يقول الاستاذ محمد الكيلاني: " انه احتج عليهم بقرابة المهاجرين للرسول. ومع

[ 249 ]

ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعلي بن أبي طالب ما دامت القرابة اتخذت سندا لحيازة ميراث الرسول. لقد كان العباس أقرب الناس إلى النبي وكان أحق الناس بالخلافة ولكنه تنازل بحقه هذا لعلي، فمن هنا صار لعلي الحق وحده في هذا المنصب " (1). وانبرى الحباب فرد على عمر قائلا: " يا معشر الانصار املكوا عليكم امركم، ولا تسمعوا مقالة هذا واصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر فان ابوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور فأنتم - والله - أحق بهذا الامر منهم، فانه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، انا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، انا شبل في عرينة الاسد، والله لو شئتم لنعيدنها جذعة، والله لا يرد احد علي ما اقول الا حطمت أنفه بالسيف... ". وحفل هذا الكلام بالعنف والتهديد، والدعوة إلى الحرب، واجلاء المهاجرين عن يثرب، كما عنى بالاعتزاز بنفسه، والافتخار بشجاعته، وقد رد عليه عمر وصاح به قائلا: " إذا يقتلك الله ". فقال له الحباب: " بل إياك يقتل " وخاف ابو بكر من تطور الاحداث فالتفت إلى الانصار فرشح للخلافة صاحبيه عمر وابا عبيدة فاسرع إليه عمر فاجابه بلباقة قائلا: " يكون هذا وانت حي ؟ ما كان احد ليؤخرك عن مقامك الذي اقامك فيه رسول الله (ص) ". - ويقول بعض المحققين -: لا نعلم انه متى اقامه رسول الله (ص)


(1) اثر التشيع في الادب العربي (ص 5). (*)

[ 250 ]

أو دلل عليه، وانما كان مع بقية اخوانه من المهاجرين جنودا في سرية اسامة، ولو كان قد رشحه لمنصب الخلافة وقامة علما ومرجعا للامة لاقامة معه في يثرب، وما اخرجه إلى ساحات الجهاد، وهو (ص) في ساعاته الاخيرة من حياته. وعلى أي حال فقد بادر اعضاء حزبه بسرعة خاطفة إلى بيعته خوفا من تطور الاحداث فبايعه عمر وبشير، واسيد بن حضير وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي، وابو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابي حذيفة، وخالد ابن الوليد، واشتد هؤلاء في حمل الناس وارغامهم على مبايعته، وكان من أشدهم اندفاعا وحماسا عمر بن الخطاب فقد جعل يجول ويصول ويدفع الناس دفعا إلى البيعة وقد لعبت درته شوطا في الميدان، وسمع الانصار وهم يقولون: " قتلتم سعدا ". فاندفع يقول بثورة وعنف: " اقتلوه قتله الله فانه صاحب فتنة " (1). وكادوا يقتلون سعدا، وهو مزمل وجع، وحمل إلى دارههه وهو صفر اليدين قد انهارت آماله، وتبددت احلامه، ولما تمت البيعة إلى أبي بكر اقيل به حزبه يزفونه إلى مسجد رسول الله (ص) زفاف العروس (2) والنبي (ص) مسجى في فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه قد انشغل الامام امير المؤمنين بتجهيزه، ولما علم (ع) ببيعة ابي بكر تمثل بقول القائل:


(1) العقد الفريد 3 / 62. (2) شرح النهج 2 / 8. (*)

[ 251 ]

واصبح اقوام يقولون ما اشتهوا ويطغون لما غال زيدا غوائل (1) لقد تمت البيعة لابي بكر بهذه السرعة الخاطفة، وقد اهمل فيها رأي العترة الطاهرة ولم يعن بها، ومن ذلك اليوم واجهت جميع الوان الرزايا والنكبات، وما كارثة كربلا وغيرها من المأسي التي حلت بآل البيت (ع) الا وهي متفرعة من يوم السقيفة حسب ما نص عليه المحققون سرور القرشيين: وابتههجت قريش حينما آل الحكم إلى أبي بكر واعتبرته فوزا لها، فقد تحققت آمالها وأحلامها، وقد عبر عن مدى سرورها أبو عبرة القرشي بقوله: شكرا لمن هو بالثناء حقيق * ذهب اللجاج وبويع الصديق من بعد ما زلت بسعد نعله * ورجاء رجاء دونه العيون ان الخلافة في قريش مالكم * فيها ورب محمد معروف (2) وفي هذا الشعر التنديد والهجاء للانصار، واظهار السرور البالغ بحرمانهم من الخلافة... ومن أبدى سروره ببيعة أبي بكر عمرو بن العاص ولم يكن في يثرب آنذاك وانما كان في سفر له فلما قدم وسمع ببيعة أبي بكر قال: قال لاوس إذا جئتها * وقل إذا ما جئت للخزرج تمنيتم الملك في يثرب * فانزلت القدر لم تنضج (3) لقد عمت الافراح والمسرات جميع القبائل القرشية، ووقفت موقف التأييد لحكومة أبي بكر، ولما بلغ أهل مكة موت النبي (ص) أرادوا أن


(1) شرح النههج 2 / 5. (2) شرح النهج 6 / 8، الموفقيات (ص 80) (3) شرح النهج. (*)

[ 252 ]

يعلنوا الردة والخروج عن السلام إلا أنهم لما علموا بخلافة أبي بكر اذعنوا وأعلنوا الرضا والسرور. موقف أبي سفيان: وعمد أبو سفيان إلى اعلان المعارضة لحكومة أبي بكر، فقد وقف على الامام أمير المؤمنين يحفزه على مناجزة أبي بكر، ويعده بنصرته وهو يقول: " إني لارى عجاجه لا يطفئها الا دم يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم ؟ اين المستضعفان ؟ ". اين الاذلان ؟ علي والعباس ؟ ! ! ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش ؟ ثم قال لعلي: ابسط يدك أبايعك فوالله لئن شئت لاملانها عليه خيلا ورجالا، وتمثل بشعر المتلمس: ولن يقيم على خسف يراد به * الا الاذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يبكي له أحد لقد استغل أبو سفيان العنصرية القبيلة لاحداث الثورة والانقلاب على حكومة أبي بكر لكن الامام كان يفقه دوافعه، ويعرف ذاتياته فلم يستجب له، وانما نهره وأغلظ له في القول قائلا: " والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وانك والله طالما بغيت للاسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك.. " (1).


(1) تاريخ ابن الاثير 2 / 220. (*)

[ 253 ]

وراح أبو سفيان يشتد في اثارة الفتنة، ويدعو الامام إلى اعلان الثورة على أبي بكر وكان ينشد: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الامر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فانك بالامر الذى يرتجي علي (1) ومن المقطوع به أنه لم تكن معارضة أبي سفيان عن ايمان منه بحق الامام (ع) وإنما كانت ظاهرية أراد بها الكيد للاسلام، والبغي عليه وقد أعرض الامام عنه ولم يعن بعواطفه الكاذبة، فان علاقة أبي بكر مع أبي سفيان كانت وثيقة للغاية فقد روى البخاري أن أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين منهم أبو بكر وسلمان وصهيب وبلال فقال بعضهم: " أما أخذت سيوف الله من عتق عدو الله مأخذها ؟ ". فزجرهم أبو بكر وقال لهم: " أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ ! ! " ومضى مسرعا إلى النبي (ص) يخبره بمقالة القوم فرد عليه الرسول صلى الله عليه وآهل قائلا: " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ؟ لئن كنت أغضبتهم لقد غضبت الله " (2) ودلت هذه البادرة على مدى الصلة الوثيقة بينهما، وقد جهد أبو بكر في خلافته على استمالة أبي سفيان، وكسب وده فقد استعمله عاملا على ما بين آخر حد للحجاز، وآخر حد من نجران (3) كما عين ولده يزيد واليا على الشام ومنذ ذلك اليوم قد علا نجم الامويين وقويت شوكتهم:


(1) شرح النهج 6 / 7. (2) صحيح البخاري 2 / 362. (3) شرح النهج 6 / 10 - 11. (*)

[ 254 ]

اندحار الانصار: وأفل نجم الانصار، وضاعت أمانيهم، وعراهم الذل والهوان، وقد عبر عن خيبة أملهم حسان بن ثابت بقوله: نصرنا وآوينا النبي ولم نخف * صروف الليالي والبلاء على وجل بذلنا لهم انصاف مال اكفنا * كقسمة أيسار الجزور من الفضل فكان جزاء الفضل منا عليهم * جهالتهم حمقا وما ذاك بالعدل (1) وقوبلت الانصار بمزيد من الهوان في كثير من عهود الخلفاء، وقد استبان لهم الخطأ الفظيع في تقصيرهم بحق الامام أمير المؤمنين (ع) وانهم قذفوا بنفوسهم في متاهات سحيقة من هذه الحياة. موقف آل البيت (ع): واتفق المؤرخون على أن موقف أهل البيت (ع) تجاه خلافة أبي بكر قد تميز بالكراهة فقد كانوا لا يخالجهم ريب في أنهم أحق بالامر وأولى به من غيرهم لانهم أقرب الناس وألصقهم برسول الله (ص) بالاضافة إلى ما تتوفر فيهم من القابليات الفذة والقدرة على تحمل المسؤولية وقيادة الامة، ولكن القوم لم يعنوا بهم وتجاهلوا عامدين مكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وقابلوهم بمزيد من العنف مما ادى إلى تشعب صدع الامة وجر الويلات والخطوب لها في جميع مراحل التاريخ.


(1) شرح النهج 6 / 10 - 11. (*)

[ 255 ]

امتناع الامام عن البيعة: ونقم الامام امير المؤمنين (ع) على بيعة أبي بكر، واعتبرها اعتداء صارخا عليه، فهو يعلم ان محله من الخلافة محل القطب من الرحى ينحدر عنه السيل، ولا يرقى إليه الطير - على حد تعبيرهه - وما كان يظن ان القوم يزعجون هذا الامر ويخرجونه عن أهل بيت نبيهم، فقد بادر إليه عمه العباس قائلا له: " يابن أخي امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وآله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان ". فقال له الامام: " ومن يطلب هذا الامر غيرنا ؟ " (1). وعلق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله: " نظر العباس في الامر فرأى ابن أخيه، أحق منه بوراثة السلطان لانه ربيب النبي، وصاحب السابقة في الاسلام وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها، ولان النبي كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن: ذات يوم مداعبة تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك ؟ ! ولان النبي قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي، وقال للمسلمين يوما آخر: من كنت مولاه فعلي مولاه. من أجل ذلك أقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن أخيه، وقال له: ابسط يدك أبايعك " (2). لقد تخلف الامام (ع) عن بيعة ابي بكر ساخطا، وأعلن شجاه


(1) الامامة والسياسة 1 / 4. (2) علي وبنوه (ص 19). (*)

[ 256 ]

وأساه على صياع حقه، واستبداد القوم بالامر من دون أن يعنوا به وفي نهجه شذرات من بليغ كلامه عرض فيها لذلك. ارغامه على البيعة: وأجمع رأي القوم على ارقام الامام (ع) وقسره على البيعة لابي بكر فأرسلوا حفنة من الشرطة فأحاطت بداره، وأخرجوه منها، وهو مهان الجانب، وجئ به إلى ابى بكر، فصاح القوم به بعنف: " بايع أبا بكر ". فأجابهم الامام بمنطقة الفياض، وهو غير وجل من جبروتهم وسطوتهم قائلا: " أنا أحق بهذا الامر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (ص) وتأخذونه منا أهل البيت غضبا ! ! ألستم زعمتم للانصار أنكم أولى بهذا الامر منهم لما كان محمد (ص) منكم فاعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة ؟ وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، نحن اولى برسول الله حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون... ". ووضع الامام (ع) النقاط على الحروف بهذا الاحتجاج الرائع، ودلل على انه اولى وأحق بالامر منهم لانه اقرب إلى النبي (ص) وألصق به من غيره، فان القرب من النبي (ص) هي الجهة التي تمسك بها القوم في التغلب على الانصار، وهي متوفرة في الامام اكثر من غيره، فهو ابن عمر النبي (ص) وختنه على بنته... وثار ابن الخطاب بعد

[ 257 ]

أن أعوزته الحجة في الرد على الامام فسلك طريق العنف قائلا له: " انك لست متروكا حتى تبايع ". فزجره الامام قائلا: " احلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم امره يردده عليك غدا " وكشف (ع) السر في اندفعات ابن الخطاب وحماسه، فانه لم يقف هذا الموقف الصارم تجاه الامام الا من أجل ان ترجع إليه الخلافة وشؤون الملك بعد أبي بكر، وثار الامام، وهتف يزأر قائلا: " والله يا عمر، لا أقبل قولك ولا ابايعه ". وخاف أبو بكر من تطور الاحداث، وخشي من غضب الامام فاقبل عليه، فخاطبه بناعم القول قائلا: " إن لم تبايع فلا أكرهك ". وانبرى إليه أبو عبيدة محاولا اخماد ثورته، وكسب وده قائلا له: " يابن عم انك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا على هذا الامر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلم لابي بكر هذا الامر، فانك إن تعيش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الامر خليق، وبه حقيق في ضلك ودينك وعلمك، وفهمك، وسابقتك، ونسبك وصهرك... ". وأثارت هذه المخاتلة والمخادعة كوامن الالم والاستياء في نفس الامام فاندفع يخاطب المهاجرين من قريش ويذكرهم مآثر أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم قائلا: " الله الله يا معشر المهاجرين !... لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقعر بيته إلى دوركم، وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه... فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به

[ 258 ]

لانا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الامر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله انه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتصلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا.. " (1). ولو انهم استجابوا النداء الامام الذي فيه ضمان أكيد لصالح الامة، وصيانة لهم من الزيع والانحراف في مجالاتها العقائدية وغيرها، لجنبوا الامة كثيرا من المضاعفات السيئة ولكن هيهات من ذلك فقد انساب الانساب منذ أقدم عصوره وراء شهواته واطماعه مضحيا بكل شئ في سبيل ذلك. وعلى أي حال فان القوم لم يعوا منطق الامام وتجاهلوه، وقدموا مصالحهم الخاصة على كل شئ. الاجراءات الصارمة: واقتضت سياسة أبى بكر أن يتخذ جميع الاجراءات الصارمة ضد الامام (ع) وان يسلك جميع الوسائل التي من شأنها اضعاف جبهته والتغلب عليه لانه يمثل القوى المعارضة لحكومته فقد كانت الاكثرية الساحقة من الانصار تميل للامام، وترغب في أن يتولى زمام الحكم، وهذه بعض الوسائل التي سلكتها حكومة أبى بكر: الحصار الاقتصادي: والحصار الاقتصادي من أوثق الطرق وأدقها، وأكثرها نجاحا لشل


(1) الامامة والسياسة 1 / 11 - 12. (*)

[ 259 ]

الحركة المعارضة وابادتها فان المال في جميع فترات التاريخ هو الاداة الفعالة التي تعتمد عليها الجبهة المعارضة لقلب نظام الحكم، ولا تزال الدول في جميع أنحاء العالم تسلك هذا الطريق فتصادر أموال خصومها، أو تمنعهم من التصرف بها خوفا من أن تستخدمه للاطاحة بها، وقد أمعن أبو بكر في ذلك فبادر إلى فرض الحصار الاقتصادي على الامام لئلا يقوى على الانتفاضة عليه، وقد نفذ ما يلي: اسقاط الخمس: والخمس حق مفروض لآل رسول الله (ص) نص عليه القرآن الكريم قال تعالى: " واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " (1). وقد أجمع المسلمون على أن النبي (ص) كان يختص بسهم من الخمس، ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله إلى الرفيق الاعلى، ولما ولي أبو بكر أسقط سهم النبي (ص) وسهم ذي القربى ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرههم (2) وقد ارسلت إليه بضعة الرسول وريحانته فاطمة الزهراء (ع) تسأله أن يدفع إليها ما بقى من خمس خيبر فأبى أن يدفع إليها شيئا (3) وقد ترك شبح الفقر مخيما على آل النبي (ص) وحجب عنهم أهم مواردهم الاقتصادية التي فرضها الله لهم:


(1) سورة الانفال: آية 41. (2) الكشاف في تفسير آية الخمس. (3) صحيح البخاري 3 / 36، صحيح مسلم 2 / 72. (*)

[ 260 ]

الاستيلاء على تركة النبي: واستولى أبو بكر على جميع ما تركه النبي (ص) من بلغة العيش فلم يبق ولم يذر منه أي شئ وانما حازه إلى بيت المال، وقد سد بذلك على العترة الطاهرة أي نافذة من مواردها المعاشية، وفرض عليها حصارا اقتصاديا لا تطيق معه من القيام بأي حركة ضده. حجته وكانت حجة أبي بكر في مصادرته لتركة النبي (ص) وحرمان ورثته منها ما رواه عن رسول الله (ص) أنه قال: " لا نورث ما تركناه صدقة " (1) ولهذا الحديث استند أبو بكر في حجب سيدة النساء فاطمة عليها السلام عن ارثها من أبيها، وقد وصم هذا الحديث بالوهن والضعف 1 - إنه لو كان صحيحا ومعتبرا لعرفته سيدة النساء فاطمة (ع) وما دخلت ميدان المخاصمة والمحاججة معه، وكيف تطالبه وهي سليلة النبوة بأمر لم يكن مشروعا لها ؟ 2 - ان النبي (ص) كيف يحجب عن بضعته أمرا يرجع إلى تكليفها الشرعي، فان في ذلك تعريضا للامة للهلاك والقاء لها في ميدان الخصومة 3 - انه من الممتنع ان يحجب النبي هذا الحديث عن الامام، وهو حافظ سره، وباب مدينة علمه، وباب دار حكمته وأقضى أمته، وأبو


(1) بلاغات النساء (ص 19)، اعلام النساء 3 / 1207، شرح ابن ابي الحديد. (*)

[ 261 ]

سبطيه، ومن المقطوع به أنه لو كان لهذا الحديث أي نصيب من الصحة لعرفه الامام، وما كتمه النبي (ص) عنه. 4 - انه لو كان له أي مدى من الصحة لما خفى على امهات المؤمنين وقد ارسلن إلى عثمان بن عفان يسألنه أن يسأل لهن ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله... هذه بعض المؤاخذات التي تواجه الحديث، وهي تجعله من الضعف بأقص مكان. حوار الزهراء مع أبي بكر: وضاقت الدنيا على بضعة النبي (ص) وأرهقت ارهاقا شديدا من الاجراءات الصارمة التي اتخذها أبو بكر ضدها، ويقول الرواة إنها سلام الله عليها استقلت غضبا فلاثت خمارها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها، ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبى بكر، وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاة (1). ثم أتت أنة اجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس، فأمهلتهم حتى إذا سكن نشيجهم، وهدأت فورتهم، افتتح خطابها بحمد الله والثناء عليه، وانحدرت في خطابها كالسيل، فلم يسمع أخطب ولا أبلغ منها، وقد تحدثت في خطابها الرائع عن معارف الاسلام وفلسفته، وألقت الاضواء على علل أحكامه، وحكم تشريعاته، وعرضت إلى ما كانت عليه حالة الامم قبل أن يشرق عليها


(1) الملاءة: الازار. (*)

[ 262 ]

نور الاسلام من التناحر والانحطاط، ووهن العقول وضحالة التفكير، خصوصا الجزيرة العربية فقد منيت بالذل والهوان، فكانت على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبة العجلان، وموطئ الاقدام، وقد بلغت من الانحطاط في حياتها الاقتصادية إلى حد كانت الاكثرية الساحقة تقتاد القد، وتشرب الطرق، وظللت على هذا الحال المرير ترسف في قيود الفقر، إلى أن أنقذها الله بنبيه ورسوله (ص) فدفعها إلى واحات الحضارة، وجعلها سادة الامم والشعوب، فما أعظم فضله على العرب وعلى الناس جميعا... وعرضت سيدة النساء (ع) إلى فضل ابن عمها الامام أمير المؤمنين (ع) وجهاده المشرق في نصرة الاسلام، والذب عن حياضة في حين أن المهاجرين من قريش كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين لم يكن لهم أي ضلع في نصرة القضية الاسلامية، وانما كانوا - على حد تعبيرها - ينكصون عند النزال، ويفرون من القتال، كما كانوا يتربصون بأهل البيت الدوائر، ويتوقعون بهم نزول الاحداث وأعربت (ع) في خطابها عن أسفها البالغ على ما مني به المسلمون من الزيغ والانحراف، والاستجابة لدواع الهوى والغرور، وتنبأت عمار سيواجهون من الاحداث الخطيرة والكوارث المؤلمة نتيجة لما ارتكبوه من الاخطاء والانحراف عما أراده الله منهم من التمسك بالعترة، وبعدما أدلت بهذه النقاط المشرقة عرضت إلى حرمانها من ارث أبيها رسول الله (ص) فقالت: " وانتم الآن تزعمون: ان لا أرث لي من أبي " أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ". أفلا تعلمون... - بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية - أني ابنته ويها أيها المسلمون أأغلب على تراث أبي ؟ يابن أبي قحافة ؟ ! ! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟

[ 263 ]

لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: " وورث سليمان داود " وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ يقول: " رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " وقال: " وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " وقال: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ". وقال: " إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين ". وزعمتم أن لا حظوة لي، ولا ارث من أبي، ولا رحم بيننا أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي. أم تقولون: هل ملتين لا يتوارثان ؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ثم وجهت خطابها إلى أبي بكر فقالت له: " فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله، والزعيم محمد الموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون " ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ". واتجهت نحو فئة المسلمين تستنهض همهم، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقها، والثأر لها قائلة: " يا معشر الفتية واعضاد الملة، وحضنة الاسلام ما هذه الغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي ؟ ! ! أما كان رسول الله أبي يقول: " المرء يحفظ في ولده " سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا هالة، ولكم طاقة بما أحاول وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون: مات محمد فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، وأظلمت الارض لغيبته، وكسفت

[ 264 ]

الشمس والقمر، وانتشرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال وخشعت الجبال، واضيع الحريم، وأديلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في ممساكم ومصبحكم هتافا وصراخا، وتلاوة والحانا ولقبله ما حلت بانبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ". وأخذت تحفز الانصار، وتذكرهم بجهادهم المضئ وكفاحهم المشرق في نصرة الاسلام وحماية أهدافه ومبادئه، طالبة منهم الانتفاضة والثورة على قلب الحكم القائم قائلا: " ايها بني قيلة (1) أأهضم تراث أبي وأنتم بمرئ ومسمع ومنتدى ومجمع تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة، والاداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة (2) توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فال تغيثون، وانتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا - أهل البيت - قاتلتم العرب وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الامم وكافحتم البهم، فلا نبرح وتبرحون نأمركم فتائمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الاسلام، ودر حلب الايام وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الافك، وخمدت نيران الكفر وهدأت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين فان جرتم (3) بعد البيان وأسررتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام، واشركتم بعد الايمان، بؤسا


(1) بنو قيلة: هم الآوس والخزرج من الانصار. (2) الجنة - بالضم - ما يستتر به من السلاح. (3) جرتم: أي ملتم. (*)

[ 265 ]

لقوم (نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة) أتخشونهم ؟ " والله أحق أن تخشوه ان كنتم مؤمنين ". ولما رأت وهن الانصار، وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحق، وجهت لهم أعنف اللوم، وأشد العتب والتقريع قائلة: " ألا وقد قلت: ما قلت: على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، وبثة الصدر، ونفثة الغيظ، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقية الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله، وشنار الابد، موصومة ب‍ " نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة انها عليها موصدة " فبعين الله ما تفعلون " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ". وأنا ابنة نذيركم بين يدي عذاب شديد " فاعملوا انا عاملون، وانظروا إنا منتظرون " (1). وقد وجلت القلوب، وخشعت الابصار، وبخعت النفوس، وأوشكت أن ترد شوارد الاهواء، ويرجع الحق إلى نصابه ومعدنه، إلا أن ابا بكر قد استطاع بلباقته الهائلة، وقابلياته الدبلوماسية ان يسيطر على الموقف وينقذ حكومته من الانقلاب، وقد قابل بضعة الرسول (ص) بكل تكريم واحتفاء واظهر لها انه يخلص لها اكثر مما يخلص لابنته عائشة، وانه يكن لها في اعماق نفسه الاحترام والتقدير، كما اظهر لها حزنه العميق على وفاة ابيها رسول الله (ص) وانه ود ان يكون مات قبل موته، وعرض لها انه لم يتقلد منصب الحكم ولم يتخذ معها الاجراءات الصارمة عن رأيه الخاص، وإنما كان عن رأي المسلمين واجماعهم، وقد جلب له بذلك القلوب بعد ما نفرت منه، واخمد نار الثورة وقضى على جميع معالمها.


(1) اعلام النساء 3 / 1208، بلاغات النساء (ص 12 - 19). (*)

[ 266 ]

حجة الزهراء: اما حجة الزهراء (ع) على ارثها من ابيها، فقد كانت وثيقة للغاية فقد كان استدلالها بآيات محكمات لا ترد، ولا تكابر، احتجت - اولا - على توريث الانبياء الشامل لابيها بآيتي داود وزكريا، وهما صريحتان بتوريثهما، واحتجت - ثانيا - بعموم آيات المواريث، وعموم آية الوصية ويجب الاخذ بتلك العمومات وهي بالطبع شاملة لابيها وخروجه عنها، انما هو من باب التخصيص بلا مخصص، ثم ذكرت لهم ان ما يوجب التخصيص والخروج عن هذه العمومات انما هو فيما إذا اختلف الوارث ومورثه في الدين وتقول لهم: فهل لكم إذ منعتموني عن ارثي من ابي اني واياه من اهل ملتين وهما لا يتوارثان، أو لست واياه من اهل ملة واحدة... وقد بلغت بهذا المنطق إلى ابعد الغايات، وقدمت اروع الحجج في الدفاع عن حقها. تأميم فدك: وبقي هناك شئ آخر ذات اهمية بالغة في المجال الاقتصادي وهي واردات فدك، فقد كانت تقوم بسد جميع ما تحتاجه العترة الطاهرة من النفقات الاقتصادية، وتوفر لها اسباب المعيشة برخاء إلا انها اممت، واضيفت وارادتها إلى بيت المال لئلا تقوى شوكة علي (ع) على مناهضة الحكم القائم. وهنا بحوث بالغة الاهمية انفقنا على تحقيقها وقتا غير قليل، وقد حذفت واعرضنا عن ذكرها، فانه لم تكن عندنا - يعلم الله - أية رغبة في الخوض

[ 267 ]

في هذه البحوث المؤلمة إلا ان دراسة حياة الامام الحسين (ع) دراسة منهجية سليمة وشاملة تتوقف على دراسة هذه الاحداث التي لعبت دورها الخطير في مسرح السياسة الاسلامية، فقد اخذت تجري كلها في فصل واحد مترابط، واعقبت اشد المحن والخطوب. مأسي الزهراء: وطافت موجات قاسية من الهموم والاحزان ببضعة النبي (ص) ووديعته فقد احتل الاسى قلبها الرقيق المعذب، وغشيتها سحب قاتمة من الكدر واللوعة على فقد أبيها الذي كان اعز عندها من الحياة، فكانت تزور جدثه الطاهر فتطوف حوله، وهي حيرى ذاهلة اللب، منهدة الكيان فتلقي بنفسها عليه، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ووجهها وتطيل من شمه، وتقبيله، فتجد في نفسها راحة، وهي تبكي امر البكاء واشجاه، وتقول بصوت حزين النبرات: ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الايام صرن لياليا قل للمغيب تحت أطباق الثرى * إن كنت تسمع صرختي وندائيا قد كنت ذات حمى بظل محمد * لا اختشي ضيما وكان جماليا فاليوم أخضع للذليل وأتقي * ضيمي وادفع ظالمي بردائيا فإذا بكت قمرية في ليلها * شجنا على غصن بكيت صباحيا فلاجعلن الحزن بعدك مؤنسي * ولاجعلن الدمع فيك وشاحيا (1) وتصور هذه الابيات أروع تصوير وأصدقه للوعة الزهراء وشجونها


(1) المناقب لابن شهراشوب 2 / 131. (*)

[ 268 ]

فقد مثلت أحزانها المرهقة على فراق أبيها الذي أخلصت له في الحب كما أخلص لها أبوها، ولو صبت مصائبها الموجعة على الايام لخلعت زينتها... كما صورت هذه الابيات الحزينة مدى منعتها وعزتها أيام أبيها فقد كانت من أعز نساء المسلمين شأنا واعلاهن مكانة، ولكنها بعدما فقدت أباها تنكر لها القوم، وأجمعوا على الغض من شأنها، حتى صارت تخضع للذليل، وتتقى ممن ظلمها بردائها إذ لم يكن هناك من يحميها، ولم تكن تأوي إلى ركن شديد. وقد خلدت إلى البكاء والحزن حتى عدت من البكائين الخمس (1) الذين مثلوا الحزن والاسى في هذه الحياة، وقد بلغ من عظيم وجدها على أبيها أن أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الاليم، وكان ممن وسد رسول الله (ص) في مثواه الاخير فقالت له: " أنس بن مالك ؟ ". نعم يا بنت رسول الله ". فقالت له وهي تلفظ قطعا من قلبها المذاب: " كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله (ص) " (2). وقطع أنس كلامه، وطاش لبه، وخرج وهو يذرف الدموع قد غرق في عالم من الاسى والشجون. وألحت بضعة رسول الله (ص) على ابن عمها أمير المؤمنين أن يريها القميص الذي غسل فيه أباها رسول الله (ص) فجاء به إليها فاخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلا وشما لانها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه، ووضعته على عينيها، وقلبها الزاكي يتقطع من الم الحزن والاسى


(1) البكائون الخمس: آدم ويعقوب، ويوسف، وعلي بن الحسين وفاطمة، جاء ذلك في بحار الانوار 10 / 44. (2) سنن ابن ماجة (ص 18) المواهب اللدنية للقسطلاني 2 / 382. (*)

[ 269 ]

حتى غشي عليها وخلدت وديعة النبي (ص) إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل وظل شبح أبيها يتابعها في كل فترة م حياتها القصيرة الامد، وقد ثقل على القوم فيما يقول المؤرخون، بكاؤها فشكوها إلى الامام أمير المؤمنين (ع) وطلبوا منه ان تجعل لبكائها وقتا خاصا لانهم لا يهجعون ولا يستريحون فكلمها أمير المؤمنين (ع) فأجابته إلى ذلك فكانت في نهارها تخرج خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين فتجلس تحت شجرة من أراك، فتستظل تحتها، وتبكي أباها طيلة النهار فإذا أوشكت الشمس أن تغرب تقدمها الحسنان مع أبيهما ورجعوا قافلين إلى الدار التي خيم عليها الحزن والاسى، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها فكانت تبكي في حر الشمس، فقام أمير المؤمنين (ع) فبنى لها بيتا أسماه " بيت الاحزان " ظل رمزا لاساها على ممر العصور، ونسب إلى قائم آل محمد (ص) انه قال فيه: ام تراني اتخذت لا وعلاها * بعد بيت الاحزان بيت سرور وكانت حبيبة رسول الله تمكث نهارها في ذلك البيت الحزين تناجي أباها وتبكيه أمر البكاء وأقساه، وإذا جاء الليل أقبل علي فأرجعها إلى الدار مع ولديها الحسن والحسين. وأثر الحزن المرهق ببضعة النبي وريحانته حتى فتكت بها الامراض فلازمت فراشها، ولم تتمكن من النهوض والقيام فبادرت السيدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها: " كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟ ". فرمقتهن بطرفها، واجابتهن بصوت خافت مشفوع بالحزن والحسرات قائلة: " أجدني كارهة لدنياكن، مسرورة لفراقكن، ألقى الله ورسوله

[ 270 ]

بحسراتكن، فما حفظ لي الحق، ولا رعيت من الذمة، ولا قبلت الوصية ولا عرفت الحرمة... " (1). وخيم على النسوة صمت رهيب، وأنعكس على وجوههن حزن شديد وغامت عيونهن بالدموع، وانطلقن إلى بيوتهن بخطى ثقيلة، فعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول، فكانت وقعها عليهم أشد من ضربات السيوف، فقد عرفوا مدى تقصيرهم تجاه وديعة نبيهم وهرعن بعض امهات المؤمنين إلى عيادتها فقلن لها: " يا بنت رسول الله... صيري لنا في حضور غسلك حظا ". فلم تجبهن إلى ذلك وقالت: " أتردن أن تقلن في كما قلتن في امي لا حاجة لي في حضوركن ". إلى جنة المأوى: وتوالت الامراض على وديعة النبي (ص) وفتك الحزن بجسمها النحيل المعذب حتى انهارت قواها، واصبحت لا تقوى على النهوض من فراشها وأخذت تذوي كما تذوي الازهار عند الضماء، فقد مشى إليها الموت سريعا وهي في شبابها الغض الاهاب، وقد حان موعد اللقاء القريب بينها وبين أبيها الذي غاب عنها وغابت معه عواطفه الفياضة ولما بدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة طلبت حضور ابن عمها للامام أمير المؤمنين، فعهدت إليه بوصيتها، وقد جاء فيها ان يواري جثمانها المقدس في غلس الليل البهيم، وان لا يشيعها أحد من الذين هضموها، لانهم اعداؤها وأعداء أبيها - على حد تعبيرها - كما عهدت إليه أن يتزوج من بعدها بابنت


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 95. (*)

[ 271 ]

اختها أمامة لانها تقوم برعاية ولديها الحسن والحسين اللذين هما أعز عندها من الحياة، وعهدت إليه ان يعفى موضع قبرها ليكون رمزا لغضبها غير قابل للتأويل على ممر الاجيال الصاعدة، وضمن لها الامام جميع ما عهدت إليه، وانصرف عنها وهو غارق في الاسى والشجون. وأسرت بضعة الرسول (ص) إلى اسماء بنت عميس فقالت لها: " إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء بعد موتهن " فقد كانت العادة أن يدرج على المرأة ثوب فيصفها لمن رأى وقد كرهت ذلك فاحبت أن يصنع لها سرير لا يبدو فيه جسدها، فعملت لها أسماء سريرا يستر من فيه قد شاهدته حينما كانت في الحبشة، فلما نظرت إليه سرت به، وابتسمت وهي أو ابتسامة شوهدت لها منذ ان لحق ابوها بالرفيق الاعلى (1). وفي آخر يوم من حياتها أصبحت وقد ظهر بعض التحسن على صحتها، وكانت بادية الفرح والسرور فقد علمت أنها في يومها تلحق بأبيها، وعمدت إلى ولديها فغسلت لهما، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم، وأمرت ولديها بالخروج لزيارة قبر جدهما، وهي تلقي عليهما نظرة الوداع، وقلبها يذوب من اللوعة والوجد، وخرج الحسنان، وقد هاما في تيار من الهواجس، واحسا ببوادر مخيفة اغرقتهما بالهموم والاحزان والتفت وديعة النبي إلى سلمى بنت عميس، وكانت تتولى تمريضها وخدمتها فقالت لها: " يا أماه " " نعم يا حبيبة رسول الله " " اسكبي لي غسلا " فانبرت واتتها بالماء فاغتسلت فيه، وقالت لها ثانيا:


مستدرك الحاكم 3 / 162. (*)

[ 272 ]

" ايتيني بثيابي الجدد ". فناولتها ثيابها، وهتفت بها مرة اخرى: " اجعلي فراشي وسط البيت ". وذعرت سلمى وارتعش قلبها فقد عرفت ان الموت قد حل بوديعة النبي، وصنعت لها سلمى ما أرادت فاضطجعت على فراشها، واستقبلت القبلة والتفتت إلى سلمى قائلة بصوت خافت: " يا امه... اني مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفني أحد " وأخذت تتلو آيات من الذكر الحكيم حتى فارقت، وسمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها لتلتقي بابيها الذي كرهت الحياة بعده. لقد ارتفعت تلك الروح إلى جنان الله ورضوانه، فما اظلت سماء الدنيا في جميع مراحل هذه الحياة مثلها قداسة وفضلا وشرفا وعظمة، وقد انقطع بموتهاه آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله. وقفل الحسنان إلى الدار فلم يجدا فيها امهما فبادرا يسألان سلمى عن امهما ففاجئتهما وهي غارقة في العويل والبكاء قائلة: " يا سيدي ان امكما قد ماتت فاخبرا بذلك اباكما ". فكان ذلك كالصاعقة عليهما فهرعا مسرعين إلى جثمانها، فوقع عليها الحسن، وهو يقول: " يا اماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني ". والقى الحسين نفسه عليها وهو يعج بالبكاء قائلا: " يا اما انا ابنك الحسين كلميني قبل ان ينصدع قلبي ". وأخذت اسماء تعوسعهما تقبيلا، وتعزيهما وتطلب منهما ان يسرعا إلى ابيهما فيخبراه، فانطلقا إلى مسجد جدهما رسول الله وهما غارقان في البكاء

[ 273 ]

فلما قربا من المسجد رفعا صوتهما بالبكاء، فاستقبلهما المسلمون، وقد ظنوا انهما تذكرا جدهما فقالوا: " ما يبكيكما يا بني رسول الله ؟ لعلكما نظرتما موقف جدكما فبكيتما شوقا إليه ؟ ". " أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة ؟ ". واضطرب الامام أمير المؤمنين وهز النبأ المؤلم كيانه، وطفق يقول: " " بمن العزاء يا بنت محمد ؟ كنت بك أتعزى ففيم العزاء من بعدك ؟ " وخف مسرعا إلى الدار، وهو يذرف الدموع، ولما القى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله أخذ ينشد: لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل وان افتقادي فاطما بعد أحم‍ * - د دليل على أن لا يدوم خليل وهرع الناس من كل صوب نحو بيت الامام، وهم يذرفون الدموع على وديعة نبيهم فقد انطوت بموتها آخر صفحة من صحفات النبوة، وتذكروا بموتها عطف الرسول وحدبه عليهم، وقد ارتجت يثرب من الصراخ والعويل. وعهد الامام إلى سلمان الفارسي أن يعرف الناس ان مواراة بضعة النبي صلى الله عليه وآله تأخر هذه العشية، وتفرقت الجماهير، وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الامام لتلقي نظرة الوداع على جثمان بضعة الرسول فحجبتها أسماء وقالت لها: " لقد عهدت إلي أن لا يدخل عليها أحد... " (1). ولما مضى من الليل شطره قام الامام فغسل الجسد الطاهر، ومعه


(1) مناقب ابن شهراشوب 3 / 365. (*)

[ 274 ]

أسماء والحسنان، وقد أخذت اللوعة بمجامع قلوبهم، وبعد أن أدرجها في أكفانها دعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان امهم ليلقوا عليها النظرة الاخيرة، وقد مادت الارض من كثرة صراخهم وعويلهم، وبعد انتهاء الوداع عقد الامام الرداء عليها، ولما حل الهزيع الاخير من الليل قام فصلى عليها، وعهد إلى بني هاشم وخلص اصحابه أن يحملوا الجثمان المقدس إلى مثواه الاخير، ولم يخبر أي أحد بذلك سوى تلك الصفوة من أصحابه وأهل بيته وأودعها في قبرها وأهال عليها التراب، ووقف على حافة القبر، وهو يروي ثراه بدموع عينيهه، واندفع يؤبنها بهذه الكلمات التي تمثل لوعته وحزنه على هذا الرزء القاصم قائلا: " السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، السريعة اللحاق بك... قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنها تجلدي الا أن في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصبيتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك... إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتضافر امتك على هضمها، فاحفها السؤال، واستخبرها الحال... هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر، والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فان انصرف فلا عن ملالة، وان اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين... " (1). وطفحت هذه الكلمات الممض والحزن العميق فقد أعلن فيها شكواه للرسول على ما ألم بابنته من الخطوب والنكبات، ويطلب منه أن يلح في السؤال منها، لتخبره بما جرى عليها من الظلم والضيم في تلك


(1) النهج محمد عبده 2 / 207 - 208. (*)

[ 275 ]

الفترة القصيرة الامد التي عاشتها. كما اعلن سلام الله عليه عن شجاه المرهق على بضعة النبي (ص) فهو في حزن دائم لا تنطفئ فيه نار اللوعة حتى يلتحق إلى جوار الله وينصرف الامام عن قبر الصديقة لكن لا عن سأم ولا عن كراهية وانما استجابة لتعاليم الاسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر. وعاد الامام إلى بيته كئيبا حزينا، ينظر إلى أطفاله وهم يبكون على أمهم أمر البكاء وأشجاه أحزانه، وقد آثر (ع) العزلة عن الناس وعدم الاشتراك بأي أمر من أمورهم فقد أعرض عن القوم وأعرضوا عنه لا يشاركونه بأي أمر من امورهم اللهم الا إذا حلت في ناديهم مشكلة لا يهتدون إلى حلها فزعوا إليه لينتهلوا من نمير عمله. وقد قطع الحسين (ع) دور الطفولة في هذه المرحلة المحزنة وقلبه قد أترع بالاحزان والآلام، فقد فقد في تلك الفترة الحزينة جده الذي كان يفيض عليه بالعطف والحنان وفقد أمه الروؤم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغض الاهاب. ومن الطبيعي أنه ليس اكثر حزنا ولا اقوى صدمة على الطفل من فقد امه العطوف فانه يفقد معها جميع آمال حياته. لقد رأى الامام الحسين (ع) وهو في سنه المبكر ما عانته امه من عظيم الرزايا والخطوب فكان لها أعمق الاثر وأقساه في نفسه، وقد اعطته هذه الاحداث دراسة عن ميول الناس واتجاهاتهم وانهم لا يندفعون نحو الحق، وانما ينسابون وراء اطماعهم وشهواتهم.

[ 276 ]

ولاة أبي بكر: كان جهاز الحكم الاداري في عهد أبي بكر خاضعا لارادة عمر بن الخطاب فهو المخطط لسياسة الدولة، والواضع لبرامجها الداخلية والخارجية قد وثق به أبو بكر، وأسند إليه جميع مهام حكومته، فلم يعقد أي عقد أو يقطع أي عهد إلا عن رأيه، ومشورته، كما لم يوظف أي عامل إلا بعد عرضه عليه. أما تعيين الولاة على الاقطار والاقاليم الاسلامية، أو اسناد أي منصب حساس من مناصب الجيش فانه لا يمنح لاحد إلا بعد احراز الثقة به والاخلاص منه للحكم القائم، والتجاوب مع مخططاته السياسية، فمن كانت له أدنى ميول معاكسة لرغبات الدولة، فانه لا يرشح لاي عمل من اعمالها ويقول المؤرخون: إن أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي بعثه لفتح الشام، ولم يكن هناك أي موجب لعزله إلا أن عمر نبهه على ميوله لعلي وبين له موافقه يوم السقيفة التي كانت مناهضة لابي بكر (1). ولم يعهد أبو بكر بأي عمل أو منصب لاحد من الهاشميين، وقد كشف عمر الغطاء عن سبب حرمانهم في حواره مع ابن عباس من انه يخشى إذا مات وأحد الهاشميين واليا على قطر من الاقطار الاسلامية ان يحدث في شأن الخلافة ما لا يحب (2). كما حرم الانصار من وظائف الدولة، وذلك لميولها الشديد إلى علي


(1) شرح النهج 1 / 135. (2) مروج الذهب المطبوع على هامش ابن الاثير 5 / 135. (*)

[ 277 ]

عليه السلام، أما عماله وولاته فقد كان معظمهم من الاسرة الاموية وهم: 1 - أبو سفيان: استعمله عاملا له على ما بين آخر حد للحجاز وآخر عهد من نجران (1). 2 - يزيد بن أبي سفيان: استعمل يزيد بن أبي سفيان واليا على الشام (2) ويقول المؤرخون انه خرج مودعا له إلى خارج يثرب. 3 - عتاب بن أسيد: عين أبو بكر عتاب بن أسيد بن أبي العاص واليا على مكة (3). 4 - عثمان بن أبي العاص: جعله واليا على الطائف (4) ومنذ ذلك اليوم علا نجم الامويين، واستردوا كيانهم بعد ان فقدوه في ظل الاسلام. وأبدى المراقبون لسياسة أبي بكر دهشتهم من حرمان بني هاشم من التعيين في وظائف الدولة ومنحها للعنصر الاموي الذي ناهض النبي (ص) وناجزه في جميع المواقف، يقول العلائلي: " فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر بل فاز الامويون وحدهم، لذلك صبغوا الدولة بصبغتهم، وآثروا في سياستها، وهم بعيدون عن الحكم كما يحدثنا المقريزي في رسالته " النزاع والتخاصم " (5). ان القابليات الدبلوماسية والاحاطة بشؤون الادارة والحكم، والمعرفة


(1) فتوح البلدان للبلاذري (ص 103). (2) تاريخ ابن الاثير 2 / 289. (3) الاصابة 2 / 444. (4) تاريخ ابن الاثير 2 / 289. (5) الامام الحسين (ص 191). (*)

[ 278 ]

بشؤون الدين كان متوفرة عند الكثيرين من المهاجرين والانصار من صحابة النبي (ص) فكان الاجدر تعيين هؤلاء في مناصب الدولة، وابعاد الاسرة الاموية عنها لوقاية المجتمع الاسلامي من مكائدها وشرورها. سياسته المالية: وقبل ان نعرض إلى السياسة المالية التي نهجها أبو بكر نود ان نعرض إلى السياسة المالية التي وضع برامجها الاسلام، فقد استهدف فيها اذابة الفقر، ومكافحة الحرمان وتطوير الحياة الاقتصادية بحيث تتحقق الفرص المتكافئة لعامة المواطنين، بحيث لا يبقى أي ظل للبؤس والحاجة، ويعيش الجميع حياة يسودها الرخاء والرفاه. وكان اهم ما يعني به الاسلام الزام ولاة بالاحتياط في اموال الدولة فلم يجز لهم باي حال أن يصطفوا منها لانفسهم شيئا كما لم يجز لهم ان ينفقوا اي شئ منها لتوطيد حكمهم ودعم سلطانهم. وكان الطابع العام لهذه السياسة المساواة بين المسلمين في العطاء فليس لرئيس الدولة ان يميز قوما على آخرين فان ذلك يخلق الطبقية، ويوجد الازمات الحادة في الاقتصاد العام، ويعرض المجتمع إلى كثير من الويلات والخطوب، ويقول المؤرخون إن أبا بكر قد ساوى في العطاء بين المسلمين ولم يشذ عما سنه الرسول صلى الله عليه وآله في هذا المجال الا ان بعض البوادر التي ذكرت تجافي ذلك فقد وهب لابي سفيان ما كان في يده من اموال الصدقة كسبا لعواطفه التي تشتري وبتاع بالاموال (1) كما قام بتوزيع شطر من الاموال على


(1) تاريخ الطبري 2 / 202. (*)

[ 279 ]

المهاجرين والانصار فبعث إلى امرأة من بني عدي يقسم من المال مع زيد ابن ثابت فأنكرت ذلك وقالت: - ما هذا ؟ - قسم قسمه أبو بكر للنساء. - اترشونني عن ديني، والله لا أقبل منه شيئا ؟ ! ! وردت المال عليه (1) هذه بعض المؤاخذات التي ذكرها بعض النقاد لسياسته المالية. عهده لعمر: ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمت به الامراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه وقد صمم على تقليد زميله عمر بن الخطاب شؤون الخلافة إلا ان ذلك لاقى معارضة الكثيرين من الصحابة فقد انبرى إليه طلحة قائلا: " ماذا تقول لربك: وقد وليت علينا فظا غليظا ؟ تفرق منه النفوس وتنفض منه القلوب " (2). وسكت أبو بكر فاندفع طلحة يوالي انكاره عليه قائلا: " يا خليفة رسول الله، إنا كنا لا نحتمل شراسته، وأنت حي تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه، وأنت ميت وهو الخليفة... " (3).


(1) شرح النهج 1 / 133. (2) شرح النهج 1 / 55. (3) شرح النهج 6 / 343 ط دار احياء الكتب العربية. (*)

[ 280 ]

وبادر أكثر المهاجرين والانصار إلى أبي يعلنون كراهيتهم لخلافة عمر فقد قالوا له: " نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا، وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا، وأنت لاق الله عزوجل فسائلك، فما أنت قائل ؟ فأجابهم أبو بكر: " لئن سألني الله لاقولن استخلفت عليهم خيرهم في نفسي... " (1) وكان الاجدر به فيما يقول المحققون أن يستجبب لعواطف الاكثرية الساحقة من المسلمين فلا يولي عليهم أحدا إلا بعد أخذ رضاهم واتفاق الكلمة عليه، أو يستشير أهل الحل والعقد عملا بقاعده الشورى إلا أنه استحباب لعواطفه الخاصة المترعة بالحب لعمر، وقد طلب من معقيب الدوسي أن يخبره عن رأي المسلمين في ذلك فقال له: " ما يقول الناس في استخلافي عمر ؟ ". " كرهه قوم ورضيه آخرون... ". " الذينكرهوه أكثر أم الذين رضوه ؟ ". " بل الذين كرهوه " (2). ومع علمه بأن اكثرية الشعب كانت ناقمة عليه في هذا الامر فكيف فرضه عليهم، ولم يمنحهم الحرية في انتخاب من شاؤا لرئاسة الحكم. وعلى أي حال فقد لازم عمر أبا بكر في مرضه لا يفارقه خوفا من التأثير عليه، وكان يعزز مقالته ورأيه في انتخابه له قائلا:


(1) الامامة والسياسة 1 / 19. (2) الآداب الشرعية والمنح المرعية 1 / 49. (*)

[ 281 ]

" أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (ص) " (1) وطلب أبو بكر من عثمان بن عفان أن يكتب للناس عهده في عمر، وكتب عثمان ما أملاه عليه، وهذا نصه: " هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة، آخر عهده في الدنيا نازحا عنها. وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، اني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فان تروه عدل فيكم فذلك ظني به، ورجائي فيه، وإن بدل وغير فالخير أردت ولا أعلم الغيب " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون... " (2). ووقع أبو بكر الكتاب فتناوله عمر، وانطلق به يهرول إلى الجامع ليقرأه على الناس فانبرى إليه رجل وقد انكر عليه ما هو فيه قائلا: " ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ ". فنفى عمر علمه بما فيه إلا أنه أكد التزامه بما جاء فيه قائلا: " لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع... ". فرمقه الرجل، وقد علم واقعه قائلا: ولكني والله أدرى ما فيه، أمرته عام أول، وأمرك العام... " (3) وانبرى عمر إلى الجامع فقرأه على الناس، وبذلك تم له الامر بسهولة من دون منازع إلا أن ذلك قد ترك أعمق الاسى في نفس الامام أمير المؤمنين عليه السلام فراح بعد سنين يدلي بما انطوت عليه نفسه من الشجون يقول عليه السلام في خطبته الشقشقية: " فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا، حتى


(1) تاريخ الطبري 4 / 52. (2) الامامة والسياسة 1 / 19، طبقات ابن سعد، تاريخ الطبري. (3) الامامة والسياسة 1 / 20. (*)

[ 282 ]

مضى الاول لسبيله، فادلى بها إلى فلان - يعني عمر - بعده، ثم تمثل بقول الاعشى: شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها... " (1). وكشف هذه الكلمات عن مدى أحزانه وآلامه على ضياع حقه الذي تناهبته الرجال، فقد وضعوه في تيم مرة وفي عدي تارة اخرى، وتناسوا جهاده المشرق في نصرة الاسلام، وما له من المكانة القريبة من رسول الله صلى الله عليه وآله. وعلى أي حال فقد تناهبت الامراض جسم أبي بكر، ودفعته إلى النهاية المحتومة، التي ينتهي إليها كل انسان، وقد راح يبدي ندمه وأساه على ما فرط تجاه حبيبة رسول الله وبضعته قائلا: " وددت أنى لم اكشف بيت فاطمة، ولو انهم اغلقوه على الحرب ". كما انه ود لو سأل رسول الله عن ميراث العمة وبنت الاخ، وثقل حاله فدخلت عليه بنته عائشة تعوده فلما رأته يعالج سكرات الموت أخذت تتمثل بقول الشاعر: لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فغضب أبو بكر وقال لها: ولكن قولي: " وجاءت سكرت الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد " (2) ولم يلبث قليلا حتى وافاه الاجل المحتوم، وانبرى صاحبه عمر إلى القيام بشؤون جنازته، فغسله، وصلى عليه وواراه في بيت النبي (ص) وألصق لحده بلحده، ويذهب النقاد من الشيعة إلى أن


(1) مروج الذهب 2 / 195. (2) تاريخ ابن الاثير 2 / 290. (*)

[ 283 ]

هذا البيت إن كان من تركة النبي (ص) فانه لم يؤثر عنه انه وهبه لعائشة فلابد أن يكون خاضعا لقواعد الميراث حسبما تراه العترة الطاهرة في تركة النبي (ص) وعلى هذا الرأي فلا يحل دفنه فيه إلا بعد الاذن منها، ولا موضوعية لاذن عائشة لانها انما ترث من البناء لا من الارض حسب ما ذكره الفقهاء في ميراث الزوجة وإن كان البيت خاضعا لعملية التأميم حسبما يرويه أبو بكر عن النبي (ص) من أن الانبياء لا يورثون أي شئ من متع الدنيا وانما يورثون الكتاب والحكمة، وما تركوه فهو صدقة لعموم المسلمين، فلابد إذن من ارضاء جماعة المسلمين في دفنه فيه، ولم يتحقق كل ذلك بصورة مؤكدة: وعلى أي حال فقد انتهت خلافة أبي بكر القصيرة الامد، وقد حفلت بأحداث رهيبة، وكان من أخطرها فيما يقول المحققون معاملة العترة الطاهرة كاشخاص عاديين قد جرد عنها اطار التقديس والتعظيم الذي اضفاه النبي صلى الله عليه وآله عليها، وقد منيت بكثير من الضيم والجهد، فقد كانت ترى انها أحق بمقام النبي (ص) وأولى بمكانته من غيرها، وقد أدى نزاعها مع أبي بكر إلى شيوع الاختلاف واذاعة الفتنة والفرقة بين المسلمين، كما أدى إلى امعان الحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلمهم واستعمال البطش والقسوة معهم، ولعل أقسى ما عانوه من الكوارث هي فاجعة كربلا التي لم ترع فيها أي حق لرسول الله (ص) في عترته وابنائه. حكومة عمر: ومهد أبو بكر الخلافة من بعده إلى عمر فتولاها بسهولة ويسر من غير أن يلاقي أي جهد أو عناء وقد قبض على الحكم بيد من حديد، فساس

[ 284 ]

البلاء بشدة وعنف بالغين حتى تحامى لقاءه أكابر الصحابة فان درته - كما يقولون - كانت أهيب من سيف الحجاج حتى ان ابن عباس مع ماله من المكانة المرموقة والصلات الوثيقة به لم يستطع ان يجاهر برأيه في حلية المتعة إلا بعد وفاته، وقد خافه وهابه حتى عياله، وابناؤه، فلم يستطع أي واحد منهم أن يفرض ارادته عليهه، ونعرض - بايجاز - إلى بعض مناهج سياسته: سياسته المالية: واتفقت مصادر التاريخ الاسلامي على أن عمر عدل في سياسته عن منهج أبي بكر فلم يساو بين المسلمين في العطاء وانما ميز بعضهم على بعض وكان قد اشار على أبي بكر في أيام خلافته العدول عن سياسته فلم يقبل وقال: " إن الله لم يفضل أحدا على أحد ولكنه قال: " انما الصدقات للفقراء والمساكين " ولم يخص قوما دون آخرين " (1)، ولما أفضت إليه الخلافة عمل بما كان قد أشار به على أبي بكر، وقال: " إن أبا بكر رأى في هذا الحال رأيا ولي فيه رأي آخر لا اجعل من قاتل رسول الله (ص) كمن قاتل معه " وقد فرض للمهاجرين والانصار ممن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان اسلامه كاسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا أربعة آلاب اربعة آلاف وفرض لازواج النبي (ص) اثني عشر الفا إلا صفية وجويرية فقد فرض لهما ستة آلاف فأبتا ان بقبلا بذلك، وفرض للعباس عم رسول الله (ص) اثني عشر الفا، وفرض لاسامة بن زيد أربعة آلاف، وفرض لابنة عبد الله ثلاثة آلاف فانكر عليه ذلك وقال


(1) شرح النهج 8 / 111. (*)

[ 285 ]

" يا أبت لم زدته علي الفا ؟ ما كان لابيه من الفضل ما لم يكن لابي، وكان له ما لم يكن لي... ". فقال له عمر: " إن أبا اسامة كان احب إلى رسول الله (ص) من أبيك، وكان اسامة أحب إلى رسول الله منك... " (1). وقد فضل عمر العرب على العجم، والصريح على المولى (2) وقد أدت هذه السياسة إلى ايجاد الطبقية بين المسلمين، كما استدعت إلى تصنيف القبائل بحسب أصولها (3) مما أدى إلى حنق الموالى على العرب، وكراهيتهم لهم، والتفتيش عن مثالهم، وظهور النعرات الشعوبية والقومية في حين ان الاسلام قد أمات هذه الظاهرة وجعل رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، والزم السلطة بالمساواة والعدالة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم حتى لا تحدث ثغرة في صفوف المجتمع. الناقدون: وقد أثارت هذه السياسة موجة من السخط والانكار عند الكثيرين من المحققين، وفيما يلي بعضهم. 1 - الدكتور عبد الله سلام: يقول الدكتور عبد الله سلام: لست ادري كيف اتخذ عمر هذا


(1) الخراج (ص 242). (2) شرح النهج 8 / 111. (3) العصبية القبلية (ص 190). (*)

[ 286 ]

الاجراء ؟ ولماذا اتخذه ؟ إنه اجراء اوجد تفاوتا اجتماعيا واقتصاديا، اجراء أوجد بذور التنافس والتفاضل بين المسلمين " (1). 2 - الدكتور محمد مصطفى: وممن أنكر هذه السياسة الدكتور محمد مصطفى هدارة يقول: " وفرض العطاء على هذه الصورة قد أثر تأثيرا خطيرا في الحياة الاقتصادية للجماعة الاسلامية إذ خلق شيئا فشيئا طبقة ارستقراطية يأتيها رزقها رغدا دون ان تنهض بعمل ما مقابل ما يدخل إليها من أموال. ذلك ان فرض العطاء كان يرتكز على ناحيتين القرابة من رسول الله، والسابقة في الاسلام ولهذه القرابة ولتلك السابقة درجات ودرجات، وبهذا لم يرع عمر فرض العطاء ذلك المقابل الذي لابد ان تأخذه الدولة في صورة عمل والجهاد " (2) 3 - العلائلي: وانكر ذلك الشيخ العلائلي بقوله: " هذا التنظيم المالي أوجد تمايزا كبيرا، وأقام المجتمع العربي على قاعدة الطبقات بعد أن كانوا سواء في نظر القانون (الشريعة) فقد أوجد ارستقراطية وشعبا وعامة " (3). هؤلاء بعض الناقدين للسياسة المالية التي انتهجها عمر، وهي حسب مقررات الاقتصاد الاسلامي من الصحابة وتضخمت الاموال الهائلة عندهم مما أوجب تغيير الحياة الاسلامية، وسيطرة الرأسماليين على سياسة الدولة وتسخير أجهزتها لمصالحهم، وقيامهم بدور المعارضة لكل حركة اصلاحية أو سياسية عادلة في البلاد، وقد اشتدت تلك الزمرة في معارضة حكومة علي (ع)


الغلو والفرق الغالية في الحضارة الاسلامية (ص 251). (2) اتجاهات الشعر العربي (ص 108). (3) الامام الحسين (ص 232). (*)

[ 287 ]

وزجت بجميع ما تملك من الوسائل الاقتصادية وغيرها لاسقاط حكمة لان سياسته العادلة كانت تهدف إلى منعهم من الامتيازات ومصادرة، ثرواتهم التي ابتزوها بغير حق. حجة عمر: واعتذر عمر عن الغائه المساواة، وايجاده لهذه الطبقية في الاسلام من أن لبعض الصحابة فضلا على بعض باعتبار سبقهم إلى الاسلام، وقيامهم بعمليات الحروب وحركات الجهاد، وهذا الاعتذار - فيما يبدو - لا موضوعية له، فان النبي (ص) لم يؤثر بشئ من أموال الدولة، أي أحد من أصحابه، من الذين سبقوا للايمان وتعرضوا لانواع المحن والعذاب، أمثال عمار بن ياسر، وبلال الحبشي، وأبي ذر، كما لم يؤثر بأي شئ ابن عمه عليا، وهو بطل الاسلام، والمنافح عنه في جميع المواقف والمشاهد، وانما جعل أجر المجاهدين وثوابهم عند الله في الدار الآخرة فهو الذي يتولى جزاءهم ويثيبهم على ذلك. ان السياسة المالية التي انتهجها النبي (ص) كانت تقضي ببسط العطاء على الجميع، والمساواة فيما بينهم من أجل تماسك المجتمع ووحدته، والقضاء على جميع الوان الطبقية والحزازات. ندم عمر: وندم عمر كأشد ما يكون الندم حينما رأى انتشاء الثراء الفاحش عند كثير من الصحابة ولم تطب به نفسه، وانما راح يقول: " لو استقبلت من

[ 288 ]

أمري ما استدبرت لاخذت من الاغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء وفيما نحسب ان هذا الاجزاء الذي يرتأيه في معالجة التضخم المالي لا يخلو من تأمل فان فضول أموال الاغنياء ان كانت من فضل الاعطيات التي كان يغدقها عليهم فهي - من دون شك - من أموال الدولة واللازم يقضي بتأميمها حفظا للتوازن الاقتصادي، وان كانت من أموال التجارة - ولا أظنها - فان الواجب أخذ الضرائب المالية منها من دون أن يمنى نفسه بمصاردتها. وعلى أي حال فان الاموال التي تأتي من الفئ، ومن جبائة الجزية والخراج هي ملك للمسلمين، ولا يجوز أن يستأثر بها فريق من الرعية دون غيرها بل لابد من توزيعها على الجميع بالسواء كما كان يصنع النبي صلى الله عليه وآله. سياسته الداخلية: وجهد عمر على فرض سلطانه بالقوة والعنف، فخافه القريب والبعيد وبلغ من عظيم خوفهم ان امرأة جاءت تسأله عن امر، وكانت حاملا، ولشدة خوفها منه اجهضت حملها (1) وكان شديدا بالغ الشدة، خصوصا مع من كان يعتد بنفسه، يقول الرواة: إنه كان يقسم مالا بين المسلمين ذات يوم، وقد ازدحم الناس عليه فأقبل سعد بن أبي وقاص، وبلاؤه معروف في فتح فارس، فزاحم الناس حتى خلص إلى عمر، فلما رأى اعتداده بنفسه علاه بالدرة، وقال: لم تهب سلطان الله في الارض، فاردت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك، وقصته مع جبلة تدل على


(1) شرح النهج 1 / 74. (*)

[ 289 ]

مدى صرامته وشدته، فقد أسلم جبلة وأسلم من كان معه، وفرح المسلمون بذلك، وحضر جبلة الموسم، وبينما يطوف حول البيت إذ وطأ ازاره رجل من فزارة فحله فانف جبلة وسارع إلى الفزاري فلطمه، فبلغ ذلك عمر فاستدعى الفزاري، وأمر جبلة أن يقيده من نفسه أو يرضيه، وضيق عليه في ذلك غاية التضييق، فارتد جبلة وخرج عن الاسلام وولى إلى هرقل فاحتفى به وأضفى عليه النعم، إلا أن جبلة كان يبكي أمر البكاء على ما فاته من شرف الاسلام وقد اعرب عن حزنه وأساه بقوله: تنصرت الاشراف من أجل لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني منها لجاج ونخوة * وبعت لها العين الصحيحة بالعور فياليت أمي لم تلدني وليتني * رجعت إلى القول الذي قال لي عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة * وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر وقد أراد عمر أن يقوده باول بادرة تبدو منه ببرة (1) محاولا بذلك اذلاله ويحدثنا ابن أبي الحديد عن شدة عمر مع أهله فيقول: كان إذا غضب على واحد منهم لا يسكن غضبه حتى يعض على يده عضا شديدا فيدميها (2). وعرض عثمان إلى شدة عمر حينما نقم عليه المسلمون، واشتدوا في معارضته فأخذ يذكرهم بغلظته وقسوته لعلهم ينتهون عنه فائلا:


(1) البرة: حلقة من صفر توضع في أنف الجمل الشرود فيربق بها جبل يقاد به. (2) شرح النهج 6 / 342. (*)

[ 290 ]

" لقد وطئكم ابن الخطاب برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فخفتموه ورضيتم به... " (1). ووصف الامام أمير المؤمنين (ع) بعد حفنة من السنين سياسة عمر ومدى محنة الناس فيها بقوله: " فصيرها - يعني أبا بكر في توليته لعمر - في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن اشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض... " (2). وتتجافى هذه السياسة عن سيرة الرسول (ص) وسياسته، فقد سار بين الناس بالرفق واللين، وساسهم بالرأفة والرحمة، وكان لهم كالاب الرؤف، وكان يشجب جميع مظاهر الرعب التي تبدو من بعض الناس تجاهه فقد جاءه رجل، وقد أخذته الرهبة منه، فنهزه (ص) وقال له: " انما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد " وقد سار (ص) بين أصحابه سيرة الصديق مع صديقه والاخ مع أخيه من دون أن يشعرهم بأن له أية مزية أو تفوق عليهم، وقد مدح الله تعالى معالي أخلاقه بقوله: " وانك لعلى خلق عظيم ". الحصار على الصحابة: ويقول المؤرخون: إن عمر فرض الحصار على صحابة الرسول، ولم يسمح لهم بمغادرة يثرب، فكانوا لا يخرجون إلا باذن خاص منه،


(1) حياة الامام الحسن بن علي 1 / 175. (*) (2) نهج البلاغة 1 / 162. (*)

[ 291 ]

وقد خالف بهذا الاجزاء ما أثر عن الاسلام في منحه الحريات العامة للناس جميعا، فقد منحهم حرية الرأي والقول، وحرية العقيدة، وحرية العمل وجعلها من الحقوق الذاتية للانسان، والزم الدولة بحمايتها، ورعايتها وتوفيرها وليس للسلطة أن تقف موقفا معاكسا أو مجافيا لها شريطة أن لا يستغلها الانسان في الاضرار بالغير أو يحدث فسادا في الارض. دفاع طه حسين: وبرر الدكتور طه حسين ما اتخذه عمر من فرض الحصار على الصحابة بقوله: " ولكنه خاف عليهم الفتنة، وخاف منهم الفتنة، فامسكهم في المدينة، لا يخرجون منها إلا بإذنه، وحبسهم عن الاقطار المفتوحة، لا يذهبون إليها إلا بأمر منه خاف أن يفتتن الناس بهم، وخاف عليهم أن يغرهم افتتان الناس بهم وخاف على الدولة أعقاب هذا الافتتان... " (1). ولا يحمل هذا التوجيه أي طابع من العمق والتحقيق، فان الصحابة الذين حاولوا السفر من يثرب إلى الاقطار المفتوحة إن كانوا من الاخيار والمتحرجين في دينهم فانهم بكل تأكيد يكونون مصدر هداية وخير للشعوب المتطلعة لهدي الاسلام فانهم - من دون شك - يذيعون فيهم أحكام الدين وآداب الاسلام ويعملون على تثقيفهم وان كانوا من الذين غرتهم الدنيا، وخذعتهم مظاهر الفتوحات الاسلامية، فله الحق في منعهم عن السفر رسميا لا شرعا حفظا على مصالح الدولة، ووقاية للناس من الفتنة بهم، ولكنه لم يؤثر عنه أنه فرض الحصار على فريق من الصحابة دون فريق،


(1) الفتنة الكبرى 1 / 17. (*)

[ 292 ]

وانما فرضه عليهم جميعا، ومن الطبيعي انه بذلك قد شق على كثير من أصحاب النبي (ص) فقد حال بينهم وبين حرياتهم. ولاته وعماله: وسلك عمر ما سلكه أبو بكر في ابعاد الاسرة الهاشمية عن جهاز الحكم، فلم يجعل لها أي نصيب فيه، وانما عهد إلى من ولاهم أبو بكر، فأقرهم في مناصبهم، ومن الغريب أنه لم يعين أي واحد من الصحابة النابهين أمثال طلحة والزبير، وقد قيل له: انك استعملت يزيد بن أبي سفيان، وسعيد بن العاص، وفلانا وفلانا من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، وتركت ان تستعمل عليا والعباس والزبير وطلحة ؟ ! ! فقال: أما علي فأنبه من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش، فاني أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد، وعلق ابن أبي الحديد على كلامه هذا بقوله: " فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه كيف لم يخف من جعلهم ستة متساويين في الشورى، مرشحين للخلافة ! وهل شئ أقرب إلى الفساد من هذا... " (1). مراقبة الولاة: وكان عمر شديد المراقبة لعماله وولاته، فكان لا يولي عاملا إلا أحصى عليه ماله، وإذا عزله أحصاه عليه حين العزل فان وجد عنده فرقا قاسمه


(1) نهج البلاغة 9 / 20 - 30 (*)

[ 293 ]

ذلك الفرق فترك له شطرا، والشطر الآخر ضمه إلى بيت المال (1) واستعمل أبا هريرة الدوسي واليا على البحرين، وقد بلغه عنه أنه استأثر بأموال المسلمين فدعاه إليه، ولما حضر عنده زجره وقال له: " علمت أني استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنك ابتعت افراسا بالف وستمائة دينار... ". واعتذر أبو هريرة فقال له: " كانت لنا أفراس تناتجت، وعطايا تلاحقت " ولم يعن به عمر وانما زجره وصاح به. " قد حسبت لك رزقك، ومؤنتك، وهذا فضل فاده ". وراوغ أبو هريرة فقال له: " ليس لك ذلك. " بلى والله وأوجع ظهرك ". وغضب عمر فقام إليه، وعلاه بدرته حتى ادماه، ولم يجد أبو هريرة بدا من احضار الاموال التي انتهبها بغير حق فقال له: " أئت بها، واحتسبها عند الله ". فرد عليه منطقه الهزيل وقال له: " ذلك لو أخذتها من حلال، واديتها طائعا، أجئت بها من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا لله، ولا للمسلمين ما رجعت بك اميمة (2) إلا لرعية الحمر (3) وشاطره جميع أمواله، وقد شاطر من عماله ما يلي: 1 - سمرة بن جندب. 2 - عاصم بن قيس.


(1) الفتنة الكبرى 1 / 20. (2) أميمة: ام أبي هريرة. (3) شرح ابن أبي الحديد 3 / 163. (*)

[ 294 ]

3 - مجاشع بن مسعود. 4 - جزء بن معاوية. 5 - الحجاج بن عتيك. 6 - بشير بن المحتفز. 7 - أبو مريم بن محرش. 8 - نافع بن الحرث. هؤلاء بعض عماله وولاته الذين شاطرهم أموالهم، ويقول المؤرخون إن السبب في اتخاذه لهذا الاجراء هو يزيد بن قيس فقد حفزه إلى ذلك ودعاه إليه بهذه الابيات: ابلغ أمير المؤمنين رسالة * فأنت أمين الله في النهي والامر وأنت أمين الله فينا ومن يكن * أمينا لرب العرش يسلم له صدري فلا تدعن أهل الرسانيق والقرى * يسيغون مال الله في الادم والوفر فارسل إلى الحجاج فاعرف حسابه * وارسل إلى جزء وارسل إلى بشر ولا تنسين النافعين كليهما * ولا ابن غلاب من سراة بني نصر وما عاصم منها بصفر عيابه * وذاك الذي في السوق مولى بني بدر وارسل إلى النعمان واعرف حسابه * وصهر بني غزوان إني لذو خبر وشبلا فسله المال واين محرش * فقد كان في أهل الرساتيق ذا ذكر فقاسمهم أهلى فداؤك إنهم * سيرضون ان قاسمتهم منك بالشطر ولا تدعوني للشهادة انني أغيب * ولكني أرى عجب الدهر نؤوب إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا * فانى لهم وفر ولسنا اولي وفر إذا التاجر الداري جاء بفارة * من المسك راحت في مفارقهم تجري وعلى أثر ذلك قام فشاطر عماله نعلا بنعل (1) ومعنى هذا الشعر إن


(1) الغدير 6 / 275 - 276. (*)

[ 295 ]

هؤلاء الولاة قد اقترفوا جريمة السرقة، وخانوا بيت مال المسلمين ولكن الحكم بمشاطرة أموالهم لا يلائم السنة، وإنما الواجب يقضي بتقديمهم إلى ساحة القضاء، فان ثبتت خيانتهم فلابد من اقامة الحد عليهم، ومصادرة الاموال التي اختلسوها، ولا وجه لمشاطرتها، كما يجب عزلهم عن وظائفهم وسلب الثقة منهم. وعلى أي حال فانه بالرغم من شدة عمر ومراقبته لولاته فان هناك كانت شكوى متصلة منهم، فقد ارسل إليه بعضهم شكوى من الولاة، وخاصة على القائمين بالخراج، وقد ارسل شكواه ببيتين من الشعر وهما: نؤوب إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا * فانى لهم وفر ولسنا أولي وفر إذا التاجر الداري جاء بفارة * من المسك راحت في مفارقهم تجري (1) لقد لاحظ عليهم ثراءا حادثا وترفا لم يجده في غيرهم من عامة الناس ومن الطبيعي ان ذلك كان ناجما من اختلاسهم الاموال التي لم تكن خاضعة في ذلك الوقت للحساب والتدقيق. بقى هنا شئ يدعو إلى التساؤل وهو ان عمر قد استعمل الشدة والصرامة مع ولاته وعماله إلا معاوية بن أبي سفيان فان كان يحدب عليه ولم يفتح معه أي لون من الوان التحقيق، تتواتر إليه الاخبار انه قد خان بيت المال، وبالغ في السرف والبذخ فيعتذر عنه، ويقول مشيدا به: " تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية " (2). وليس في هدي الاسلام - والحمد لله - كسروية أو قيصرية ففي الحديث " هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم


(1) فتوح البلدان (ص 384) (2) تاريخ الطبري 6 / 114. (*)

[ 296 ]

لا يكون قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ". لقد كان عمر يبالغ في تسديد معاوية، ويقول الرواة ان جماعة من الصحابة عرضوا عليه ان معاوية قد جافى السنة بسيرته فهو يلبس الحرير والديباج ويستعمل أواني الذهب والفضة ولا يتحرج في سلوكه عما خالف الشرع فانكر عليهم واندفع يؤنبهم قائلا: " دعونا من ذم فتى من قريش من يضحك في الغضب، ولا ينال ما عنده من الرضا، ولا يؤخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدمه... " (1). ويقول المؤرخون: إنه ذهب إلى رفع شأنه وتسديده إلى أبعد من ذلك كله، فقد نفخ فيه روح الطموح، وهدد به أعضاء الشورى الذين انتخبهم لتعيين من يلي الامر بعده قائلا لهم: " إنكم إن تحاسدتم، وتدابرتم، وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان... " (2). ولما أمن معاوية من العقوبة، وعرف انه ملتزم من قبل الخليفة راح يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان. اعتزال الامام: ولم يختلف المؤرخون في ان الامام (ع) قد انطوت نفسه على حزن عميق، وأسى شديد على ضياع حقه، وسلب تراثه، فقد جهد القوم على الغض من شأنه، ومعاملته كشخص عادي غير حافلين بمواهبه، ومواقفه ومكانته من النبي (ص) فكان في معزل عنهم، لا يشاركهم في أي أمر


(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 3 / 377. (2) نهج البلاغة الطبعة الاولى 1 / 187. (*)

[ 297 ]

من أمور الملك والسلطان، ولا يشاركونه فيها، واعرض عنهم واعرضوا عنه، حتى الصق خده بالتراب، كما يقول المؤرخون: يقول محمد بن سليمان في اجوبته عن اسئلة جعفر بن مكي عما دار بين علي وعثمان قال: " إن عليا دحضه الاولان - يعني الشيخين - واسقطاه، وكسرا ناموسه بين الناس، فصار نسيا منسيا " (1). ويعزو الامام (ع) في حديث له مع عبد الله بن عمر إلى أبيه جميع ما لاقاه من النكبات التي منها تقدم عثمان عليه (2). وعلى أي حال فان الامام (ع) قد اعتزل عن الناس في عهد عمر كما اعتزلهم في عهد أبي بكر، فصار جليس بيته يساور الهموم، ويسامر النجوم، ويتوسد الارق، ويفترش الارق، ويتجرع الغصص، قد كظم غيظه فلم يتصل بأحد إلا بخلص أصحابه الذين عرفوا واقعة، ومكانته كعمار ابن ياسر، وأبي ذر، والمقداد، وقد عكف على جمع القرآن، وكتابته والامعان في آياته. وأجمع المؤرخون على ان عمر كان يرجع إليه في مهام المسائل التي يسأل عنها، والامام لم يضن عليه بالجواب، اظهارا لاحكام الله التي يجب على العلماء اذاعتها بين الناس... وكان عمر يذيع فضل الامام، ويقول: " لولا علي لهلك عمر ". والشئ المحقق ان عمر كان في أكثر المسائل الفقهية إذا سئل عنها لم يهتد لجوابها، وانما يفزع إلى الامام (ع) والى سائر الصحابة، وقد اشتهرت كلمته " كل الناس افقه من عمر حتى ربات الحجال " وقال:


(1) نهج البلاغة 9 / 28 طبع دار احياء الكتب العربية. (2) نهج البلاغة 9 / 54. (*)

[ 298 ]

" كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت " وقد دلل المحقق الاميني على ذلك بما لا مزيد عليه (1). عمر والحسين: وانطوت نفس الامام الحسين على حزن لاذع، وأسى عميق على من احتل مقام أبيه فبعث ذلك في نفسه عنصرا من عناصر الاستياء والتذمر، وكان يشعر بالمرارة بكل وعي، وهو في سنة المبكر ويقول المؤرخون: ان عمر كان يخطب على المنبر، فلم يشعر إلا والحسين قد صعد إليه، وهو يهتف: " انزل... انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك ". وبهت عمر، واستولت الحيرة على اهابه، وراح يصدقه ويقول له: " صدقت لم يكن لابي منبر ". وأخذه فأجلسه إلى جنبه، وجعل يفحص عمن أوعز إليه بذلك قائلا له: " من علمك ؟ ". " والله ما علمني أحد " (2). شعور طافح بالالم انبعث عن عبقرية وادراك واسع، نظر إلى منبر جده الذي كان مصدر النور والوعي، فرأى أنه لا يليق بأن يرقاه أحد من بعده غير أبيه رائد العلم والحكمه في الارض. ويقول المؤرخون: إن عمر كان معنيا بالامام الحسين (ع) وطلب


(1) الغدير 6 / 83 - 333. (2) الاصابة 1 / 332. (*)

[ 299 ]

منه أن يأتيه إذا عرض له أمر، وقصده يوما، وهو خال بمعاوية، ورأى ابنه عبد الله فطلب الاذن منه فلم يأذن له فرجع معه، والتقى به عمر في الغد فقال له: " ما منعك يا حسين أن تأتيني ؟ ". " إني جئت، وانت خال بمعاوية، فراجعت مع ابن عمر ". " أنت أحق من ابن عمر، فإن أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم " (1). واقتضت سياسته أن يقابل سبطي الرسول (ص) الحسن والحسين عليهما السلام بمزيد من التكريم، فقد جعل لهما نصيبا فيما يغنمه المسلمون، ووردت إليه حلل من وشي اليمن، فوزعها على المسلمين، ونساهما، فبعث إلى عامله على اليمن ان يرسل له حلتين، فارسلهما إليه فكساهما، وقد جعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما، والحقهما بفريضة أهل بدر، وكانت خمسة آلاف (2) ولم تظهر لنا أي بادرة عن الامام الحسين في عهد عمر سوى ما ذكرناه، ويعود السبب في ذلك إلى انعزال الامام أمير المؤمنين مع أبنائه عن جهاز الحكم، وايثارهم الانطواء عن القوم، وعدم الاشتراك معهم في أي شأن من شؤون الدولة، فقد اترعت نفوسهم بالاسى المرير والحزن العميق، وقد أعلن الامام أساه وأحزانه في كثير من المواقف، ويقول المؤرخون: إن عمر نزلت به نازلة فحار في التخلص منها، وعرض على اصحابه ذلك فقال لهم: - ما تقولون في هذا الامر ؟ - أنت المفزع، والمنزع.


(1) الاصابة 1 / 332. (2) تاريخ ابن عساكر 4 / 321. (*)

[ 300 ]

فلم يرضه ذلك، وتلا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا " (1). " أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها ". - كأنك أردت ابن أبي طالب. - وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة مثله. - لو دعوت به يا أمير المؤمنين. - إن هناك شمخا من هاشم وأثرة من علم، ولحمة من رسول الله صلى الله عليه وآله يؤتى ولا يأتي، فامضوا بنا إليه. وخفوا جميعا إليه فالفوه في حائط له، وعليه تبان، وهو يتركل على مسحاته ويقرأ " أيحسب الانسان ان يترك سدى " إلى آخر السورة ودموعه تهمي على خديه، فاجهش القوم بالبكاء، ثم سكتوا فسأله عمر عما ألم به فاجابه عنه، فقال له عمر: - أما والله لقد أرادك الحق، ولكن أبى قومك. - يا أبا حفص خفض عليك من هنا، ومن هنا، وقرأ قوله تعالى: " ان يوم الفصل كان ميقاتا ". وذهل عمر، فوضع احدى يديه على الاخرى، وخرج كأنما ينظر في رماد (2). الحسين وآل عمر: ويقول بعض المؤرخين: ان العلاقة بين الامام الحسين وآل عمر


(1) سورة الاحزاب: آية 70. (2) شرح نهج البلاغة 12 / 79 - 80. (*)

[ 301 ]

كانت غير ودية ويعود السبب في ذلك إلى ان عاصم بن عمر شرب الخمر فشهد عليه الحسين بذلك في مجلس القضاء أيام عثمان فاقيم عليه الحد، وقد أوجبت هذه البادرة شيوع التباغض بين الاسرتين (1). اغتيال عمر: ولم نبسط القول في خلافة عمر، ولم نلم بسيرته، ولا بما اثر عنه من الاحداث خصوصا ما صدر عنه من الفتاوى التي كانت بعضها من الاجتهاد قبال النص كتحريم المتعة وغيرها، لم نعرض لذلك فقد آثرنا الايجاز في أمثال هذه البحوث، وانما عرضنا للاحداث المتقدمة لانها تصور الحياة الاجتماعية والفكرية التي عاشها الامام الحسين في ذلك العصر، كما تلقى الاضواء على حياته. وعلى أي حال فان الذي يهمنا أن نعرض إلى اغتيال عمر وما رافقه من الاحداث الخطيرة، فقد عزا بعض الكتاب من المحدثين إلى أن اغتياله كان وليد مؤامرة حاكها الامويون للتخلص من حكمه، وفرض سلطانهم على المسلمين (2) وقد أيدوا ذلك بأن أبا لؤلؤة الذي اغتاله كان مولى للمغيرة بن شعبة، وصلة المغيرة بالامويين كانت وثيقة للغاية، وفيما أحسب أن هذا الرأى لا يحمل أي طابع من التحقيق لان علاقة عمر كانت مع الامويين طبيعية، وقوية، فلم تقع بينهما أية منافسة أو كراهية ن وكان عمر شديد الميل لهم، فقد استعمل أعلامهم ولاة على الاقطار والاقاليم الاسلامية


(1) المنمق في اخبار قريش (ص 499) (2) من أنصار هذا الرأي الاستاذ العلائلي، وقد نص عليه في سمو المعنى في سمو الذات (ص 31)، الطبعة الثانية. (*)

[ 302 ]

أمثال يزيد بن أبي سفيان، وسعيد بن أبي العاص، ومعاوية، ولم يشاطر أي واحد منهم أمواله كما شاطر بقية عماله، بل كان معنيا حتى بشؤون نسائهم فقد اقرض هند بنت عتبة أم معاوية أربعة آلاف من بيت المال تتجر فيها (1) فلم يعمل عمر أي عمل يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم، فكيف اذن يقومون بتدبير المؤامرة لاغتياله ؟ وعلى أي حال فمن المقطوع به أن أبا لؤلؤة انما قام بوحي نفسه لا بدافع أموي لاغتيال عمر، أما بواعث ذلك - فيما نحسب - فهي انه كان شابا متحمسا لامته ووطنه، فقد رأى بلاده قد فتحت عنوة فذهب مجد قومه وانطوى عزهم ورأى ان عمر قد بالغ في احتقار الفرق والاستهانة بهم فقد تمنى أن يحول بينه وبين الفرس جبل من حديد، وقد حضر عليهم دخول يثرب إلا من كان سنه دون البلوغ (2) واصدر فتواه بعدم ارثهم إلا من ولد منهم في بلاد العرب (3) كما كان يعبر عنهم بالعلوج (4) ثم هو بالذات قد خف إلى عمر يشكو إليه مما ألم به من ضيق وجهد من جراء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج فزجره عمر ولم يعن به، وقال له: " ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها... ". وقد أوجدت هذه الامور في نفسه حنقا وحقدا على عمر فاضمر له الشر، وقد اجتاز عليه فسخر منه، وقال له: " بلغني انك تقول: لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت ولذعته هذه السخرية فاندفع يقول:


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 33. (2) شرح النهج 12 / 185. (3) الموطأ 2 / 12. (4) شرح النهج. (*)

[ 303 ]

" لاصنعن لك رحى يتحدث الناس بها... ". وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال (1) فطعنه ثلاث طعنات احداهن تحت السرة فخرقت الصفاق (2) وهي التي قضت عليه، ثم انحاز إلى أهل المسجد فطعن من يليه حتى طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم عمد إلى نفسه فانتحر (3) وحمل عمر إلى داره، وجراحاته تنزف دما، وقال لمن كان حوله: - من طعنني ؟ - غلام المغيرة. - ألم أقل لكم: لا تجلبوا لنا من العلوج أحدا فغلبتموني (4). وأحضر له أهله طبيبا فقال له: " أي الشراب أحب اليك ؟ ". " النبيذ " فسقوه منه فخرج من بعض طعناته، فقال الناس: خرج صديدا، ثم سقوه لبنا، فخرج من بعض طناته فيئس منه الطبيب، وقال له: " لا أرى أن تمسي " (5) ولما أيقن بدنو الاجل المحتوم منه أوصى ولده عبد الله فقال له: انظر ما علي من دين، فاحصوه فإذا به ستة وثمانون الفا، فقال:


(1) مروج الذهب 2 / 212 (2) الصفاق: الجلد الاسفل الذي تحت الجلد. (3) شرح النهج 12 / 185. (4) شرح النهج 12 / 187. (5) الامامة والسياسة 1 / 21، الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 2 / 461. (*)

[ 304 ]

" إن وفى به مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي ابن كعب فان لم تف به أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم " (1). ونحن إذا تأملنا في هذه الوصية، نجد فيها عدة أمور تدعو إلى التساؤل وهي: 1 - إن هذه الاموال الضخمة التي استدانها من بيت المال لم ينفقها إلا في شؤونه الخاصة، ولو كان قد انفقها على شؤون المسلمين لما كان هناك أي مجال لاسترجاعها من آل الخطاب، وهذا - من دون شك - لا يتفق مع ما نقله الرواة عن سيرته من أنه كان متحرجا أشد التحرج وأقساه في أموال الدولة وانه لم يكن ينفق منها أي شئ على شؤونه الخاصة. 2 - انه عهد إلى ابنه عبد الله أن يستوفي هذه الديون من آله فان وفت أموالهم بها فهو وإلا فيسأل أسرته عن وفائها، وهذا يكشف أنه قد منحها لهم وإلا فما هو المبرر لاستيفائها منهم إذ لا سلطان له على مال الغير وان كان قريبا منه، وفيما نحسب أن هذه الاموال قد وهبها لهم، وهو يتصادم مع ما نقل عنه من أنه كان يشتد على أهله حتى يرهقهم من أمرهم عسرا، وانه قد أخذهم بضروب من الشدة والعنف، وساوى بينهم وبين بقية المسلمين في العطاء. 3 - ان وصيته لولده عبد الله أن يسأل من قريش خاصة بتسديد ما عليه من ديون إذا لم تف أموال اسرته بها، يكشف عن مدى صلته العميقة، وارتباطه الوثيق بهم، وقد كان فيما يقول المؤرخون: الممثل الوحيد للفئات القرشية، وانه كان يعكس في تصرفاته جميع رغباتها وميولها. هذه بعض الملاحظات التي تواجه هذه الوصية، ولم ينص المؤرخون


(1) شرح النهج 12 / 188. (*)

[ 305 ]

على أن عبد الله قام بتسديد ما على أبيه من ديون لبيت المال، فقد أهملوا هذه الجهة، ولم يعرضوا لها. وعلى أي حال فان عبد الله لما أيقن بموت أبيه طلب منه أن يعين أحدا لمركز الخلافة، ولا يهمل شؤون الامة قال له: " يا أبة استخلف على أمة محمد (ص) فانه لو جاء راعي إبلك أو غنمك، وترك إبله أو غنمه لا راعي لها، وقلت له: كيف تركت امانتك ضائعة فكيف بامة محمد (ص) ؟ فاستخلف عليهم ". فنظر إليه نظرة ريبة وشك، واندفع يجيبه: " إن استخلف عليهم، فقد استخلف أبو بكر، وان اتركهم فقد تركهم رسول الله (ص) " (1). أما حديث عبد الله فقد كان حافلا بالوعي والمنطق، فانه ليس من الحكمة في شئ أن يهمل الرئيس شؤون رعيته، من دون ان يعين لها القائد من بعده الذي يعني بامورها السياسية والاجتماعية، فان اهماله لهذه الجهة الخطيرة يعرضها للازمات، ويلقيها في شر عظيم، وقد زعم عمر ان رسول الله (ص) لم يعن بالقيادة الروحية والزمنية من بعده، ولم يعهد بأمره لاحد، ولعل " الوجع " قد غلب عليه فاذهله، وأنساه قيام النبي (ص) بنصب الامام امير المؤمنين (ع) خليفة من بعده يوم " غدير خم " والزامه للمسلمين بمبايعته، وكان عمر بالذات ممن بايعه، وقال له: " بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ". وعلى أي حال فان عمر قد فتكت به جراحاته، وأخذ منه الالم القاسي مأخذا عظيما، وقد جزع جزعا شديدا وأخذ يقول:


(1) مروج الذهب 2 / 217. (*)

[ 306 ]

" لو أن لي ما في الارض ذهبا لافتديت به من عذاب الله قبل ان أراه " (1). وقال لولده عبد الله: ضع خدي على الارض، فلم يعن به وظن أنه قد اختلس عقله، فأمره ثانيا بذلك فلم يجبه، وفي المرة الثالثة صاح به: " ضع خدي على الارض لا أم لك ! ". وبادر عبد الله فوضع خد أبيه على الارض فاخذ يجهش بالبكاء، وهو يقول بنبرات متقطعة: " يا ويل عمر ! ! وويل ام عمر ! ! إن لم يتجاوز الله عنه " (2). وطلب عمر من ابنه أن يستأذن من عائشة ليدفنه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وابي بكر، فسمحت له بذلك (3) وعلقت الشيعة على ذلك كما علقت على دفن ابي بكر فقالت: إن ما تركه النبي (ص) إن كان لا يرثه أهله، وانما هو لولي الامر من بعده حسب ما يرويه أبو بكر فلا موضوعية للاذن من عائشة، وان كان يرجع إلى ورثته - كما يقول به أهل البيت - فليس لعائشة فيه أي نصيب لان الزوجة لا ترث من الارض حسبما قرره فقهاء المسلمين، ولابد له من الاذن من ورثة النبي صلى الله عليه وآله ولم يتحقق ذلك. الشورى: نحن أمام كارثة مذهلة، ومفزعة امتحن بها المسلمون امتحانا عسيرا


(1) شرح النهج 12 / 192. (2) شرح النهج 12 / 193 (3) شرح النهج 12 / 190. (*)

[ 307 ]

وأخلدت لهم الفتن والمصاعب، وجرت لهم الويلات والخطوب، والقتهم في شر عظيم، تلك هي قصة الشورى التي حكت عن تآمر مفضوح في اقضاء الامام أمير المؤمنين عن ساحة الحكم، وتسليمه إلى بني أمية ارضاءا للعواطف القرشية المترعة بالحقد والكراهية للامام. ونحن - يعلم الله - لم نكن نقصد بهذه البحوث الا دراسة الاحداث التي عاشها الامام الحسين وهي - فيما نعتقد - مصدر الفتنة الكبرى التي أدت إلى مجزرة كربلا الرهيبة، وغيرها من الاحداث التي غيرت منهج الحياة الكريمة في الاسلام. وعلى أي حال فان عمر لما يئس من حياته، وأيقن بدنو الاجل المحتوم منه أخذ بمعن النظر ويطيل التفكير فيمن يتولى شؤون الحكم من بعده، وقد تذكر أقطاب حزبه الذين شاركوه في تمهيد الامر لابي بكر فرأى أنهم قد اقتطفتهم المنية فراح يصعد أهاته وحسراته، ويبدي أساه عليهم قائلا: " لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته لانه أمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته لانه شديد الحب لله تعالى... ". ولماذا لم يستعرض عمر الاحياء من الذين ساهموا في بناء الاسلام ؟ كسيد العترة الطاهرة الامام أمير المؤمنين (ع) والصفوة الطيبة من صحابة النبي (ص) كعمار بن ياسر وأبي ذر وغيرهم من الانصار ليرشحهم لهذا المنصب الخطير ! ! لقد انطلق يفتش في قائمة الاموات فتمنى حياة أبى عبيدة، وسالم ليقلدهما رئاسة الدولة، مع العلم أنه لم تكن لهما أية سابقة من الجهاد والخدمة في سبيل الاسلام. وطلب منه القوم أن يعين أحدا من بعده ليتولى شؤون المسلمين فأبى وقال:

[ 308 ]

" أكره أن اتحملها حيا وميتا ! ". ولكنه لم يلبث أن نقض رأيه، فانتخب أعضاء الشورى الستة، وفوض إليهم أمر الامة، كما فرض رأيهم على جميع المسلمين، وبذلك فقد تحمل الخلافة حيا، وميتا يقول ابن أبي الحديد: " وأي شئ يكون من التحمل أكثر من هذا ! ! وأي فرق بين أن يتحملها، بان ينص على واحد بعينه، وبين أن يفعل ما فعله من الحصر والترتيب.... " (1). عمر مع اعضاء الشورى: ودعا عمر أعضاء الشورى الذين أنتخبهم، وزكاهم، وزعم ان النبي (ص) قال فيهم إنهم من أهل الجنة (2) إلا أنه لما اجتمعوا عنده وجه إليهم اعنف النقد وأقساه وطعن في كل واحد منهم طعنا لاذعا، ورماهم بالنزعات الشريرة التي توجب القدح في ترشيحهم لمنصب الامامة والخلافة، وقد روى المؤرخون حديثه بصور مختلفة، وفيما يلي بعضها. 1 - انه لما نظر إليهم قال: قد جاءني كل واحد منهم يهز عفريته يرجو أن يكون خليفة... أما أنت يا طلحة، أفلست القائل: إن قبض النبي (ص) أنكح أزواجه من بعده ؟ فما جعل الله محمدا أحق ببنات اعمامنا منا، فانزل الله فيك " وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ازواجه من بعده أبدا " (3). وأما انت يا زبير فوالله ما لان قلبك ولا ليلة، وما زلت جلفا


(1) شرح النهج 12 / 260. (2) الكامل لابن الاثير 3 / 35. (3) سورة الاحزاب: آية 53. (*)

[ 309 ]

جافيا، واما انت يا عثمان فوالله لروثة خير منك، واما انت يا عبد الرحمان فانك رجل عاجز تحب قومك جميعا، واما انت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة، واما أنت يا علي فوالله لو وزن ايمانك بايمان اهل الارض لرجحهم وقام علي، موليا، فالتفت عمر إلى حضار مجلسه فقال: " والله إني لاعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء ؟... ". " من هو ؟ ". " هذا المولي من بينكم ". " ما يمنعك من ذلك ؟ ". " ليس إلى ذلك من سبيل " (1). وقد خدش في كل واحد منهم، سوى الامام امير المؤمنين (ع) فانه أبدى اكباره له، واعترف بقابلياته وصلاحيته للحكم، وانه لو ولي أمور المسلمين لحملهم على المحجة البيضاء والطريق الواضح الا انه لا يجد سبيلا إلى ذلك. 2 - يقول المؤرخون: انه لما التقى باعضاء الشورى قالوا له: قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك، ونقتدي به، فقال: والله ما يمنعني ان استخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك مع انك رجل حرب وما يمنعني منك يا عبد الرحمان إلا انك فرعون هذه الامة، وما يمنعني منك يا زبير الا انك مؤمن الرضا، كافر الغضب، وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو وليها وضع خاتمه في اصبع امرأته، وما يمنعني منك يا عثمان الا عصبيتك، وحبك قومك وأهلك، وما يمنعني منك يا علي


(1) شرح النهج 12 / 159. (*)

[ 310 ]

إلا حرصك عليها، وانك احرى القوم إن وليتها ان تقيم على الحق المبين والصراط المستقيم (1). وقد وصم اعضاء الشورى بمساوئ الصفات، فوصف عبد الرحمان ابن عوف بانه فرعون هذه الامة، ومن الغريب حقا انه لم يلبث أن فوض إليه شؤون الانتخاب وجعل قوله منطق الفصل، وفصل الخطاب... كما اتهم الامام بالحرص على الخلافة، إلا ان سيرة الامام المشرقة تدل على عكس ذلك، فانه (ع) لم يكن من عشاق السلطة ولا من طلاب الملك، وانه انما نازع الخلفاء، واقام عليهم الحجة بانه اولى بالامر منهم لا ليتخذ من الحكم وسيلة للتمتع بخيرات البلاد كما اتخذه بعضهم، ولا من أجل التمتع بالرغبات النفسية التي تتطلب السلطان، وتتهالك عليه لبسط نفوذها واستعلائها على الناس، ان الامام (ع) لم يكن باي حال ينشد مثل هذه الاهداف الرخيصة، وانما كان يبغي الحكم لنشر العدل، واقامة الحق، وتطبيق شريعة الله على واقع الحياة من اجل هذه الغايات النبيلة كان (ع) حريصا على الخلافة، وقد ادلى بذلك بقوله: " اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، وتقام المعطلة من حدودك، ويأمن المظلومون من عبادك ! ! ". واعرب (ع) في حديث له مع ابن عباس بذي قار عن مدى زهده بالسلطة. واحتقاره للحكم، فقد كان (ع) يخصف بيده نعلا له فالتفت إلى ابن عباس. - يابن عباس ما قيمة هذا النعل ؟ - يا امير المؤمنين لا قيمة له.


(1) الامامة والسياسة 1 / 24. (*)

[ 311 ]

- انه خير من خلافتكم هذه الا ان اقيم حقا، وادفع باطلا. إنه انما كان حريصا على الخلافة من اجل اقامة المثل العليا، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتطوير الوعي الاجتماعي، وازدهار الحياة العامة. 3 - وفي رواية ثالثة ان عمر دعا اعضاء الشورى فلما مثلوا عنده قال لهم: " اكلكم يطمع بالخلافة بعدي ؟ ؟ ". ووجموا عن الكلام، فاعاد القول عليهم ثانيا، فانبرى إليه الزبير، رادا عليه مقالته: " وما الذي يبعدنا منها ؟ ! وليتها انت فقمت بها، ولسنا دونك في قريش، ولا في السابقة، ولا في القرابة ". ولم يسعه الرد عليه، وقال لهم: " افلا اخبركم عن انفسكم ؟ ". " قل: فانا لو استعفيناك لم تعفنا ! ! ". واخذ يدلي عليهم اتجاهاتهم وميولهم، ويحدثهم عن نفسياتهم فاتجه صوب الزبير فقال له: " اما انت يا زبير فوعق لقس (1) مؤمن الرضا، كافر الغضب يوما انسان، ويوما شيطان، ولعلها لو افضت اليك، ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير ! ! فرأيت إن افضت اليك، فليت شعري، من يكون للناس يوم تكون شيطانا، ومن يكون يوم تغضب ؟ ! ! وما كان الله ليجمع لك امر هذه الامة، وانت على هذه الصفة ". إن الزبير حسب هذا التحليل النفسي لشخصيته مبتلى بآهات خطيرة وهي:


(1) الوعق: الضجر المتبرم، اللقس: من لا يستقيم على وجه. (*)

[ 312 ]

1 - الضجر والتبرم. 2 - عدم الاستقامة في سلوكه. 3 - الغشب الهائل الذي يفقده الرشد والتوازن. 4 - الحرص والبخل، وهما يجرانه إلى ملاطمة الناس على مد من شعير. وهذه النزعات من مساوئ الصفات، ومن اتصف ببعضها لا يصلح لان يتولى أي منصب حساس في جهاز الدولة فضلا عن ان يكون خليفة وإماما للمسلمين. واقبل على طلحة فقال له: " اقول: ام اسكت ؟ ". فزجره طلحة، وقال له: " إنك طلحة، وقال له: " إنك لا تقول: من الخير شيئا ". " اما اني اعرفك منذ اصيبت اصبعك يوم احد وائيا (1) بالذي حدث لك ولقد مات رسول الله (ص) ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب ". وإذا كان رسول الله (ص) ساخطا على طلحة كيف يرشحه خليفة وإماما للمسلمين ؟ كما ان هذا يناقض ما قاله: ان رسول الله (ص) مات وهو راض عن اعضاء الشورى، وعلق الجاحظ على هذا بقوله: " لو قال لعمر قائل: انت قلت: إن رسول الله (ص) مات وهو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة ؟ انه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه (2) ولكن من


(1) وائيا: غاضبا. (2) المشاقص: جمع مشقص وهو نصل السهم. (*)

[ 313 ]

الذي كان يجسر على عمر ان يقول: له ما دون هذا، فكيف هذا ؟ ! ! ". واتجه صوب سعد بن أبي وقاص فقال له: " إنما أنت صاحب مقنب (1) من هذه المقانب تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وسهم، وما زهرة والخلافة وأمور الناس ! ! ". ان سعد رجل عسكري لا يفقه إلا عمليات الحروب، ولا خبرة له بالشؤون الادارية والاجتماعية للامة، فكيف يرشحه للخلافة ؟ كما طعن في صلاحية قبيلة سعد لتولي شؤون الحكم. وأقبل على عبد الرحمان بن عوف فقال له: " أما أنت يا عبد الرحمان، فلو وزن نصف ايمان المسلمين بايمانك لرجح ايمانك عليهم، ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك وما زهرة وهذا الامر ! ! ". وعبد الرحمان - حسب رأي عمر - رجل ايمان وتقوى، ولا نعلم اين كان ايمانه حينما عدل عن انتخاب سيد العترة الطاهرة الامام أمير المؤمنين عليه السلام وسلم أمور المسلمين بأيدي الامويين، فاتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ثم انه لم تكن له شخصية قوية، ولا عزم ثابت، ولا ارادة صلبة - حسب اعتراف عمر - فكيف يرشحه للخلافة ؟ ! ! كيف يجعل قوله منطق الفصل في تعيين من يشاء لشؤون الامة ؟ ! ! والتفت إلى الامام أمير المؤمنين (ع) فقال له: " لله أن لو لا دعابة فيك ! ! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء ". متى كانت للامام الدعابة وهو الذي ما ألف في حياته إلا الجد والحزم في القول والعمل، ثم أن من يتصف بهذه النزعة كيف يتمكن أن يحمل


(1) المقنب: جماعة الخيل. (*)

[ 314 ]

المسلمين على الحق الواضح والمحجة البيضاء - كما يقول عمر - ان هذه السياسة تتنافى مع الدعابة الناشئة عن ضعف الشخصية وخورها. وأكد عمر ان الامام لو ولي أمور المسلمين لسار فيهم بالحق، وحملهم على الصراط المستقيم، فكيف يجعله من أعضاء الشورى، ولا ينص عليه بالخصوص ؟ وهل من الحيطة على الامة أن يفوت عليها الفرصة، ولا يسلم أمرها بيد من يسير فيها بسيرة قوامها العدل الخالص والحق المحض ؟ ! ! واقبل على عثمان عميد الاسرة الاموية التي ناهضت الاسلام فقال له: " هيها اليك ! ! كاني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك فحملت بني أمية، وبين أبي معيط على رقاب المسلمين، وآثرتهم بالفئ، فسارت اليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحا، والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته فقال: فإذا كان ذلك فاذكر قولي... " (1). ونحن إذا تأملنا قليلا في قوله لعثمان: " كأني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك " نجده قد قلد عثمان بالخلافة فان نظام الشورى الذي وضعه كان حتما يؤدي إلى فوزه بالسلطة، فقد جعله أحد أعضاء الشورى وكان أكثرهم ممن له اتصال وثيق باسرة عثمان، وهم لا يعدلون عن انتخابه، ولا يقدمون غيره عليه وفي الحقيقة أنه هو الذي قلده الخلافة، وفوض إليه أمور المسلمين، ثم انه مع دراسة لنفسيته، ووقوفه على حبه الشديد لاسرته كيف يرشحه للخلافة، وهو بالذات يعلم خطر بني امية على الاسلام، وقد أعلن ذلك في حديثه مع المغيرة بن شعبة يقول له: - يا مغيرة هل أبصرت بعينك العوراء ؟ - لا.


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 185 - 186 الطبعة الاولى. (*)

[ 315 ]

- أما والله ليعورن بنو أمية الاسلام، كما أعورت عينك هذه، ثم ليعمينه حتى لا يدري أين يذهب، ولا أين يجي ؟ (1). فكان الاجدر به، وهو على عتبة الموت أن يجنب الامة خطر الامويين، ولا يجعل لهم أي نصيب في الحكم. هذه بعض الروايات التي أثرت عنه في حديث مع أعضاء الشورى. نظام الشورى: لا أكاد أعرف نظاما أوهى من نظام الشورى الذى وضعه عمر، فليس فيه أي توازن أو أصالة، فقد شذ عن حقيقة الشورى التي يجب أن تمثل رأي الامة، وتشترك القطاعات الشعبية في الانتخاب، فقد فوض في هذه الشورى الرأي إلى جماعة لا يمثلون الا آراءهم الخاصة. لقد دعا عمر من رشحهم فقال لهم: " احضروا معكم من شيوخ الانصار، وليس لهم من أمركم شئ، واحضروا معكم الحسن بن علي، و عبد الله بن عباس، فان لهما قرابة، وارجو لكم البركة في حضورهما وليس لهما من أمركم شئ " (2). لقد اقصى الانصار، ولم يجعل لهم أي نصيب في الانتخاب والاختيار وانما جعل لهم الاشراف المجرد الذي يعني حرمانهم، والاستهانة بهم، فان الامر انما هو أمر اعضاء الشورى ولا يخص غيرهم... ثم انا لم نعلم ما هي البركة التي تحصل لاعضاء الشورى بحضور الامام الحسن و عبد الله ابن عباس، وهما لا يملكان من الامر شيئا ؟


(1) نهج البلاغة 12 / 82. (2) الامامة والسياسة 1 / 24. (*)

[ 316 ]

والتفت إلى أبي طلحة الانصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى فقال له: " يا أبا طلحة، ان الله أعز الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الانصار فالزم هؤلاء النفر بامضاء الامر وتعجيله... ". واتجه نحو المقداد بن الاسود فعهد إليه بمثل ذلك، وقال له: " إذا اتفق خمسة، وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه، وان اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما، وان اتفق ثلاثة منهم على رجل، ورضي ثلاثة منهم رجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس... ". انذاره للصحابة: وأنذر عمر الصحابة وهددهم بمعاوية وعمرو بن العاص إذا لم تتفق كلمتهم وتنازعوا على الحكم والسلطان، فقد قال لهم: " يا أصحاب محمد تناصحوا فان لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان... ". وعلق شيخ الامامية الشيخ المفيد على هذا الكلام بقوله: " انما أراد عمر بهذا القول اغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة واطماعهما فيها لان معاوية كان عامله وأميره على الشام، وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر، وخاف أن يضعف عثمان ان تصير إلى علي فالقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل اليهما وهما - بمصر والشام - فيتغلبا على هذين الاقليمين ان افضت إلى علي.. " (1).


(1) شرح النهج 3 / 99. (*)

[ 317 ]

موقف الامام: والتاع الامام أمير المؤمنين، وحزن أشد الحزن وأقساه، وعرف أن الشورى انما هي مؤامرة ومكيدة دبرت لصرف الامر عنه، فقد التقى بعمه العباس فبادره قائلا: " يا عم لقد عدلت عنا ! ! ". " من اعلمك بذلك ؟ ". " لقد قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الاكثر، ثم قال: كونوا مع عبد الرحمان، وسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمان، وعبد الرحمان صهر لعثمان، وهم لا يختلفون، فاما أن يوليها عبد الرحمان عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمان... " (1). وصدق تفرس الامام فقد ولاها عبد الرحمان لعثمان ايثارا لمصالحة، وابتغاء رجوعها إليه من بعده. لقد كانت الشورى باسلوبها الهزيل مؤامرة مفضوحة لاستار عليها قد دبرت ضد وصي رسول الله (ص) وباب مدينة علمه، يقول الامام كاشف الغطاء رحمه الله: " الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية، وشورى صورية، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغما عليهم، ولكن بتدبير بارع عاد على الاسلام والمسلمين بشر ما له دافع... ". وكوى هذا التآمر قلب الامام، واثارت الاحقاد القرشية أحزانه فراح يتحدث عنها بعد سنين، يقول (ع):


(1) الطبري 5 / 35. (*)

[ 318 ]

" حتى إذا مضى - يعني عمر - لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر... ". أجل والله - يا أمير المؤمنين - انه متى اعترض الريب لاحد في انك أفضل المسلمين، واعظمهم جهادا، وأقدمهم سابقة للاسلام، ولكن اف للزمان، وتعسا للدهر الذي قرنك بامثال هؤلاء الذين حرموا الامة من التمتع بعدلك ومواهبك. استجابة الامام: بقي هنا شئ يدعو للتساؤل وهو ان الامام لماذا استجاب لان يكون من اعضاء الشورى مع وجود المفارقات الواضحة بينه وبينهم ؟ وقد أجاب عليه السلام عن ذلك بانه اراد ان يظهر تتاقض عمر فقد اعلن غير مرة ان النبوة والخلافة لا يجتمعان في بيت واحد، فلماذا اذن جعله من اعضاء الشورى المرشحين للخلافة ؟ ! ! آفات الشورى: واجمع المحققون من القدامى والمحدثين على نقد هذه الشورى وتزييف نظامها، وذكروا لها كثيرا من المضاعفات السيئة التي عادت على المسلمين بالفتن والخلاف، وخلقت لهم المصاعب والمشاكل، وقد دللنا عليها في كتابنا " حياة الامام الحسن " ولكن ضرورة البحث تقتضي ذكرها وهي:

[ 319 ]

أولا - إن هذا النظام بعيد عن واقع الشورى، وقد خلى من جميع العناصر التي تتميز بها فانه لابد أن تتوفر فيها ما يلي: أ - أن تشترك الامة بجميع قطاعاته في الانتخاب. ب - أن لا تتدخل الحكومة أي تدخل مباشر أو غير مباشر في شؤون الانتخاب. ج - أن تتوفر الحريات العامة لجميع الناخبين. وفقدت الشورى العمرية هذه العناصر، ولم يعد لها أي وجود فيها فقد حظر الامة أن تشترك في الانتخاب، ولم تمنح لها الحرية في اختيار من ترغب فيه للحكم، وانما فوض أمرها إلى ستة اشخاص، وجعل آرائهم تعادل آراء بقية الشعوب الاسلامية وهذا لون من ألوان التزكية تفرضه بعض الحكومات التي لا تعني بارادة شعوبها على انه أوعز إلى البوليس بالتدخل في الامر، وعهد إليهم بقتل من لا يوافق من اعضاء الشورى على من ينتخبه بقية الاعضاء، كما عهد إليهم بتحديد مدة الانتخاب في ثلاثة أيام وقد ضيق الوقت على الناخبين خوفا من تدخل القطعات الشعبية في الامر فيفوت غرضه. ثانيا - ان هذه الشورى ضمت العناصر المعادية للامام، والحاقدة عليه، ففيها طلحة التميمي، وهو من أسرة أبي بكر الذي نافس الامام على الخلافة، ودفعه عنها وفيها عبد الرحمان بن عوف وهو صهر عثمان، ومن أكثر المهاجرين حقدا على الامام فهو - كما يقول المؤرخون - كان من الذين استعان بهم أبو بكر لارغام الامام على مبايعته، وضمت الشورى سعد بن أبي وقاص، وكانت نفسه مترعة بالحقد والكراهية للامام من أجل أخواله الامويين فان امه حمنة بنت سفيان بن امية، وقد اباد الامام اعلامهم وصناديدهم في سبيل الدعوة الاسلامية، ولما بايع المسلمون الامام تخلف

[ 320 ]

عن بيعته سعد، ومن اعضاء الشورى عثمان بن عفان عميد الاسرة الاموية وقد اختار عمر - فيما يقول بعض المؤرخين - هذه العناصر المنافسة للامام والحاقدة عليه، حتى لا يؤول الامر إليه، وقد تحدث الامام (ع) عن المؤثرات التي لعبت دورها في ميدان الانتخاب قال (ع): " لكني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن ! ! ". وعلى أي حال فان هذه الشورى لم يكن المقصود منها - فيما يقول المحققون - إلا اقصاء الامام عن الحكم، ومنحه للامويين يقول العلائلي: " إن تعيين الترشيح مجدهم على اكتاف المسلمين، وقد وصل إلى هذه النتيجة السيد مير علي الهندي قال: إن حرص عمر على مصلحة المسلمين دفعة إلى اختيار هؤلاء الستة من خيرة أهل المدينة دون ان يتبع سياسة سلفه وكان للامويين حزب قوي في المدينة، ومن هنا مهد اختياره السبيل لمكائد الامويين، ودسائسهم هؤلاء الذين ناصبوا الاسلام العداء، ثم دخلوا فيه وسيلة لسد مطامعهم، وتشييد صرح مجدهم على اكتاف المسلمين (1). ثالثا - لقد عمد عمر في هذه الشورى إلى ابعاد الانصار فلم يجعل لهم أي نصيب فيها، وهم الذين آووا النبي، ونصروا الاسلام في أيام محنته وغربته، وقد أوصى بهم النبي (ص) خيرا، كما انه لم يجعل نصيبا فيها لعمار وأبي ذر، وأمثالهما من اعلام الاسلام، وأكبر الظن انه انما أبعدهم لان لهم هوى وميلا للامام (ع)، ولا ينتخبون غيره، ولا يرضون سواه، ولهذا الجهة اقصاهم، وقصر اعضاء الشورى على العناصر المعادية له.


(1) الامام الحسين 1 / 267. (*)

[ 321 ]

رابعا - من غريب أمر هذه الشورى أن عمر قد شهد في حق أعضائها أن النبي (ص) مات وهو عنهم راض، أو انه شهد لهم بالجنة، وقد عهد إلى الشرطة بضرب أعناقهم إن تأخروا عن انتخاب احدهم - حسب ما ذكرناه - ويقول الناقدون لهذه الشورى: إن التخلف عن الانتخاب لم يكن خروجا عن الدين، ولا مروقا عن الاسلام حتى تباح دماؤهم ! ! فلم يتفق هذا الحكم مع ما أثر عن الاسلام في حرمة اراقة الدماء ووجوب التحرج فيها إلا في مواضع مخصوصة ذكرها الفقهاء، وهذا ليس منها. بقي هنا شئ آخر لا يقل غرابة عن ذلك التناقض، وهو أن عمر انما قصر أعضاء الشورى على الستة بحجة أن رسول الله (ص) مات وهو عنهم راض، وهذه الحجة لا تصلح دليلا على التعيين لان رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن كثير من صحابته، فتقديم الستة عليهم انما هو من باب الترجيح بلا مرجح، وهو مما يتسم بالقبح كما يقول علماء الاصول. خامسا - إن مما يؤخذ على هذه الشورى ان عمر جعل الترجيح للجبهة التي تضم عبد الرحمان بن عوف، وقدمها على الجبهة التي تضم الامام امير المؤمنين (ع) وهو تحيز ظاهر للقوى القرشية الحاقدة على الامام والباغية عليه، كما أنا لا نعلم أن هناك أي مأثرة يمتاز بها ابن عوف يستحق بها هذه الاشادة والتكريم، أليس هو واخوانه من المهاجرين كطلحة والزبير وغيره قد استأثروا باموال المسلمين وفيئهم حتى ملكوا من الثراء العريض ما لا يحصى، وتحيروا في صرفه وانفاقه وقد ترك ابن عوف - فيما يقول المؤرخون - من الذهب ما يكسر بالفؤوس لكثرته، أمثل هذا يقدم على الامام (ع) ؟ ! ! وهو صاحب المواهب والعبقريات، الذي لاند له

[ 322 ]

في علمه وتقواه وتحرجه في الدين، والله تعالى يقول في كتابه: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ". سادسا - ان هذه الشورى أوجدت التنافس بين اعضائها، فان كل واحد منهم قد رأى نفسه ندا للآخر وكفوءا له، ولم يكونوا قبل ذلك على هذا الرأي فقد كان سعد خاضعا لعبد الرحمان، وعبد الرحمان تابع لعثمان ومن خلص أصحابه ومناصريه وبعد الشورى حدث بينهما انشقاق غريب، فكان عبد الرحمان يؤلب على عثمان، ويدعو عليا ليحمل كل منهما سيفه ليناجزه وقد عهد إلى اوليائه بعد موته ان لا يصلي عليه عثمان.. وكذلك كان الزبير شيعة للامام، وقد وقف إلى جانبه يوم السقيفة، وتحمل في سبيله ضروبا شاقة وعسيرة من الجهد والعناء، وقد قال في عهد عمر: " والله لو مات عمر بايعت عليا " ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح فرأى نفسه ندا للامام ففارقه وخرج عليه يوم الجمل، وهكذا اوجدت الشورى روح التخاصم والعداء بين اعضائها، فقد رأى كل واحد منهم انه اولى بالامر، واحق به من غيره، وقد ادى التخاصم والنزاع الذي وقع بينهم إلى تصديع كلمة المسلمين وتشتيت شملهم، وقد اعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان في حديث مع ابي الحصين الذي أوفده زياد لمقابلته فقد قال له معاوية: - بلغني ان عندك ذهنا وعقلا، فاخبرني عن شئ أسألك عنه ؟ - سلني عما بدا لك. - اخبرني ما الذي شتت شمل امر المسلمين وملاهم وخالف بينهم ؟ - قتل الناس عثمان. - ما صنعت شيئا. - مسير علي اليك وقتاله إياك.

[ 323 ]

- ما صنعت شيئا. - مسير طلحة والزبير وعائشة، وقتال علي اياهم ! ! - ما صنعت شيئا. - ما عندي غير هذا. - أنا اخبرك انه لم يشتت بين المسلمين، ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر، وذلك ان الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما امره الله به، ثم قبضه الله إليه، وقدم أبا بكر للصلاة فرضوه لامر دنياهم إذ رضيه رسول الله (ص) لامر دينهم، فعمل بسنة رسول الله (ص) وسار بسيرته، حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر فلم يكن رجل منهم الا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه، ولو ان عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف " (1). إن من المظاهر الاولية لهذه الشورى اشاعة الاطماع والاهواء السياسية بشكل سافر عند بعض أعضائها فاندفعوا إلى خلق الحزبية والتكتلات في المجتمع الاسلامي للوصول إلى كرسي الحكم، مما ادى ذلك إلى كثير من المضاعفات السيئة وقد امتحن بها المسلمون امتحانا عسيرا. هذه بعض آفات الشورى التي عانى منها المسلمون أقسى ألوان الكوارث والخطوب فقد مهدت الطريق أمام الطلقاء وأبنائهم للاستيلاء على السلطة والقبض على زمام الحكم، وتخطيط سياسة للدولة لم يألفها المسلمون، ومن أبرز برامجها الاستئثار بالفئ ونهب ثروات الامة وخيراتها، والامعان في ظلم الاخيار والتنكيل بعترة النبي (ص)


(1) العقد الفريد 3 / 73 - 74. (*)

[ 324 ]

عملية الانتخاب: ولما مضى عمر إلى ربه، ودفن في مقره الاخير أحاط البوليس بأعضاء الشورى فالزمهم بالاجتماع، واختيار حاكم للمسلمين من بينهم تنفيذا لوصية عمر، فاجتمعوا في بيت المال، وقيل في بيت مسرور بن مخرمة، وقد أشرف على الانتخاب الامام الحسن، و عبد الله بن عباس، وبادر المغيرة ابن شعبة وعمرو بن العاص فجلسا في عتبة الباب، فنهزهما سعد وقال لهما: " تريدان أن تقولا: حضرنا، وكنا في أهل الشورى ؟ " (1). ودلت هذه البادرة على مدى التنافس، والاحقاد فيما بين القوم فقد ضن سعد على المغيرة وابن العاص بالحضور خشية أن يقولا للناس: كنا من أهل الشورى. وتداول الاعضاء فيما بينهم الحديث عمن هو أحق بالامر وأولى به، وكثر الصخب والجدل، وانبرى إليهم الامام أمير المؤمنين (ع) فحذرهم مغبة ما يحدث من الفتن والفساد إن استجابوا لعواطفهم، ولم يؤثروا مصلحة الامة فقال: " لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، وعائدة كرم فاسمعوا قولي، وعووا منطقي، عسى أن تروا هذا الامر من بعد هذا اليوم تنتظي فيه السيوف، وتخان فيه العهود حتى يكون بعضكم أئمة لاهل الضلال، وشيعة لاهل الجهالة... " (2). انهم لو سمعوا قوله، ووعوا منطقه لصانوا الامة من التيارات الجارفة


(1) تاريخ ابن الاثير. (2) نهج البلاغة محمد عبده 25 / 31. (*)

[ 325 ]

وعادوا عليها بالخير العميم، ولكنهم انطلفوا وراء شهوات الملك والسلطان وتحقق ما تنبأ به الامام، فلم يمض قليل من الوقت حتى انتضت السيوف وانتشرت الحروب، وسادت الفتن والاهواء، وصار بعضهم أئمة لاهل الضلالة، وشيعة لاهل الجهالة. وعم الجدل بين القوم فلم ينتهوا إلى غاية مريحة فانفضت الجلسة على غير طائل، وجماهير الشعب تنتظر بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة، وعقد الاجتماع مرة اخرى الا أنه باء بالفشل، فأشرف عليهم أبو طلحة الانصاري وهو يتهدد ويتوعد، قائلا: " لا والذي نفس عمر بيده ! لا أزيدكم على الايام الثلاثة. التي أمرتم... ". واقترب اليوم الثالث، وهو آخر موعد للقوم فانعقد الاجتماع وبدت فجأة الاندفاعات القبلية التي شذت عن مصلحة الامة، فقد انبرى طلحة فوهب حق لعثمان، وانما فعل ذلك استجابة لعواطفه المترعة بالكراهية للامام لانه نافس ابن عمه أبا بكر على الخلافة، واندفع الزبير فوهب حقه للامام لانه تربطه به رحم ماسة، وانطلق سعد فوهب حقه لابن عمه عبد الرحمان بن عوف، تقوية لجانبه، وتعزيزا لمركزه. وكان رأي عبد الرحمان هو الفيصل، وجانبه هو المرموق لان عمر قد وضع ثقته به، وأناط به أمر الشورى إلا انه كان ضعيف الشخصية هزيل الارادة لا قدرة له على تحمل مسؤولية الحكم فاجمع رأيه على أن يرشح غيره للخلافة، وكان له هوى مع عثمان، لانه صهره، وقد استشار عامة القرشيين في الامر فزهدوه في علي، وحرضوه على انتخاب عثمان لانه يحقق أطماعهم، ورغباتهم. (*)

[ 326 ]

وحلت الساعة الرهيبة التي غيرت مجرى التاريخ، فقال عبد الرحمان لابن اخته: - يا مسور، اذهب فادع عليا، وعثمان. - بأيهما أبدأ ؟ - بأيهما شئت. وانطلق مسور فدعاهما، وازدحم المهاجرون والانصار وسائر الناس في الجامع، فانبرى عبد الرحمان، فعرض عليهم الامر وقال: " أيها الناس، إن الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الامصار إلى أمصارهم فاشيروا علي ". فتقدم إليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن لامة سلامتها ويصونها من الفرقة والاختلاف قائلا: " إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا ". وانطلق المقداد فأيد مقالة عمار قائلا، " صدق عمار، إن بايعت عليا سمعنا وأطعنا ". واندفعت القوى الباغية، والحاقدة على الاسلام، وهي تشجب مقالة عمار والمقداد، وتدعوا إلى ترشيح عثمان عميد الامويين، وقد هتف عبد الله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلا: " ان أردت ان لا تختلف قريش فبايع عثمان ". واندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيد مقالة زميله قائلا: " ان بايعت عثمان سمعنا وأطعنا ". وانبرى الصحابي العظيم عمار بن ياسر فرد على ابن أبي سرح قائلا: " متى كنت تنصح للمسلمين ؟ ". وصدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين أو يرجو وقارا

[ 327 ]

للاسلام فقد كان من اعدى الناس إلى رسول الله (ص) وقد امر بقتله بعد فتح مكة ولو كان متعلقا بأستار الكعبة (1) انه لو كان هناك أي منطق أو حساب لاقصى هذا الدعي وأمثاله من التدخل في شؤون المسلمين فان بني امية وسائر القبائل القرشية يجب ان تكون في ذيل القافلة ولا يعنى بأمرها لانها هي التي ناجزت النبي (ص) وحرضت عليه القبائل وكادته وما دخلت في الاسلام الا بعد الخوف من حد السيوف، فكيف يمسح لها ان تفرض رأيها، ويؤول إليها امر المسلمين ؟ واحتدم الجدال بين الهاشميين والامويين، فانبرى عمار بن ياسر، وهو يدعو لصالح المسلمين قائلا: " أيها الناس ان الله اكرمنا بنبيه، واعزنا بدينه فإلى متى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ؟ ! ! ". لقد كان منطق عمار حافلا بروح الاسلام وهديه فان قريشا وسائر العرب انما أعزها الله بدينه، وأسعدها برسوله، فهو مصدر عز العرب وشرفهم، وكان الواجب عليهم أن يقابلوه بالمعروف والاحسان، فلا يخرجون هذا الامر عن أهله الذين هم سدنه علمه، وخزنه وحيه، انه ليس من العدل في شئ ان يمنعوا جاهدين في قهرهم واذلالهم. وانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمار كلامه قائلا له: " لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لانفسها ؟ ! ! ". ولم يدخل أي بصيص من نور الاسلام وهدية في قلب هذا المخزومي، فقد راح يندد بعمار فنسبه لامه سمية وهي ممن يعتز بها الاسلام، ويفخر بنضالها المشرق، وتضحيتها الفذة، فهي وزوجها ياسر، وابنهما البار في


(1) الاستيعاب 2 / 375. (*)

[ 328 ]

طليعة القوى الخيرة المؤسسة للاسلام، وقد عانت في سبيله أقسى ألوان المحن والخطوب. ان امر الخلافة لجميع المسلمين يشترك فيه ابن سمية وغيره من الضعفاء الذين أعزهم الله بدينه، وليس لطغاة قريش أي حق في التدخل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق أو حساب. وكثر النزاع واحتدم الجدال بين القوى الاسلامية وبين القرشيين فخاف سعد ان يفوت الامر من القوم فالتفت إلى ابن عمه عبد الرحمن قائلا له: " يا عبد الرحمن، افرغ من امرك قبل أن يفتتن الناس ". والتفت عبد الرحمن إلى الامام " هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر ؟ " ورمقه الامام بطرفه، وعرف غايته، فاجابه بمنطق الاسلام، ومنطق الاحرار: " بل على كتاب الله، وسنة رسوله، واجتهاد رأيي.. ". ان مصدر التشريع في الاسلام انما هو كتاب الله وسنة نبيه، فعلى ضوئها تعالج مشاكل الرعية، ويسير نظام الدولة، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع الاسلامي، على انهما اختلفا أشد الاختلاف في النظم السياسية، فقد انتهج أبو بكر في سياسته المالية منهجا أقرب إلى المساواة من سياسة عمر، فانه الغى المساواة في العطاء، وأوجد نظام الطبقية، فقدم بعض المسلمين على بعض، وشرع حرمة المتعتين متعة الحج ومتعة النساء في حين انهما كانتا مشروعتين في عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، وكانت له آراؤه الخاصة في كثير من المجالات التشريعية.

[ 329 ]

فعلى أي المنهجين يسير ابن أبي طالب ربيب الوحي ورائد العدالة الاجتماعية في الاسلام. ان ابن عوف يعلم علما جازما لا يخامره ادنى شك ان الامام لو تقلد زمام الحكم لطبق شريعة الله في الارض، وساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص، والحق المحض، ولم يمنح الاسر القرشية أي جهة من الامتياز وساوى بينها وبين غيرها في جميع الحقوق والواجبات، فتفوت بذلك مصالح هذه الطبقة التي جنت على الاسلام، وجرت للمسلمين أعظم الويلات والخطوب. إن الامام لو وافق على الالتزام بما شرط عليه ابن عوف لما أمكنه أن يطبق أي منهج من مناهج سياسته الهادفة إلى نشر العدل بين الناس، ومن المقطوع به ان الامام حتى لو التزم بهذا الشرط ظاهرا لحالت قريش بينه وبين تطبيق أهدافه، ولم تدع له أي مجال لتحقيق العدالة الاجتماعية، ويكون خروجها عليه مشروعا لانه لم يف لها بوعده. وعلى أي حال فان عبد الرحمن لما يئس من تغيير اتجاه الامام انبرى إلى عثمان فشرط عليه ذلك فسارع إلى اجابته، وأظهر استعداده الكامل لكل ما شرطه عليه وفيما أحسب أن هناك اتفاقا سريا بينهما أحيط بكثير من الكتمان، فانه بأي حال لا ينتخب الامام وان اجابه إلى ما شرطه عليه، وانما طلب منه البيعة لاجل التغطية على مخططاته فاستعمل هذه المناورة السياسية، ويرى بعض المؤرخين من الافرنج إلى أن عبد الرحمن استعمل طريقة المداورة والانتهازية، ولم يترك الانتخاب يجري حرا. يقول المؤرخون: إن عبد الرحمن بادر إلى عثمان فصفق بكفه على يده وقال له: " اللهم اني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان... ".

[ 330 ]

ووقعت هذه المبادرة كصاعقة على القوى الخيرة التي جهدت على أن يسود حكم الله بين المسلمين، وانطلق الامام صوب ابن عوف فخاطبه قائلا: " والله ما فعلتها إلا لانك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم.. " (1). وألقى الامام الاضواء على اختيار عبد الرحمان لعثمان من انه لم يكن من صالح الامة وانما كان وليد الاطماع والاهواء السياسية فقد رجا ابن عوف أن يكون خليفة من بعد عثمان، واتجه الامام صوب القرشيين فقال لهم: " ليس هو أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ". ولذع منطق الامام ابن عوف فراح يهدده. " يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا ". وغادر الامام المظلوم المهتضم قاعة الاجتماع، وهو يقول: " سيبلغ الكتاب أجله ". وانطلق ابن الاسلام البار عمار بن ياسر فخاطب ابن عوف: " يا عبد الرحمان، أما والله لقد تركته، وانه من الذين يقضون بالحق، وبه كانوا يعدلون ". وكان المقداد ممن ذابت نفسه أسى وحزنا، وراح يقول:


(1) منشم - بكسر الشين - اسم امرأة بمكة كانت عطارة، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، فإذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، فكان يقال: " أشأم من عطر منشم " جاء ذلك في صحاح الجوهري 5 / 2041، وقد استجاب الله دعاء الامام فكانت بين عثمان و عبد الرحمن أشد المنافرة والخصومة، وقد أوصى ابن عوف ان لا يصلي عليه عثمان بعد موته. (*)

[ 331 ]

" تا الله ما رأيت مثل ما اتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ! ! واعجبا لقريش ! ! لقد تركت رجلا ما أقول: ولا اعلم أن أحدا أقضى بالعدل، ولا اعلم، ولا اتقى منه لو أجد اعوانا ". وقطع عليه عبد الرحمان كلامه وراح يحذره من الفتنة قائلا: " اتق الله يا مقداد فاني خائف عليك الفتنة ". وانتهت بذلك مأساة الشورى التي اخلدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شر عظيم، فلم يرع في تأسيسها وتنفيذها بهذا الشكل أي حق للاسرة النبوية، وانما عمد القوم بشكل سافر إلى الغض من شأنها، ومعاملتها معاملة عادية اتسمت بالحقد والكراهية لها، وضاعت بذلك وصايا النبي (ص) في حقها، ولم يعن بما قاله في شأنها: من أنها عديلة الكتاب العظيم، أو كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق غرق وهوى. لقد شاهد الامام الحسين (ع) وهو في غضارة العمر فصول هذه الشورى، وما أعقبته من انتشار الاطماع السياسية، والتهالك على السلطة بشكل فظيع، مما أدى إلى تشكيل الاحزاب، والتسلح باسباب القوة لاجل الفوز بالحكم والظفر بخيراته يقول الشاعر: إني أرى فتنة هاجت مراجلها * والملك بعد أبي ليل لمن غلبا لقد أصبح الحكم هو الامل المنشود والحلم الذي يداعب جميع الفئات يقول الجهيشاري: لما توفي يزيد بن عبد الملك وأفضي الامر إلى هشام أتاه الخبر وهو في ضيعة له مع جماعة فلما قرأ الكتاب سجد وسجد من كان معه من أصحابه خلا سعيد فانه لم يسجد فأنكر عليه هشام وقال له: - لم لم تسجد ؟ - علام أسجد ؟ اعلى ان كنت معنا فطرت إلى السماء. - إنا طيرناك معنا.

[ 332 ]

- الآن طاب السجود. وسجد معهم (1) ودلت هذه البادرة وامثالها مما ذكره المؤرخون على تهالك ذلك المجتمع على الحكم لا من اجل أن يتخذ وسيلة للصلاح الاجتماعي وتطوير حياة الامة حسب ما يريده الاسلام، وانما من أجل الاطماع والاستعلاء على الناس. وعلى أي حال فان تلك الاحداث المؤلمة قد باعدت ما بين القوم وبين دينهم، وكان لها الاثر الايجابي في هضم العترة الطاهرة، وتعاقب الخطوب المفزعة عليها، ومن بينها كارثة كربلاء الخالدة في دنيا الاحزان، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة الشيخين.


(1) الوزراء والكتاب (ص 59). (*)

[ 333 ]

حكومة عثمان

[ 335 ]

واستقبل المسلمون خلافة عثمان بكثير من القلق والوجوم والاضطراب وفزعت القوى الخيرة، وخافت على دينها، واعتبرت فوز الامويين بالحكم انتصارا للقوى المناهضة للاسلام، ويرى (دوزي) ان انتصار الامويين انما هو انتصار للجماعة التي كانت تضمر العداء للاسلام (1). وتحقق ما خشيه المسلمون وخافوه فانه لم يمض قليل من الوقت حتى جهدت حكومة عثمان على مملاة القرشيين، ومصانعة الوجوه والاعيان، ومنحهم الامتيازات الخاصة وتسليطهم على فئ المسلمين وخراجهم، والتلاعب باقتصاد الدولة، ومنح الوظائف العالية لبني أمية وآل أبي معيط، وغيرهم من الذين يرجون لله وقارا حتى سادت الفوضى وعمت الفتن جميع أرجاء البلاد. وعلى أي حال فان عثمان حينما فرضه ابن عوف خليفة على المسلمين حفت به بنو أمية وسائر القبائل القرشية، وهم يعلنون الدعم الكامل لحكومته، ويهتفون بحياته، وجاءوا به يزفون إلى مسجد رسول الله (ص) ليعلن سياسة دولته وموقفها تجاه القضايا الداخلية والخارجية، واعتلى أعواد المنبر فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله (ص) ولم يجلس فيه أبو بكر ولا عمر، وانما كان يجلس أبو بكر دونه بمرقاة، وعمر كان يجلس دونه بمرقاة، وتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم: " اليوم ولد الشر " (2). واتجهت الناس بقلوبها ومشاعرها لتسمع الخطاب السياسي الذي يلقيه عثمان إلا انه حينما نظر إلى الجماهير ارتج عليه، فلم يدر ما يقول: وجهد نفسه فتكلم بهذه الكلمات المضطربة التي لم تلق أي أضواء على سياسته فقد قال:


(1) انجاهات الشعر العربي (ص 26). (2) تاريخ ابن كثير 7 / 148، تاريخ اليعقوبي 2 / 140. (*)

[ 336 ]

" أما بعد: فان أول مركب صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم الله وان أمرءا ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لموعوظ... " (1). ونزل عن المنبر، وهو وجل القلب، مصفر الوجه، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض وهم يهزؤن ويسخرون... ولابد لنا من الالمام بمظاهر شخصيته والوقوف على اتجاهاته السياسية، كما لابد من التأمل في الاحداث التي رافقت حكومته والتي كان لها التأثير المباشر في كثير من الفتن والخطوب التي مني بها العالم الاسلامي، ونحن لا نجد بدا من عرض ذلك لان دراسة هذه الاحداث تلقى الاضواء على حياة الامام الحسين (ع) ويكشف لنا كثيرا من جوانب كارثة كربلاء التي جاءت نتيجة حتمية لتلك الاحداث التي لعبت دورها الخطير في تغيير مناجي العقيدة الاسلامية. مظاهر شخصيته: أما المظاهر الكاشفة عن ابعاد شخصية عثمان، والمحددة لذاتياته فأهمها ما يلي: 1 - إنه كان ضعيف الارادة خائر العزيمة، فلم تكن له أية شخصية قوية متماسكة يستطيع بها أن يفرض آراءه وارادته، كما لم تكن له أية قدرة على مواجهة الاحداث والتغلب عليها، قد اخذ الامويون بزمامه، واستولوا على جميع مقدرات حكومته، فلم يستطع أن يقف موقفا ايجابيا يتسم بالصلابة ضد رغباتهم، وأهوائهم، فكان بالنسبة إليهم - فيما يقول بعض المؤرخين - كالميت في يد الغاسل، وكان الذي يدير شؤون دولته مروان بن الحكم، فهو الذي يعطي ما يشاء، ويمنع من يشاء ويتصرف في


(1) الموفقيات (ص 202). (*)

[ 337 ]

مقدرات الامة حسب ميوله من دون ان يعني بأحكام الاسلام، ولا رأي لعثمان، ولا اختيار له في جميع الاحداث التي تواجه حكومته، فقد وثق بمروان واعتمد عليه، وأناط به جميع شؤون الدولة، يقول ابن أبي الحديد نقلا عن بعض مشايخه: ان الخليفة في الحقيقة والواقع انما كان مروان وعثمان له اسم الخلافة. ان قوة الارادة لها الاثر التام في تكوين الشخصية واستقامتها، فهي تكسب الشخص قوة ذاتية يستطيع أن يقف بحزم أمام التيارات والاعاصير التي تواجهه في هذه الحياة، ومن المستحيل أن يحقق الشخص أي هدف لامته ووطنه من دون أن تتوفر فيه هذه النزعة، وقد منع الاسلام منعا باتا أن يتولى ضعيف الارادة قيادة الامة، وحظر عليه مزاولة الحكم لانه يعرض البلاد للويلات والخطوب، ويغري ذوي القوى بالتمرد والخروج من الطاعة، وتمنى الامة بالازمات والاخطار. ووصفه بعض المؤرخين بالرأفة والرقة واللين والتسامح إلا أن ذلك كان مع أسرته وذويه أما مع الجبهة المعارضة لحكومته فقد كان شديد القسوة، فقد بالغ في ارهاقهم وأضطهادهم، وقابلهم بمزيد من العسف والعنف، فنفى أبا ذر من يثرب إلى الربذة، وفرض عليه الاقامة الجبرية في مكان انعدمت فيه جميع وسائل الحياة، حتى مات طريدا غريبا، ونكل بالصحابي العظيم عمار بن ياسر فأمر بضربه حتى أصابه فتق، وألقته شرطته في الطريق مغمى عليه، واوعز إلى شرطته بضرب القارئ الكبير عبد الله بن مسعود فالهبت جسمه سياطهم وألقوه في الطريق بعد أن هشموا بعض أضلاعه، وحرم عليه عطاءه، وهكذا اشتد في القسوة مع اعلام المعارضة. نعم كان شديد الرأفة والرقة بارحامه من بني امية وآل أبي معيط،

[ 338 ]

فمنحهم خيرات البلاد، وحملهم على رقاب الناس، واسند إليهم جميع المناصب الحساسة في الدولة. 2 - وظاهرة ثانية من نزعات عثمان هو انه كان شديد القبلية فقد أترعت نفسه بالعواطف الجياشة تجاه قبيلته، حتى تمنى أن تكون مفاتيح الفردوس بيده ليهبها لبني أمية، وقد آثرهم بالفئ، ومنحهم الثراء العريض، ووهبهم الملايين من أموال الدولة، وجعلهم ولاة على الاقطار والاقاليم الاسلامية وكانت تتواتر لديه الاخبار بانهم جانبوا الحق وظلموا الرعية، وأشاعوا الفساد في الارض فلم يعن بذلك ولم يفتح معهم أي لون من ألوان التحقيق ورد الشكاوى الموجهة ضدهم، وسنعرض لذلك بمزيد من التفصيل. 3 - والظاهر الثالثة من نزعات عثمان هو انه كان يميل إلى الترف والبذخ، ولم يعن ببساطة العيش والزهد في الدنيا كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ففتنن بالبذخ والترف فاتخذ القصور، واصطفى لنفسه ما شاء من بيت المال واحاط نفسه بالثراء العريض من دون ان يتحرج في ذلك، ووصفه الامام أمير المؤمنين (ع) بقوله: " نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه " وكان ذلك من موجبات النقمة عليه، وسنتحدث عن هذه الظاهرة بمزيد من التفصيل عند البحث عن سياسته المالية. هذه بعض نزعات عثمان، وقد أوجبت اخفاقه وفشله في الميادين السياسية، واذاعة التذمر والنقمة عليه. نظمه الادارية أما النظم الادارية السائدة في حكومة عثمان فانها كانت تعني بمملاة

[ 339 ]

القرشيين، ومصانعة الوجوه والاعيان، والتسامح واللين مع ذوي النفوذ والقوة، والغض عما يقترفون من المخالفات القانونية، فقد تعمد عبيدالله ابن عمر جريمة القتل، فقتل بغير حق الهرمزان وجفينة، وبنت أبي لؤلؤة وقد أقفل معه عثمان سير التحقيق، وأصدر مرسوما خاصا بالعفو عنه مملاة لاسرة عمر، وقد قوبل هذا الاجراء بمزيد من الانكار، فقد اندفع الامام امير المؤمنين إلى الانكار عليه، وطالبه بالقود من ابن عمر، وكذلك طالبه المقداد، ولكن عثمان لم يعن بذلك، وكان زياد بن لبيد إذا لقى عبيدالله يقول له: ألا يا عبيد الله مالك مهرب * ولا ملجأ من ابن اروى ولا خفر أصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر على غير شئ غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه: والحوادث جمة * نعم أتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته * يقلبه والامر بالامر يعتبر وشكا عبيدالله إلى عثمان فدعا زيادا فنهاه عن ذلك الا انه لم ينته وتناول عثمانا بالنقد فقال فيه: أبا عمرو عبيدالله رهن * - فلا تشكك - بقتل الهرمزان فاتك ان غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان لتعفو إذ عفوت بغير حق * فما لك بالذي تخلي يدان وغضب عثمان على زياد فنهاه، وحذره العقوبة حتى انتهى (1)، وأخرج عبيدالله من يثرب إلى الكوفة، وأقطعه بها أرضا، فنسب الموضع إليه فقيل: " كوفية ابن عمر " وقد أثارت هذه البادرة عليه نقمة الاخيار والمتحرجين في دينهم، فقد رأووا أن الخليفة عمد بغير وجه مشروع إلى * (1) تاريخ الطبري 5 / 41. (*)

[ 340 ]

تعطيل حدود الله، ارضاءا لعواطف آل الخطاب وكسبا لودهم. وعلى أي حال فان النظم الادارية السائدة في أيام عثمان كانت خاضعة لمشيئة الامويين ورغباتهم، ولم تسر على ضوء الكتاب والسنة، فقد عمد الامويون جاهدين إلى العبث بمقدرات الامة، واشاعة الجور في البلاد، ويرى كرد علي أن غلطات عثمان الادارية كانت من أهم الاسباب في قتله (1). ولاته وعماله: وعمد عثمان إلى فرض أسرته وذوي قرباه على الامة فجعلهم ولاة وحكاما على الاقاليم الاسلامية يقول المقريزي: " وجعل عثمان بن أمية أوتاد خلافته " (2). ولم تتوفر فيهم المقدرة الادارية أو القابلية على تحمل مسؤولية الحكم فعرضوا البلاد للويلات وأشاعوا فيها الفساد والجور، ويقول المؤرخون: إنه شجع عماله على الاستفادة من بيت المال فأبو موسى الاشعري سمع لاحد عماله بالتجارة في أقوات أهل العراق (3) ويرى السيد مير علي أن المسلمين تذمروا من استبداد الحكام واغتصابهم الاموال (4) وفيما يلي بعض عماله: 1 - سعيد بن العاص: واسند عثمان ولاية الكوفة إلى سعيد بن العاص فولاه أمر هذا القطر


(1) الادارة الاسلامية (ص 57). (2) النزاع والتخاصم (ص 18). (3) الطبري 4 / 262. (4) مختصر تاريخ العرب (ص 43). (*)

[ 341 ]

العظيم بعد عزله الوليد بن عقبة لاقترافه جريمة شرب الخمر، وقد استقبل الكوفيون واليهم الجديد بالكراهية وعدم الرضا لانه كان شابا مترفا متهورا لا يتحرج من المنكر، يقول المؤرخون: إنه قال مرة في رمضان من رأى منكم الهلال ؟ فقام الصحابي العظيم هاشم بن عتبة المرقال فقال: " أنا رأيته " فلم يعن به وإنما وجه إليه منكر القول وأقساه قائلا: " بعينك هذه العوراء رأيته ؟ ! ". فالتاع هاشم وانبرى منكر عليه قائلا: " تعيرني بعيني، وانما فقئت في سبيل الله، وكانت عينه أصيبت يوم اليرموك ". وأصبح هاشم مفطرا، عملا بقول رسول الله (ص): " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " وفطر الناس لافطاره، وانتهى الخبر إلى سعيد فارسل إليه وضربه ضربا مبرحا، وحرق داره، وقد أثار ذلك حفائظ النفوس ونقم عليه الناس لانه اعتدى بغير حق على علم من أعلام الجهاد في الاسلام (1). وكان سعيد في منتهى الطيش والغرور فقد أثر عنه أنه قال: " انما السواد - يعني سواد الكوفة - بستان لقريش " وأثار ذلك عليه موجة من الغضب والاستياء فقد اندفع زعيم الاحرار مالك الاشتر رادا عليه قائلا: " أتجعل مراكز رماحنا، وما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه ". وهكذا اتخذ الحكم المنحرف الذي فرض على الامة بقوة السيوف خيرات المجتمع بستانا لقريش التي ناهضت الاسلام وناجزته الحرب. وانضم قراء المصر وفقهاؤهم إلى الزعيم مالك مؤيدين مقالته ومنكرين


(1) حياة الامام الحسن 1 / 240. (*)

[ 342 ]

على الوالي غروره وطيشه، وغضب مدير شرطة سعيد فرد عليهم ردا غليظا، فبادروا إليه فضربوه ضربا عنيفا حتى أغمي عليه، وقاموا من مجلسه وأطلقوا ألسنتهم بنقده، وذكر مثالب عثمان وسيئاته، وأخذوا يذيعون سيئات قريش وجرائم بني امية، ورفع سعيد من فوره رسالة إلى عثمان أخبره فيها بشأن القوم، فاجابه عثمان بان ينفيهم إلى الشام، وكتب في نفس الوقت رسالة إلى معاوية يأمره فيها باستصلاحهم. ولم يرتكب هؤلاء الاحرار اثما أو فسادا، ولم يقترفوا جرما حتى يقابلوا بالاضطهاد والنفي، وانما نقدوا أميرهم لانه قال غير الحق، وشذ عن الطريق القويم، وقد منح الاسلام الحرية التامة لنقد الحاكمين والمسؤولين إذا شذوا في سلوكهم، وجاروا على رعيتهم، وجعل هذه الحرية حقا ذاتيا لكل مواطن، والزم الدولة برعايتها وتوفيرها للناس. وعلى أي حال فقد قامت السلطة باخراجهم بالعنف والقهر من أوطانهم وأرسلتهم إلى الشام فتلقاهم معاوية، وأمر بانزالهم في كنيسة، وأجرى لهم بعض الرزق، وجعل يناظرهم، ويعظهم، ويحبذ لهم مسالمة السلطة والرضا بسياستها إلا انهم لم يستجيبوا له، وأنكروا عليه ما قاله سعيد: من أن السواد بستان لقريش، معلنين على أنه لا ميزة للقابل القرشية على غيرها حتى تختص بخيرات البلاد. ولما يئس منهم معاوية كتب إلى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام خوفا من أن يفسدوا أهلها عليه، فاعفاه عثمان، وأمره بردهم إلى الكوفة فلما عادوا إليها انطلقت السنتهم بالنقد في ذكر مثالب الامويين ومساوئهم ورفع سعيد أمرهم إلى عثمان ثانيا فأمره بنفيهم عن وطنهم إلى حمص والجزيرة، فأخرجهم من وطنهم إلى حمص، فقابلهم واليها عبد الرحمان ابن خالد بأعنف القول وأقساه، وسامهم سوء العذاب وأمعن في ارهاقهم

[ 343 ]

والتنكيل بهم، فكان فيما يقول الرواة: إذا ركب أمر بهم ليسيروا حول ركابه مبالغة في اذلالهم واحتقارهم، ولما رأوا تلك القسوة أظهروا الطاعة والاذعان للسلطة، وكتب إلى عثمان في شأنهم، فاجابه إلى ذلك، وأمره بردهم إلى الكوفة، ولما نزحوا عن حمص جعلوا طريقهم إلى يثرب لمقابلة عثمان، فلما انتهوا إليها قابلوه، وعرضوا عليه ما عانوه من التنكيل والارهاق، ولم يلبثوا قليلا حتى فاجأهم سعيد، فقد جاء في مهمة رسمية إلى عثمان فوجد القوم عنده يشكونه، ويسألونه عزله، إلا انه أعرض عنهم ولم يستجب لهم، وألزمهم بالانصياع إلى أوامر واليهم، كما أمره أن يرجع ويزاول عمله، وقفل القوم قبله راجعين إلى مصرهم، وقد سبقوه إليه، فقاموا باحتلاله، وأقسموا أن لا يدخله سعيد ما حملوا سيوفهم، ثم خرجوا في جماعة مسلحين بقيادة الزعيم مالك الاشتر حتى انتهوا إلى (الجرعة) فرابطوا فيها ليحولوا بين سعيد وبين دخوله إلى الكوفة، وأقبل سعيد فقاموا إليه، وعنفوه اشد العنف، وحرموا عليه دخول مصرهم، فولى منهزما إلى عثمان يشكوهم إليه، ولم يجد عثمان بدا من عزله، فعزله وولى غيره مكانه على كره منه (1). وعلى أي حال فان عثمان قد نكل بالناقدين لسعيد بن العاص، وهم قراء المصر وفقهاؤه: ونفاهم عن أوطانهم من أجل شاب طائش متهور لانه من اسرته وذويه، وكان ذلك من موجبات النقمة عليه لا في الكوفة وانما في جميع الاقاليم الاسلامية التي انتهى إليها أمرهم. 2 - عبد الله بن عامر: و عبد الله بن عامر بن كريز هو ابن خال عثمان وقد ولاه امارة


(1) تاريخ الطبري 5 / 85، تاريخ أبي الفداء 1 / 68، الانساب 5 / 39 - 43. (*)

[ 344 ]

البصرة بعد أن عزل عنها أبا موسى الاشعري، وكان عمره أربعا أو خمسا وعشرين سنة (1)، وقد اختاره لولاية هذا المصر العظيم، وكان الاولى ان يختار له من ثقاة الصحابة، وخيارهم لتستفيد الناس من هديه وصلاحه وتقواه، وتستمد منه الخير والرشاد، ولكنه لم يعن بذلك وانما عمد إلى ولايته لانه ابن خاله، وقد سار فيما يقول الرواة سيرة ترف وبذخ، فكان ولاجا خراجا، كما وصفه الاشعري (2) فهو اول من لبس الخز في البصرة وقد لبس جبة حمراء (3) وقد انكر عليه سياسته وسيرته عامر بن عبد الله التميمي كما عاب على عثمان سلوكه وسيرته، وقد روى الطبري انه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان، فاجتمع رأيهم ان يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره باحداثه، واختاروا عامر بن عبد الله لمقابلته، ولما التقى به قال له: " إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله عزوجل، وتب إليه، وانزع عنها... ". فاحتقره عثمان، واعرض عنه، وقال لمن حوله: " انظروا إلى هذا فان الناس يزعمون انه قارئ، ثم هو يجئ فيكلمني في المحقرات، فوالله ما يدري اين الله ؟ ". وما هي المحقرات التي كلمه بها ؟ إنه لم يكلمه الا بتقوى الله والعدل في الرعية، وايثار مصلحة المسلمين، واتباع سيرة النبي (ص) ولكن عثمان شق عليه ذلك، واعتبر نصيحته من المحقرات.


(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 2 / 253. (2) الكامل 3 / 38. (3) اسد الغابة 3 / 192. (*)

[ 345 ]

والتفت إليه عامر فقال ساخرا منه: " أنا لا ادري اين الله ؟ ". " نعم ". " إني لادري ان الله بالمرصاد ". وغضب عثمان فارسل إلى مستشاريه وعماله فعرض عليهم نقمة المعارضين له، ونقل لهم حديث عامر معه، وطلب منهم الرأي في ذلك، فاشار عليه ابن خاله عبد الله بن عامر قائلا: " رأي لك يا أمير المؤمنين ان تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وان تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون همة احدهم الا نفسه، وما هو فيه من دبر دابته، وقمل فروته.. ". وأشار عليه آخرون بخلاف ذلك إلا انه استجاب لرأي عبد الله الداعي إلى مقابلة الناقمين عليه بالعسف والعنف، ورد عماله، وأمرهم بالتضييق على المعارضين له، كما أمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم عطائهم حتى يشيع الفقر والبؤس فيهم فيضطروا إلى طاعته (1). ولما قفل عبد الله بن عامر إلى البصرة عمد إلى التنكيل بعامر بن عبد الله وأوعز إلى عملائه أن يشهدوا عليه شهادة زور وبهتان بأنه قد خالف المسلمين في أمور أحلها الله، وأنه لا يأكل اللحم، ولا يرى الزواج ولا يشهد الجمعة (2) ودون شهادتهم بذلك، ورفعها إلى عثمان فأمره بنفيه إلى الشام، وحمله على قتب حتى يشق عليه السفر، ولما انتهى إلى الشام انزله معاوية (الخضراء) وبعث إليه بجارية لتكون عينا عليه، وتنقل له اخباره وشؤونه، وأشرفت عليه الجارية فرأته يقوم في الليل متعبدا،


(1) تاريخ الطبري 5 / 94، تاريخ ابن خلدون 2 / 39. (2) الفتنة الكبرى 1 / 116. (*)

[ 346 ]

ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة، ولا يتناول من طعام معاوية شيئا، وكان يتناول كسرا من الخبز ويجعلها في الماء تحرجا من أن يدخل جوفه شئ من الحرام، وانبرت الجارية فأخبرت معاوية بشأنه، فكتب إلى عثمان بأمره فاوعز إليه بصلته (1). وقد نقم المسلمون على عثمان، وعابوا عليه ما ارتكبه في شأن هذا الرجل الصالح الذي أمره بتقوى الله والعدل في الرعية. وظل عبد الله بن عامر واليا على البصرة يسير فيها بسيرة لم يألفها المسلمون فلم يتحرج عن الاثم والبغي والاعتداء، ولما قتل عثمان نهب ما في بيت المال وسار إلى مكة فوافى بها طلحة والزبير وعائشة فانضم إليهم، وأمدهم بالاموال ليستعينوا بها على مناجزة الامام أمير المؤمنين، وهو الذي أشار عليهم بالنزوح إلى البصرة، والانصراف عن الشام (2). 3 - الوليد بن عقبة: وعهد عثمان بولاية الكوفة إلى الوليد بن عقبة بعد أن عزل عنها سعد ابن أبي وقاص الزهري، وأجمع المؤرخون على أنه كان من فساق بني أمية ومن أكثرهم مجونا، وانحرافا عن الاسلام وهو ممن أخبر النبي (ص) بانه من أهل النار (3) وكان أبوه عقبة من ألد أعداء رسول الله (ص) فكان يأتي بالفروث فيطرحه على بابه (4) وقد بصق في وجه النبي (ص) فهدده (ص) بانه إن وجده خارجا من جبال مكة يأمر بضرب عنقه، فلما كانت واقعة بدر امتنع من الخروج فأصر عليه أصحابه بالخروج معهم


(1) الاصابة 3 / 85. (2) أسد الغابة 3 / 192. (3) مروج الذهب 2 / 223. (4) طبقات ابن سعد 1 / 186. (*)

[ 347 ]

فأخبرهم بمقالة النبي (ص) له، فاغروه وخدعوه، وقالوا له: لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فاستجاب لهم، وخرج لحرب رسول الله (ص) فلما هزم الله المشركين حمل به جمله في جدود من الارض فأخذه المسلمون، وجاءوا به أسيرا، فأمر عليا بضرب عنقه، فقال إليه وقتله (1) وقد اترعت نفس الوليد بالحقد على النبي لانه قد وتره بأبيه، وقد أسلم مع من أسلم من كفار قريش خوفا من حد السيف الذي نزع روح أبيه. وقد لقبه القرآن الكريم بالفاسق، ويقول المؤرخون والمفسرون: إنه نزلت آيتان في فسقه: " الاولى ": قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (2) وكان سبب نزول هذه الآية ان النبي (ص) أرسله إلى بني المصطلق لاخذ الصدقة فعاد إليه وأخبره بانهم منعوه عنها فخرج (ص) إليهم غازيا فتبين له كذبه ونزلت الآية معلنة فسقه. " الثانية ": قوله تعالى: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " (3) وسبب نزولها أنه جرت مشادة بينه وبين الامام أمير المؤمنين (ع) فقال له الوليد: اسكت فانك صبي وأنا شيخ، والله اني أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملا منك حشوا في الكتيبة، فقال له علي:


(1) الغدير 8 / 273. (2) سورة الحجرات: آية 6، يقول ابن عبد البر في الاستيعاب 2 / 62 لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن الآية نزلت في الوليد. (3) سورة السجدة: آية 18. (*)

[ 348 ]

اسكت فانك فاسق، فانزل الله فيهما هذه الآية، ونظم الحادثة حسان بن ثابت بقوله: أنزل الله والكتاب عزيز * في علي وفي الوليد قرانا فتبوا الوليد من ذاك فسقا * وعلي مبؤ إيمانا ليس من كان مؤمنا عرف الله * كمن كان فاسقا خوانا فعلي يلقى لدى الله عزا * ووليد يلقى هناك هوانا سوف يجزى الوليد خزيا ونارا * وعلي لا شك يجزى جنانا (1) ولما عهد إليه عثمان بولاية الكوفة كان يشرب الخمر جهارا، وقد دخل قصره وهو ثمل يتمثل بأبيات لتأبط شرا. ولست بعيدا عن مدام وقينة * ولا بصفا صلد عن الخير معزل ولكن أروي من الخمر هامتي * وأمشى الملا بالساحب المتسلسل (2) ويقول الرواة: إنه كان يستمع إلى الغناء ويظل يسمر مع ندمائه ومغنيه سكرانا من أول الليل إلى الصباح، وكان يؤثر بمنادمته صديقا له من نصارى تغلب هو أبو زبيد الطائي، وقد انزله دارا على باب المسجد ثم وهبها له فكان الطائي يخرج من منزله حتى يشق الجامع إليه فيسمر عنده ويشرب فيشق المسجد وهو سكران (3) ويقول المؤرخون: إنه شرب الخمر فصلى بالناس وهو ثمل صلاة الصبح أربع ركعات، وصار يقول في ركوعه وسجوده: اشرب واسقني، ثم قاء في المحراب وسلم، وقال للمصلين خلفه: هل أزيدكم ؟ فقال له ابن مسعود: لا زادك الله خيرا، ولا من


(1) تذكرة الخواص (ص 115). (2) الاخبار الطوال (ص 156). (3) الاغاني 5 / 122، مروج الذهب 1 / 232، العقد الفريد 6 / 348. (*)

[ 349 ]

بعثك إلينا، وأخذ فروة نعله، وضرب بها وجهه، وحصبه الناس فدخل القصر، والحصباء تأخذه، وهو ثمل مترنح (1) وفي فضائحه ومخازيه يقول الحطيئة جرول بن اوس العبسي: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * ان الوليد أحق بالغدر نادى وقد تمت صلاتهم * أأزيدكم ؟ ثملا ولا يدرى ليزيدهم خيرا ولو قبلوا * منه ازادهم على عشر فأبوا أبا وهب ولو فعلوا * لقرنت بين الشفع والوتر حبسوا عنانك إذ جريت * ولو خلوا عنانك لم تزل تجري (2) ويقول فيه الحطيئة مرة اخرى: تكلم في الصلاة وزاد فيها * علانية وجاهر بالنفاق ومج الخمر عن سنن المصلي * ونادى والجميع إلى افتراق أأزيدكم على أن تحمدوني * فما لكم ومالي من خلاق (3) وأسرع جماعة من خيار الكوفيين وصلحائهم إلى يثرب يشكون الوليد إلى عثمان، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه في حالة سكره، ولما قابلوا عثمان، وشهدوا عنده بما رأوه من شرب الوليد للخمر، زجرهم عثمان، وقال لهم: " ما يدريكم أنه شرب الخمر ؟ ". " هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية ". وأعطوه خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره لتأييد شهادتهم، وغضب عثمان، وقام فدفع في صدورهم، وقابلهم باخبث القول، وأقساه


(1) السيرة الحلبية 2 / 314. (2) الاغاني 4 / 178 - 179. (3) الاغاني 4 / 178. (*)

[ 350 ]

فخرجوا منه وقد ملك الذعر إهابهم وانطلقوا إلى الامام أمير المؤمنين، وأخبروه بما ألم بهم فانبرى الامام إلى عثمان، فقال له: " دفعت الشهود وأبطلت الحدود ؟ ". وهدأ عثمان، وخاف من عواقب الامور فاتجه نحو الامام قائلا بصوت خافت: " ما ترى ؟ ". " أرى ان تبعث إلى صاحبك، فان أقاما الشهادة في وجهه، ولم يدل بحجة أقمت عليه الحد... ". ولم يجد عثمان بدا من الاذعان لقول الامام فكتب إلى الوليد يأمره بالشخوص إليه ولما وصلت إلى الوليد رسالة عثمان نزح من الكوفة إلى يثرب ولما مثل بين يدي عثمان دعا بالشهود فاقاموا عليه الشهادة فلم يدل باية حجة، وبذلك خضع لاقامة الحد، ولم ينبر إليه أحد لاقامة الحد عليه خوفا من عثمان، فقام الامام أمير المؤمنين (ع) ودنا منه فسبه الوليد وقال: " يا صاحب مكس " (1) وقام إليه عقيل فرد سبه، وجعل الوليد يروغ عن الامام فاجتذبه، وضرب به الارض، وعلاه بالسوط، وتميز عثمان غيظا وغضبا فصاح بالامام. " ليس لك أن تفعل به هذا ". فاجابه الامام بمنطق الشرع قائلا: " بلى وشر من هذا إذا فسق، ومنع حق الله أن يؤخذ منه " (2). ودلت هذه البادرة على تهاون عثمان بحدود الله، وعدم اكتراثه باقامتها، وعلق الاستاذ العلائلي على هذه البادرة بقوله:


(1) المكس: النقص والظلم. (2) مروج الذهب 2 / 225. (*)

[ 351 ]

" هذه القصة تضع بين أيدينا شيئا جديدا غير العطاء الذي يرجع إلى مكان العاطفة تضع بين أيدينا صورة من الاغضاء عن مجاوزة السلطة للقانون والاغضاء في واقعة دينية، بحيث يجب على الخليفة أن يكون أول من يغار عليها، وإلا هدد مكانه وافسح للناس مجال التقول والتجريح، وبالاخص حين جاءت حكومته عقيب حكومة عمر التي عرفت بالشدة فيما يتعلق بالحدود الدينية حتى لو كان من أقرب ذوي القربى. إذن فهذه المبالغة في الاغضاء والصفح والمجاوزة لا ترجع إلى مكان العاطفة وحدها ان كانت بل إلى الحزبية أيضا حتى تتناصر مجتمعة... " (1). وعلى أي حال فان الوليد قد ترك أثرا سيئا في الكوفة فقد تأثرت بمجونه فكانت سيرته نقطة تحول في هذه المدينة - التي كانت تضم الصحابة والتابعين - إلى مدينة المجان واللاهين، فقد أعزى الوليد الناس إلى الاندفاع نحو المتع واللهو، واسست في الكوفة دور للغناء والطرب، وانتشر فيها المجان، وكان من المغنين فيها عبد الله بن هلال الذي لقب بصاحب ابليس (2) وحنين الخيري الشاعر النصراني (3). 4 - عبد الله بن سعد: واستعمل عثمان أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر فجعل بيده صلاته وخراجه (4) وكان من اخطر المشركين، وأكثرهم عداءا للنبي (ص) وسخرية منه، وكان يقول مستهزءا بالنبي (ص): إني أصرفه حيث أريد، وقد أهدر النبي دمه، وإن وجد متعلقا بأستار


(1) الامام الحسين (ص 33). (2) الاغاني 2 / 351. (3) الاغاني 2 / 349. (4) الولاة والقضاة (ص 11).

[ 352 ]

الكعبة، وقد هرب بعد فتح مكة فاستجار بعثمان فغيبه، وبعدما اطمأن أهل مكة أتى به عثمان إلى النبي، فصمت (ص) طويلا ثم آمنه وعفا عنه، فلما انصرف عثمان التفت النبي إلى أصحابه، قال لهم: ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم ليضرف عنقه، فقال له رجل من الانصار: هلا أومأت الي يا رسول الله ؟ فقال: إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الاعين (1). ولما ولي عبد الله مصر ساس المصرين سياسة عنف وجور وكلفهم فوق ما يطيقون، وأظهر الكبرياء والجبروت، فضجروا منه، فخف خيارهم إلى عثمان يشكونه إليه، فبعث إليه رسالة يستنكر فيها سيرته وسياسته في القطر، ولم يستجب ابن أبي سرح لعثمان، وراح مصرا على غيه واعتدائه على الناس، وعمد إلى من شكاه لعثمان فقلته، وشاع التذمر والسخط عليه فتشكل وفد كبير من المصريين وكان عددهم فيما يقول الرواة: سبع مائة شخص فخفوا إلى عثمان، وقد نزلوا في الجامع وشكوا إلى الصحابة ما صنع بهم ابن أبي سرح فانبرى طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام قاسي، وارسلت إليه عائشة تطالبه بانصاف القوم، وكلمه الامام أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: " إنما يسألك القوم رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم واقض بينهم، فان وجب عليه حق فانصفهم منه... ". واستجاب - على كره - للقوم، وقال لهم: " اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه " فاشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فكتب عهده إلى مصر ووجه معه عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين


(1) تفسير القرطبي 7 / 40، سنن أبي داود 2 / 220. (*)

[ 353 ]

ابن ابي سرح (1) ونزحوا عن المدينة فلما بلغوا إلى الموضع المعروف (بحمس) وإذا بقادم من يثرب تأملوه فاذاهو ورش غلام عثمان فتفحصوا عنه، وفتشوه وإذا به يحمل رسالة من عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره فيها بالتنكيل بالقوم، وتأملوا في الكتاب فإذا به بخط مروان فقفلوا راجعين إلى يثرب وقد صمموا على خلع عثمان أو قتله (2). 5 - معاوية بن أبي سفيان: لم يستعمل عثمان معاوية على الشام واليا وانما استعمله عمر وأقره عثمان عليها ولكنه زاد في نفوذه وبسط في سلطانه، ومهد له الطريق في نقل الخلافة الاسلامية إليه يقول طه حسين: " وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما اتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان، وتثبيتها في بني أمية فعثمان هو الذي وسع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الارجاء، وجمع له قيادة الاجناد الاربعة، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين، ثم مد له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر، وأطلق يده في أمور الشام أكثر مما أطلقها عمر. فلما كانت الفتنة نظر معاوية فإذا هو أبعد الامراء بالولاية عهدا، وأقواهم جندا، وأملكهم لقلب الرعية " (3). ان عثمان هو الذي مد في سلطان معاوية، وزاد في سعة ولايته، وبسط له النفوذ حتى كان من أقوى الولاة، وأعظمهم نفوذا، وأصبح قطره من أهم الاقطار الاسلامية وأمنعها، وأكثرها هدوءا واستقرارا.


(1) أنساب الاشراف 5 / 26. (2) حياة الامام الحسن 1 / 250. (*) (3) الفتنة الكبرى 1 / 120. (*)

[ 354 ]

هؤلاء بعض ولاة عثمان، وكلهم من بني أمية وآل أبي معيط، ولم يمنحهم الحكم إلا إثرة ومحاباة، وتقوية لنفوذ الامويين وحملهم على رقاب المسلمين، وقد علق السيد مير علي الهندي على ولاة عثمان بقوله: " كان هؤلاء هم رجال الخليفة المفضلين، وقد تعلقوا بالولايات كالعقبان الجائعة، فجعلوا ينهشونها، ويكدسون الثروات منها بوسائل الارهاق التي لا ترحم " (1). سياسته المالية: لم تكن سياسة عثمان المالية إلا امتدادا لسياسة عمر (2)، فليس لعثمان منهج خاص في السياسة المالية سوى الذي سنة عمر، من ايجاد الطبقية وتقديم بعض الناس على بعض في العطاء، وقد شذت هذه السياسة عما فتنه الاسلام من لزوم المساواة ووجوب الانفاق على المرافق العامة، واصلاح الحياة الاقتصادية ومكافحة الفقر، والقيام باعالة الضعيف والمحتاج، وليس لولاة الامور أن يصطفوا منها أي شئ، وليس لهم أن يمنحوها لدعم حكمهم وسلطانهم وقد تحرج الاسلام في ذلك أشد الحرج يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة " (3) وكتب الامام أمير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الارض إلى قثم بن العباس عامله على مكة كتابا القى فيه الاضواء على السياسة المالية التي انتهجها الاسلام وهذا نصه:


(1) روح الاسلام (ص 90). (2) تاريخ العراق في ظل الحكم الاموي (ص 22). (3) صحيح البخاري 5 / 17. (*)

[ 355 ]

" انظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة، مصيبا به مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله الينا لنقسمه فيمن قبلنا " (1). هذا هو اتجاه الاسلام في أموال الدولة فهو يلزم ولاة الامور بانفاقها على مواضع الفاقة والمحتاجين لئلا يبقى بائس أو محروم في البلاد، ولكن عثمان لم يعن بذلك، وانما انفق الاموال العامة على الاشراف والوجوه وبني أمية وآل أبي معيط، فتكدست عندهم الاموال وحاروا في صرفها... لقد أصبحت الاموال الهائلة التي تتدفق على الخزينة المركزية تمنح للامويين وادعوا أن المال انما هو ملكهم لا مال الدولة، وانها ملك لبني امية، فقد منحوا نفوسهم بجميع الامتيازات (2) وفيما يلي قائمة في الاموال التي منحها لهم ولغيرهم: عطاياه للامويين: وخص عثمان بني امية بالاموال، ومنحهم الهبات الضخمة وهي كما يلي: 1 - الحارث بن الحكم. ووهب عثمان الحارث صهره من عائشة ما يلي: أ - ثلاثمائة ألف درهم (3). ب - وهبه ابل الصدقة التي وردت إلى المدينة.


(1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 128. (2) العقيدة والشريعة في الاسلام (ص 53). (3) انساب الاشراف 5 / 52. (*)

[ 356 ]

ج - أقطعه سوقا في يثرب يعرف بتهروز بعد ان تصدق به النبي على جميع المسلمين (1). 2 - أبو سفيان: ووهب عثمان إلى أبي سفيان رأس المنافقين مائتي ألف من بيت المال (2). 3 - سعيد بن العاص: ومنح عثمان سعيد بن العاص مائة ألف درهم (3). 4 - عبد الله بن خالد: وتزوج عبد الله بن خالد بن أسيد بنت عثمان فامر له بستمائة ألف درهم وكتب إلى عبد الله بن عامر واليه على البصرة أن يدفعها إليه من بيت المال (4). 5 - الوليد بن عقبة: الوليد بن عقبة أخو عثمان من امه استقرض من عبد الله بن مسعود أموالا طائلة من بيت المال فأقرضه، وطلبها منه عبد الله فأبى أن يدفعها ورفع رسالة إلى عثمان يشكوه إليه، فكتب عثمان إلى عبد الله رسالة جاء فيها: " انما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال " فغضب ابن مسعود، وطرح مفاتيح بيت المال وقال: " كنت أظن اني خازن للمسلمين، فاما إذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك " وأقام بالكوفة بعد أن استقال من منصبه (5).


(1) انساب الاشراف 5 / 28. (2) شرح النهج 1 / 67. (3) انساب الاشراف 5 / 28. (4) تاريخ اليعقوبي 2 / 145. (5) الانساب 5 / 30. (*)

[ 357 ]

فبيت المال في عرف السياسة العثمانية ملك للامويين، وليس ملكا للمسلمين، ونترك هذا الحكم إلى القراء. 6 - الحكم بن أبي العاص. كان هذا الرجس الخبيث من ألد اعداء رسول الله (ص) وقد نفاه (ص) إلى الطائف، وقال: " لا يساكنني " ولم يزل منفيا هو وأولاده طيلة خلافة الشيخين، ولما انتهى الحكم إلى عثمان أصدر عنه العفو فقدم إلى يثرب، وهو يسوق تيسا، وعليه ثياب خلقة فدخل على عثمان فكساه جبة خز وطيلسان (1) ووهب من الاموال مائة الف (2)، وولاه على صدقات قضاعة فبلغت ثلاثة مائة الف، فوهبها له (3). وأدت هباته للحكم إلى شيوع التذمر والنقمة عليه من جميع الاوساط الاسلامية. 7 - مروان بن الحكم: اما مروان بن الحكم فهو وزيره ومستشاره الخاص، وجميع مقدرات الدولة تحت تصرفه، وقد منحه الثراء العريض، ووهب من الاموال ما يلي: أ - اعطاه خمس غنائم افريقية، وقد بلغت خمس مائة الف دينار وقد عيب عليه في ذلك، وهجاه الشاعر الثائر عبد الرحمان بن حنبل بقوله: سأحلف بالله جهد اليمي‍ * - ن ما ترك الله امرا سدى ولكن خلقت لنا فتنة * لكي نبتلي لك أو تبتلى فان الامينين قد بينا * منار الطريق عليه الهدى فما اخذا درهما غيلة * وما جعلا درهما في الهوى


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 41. (2) المعارف (ص 84). (3) الانساب 5 / 28. (*)

[ 358 ]

دعوت اللعين فأدينته * خلافا لسنة من قد قضى وأعطيت مروان خمس العبا * د ظلما لهم وحميت الحمى (1) ب - أعطاه ألف وخمسين أوقية، لا نعلم أنها من الذهب أو الفضة وهي من الامور التي أشاعت التذمر والنقمة عليه (2). ج - أعطاه مائة الف من بيت المال، فجاء زيد بن أرقم خازن بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وجعل يبكي فنهزه عثمان وقال له: " أتبكي إن وصلت رحمي ؟ ". " ولكن أبكي لاني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت انفقته في سبيل الله، في حياة رسول الله (ص) لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا ". فصاح به عثمان. " الق المفاتيح يا ابن أرقم فانا سنجد غيرك " (3). د - أقطعه فدكا (4). ه‍ - كتب له بخمس مصر (5). هذه بعض صلاته للامويين، وقد نقم عليه المسلمون، وسخط عليه الاخيار والاحرار، فان هذه الاسرة هي التي عادت الله ورسوله وحاربت الاسلام، وليس من الحق ولا من العدل أن تستأثر باموال المسلمين وفيئهم في حين قد شاعت الحاجة في جميع انحاء البلاد.


(1) تاريخ ابي الفداء 1 / 168. (2) سيرة الحلبي 2 / 87. (3) شرح ابن أبي الحديد 1 / 67. (4) تاريخ أبي الفداء 1 / 168، المعارف (ص 84). (5) طبقات ابن سعد 3 / 24. (*)

[ 359 ]

منحه للاعيان: ووهب عثمان الوجوه والاعيان ممن يخاف سطوتهم، وقد أعطى من الشخصيات ما يلي: 1 - طلحة: وأوصل طلحة بمائتي الف دينار (1)، وكانت له عليه خمسون الفا فقال له طلحة. تهيأ مالك فاقبضه، فوهبه له وقال: هو لك يا أبا محمد على مرؤتك (2). 2 - الزبير: ومنح الزبير بن العوام ستمائة الف، ولما قبضها حار فيها فجعل يسأل عن خير المال ليستغل صلته، فدل على اتخاذ الدور في الاقاليم والامصار (3) فبنى احدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر (4). 3 - زيد بن ثابت: ووهب أموالا ضخمة لزيد بن ثابت حتى بلغ به الثراء العريض انه لما توفي خلف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس، عدا ما ترك من الاموال والضياع ما قيمته مائة الف (5).


(1) تاريخ الطبري 5 / 139. (2) تاريخ الطبري 5 / 139. (3) طبقات ابن سعد. (4) صحيح البخاري 5 / 21. (5) مروج الذهب 1 / 344. (*)

[ 360 ]

ومنح أموالا أخرى للمؤيدين لسياسته كحسان بن ثابت وغيره، وقد ذكرها المؤرخون بالتفصيل، وهي تذكرنا باصحاب الملايين في عصرنا الحديث، لقد اتسع الثراء العريض بشكل فاحش عند بعض الصحابة حتى ان بعضهم خاف أن يقلل الله ثوابه في الدار الآخرة يقول خباب بن الارت: " لقد رأيتني مع رسول الله (ص) ما أملك دينارا ولا درهما وان في ناحية بيتي في تابوتي لاربعين ألف واف (1) ولقد خشيت أن تكون عجلت طيباتنا في حياتنا الدنيا " (2) ويرى فان فلوتن أن هذه السياسة الاقتصادية أدت إلى انتشار الترف والفساد (3). اقطاع الاراضي: واقطع عثمان اراضي في الكوفة مع العلم انها ملك للمسلمين لانها مما فتحت عنوة فقد اقطع اراضي في داخل الكوفة وخارجها، اما التي في داخل الكوفة فقد أقيمت فيها الدور والمساكن، وسميت " مساكن الوجوه " وقد اقطع لجماعة من الصحابة وهم: طلحة، وسميت دار الطلحيين، وكانت في الكناسة، واقطع عبيد الله بن عمر، وسميت (كويفة ابن عمر) واقطع اسامة بن زيد وسعد، وابن اخيه هاشم بن عتبة، وأبا موسى الاشعري، وحذيفة العبسي و عبد الله بن مسعود، وسلمان الباهلي، والمسيب الفزاري، وعمرو بن حريث المخزومي، وجبير بن مطعم الثقفي وعتبة بن عمر الخزرجي، وأبا جبير


(1) الوافي: درهم وأربعة دوانق، القاموس: مادة دوق. (2) طبقات ابن سعد 6 / 8. (3) السيادة العربية (ص 22). (*)

[ 361 ]

الانصاري، وعدي بن حاتم الطائي، وجرير البجلي، والاشعث الكندي والوليد بن عتبة، وعمار بن عتبة، والفرات بن حيان العجلي، وجابر ابن عبد الله الانصاري، وأم هاني بنت أبي طالب. وأقطع اراضي واسعة تدر بالربح الكثير لجماعة وهم: 1 - طلحة بن عبد الله اقطعه (النشاستج). 2 - عدي بن حاتم منحه (الردحاء). 3 - وائل بن حجر الحضرمي منحه (رضيعة زادر). 4 - خباب بن الارت منحه (صعبنا). 5 - خالد بن عرفطة اقطعه ارضا عند (حمام اعين). 6 - الاشعث الكندي اعطاه (ظيزنابار). 7 - جرير بن عبد الله البجلي اقطعه ارضا على شاطئ الفرات (الجرفين). 8 - عبد الله بن مسعود اقطعه ارضا بالنهرين. 9 - عبد الله بن مالك الزهري اعطاه قرية (هرمز). 10 - عمار بن ياسر أعطاه (اسبينا) 11 - الزبير بن العوام اقطعه ارضا. 12 - اسامة بن زيد اقطعه ارضا ثم باعها (1). هذه بعض الاراضي التي اقطعها عثمان، وقد اندفع جماعة من الطبقة الارستقراطية إلى شراء ارض العراق الخصبة فاشترى طلحة ومروان بن الحكم، والاشعث بن قيس (2) ورجال من قبائل العراق حتى شاع الاقطاع


(1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة (ص 145 - 146) نقلا عن فتوح البلدان (ص 272). (2) خطط الكوفة (ص 21) الحضارة الاسلامية 1 / 123. (*)

[ 362 ]

وظهرت الملكيات الواسعة والاقطاعات الكبيرة وقام بزراعتها الموالي والرقيق والاحرار، وظهر تضخم المال وكثرة الاتباع عند فريق خاص من الناس ويرى ما سينون وفلهوزن ان اقطاع هذه الاراضي الزراعية قد حدث قبل أيام عثمان. وعلى أي حال فان هذا الاقطاع الكبير قد اوجد النظام الطبقي، وخلق الصراع بين ابناء الامة. استئثاره بالاموال: واستنزف عثمان بيوت الاموال فاصطفى منها لنفسه وعياله ما شاء، ويقول المؤرخون: انه كانت في بيوت الاموال جواهر ثمينة لا تقدر قيمتها فأخذها، وحلى بها بناته ونساءه (1) وقد بالغ هو بالذات في البذخ والسرف إلى حد لم يألفه المسلمون، فقد أشاد دارا في يثرب فبناها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى اموالا، وجنانا وعيونا بالمدينة (2) وكان ينضد اسنانه بالذهب، ويتلبس باثواب الملوك، وانفق الكثير من بيت المال في عمارة ضياعه ودوره (3) ولما قتل وجد عند خازنه ثلاثون الف الف درهم، وخمسون ومائة الف دينار، وترك الف بعير وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمتها مائتا الف دينار (4).


(1) الانساب 5 / 36. (2) مروج الذهب 1 / 334. (3) السيرة الحلبية 2 / 87. (4) طبقات ابن سعد 3 / 53. (*)

[ 363 ]

ان السياسة المالية التي انتهجها عثمان قد خلقت الطبقية وعادت بالاضرار البالغة على المسلين يقول محمد كرد علي: " لقد أوجدت هذه السياسة المالية طبقتين من الناس الاولى الطبقة الفاحشة في الثراء التي لا عمل لها إلا اللهو والتبطل، والاخرى الطبقة الكادحة التي تزرع الارض، وتعمل في الصناعة وتشقى في سبيل اولئك السادة، ومن أجل الحصول على فئات موائدهم، وترتب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية على السواء، وقد سارت الدولة الاموية في أيام حكمها على هذه السياسة فاخضعت المال للتيارات السياسية، وجعلوه سلاحا ضد أعدائهم، ونعيما مباحا لانصارهم " (1). وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن سياسته المالية التي شذت عما الزم به الاسلام من التحرج في أموال الدولة ووجوب انفاقها على مكافحة الفقر وتطرير الحياة الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد. الجبهة المعارضة: ونقم المسلمون على عثمان، واشتد خيارهم وصلحاؤهم في معارضته وقد أنكروا عليه ايثاره لبني امية وآل أبي معيط، وحملهم على رقاب المسلمين، ومنحهم خيرات البلاد ووظاي ف الدولة، مع امعانهم في الظلم والجور، وهو لم يحرك ساكنا تجاههم، وكان يقابل المعارضين بالشتم والاحتقار. أما الجبهة المعارضة فكانت مختلفة الاتجاه بين اليمين واليسار فطلحة والزبير وعائشة ومن ينتمي إليهم لم يكن الغرض من نقمتهم عليه المطالبة بالاصلاح الاجتماعي وان تظاهروا بذلك لاغراء البسطاء والسذج، وانما


(1) الادارة الاسلامية " ص 82 ". (*)

[ 364 ]

غرضهم الوصول إلى كرسي الحكم والاستيلاء على السلطة، والظفر بنعم البلاد. أما الطائفة الاخرى من المعارضة فكانت تضم أعلام الاسلام، وحماة الدين أمثال عمار بن ياسر، وأبي ذر، و عبد الله بن مسعود، ونظرائهم من الذين صدقوا ما عاهدوا عليه الله، وأبلوا في سبيل هذا الدين بلاءا حسنا، فرأوا أن حكومة عثمان قد أماتت السنة وأحيت البدعة، ورأوا صادقا يكذب، واثرة بغير حق - كما يقولون - فطالبوا عثمان بتغيير سلوكه وان يتبع الهدى، ويسير بين المسلمين بالحق فلم يعن بهم ولو انه استجاب لنصحهم لجنب الامة كثيرا من الفتن والمصاعب. التنكيل بالمعارضين: وأمعن عثمان بالتنكيل بالمعارضين، والمنددين بسياسته، فصب عليهم جام غضبه، وبالغ في ظلمهم وارهاقهم إلى حد بعيد، وفيما يلي بعضهم 1 - عمار بن ياسر: ومكانة عمار بن ياسر في الاسلام معلومة فهو صاحب النبي (ص) وخليله، لقي في سبيل الاسلام اعظم الجهد، وأقسى البلاء، عذبته قريش مع أبويه أعنف العذاب، استشهد أبواه في سبيل هذا الدين، وقد أشاد القرآن الكريم بفضله فقد نزلت في حقه الآية الكريمة " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة " (1) وقال تعالى فيه: " أو من


(1) سورة الزمر: آية 9 نص على نزولها في عمار القرطبي في تفسيره 5 / 239، وابن سعد في طبقاته 3 / 178. (*)

[ 365 ]

كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " (1). وقد اهتم النبي (ص) في شأن عمار اهتماما فكان موضع عنايته وتبجيله، وقد سمع (ص) شخصا ينال من عمار فتأثر واندفع يقول: " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، إن عمارا جلدة ما بين عيني وانفي، فإذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه " (2). ولما انتقل النبي (ص) إلى جنة المأوى كان عمار من ألمع أصحاب الامام أمير المؤمنين، فاختص به ولازمه، وكان من التخلفين عن بيعة أبي بكر، فانه لم ير أحدا أحق بمكانة النبي سوى الامام امير المؤمنين (ع) وبعدما فرض عمر عثمان خليفة على المسلمين كان عمار من أشد الناقمين عليه، وكان السبب في نقمته عليه ما يلي: 1 - ان عثمان لما استأثر بالسفط الذي في بيت المال وكان يضم الجواهر الثمينة التي لا تثمن بقيمة، أنكر عليه الامام أمير المؤمنين، وأيده عمار فقال له عثمان: أعلي يابن المتكاء (3) تجترئ ؟ واوعز إلى شرطته باخذه، فقبضوا عليه، وأدخلوه إلى منزله فضربه ضربا مبرحا حتى غشي عليه، وحمل إلى منزل ام الؤمنين السيدة ام سلمة، ولم يفق من شدة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين والمغرب، فلما أفاق قام فتوضأ وصلى العشاء، وقال: " الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله " وغضبت عائشة فاخرجت شعرا من شعر رسول الله (ص) وثوبا من ثيابه، ونعلا من نعاله، وقالت: " ما اسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا


(1) سورة الانعام: آية 122، نص على نزولها في عمار السيوطي في تفسيره 1 / 239، وابن كثير في تفسيره 2 / 172. (2) سيرة ابن هشام 2 / 114. (*) (3) المتكاء: العظيمة البطن، والتي لا تمسك بولها. (*)

[ 366 ]

شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد، وغضب عثمان حتى لا يدري ما يقول: ولا يعرف كيف يعتذر عن خطيئته (1). 2 - ان اعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها أحداثه ومخالفاته للسنة، وطالبوه بالكف عنها فاخذها عمار، ودفعها إليه فقرأ صدرا منها عثمان، واندفع نحو عمار فقال له: - أعلي تقدم من بينهم ؟ - إني أنصحهم لك. - كذبت يابن سمية. - انا والله ابن سمية وابن ياسر. وامر عثمان جلاوزته فمدوا يديه ورجليه، وضربه عثمان برجليه على مذاكيره، فأصابه الفتق، وكان ضعيفا فأغمي عليه (2). 3 - ان عثمان لما نكل بالصحابي العظيم أبي ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فنفاه إلى الربذة، ومات فيها غريبا، ولما جاء نعيه إلى يثرب حزن عليه المسلمون فقال عثمان مستهزءا: " رحمه الله ". فاندفع عمار ينكر عليه ذلك قائلا: " رحمه الله من كل أنفسنا ". وانتفخت أوداج عثمان، فقابل عمار بافحش القول، وأقساه قائلا: " يا عاض أير ابيه، أتراني ندمت على تسييره ؟ ". وهذا الكلام لا يليق باي رجل عادي فضلا عن عثمان الذين يزعمون ان الملائكة كانت تستحي منه.


(1) الانساب 5 / 48. (2) الانساب 5 / 49، العقد الفريد 2 / 273. (*)

[ 367 ]

وأمر عثمان غلمانه فدفعوا عمارا، وأرهقوه كما امر بنفيه إلى الربذة فلما تهيأ للخروج أقبلت بنو مخزوم إلى الامام امير المؤمنين فسألوه ان يذاكر عثمان في شأنه، فانطلق نحوه الامام، وقال له: " اتق الله، فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ؟ ". فثار عثمان وصاح بالامام. - أنت أحق بالنفي منه. - رم ان شئت ذلك. واجتمع المهاجرون فعذلوه، ولاموه على ذلك فاستجاب لهم وعفا عن عمار (1). ان عثمان لم يرع مكانة عمار من النبي (ص) وسابقته للاسلام، فاعتدى عليه وبالغ في تنكيله لانه أمره بالعدل، ودعاه إلى الحق. 2 - أبو ذر: وأبو ذر صاحب رسول الله (ص) وخليله، وهو أقدم أصحابه الذين سبقوا للاسلام، وكان أزهد الناس في الدنيا، واقلهم احتفالا بمنافعها، وكان رسول الله (ص) يأتمنه حين لا يأتمن أحدا من أصحابه ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد (2) وهو احد الثلاثة الذين احبهم الله وأمر نبيه بحبهم كما انه أحد الثلاثة (3) الذين تشتاق لهم الجنة (4). ولما حدثت الفتن أيام عثمان واستأثر بنو امية بمنافع الدولة وخيرات


(1) الانساب 5 / 54، اليعقوبي 2 / 150. (2) كنز العمال 8 / 15. (3) الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنة: الامام علي وأبو ذر وعمار. (4) مجمع الزوائد 9 / 330. (*)

[ 368 ]

البلاد، وقف أبو ذر موقف المسلم المؤمن بدينه فاخذ يندد بسياسة عثمان ويدعوه إلى ان يضع حدا للتدهور الاجتماعي، وقد نهاه عثمان فلم ينته وانطلق يوالي انكاره فكان يقف امام الذين منحهم عثمان بالثراء العريض ويتلو قول الله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " وغاظ ذلك مروان بن الحكم الذي تكدست عنده الاموال الضخمة التي وهبها له عثمان، وقد ضاق ذرعا بأبي ذر فشكاه إلى عثمان فارسل إليه ينهاه عن ذلك فابى أبو ذر وقال: " أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله ؟... فوالله لان أرضى الله بسخط عثمان أحب الي وخير لي من أن أسخط الله برضاه... ". والتاع عثمان وضاق ذرعا بأبي ذر ولكنه كظم غيظة، وراح يفتش عن الوسائل التي يقضي بها على خصمه. اعتقاله في الشام: واستمر الصحابي العظيم أبو ذر يوالي انكاره على عثمان يبغي بذلك وجه الله ويلتمس الدار الآخرة لم يخفه الموت ولم تغره الحياة وقد حنق عليه عثمان وأمر بنفيه إلى الشام ويقول المؤرخون: ان عثمان سأل حضار مجلسه فقال لهم: " أيجوز لاحد أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى ؟ ". فانبرى كعب الاخبار وكان خصيصا بعثمان فافتاه بالجواز وصعب على أبي ذر أن يتدخل كعب في امور الدين وهو يهودي النزعة، ويشك في اسلامه فصاح به: " يابن اليهوديين أتعلمنا دبننا ؟ ".

[ 369 ]

فثار عثمان واندفع يناصر كعبا فصاح بأبي ذر. " ما أكثر أذاك ؟ وولعك باصحابي الحق بمكتبك في الشام. وأمر به فسير إلى الشام فلما انتهى إليها رأى منكرات معاوية وبدعه رآه قد أطلق يديه في بيت المال الذي جمع من جهود الشعب، فجعل ينكر عليه، ويذيع بين المسلمين مساوئ عثمان، وقد أنكر على معاوية حينما قال: " المال مال الله " فقال له: " المال مال المسلمين " كما أنكر عليه بناءه الخضراء فكان يقول له: " يا معاوية ان كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة، وان كانت من مالك فهذا الاسراف... ". وأخذ يدعو المسلمين إلى اليقظة، والحذر من السياسة الاموية، وكان يقول لاهل الشام: " والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها والله ما هي في كتاب الله، ولا في سنة نبيه، والله إني لارى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب واثرة بغير تقى، وصالحا مستأثر عليه " (1). وكان الناس يؤمنون بحديثه ويصدقون مقالته، وأخذ يبث الوعي الاجتماعي، ويدعو إلى انصاف المحرومين، ويحرض الفقراء على استرجاع حقوقهم من الفئة الحاكمة، وخاف الطاغية معاوية ان تندلع نار الثورة عليه فنهى الناس عن الاجتماع به، وخاطبه. " يا عدو الله تؤلب الناس علينا، وتصنع ما تصنع ! ! فلو كنت قاتلا رجلا من أصحاب محمد من غير اذن امير المؤمنين - يعني عثمان - لقتلتك " فرد عليه البطل العظيم غير حافل بسلطانه قائلا:


(1) الانساب 5 / 52. (*)

[ 370 ]

" ما أنا بعدو لله، ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان الله ولرسوله اظهرتما الاسلام، وابطنتما الكفر... ". وظل أبو ذر يواصل نشاطه الاجتماعي، ودعوته إلى ايقاظ المجتمع ويحفزهم على الثورة، فالتاع معاوية، وكتب إلى عثمان يخبره بخطره عليه ويلتمس منه أن ينقله عنه، فكتب إليه عثمان ان يرسله على اغلظ مركب وأوعره حتى يلقى الجهد والعناء، فارسله معاوية مع جلاوزة لا يعرفون مكانته، ولا يحترمون مقامه، فلم يسمحوا له أن يستريح من الجهد، ومضوا في سيرهم لا يلون على شئ حتى تسلخت بواطن فخذه، وكان ان يموت ولما انتهى إلى يثرب دخل على عثمان وهو منهوك القوى فاستقبله عثمان بالجفوة قائلا: " أنت الذي فعلت وفعلت ؟ ! ". " نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك - يعني معاوية - فاستغشني ". فصاح به عثمان: " كذبت، ولكنك تريد الفتنة، وتحبها، وقد انغلت الشام علينا ". فوجه إليه أبو ذر نصيحته قائلا: " اتبع سنة صاحبيك - يعني أبا بكر وعمر - لم يكن لاحد عليك كلام ". فثار عثمان وصاح به. " مالك ولذلك لا ام لك ". فقال ابو ذر: " والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ". وصرخ عثمان فقال لمن في مجلسه:

[ 371 ]

" أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب أما ان اضربه أو احبسه، أو اقتله فانه فرق جماعة المسلمين أو انفيه من ارض الاسلام ". والتاع الامام أمير المؤمنين فراح يندد بعثمان ويقول له: " يا عثمان سمعت رسول الله (ص) يقول: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة اصدق من ابي ذر ". ولم يحفل أبو ذر بعثمان وانما مضى في دعوته يواصل انكاره فكان يقول له: " تستعمل الصبيان، وتحمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء ؟ ". واخذ يذيع بين المسلمين ما سمعه من رسول الله في ذم الامويين ومدى خطرهم على الاسلام فكان يقول: " قال رسول الله (ص): إذا كملت بنو امية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا.. " (1). واصدر عثمان آوامره بمنع مجالسة ابي ذر، وحرم مخالطته والكلام معه لانه يأمر المعروف وينهى عن المنكر، ولم يقره على سياسته النكراء. اعتقاله في الربذة: واستمر أبو ذر في جهاده وانكاره على السياسة الاموية، لم يثنه عن عزمه جور الامويين واضطهادهم له، وقد ضاق عثمان به ذرعا فرأى ان خير وسيلة له ان ينفيه عن سائر الامصار الاسلامية، ويعتقله في بعض


(1) حياة الامام الحسن 1 / 258. (*)

[ 372 ]

المجاهيل التي لا سكن فيها، فارسل الشرطة خلفه فلما حضر بادره أبو ذر قائلا: " ويحك يا عثمان ! ! أما رأيت رسول الله، ورأيت ابا بكر وعمر هل رأيت هذا هديهم ؟ انك لتبطش بي بطش الجبارين... ". فقطع عليه عثمان كلامه، وصاح به. " اخرج عنا من بلادنا ". " أتخرجني من حرم رسول الله (ص) ؟ ". " نعم وانفك راغم ". " اخرج إلى مكة ؟ ". " لا " " إلى البصرة ". " لا " " إلى الكوفة ". " لا ". " إلى اين اخرج " " إلى الربذة حتى تموت فيها ". واوعز إلى مروان باخراجه فورا إلى يثرب، وأمره بأن يخرجه مهان الجانب محطم الكيان، وحرم على المسلمين مشايعته والخروج معه، ولكن اهل الحق ابوا إلا مخالفة عثمان وسحق اوامره فقد خف لتوديعه الامام امير المؤمنين والحسنان وعقيل وعقيل و عبد الله بن جعفر، واشتد مروان نحو الامام الحسن (ع) فقال له: " ايه يا حسن ! ! إلا تعلم ان عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فان كنت لا تعلم فاعلم ذلك... ".

[ 373 ]

وثار الامام امير المؤمنين فحمل على مروان، وضرب اذني دابته وصاح به: " تنح نحاك الله إلى النار ". وولى مروان منهزما إلى عثمان يخبره بعصيان امره، والاعتداء عليه. كلمة الامام امير المؤمنين (ع): ووقف الامام امير المؤمنين على أبي ذر فودعه، وقد غامت عيناه بالدموع وألقى عليه هذه الكلمات التي حددت أبعاد شخصيته قائلا له: " يا أبا ذر انك غضبت لله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم، ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا، والاكثر حسدا ؟ ولو أن السماوات والارض كانتا على عبد رتقا، ثم اتقى الله لجعل الله منهما مخرجا، لا يؤنسك الا الحق، ولا يوحشك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لاحبوك، ولو قرضت منها لآمنوك.. ". وألقت هذه الكلمات الاضواء على ثورة أبي ذر، وأنها كانت من أجل الحق ومن اجل المبادئ العليا التي جاء بها الاسلام، وقد خافه القوم على دنياهم وخافوه من اجل نهبهم لثروات الامة، وتلاعبهم باقتصادها ومقدراتها، وقد مجد الامام في أبي ذر هذه الروح الطيبة، وطلب منه أن يهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور القوم وآثامهم، فانه هو الرابح في آخرته والسعيد يوم يلقى الله، وهم الخاسرون الذين تلفح وجوههم النار وهم فيها خالدون.

[ 374 ]

كلمة الامام الحسن: وبادر الامام الحسن نحو عمه أبي ذر فصافحه وودعه وداعا حارا وألقى عليه هذه الكلمات التي تنم عن عظيم مصابه وحزنه: " يا عماه لو لا أنه ينبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام، وان طال الاسف، وقد أتى القوم اليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك وهو عنك راض ". كلمة الامام الحسين: وانطلق الامام الحسين إلى أبي ذر، وقد أخذ منه الاسى مأخذا عظيما فألقى عليه هذه الكلمات المشرقة: " يا عماه ان الله تبارك وتعالى قادر ان يغير ما قد تر، ان الله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم ؟ فاسأل الله الصبر، واستعذ به من الجشع والجزع، فان الصبر من الدين والكرم، وان الجشع لا يقدم رزقا، والجزع لا يؤخر أجلا... ". ما أروع هذه الكلمات التي كشفت الستار عن عداء الامويين لابي ذر فانهم قد خافوه على دنياهم، وخافوه على مناصبهم، وقد أمره (ع) بالخلود إلى الصبر، ونهاه عن الجزع، فانه لا يؤخر اجلا، وقد تذرع

[ 375 ]

الامام بهذا الخلق العظيم في يوم الطف فانه لم يخضع للامويين ولم يجزع عما ألم به من عظيم الكوارث والخطوب. كلمة عمار بن ياسر: وأقبل عمار بن ياسر وقد غامت عيناه بالدموع فودع خليله وصاحبه أبا ذر وقال له: " لا آنس الله من اوحشك، ولا آمن من اخافك، أما والله لو أردت دنياهم لآمنوك، ولو رضيت اعمالهم لاحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك: إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين... ". وبكى أبو ذر بكاءا مرا فألقى نظرة الوداع الاخير على أهل البيت الذين أخلص لهم وأخلصوا له، وتكلم بهذه الكلمات التي يلمس فيها ذوب قلبه قائلا: " رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصريين (1) فافسد الناس عليهما فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع الا الله، والله ما اريد الا الله صاحبا، وما اخشى مع الله وحشة... ". وتحركت راحلة أبي ذر، وانصرفت به إلى الربذة مشردا عن حرم الله


(1) المصرين: البصرة ومصر. (*)

[ 376 ]

وحرم رسوله، وقد اترعت نفسه بالحزن والاسى على فراق أهل البيت (ع) الذين هم وديعة رسول الله (ص) في امته. لقد مضى أبو ذر إلى الربذة ليموت فيها جوعا، وفي يد عثمان ذهب الارض ينفقه على بني امية وآل ابي معيط، ويحرمه على أبي ذر شبيه المسيح عيسى بن مريم هديا وسمتا. ولما قفل الامام امير المؤمنين (ع) راجعا من توديع أبي ذر استقبلته جماعة من الناس فاخبروه بغضب عثمان واستيائه منه لانه خالف أوامره التي حرمت على المسلمين الكلام مع أبي ذر وتوديعه، فقال (ع): " غضب الخيل على اللجم " (1). وبادر عثمان نحو الامام فصاح به: " ما حملك على رد رسولي ؟ ". " أما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما امرك فلم ارده.. ". " أولم يبلغك أني قد نهيت الناس عن تشييع أبى ذر ؟ ". " أوكل ما امرتنا به من شئ يرى طاعة الله والحق في خلافه أتبعنا فيه امرك ؟ ". " أقد مروان ". " وما اقيده ؟ ". " ضربت بين اذني راحلته ". " أما راحلتي فهي تلك، فان اراد ان يضربها كما ضربت راحلته فليفعل، وأما انا فوالله لئن شتمني لاشتمنك أنت بمثلها، لا اكذب فيه، ولا اقول الا حقا ".


(1) يضرب مثلا لمن يغضب غضبا لا ينتفع به. (*)

[ 377 ]

" ولم لا يشتمك إذ شتمته، فوالله ما انت عندي بافضل منه ". وارتاع الامام من عثمان الذي هام بحب اسرته، فساوى بينه وهو من النبي (ص) بمنزلة هارون من موسى، وبين الوزع ابن الوزع مروان ابن الحكم الذي لعنه النبي (ص) وهو في صلب ابيه، وثار الامام (ع) فقال لعثمان: " إلي تقول هذا القول ؟ وبمروان تعدلني ؟ ! ! فأنا والله أفضل منك، وأبي أفضل من أبيك، وامي افضل من امك، وهذه نبلي قد نثلتها... ". وسكت عثمان ولم يطق جوابا، وانصرف الامام حزينا قد ساورته الهموم والآلام. 3 - عبد الله بن مسعود: ونكل عثمان تنكيلا فظيعا بالصحابي العظيم عبد الله بن مسعود فقد امعن في قهره وظلمه، أما سبب ذلك فهو ما المعنا إليه عند البحث عن امارة الوليد بن عقبة على الكوفة، فقد نقم عليه عبد الله حينما استقرض من بيت المال، ولم يؤده إليه، وقد رفع الوليد إلى عثمان امره فأنكر على ابن مسعود ذلك فاستقال من منصبه، وقفل راجعا إلى يثرب فلما انتهى إليها كان عثمان على المنبر يخطب فلما رآه خاطب المسلمين وقال لهم: " قدمت عليكم دويبة سوء، من يمشي على طعامه يقئ ويسلح ". ورد عليه ابن مسعود وقال له: " لست كذلك، ولكني صاحب رسول الله (ص) يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان ". وأثار كلام عثمان موجة من الغضب والاستياء في المجتمع فاندفعت عائشة تعلن سخطها قائلة له:

[ 378 ]

" أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله ؟ ". وأمر عثمان شرطته باخراج الصحابي العظيم من المسجد، فاخرج منه وهو مهان الجانب، وقام إليه أبو عبد الله بن زمعة أو يحموم غلام عثمان فاحتمله ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الارض، فدق ضلعه، وثار الامام أمير المؤمنين (ع) فخاطب عثمان: " يا عثمان أتفعل هذا بصاحب رسول الله (ص) بقول الوليد ابن عقبة ؟ ؟ ". " ما بقول الوليد فعلت هذا، ولكني وجهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إن دم عثمان حلال... ". ورد عليه الامام. " أحلت عن زبيد على غير ثقة... " (1). وحمل الامام ابن مسعود إلى منزله، وقام برعايته حتى إبل من مرضه وقاطعه عثمان، وهجره، وفرض عليه الاقامة الجبرية في يثرب، وقطع عنه عطاءه، ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه عثمان عائدا فقال له: - ما تشتكي ؟ - ذنوبي. - ما تشتهي ؟ - رحمة ربي. - أدعو لك طبيبا ؟ - الطبيب أمرضني. - آمر لك بعطائك.


(1) الانساب 5 / 36. (*)

[ 379 ]

- منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينه وأنا مستغني عنه. - يكون لولدك. - رزقهم على الله. - استغفر لي يا أبا عبد الرحمان. - أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي (1). وانصرف عثمان، ولم يفز برضاء ابن مسعود، ولما ثقل حاله أوصى أن لا يصلي عليه عثمان، وان يصلي عليه صاحبه عمار بن ياسر، ولما توفي قامت الصفوة من أصحابه بتجهيزه ودفنه ولم يعلموا عثمان بذلك، فلما علم غضب وقال: سبقتموني، فرد عليه عمار. " إنه أوصى أن لا تصلي عليه... ". وقال ابن الزبير: لاعرفنك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي (2) وننهي بهذا الحديث الكلام عن الجبهة المعارضة التي نقمت على عثمان لاستبداده باموال الدولة، وانفاقها على اسرته وذويه في حين أن المجاعة والحرمان قد شملت جميع انحاء البلاد. لقد نقم عليه المعارضون، واشتدوا في معارضته حنيما بدل سنة الله فحمل بني امية وآل أبى معيط على رقاب المسلمين، وخصهم بالمناصب العليا في الدولة، ووهبهم جميع خيرات البلاد. الثورة: وكانت الثورة نتيجة للنضج الاجتماعي واصلاحية إلى حد كبير - كما


(1) حياة الامام الحسن 1 / 253 - 254. (2) تاريخ ابن كثير 7 / 163، مستدرك الحاكم 3 / 13. (*)

[ 380 ]

يقول العلائلي - (1)، فقد شاع التذمر، وعم السخط، وأخذت المجالس والاندية تتحدث عن مظالم عثمان، واستبداده بشؤون المسلمين، وتنكيله بخيار المسلمين، وقد اجتمع أهل الحل والعقد فراسلوا جميع الامصار يستنجدون بهم، ويطالبونهم بارسال الجيوش للقيام بقلب الحكم القائم، وهذا نص مذكرتهم لاهل مصر: " من المهاجرين الاولين وبقية الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين، أما بعد: ان تعالوا الينا، وتداركوا خلافة رسول الله (ص) قبل أن يسلبها أهلها فان كتاب الله قد بدل، وسنة رسوله قد غيرت، واحكام الخليفتين قد بدلت، فنشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله، والتابعين باحسان الا أقبل الينا، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا، واستولى على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكات الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض من غلب على شئ أكله " (2). وحفلت هذه المذكرة بذكر الاحداث الخطيرة التي ارتكبتها حكومة عثمان هي: 1 - تبديل كتاب الله، وإلغاء احكامه، ونبذ نصوصه. 2 - تغيير سنة النبي (ص) واهمال تشريعاته الاقتصادية والاجتماعية. 3 - تبديل احكام الخليفتين. 4 - استئثار السلطة بالفئ وانفاقها على رغباتها ومصالحها الخاصة.


(1) الامام الحسين (ص 66). (2) الامامة والسياسة 1 / 35. (*)

[ 381 ]

5 - صرف الخلافة الاسلامية عن مفاهيمها الخيرة إلى ملك عضوض لا يعني بأهداف الامة. وتحفز الاخيار والمصلحون إلى ارسال الوفود إلى يثرب للاطلاع على أوضاع الخليفة والتعرف على شؤونه. مذكرة اخرى لاهل الثغور: وأرسلت الجبهة المعارضة مذكرة اخرى للمرابطين في الثغور من الصحابة يطالبونهم بالقدوم إلى يثرب للاطاحة بالحكم القائم وهذا نصها: " إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزوجل، تطلبون دين محمد (ص) فان دين محمد قد أفسده خليفتكم فاقيموه.... " (1). وألهبت هذه المذكرة القلوب، وتركت النفوس تغلي كالمرجل غيظا وغضبا على عثمان. وفود الامصار: واستجابت الاقطار الاسلامية لنداء الصحابة فارسلت وفودها إلى يثرب لتقصي الحقائق، والاطلاق على الاحداث والوفود التي أقبلت هي: أ - الوفد المصري: وأرسلت مصر وفدا كان عدده أربع مائة شخص، وقيل أكثر من ذلك بقيادة محمد بن أبي بكر، و عبد الرحمان بن عديس البلوي.


(1) تاريخ الطبري 5 / 115، الكامل 5 / 70. (*)

[ 382 ]

ب - الوفد الكوفي: وأرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الاشتر، وزيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، و عبد الله الاصم العامري، ويرأس الجميع عمرو بن الاهثم. ج - الوفد البصري وأوفد البصرة مائة رجل بقيادة حكيم بن جبلة، ثم أوفدت خمسين رجلا وفيهم ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح القيسي وابن المحرش وغيرهم من الوجوه والاعيان. ورحبت الصحابة بالوفود، وقابلتها بمزيد من الاحتفاء والتكريم، وأخذت تعرض عليها أحداث عثمان، وتحرضها على اقصائه عن الحكم والوقيعة به. مذكرة المصريين لعثمان: ورأى الوفد المصري أن يرفع مذكرة لعثمان يدعوه فيها إلى التوبة والاستقامة في سياسته وسلوكه وهذا نصها: " أما بعد: فاعلم ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله الله، ثم الله الله، فانك على دنيا فاستقم معها آخرة، ولا تنسى نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم انا لله ولله نغضب، وفي الله نرضى، وانا لن نضع سيوفنا عن عواتقتنا حتى تأنينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلحة (1) مبلجة فهذه مقالتنا لك، وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام.. " (2).


(1) مجلحة: مشتق من جلح على الشئ أقدم عليه. (2) تاريخ الطبري 5 / 111 - 112، الانساب 5 / 64 - 65. (*)

[ 383 ]

واضطرب عثمان، وقرأ الرسالة بامعان وقد أحاط به الثوار فبادر إليه المغيرة، وطلب منه الاذن بالكلام معهم فاذن له ولما قرب منهم صاحوا به: " يا أعور وراءك " وصاحوا به ثانيا. " يا فاجر وراءك ". وصاحوا به ثالثا. " يا فاسق وراءك ". ورجع المغيرة خائبا مهانا قد أخفق في سفارته، ودعا عثمان عمرو بن العاص وطلب منه أن يكلم القوم، فمضى إليهم وسلم عليهم فلم يردوا عليه السلام لعلمهم بفسقه وفجوره، وقالوا له: " ارجع يا عدو الله ". " ارجع يابن النابغة، لست عندنا بأمين، ولا مأمون ". ورجع خائبا في وفادته، لم يستجب له القوم، وقابلوه بمزيد من التوهين والاستخفاف. استنجاده بالامام: وعلم عثمان ان لا ملجأ له إلا الامام امير المؤمنين فاستغاث به، وطلب منه أن يدعو القوم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فاجابه إلى ذلك بعد أن أخذ منه المواثيق على الوفاء بعهده، ومضى الامام إلى الثوار وهو يحمل الضمان لجميع مطاليبهم، فلما رأوه قالوا له: " وراءك ".

[ 384 ]

تعطون كتاب الله، وتعتبون من كل ما سخطتم عليه ". " أتضمن ذلك ؟ ". " نعم ". " رضينا ". وأقبل وجوههم وأشرافهم مع الامام فدخلوا على عثمان فعاتبوه ولاموه على ما فرط في أمور المسلمين، وطالبوه أن يغير سياسته وسلوكه ويسير بين المسلمين بالحق فاستجاب لهم، وطالبوا منه أن يكتب لهم كتابا بذلك، فأجابهم إلى ما أرادوا وكتب لهم هذا الكتاب: " هذا كتاب من عبد الله عثمان امير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ان لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم، ويؤمن الخائف، ويرد المنفي، ولا يجمر في البعوث، ويوفر الفئ وعلي ابن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين، على عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب ". وشهد فيه كل من الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله وسعد بن مالك بن ابي وقاص، و عبد الله بن عمرو، وزيد بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد، وكتب ذلك في ذى القعدة سنة (35 ه‍) وأخذ القوم الكتاب وانصرفوا إلى جماعتهم، وطلب منه الامام أمير المؤمنين أن يخرج إلى الناس ويعلن لهم بتنفيذ طلباتهم ففعل عثمان ذلك فأعطاهم عهد الله وميثاقه أن يسير فيهم بكتاب الله وسنة نبيه، وان يوفر لهم الفئ ولا يؤثر به أحدا من أقربائه، وقفل المصريون راجعين إلى بلادهم. نقضه للميثاق: ونقض عثمان ما قطعه على نفسه، ولم يف للمسلمين بما عاهدهم عليه

[ 385 ]

ويقول المؤرخون إن السبب في ذلك أن مروان الذي كان مستشارا له ووزيرا، قد دخل عليه فلامه وعذله على ما صنع قائلا: " تكلم واعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وان ما بلغهم عن امامهم كان باطلا، فان خطبتك تسير في البلاد، قبل ان يتحلب الناس عليك من امصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه... ". وامتنع عثمان من اجابته لانه دعاه لان يناقض نفسه، وان يقول غير الحق، ولكنه ما زال به يحذره مغبة ما صنع، ويخوفه عاقبة الامور، ولم تكن لعثمان ارادة صلبة، ولا عزم ثابت، فكان العوبة بيد مروان فاستجاب له، واعتلى المنبر فخاطب الناس قائلا: " أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم... ". وانبرى المسلمون إلى الانكار عليه، وناداه عمرو بن العاص: " اتق الله يا عثمان، فانك قد ركبتنها بير (1) وركبناها معك فتب إلى الله نتب معك ". فصاح به عثمان. " وانك هنا يا ابن النابغة ؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل ؟ ". وارتفعت أصوات الانكار من جميع جنبات الحفل وهي ذات لهجة واحدة. " اتق الله يا عثمان ". " اتق الله يا عثمان ". وانهارت اعصابه، وتحطمت قواه فحار في الجواب، ولم يجد بدا


(1) النهابير: المهالك. (*)

[ 386 ]

من أن يعلن التوبة مرة اخرى عما اقترفه، ونزل عن المنبر، وهو خائر القوى، ومضى إلى منزله (1). استنجاده بمعاوية: ولما تبين للثوار أنه لم يقلع عن سياسته، وانه جاد في سيرته لا يغير منها ولا يبدل أحاطوا به، وطالبوه بالاستقالة من منصبه فلم يستجب لهم ورأى أن يستنجد بمعاوية ليبعث له قوة عسكرية تحميه من الثوار، وقد كتب إليه هذه الرسالة: " أما بعد: فان أهل المدينة قد كفروا، وخلعوا الطاعة، ونكثوا البيعة فابعث الي من قبلك مقاتلة أهل الشام على صعب وذلول... " (2). وحمل الكتاب مسور بن مخرمة، ولما قرأه معاوية قا له مسور: " يا معاوية: إن عثمان مقتول فانظر فيما كتب به اليك.. ". وصارحه معاوية بالواقع وبما اتطوت عليه نيته قائلا: " يا مسور: إني مصرح ان عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ورسوله ويرضاه ثم غير فغير الله عليه، أفيتهيأ لي أن أرد ما غير الله عزوجل " (3). ولم يستجب معاوية له، وكان فيما يقول المؤرخون: يترقب مصرعه ليتخذ من دمه وسيلة للظفر بالملك والسلطان، وقد تنكر لالطافه، وأياديه عليه وعلى اسرته، يقول الدكتور محمد طاهر دروش:


(1) تاريخ الطبري 5 / 110، الانساب 5 / 74. (2) الكامل لابن الاثير 5 / 67، تاريخ اليعقوبي 2 / 152. (3) الفتوح 2 / 218. (*)

[ 387 ]

" وإذا كان هناك وزر في قتل عثمان فوزره على معاوية، ودمه في عنقه، ومسؤوليته عن ذلك لا تدفع، فهو اولى الناس به، وأعظم الرجال شأنا في دولته، وقد دعاه فيمن دعا، يستشيره في هذا الامر وهو داهية الدهاة فما نهض إليه برأيه، ولا دافع عنه بجنده، وكأنه قد استطال - كما استطال غيره - حياته فترك الايام ترسم بيدها مصيره، وتحدد نهايته فإذا جاز لاحد أن يظن بعلي أو بطلحة والزبير وغيرهم تقصيرا في حق عثمان فمعاوية هو المقصر، وإذا جاز ان يلام أحد غير عثمان فيما جرى فمعاوية هو الملوم... ". وعلى أي حال فان معاوية لما ابطأ عن اجابته، بعث عثمان رسالة إلى يزيد بن كرز والي أهل الشام يستحثهم على القدوم إليه لانقاذه من الثوار ولما انتهى إليهم كتابه نفروا إلى اجابته تحت قيادة يزيد القسري إلا ان معاوية أمره بالاقامة بذي (خشب) وان لا يتجاوزه فاقام الجيش هناك حتى قتل عثمان. وكتب عثمان رسائل اخرى إلى أهل الامصار والى من حضر الموسم في مكة يطلب منهم القيام بنجدته الا انهم لم يستجيبوا له لعلمهم بالاحداث التي ارتكبها. الاحاطة بعثمان: وأحاط الثوار بعثمان، وقد رجع إليهم الوفد المصري حينما استبان المكيدة الخطيرة التي دبرت ضده، وقد حاصروا عثمان وهم يهتفون بسقوطه


(1) الخطابة في صدر الاسلام 2 / 23. (*)

[ 388 ]

ويطالبونه بالاستقالة من منصبه، وقد أشعل نار الثورة في نفوسهم مروان ابن الحكم فقد اطل عليهم، وخاطبهم: " ما شأنكم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب ؟ شاهت الوجوه، تريدون ان تنزعوا ملكنا من أيدينا، اخرجوا عنا... ". ونفذ صبر الثوار فعزموا على قتله، وصمموا على تقطيع أوصاله، والتنكيل به. ونقلت كلمات مروان إلى أمير المؤمنين فخف إلى عثمان مسرعا فقال له: " أما رضيت من مروان، ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الضعينة يقاد حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه، ولا في نفسه، وأيم الله لاراه سيوردك، ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك ". وتركه الامام، وانصرف عنه، فقالت نائلة زوج عثمان للامويين: " انتم والله قاتلوه، وميتمو أطفاله ". والتفتت إلى عثمان تنصحه بان يعزب عن مروان، ولا يطيعه قائلة له: " انك متى أطعت مروان قتلك ". واحاط به الثوار فمنعوا عنه الماء والطعام، وحاصروه، وهو مصر على سياسته لم يقلع عنها، وقد اترعت النفوس بالحقد والكراهية له، وقد جنى هو على نفسه لاطاعته لمروان، وانصياعه لرغبات بني أمية. يوم الدار: واندلعت نيران الثورة، واشتد اوارها فقد أحاط الثوار بدار عثمان

[ 389 ]

وقد خرج إليهم مروان فبرز إليه عروة بن شييم الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخر لوجهه، وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي بسكين ليقطع رأسه فعذلته فاطمة الثقفية وكانت امه من الرضاعة فقالت له: " إن كنت تريد قتله فقد قتلته، فما تصنع بلحمه أن تبضعه " فاستحي منها وتركه ومشى إليه الناس، وتسلقوا عليه الدار، ولم يكن عنده أحد يدافع عنه فقد ورمت منه القلوب، ونفرت منه النفوس، ورمي بالحجارة وناداه الناس. " لسنا نرميك، الله يرميك ؟ ". فرد عليهم عثمان. " لو رماني الله لم يخطأني ". واحتف به بعض الامويين يدافعون عنه، وقد نشب بينهم وبين الثوار قتال عنيف، وقد فر من ساحة القتال خالد بن عقبة بن أبي معيط واليه يشير عبد الرحمان بن سيحان بقوله: يلومونني في الدار إن غبت عنهم * وقد فر عنهم خالد وهو دارع وقتل من أصحاب عثمان زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الاخنس ونيار بن عبد الله الاسلمي وغيرهم. الاجهاز على عثمان: وأحاط الثوار بعثمان بعد أن انهزم عنه بنو أمية وآل أبي معيط، فاجهز عليه جماعة من المسلمين في طليعتهم محمد بن أبي بكر فقد قبض على لحيته وقال له: - قد أخزاك الله يا نعثل.


(1) حياة الامام الحسن بن علي 1 / 279. (*)

[ 390 ]

- لست بنعثل، ولكن عبد الله وأمير المؤمنين. - ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان. - يابن أخي دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. - ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك. وطعن جبينه بمشقص كان في يده، ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ في أصل اذن عثمان، حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف ووثب عليه عمرو بن الحمق الخزاعي فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات، وكسر عمير بن ضابئ ضلعين من أضلاعه، وحاولوا حز رأسه، فالقت زوجتاه نائلة، وابنة شيبة بن ربيعة بانفسهما عليه، فامر ابن عديس بتركه لهما (1). وألقي عثمان جثة هامدة على الارض، لم يسمح الثوار بمواراته، وقال الصفدي: انهم القوة على المزبلة ثلاثة أيام (2) مبالغة في تحقيره وتوهينه وتكلم بعض خواصه مع الامام أمير المؤمنين ليتوسط في شأنه مع الثوار في دفنه، فكلمهم الامام فاذنوا في دفنه (3) ويصف جولد تسهير دفنه بقوله: " وبسط جثمانه دون ان يغسل على باب فكان رأسه يقرع قرعا، يقابل بخطوات سريعة من حامليه، وهم يسرعون به في ظلام الليل، والاحجار ترشفه واللعنات تتبعه ودفنوه في حش كوكب (4) ولم يرض الانصار بمواراته في مقابر المسلمين " (5). (1) الغدير 9 / 206. (2) تمام المتون (ص 79). (3) حياة الامام الحسن 1 / 281. (4) حش كوكب: اسم بستان لليهود كانوا يدفنون موتاهم فيه. (5) العقيدة والشريعة في الاسلام (ص 45). (*)

[ 391 ]

وأما غلاماه اللذان قتلا معه فقد سحبوهما وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب (1). وعلى أي حال فقد كانت الثورة على عثمان ثورة اجتماعية لا تقل شأنا عن أنبل الثورات الاصلاحية التي عرفها التاريخ فقد كانت تهدف إلى الحد من سلطة الحاكمين، ومنعهم من الاستبداد بشؤون الناس، واعادة الحياة الاسلامية إلى مجراها الطبيعي. متارك حكومة عثمان: وتركت حكومة عثمان كثيرا من المضاعفات السيئة التي امتحن بها المسلمون اشد الامتحان فقد اشعلت نار الفتن في جميع أنحاء البلاد، وجرت للمسلمين الويلات والخطوب، ونتحدث - بايجاز - عن الاحداث الكبرى التي مني بها العالم الاسلامي من جراء حكومته وهي: 1 - ان حكومة عثمان قد عمدت إلى التهاون في احترام القانون، وتجميد السلطة القضائية، فان أفراد الاسرة الاموية قد جافوا في كثير من تصرفاتهم وسلوكهم الاحكام الدستورية، وكان موقف عثمان معهم يتسم بالميوعة والتسامح، فلم يتخذ معهم أي اجراء حاسم، وانما كان مسددا لهم ومتأولا لاخطائهم، كما ألمعنا إلى ذلك في البحوث السابقة، وكان من النتائج المباشرة لذلك شيوع الفوضى في السلوك، وفساد الاخلاق والتمرد على القانون. 2 - ان حكومة عثمان لم تتخذ الحكم وسيلة من وسائل الاصلاح الاجتماعي، وانما اتخذته وسيلة للاثراء والاستغلال، والسيطرة على الشعوب


(1) سيرة الحلبي. (*)

[ 392 ]

مما أهاب بكثير من الفئات أن ينظروا إلى الحكم بما انه مغنم وسبب للتمتع بنعم الدنيا وخيراتها، وقد أدى ذلك إلى تهالك الجماعات والافراد نحو الملك والسلطان فطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم لم يكونوا ينشدون أي هدف انساني أو اجتماعي في تمردهم على حكومة الامام أمير المؤمنين (ع) وانما كانوا هائمين فيي طلب الامرة والخلافة، واعقب عصيانهم بلبلة الروح الدينية، وزعزعة الايمان في النفوس، وانتشار الاحزاب النفعية التي حالت بين المجتمع الاسلامي وبين حكومة القرآن. 3 - وخلقت حكومة عثمان طبقة ارستقراطية اشاعت الترف والبذخ وتهالكت على اللذة والمجون، وكان من بينها الاسر القرشية التي غرقت بالاموال وحارت في صرفها في حين ان الاوساط الاجتماعية كانت تعاني الضيق والحرمان مما أدى إلى ثورة المصلح الكبير أبي ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله على الرأسمالية القرشية التي جمعت بغير وجه مشروع، ومطالبته بتأميمها، وارجاعها إلى الخزينة المركزية لتنفق على تطوير الحياة الاقتصادية وتنمية الدخل الفردي، واذابة الفقر والحاجة في جميع القطاعات الشعبية، حسب ما يريده الاسلام. 4 - وعملت حكومة عثمان على احياء العصبية القبلية التي حاربها الاسلام فقد جهد عثمان على تقوية اسرته، وبسط نفوذها، وحمايتها من القانون، ومنحها جميع أسباب القوة مما ادى إلى تكتل الاسر العربية، وشيوع النعرات الجاهلية من الافتخار بامجاد الاباء والاعتزاز بالانساب، وغير ذلك مما سنذكره في بحوث هذا الكتاب. 5 - تطلع النفعيين إلى الوصول إلى الحكم والاعتماد على قوة السيف من دون ان يعنى بارادة الامة يقول يوليوس فلهوزن: " فمنذ ذلك الحين صار للسيف القول الفصل في أمر رئاسة الحكومة التيوقراطية، وفتح باب

[ 393 ]

الفتنة، ولم ينسد بعد ذلك أبدا سدا تاما، ولم يمكن ذلك الحين المحافظة على وحدة ممثلة في شخص امام على رأس الجماعة إلا في الظاهر على الاكثر وبالقوة والقهر. فالحقيقة ان الجماعة قد انشقت وتفرقت شيعا وأحزابا كل منها يحاول أن يفرض سلطانه السياسي، وأن يلجأ للسيف تأييدا لامامة على الامام الحاكم بالفعل... " (1). لقد انتشرت الاطماع السياسية، وتهالك النفعيون على الوصول إلى كرسي الحكم مما ادى إلى اشاعة الفتن والفوضى في جميع انحاء البلاد. 6 - التطبيل بدم عثمان، واتخاذه شعارا للفتنة واراقة الدماء والتمرد على القانون لا من قبل الامويين فقط وانما من قبل جميع الفئات الطامعة في الحكم كطلحة والزبير وعائشة وغيرهم من الذين ساهموا مساهمة ايجابية في الثورة على عثمان، وقد اطلت في سبيل هذه الاطماع الرخيصة انهار من الدماء الزكية، وشاع الثكل والحداد في ربوع الوطن الاسلامي. هذه بعض المتارك التي خلفتها حكومة عثمان وهي - من دون شك - قد اثرت تأثيرا عميقا في تطور الاحداث، واتجاه المجتمع نحو الاطماع السياسية، وانتشار الانتهازية والوصولية بشكل فظيع مما ادى إلى الصراع العنيف على الحكم، وتحول الحكومة الدينية إلى الملكية التي لا تعنى بأي حال بأمور الاسلام وتطبيق أهدافه كما باعدت ما بين المسلمين وبين أهل البيت عليهم السلام الذين نص الرسول (ص) على امامتهم، واوصى الامة باتباعهم، فقد تحطمت بشكل سافر تلك القدسية التي احاطهم بها، واتجهت السلطات التي تلت حكومة الخلفاء إلى تمزيق أوصالهم والتنكيل بهم، ولم ترع فيهم قرابة الرسول (ص) التي هي أحق بالرعاية من كل شئ. بقي هنا شئ وهو ان الامام الحسين (ع) كان في عهد عثمان في


(1) تاريخ الدولة العربية (ص 50 - 51). (*)

[ 394 ]

شرخ الشباب، ويقول المؤرخون: انه انضم إلى الجيش الاسلامي الذي اتجه إلى فتح طبرستان سنة (30 ه‍) وكان على قيادته سعيد بن العاص فابلى الجيش بلاءا حسنا وفتح الله على يده ورجع ضافرا (1) ولم تظهر لنا بادرة اخرى عن الامام الحسين في تلك الفترة، ولعل السبب يعود - فيما نحسب - إلى ان الاسرة النبوية كانت من الجبهة المعارضة لحكومة عثمان، وقد قامت بدور ايجابي في التنديد بسياسته، وقد صب عثمان جام غضبه على اصحاب الامام امير المؤمنين كأبي ذر وعمار وابن مسعود فامعن في ظلمهم وارهاقهم وقد شاهد الامام الحسين (ع) تلك الاحداث المفزعة فاضافت إلى نفسه آلاما وعرفته بواقع المجتمع واتجاهاته. وزعم بعض المؤرخين ان الامام الحسن والحسين دافعا عن عثمان حينما أحاط به الثوار وقد دللنا على عدم صحة ذلك بصورة موضوعية في كتابنا (حياة الامام الحسن) وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة عثمان.


(1) الطبري 5 / 57، العبر 2 / 34، ولم يذكر صاحب الفتوحات الاسلامية انضمام الامام الحسين إلى ذلك الجيش. (*)

[ 395 ]

عهد الامام أمير المؤمنين عليه السلام

[ 397 ]

وحققت الثورة على عثمان مكسبا عظيما للمسلمين، فقضت على الاستغلال والتلاعب بمقدرات الامة، وقضت على الغبن والظلم الاجتماعي ودكت عروش الطغيان، وحققت للامة أهم ما تصبو إليه من تحقيق العدل والرخاء والامن. لقد استهدفت الثورة القضايا المصيرية للامة، وكان من أهمها ترشيخ الامام أمير المؤمنين لمنصب الحكم، ويقول المؤرخون: إن الثوار وسائر القوات المسلحة قد احتفت بالامام، وهي تهتف بحياته، وتناديه: " لا إمام لنا غيرك ". لقد أيقنت الاوساط الشعبية ان الامام هو الذي يحقق آمالها وأهدافها ويعيد لها كرامتها، وانها ستنعم في ظلال حكمه بالحرية والمساواة والعدل فأصرت على انتخابه، وتقليده شؤون الخلافة. وجوم الامام: واستقبل الامام الثوار بالوجوم وعدم الرضا بخلافتهم لعلمه بالاحداث الرهيبة التي ستواجهها إن قبل خلافتهم فان الاحزاب النفعية التي خلقتها حكومة عثمان قد تطعمت بالخيانة، وتسربلت بالاطماع والمنافع الشخصية، وانها ستقف في وجهه، وتعمل جاهدة على مناجزته، والحيلولة بينه وبين تحقيق مخططاته السياسية الهادفة إلى تحقيق العدل والقضاء على الجور، وهتف الامام بجماهير الشعب التي احتفت به معلنا رفضه الكامل لخلافتهم قائلا لهم: " لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت به... ". وأي حاجة للامام في خلافتهم فهو لم ينشد مكسبا خاصا له أو لاسرته

[ 398 ]

وإنما كان ينبغي تحقيق أهداف الامة، واعاد الحياة الاسلامية إلى مجراها الطبيعي... وأصرت الجماهير على انتخابه قائلة: " ما نختار غيرك... ". ولم يعن بهم الامام، وإنما أصر على الامتناع والرفض، ولكن الثوار لم يجدوا أحدا خليقا بادارة شؤون الامة غير الامام الذي توفرت فيه جميع الصفات القيادية من الصلابة للحق والقدرة على تحمل المسؤولية فأصرت على فكرتها في ترشيحه للخلافة. مؤتمر القوات المسلحة: وعقدت القوات العسكرية مؤتمرا خاصا - بعد امتناع الامام من اجابتها - عرضت الاحداث الخطيرة التي تواجه الامة إن بقيت بلا إمام، وقد قررت على احضار المدنيين وتهديدهم بقوة السلاح إن لم ينتخبوا إماما للمسلمين، ولما حضروا قالوا لهم: " أنتم أهل الشورى، وانتم تعقدون الامامة، وحكمكم جائز على الامة فانظروا رجلا تنصبونه، ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم يومكم فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن عليا وطلحة والزبير، وتذهب من اضحية ذلك أمة من الناس... " (1). وفزع المدنيون وعلاهم الرعب، وخيم عليهم الذعر، فهرعوا إلى الامام وهم يهتفون: " البيعة البيعة... ". " أما ترى ما نزل بالاسلام، وما ابتلينا به من أبناء القرى ؟ ".


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 80. (*)

[ 399 ]

فأجابهم الامام مصرا على رفضه قائلا: " دعوني والتمسوا غيري... ". وأحاطهم علما بالاحداث المذهلة التي سيواجهها إن قبل خلافتهم قائلا: " أيها الناس إنا مستقبلون امرا له وجوه، وله ألوان لا تقوم به القلوب، ولا تثبت له العقول... " (1). ولم تع الجماهير قوله وانما ازدحمت عليه تنادي: " أمير المؤمنين... أمير المؤمنين " (2). وكثر أصرار الناس عليه، وتدافعهم نحوهم، فصارحهم بالواقع ليكونوا على بينة من أمرهم قائلا: " إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وان تركتموني فانما أنا كأحدكم، ألا واني من اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه... ". لقد أعرب لهم انه إن تولى قيادتهم فسوف يسير فيهم بالحق والعدل فلا يجاب ولا يصانع أي انسان، ودعاهم إلى التماس غيره، إلا انهم أصروا عليه وهتفوا: " ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك... ". وتزاحمت الجماهير عليه، وانثالوا عليه من كل جانب وهم يطالبونه بقبول خلافتهم، وقد وصف (ع) شدة إصرارهم وازدحامهم عليه بقوله: " فما راعني إلا والناس كعرف الضبع (3) ينثالون علي من كل


(1) نهج البلاغة محمد عبده 1 / 182. (2) أنساب الاشراف 5 / 7. (3) عرف الضبع: الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع يضرب به المثل في كثرة الازدحام. (*)

[ 400 ]

جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي (1) مجتمعين حولي كربيضة الغنم.. " (2). وأجلهم إلى صباح اليوم الثاني لينظر في الامر فافترقوا على ذلك. قبول الامام: ولم يجد الامام بدا من قبول الخلافة خوفا أن ينزو إليهم علج من بني أمية، كما كان يتحدث بذلك، يقول (ع): " والله ما تقدمت عليها إلا خوفا من أن ينزو على الامة تيس من بني امية فيلعب بكتاب الله عزوجل... " (3). لقد دعته الضرورة والخوف على الاسلام إلى قبول خلافتهم التي لا ارب له فيها سوى اقامة الحق ودحر الباطل، فلم يكن ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية في الاسلام من عشاق الملك والسلطان، ولا ممن يبغي الحكم لينعم في خيراته، انه ربيب الوحي الذي اثبت في جميع أدوار حياته زهده في الدنيا، وعزوفه عن جميع رغباتها. البيعة: وازدحمت الناس في الجامع الاعظم تنتظر بفارغ الصبر لعله قد أجابهم


(1) شق عطفاي: أراد به خدش جانبيه من كثرة زحام الناس عليه للبيعة. (2) ربيضة الغنم: الطائفة الرابضة، يصف جثومهم بين يديه. (3) أنساب الاشراف ج 1 ق 1 (157). (*)

[ 401 ]

إلى ما يريدون، وأقبل الامام تحف به البقية الطيبة من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله فقوبل بموجة من الهتافات المؤيدة له، وقد أعلنوا عن رغبتهم الملحة في أن يتولى شؤون المسلمين، واعتلى الامام أعواد المنبر فخاطب الجماهير قائلا: " أيها الناس إن هذا أمركم ليس لاحد فيه حق إلا من امرتم، وقد افترقنا بالامس وكنت كارها لامركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم، إلا وانه ليس لي أن أخذ درهما دونكم فان شئتم قعدت لكم وإلا فلا أأخذ على أحد ". وألقى الامام الاضواء على سياسته المالية النيرة فهو يحتاط كأشد ما يكون الاحتياط بأموال الدولة، فلا يستأثر بأي شئ منها، ولا ينفق درهما على مصالحه وشؤونه الخاصة وهو يشير بذلك إلى الذين تمرغوا في أموال الخزينة المركزية أيام الحكم المباد فنهبوا الاموال، وأخذوها بغير حلها، وانه إذا تولى شؤون المسلمين فسوف يحرمون منها ويعاملون كبقية أفراد الشعب، ويعود المال - حسب ما يريد الله - للامة لا للحاكم. وتعالت الهتافات من جميع جنبات المسجد وهي تعلن الاصرار الكامل على انتخابه قائلين بلسان واحد: " نحن على ما فارقناك عليه بالامس... ". وتدافعت الجماهير كالموج المتلاطم إلى البيعة، وتقدم طلحة بيده الشلاء التي سرعان ما نكث بها عهد الله فبايع فتطير منه الامام وطفق يقول: " ما أخلقه أن ينكث " (1). وتوالت الجماهير تبايع الامام، وهي انما يبايع الله ورسوله، وبايعته القوات المسلحة من المصريين والعراقيين، وبايعه عرب الامصار، وأهل


(1) العقد الفريد 3 / 93. (*)

[ 402 ]

بدر والمهاجرين والانصار عامة (1) ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها واتساعها، وعمت الافراح والمسرات جميع المسلمين، وقد وصف الامام مدى ابتهاج الناس وسرورهم ببيعته بقوله: " وبلغ من سرور الناس ببيتعهم ان ابتهج بها الصغير وهدج (2) إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب " (3). لقد ابتهج المسلمون بهذه البيعة التي تحقق أهدافهم، وتحقق ما يصبون إليه من العزة والكرامة، وقد كانت بيعته يوم السبت لاحدى عشر ليلة بقيت من ذي الحجة (4). وقد انبرى اعلام الصحابة فأعلنوا أمام جماهير الامة عن تأييدهم الشامل ودعمهم الكامل لحكومة الامام، وقد ذكرنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (حياة الامام الحسن) كما ذكرنا فيه عرضا للوفود التي أقبلت من أغلب مناطق العالم الاسلامي وهي تشارك المسلين فرحتهم، وتعلن عن دعمها لبيعة الامام. تطهير جهاز الدولة: وأول عمل قام به الامام فور توليته لمنصب رئاسة الدولة هو عزل ولاة عثمان الذين سخروا جهاز الحكم لمصالحهم الخاصة، واثروا ثراءا فاحشا مما اختلسوه من بيوت المال، وقد عزل معاوية بن أبي سفيان، ويقول


(1) أنساب الاشراف 5 / 22. (2) هدج: الشيخ الكبير الذي يمشي في ارتعاش. (3) حياة الامام الحسن 1 / 376، الطبعة الثالثة. (4) أنساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 403 ]

المؤرخون: إنه أشار عليه جماعة من المخلصين بابقائه في منصبه ريثما تستقر الاوضاع السياسية ثم يعزله فأبى الامام، وأعلن أن ذلك من المداهنة في دينه وهو مما لا يقره ضميره الحي الذي لا يسلك أي طريق يبعده عن الحق ولو أبقاه ساعة لكان ذلك تزكية له، واقرارا بعدالته، وصلاحيته للحكم... لقد تحرج الامام أشد ما يكون التحرج في أيام حكومته فابتعد عن جميع الوان السياسة المبتنية على الخداع والتضليل. تأميم الاموال المختلسة: وانطلق رائد العدالة الاسلامية يقيم في ربوع الدولة الاسلامية حكم الله ويرفع راية الحق، وقد أصدر قراره الحاسم بتأميم الاموال المختلسة التي نهبها الحكم المباد، وبادرت السلطة التنفيذية بوضع اليد على القطائع التي أقطعها عثمان لذوي قرباه، والاموال التي استأثر بها عثمان، وقد صودرت أمواله حتى سيفه ودرعه، واضافها الامام إلى بيت المال، وقد فزع بنو أمية كأشد ما يكون الفزع واندفعوا إلى الانكار على الامام يقول الوليد بن عقبة يعاتب بني هاشم، وينكر عليهم ذلك يقول: بني هاشم ردوا سلاح ابن اختكم * ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشم كيف الهوادة بيننا * وعند علي درعه ونجائبه بني هاشم كيف التودد منكم * وبز ابن أروى فيكم وحرائبه بني هاشم ألا تردوا فاننا * سواء علينا قاتلاه وسالبه بني هاشم انا وما كان منكم * كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

[ 404 ]

وألمت هذه الابيات بالتوتر والاحقاد التي أترعت بها نفوس الامويين فهم يرون الامام هو الذي قام بالحركة الانقلابية التي أطاحت بحكومة عثمان وهم يطالبون الهاشميين برد سيف عثمان ودرعه وسائر ممتلكاته التي صادرتها حكومة الامام، وقد شاع هذا الشعر ورددته الاندية وحفظه الناس، وقد رد عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها: فلا تسألونا سيفكم ان سيفكم * أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه وشبهته كسرى وقد كان مثله * شبيها بكسرى هديه وضرائبه (1) وطعن هذا الشاعر بشخصية عثمان فقد رماه بالخور وانه القى سيفه لدى الروع حينما هجم عليه الثوار، فلم يذب به عن نفسه، ولم يقم بأي دور في الحماية والدفاع عنه، وانما استسلم لسيوف الثوار التي تناهبت شلوه. فزع القرشيين: وفزعت القبائل القرشية وأصابها الذهول فقد أيقنت ان الامام سيصادر الاموال التي منحها لهم عثمان بغير حق، فقد كتب عمرو بن العاص رسالة إلى معاوية جاء فيها. " ما كنت صانعا فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها... " (2). لقد خافت قريش على ثرواتها، وخافت على نفوذها ومكانتها، فقد عرفت الامام، وعرفت مخططاته الهادفة إلى اقامة الحق، والعدل، وتحطيم الامتيازات الغير المشروعة، وانه سيعاملهم كبقية أفراد الشعب فلذا أظهرت


(1) حياة الامام الحسن 1 / 343 الطبعة الثانية. (2) الغدير 8 / 288. (*)

[ 405 ]

أحقادها البالغة على حكومته، وقد وصف ابن أبي الحديد مدى فزعهم واضطرابهم بقوله: " كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من اظهار ما في النفوس، وهيجان ما في القلوب حتى الاحلاف من قريش، والاحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا ما لو كانت الاسلاف أحياء لقصرت عن فعله... " (1). لقد راح الحسد ينهش قلوب القرشيين، والاحقاد تنخر ضمائرهم فاندفعوا إلى اعلان العصيان والتمرد على حكومة الامام، وسنذكر لذلك عرضا في البحوث الآتية. التياع الامام: وامتحن الامام امتحانا عسيرا من الاسر القرشية، وقد عانى منها أشد ألوان المحن والخطوب في جميع أدوار حياته يقول (ع): " لقد أخافتني قريش صغيرا، وانصبتني كبيرا، حتى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى والله المستعان على ما تصفون " (2). وتحدث (ع) في رسالته إلى أخيه عقيل عن اجماعهم على حربه كما أجمعوا على حرب رسول الله (ص) يقول: " فدع عنك قريشا في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فانهم قد أجمعوا على حرب رسول الله (ص) قبلي فجزت قريشا


(1) شرح النهج. (2) شرح النهج 4 / 108. (*)

[ 406 ]

عني الجوازي فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن امي... " (1). ولم يعن بهم الامام، وانطلق يؤسس معالم سياسته العادلة، ويحقق للامة ما تصبوا إليه من العدالة الاجتماعية، وقد أجمع رأيه على أن يقابلهم بالمثل، ويسدد لهم الضربات القاصمة ان خلعوا الطاعة وأظهروا البغي يقول (ع): " مالي ولقريش لقد قتلتهم كافرين، ولاقتلنهم مفتونين، والله لابقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها " (2). لقد جهدت قريش على اطفاء نور الله، وتدمير المثل الاسلامية، بكل قواها في محاربة الامام والاطاحة بحكومته كما جهدت من قبل على حرب رسول الله (ص) ورد رسالة الاسلام لمصدرها. سياسة الامام: لا أعرف حاكما سياسيا أو مصلحا اجتماعيا تبنى العدل بجميع رحابه ومفاهيمه كالامام أمير المؤمنين (ع) فقد بنى حكمه على الحق الخالص، والعدل المحض، وتبنى مصالح المظلومين والمضطهدين على اختلاف قومياتهم وأديانهم، وقد أجهد نفسه وكلفها رهقا فيما بسطه من صنوف العدل، والمساواة، فكان يشرف على كل بادرة في رقاع دولته، ويتفقد جميع شؤون رعيته فكان يطيل التفكير في البؤساء والضعفاء في جميع أرجاء دولته الممتدة الاطراف، وقد رأى أن يشاركهم في جشوبه العيش، وخشونة اللباس، ويبيت طاويا، إذ لعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالقوت


(1) شرح النهج 16 / 36. (2) حياة الامام الحسن 1 / 341. (*)

[ 407 ]

ولا طمع له بالشبع، لذلك ضيق على نفسه، وحرم عليها جميع متع الحياة وحملها على الجهد والحرمان، واتجه فكره النير وضميره الحي إلى اسعاد الناس، ونشر الدعة والرفاهية فيهم... وفيما يلي عرضا موجزا لسياسته. سياسته المالية: أما السياسة المالية التى انتهجها الامام (ع) فانما هي امتداد لسياسة الرسول الاعظم (ص) الذي عنى بتطوير الحياة الاقتصادية، وانعاش الحياة العامة في جميع انحاء البلاد بحيث لا يبقى فقير أو بائس أو محتاج، وذلك بتوزيع ثروات الامة توزيعا عادلا على جميع القطعات الشعبية، أما مظاهر تلك السياسة الاقتصادية الخلافة فهي: 1 - المساواة في التوزيع والعطاء فليس لاحد على أحد فضل أو امتياز، وانما الجميع على حد سواء، فلا فضل للمهاجرين على الانصار ولا لاسرة النبي (ص) وأزواجه على غيرهم، ولا للعربي على غيره، وقد طبق الامام (ع) هذه الجهة بصورة دقيقة وشاملة فكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - قد ساوى بين المسلمين في العطاء، ولم يميز قوما على آخرين، فقد وفدت إليه سيدة قرشية من الحجاز طالبة منه الزيادة في عطائها، وقد التقت قبل أن تصل إليه بعجوز فارسية كانت مقيمة في الكوفة فسألتها عن عطائها فإذا به يساوي ما خصص لها، فامسكت بها وجاءت بها إليه، وقد رفعت عقيرتها قائلة: " هل من العدل أن تساوي بيني وبين هذه الامة الفارسية ؟ ! ! ". فرمقها الامام بطرفه، وتناول قبضة من التراب، وجعل ينظر إليه ويقلبه بيده وهو يقول:

[ 408 ]

" لم يكن بعض هذا الترب أفضل من بعض، وتلا قوله تعالى: " إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ". وقد أثارت هذه العدالة في التوزيع غضب الرأسماليين من القرشيين وغيرهم، فأعلنوا سخطهم على الامام، وقد خفت إليه جموع من أصحابه تطالبه بالعدول عن سياسته فأجابهم الامام: " أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله ما أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجما، لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف، وانما المال مال الله ! ألا وان اعطاء المال في غير حقه تبذير واسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا، ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله... " (1). لقد كان الامام يهدف في سياسته المالية إلى ايجاد مجتمع لا تطغى فيه الرأسمالية، ولا تحدث فيه الازمات الاقتصادية، ولا يواجه المجتمع أي حرمان أو ضيق في حياته المعاشية. لقد أدت هذه السياسة المشرقة المستمدة من واقع الاسلام وهديه إلى اجماع القوى الباغية على الاسلام أن تعمل جاهدة على اشاعة الفوضى والاضطراب في البلاد مستهدفة بذلك الاطاحة بحكومة الامام... ويرى المدائني أن من اهم الاسباب التي أدت إلى تخاذل العرب عن الامام اتباعه لمبدأ المساواة حيث كان لا يفضل شريفا على مشروف - في العطاء - ولا عربيا على عجمي (2) لقد ورمت آناف اولئك الطغاة من سياسة الامام التي


(1) نهج البلاغة محمد عبده 25 / 10. (2) شرح ابن أبي الحديد 1 / 180. (*)

[ 409 ]

هدمت الحواجز، وألغت الطبقية وساوت بين جميع أبناء المسلمين لا في العطاء فقط وانما في جميع الحقوق والواجبات. 2 - الانفاق على تطوير الحياة الاقتصادية وانشاء المشاريع الزراعية والعمل على زيادة الانتاج الزراعي الذي كان العمود الفقرى للاقتصاد العام في تلك العصور، وقد أكد الامام - في عهده لمالك الاشتر - على رعاية اصلاح الارض قبل أخذ الخراج منها يقول (ع): " وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره الا قليلا... " (1). لقد كان أهم ما يعني به الامام في سياسته الاقتصادية زيادة الدخل الفردي، ونشر الرفاهية والرخاء بصورة شاملة في جميع انحاء العالم الاسلامي وقد حفلت رسائله إلى ولاته بالاهتمام في هذه الجهة، فقد أكد عليهم لزوم الانفاق على تطوير الاقتصاد العام حتى لا يبقى أي شبح للفقر والحرمان في البلاد. 3 - عدم الاستئثار بأي شئ من أموال الدولة، فقد تحرج الامام فيها كأشد ما يكون التحرج، وقد اثبتت المصادر الاسلامية بوادر كثيرة من احتياط البالغ فيها فقد وفد عليه أخوه عقيل طالبا منه أن يمنحه الصلة ويرفه عليه حياته المعاشية فأخبره الامام ان ما في بيت المال للمسلمين، وليس له أن يأخذ منه قليلا ولا كثيرا، وإذا منحه شئ فانه يكون مختلسا فلم يفقه عقيل ذلك وأخذ يلح عليه ويجهد في مطالبته فأحمى له الامام (ع) حديدة وأدناها منه وكان ان يحترق من ميسمها، وضج ضجيج ذي


(1) نهج البلاغة محمد عبده 3 / 106. (*)

[ 410 ]

دنف، فلما أفاق أجمع رأيه على الالتحاق بمعاوية لينعم بصلاته وهباته التي يختلسها من أموال المسلمين. لقد أجمع المؤرخون على أن الامام قد أجهد نفسه وأرهقها من أمره عسرا فلم ينعم هو ولا أهل بيته من خيرات الدولة، ولم يصطف منها أي شئ، وقد نفر منه ذوو الاطماع، وراح يوصي بعضهم بعضا في الابتعاد عن الامام يقول خالد بن معمر الاوسي لعلباء بن الهيثم: وكان من أصحاب علي: " اتق الله يا علباء في عشيرتك، وانظر لنفسك ولرحمك ماذا تؤمل عند رجل اردته على ان يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما فأبى وغضب، فلم يفعل... " (1). ان الانسانية على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وابدع في الانظمة الاقتصادية فانها بأي حال لم تستطع أن تنشأ مثل هذا النظام الاقتصادي الذي انتهجه الامام فانه يرتبط بواقع الحياة، ولا يشذ عن سننها، وهو يهدف قبل كل شئ إلى عدالة التوزيع وبسط الرفاهية على الجميع، والقضاء على الحاجة والحرمان. وعلى أي حال فان السياسة الاقتصادية الخلافة التي تبناها الامام قد ثقلت على القوى المنحرفة عن الاسلام فانصرفوا عن الامام وأهل بيته والتحقوا بالمعسكر الاموي الذي يضمن لهم الاستغلال والنهب وسلب قوت الشعب والتلاعب باقتصاد البلاد... وقد كان قادة الجيش الذي خف لحرب ريحانة رسول الله (ص) من ذوي الثروات الطائلة كعمرو بن حريث (2) وشبث بن ربعي وحجاز بن ابجر وغيرهم ممن منحتهم الحكومة


(1) شرح ابن أبي الحديد 10 / 250. (2) الطبري 1 / 5 / 2600، وجاء فيه ان عمرو بن حريث كان أكثر أهل الكوفة مالا. (*)

[ 411 ]

الاموية الثراء العريض فاندفعوا إلى حرب الامام حفظا على مصالحهم الشخصية وابقاءا على ثرواتهم التي تكونت بغير وجه مشروع، فقد أيقنوا أن الامام الحسين (ع) إذا استتب له الامر فانه لا يشذ عن منهج أبيه وسياسته، وانهم سيفقدون المنح والهبات التي تغدقها عليهم الحكومة الاموية، وسنذكر ذلك مشفوعا بالتفصيل في البحوث الآتية، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن سياسته المالية. سياسته الداخلية: واجهد الامام (ع) نفسه على أن يحقق بين الناس العدل الاجتماعي والعدل السياسي ويحملهم على الطريق الواضح الذي لا التواء فيه، ويسير فيهم بسياسة رسول الله (ص) الهادفة إلى تطبيق العدل، وبسط الحق بين القريب والبعيد، بحيث لا يسمع أنين لمظلوم أو محروم، ولا يعد ظل للحاجة والبؤس حسبما يريده الله في الارض لقد عنى الامام (ع) بازالة جميع أسباب التخلف والانحطاط، وتحقيق حياة كريمة يجد فيها الانسان جميع متطلبات حياته من الدعة والامن والرخاء والاستقرار، ونلمع فيما يلي إلى بعض مظاهرها: المساواة: اما المساواة بين الناس فهي من العناصر الذاتية في سياسة الامام (ع) وقد تبناها في جميع أدوار حكومته، ورفع شعارها عاليا حتى عرف برائد العدل والمساواة في الارض، أما مظاهرها فهي:

[ 412 ]

1 - المساواة في الحقوق والواجبات. 2 - المساواة في العطاء. 3 - المساواة أمام القانون. وقد الزم الامام عماله وولاته بتطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم يقول (ع) في بعض رسائله إلى عماله: " واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جنابك وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والاشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا يبأس الضعفاء من عدلك... " (1). ولم تفتن في أي دين أو مذهب اجتماعي مثل هذه المساواة المشرقة التي تنشد كرامة الانسان وعزته، وتؤلف ما بين المشاعر والعواطف، وتجمع الناس على صعيد من المحبة والاخاء. الحرية: أما الحرية عند الامام فهي من الحقوق الذاتية لكل انسان، ويجب أن تتوفر للجميع، شريطة أن لا تستغل في الاعتداء والاضرار بالناس. وكان من أبرز معالمها هي: الحرية السياسة: ونعني بها أن تتاح للناس الحرية التامة في اعتناق أي مذهب سياسي دون أن تفرض عليهم السلطة رأيا معاكسا لما يذهبون إليه، وقد منح الامام هذه الحرية بأرحب مفاهيمها للناس، وقد منحها لاعدائه وخصومه الذين تخلفوا عن بيعته كسعد بن أبي وقاص، و عبد الله بن عمر، وحسان بن


(1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 10. (*)

[ 413 ]

ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبي سعيد الخدري (1) وأمثالهم من أنصار الحكم المباد الذين كان يغدق عليهم عثمان بصلاته وهباته فلم يجبرهم الامام، ولم يتخذ معهم أي اجراء حاسم كما اتخذه أبو بكر ضده حينما تخلف عن بيعته. كان الامام يرى أن الناس أحرار، ويجب على الدولة أن توفر لهم حريتهم ما دام لم يخلوا بالامن، ولم يعلنوا التمرد والخروج على الحكم القائم وقد منح (ع) الحرية للخوارج ولم يحرمهم عطاءهم مع العلم أنهم كانوا يشكلون أقوى حزب معارض لحكومته، فلما سعوا في الارض فسادا، واذاعوا الذعر والخوف بين الناس انبرى إلى قتالهم حفظا على النظام العام وحفظا على سلامة المواطنين، ويتفرع على هذه السياسة ما يلي: 1 - حرية القول: ومن مظاهر الحرية الواسعة التي منحها الامام للناس حرية القول، وان كان في غير صالح الدولة ما لم يتعقبه فساد فالعقاب يكون عليه، فقد روى المؤرخون أن أبا خليفة الطائي لما رجع من النهروان التقى مع جماعة من اخوانه، وكان فيهم أبوالعيزار الطائي، وكان من الخوارج فقال لعدي بن حاتم: - يا أبا طريف أغانم سالم أم ظالم آثم ؟ - بل غانم سالم. - الحكم ذاك اليك. وأوجس منه خيفة الاسود بن زيد والاسود بن قيس فالقيا القبض عليه وجاءا به مخفورا إلى الامام، ونقلا له حديثه المنطوي على الشر والتمرد فقال (ع) لهما:


(1) حياة الامام الحسن 2 / 383. (*)

[ 414 ]

- ما اصنع ؟ - تقتله. - أقتل من لا يخرج علي ؟ - تجسسه. - ليست له جناية، خليا سبيل الرجل (1). ولم تمنح مثل هذه الحرية للمواطنين في جميع المذاهب الاجتماعية، فلم يحاسب الامام الناس على ما يقولون، وانما تركهم وشأنهم لهم حرية القول والفكر، ولم يفرض عليهم رقابة تحول بينهم وبين حرياتهم. 2 - حرية النقد: وكان من مظاهر الحرية السياسية التي منحها الامام للناس هي حرية النقد للحكم، وعدم التعرض للناقدين بسوء أو مكروه، يقول المؤرخون: انه كان يقرأ في صلاته وخلفه جماعة من اصحابه فقرأ أحدهم معارضا لقرائته " إن الحكم الا لله يقضي الحق وهو خير الفاصلين " فرد عليه الامام معارضا " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخنفك الذين لا يوقنون " (1). ولم يتخذ معه أي اجراء وانما عفا عنه وخلى عن سبيله، لقد كان يرى للناس الحق في الحرية الواسعة، فلم يفرض على أحد امرا، ولم يستكره أحدا على الطاعة، ولم يرغم الناس على ما لا يحبون. هذه بعض مظاهر الحرية التي أعطاها الامام للناس في أيام حكمه، وقد حققت العدل الاجتماعي والعدل السياسي بين الناس. العدل الشامل: وكان العدل الشامل هو الشعار الذي رفعه الامام عاليا وتبناه في جميع


(1) شرح النهج 3 / 73. (*)

[ 415 ]

أدوار حكومته، فقد جهد نفسه على اقامة العدل ورفع مناره، وكان - فيما يقول المؤرخون - أول حاكم في الاسلام بنى بيتا للمظالم يضع فيه المظلومون والمعتدى عليهم رقاعا يذكرون فيها ما أصابهم من اعتداء أو مكروه، وكان بنفسه يتولى الاشراف عليها، فيأخذ لهم بحقهم، ويدفع عنهم غائلة ما أصابهم من أذى أو مكروه (1). لقد عنى الامام عناية بالغة ببسط العدل ونشره بين الناس، وكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - قد وجه جميع أجهزة حكومته للقضاء على الظلم وتدمير أصوله ومحو اثره، وقد قال (ع): " الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه " وقد عزل أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة بانه قد جار في حكمه، فجعل الامام يبكي ويقول بحرارة: " اللهم أنت الشاهد علي وعليهم اني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك... ". ثم عزله في الوقت (2) ونقل المؤرخون بوادر كثيرة من صور عدله بين الناس بما لم يشاهد له مثيل في جميع أدوار التاريخ. وحدة الامة: وجهد الامام كأكثر ما يكون الجهد والعناء على العمل على توحيد صفوف الامة ونشر الالفة والمحبة بين أبنائها، واعتبر الالفة الاسلامية من نعم الله الكبرى على هذه الامة يقول (ع): " ان الله سبحانه قد


(1) صبح الاعشى. (2) العقد الفريد 1 / 211. (*)

[ 416 ]

امتن على جماعة هذه الامة فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة لانها أرجح من كل ثمن، وأجل من كل خطر " (1). وناهض كل من يدعو إلى التفرقة وتصديع الشمل، وأمر بأن يعلى وجهه بالسيف - على حد تعبيره - وقاوم العصبية التي هي من أسباب التفرقة والبغضاء بين الناس، ودعا إلى التعصب لمكارم الاخلاق يقول (ع): " فان كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الافعال ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب، ويعاسيب القبائل، بالاخلاق الرغيبة، والاحلام العظيمة، والاخطار الجليلة والآثار المحمودة، فتعصبوا لخلال الحمد، من الحفظ للجوار والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والاخذ بالفضل، والكف عن البغي، والاعظام للقتل، والانصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الارض " (2). لقد عنى الامام بوحدة الامة، وتبنى جميع الاسباب التي تؤدي إلى تماسكها واجتماع كلمتها، وقد حافظ على هذه الوحدة في جميع أدوار حياته فقد ترك حقه وسالم الخلفاء صيانة للامة من الفرقة والاختلاف. التربية والتعليم: ولم يعهد عن أحد من الخلفاء أنه عنى بالناحية التربوية أو بشؤون التعليم، كالامام امير المؤمنين وانما عنوا بالشؤون العسكرية، وعمليات الحروب


(1) نهج البلاغة محمد عبده 2 / 180. (2) نهج البلاغة 2 / 175. (*)

[ 417 ]

وتوسيع رقعة الدولة الاسلامية، وبسط نفوذها على أنحاء العالم، ومن ثم كانت حقول التربية الدينية ضعيفة للغاية الامر الذي أدى إلى انتشار القلق الديني، وقلة الوعي الاسلامي، وكان من نتائجه ظهور الحركات الالحادية والمبادئ الهدامة في العصر الاموي والعباسي، كما كان من نتائجه شيوع الخلاعة والمجون في كثير من انحاء البلاد، أما بيوت الخلفاء والوزراء فكانت من مراكز اللهو والدعارة والتفسخ. وقد أولى الامام أمير المؤمنين (ع) المزيد من اهتمامه بهذه الناحية فاتخذ جامع الكوفة معهدا يلقي فيه محاظراته الدينية والتوجيهية، وكان يشغل أكثر أوقاته بالدعوة إلى الله، واظهار فلسفة التوحيد، وبث الآداب والاخلاق الاسلامية، مستهدفا من ذلك نشر الوعي الديني، وخلق جيل يؤمن بالله ايمانا عقائديا لا تقليديا، وكانت مواعظه تهز أعماق النفوس خوفا ورهبة من الله، وقد تربى في مدرسته جماعة من خيار المسلمين وصلحائهم أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، وكميل بن زياد وغيرهم من رجال التقوى والصلاح في الاسلام. وكانت وصاياه إلى ولديه الحسن والحسين (ع) وسائر تعاليمه من أهم الاسس التربوية في الاسلام، فقد قننت أصول التربية، ووضعت مناهجها على أسس تجريبية كانت من أثمن ما يملكه المسلمون في هذا المجال. أما التعليم فقد كان الامام (ع) هو المعلم والباعث للروح العلمية، فهو الذي فتق أبواب العلوم في الاسلام كعلم الفلسفة والكلام، والتفسير والفقه والنحو وغيرها من العلوم التي تربو على ثلاثين علما، وإليه تستند ازدهار الحركة العلمية في العصور الذهبية في الاسلام حسب ما نص عليه المحققون. لقد كان الامام المؤسس الاعلى للعلوم والمعارف في دنيا الاسلام،

[ 418 ]

وقد بذل جميع جهوده على اشاعة العلم ونشر الآداب والثقافة بين المسلمين وكان دوما يذيع بين أصحابه قوله: " سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق السماء فاني أبصر بها من طرق الارض ". ومن المؤسف والمحزن - حقا - أنهم لم يستغلوا وجود هذا العملاق العظيم، فيسألوا منه عن حقيقة الفضاء والمجرات التي تسبح فيه، وغيرها من أسرار الطبيعة التي استمد معارفها من الرسول الاعظم (ص) لم يسألوا عن أي شئ من ذلك، وانما راحوا يهزؤن، وقد قال بعضهم بسخرية " كم طاقة في رأسي من شعر ؟ ". لقد عاش الامام غريبا في وسط ذلك المحيط الجاهل الذي لم يع أي شئ من أهدافه ومثله، ولم يعرف حق قيمته، ولم يثمن عبقرياته ومواهبه. وعلى أي حال فان الامام أقام حكومته علي تطوير الحياة الفكرية والعملية، وبث المعارف والآداب بين جميع الاوساط. ولاته وعماله: وأحتاط الامام أشد ما يكون الاحتياط في الولاة والعمال، فلم يستعمل أحدا على قطر من الاقطار الاسلامية أو يعهد إليه بعمل إلا بعد إحراز الثقة بدينه والكفاءة بقدراته الادارية، ولم يستعمل أحدا محاباة أو أثرة وانما استعمل خيار المسلمين وصلحاءهم أمثال مالك الاشتر ومحمد بن أبي بكر وسهل بن حنيف وحبر الامة عبد الله بن عباس ونظرائهم من الذين توفرت فيهم الخبرة التامة في شؤون الحكم والادارة، وقد زودهم برسائل مهمة عرض فيها لشؤون الحكم وسياسة الدولة، كما حددت من صلاحياتهم ومسؤولياتهم، وكان من أروع تلك الوثائق السياسية عهده لمالك الاشتر

[ 419 ]

فقد حفل بتشريع ضخم لاصلاح الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو أرقي وثيقة سياسية تهدف إلى ارتقاء المجتمع، وتحقيق مصالحه، ولولا الخروج عن الموضوع لوضعنا بنوده موضع التحليل. مراقبة الولاة: وكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - يتفقد شؤون ولاته وعماله، ويرسل العيون لتحري أعمالهم فان رأى منهم خيانة أو تقصيرا في واجبات أحد منهم عزله وأنزل به أقصى العقوبات، وقد بلغه ان ابن هرمة قد خان سوق الاهواز فكتب إلى عامله: " إذا قرأت كتابي فنح ابن هرمة عن السوق وأوقفه للناس، واسجنه وناد عليه، واكتب إلى أهل عملك تعلمهم رأيي فيه، ولا تأخذك فيه غفلة ولا تفريط فتهلك عند الله، وأعزلك أخبث عزلة - واعيذك منه - فإذا كان يوم الجمعة فاخرجه من السجن، واضربه خمسة وثلاثين سوطا، وطف به إلى الاسواق، فمن أتى عليه بشاهد فحلفه مع شاهده، وادفع إليه من مكسبه ما شهد به عليه، ومر به إلى السجن مهانا مقبوحا منبوحا " (1). انها صرامة العدل التي تحسم الخيانة، وتقضي على الرشوة، ولا تدع أي مجال للسرقة من الشعب... وقد تحرى كل بادرة تصدر من ولاته وقد بلغه أن عامله على البصرة قد دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فكتب إليه يلومه على ذلك، وقد حاء في رسالته: " أما بعد: يابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبه فاسرعت إليها تستطاب لك الالوان، وتنقل اليك الجنان، وما ظننت انك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فانظر


(1) البحار 16 / 26. (*)

[ 420 ]

إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه " (1). ان الانسانية على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وابداع في أنظمة الحكم والادارة فانها لم تستطع أن تنشأ مثل هذا النظام الذي يدعو الموظف إلى الترفع ورفض كل دعوة توجه إليه خوفا من تركه للحق واستجابته لدواعي الخيانة والغرور. اقصاء الانتهازيين: ولم يقرب الامام أحدا من الانتهازيين الذين لا يخلصون للحق، وانما يسعون وراء اطماعهم ومصالحهم، ولا يفقهون المصالح العامة فانهم عون للسلطة على الباطل لا على العدل، وكان المجتمع الكوفي يضم طائفة كبيرة منهم كالاشعث، وعمرو بن حريث، وشبث بن ربعي وأمثالهم من الذين ضربت مصالحهم في عهد الامام، فاتصلوا بحكومة دمشق، وقاموا بدور العمالة لها، فراحوا يعقدون المؤامرات لافساد جيش الامام وشعبه مستهدفين من ذلك الاطاحة بحكومته... وقد كانوا - فيما يقول المؤرخون - قادة الجيش الذي اقترف أبشع جريمة في التاريخ، وهي قتل سيد الشهداء فقد أيقنوا انه إذا استتب له الامر فانه سيدمر مصالحهم فان سياسته انما هي امتداد لسياسة أبيه التي لا ظل فيها للخونة والمجرمين. ابعاد الطامعين: ويرى الامام ان الامارة وسيلة من وسائل الاصلاح الاجتماعي لا يجوز


(1) نهج البلاغة محمد عبده 3 / 78. (*)

[ 421 ]

أن تمنح إلا للمتحرجين في دينهم الذين لا يخضعون للرغبات والاهواء، ويجب ان تستغل لتحقيق ما ينفع الناس، فلا يجوز ان تمنح اثرة أو محاباة يقول (ع) في رسالته لقاضيه رفاعة بن شداد: " واعلم يا رفاعة ان هذه الامارة أمانة فمن جعلها خيانة فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة ومن استعمل خائنا فان محمدا (ص) برئ منه في الدنيا والآخرة " (1). وكان (ع) إذا شعر من أحد أن له ميلا أو هوى في الامارة فلا يرشحه لها لانه يتخذ الحكم وسيلة لتحقيق مآربه وأطماعه، ولما أعلن طلحة والزبير عن رغبتهما الملحة في الولاية امتنع عن اجابتهما، واستدعى عبد الله بن عباس فقال له: - بلغك قول الرجلين - يعني طلحة والزبير - - نعم أرى انهما احبا الولاية فول البصرة الزبير، وول طلحة الكوفة. فانكر عليه الامام رأيه، وقال له: " ويحك ! ! إن العراقين - أي البصرة والكوفة - بهما الرجال والاموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي... " (2). من أجل هذه النقاط الحساسة امتنع أن يوليهما على العراقين... ان الامارة وسائر المناصب في جهاز الدولة لا يجوز عند الامام ان تمنح إلا


(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 / 33. (2) الامامة والسياسة 1 / 52. (*)

[ 422 ]

للذوات الزكية التي تعمل لصالح الامة ولا تتخذ الحكم مغنما وسلما للثراء وسائر المنافع الشخصية الصراحة والصدق: والشئ البارز في سياسة الامام أمير المؤمنين (ع) هو التزام الصراحة والصدق في جميع شؤونه السياسية فلم يوارب، ولم يخادع، وانما سلك الطريق الواضح الذي لا التواء فيه وسار على منهاج ابن عمه رسول الله (ص) ولزم سمته وهديه، ومضى على طريقته، وواكب جميع خطواته، ولو أنه التزم بالاعراف السياسية التي تبيح وسائل الغدر والنفاق في سبيل الوصول إلى الحكم لما آلت الخلافة إلى عثمان، فقد ألح عليه عبد الرحمان بن عوف أن يبايعه شريطة أن يسير على سيرة الشيخين فامتنع من اجابته وصارحه أنه يسوس الامة على ضوء كتاب الله الذي وعاه، وعلى ضوء سنة الرسول صلى الله عليه وآله وليس غيرهما رصيد يعتمد عليه في عالم التشريع والسياسة في الاسلامو، ويقول (ع): " لو لا ان المكر والخداع في النار لكنت أمكر الناس ". لقد أبى ضميره الحي المترع بتقوى الله وطاعته ان يخادع أو يمكر في سبيل الوصول إلى الحكم الذي كان من أزهد الناس فيه، وكان كثيرا ما يتنفس الصعداء من الآلام المرهقة التي كان يعانيها من خصومة وهو يقول: " واويلاه، يمكرون بي، ويعلمون أني بمكرهم عالم، واعرف منهم بوجوه المكر، ولكني أعلم ان المكر والخديعة في النار فاصبر على مكرهم ولا ارتكب مثل ما ارتكبوا... " (1).


(1) جامع السعادات 1 / 202. (*)

[ 423 ]

وأنكر على من قال فيه: إنه لا دراية له بالشؤون السياسية، وان معاوية خبير بها، فقال (ع): " والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس " (1). وتحدث عليه السلام عن الوسائل المنكرة التي يعتمد عليها بعض الناس في سبيل الوصول إلى أهدافهم من الغدر وما شاكله من المكر والنفاق، وأنكر على الذين يبررون هذه الوسائل ويصفونها بحسن الحيلة فقال (ع): " ولا يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، مالهم قاتلهم الله ! ! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.. ". على هذا الخلق بنى الامام سياسته التي أضاءت في دنيا الاسلام، وكان السبب في خلوده، واعتزاز الانسانية به في جميع الاجيال والآباد. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا في سياسة الامام، وهي - من دون شك - تنشد الاهداف الاصيلة التي رفع شعارها الاسلام، ولكن لم يفقها ذلك الجيل الذي تعود على الاثرة، وتعود على الاستغلال فلذلك لم يكتب لها النجاح. مع الامام الحسين: وامتزجت عواطف الامام امير المؤمنين بعواطف ولده الحسين،


(1) نهج البلاغة 20 / 206. (*)

[ 424 ]

وتفاعلت روحه مع روحه حتى صار صورة فذة عنه تحكي واقعة وهديه. لقد أفاض الامام جميع ذاتياته في نفس ولده الحسين، ومنحه حبه واخلاصه، وزوده بأروع حكمه وآدابه، وقد بلغ من عظيم حبه أنه لم يسمح له بالدخول في عمليات الحروب أيام صفين كما لم يسمح لاخيه الحسن بذلك لئلا ينقطع بموتهما نسل رسول الله (ص)، وقد انطبعت مثل الامام وسائر اتجاهاته الفكرية في نفس الحسين فكان كأبيه في ثورته على الظلم والباطل، ومناهضته للبغي والجور، وتفانيه في سبيل الحق والعدل وتنبيه لجميع وسائل الاصلاح والخير. لقد كان كأبيه في بسالته وصموده، وعزة نفسه، وأبائه، وشممه وقد اعترف بهذه الظاهرة اعداؤه يوم الطف فانهم لما عرضوا عليه الاستسلام لابن مرجانة، والخضوع لارادته، قال بعضهم: إنه لا يستجيب لكم فان نفس أبيه بين جنبيه، لقد كانت نفس أبيه عملاق هذه الامة ورائدها الاعلى إلى العزة والكرامة ماثلة بجميع مظاهرها ومقوماتها في نفس الامام الحسين حتى كأنه لم يعد هناك تعدد في الوجود بين الاب وولده، فكانا معا من ألمع من تعتز بهما الانسانية في جميع الاجيال. اخبار الامام بمقتل الحسين: واشاع الامام بين الناس مقتل ولده الحسين، كما أشاع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أدلى الامام بذلك في كثير من المناسبات، وهذه بعضها: 1 - روى عبد الله بن يحيى (1) عن ابيه انه سافر مع علي إلى


(1) وفي الطبراني روى عبد الله بن نجي. (*)

[ 425 ]

صفين، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذوا نينوى، تأثر الامام، ورفع صوته قائلا: " صبرا أبا عبد الله، صبرا أبا عبد الله، بشط الفرات ! ". فذهل يحيى، وانبرى يقول: " من ذا أبو عبد الله ؟ ". فاجابه الامام وقلبه يتقطع الما وحزنا قائلا: " دخلت على رسول الله (ص) وعيناه تفيضان، فقلت يا نبي الله اغضبك أحد ؟ ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال: قام من عندي جبرئيل فحدثني ان الحسين يقتل بشط الفرات، وقال: هل لك أن أشمك من تربته ؟ قال: قلت: نعم فقبض قبضة فاعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا " (1). 2 - حدث هرثمة بن سليم قال: عزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين، فلما نزلنا بكربلا صلى بنا صلاة، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: " واها لك أيتها التربة، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب ". وبهر هرثمة. وظل حديث الامام يراوده في كل فترة، وكان منكرا له فلما رجع إلى زوجته جرداء بنت سمير، وكانت شيعة لعلي حدثها بما سمعه من الامام، فقالت له: " دعنا منك أيها الرجل فان أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا ". ولم تمض الايام حتى بعث ابن زياد بجيوشه لحرب ريحانة رسول الله وكان فيهم هرثمة فلما انتهى إلى كربلا ورأى الحسين واصحابه تذكر قول الامام أمير المؤمنين فكره حربه، وأقبل على الامام الحسين، وأخبره بما


(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 57 - 58، المعجم الكبير للطبراني رواه في ترجمته للامام الحسين. (*)

[ 426 ]

سمعه من أبيه، فقال له الامام: - معنا أنت أو علينا ؟ - لا معك، ولا عليك، تركت أهلي وولدي، وأخاف عليهم من ابن زياد. فنصحه الامام، وقال له: " ول هاربا حتى لا ترى لنا مقتلا، فوالذي نفس محمد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل، ولا يغيثنا إلا أدخله الله النار.. ". وانهزم هرثمة من كربلا ولم يشهد مقتل الامام الحسين (1). 3 - وروى أبو جعفة قال: جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله وأنا أسمع، فقال: حديث حدثتنيه عن علي بن أبي طالب قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى علي فاتيته بكربلا فوجدته يشير بيده ويقول: " هاهنا، هاهنا ". فبدر إليه رجل فقال له: " ما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ ". قال (ع): " ثقل لآل محمد ينزل هاهنا فويل لهم منكم، وويل لكم منهم ". ولم يعرف الرجل معنى كلامه، فقال: " ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ ! ! ". فقال (ع): " ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار " (2). 4 - روى الحسن بن كثير عن أبيه أن عليا أتى كربلاء فوقف بها فقيل له:


(1) وقعة صفين (ص 157) نهج البلاغة 3 / 170. (2) وقعة صفين (ص 158). (*)

[ 427 ]

" يا أمير المؤمنين هذه كربلاء ". فأجاب والالم يحز في نفسه قائلا: " ذات كرب وبلاء، ثم أومأ بيده إلى مكان فقال: هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم، وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال: هاهنا مهراق دمائهم " (1). 5 - روى أبو هريمة قال: كنت مع علي بنهر كربلا فمر بشجرة تحتها بعر غزلان فأخذ من التراب قبضة فشمها، ثم قال: " يحشر من هذا الظهر سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب " (2). 6 - روى أبو خيرة قال: صحبت عليا حتى أتى الكوفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: - كيف أنتم إذا نزل بذرية نبيكم بين ظهرانيكم ؟ - إذا نبلي الله فيهم بلاءا حسنا. فأجابهم الامام: " والذي نفسي بيده لينزلن بين ظهرانيكم، ولتخرجن إليهم فلتقتلنهم ثم أقبل يقول: هم أوردوه بالغرور وغردوا * اجيبوا دعاه لا نجاة ولا عذرا (3) 7 - روى الطبراني بسنده عن علي انه قال: " ليقتلن الحسين، واني لاعرف التربة التي يقتل فيها بين النهرين " (4). 8 - روى ثابت عن سويد بن غفلة أن عليا (ع) خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره، فقال:


(1) وقعة صفين (ص 158)، نهج البلاغة 3 / 169. (2) مجمع الزوائد 9 / 191. (3) مجمع الزوائد 9 / 191 مجمع الكبير للطبراني. (4) مجمع الزوائد 9 / 190 معجم الكبير للطبراني. (*)

[ 428 ]

يا أمير المؤمنين إني مررت بوادي القرى، فوجدت خالد بن عرفطة قد مات، فاستغفر له فقال (ع): " والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حمار ". فقام إليه رجل ورفع عقيرته قائلا: " يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمار، واني لك شيعة ومحب ". فقال الامام: " أنت حبيب بن حمار ؟ ". " نعم ". وكرر الامام قوله: " أنت حبيب " وهو يقول: نعم، فقال (ع): " اي والله إنك لحاملها، ولتحملنها، ولتدخلن من هذا الباب - واشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة -.. ". قال ثابت: والله ما مت حتى رأيت ابن زياد، وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب ابن حمار صاحب رايته فدخل بها من باب الفيل (1). 9 - وخطب الامام أمير المؤمنين فكان من جملة خطابه: " سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة، أو تهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها، ولو شئت لاخبرت كل واحد منكم بمخرجه ومدخله، وجميع شأنه " فانبرى إليه الوغد الخبيث تميم بن اسامة التميمي فقال ساخرا ومستهزءا: " كم في رأسي طاقة شعر ؟.. ". فرمقه الامام بطرفه وقال له:


(1) شرح النهج 2 / 286. (*)

[ 429 ]

" أما والله إني لاعلم ذلك، ولكن أين برهانه لو اخبرتك به: ولقد اخبرتك بقيامك ومقالك، وقيل لي: إن على كل شعرة من شعر رأسك ملكا يلعنك، وشيطانا يستفزك، وآية ذلك أن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (ص)، ويحض على قتله... ". يقول ابن أبي الحديد: " فكان الامر بموجب ما أخبر به عليه السلام كان ابنه حصين - بالصاد المهملة - يومئذ طفلا صغيرا يرضع اللبن، ثم عاش إلى ان صار على شرطة عبيدالله بن زياد، وأخرجه عبيدالله إلى عمرو بن سعد يأمره بمناجزة الحسين ويتوعده على لسانه إن أرجأ ذلك، فقتل (ع) صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته " (1). 10 - قال (ع) للبراء بن عازب: " يا براء أيقتل الحسين وأنت حي فلا تنصره ؟ ! " فقال البراء: لا كان ذلك يا أمير المؤمنين، ولما قتل الحسين ندم البراء وتذكر مقالة الامام أمير المؤمنين فكان يقول: " إعظم بها حسرة إذ لم أشهده وأقتل دونه " (2). 11 - قال أمير المؤمنين: " كأني بالقصور وقد شيدت حول قبر الحسين (ع) وكأني بالاسواق وقد حفت حول قبره، ولا تذهب الايام الحسين (ع) وكأني بالاسواق وقد حفت حول قبره، ولا تذهب الايام والليالي حتى يسار إليه من الآفاق، وذلك بعد انقطاع بني مروان " (3). وتحقق ما أخبر به الامام أمير المؤمنين (ع) الذي هو باب مدينة علم النبي (ص) ومستودع أسراره وحكمته، فانه لم تكد تنقرض الدولة الاموية حتى ظهر مرقد ريحانة رسول الله (ص) وأصبح حرم الله الاكبر الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين، وتتلهف على زيارته ملايين المسلمين، وتشد


(1) شرح النهج 10 / 14. (2) شرح النهج 10 / 15. (3) مسند الامام زيد (ص 47). (*)

[ 430 ]

إليه الرحال من كل فج عميق، فالسعيد السعيد الذي يحضى بالتبرك بزيارته ويلثم أعتاب مرقده. لقد أصبح مرقده العظيم عند المسلمين وغيرهم رمزا للكرامة الانسانية ومنارا مشرقا لكل تضحية تقوم على الحق والعدل، وعنوانا فذا لاقدس ما يشرف به هذا الحي من بين سائر الاحياء في جميع الاعصار والآباد. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحلقة الاولى من هذا الكتاب، ونستقبل الامام الحسين (ع) في الحلقة الثانية وهي تعرض للاحداث الرهيبة التي منيت بها الخلافة الاسلامية في عهد الامام علي (ع)، والتي امتحن بها المسلمون امتحانا عسيرا، فقد ادت إلى خذلانه، واجبار الامام الحسن على التنازل عن الخلافة وتسلط الطغمة الاموية على رقاب المسلمين، واخضاعهم للذل، وارغامهم على ما يكرهون، وتدميرهم للقيم العليا التي جاء هذا الدين ليقيمها في ربوع الارض.

مكتبة شبكة أمل الثقافية