كلمات الإمام الحسين (ع)- الشيخ الشريفي
كلمات الإمام الحسين (ع)
الشيخ الشريفي
[1]
موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام اعداد لجنة الحديث: محمود شريفي - سيد حسين زينا لي محمود احمديان - سيد محمود مدني معهد تحقيقات باقر العلوم عليه السلام منظمة الاعلام الاسلامي دار المعروف للطباعة والنشر
[2]
The Encyclopedia Of Imam Hussein , Words: Compiled by Hadith Group Bagherol - Olum Research Center Islamic Propagation Organiztion بسمع تعالى وقد صدرت يمساعدة ثلث المرحوم الحاج محمد المندبي غفر الله له باشراف وصيه الحاج علي زاير حسن صفر. نشر معروف الكتاب: موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام المؤلف: معهد تحقيقات باقر العلوم عليه السلام - منظمة الاعلام الاسلامي صف الحروف: كامبيو تايب
المطبعة: مطبع دانش، قم - ايران الطبعة الاولى: شعبان المعظم 1415 - دى 1373 - 1995 jan الطبعة الثانية: ذي الحجة الحرام 1415 - اردبيهشت 1374 - 1995 MAY الطبعة الثالثة: جمادي الاولى 1416 - مهر 1374 - 1995. Sep عدد النسخ: 3000 نسخة الناشر: دار المعروف - قم - ص. ب 158 - 37165 قم - شارع ساحلي - رقم 680 - هاتف 36165
[3]
بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة: لقد اضاء شعاع نور الوحي افق حياة البشر منذ اليوم الاول، وتكفل الانبياء والرسل الالهيون هداية القافلة البشرية واحدا تلو الاخر، رسول الاسلام الكريم هو آخر السفراء الربانيين، والذي قام بأبلاغ اكمل رسالة الهية الى الانسانية. وبذل جميع جهوده منذ البعثة وحتى التحاقه بالرفيق الاعلى رغم الموانع والمشكلات التي واجهها. ولم يقصر في التبيين والتفسير والسعي لتطبيق احكام الله. لكن قصر الفترة وكثرة المشاكل وانشغاله بأمور الامة، حال دون بيانه لجميع المعارف الالهية والاحكام الشرعية والاخلاق الاسلامية في فترة الثلاثة والعشرين سنة القصيرة. فالقسم الاعظم في حياة رسول الرحمة الثمينة صرف الجهاد السرى العلنى ضد الكفار والمشركين وفي الحصار الاقتصادي والعسكري الذي فرضه الاعداء عليه وفي مواجهة دسائس اليهود والمنافقين.
لكن دين الله واحكام السماء لم تترك ناقصة وغير مكتملة، فالرسول الاكرم صلى الله عليه وآله اختار واعلن عن اوصياء جديرين بأمر من الله لتبيين وتفسير اجراء الرسالة.
[4]
ولقد اكدو شدد مرارا على دور (الثقلين) و (اهل البيت) و (العترة) وعلى شخص الامام على والامام الحسن والامام الحسين عليهم السلام في حفظ الدين و صيانته وهداية الامة ونجاتها، وهذا ماروته جميع الفرق الاسلامية. (1) لكن وللاسف الشديد ظلم اهل بيت النبي الذين كانوا مفسرين للقرآن و موضحين لكلام الرسول صلى الله عليه وآله كما ان السياسات الجاهلية حرمت الناس من الرجوع الى العترة عليهم السلام ومما ضاعف من حرمان الامة وفتح الباب أمام التحريف والجعل في احاديث رسول الله صلى الله عليه وآله هو تحريم كتابة الاحاديث لفترة طويلة من صدر الاسلام وابعاد وتعذيب وارعاب رواتها. طبعا كان هناك من الواعين المضحين من تمسك بالعروة الالهية الوثقى و جلس في ساحة العترة المطهرة عليهم السلام ونهل من زلال حديثها المتدفق على رغم من كل التهديد والتطميع. هذه الفئة ورغم قلة عددها، الا انها استطاعت وبأمانتها وجهدها وصدقها، كتابة روايات الرسول صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام من طريق اهل البيت واورثوها للذين جاءوا بعدهم، بالشكل الذي اصبح فيه (علم الحديث) علما واسعا له اصوله وفروعه واحكامه وابعاده المتنوعة واخذ العلماء الكبار في كل بقعة من العالم الاسلامي يدونون ويشرحون ويبوبون و يملون الاحاديث. وقام البعض بتدوين جوامع الحديث دون مراعاة ترتيب وتنظيم الاحاديث فكتبوها و (املوها) على مستمعي الحديث، مثل امالي الشيخ المفيد و
امالي الشيخ الطوسى و... فيما قام البعض بجمع مجموعات من الاحاديث على
(1) - راجع في ذلك: 1 - احقاق الحق، للقاضي نور الله التستري. 2 - عبقات الانوار، لمير حامد حسين الهندي. 3 - الغدير، للعلامة عبد الحسين الاميني. 4 - المراجعات، للسيد شرف الدين العاملي.
[5]
اساس المواضيع محدوده في اصول الدين وفروعه أو بدمج الفروع والاصول معا أو الاداب والاخلاق، كما قام آخرون بجمع الاحاديث على اساس ترتيب الحروف (الحرف الاول في الحديث) وقام آخرون بتنظيم هذه الدرر السماوية على اساس اول سلسلة رواتها. ومن المجموعات الحديثية التي ظهرت لحد الان على اساس من صدر عنه الاحاديث والتي جمعت خلالها كلمات سيد شباب اهل الجنة وسفينة نجاة الامة الامام ابا عبد الله الحسين عليه السلام القيمة والنابضة بالحياة، نذكر الكتب التالية: 1 - بلاغة الحسين عليه السلام، السيد مصطفى آل اعتماد. 2 - نهج الشهادة، فرزانه. 3 - خطب الامام الحسين من المدينة حتى كربلاء، صادق النجمي. 4 - من كلمات الحسين، ام محمد حسين الشيرازي. 5 - ديوان الحسين بن على، محمد عبد الرحيم. 6 - ادب الحسين وحماسته، احمد الصابري الهمداني. 7 - صحيفه الحسينية، شهرستانى. في هذه المجموعات بذل المؤلفون المحترمون جهودا كبيرة واوجدوا آثار مفيده لكن وعلى الرغم من قيمة الاعمال المنجزة، لم تبذل جهود كافية
لجمع كل الاحاديث، فاكتفوا بنقل وترجمة بعض احاديث ذلك الامام الجليل عليه السلام. وفي عصر الثورة الاسلامية التي قادها الامام الخمينى (قدس سره) والتي انبثقت وانتصرت ملهمة من خط ملحمة عاشوراء الدامي، يتضح جليا ضرورة جمع كل كلام واحاديث ذلك الامام العظيم وايقاد ذلك المشعل الوضاء المنسي. وأثر ادراك هذه الحقيقة، قرر (معهد تحقيقات باقر العلوم عليه السلام) التابع
[6]
لمنظمة الاعلام الاسلامي، انجاز هذا المهم بوضع مجموعة كاملة من احاديث و خطب الامام الحسين عليه السلام تحت تصرف العلماء والمبلغين والمصلحين الاجتماعيين وعامة محبي ساحة الحسين المقدسة، ولهذا الغرض تم تأسيس قسم الحديث في المعهد والذي ضم في عضويته السادة: محمود الشريفي والسيد حسين زينالى التيلي ومحمود احمديان والسيد محمود المدنى وعلى مدى ما يقرب ثلاث سنوات من العمل والجهد المتواصل استطاعوا تأليف هذا الكتاب الذي نقدمه بين يدي الباحثين. نأمل ان يكون هذا الاثر مورد قبول ريحانة رسول الله وشعاعا من مصباح الهداية الحسينية على طريق الامة الاسلامية. اهداف هذا الكتاب 1 - الامام ابا عبد الله الحسين عليه السلام له شأن ومقام رفيع واعتبار اجتماعي و قداسة دينيه، عند جميع الفرق الاسلامية، وكلماته وسيرته وطريقه الواضح برهان قاطع وحجة معتبرة عند الجميع ويمكن الاخذ به كدرس للحياة واسلوب في الثورة والمواجهة. 2 - الهدف الثاني من جمع المجموعة من الاحاديث، هو تفسير وتبيين
احداث ووقائع صدر الاسلام بشكل صحيح لان العصر الذي عاشه الامام الحسين عليه السلام من اهم واعجب عصور التاريخ الاسلامي. فقد رأى الامام عليه السلام رسول الله وشهد احداث ووقائع عصر الخلفاء المؤلمة والمظلمة وكان في زمن خلافة امير المؤمنين على عليه السلام وأخيه المجتبى من الوجوه المحبوبة، عند رسول الله والامام والامة. وكلامه عليه السلام مرآة للحلو والمر من احداث ووقائع تلك الفترة ودليل على مواقف احد ابرز الوجوه الاسلامية في
[7]
قضايا عصره. 3 - مع ان يد التحريف طالت نحو احاديث جميع الائمة المعصومين عليهم السلام و حتى احاديث الرسول الاكرم، للحد الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ينين من اكاذيب جملة الاحاديث. (1) لكن هذه المصيبة اعمق واوسع فيما يتعلق بكلام ووقائع حياة الامام الحسين عليه السلام وحادثة كربلاء المفجعة، وجمع كلام ذلك الامام العظيم بشكل دقيق وموثق، له افضل الاثر في رفع التحريف وتشخيص الحسن من غيره. 4 - لم يكتفى المجرمون الامويين بقتل الامام الحسين عليه السلام وصحبه الكرام وسبى اهل بيته، وانما سعوا الى محو جميع آثار وذكر سيد الشهداء عليه السلام بشكل نجد في بعض جوامع الاحاديث مئأت الروايات عن اشخاص لم يصحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله الا عدة اشهر ونقلوا عشرات الفتارى عن اشخاص لا يقاسون بالامام عليه السلام من أي حيث، في حين اننا لا نشاهد ذكرا وخبرا عن روايات و احاديث الامام الحسين عليه السلام وفتاواه في العديد من المصادر الحديثية. لهذا فأن جمع كلام امام الابرار ذلك، هو يسعى لمواجهة سياسة العار الاموية وخطوة نحو نقل ونشر الثقافة والافكار الحسينية المقدسة.
5 - لثورة الامام العظيمة والتاريخية ابعاد مختلفة كما انها كانت موضع اهتمام من عدة جوانب فكل من نظر إليها رأى قسما من الحقيقة على اساس معتقدة وزاويته التي يتظر من خلالها، فظهرت اختلافات كثيرة في تفسيرها و تحليلها، وتقديم درر كلام صاحب تلك الثورة والانتفاضة العظيمة بدقة وبشكل صحيح افضل وسيلة لتفسير وتحليل ملحمة العزة والحرية.
(1) نهج البلاغة 23.
[8]
اسلوب العمل: من اجل الحصول على مجموعة كاملة من كلام سيد الشهداء عليه السلام، تم و خلال عدة جلسات تنظيم فهرس للكتب والمصادر التي كنا نظن بأشتمالها على كلام ذلك الامام الجليل، وقد نظرنا في تنظيمه، مصادر الحديث والتاريخ و التفسير والفقه عند الشيعة والسنة، وفي هذه المرحلة من العمل، استفدنا من نصائح وخبرات بعض الباحثين والعلماء وبعض مراكز الابحاث. وبعد اختيار الكتب وتقسيمها بين اعضاء القسم، بدأت دراسة المصادر المذكورة بدقة متناهية، وفي بعض الاحيان استفدنا من البرامج الكامبيوترية الحديثية التى أعدها (مركز المعجم الفقهى) التابع للمؤسسة آية الله الگلبايگاني (قدس سره) و (مجمع نشر الحديث) وهنا نشكر مسؤولي المركزين المذكورين وكذلك السيدين عبد الله الصالحي الذى ساعدنا في مرحلة جمع الاحاديث والشيخ محمد الحسون، الذى ساعدنا في التصحيح والتعريب وبذلا جهودهما في هذين المجالين. بعد ذلك كتبت جميع الاحاديث المنسوبة للامام والتي شملت: اقواله، و افعاله وسيرته العملية التي ضمنت احكاما أو معارف دينية في اوراق خاصة، ثم و
على مدى عدة جلسات تمت قراءة ومقابلة وتنظيم الاحاديث المستخرجة، من قبل اعضاء القسم، وتم استنساخ الكتب نفسها عند آخر تنظيم، من اجل الحيلولة دون الخطأ أو السقطات. وبعد الانتهاء من عملية الجمع، ثم التشاور حول اسلوب التنظيم والتبويب، وقد لاقى التنظيم والترتيب الحالي استحسان العديد من العلماء الكبار و الباحثين. ومن أجل استفادة المهتمين نشير هنا الى محاور التنظيم النهائي:
[9]
ثم تنظيم الاحاديث التي حدد زمن صدورها والتي تعبر عن حدث ووضع تاريخي معين، بشكل تاريخي في الجزء الاول ضمن اربعة فصول، هي: الفصل الاول - كلام الامام عليه السلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله. الفصل الثاني - كلام الامام عليه السلام في زمن الامام علي عليه السلام. الفصل الثالث - كلام الامام عليه السلام في زمن الامام الحسن عليه السلام. الفصل الرابع - كلام الامام عليه السلام في زمن امامته. فيما يتحوي الجزء الثاني من الكتاب، الكلام الذي لم يحدد زمن صدوره، و يشمل خمسة فصول، هي: الفصل الاول - في العقائد. الفصل الثاني - في الاحكام. الفصل الثالث - في الاخلاق. الفصل الرابع - في الادعية. الفصل الخامس - في الاشعار المروية عنه عليه السلام. ولعدم تكرار الاحاديث أو تقطيعها، فأن روايات كل موضوع جاء في مكان واحد، وفي سائر الموارد، اكتفينا بذكر رقمها للرجوع إليها، وللدقة في
الاستفادة سنضع تحت تصرف الباحثين معجم ألفاظ بهذه المجموعة، على شكل مكتوب وكمبيوتري. وفي ترتيب الاحاديث جعلنا النصوص الكاملة والنسخ القديمة في البداية وذكرنا عناوين المصادر الاخرى في ذيلها، في حال مطابقتها لذلك أو اختلافها معه جزئيا بحيث لا يتغير المعنى، وفي الموارد التي يكون الاختلاف مع الاحاديث المنقولة جزءيا الا انه يغير المعنى، أشرنا الى سائر المصادر و التغييرات في الهوامش، وإذا كانت النصوص المنقولة تختلف كثيرا عن بعضها،
[10]
اعتبرناها حديثين وجئنا بهما على حدة، (طبيعي فأن معيار الاختلاف في النصوص المنقولة، هو كلام الامام نفسه، وليس الوقائع السابقة أو اللاحقة) قيمة المجموعة من حيث السند: سعى المؤلفون الى نقل الاحاديث كما هي في المصادر، ولم يغيروا فيها شيئا، مع احتمال خطأ الناسخين في بعض الموارد بشكل قوي، فالهدف هو جمع كل الكلام المنسوب الى الامام عليه السلام. رغم ان بعضها ضعيف أو مردود بعد التحقق و البحث فيها. (وقد تجاوزنا الموارد التي قطعنا فيها بجعلية الحديث). والروايات التي نسبت حينا للامام الحسين عليه السلام واحيانا اخرى الى سائر الائمة عليهم السلام نقلناها على أنها رواية مع ذكر مصدرها، وأشرنا الى أنهإ رويت عن باقى المعصومين عليهم السلام. والروايات المسندة جاءت كما هي في مصادرها الاساسية، وامتنعنا عن ذكر الكلمات التي سمعها اشخاص عنه عليه السلام في الرؤيا والمنام، اما الاحاديث التي نقلها الامام الحسين عليه السلام نفسه عن معصومين آخرين ولم يضف إليها شيئا لم نأت بها هنا.
بعض العبارات المنسوبة للامام عليه السلام وعلى الرغم من اشتهارها ومضامينها السامية لم نجدها في المصادر التي بحثنا فيها، من جملة ذلك: (ان الحياة عقيدة و جهاد) (1) و (ان كان دين محمد لم يستقم...) (2) والذى نرجوه من القراء الاعزاء، مساعدتنا في مثل هذه الموارد.
(1) ترجمة وتفسير نهج البلاغه ج 18 ص 118 لمحمد تقى الجعفري اعتبر هذه الجملة مصر ثان لشعر اوله هذا: قف دون رأيك في الحياة مجاهدا. (2) اعيان الشيعة ج 1، ص 581 اعتبر هذه الجمله لسان حال، فيما اعتبرها كتاب تراث كربلاء ص 86 شعرا للشيخ محسسن أبو الحب (المتوفى سنة 1305 ه).
[11]
فضائل الامام الحسين عليه السلام لم نهدف في هذا الكتاب الحديثى الى الكلام عن فضائل الامام عليه السلام أو نقل جميع وقائع وحوادث حياته الكريمة، لكن من اجل مزيد الاطلاع اوردنا معلومات مختصرة حول تاريخ حياة ذلك الامام العظيم وجانبا من فضائله و مناقبه. ولد الامام الحسين عليه السلام بالمدينة المنورة يوم الثلاثاء، الثالث من شهر شعبان، سنة ثلاث من الهجرة. وقيل يوم الخميس الخامس من شعبان سنة أربع من الهجرة. وجاءت به أمه فاطمة الزهراء سلام الله عليها إلى جده الرسول صلى الله عليه وآله، فاستبشر به وسماه حسينا، وعق عنه كبشا، وكان سلام الله عليه يشبه جده من صدره إلى رجليه، كما كان الامام الحسن عليه السلام يشبهه من صدره إلى رأسه. وقصد حضي الامامان الحسن والحسين عليهما السلام بعناية خاصة من جدهما، فكان يرعاهما أي رعاية ويتفقدهما كثيرا. وكتب السيرة والتاريخ طافحة بذلك،
ولا أظن أن هذا الامر يخفى على من له أدنى اطلاع على التاريخ الاسلامي. وأجمعت الكتب الحديثية عند الفريقين على أحاديث كثيرة وصلت إلى حد التواتر، قالها الرسول صلى الله عليه وآله في حقهما، منها: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (1). (اللهم اني احبهما فأحبهما وأحب من أحبهما). (2) (من أحب الحسن والحسين أجبته، ومن أجبته أحبه الله، ومن أحبه الله
(1) - المناقب لابن شهرآشوب 3: 394. (2) - المناقب لابن شهر آشوب 3: 382.
[12]
عز وجل أدخله الجنة. ومن أبغضهما أبغضته، ومككن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله خلده في النار (1). (إنهما ريحانتي في الدنيا) (2). (الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا) (3). واتصف الامام الحسين عليه السلام - وهو الامام المعصوم في رأينا - لصفات حميدة وأخلاق كريمة، يذكرها كل من ترجم له ووقف على حياته المباركة. فخلقه الكريم جلي واضح، فبالاضافة لما ظهر من خلقه في واقعة الطف، كان عليه السلام لا يواجه الناس بأخطائهم وهو يعلمهم ويبصرهم بشؤونهم، وقصة تعليمه - هو والامام الحسن عليهما السلام - الوضوء لذلك الشيخ الكبير الذي كان يجهل كيفيته، أشهر من الشمس. قال الله تبارك وتعالى في حديث اللوح (جعلت حسينا خازن وحيى و اكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة فهو افضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة جعلت كلمتي التامة معه والحجة البالغة عنده، بعترته أثيب واعاقب). (4) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (اما الحسين فإنه منى وهو إبنى وولدى وخير الخلق بعد أخيه وهو إمام
المسلمين ومولى المؤمنين وخليفة رب العالمين وغياث المستغيثين وكهف المستجيرين وحجة الله على خلقه اجمعين وهو سيد شباب أهل الجنة وباب نجاة الامة، أمره أمرى وطاعته طاعتي، فمن تبعه فإنه منى ومن عصاه فليس منى). (5)
(1) المناقب لابن شهر آشوب 3: 382. (2) العوالم 17: 37. (3) المناقب لابن شهر آشوب 3: 394. (4) كمال الدين 1: 310. (5) الامالى للصدوق 101.
[13]
وقال النبي صلى الله عليه وآله: (من أحب أن ينظر إلى أحب أهل الارض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين). (1) وعاش الامام الحسين عليه السلام عصورا مختلفة، وشاهد أحداثا كثيرة مرت عليه أثناء حياته، فشاهد وفاة جده وما جرى على أبيه بعد حادثة السقيفة، وما عانته امه الزهراء عليه السلام من اغتصاب حقها والاعتداء عليها، ثم شاهد ما عاناه والده الامام علي عليه السلام في أيام خلافته من المحن والمصائب، وشارك في كافة الحروب التي خاضها والده، وبعد وفاته رأى ما كابده الحسن عليه السلام من معاوية لعنه الله، والذي أدى ذلك الى صلحه معه. وبعد هلاك معاوية وأخذ البيعة زورا لولده الفاسق يزيد، كتب أهل العراق إلى الحسين عليه السلام: أن أقدم علينا، قد أينعت الثمار واخضر الجنان، إنما تقدم على جند لك مجندة. وعند ذلك وجد الامام عليه السلام أن التكليف الشرعي يحتم عليه الخروج إلى العراق، لوجود الناصر، فبعث مسلم بن عقيل إليهم، ثم خرج هو وأهل بيته على أثره، آملا في اقامة العدل وتطبيق حكم الله في الارض.
إلا أن القدر شاء أن يخون أهل الكوفة بمسلم بن عقيل، وينقضون عهودهم، فقتل مسلم رحمه الله تعالى، وحوصر الحسين عليه السلام مع أهل بيته وصحبه، ومنعوا من الماء، وطلبوا منه النزول على حكم ابن زياد، ثم مبايعة يزيد، فأبى أبو الأحرار ذلك صارخا: (هيهات منا الذلة)، أبوا هم إلا قتل الذرية الطاهرة، و كأنهم لم يسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وآله: (الحسن الحسين سيدا شباب أهل الجنة). فقتل أصحابه، ثم قتل أولاده وأهل بيته، ثم قتل هو سلام الله عليه، وسبين
(1) المناقب لابن شهر آشوب 4: 73.
[14]
عيالاته من بلد إلى بلد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. في الختام نطلب من الباحثين الاجلاء والقراء الكرام، ارسال ارشاداتهم ونصائحهم لاكمال هذا لاثر في الطبعات اللاحقة، على العنوان التالى: قم ص. ب 135 / 37185. (وما النصر الامن عند الله العزيز الحكيم) معهد تحقيقات باقر العلوم عليه السلام
[1]
الجزء الاول كلماته عليه السلام حسب التاريخ
[3]
بسم الله الرحمن الرحيم ولد الامام الحسين عليه السلام في يوم الثلاثاء، الثالث من شهر شعبان، سنه ثلاث من الهجرة، (1) وعاش خمسين سنة وخمسة أشهر، (2) واستشهد في يوم الجمعة (3) عاشر شهر محرم سنة احدى وستين من الهجرة، وكان لعمره الشريف أدوار
مختلفة، يمتاز كل دور، عن الاخر بمميزات. فقد عاش مع رسول الله صلى الله عليه وآله سبع سنين. وفي عهد أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثين سنة. وفي زمن أخيه الحسن عليه السلام عشر سنوات. وكانت مدة إمامته، عشر سنين وأشهرا. ولما كان المقصود في هذا الجزء بيان كلماته الشريفة حسب التاريخ لانذكر الوقائع التي وقعت في عمره الشريف إلا ما كان له فيها كلاما، ونذكر كلماته في فصول:
(1) - بحار الانوار 44: 200 وقيل: يوم الخميس سنة أربع من الهجرة، وقيل: آخر شهر ربيع الاول. (2) - بحار الانوار 44: 200. (3) - وقيل: يوم السبت، انظر بحار الانوار 45: 3.
[5]
الفصل الاول كلمات الامام الحسين عليه السلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
[7]
لما ولد الحسين عليه السلام استبشر به رسول الله صلى الله عليه وآله، وسماه حسينا، وعق و تصدق عنه، وكان يحبه حبا شديدا بحيث (كان الحسين يجيئ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد، فيتخطى الصفوف حتى يأتي النبي صلى الله عليه وآله فيركب ظهره، فيقوم رسول الله صلى الله عليه وآله وقد وضع يده على ظهر الحسين عليه السلام ويده الاخرى على ركبته حتى يفرغ من صلاته) (1) ومما يدل على حبه اياه: تكبير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكبيره عليه السلام
(1) - 1 - روى ابن المغازلي بسند يرفعه الى جابر، قال: كان الحسين بن على أبطا لسانه فصلى خلف النبي صلى الله عليه وآله في يوم عيد، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (الله أكبر) فقال الحسين عليه السلام: (الله أكبر) فسر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (الله أكبر) فقال الحسين عليه السلام: (الله أكبر) حتى كبر سبعا، فسكت الحسين، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قام في الثانية فقال: (الله أكبر) فقال الحسين: (الله أكبر) حتى كبر سبعا، فسكت الحسين، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله فسبب فاضل التكبير في العيدين ذلك (2) (2) - 2 - وروى الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة، وقد كان الحسين عليه السلام أبطأ عن الكلام، حتى تخوفوا أنه لا يتكلم وأن يكون به خرس، فخرج صلى الله عليه وآله به حاملا على عاتقه وصف الناس خلفه، فأقامه على
(1) كتاب سليم بن قيس 172. (2) احقاق الحق 11: 292.
[8]
يمينه، فافتتح رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة فكبر الحسين عليه السلام، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيره عاد فكبر وكبر الحسين عليه السلام، حتى كبر رسول الله صلى الله عليه وآله سبع تكبيرات، وكبر الحسين عليه السلام، فجرت السنة بذلك). (1) (3) - 3 - وروى الطوسي عن الحسين بن سعيد، عن النضر وفضالة، عن عبد الله بن سنان، عن حفص، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين بن علي عليهم السلام، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يحر (2). الحسين عليه السلام التكبير، ثم كبر رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يحر الحسين عليه السلام التكبير، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر ويعالج الحسين عليه السلام التكبير فلم يحر حتى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين عليه السلام التكبير في السابعة)، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (فصارت سنة). (3)
(4) - 4 - وروى الحر العاملي عن الصدوق، عن ابيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد مثله إلا أنه ترك ذكر حفص (4). (5) - 5 - روى محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله، عن زرارة، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: (ما كان يكبر النبي صلى الله عليه وآله في العيدين إلا تكبيرة واحدة، حتى ابطأ عليه لسان الحسين عليه السلام، فلما كان ذات يوم عيد ألبسته أمه عليها السلام وأرسلته مع جده، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فكبر الحسين عليه السلام حين كبر النبي صلى الله عليه وآله سبعا، ثم قام في الثانية فكبر النبي صلى الله عليه وآله، وكبر الحسين عليه السلام حين كبر خمسا، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله سنة،
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 305 حديث 917، وسائل الشيعة 4: 722 حديث 4. (2) لم يحر: لم يرجع ولم يرد. النهايه 1: 458. (3) التهذيب 2: 67 حديث 243، المناقب لابن شهر آشوب، 4، 74، بحار الانوار 2: 67، و 43: 307، العوالم 17: 42 و 70، وسائل الشيعة 4: 721 حديث 1. (4) وسائل الشيعة 4: 721 ذيل حديث 1.
[9]
وثبتت السنة إلى اليوم). (1) (كراماته عليه السلام في صغره) منها: حفظ الملك له (6) - 6 - روى المجلسي عن سلمان، قال: إهدى الى النبي صلى الله عليه وآله قطف من العنب في غير أو انه، فقال لي، (يا سلمان ائتينى بولدي الحسن والحسين ليأكلا معي من هذا العنب)، قال سلمان: فذهبت أطرق عليهما منزل امهما فلم أرهما، فجئت فخبرت النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقام في طلبهما، فلم يجدهما، فاضطرب النبي صلى الله عليه وآله ووثب قائما وهو يقول: (واولداه واقرة عيناه، من يرشدني على ولدي فله على الله الجنة)،
فنزل جبرئيل من السماء وقال: يا محمد علام هذا الانزعاج ؟ فقال صلى الله عليه وآله (على ولدي الحسن والحسين، فاني خائف عليهما من كيد اليهود). فقال جبرئيل: يا محمد بل خف عليهما من كيد المنافقين، فإن كيدهم أشد من كيد اليهود، اعلم يا محمد أن ابنيك الحسن والحسين نائمان في حديقة بني الدحداح، فسار النبي صلى الله عليه وآله من وقته وساعته إلى الحديقة وأنا معه حتى دخلنا الحديقة، وإذاهما نائمان قد اعتنق أحدهما الاخر، وثعبان في فيه طاقة ريحان يروح بها وجهيهما، فلما رأى الثعبان النبي صلى الله عليه وآله القى ما كان في فيه فقال: السلام عليك يا رسول الله، لست أنا ثعبان، ولكني ملك من ملائكة الكروبيين، غفلت عن ذكر ربي طرفة عين، فغضب علي ربى ومسخني ثعبانا كما ترى، وطردني من السماء إلى الارض، ولي منذ سنين كثيرة أقصد كريما على الله فأسئله أن يشفع لي عند ربي، عسى أن يرحمنى ويعيدني ملكا كما كنت أولا إنه على كل شيئ قدير.
(1) التهذيب 3: 855 وسائل الشيعة 108 5 حديث 15 وفيه محمد بن عبد الله بن رزاره
[10]
قال: فجاء النبي صلى الله عليه وآله إلى ولديه يقبلهما حتى استيقظا، فجلسا على ركبتي النبي صلى الله عليه وآله فقال: لهما النبي (انظرا يا ولدي هذا ملك من ملائكة الله الكروبيين قد غفل عن ذكر ربه طرفة عين، فجعله الله هكذا، وأنا مستشفع بكما إلى الله تعالى فاشفعا له)، فوثب الحسن والحسين عليهم السلام فاسبغا الوضوء وصليا ركعتين وقالا: (اللهم بحق جدنا الجليل الحبيب محمد المصطفى، وبأبينا على المرتضى، وبامنا فاطمة الزهراء إلا ما رددته الى حالته الاولى)، فما استتم دعاؤهما فإذا بجبرئيل قد نزل من السماء في رهط من الملائكة وبشر ذلك الملك برضى الرب عنه وبرده إلى سيرته الاولى، ثم رفعوا به إلى السماء وهم يسبحون الله تعالى، ورجع
جبرئيل الى النبي صلى الله عليه وآله وهو متبسم، وقال: يا رسول الله إن ذلك الملك يفتخر على ملائكة السبع السماوات ويقول لهم: من مثلي وأنا في شفاعة السيدين السبطين، الحسن والحسين. (1) (7) - 7 - روي عن مولانا الصادق عليه السلام - ورواه أبو هريره وابن عباس أيضا -: (أن فاطمة عادت رسول الله عند مرضه الذي عوفي منه ومعها الحسن والحسين، فاقبلا يغمزان مما يليهما من يد رسول الله حتى اضطجعا على عضديه وناما، فلما انتبها خرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق، وقد أرخت السماء عز إليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور ويتحدثان حتى أتيا حديقة بني النجار، فاضطجعا وناما، فانتبه النبي صلى الله عليه وآله من نومه وطلبهما في منزل فاطمة فلم يكونا فيه، فقام على رجليه وهو يقول: الهي وسيدي ومولاي هذان شبلاي خرجا من المخمصة والمجاعة، اللهم أنت وكيلي عليهما، اللهم إن كانا أخذابرا أو بحرا فاحفظهما وسلمهما. فنزل جبرئيل وقال: إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك: لا تحزن ولا تغتم
(1) بحار الانوار 43: 313، العوالم 16: 66 حديث 4، معالى السبطين 1: 83
[11]
لهما، فإنهما فاضلان في الدنيا والاخرة وابوهما افضل منهما، هما نائمان في حديقة بنى النجار، وقد وكل الله بهما ملكا، فسطع للنبي نور، فلم يزل يمضي في ذلك النور حتى أتى حديقة بنى النجار، فإذا هما نائمان، والحسن معانق الحسين، وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق وهي تمطر كاشد مطر، وقد منع الله المطر منهما، وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام القصب، وجناحان، جناح قد غطت به الحسن، وجناح قد غطت به الحسين، فأنسابت الحية وهي تقول: اللهم اني اشهدك واشهد ملائكتك أن هذان شبلا نبيك قد حفظتهما عليه، ودفعتهما إليه سالمين
صحيحين. فمكث النبي يقبلهما حتى انتبها، فلما استيقظا حمل النبي الحسن، وحمل جبرئيل الحسين. فقال أبو بكر: ادفعهما إلينا فقد اثقلاك ! فقال: أما [ان] أحدهما على جناح جبرئيل، والاخر على جناح ميكائيل. فقال عمر: ادفع إلي أحدهما اخفف عنك ! فقال: امض فقد سمع الله كلامك وعرف مقامك. فقال أمير المؤمنين: ادفع إلى أحد شبلي وشبليك، فالتفت إلى الحسن فقال: يا حسن هل تمضي إلى كتف ابيك ؟ فقال: والله يا جداه إن كتفك لاحب الى من كتف أبى. ثم التفت إلى الحسين فقال: يا حسين تمضي الى كتف أبيك ؟ فقال: (أنا اقول كما قال أخي). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم المطية مطيتكما، ونعم الراكبان أنتما فلما أتى المسجد قال: والله يا حبيبي لاشرفنكما بما شرفكما الله، ثم امر مناديا ينادي في المدينة، فاجتمع الناس في المسجد، فقال يا معشر الناس ألا ادلكم على
[12]
خير الناس جدا وجدة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين، فإن جدهما محمد، وجدتهما خديجة. ثم قال: يا معشر الناس ألا أدلكم على خير الناس أما وابا، وهكذا عما وعمة، وخالا و خالة). (1) منها: حفظ الجن له عليه السلام
(8) - 8 - حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا على بن الحسين السعد آبادي، قال: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله الصادق، عن أبيه محمد بن علي الباقر، عن أبيه عليهما السلام، قال: (مرض النبي صلى الله عليه وآله المرضة التي عوفي منها، فعادته فاطمة سيدة النساء ومعها الحسن والحسين عليهما السلام، قد أخذت الحسن بيدها اليمنى، و أخذت الحسين بيدها اليسرى، وهما يمشيان، فاطمة بينهما حتى دخلوا منزل عائشة، فقعد الحسن عليه السلام على جانب رسول الله صلى الله عليه وآله الايمن، والحسين عليه السلام على جانب رسول الله صلى الله عليه وآله الايسر، فأقبلا يغمزان ما يليهما من بدن رسول الله صلى الله عليه وآله، فما أفاق النبي صلى الله عليه وآله من نومه. فقالت فاطمة للحسن والحسين: حبيبي إن جدكما قد غفا، فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتى يفيق وترجعان إليه. فقالا: لسنا ببارحين في وقتنا هذا، فاضطجع الحسن على عضد النبي الايمن، والحسين على عضده الايسر، فغفيا وانتبها قبل أن ينتبه النبي صلى الله عليه وآله، وقد كانت فاطمة عليها السلام لما ناما انصرفت إلى منزلها، فقالا لعائشة: (ما فعلت امنا) ؟
(1) المناقب لابن شهر آشوب 4: 26، بحار الانوار 37: 60 حديث 29.
[13]
قالت: لما نمتما رجعت إلى منزلها. فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق، وقد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى وهما يتماشيان ويتحدثان، حتى أتيا حديقة بني النجار، فلما بلغا الحديقة حارا فبقيا لا يعلمان أين يأخذان، فقال الحسن للحسين: إنا قد حرنا وبقينا على حالتنا هذه، وما ندري أين نسلك ؟ فلا عليك أن
ننام في وقتنا هذا حتى نصبح. فقال له الحسين عليه السلام: دونك يا أخي فافعل ما ترى، فاضطجعا جميعا واعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما. وانتبه النبي صلى الله عليه وآله عن نومته التي نامها، فطلبهما في منزل فاطمة فلم يكونا فيه وافتقدهما، فقام صلى الله عليه وآله قائما على رجليه، وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي هذان شبلاي خرجا من المخمصة والمجاعة، اللهم أنت وكيلي عليهما، فسطع للنبي صلى الله عليه وآله نور، فلم يزل يمضي في ذلك النور حتى أتى حديقة بني النجار، فإذا ههما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه، وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق، فهي تمطر كأشد مطر ما رآه الناس قط، وقد منع الله عزوجل المطر منهما في البقعة التي هما فيها نائمان لا يمطر عليهما قطرة، و قد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام القصب، وجناحان: جناح قد غطت به الحسن، وجناح قد غطت به الحسين. فلما أن بصر بهما النبي صلى الله عليه وآله تنحنح فانسابت الحية وهي تقول: اللهم إني اشهدك واشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه ودفعتهما إليه سالمين صحيحين. فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: أيتها الحية ممن أنت ؟ قالت: أنا رسول الجن إليك.
[14]
قال: وأى الجن ؟ قالت: جن نصيبين نفر من بني مليح، نسينا آية من كتاب الله عز وجل فبعثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله، فلما بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي: أيتها الحية هذان شبلان رسول الله فاحفظيهما من العاهات والافات، ومن طوارق الليل والنهار، فقد حفظتهما وسلمتهما إليك سالمين صحيحين، وأخذت
الحية الاية وانصرفت. فأخذ النبي صلى الله عليه وآله الحسن فوضعه على عاتقه الايمن، ووضع الحسين على عاتقه الايسر، وخرج على عليه السلام فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فقال له بعض أصحابه: بأبي أنت وأمي ادفع إلي أحد شبليك اخفف عنك، فقال: امض فقد سمع الله كلامك و عرف مقامك، وتلقاه آخر فقال: بأبي أنت وامي ادفع إلي أحد شبليك اخفف عنك، فقال: امض فقد سمع الله كلامك وعرف مقامك. فتلقاه على عليه السلام فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله ادفع إلى أحد شبلي و شبليك حتى اخفف عنك، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إلى الحسن فقال: يا حسن هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال له: والله يا جداه إن كتفك لأحب إلى من كتف أبي، ثم التفت إلى الحسين عليه السلام فقال: يا حسين هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال له: (والله يا جداه إني لاقول لك كما قال أخي الحسن، إن كتفك لأحب إلي من كتف أبي) فأقبل بهما إلى منزل فاطمة عليها السلام وقد ادخرت لهما تميرات فوضعتها بين أيديهما فأكلا وشبعا وفرحا. فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله: قوما الان فاصطرعا، فقاما ليصطرعا، وقد خرجت فاطمة في بعض حاجتها، فدخلت فسمعت النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: إيه يا حسن شد على الحسين فاصرعه.
[15]
فقالت له: يا أبه واعجباه أتشجع هذا على هذا ؟ تشجع الكبير على الصغير ؟ فقال لها: يا بنيه أما ترضين أن أقول أنا: يا حسن شد على الحسين فاصرعه، وهذا حبيبي جبرئيل يقول: يا حسين شد على الحسن فاصرعه.) (1) منها: حفظ الحيه له عليه السلام
(9) - 9 - روى ابن نما عن أخبار تأريخ البلاذرى: حدث محمد بن يزيد المبرد النحوي في اسناد ذكره قال: انصرف النبي صلى الله عليه وآله إلى منزل فاطمة فرآها قائمة خلف بابها، فقال: ما بال حبيبتي هاهنا ؟ فقالت: (ابناك خرجا غدوة وقد غبي علي خبرهما)، فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله يقفو آثارهما حتى صار إلى كهف جبل فوجدهما نائمين وحية مطوقة عند رأسهما، فأخذ حجرا وأهوى إليها فقالت: السلام عليك يارسول الله، والله ما نمت عند رأسهما إلا حراسة لهما. فدعا لها بخير، ثم حمل الحسن عليه السلام على كتفه اليمنى والحسين عليه السلام على كتفه اليسرى، فنزل جبرئيل فأخذ الحسين عليه السلام وحمله، فكانا بعد ذلك يفتخران فيقول الحسن: (حملني خير أهل الارض)، و يقول الحسين عليه السلام: (حملني خير أهل السماء). (2) منها: اتيان الغزالة خشفتها (3) له عليه السلام (10) - 10 - قال الطريحي: روى بعض الاخيار: أن أعرابيا أتى الرسول فقال له: يا رسول الله لقد صدت خشفة غزالة وأتيت بها إليك هدية لولديك الحسن والحسين عليهم السلام، فقبلها النبي صلى الله عليه وآله ودعا له بالخير، فإذا الحسن عليه السلام واقف عند جده فرغب
(1) امالي الصدوق 360 حديث 8 بحار الانوار 43: 266، العوالم 16، 81. (2) مثير الاحزان: 21، بحار الانوار 43، 316. (3) خشفه بكسر الخا وفتح الشين ولد الضبي أول ما يولد.
[16]
إليها فأعطاه إياها، فما مضى ساعة إلا والحسين قد أقبل ورأى الخشفة عند أخيه يلعب بها فقال: (يا أخي من أين لك هذه الخشفة) ؟ فقال الحسن عليه السلام أعطانيها جدي رسول الله صلى الله عليه وآله. فسار الحسين عليه السلام مسرعا إلى جده فقال: (يا أبة أعطيت أخي الخشفة
يلعب بها ولم تعطني مثلها)، وجعل يكرر القول على جده وهو ساكت لكنه يسلي خاطره ويلاطفه بشي، من الكلام، حتى أفضى من أمر الحسين عليه السلام إلى أن هم يبكي، فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد، فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول الله وتضربها بأحد أطرافها حتى أتت بها إلى النبي صلى الله عليه واله. ثم نطقت الغزالة بلسان فصيح، وقالت: يا رسول الله قد كانت لي خشفتان إحداهما صادها الصياد وأتى بها إليك، وبقيت [لي] هذه الاخرى، وأنا بها مسرورة، وإني كنت الان أرضعها، فسمعت قائلا يقول: أسرعي أسرعي يا غزالة بخشفك إلى النبي (1) وأوصليه سريعا، لان الحسين واقف بين يدي جده، وقد هم أن يبكي، والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة، ولو بكى الحسين لبكت الملائكة المقربون لبكائه وسمعت أيضا قائلا يقول: إسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خد الحسين، فإن لم تفعلي سلطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك، فأتيت بخشفي إليك يا رسول الله وقطعت مسافة بعيدة، لكن طويت الارض حتى أتيتك سريعة، وأنا أحمد الله ربي كيف جئتك قبل جريان دموع الحسين على خده، فارتفع التكبير والتهليل من الاصحاب، ودعا النبي صلى الله عليه وآله للغزالة بالخير والبركة، وأخذ الحسين الخشفة وأتى به إلى أمه الزهرا عليها السلام، فسرت
(1) الى هنا يوجد في العوالم 17: 386 ايضا.
[17]
بذلك سرورا عظيما. (1) منها: مجئ برقة من السماء للحسين عليه السلام (11) - 11 - عن أبي هريره، قال كان الحسين بن علي عليهما السلام عند النبي صلى الله عليه وآله وكان يحبه حبا شديدا فقال عليه السلام (اذهب إلى أمي) فقلت: أذهب معه، فجاءت برقة من
السماء فمشي في ضوئها حتي بلغ. (2) منها: اتيان رطب الجنة له عليه السلام (12) - 12 - قال المجلسي وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا: أنه روي مرسلا عن جماعة من الصحابة قالوا: دخل النبي صلى الله عليه وآله دار فاطمة عليها السلام فقال: (يا فاطمة إن أباك اليوم ضيفك). فقالت عليها السلام: (يا أبت إن الحسن والحسين يطالباني بشئ من الزاد فلم أجدلهما شيئا يقتاتان به)، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله دخل وجلس مع علي والحسن والحسين وفاطمة عليهما السلام، وفاطمة متحيرة ما تدري كيف تصنع، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى السماء ساعة وإذا بجبرئيل عليه السلام قد نزل، وقال: يا محمد العلي الاعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام، ويقول لك: قل لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أي شئ يشتهون من فواكه الجنة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي، ويا فاطمة، ويا حسن، ويا حسين، إن رب العزة علم أنكم جياع فأي شئ تشتهون من فواكه الجنة ؟ فأمسكوا عن الكلام ولم
(1) منتخب الطريحي: 123 وبحار الانوار 43: 312. (2) مجمع الزوائد 9: 186 تأريخ ابن عساكر (ترجمه الامام الحسين) 105 حديث 141 مع السند، وهو أخبرنا أبو بكر بن المرزقى أنبانا أبو الحسين الهاشمي، أنبأنا ابن عمر الحربي، أنبانا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، أنبأنا عبد الرحمن بن صالح، عن أبي هريره قال....
[18]
يردوا جوابا حياء من النبي صلى الله عليه وآله. فقال الحسين عليه السلام: (عن إذنك يا أباه يا أمير المؤمنين، وعن إذنك يا اماه يا سيدة نساء العالمين، وعن إذنك يا أخاه الحسن الزكي أختار لكم شيئا من فواكه الجنة).
فقالوا جميعا: (قل يا حسين ما شئت، فقد رضينا بما تختاره لنا). فقال: (يا رسول الله قل لجبرئيل إنا نشتهي رطبا جنيا). فقال النبي صلى الله عليه وآله: (قد علم الله ذلك) ثم قال: (يا فاطمة قومي وادخلي البيت واحضري إلينا ما فيه)، فدخلت فرأت فيه طبقا من البلور، مغطى بمنديل من السندس الاخضر، وفيه رطب جني في غير أوانه، فقال النبي: (يا فاطمة أنى لك هذا) ؟ قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (1) كما قالت مريم بنت عمران. فقام النبي صلى الله عليه وآله وتناوله وقدمه بين أيديهم، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم أخذ رطبة واحدة فوضعها في فم الحسين عليه السلام فقال: (هنيئا مريئا لك يا حسين)، ثم أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن عليه السلام وقال: (هنيئا مريئا يا حسن)، ثم أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزهراء عليها السلام وقال لها: (هنيئا مريئا لك يا فاطمة الزهراء)، ثم أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم علي عليه السلام وقال: (هنيئا مريئا لك يا على). ثم ناول عليا عليه السلام رطبة اخرى والنبي صلى الله عليه وآله يقول له: (هنيئا مريئا لك يا علي)، ثم وثب النبي صلى الله عليه وآله قائما ثم جلس، ثم أكلوا جميعا عن ذلك الرطب، فلما اكتفوا وشبعوا، ارتفعت المائدة إلى السماء بإذن الله تعالى.
(1) آل عمران: 37.
[19]
فقالت فاطمة عليها السلام: (يا أبه ! لقد رأيت اليوم منك عجبا)، فقال: (يا فاطمة أما الرطبة الاولى التي وضعتها في فم الحسين وقلت له: هنيئا يا حسين، فاني سمعت ميكائيل وإسرافيل يقولان: هنيئا لك يا حسين، فقلت أيضا موافقا لهما في
القول، ثم أخذت الثانية فوضعتها في فم الحسن، فسمعت جبرئيل وميكائيل يقولان: هنيئا لك يا حسن، فقلت: أنا موافقا لهما في القول، ثم أخذت الثالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان وهن يقلن: هنيئا لك يا فاطمة، فقلت موافقا لهن بالقول. ولما أخذت الرابعة فوضعتها في فم علي سمعت النداء من [قبل] الحق سبحانه وتعالى يقول: هنيئا مريئا لك يا علي، فقلت موافقا لقول الله عز وجل، ثم ناولت عليا رطبة اخرى ثم اخرى، وأنا اسمع صوت الحق سبحانه وتعالى يقول: هنيئا مريئا لك يا علي، ثم قمت إجلالا لرب العزة جل جلاله، فسمعته يقول: يا محمد وعزتي وجلالي، لوناولت عليا من هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت له: هنيئا مريئا بغير انقطاع). (1) (13) - 13 - عن أبي الحسنن عامر بن عبد الله، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام عن آبائه، عن الحسين عليه السلام، قال: (دخلت مع الحسن عليه السلام على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده جبرئيل عليه السلام في صورة دحية الكلبى، وكان دحية إذا قدم من الشام على رسول الله صلى الله عليه وآله حمل لي ولأخي خرنوبا ونبقا وتينا، فشبهناه بدحية بن خليفة الكلبى، وإن دحية كان يجعلنا نفتش كمه)، فقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله، ما يريدان ؟ قال: (إنهما شبهاك بدحية بن خليفة الكلبي، وإن دحية كان يحمل لهما إذا قدم من الشام نبقا وتينا وخرنوبا). قال: (فمد جبرئيل عليه السلام يده إلى الفردوس الاءعلى، فأخذ منه نبقا وخرنوبا
(1) بحار الانوار 43: 310 حديث 73، العوالم 16: 64.
[20]
وسفرجلا ورمانا فملاءنا به حجرنا). قال: (فخرجنا مستبشرين، فلقينا أبونا أمير المؤمنين على عليه السلام فنظر الى ثمرة لم ير مثلها في الدنيا، فأخذ من هذا، ومن هذا واحدا واحدا، ودخل على
رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يأكل فقال: (يا أبا الحسن، كل وادفع إلي أوفر نصيب، فإن جبرئيل عليه السلام أتى به آنفا). (2) منها: اتيان ثياب الجنة له عليه السلام (14) - 14 - روى الحر العاملي عن أبى عبد الله المفيد النيسابوري في أماليه، قال الرضا عليه السلام: (عرى الحسن والحسين عليهم السلام وادركهما العيد، فقالا لامهما: قد زينوا صبيان المدينة إلا نحن، فمالك لا تزينينا ؟ فقالت: ثيابكما عند الخياط، فإذا اتاني زينتكما، فلما كانت ليلة العيد أعادا القول لامهما، فبكت ورحمتهما فقالت لهما ما قالت في الاولى، فرد اعليها. فلما أخذ الظلام قرع الباب قارع، فقالت فاطمة: من هذا ؟ فقال: يا بنت رسول الله أنا الخياط قد جئت بالثياب، ففتحت الباب، فإذا برجل ومعه من لباس العيد، قالت فاطمة: والله ما رأيت رجلا أهيب شيمة منه، فناولها منديلا ثم انصرف، فدخلت فاطمة ففتحت المنديل فإذا فيه قميصان و دراعتان، وسراويلان، ورداء آن، وعمامتان، وخفان أسودان معقبان بحمرة، فايقظتهما، وألبستهما، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وهما مزينان فحملهما وقبلهما، وقال: رأيت الخياط ؟ قالت: نعم. قال: ما هو بخياط، إنما هو رضوان خازن الجنة.
(1) الثاقب في المناقب 312 حديث 261.
[21]
قالت: من أخبرك يا رسول الله ؟ قال: ما عرج حتى جائني جبرئيل فأخبرني بذلك). (1) (15) - 15 - قال المجلسي (ره): وروى في المراسيل: أن الحسن والحسين عليهما السلام كان
السلام كان عليهما ثياب خلق وقد قرب العيد، فقالا لامهما فاطمة عليها السلام: (ان بني فلان خيطت لهم الثياب الفاخرة أفلا تخيطين لنا ثيابا للعيد يا اماه) ؟ فقالت: (يخاط لكما إن شاء الله، فلما أن جاء العيد جاء جبرئيل بقميصين من حلل الجنة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما هذا يا أخي جبرئيل)، فأخبره بقول الحسن والحسين لفاطمة، وبقول فاطمة: (يخاط لكما إن شاء الله)، ثم قال جبرئيل: قال الله تعالى لما سمع قولها: لا نستحسن أن نكذب فاطمة بقولها: (يخاط لكما إن شاء الله). (2) (16) - 16 - وقال الطرحى: روى عن بعض الثقات الاخيار أن الحسن والحسين عليهم السلام دخلا يوم عيد على حجرة جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا: (يا جداه اليوم يوم العيد وقد تزين اولاد العرب بألوان اللباس ولبسوا جديد الثياب وليس لنا ثوب جديد وقد توجهنا لجنابك لنأخذ عيديتنا منك، ولا نريد سوى ثياب نلبسها). فتأمل النبي صلى الله عليه وآله إلى حالهما وبكى، ولم يكن عنده في البيت ثياب تليق بهما، ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما، فتوجه إلى الاحدية وعرض الحال على الحضرة الصمدية وقال: (إلهي أجبر قلبهما وقلب أمهما)، فنزل جبرئيل من السماء تلك الحال ومعه حلتان بيضاوتان من حلل الجنة، فسر النبي صلى الله عليه وآله وقال لهما: (يا سيدي شباب أهل الجنة هاكما أثوابكما خاطهما خياط القدرة على طولكما، أتتكما مخيطة من عالم الغيب.
(1) العوالم 16: 79 بحار الانوار 43: 289، أثبات الهداة 5: 163 حديث 44. (2) بحار الانوار 43: 75 حديث 62، العوالم 6: 91.
[22]
فلما رأيا الخلع بيضا قالا: (يا جداه كيف هذا وجميع صبيان العرب لابسون ألوان الثياب)، فأطرق النبي صلى الله عليه وآله ساعة متفكرا في أمرهما فقال جبرئيل: يا محمد
طب نفسا وقر عينا إن صابغ صبغة الله عزوجل يقضي لهما هذا الامر ويفرح قلوبهما بأي لون شاء، فأمر يا محمد بإحضار الطشت والابريق، فحضرا فقال جبرئيل: يا رسول الله أنا أصب الماء على هذه الخلع وأنت تفركهما بيدك فتصبغ بأي لون شاءا، فوضع النبي حلة الحسن في الطشت فأخذ جبرئيل يصب الماء، ثم أقبل النبي على الحسن وقال: (يا قرة عيني بأي لون تريد حلتك). فقال: (أريدها خضراء)، ففركها النبي صلى الله عليه وآله بيده في ذلك الماء فأخذت بقدرة الله لونا أخضر فابقا كالزبرجد الاخضر، فأخرجها النبي صلى الله عليه وآله وأعطاها للحسن فلبسها. ثم وضع حلة الحسين عليه السلام في الطشت وأخذ جبرئيل يصب الماء فالتفت النبي إلى نحو الحسين - وكان له من العمر خمس سنين - وقال له: (يا قرة عيني أي لون تريد حلتك). فقال الحسين عليه السلام: (يا جداه أريدها حمراء)، ففركها النبي بيده في ذلك الماء فصارت حمراء كالياقوت الاحمر، فلبسها الحسين فسر النبي صلى الله عليه وآله بذلك. وتوجه الحسن والحسين إلى أمهما فرحين مسرورين، فبكى جبرئيل لما شاهد تلك الحال، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (يا أخي في مثل هذا اليوم الذي فرح فيه ولداي تبكي وتحزن، فبالله عليك إلا ما أخبرتني) ؟ فقال جبرئيل: إعلم يا رسول الله أن اختيار إبنيك على اختلاف اللون فلا بد للحسن أن يسقوه السم ويخضرلون جسده من عظم السم، ولابد للحسين أن يقتلوه ويذبحوه ويخضب بدنه من دمه، فبكى النبي صلى الله عليه وآله وزاد حزنه لذلك. (1)
(1) - منتخب الطريحي: 121، بحار الانوار 44: 245.
[23]
منها: اطعامه عليه السلام من عند الله
(17) - 17 - روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة: يا فاطمة، قومي فأخرجي تلك الصحفة، فقامت فأخرجت صحفة فيها ثريد وعراق يفور، فأكل النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة والحسن و الحسين صلوات الله عليهم ثلاثة عشر يوما. ثم إن ام أيمن رأت الحسين معه شئ فقالت له: من اين لك هذا ؟ قال: إنا لنأكله منذ أيام، فأتت ام أيمن فاطمة عليها السلام فقالت: يا فاطمة إذا كان عند ام أيمن شئ فإنما هو لفاطمة ولولدها، وإذ كان عند فاطمة شئ فليس لام أيمن منه شئ ؟ ! فأخرجت لها منه، فأكلت منه ام أيمن ونفدت الصحفة. فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: أما لولا أنك أطعمتها لاكلت منها أنت وذريتك إلى أن تقوم الساعة). ثم قال أبو جعفر عليه السلام: (والصحفة عندنا يخرج بها قائمنا عليه السلام في زمانه). (1) منها: علامة الامامة (18) - 18 - المجلسي عن كتاب مقتضب الاثر لاحمد بن محمد بن عياش، عن سهل بن محمد الطر طوسي القاضي، قال: قدم علينا من الشام سنة أربعين وثلاثمائة عن زيد بن محمد الرهاوي، عن عمار بن مطر، عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبيدة بن عمرو السلماني، عن عبد الله بن خباب بن الارت، عن سلمان الفارسى والبراء بن عازب.
(1) - الكافي 1: 46 حديث 7، بحار الانوار 43: 63 حديث 55، العوالم 6: 96 حديث 19.
[24]
ومن طريق أصحابنا: حدثني علي بن حبشي بن قوني، عن جعفر بن محمد
الفزاري، عن الحسين المنقري، عن الحسن بن محبوب، عن الثمالي، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن خباب، عن سلمان والبراء قالا: قالت ام سليم: كنت امرأة قد قرأت التوراة والانجيل، فعرفت أوصياء الأنبياء، وأحببت أن أعلم وصى محمد صلى الله عليه وآله. فلما قدمت ركابنا المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفت الركاب مع الحي، فقلت: يا رسول الله ما من نبي إلا وكان له خليفتان: خليفة يموت قبله، وخليفة يبقى بعده، وكان خليفة موسى في حياته هارون عليه السلام فقبض قبل موسى، ثم كان وصيه بعد موته يوشع بن نون، وكان وصى عيسى عليه السلام في حياته كالب بن يوفنا (1) فتوفي كالب في حياة عيسى، ووصيه بعد وفاته شمعون بن حمون الصفا ابن عمة مريم، وقد نظرت في الكتب الأولى فما وجدت لك إلا وصيا واحدا في حياتك و بعد وفاتك، فبين لي بنفسي أنت يا رسول الله من وصيك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن لي وصيا واحدا في حياتي وبعد وفاتي). قلت له: من هو ؟ فقال: (ايتيني بحصاة فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه، ثم فركها بيده كسحيق الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ختمها بخاتمه، فبدا النقش فيها للناظرين، ثم أعطانيها وقال: (يا ام سليم من استطاع مثل هذا فهو وصيي). قالت: ثم قال لي: (يا ام سليم وصيي من يستغني بنفسه في جميع حالاته كما أنا مستغن)، فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ضرب بيده اليمنى إلى السقف و بيده اليسرى إلى الارض قائما لا ينحني في حالة واحدة إلى الأرض، ولا يرفع
(1) - والظاهران الصحيح كالب بن يوحنا.
[25]
نفسه بطرف قدميه. قالت: فخرجت فرأيت سلمان يكنف عليا ويلوذ بعقوته دون من سواه من اسرة محمد وصحابته على حداثة من سنه، فقلت في نفسي: هذا سلمان صاحب الكتب الاولى قبلي، صاحب الأوصياء، وعنده من العلم ما لم يبلغني فيوشك أن يكون صاحبي. فأتيت عليا عليه السلام فقلت: أنت وصى محمد صلى الله عليه وآله ؟ قال: (نعم، ما تريدين) ؟ قلت: وما علامة ذلك ؟ فقال: (ايتيني بحصاة). قالت: فرفعت إليه حصاة من الأرض فوضعها بين كفيه، ثم فركها بيده فجعلها كسحيق الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، ثم ختمها، فبدا النقش فيها للناظرين، ثم مشى نحو بيته فاتبعته لأسأله عن الذي صنع رسول الله صلى الله عليه وآله، فالتفت إلى ففعل مثل الذى فعله، فقلت: من وصيك يا أبا الحسن ؟ فقال: من يفعل مثل هذا. قالت ام سليم: فلقيت الحسن بن على عليهم السلام فقلت: أنت وصي أبيك هذا ؟ - و أنا أعجب من صغره وسؤالي إياه، مع أني كنت عرفت صفتهم الاثنى عشر إماما و أبوهم سيدهم وأفضلهم، فوجدت ذلك في الكتب الاولى -. فقال لي: (نعم، أنا وصي أبي). فقلت: وما علامة ذلك ؟ فقال: (ايتيني بحصاة). قالت: فرفعت إليه حصاة، فوضعها بين كفيه، ثم سحقها كسحيق الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، ثم ختمها، فبدأ النقش فيها ثم دفعها إلى، فقلت له:
[26]
فمن وصيك ؟ قال: (من يفعل مثل هذه الذي فعلت)، ثم مد يده اليمنى حتى جازت سطوح المدينة وهو قائم، ثم طأطأ يده اليسرى فضرب بها الأرض من غير أن ينحني أو يتصعد فقلت في نفسي، من يرى وصيه ؟ فخرجت من عنده فلقيت الحسين عليه السلام وكنت عرفت نعته من الكتب السالفة بصفته وتسعة من ولده أوصياء بصفاتهم، غير أنى أنكرت حليته لصغر سنه، فدنوت منه وهو على كسرة رحبة المسجد فقلت له: من أنت يا سيدي ؟ قال: (أنا طلبتك يا ام سليم أنا وصى الاءوصيآء، وأنا أبو التسعة الاءئمة الهادية وأنا وصى أخى الحسن، وأخي وصى أبى على، وعلي وصى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله). فعجبت من قوله، فقلت: ما علامة ذلك ؟ فقال: (ايتيني بحصاة) فرفعت إليه حصاة من الأرض ؟ قالت ام سليم: فلقد نظرت إليه وقد وضعها بين كفيه فجعلها كهيئة السحيق من الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء فختمها بخاتمه فثبت النقش فيها، ثم دفعها إلى وقال لي: (انظري فيها يا ام سليم، فهل ترين فيها شيئا) ؟. قالت ام سليم: فنظرت فإذا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى والحسن والحسين وتسعة أئمة صلوات الله عليهم أوصياء من ولد الحسين عليه السلام قد تواطئت أسماؤهم إلا اثنين منهم، أحدهما جعفر والاخر موسى، وهكذا قرأت في الانجيل. فعجبت وقلت في نفسي: قد أعطاني الله الدلائل ولم يعطها من كان قبلي، فقلت: يا سيدي أعد على علامة اخرى، قال: فتبسم وهو قاعد، ثم قام فمد يده اليمنى إلى السماء فوالله لكأنها عمود من نار تخرق الهواء حتى توارى عن عيني و
هو قائم لا يعبأ بذلك ولا يتحفز، فأسقطت وصعقت، فما أفقت إلا ورأيت في يده
[27]
طاقة من آس يضرب بها منخري. فقلت في نفسي: مااذا أقول له بعد هذا ؟ وقمت وأنا والله أجد إلى ساعتي رائحة هذه الطاقة من الاس، وهي والله عندي لم تذو ولم تذبل ولا انتقص من ريحها شئ، واوصيت أهلي أن يضعوها في كفني، فقلت: يا سيدي من وصيك ؟ قال: (من فعل مثل فعلي). قالت: فعشت إلى أيام على بن الحسين عليه السلام. قال زر بن حبيش خاصة دون غيره: وحدثني جماعة من التابعين سمعوا هذا الكلام من تمام حديثها، منهم مينا مولى عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن جبير مولى بني أسد سمعاها، تقول هذا. وحدثني سعيد بن المسيب المخزومي ببعضه عنها قالت: فجئت إلى على بن الحسين عليهم السلام وهو في منزل قائما يصلي، وكان يطول فيها ولا يتحوز فيها، و كان يصلى الف ركعة في اليوم والليلة، فجلست مليا فلم ينصرف من صلاته، فأردت القيام، فلما هممت به حانت مني التفاتة إلى خاتم في اصبعه عليه فص حبشي، فإذا هو مكتوب: مكانك يا ام سليم، آتيك بما جئت له. قالت: فأسرع في صلاته، فلما سلم قال لي: (يا ام سليم ايتيني بحصاة)، من غير أن أسأله عما جئت له، فدفعت إليه حصاة من الأرض، فأخذها فجعلها بين كفيه فجعلها كهيئة الدقيق، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء، ثم ختمها فثبت فيها النقش، فنظرت والله إلى القوم بأعيانهم كما كنت رأيتهم يوم الحسين، فقلت له: فمن وصيك جعلني الله فداك ؟ قال: (الذي يفعل مثل ما فعلت، ولا تدركين من بعدي مثلي).
قالت ام سليم: فأنسيت أن أسأله أن يفعل مثل ما كان قبله من رسول الله و على والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما خرجت من البيت ومشيت شوطا
[28]
ناداني: (يا ام سليم). قلت: لبيك. قال: (ارجعي)، فرجعت، فإذا هوا واقف في صرحة داره وسطا، ثم مشى فدخل البيت وهو يتبسم ثم قال: (اجلسي يا ام سليم)، فجلست فمد يده اليمنى فانخرقت الدور والحيطان وسكك المدينة وغابت يده عني، ثم قال: (خذي يا ام سليم). فنالني والله كيسا فيه دنانير وقرط من ذهب وفصوص كانت لى من جزع في حق لى في منزلي، فقلت: يا سيدي أما الحق فأعرفه، وأما ما فيه فلا أدري ما فيه غير أني أجدها ثقيلا. قال: (خذيها وامضي لسبيلك). قالت: فخرجت من عنده ودخلت منزلي وقصدت نحو الحق فلم أجد الحق في موضعه، فإذا الحق حقي قالت: فعرفتهم حق معرفتهم بالبصيرة والهداية فيهم من ذلك اليوم، والحمد لله رب العالمين. (1) منها: إخباره عن معاني اصوات الحيوانات [19] - 19 - سئل الحسين عليه السلام في حال صغره عن أصوات الحيوانات: لان من شرط الامام أن يكون عالما بجميع اللغات حتى اصوات الحيوانات، فقال: على ما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن الحسين عليه السلام أنه قال: (إذا صاح النسر فإنه يقول: يابن آدم عش ما شئت فآخره الموت. وإذا صاح البازي يقول: يا عالم الخفيات يا كاشف البليات.
(1) - بحار الأنوار 25: 185 حديث 6.
[29]
وإذا صاح الطاووس يقول: مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي. وإذا صاح الدراج يقول: الرحمن على العرش استوى. وإذا صاح الديك يقول: من عرف الله لم ينس ذكره. وإذا قرقرت الدجاجة تقول: يا إله الحق أنت الحق وقولك الحق يا الله يا حق. وإذا صاح الباشق (1) يقول: آمنت بالله واليوم الاخر. وإذا صاحت الحدأة (2) تقول: توكل على الله ترزق. وإذا صاح العقاب يقول: من أطاع الله لم يشق. وإذا صاح الشاهين يقول: سبحان الله حقا حقا. وإذا صاحت البومة تقول: البعد من الناس انس. وإذا صاح الغراب يقول: يا رازق ابعث بالرزق الحلال. وإذا صاح الكركي (3) يقول: اللهم احفظني من عدوي. وإذا صاح اللقلق يقول: من تخلى من الناس نجى من أذاهم. وإذا صاحت البطة تقول: غفرانك يا الله غفرانك. وإذا صاح الهدهد يقول: ما أشقى من عصى الله ! وإذا صاح القمري (4) يقول: يا عالم السر والنجوى يا الله. وإذا صاح الدبسي (5) يقول: (أنت الله لا إله سواك يا الله). وإذا صاح العقعق (6) يقول: سبحان من لا يخفى عليه خافية. وإذا صاح الببغاء يقول: من ذكر ربه غفر ذنبه. وإذا صاح العصفور يقول: استغفر الله مما يسخط الله.
(1) - الباشق: طائر من أصغر الجوارح.
(2) - الحداء: البحار. والحدأة: طائر من الجوارح، والعامة تسميه: الحدية. (3) - الكركي: طائر كبير أغبر اللوان طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم يأوى الى الماء احيانا. (4) - القمري: ضرب من الحمام حسن الصوت. (5) - الدبسي: طائر صغير منسوب الى دبس الرطب، من الحمام البرى. وفي نسخه (الدلبى). (6) - العقعق: طائر على قدر الحمامة وهو على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحى الحمامة.
[30]
وإذا صاح البلبل يقول: لا إله إلا الله حقا حقا. وإذا صاحت القبجة (1) تقول: قرب الحق، قرب. وإذا صاحت السماناة (2) تقول: يا ابن آدم ما اغفلك عن الموت. وإذا صاح السنوذنيق (3) يقول: لاإله إلا الله محمد [رسول الله] وآله خيرة الله. وإذا صاحت الفاختة تقول: يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد. وإذا صاح الشقراق. (4) يقول: مولاي اعتقني من النار. وإذا صاحت القنبرة (5) تقول: مولاى تب على كل مذنب من المؤمنين. وإذا صاح الورشان (6) يقول: إن لم تغفر ذنبي شقيت. وإذا صاح الشفنين (7) يقول: لاقوة إلا بالله العلي العظيم. وإذا صاحت النعامة تقول: لا معبود سوى الله. وإذا صاحت الخطافة (8) فانها تقرأ سورة الحمد وتقول: (يا قابل توبة التوابين، يا الله لك الحمد). وإذا صاحت الزرافة تقول: لاإله إلا الله وحده.
(1) - القبج: طائر يشبه الحجل، والواحدة (قبجة) تطلق على الذكر والاثنى. (2) - السمانى: نوع من الطيور القواطع للواحد وللجمع، وقيل: الواحدة (سماناة). (3) - السنوذنيق: الصقر. وتكون على صيغ اخرى منها: السذانق، والسوذنيق والسوذانق.
(4) - الشقراق: طائر صغير يسمى الاخيل، وهو أخضر مليح بقدر الحمامة، وخضرته حسنة مشبعة، وفي أجنحته سواد. (5) - القبرة والقنبرة: عصفورة. (6) - الورشان: ذكر القمارى، وقيل: انه طائر يتولد بين الفاختة والحمام، وهو نوع من الحمام البرى أكدر اللون، فيه بياض فوق ذنبه. (7) - والشفنين: بكسر الشين، وهو متولد بين نوعين مأكولين، وعده الجاحظ في أنواع الحمام، وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزن. ومن طبعه أنه إذا فقد انثاه لم يزل أعزب الى أن يموت وكذلك الانثى إذا فقدت ذكرها، وإذا سمن سقط ريشه ويمتنع عن السفاد. ومن طبعه ايثار العزلة، وعنده نفور واحتراس من الاعداء. (8) - الخطاف: طائر يشبه السنونو طويل الجناحين قصير الرجلين أسود اللون.
[31]
وإذا صاح الحمل (1) يقول: كفى بالموت واعظا. وإذا صاح الجدى (2) يقول: عاجلني الموت فقل ذنبي. وإذا زأر الاسد يقول: أمر الله مهم مهم. وإذا صاح الثور يقول: مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدي من يرى ولايرى وهو الله. وإذا صاح الفيل يقول: لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة. وإذا صاح الفهد يقول: يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله. وإذا صاح الجمل يقول: سبحان مذل الجبارين سبحانه. وإذا صهل الفرس يقول: سبحان ربنا سبحانه. وإذا صاح الذئب يقول: ما حفظ الله فلن يضيع أبدا.
وإذا صاح ابن آوى يقول: الويل الويل الويل للمذنب المصر. وإذا صاح الكلب يقول: كفى بالمعاصي ذلا. وإذا صاح الاءرنب يقول: لا تهلكني يا الله، لك الحمد. وإذا صاح الثعلب يقول: الدنيا دار غرور. وإذا صاح الغزال يقول: نجني من الاءذى. وإذا صاح الكركدن يقول: أغثني وإلا هلكت يا مولاي. وإذا صاح الايل (3) يقول: حسبي الله ونعم الوكيل حسبي. وإذا صاح النمر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة سبحانه. وإذا صبحت الحية تقول: ما اشقى من عصاك يا رحمن.
(1) - الحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر، وقيل: هو والد الضأن الجذع فما دون. (2) - الجدى: الذكر من اولاد المعز. (3) - والايل: بتشديد الياء المكسورة: ذكر الاوعال، ويقال: هو الذى يسمى بالفارسية (گوزن)، وأكثر أحواله شبيه ببقر الوحش.
[32]
وإذا سبحت العقرب تقول: الشر شئ وحش. ثم قال عليه السلام: ما خلق الله من شئ إلا وله تسبيح يحمد به ربه، ثم تلا هذه الاية: وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم (1). (2) (20) - 20 - روي ابن شهر آشوب عن تفسير الثعلبي: قال الصادق عليه السلام: قال الحسين بن علي عليهم السلام: (إذا صاح النسر قال: يابن آدم عش ما شئت، آخره الموت، وإذا صاح الغراب قال: إن في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال: اللهم العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطاف قرأ: الحمدلله رب العالمين، ويمدا الضالين كما يمدها
القارى). (3) منها: إخباره عليه السلام عن شهادته (21) - 21 - روي الطبراني قال: قال أبو جعفر: وحدثنا سفيان بن وكيع، عن أبيه وكيع، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح التمار يقول: سمعت حذيفة يقول: سمعت الحسين بن على يقول: (والله ليجتمعن على قتلى طغاة بني امية ويقدمهم عمر بن سعد) وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله. فقلت له أنبأك بهذا رسول الله ؟ قال (لا)، فأتيت النبي فأخبرته، فقال (علمي علمه، وعلمه علمي، وأنا لنعلم بالكائن قبل كينونته). (4)
(1) - الاسراء: 44. (2) - الخرائج والجرائح 1: 248 حديث 5، بحار الانوار 64: 27 حديث 8 وتفسير اللغات ايضا من الخرائج. (3) - المناقب لابن شهر آشوب 4: 68، بحار الأنوار 64: 34 حديث 9، نور الثقلين 4: 78 حديث 21، كنز الدقائق 8: 323. (4) - دلائل الامامة: 75، بحار الانوار 44: 186، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين) 212 في الهامش، اثبات الهداة 5: 207 حديث 71.
[33]
اخبار النبي صلى الله عليه وآله عن شهادته عليه السلام (22) - 22 - حكي صاحب: ذخائر الافهام، عن عبد الله بن داود، عن الثقات، عن ابن عباس، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم صلاة الصبح في مسجده الان، فلما فرغنا من التعقيب إلتفت إلينا بوجهه الكريم كانه البدر في ليلة تمامه واستند على محرابه وجعل يعظنا بالحديث الغريب ويشوقنا إلى الجنة ويحذرنا من النيران ونحن به مسرورون مغبوطون، وإذا به قد رفع راسه وتهلل وجهه فنظرنا وإذا بالحسنين مقبلين عليه وكف يمين الحسن بيسار الحسين عليهم السلام وهما
يقولان: من مثلنا وقد جعل الله جدنا أشرف اهل السموات والأرض وأبانا خير اهل المشرق والمغرب وأمنا سيدة على جميع نساء العالمين وجدتنا ام المؤمنين ونحن سيدا شباب اهل الجنة. وزاد سرورنا واستبشرنا بعد ذلك وكل منا يهنى صاحبه على الولاية لهم والبرائة من اعدائهم فنظرنا نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وإذا بدموعه تجرى على خديه. فقلنا: سبحان الله هذا وقت فرح وسرور، فكيف هذا البكاء من رسول الله صلى الله عليه وآله فاردنا ان نساله وإذا به قد ابتدانا يقول: يعزنى الله على ما تلقيان من بعدى يا ولدى من الأهانة والاذى وزاد بكائه، وإذا به قد دعاهما وحطهما في حجره و اجلس الحسن عليه السلام على فخذه الأيمن والحسين عليه السلام على فخذه الأيسر، فقال: بابى ابوكما وبامى امكما وقبل الحسن عليه السلام في فمه الشريف واطال الشم بعدها و قبل الحسين عليه السلام في نحره بعد ان شمه طويلا، فتساقطت دموعه وبكى وبكينا لبكائه ولا علم لنا بذلك فما كان الا ساعة وإذا بالحسين عليه السلام قد قام ومضى الى امه باكيا مغموما، فلما دخل عليها ورأته باكيا قامت إليه تمسح دمعه بكمها و
[34]
تسكبه وهى تبكى لبكائه، وتقول: قرة عينى وثمرة فؤادى ما الذى يبكيك لا أبكى الله لك عينا ما بالك يا حشاشته قلبى. قال: خيرا يا أماه. قالت: بحقى عليك وبحق جدك وابيك الا ما اخيرتني. فقال لها: يا أماه كان جدى ملنى من كثرة ترددي إليه. قالت: فداك نفسي لماذا. قال: يا أماه جئت أنا وأخي إلى جدنا لنزوره فاتيناه وهو في المسجد وأبي
وأصحابه من حوله مجتمعون فدعى الحسن وأجلسه على فخذه الاءيمن وأجلسني على فخذه الاءيسر ثم لم يرض بذلك حتى قبل الحسن في فمه بعد أن شمه طويلا وأما انا فأعرض عن فمي وقبلني في نحري فلو أحبني ولم يبغضني لقبلني مثل أخي هل في فمي شئ يكرهه يا أماه شميه أنت. قالت الزهراء: هيهات يا ولدي والله العظيم ما في قلبه مقدار حبة خردل من بغضك. فقال: يا أماه كيف لا يكون ذلك وقد عمل هذا. قالت: والله يا ولدى إنى سمعته كثيرا يقول: حسين منى وأنا منه ألا ومن آذى حسينا فقد اذانى اما تذكر يا ولدى لما تصارعتما بين يديه جعل يقول: ايها يا حسن، فقلت له: كيف يا ابتاه تنهض الكبير على الصغير، فقال: يا ابنتاه هذا جبرئيل ينهض الحسين وأنا انهض الحسن عليه السلام وأنه يا ولدي مر يوما جدك على منزلي وأنت تبكى في المهد فدخل أبى وقال لى: سكتيه يا فاطمة ألم تعلمي أن بكائه يؤذيني وكذلك الملائكة بكاؤه يؤذيهم. وقال مرارا: اللهم إنى أحبه وأحب من يحبه فكيف يا ولدي تلك لكن سربنا الى جدك، فأخذ بيد الحسين هي وتجر أذيالها حتى أتت إلى باب المسجد
[35]
فما رأت غير الامام والنبى صلى الله عليه وآله، فلما راها النبي صلى الله عليه وآله تنفس الصعداء وبكى كمدا، فجرت دموعه على خديه حتى بلت كميه. فقالت: السلام عليك يا ابتاه، فقال: وعليك السلام يا فاطمة ورحمة الله و بركاته، قالت له: يا سيدى كيف تكسر خاطر الحسين أما قلت أنه ريحانتي التى ارتاح إليها ؟ أما قلت هو زين السموات والارض ؟ قال: نعم يا ابنتاه هكذا قلت.
فقالت: أجل كيف ما قبلته كأخيه الحسن وقد أتانى باكيا فلم أزل اسكته فلم يتسكت واسليه، فلم يتسل واعزيه فلم تيعز. قال: يا بنتاه هذا سر أخاف عليك إذا سمعته ينكدر عيشك وينكسر قلبك. قالت: بحقك يا ابتاه الا تخفيه على، فبكى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا بنتاه، يا فاطمة هذا أخى جبرئيل أخبرني عن الملك الجليل أن لابد للحسن أن يموت مسموما تسمه زوجته بنت الاشعث لعنها الله فشممته بموضع سمه و لابد للحسين أن يموت منحورا بسيف الشمر لعنه الله فشممته بموضع نحره... (1) قيام رسول الله صلى الله عليه وآله لسقايته (23) - 23 - روى سليم بن قيس عن على بن أبي طالب صلوات الله عليه وسلمان و أبو ذر والمقداد، وحدث أبو الجحاف داود بن أبي عوف العوفي، يروي عن أبي سعيد الخدري، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على ابنته فاطمة عليها السلام وهي توقد تحت قدر لها تطبخ طعاما لاهلها، وعلي عليه السلام في ناحية البيت نائم، والحسن والحسين صلوات الله عليهما نائمان إلى جنبه، فقعد رسول الله صلى الله عليه وآله مع ابنته يحدثها وهي
(1) تظلم الزهراء: 29.
[36]
توقد تحت قدرها ليس لها خادم، إذ استيقظ الحسن عليه السلام فأقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (يا ابت اسقنى) (وفي رواية اخرى (يا جداه اسقني)، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قام إلى اللقحة كانت له فاحتلبها بيده ثم جاء بالعلبة و على اللبن رغوة ليناوله الحسن عليه السلام، فاستيقظ الحسين عليه السلام فقال: (يا ابت اسقني). فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا بني أخوك وهو أكبر منك وقد استسقاني قبلك. فقال الحسين عليه السلام: (اسقني قبله) فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يرقبه ويلين له، و
يطلب له أن يدع أخاه يشرب والحسين يأبى، فقالت فاطمة: يا ابت كان الحسين أحبهما اليك ؟ قال صلى الله عليه وآله: (ما هو بأحبهما الي وانهما عندي لسواء، غير أن الحسن استسقاني أول مرة، واني وإياك وإياهما وهذا الراقد في الجنة لفي منزل واحد و درجة واحدة). قال وعلي عليه السلام نائم لا يدري بشئ من ذلك. (1) (24) - 24 - جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن أحمد بن سلام الاسدي، عن السري ابن خزيمة، عن يزيد بن هاشم، عن مسمع بن عبد الملك، عن خالد بن طليق، عن أبيه، عن جدته ام بجيد امرأة عمران بن حصين، عن ميمونة وام سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وآله قالتا: استسقى الحسن، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فجدح له في غمر كان لهم - يعني قدحا يشرب فيه - ثم أتاه به، فقام الحسين عليه السلام فقال: (اسقنيه يا أبة)، فأعطاه الحسن، ثم جدح للحسين عليه السلام فسقاه، فقالت فاطمة عليها السلام: (كأن الحسن أحبهما إليك) ؟ قال: (إنه استسقى قبله، وإني وإياك وهما وهذا الراقد في مكان واحد في
(1) - كتاب سليم بن قيس 169، بحار الانوار 37: 86 حديث 54.
[37]
الجنة). (1) افتخار الحسين عليه السلام بر كوبه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله (25) - 25 - روي عن الخوارزمي انه قال: ذكر السيد أبو طالب باسنادي إليه، عن محمد بن محمد بن العباس، عن علي بن شاكر، عن عبد الله بن محمد الضبي، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله ابن ابراهيم، عن أبي رافع قال: كنت الاعب الحسين عليه السلام - وهو صبي - بالمداحي (2)، فإذا أصابت مدحاتي مدحاته، قلت: احملني: فيقول: (اتركب ظهرا حمله رسول الله) صلى الله عليه وآله، فأتركه، فإذا أصابت مدحاته مدحاتي قلت: لا أحملك كما لم تحملني، فيقول: (اما ترضى ان تحمل
بدنا حمله رسول الله) فاحمله. (3) (26) - 26 - قال ابن عساكر: وأنبأنا ابن سعد، أنبأنا الفضل بن دكين، أنبأنا عبيد أبو القاسم الجمال، عن سليمان أبي شداد قال: كنت الاعب الحسن والحسين عليهما السلام بالمداحي، فكنت إذا اصبت مدحاته فكان يقول لي: (ايحل لك أن تركب بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟) وإذا أصاب مدحاتي قال لي: (أما تحمد ربك ان تركبك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله. (4)
(1) - أمالي الطوسى 2: 604 حديث 2، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين)، 115، بحار الانوار 37: 77 حديث 44. (2) - المداحاة جمع المداحى احجار امثال القرصه كانوا يحفرون حفيرة ويدحون فيها بتلك الحجارة فان وقع فيها الحجر فقد غلب صاحبها، النهايه. (3) - المناقب لابن شهر آشوب 4: 72، بحار الانوار 43: 297 حديث 58، العوالم 17: 40، احقاق الحق 11: 306. (4) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 136.
[38]
محبة النبي صلى الله عليه وآله لاهل بيته عليهما السلام (27) - 27 - الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن جعفر بن سلمة، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن عثمان بن أبي شيبة ومحرز بن هشام قالا: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم التحية والاكرام كلهم يقول: (أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله) فأخذ صلى الله عليه وآله فاطمة مما يلي بطنه وعليا مما يلي ظهره، والحسن عليه السلام عن يمينه، والحسين عليه السلام عن يساره، ثم قال صلى الله عليه وآله: (انتم مني وأنا منكم). (2) (28) - 28 - روى في كتاب منتخب اثار امير المؤمنين عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان
جالسا ذات يوم وعنده الامام على بن ابى طالب عليه السلام إذ دخل الحسين عليه السلام، فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وجعله في حجره وقبل بين عينيه وقبل شفتيه وكان للحسين عليه السلام ست سنين، فقال على عليه السلام: أتحب يا رسول الله ولدى الحسين ؟ قال: وكيف لا أحبه وهو عضو من اعضائي. فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أينا أحب إليك أنا أم حسين ؟ فقال الحسين عليه السلام: يا أبت من كان أعلى شرفا كان أحب الى النبي وأقرب إليه منزلة. قال على عليه السلام: أتفا خرنى يا حسين ؟ قال: نعم يا ابتاه إن شئت. فقال على عليه السلام: انا امير المؤمنين، انا لسان الصادقين، انا وزير المصطفى حتى عد من مناقبه نيفا وسبعين منقبة ثم سكت، فقال النبي صلى الله عليه وآله للحسين: أسمعت يا ابا عبد الله هو عشر عشير معشار ما قاله من فضائله ومن الف الف
(1) - امالي الصدوق 21 حديث 7 2 بحار الانوار 37: 35 حديث 1.
[39]
فضيلة وهو فوق ذلك واعلى. فقال الحسين عليه السلام: الحمد لله فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وعلى جميع المخلوقين، ثم قال: اما ما ذكرت يا أمير المؤمنين وانت فيه صادق امين. فقال النبي صلى الله عليه وآله: اذكر انت يا ولدى فضائلك. فقال الحسين عليه السلام: انا الحسين بن على بن ابى طالب وامى فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وجدي محمد المصطفى سيد بني ادم اجمعين لاريب فيه يا على أمي افضل من امك عند الله وعند الناس اجمعين وجدي خير من جدك وافضل عند الله وعند الناس اجمعين وانا في المهد ناغاني جبرائيل وتلقاني إسرافيل، يا على انت عند الله افضل مني وانا أفخر منك بالاباء والامهات
والاءجداد. ثم انه اعتنق اياه يقبله وعلى عليه السلام يقبله ويقول: زادك الله شرفا تعظيما و فخرا وعلما وحلما ولعن الله ظالميك يا ابا عبد الله. (1)
(1) - تظلم الزهراء: 9.
[40]
خلق الحسين عليه السلام في صغره منها: نداء الحسين عليه السلام جده صلى الله عليه وآله وأباه عليه السلام (29) - 29 - عن عليي عليه السلام أنه قال: (كان الحسن في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله يدعوني أبا الحسين، وكان الحسين يدعوني أبا الحسن، ويدعوان رسول الله صلى الله عليه وآله أباهما، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله دعواني بأبيهما). (1) منها: تعليم الوضوء (30) - 30 - روى المجلسي عن عيون المحاسن عن الروياني: أن الحسن و الحسين عليهم السلام مرا على شيخ يتوضأ ولا يحسن، فأخذا في التنازع، يقول كل واحد منهما: (أنت لا تحسن الوضوء) فقالا: (ايها الشيخ كن حكما بيننا يتوضأ كل واحد منا)، فتوضئا، ثم قالا: (اينا احسن) ؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلم الان منكما وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على امة جدكما. (2)
(1) - مقاتل الطالبيين 24، شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 1: 11 غير مروى عنه عليه السلام بل قال: كان الحسين يدعوه... (2) - بحار الانوار 43: 319، المناقب لابن شهرآشوب 3: 168، العوالم 16: 100 حديث 1.
[41]
منها: صومه عليه السلام وايثاره
(31) - 31 - روى الصدوق عن محمد بن ابرهيم بن اسحاق، قال: حدثنا أبو احمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا شعيب بن واقد، قال: حدثنا القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس. وحدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي، عن الحسن بن مهران، عن مسلمة بن خالد، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام في قوله عزوجل: يوفون بالنذر (1) قالا: (مرض الحسن والحسين عليهم السلام و هما صبيان صغيران، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه رجلان، فقال أحدهما: يا ابا الحسن لو نذرت في ابنيك نذرا إن الله عافاهما، فقال: أصوم ثلاثة أيام شكرا لله عزوجل، وكذلك قالت فاطمة عليها السلام، وقال الصبيان: ونحن أيضا نصوم ثلاثة أيام، (2) وكذلك قالت جاريتهم فضة، فألبسهما الله عافية، فأصبحوا صياما وليس عندهم طعام، فانطلق علي عليه السلام إلى جار له من اليهود يقال له شمعون يعالج الصوف، فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير ؟ قال: نعم، فأعطاه، فجاء بالصوف والشعير، وأخبر فاطمة عليها السلام فقبلت و أطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعا من الشعير فطحنته و عجنته وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرصا، وصلى علي عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله المغرب. ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأول لقمة
(1) - الانسان: 7. (2) - ينابيع الموده 107.
[42]
كسرها علي عليه السلام إذا مسكين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على
موائد الجنة، فوضع اللقمة من يده ثم قال: فاطم ذات المجد واليقين يا بنت خير الناس أجمعين أما ترين البائس المسكين جاء إلى الباب له حنين يشكو إلى الله ويستكين يشكو إلينا جائعا حزين كل امرئ بكسبه رهين من يفعل الخير يقف سمين موعده في جنة دهين حرمها الله على الضنين وصاحب البخل يقف حزين تهوي به النار إلى سجين شرابه الحميم والغسلين فأقبلت فاطمة عليها السلام تقول: أمرك سمع يا ابن عم وطاعة مابي من لؤم ولا رضاعة غديت باللب وبالبراعة أرجو إذا أشبعت من مجاعة أن ألحق الاخيار والجماعة وأدخل الجنة في شفاعة وعمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعا، و أصبحوا صياما لم يذوقوا إلا الماء القراح. ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعا من الشعير وطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقرصة لكل واحد قرصا، وصلى علي المغرب مع النبي صلى الله عليهما ثم أتى منزله، فلما وضع الخوان بين يديه و جلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون، أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي عليه السلام اللقمة من
[43]
يده، ثم قال: فاطم بنت السيد الكريم بنت نبي ليس بالزنيم
قد جاءنا الله بذا اليتيم من يرحم اليوم هو الرحيم موعده في جنة النعيم حرمها الله على اللئيم وصاحب البخل يقف ذميم تهوي به النار إلى الجحيم شرابه الصديد والحميم فأقبلت فاطمة عليها السلام هي تقول: فسوف اعطيه ولا أبالي واؤثر الله على عيالي أمسوا جياعا وهم أشبالي أصغرهم يقتل في القتال بكربلا يقتل باغتيال لقاتليه الويل مع وبال يهوي به النار إلى سفال كبوله زادت على الاكبال ثم عمدت فأعطته عليها السلام جميع ما على الخوان، وباتوا جياعا لم يذوقوا إلا الماء القراح، وأصبحوا صياما، وعمدت فاطمة عليها السلام فغزلت الثلث الباقي من الصوف، وطحنت الصاع الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصا، وصلى علي عليه السلام المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم أتى منزله، فقرب إليه الخوان و جلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا أسير من اسراء المشركين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا و لا تطعموننا ؟ فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده ثم قال: فاطم يا بنت النبي أحمد بنت نبي سيد مسود قد جاءك الاسير ليس يهتدي مكبلا في غله مقيد يشكو إلينا الجوع قد تقدد من يطعم اليوم يجده في غد عند العلي الواحد الموحد ما يزرع الزارع سوف يحصد
[44]
فأعطيه لا تجعليه ينكد
فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول: لم يبق مما كان غير صاع قد دبرت كفي مع الذراع شبلاي والله هما جياع يا رب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير ذو اصطناع عبل الذراعين طويل الباع وما على رأسي من قناع إلا عبا نسجتها بصاع وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعا، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شئ. قال شعيب في حديثه: وأقبل علي بالحسن والحسين عليهما السلام نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهما يرتعشان كالفرخ من شدة الجوع، فلما بصربهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن شد ما يسوؤني ما أرى بكم ! ؟ انطلق إلى ابنتي فاطمة، فانطلقوا إليها وهي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله ضمها إليه وقال: واغوثاه بالله ؟ أنتم منذ ثلاث فيما أرى ؟ فهبط جبرئيل فقال: يا محمد خذ ماهيأ الله لك في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرئيل ؟ قال: هل أتى على الاءنسان حين من الدهر (1) حتى إذا بلغ: إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا. (2) قال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي صلى الله عليه وآله حتى دخل منزل فاطمة عليها السلام فرأى ما بهم فجمعهم ثم انكب عليهم يبكي ويقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم ؟ فهبط عليه جبرئيل بهذه الايات: إن الاءبرار يشربون من كأس كان
(1) - الانسان: 1. (2) - الانسان: 22.
[45]
مزاجها كافورا، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، (1) قال: هي عين
في دار النبي صلى الله عليه وآله يفجر إلى دور الانبياء والمؤمنين. يوفون بالنذر يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام وجاريتهم. ويخافون يوما كان شره مستطيرا (2) يكون عابسا كلوحا. ويطعمون الطعام على حبه يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له مسكينا من مساكين المسلمين ويتيما من يتامى المسلمين وأسيرا من اسارى المشركين ويقولون إذا أطعموهم: إنما تطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولاشكورا. (3) قال: والله ما قالوا هذا لهم ولكنهم أضمروه في انفسهم فأخبر الله بإضمارهم، يقولون: لا نريد جزاء تكافوننا به ولاشكورا تثنون علينا به، ولكن إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه قال الله تعالى ذكره فوقاهم الله شر ذلك اليوم و لقاهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب وجزاهم بما صبروا جنة يسكنوها وحريرا يفترشونه ويلبسونه متكئين فيها على الارائك و الاريكة: السرير عليه الحجلة لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا. (4) قال ابن عباس: فبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا مثل الشمس قد أشرقت لها الجنان، فيقول أهل الجنة: يا رب إنك قلت في كتابك: لا يرون فيها شمسا ؟ ! فيرسل الله جل اسمه إليهم جبرئيل فيقول: ليس هذه بشمس، ولكن عليا وفاطمة ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، ونزلت هل أتى فيهم إلى قوله
(1) - الانسان: 6. (2) - الانسان: 7. (3) - الانسان: 9. (4) - الانسان: 12. (5) - الانسان: 13. (*)
[46]
تعالى: وكان سعيكم مشكورا. (1) (32) - 32 - فرات عن محمد بن إبراهيم الفزارى. قال: حدقنا محمد بن يونس الكديمى، قال: حدثنا حماد بن عيسى الجهني، قال: حدثنا النهاس بن فهم، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن ربيع، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يشد على بطنه الحجر من الغرث - يعني الجوع - فظل يوما صائما ليس عنده شئ، فأتى بيت فاطمة والحسن والحسين عليهما السلام فلما أتى رسول الله تسلقا إلى منكبه وهما يقولان (يا أبانا قل لامنا تطعمنا). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: (أطعمي ابني). قالت: (ما في بيتى شي إلا بركة رسول الله). قال: فشغلهما رسول الله صلى الله عليه وآله بريقه حتى شبعا وناما، فاقترضنا لرسول الله ثلاثة أقراص من شعير فلما أفطر رسول الله صلى الله عليه وآله وضعناه بين يديه، فجاء سائل وقال: يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أطعموني مما رزقكم الله، أطعمكم الله من موائد الجنة، فإني مسكين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا فاطمة بنت محمد قد جاءك المسكين فله حنين، قم يا علي وأعطه). قال: فاخذت قرصا فقمت فأعطيته، ورجعت قد حبس رسول الله يده. ثم جاء ثان فقال: يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إني يتيم فأطعموني مما رزقكم الله، أطعمكم الله من موائد الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا فاطمة بنت محمد قد جاءك اليتيم وله حنين، قم يا علي وأعطه). قال: فأخذت قرصا وأعطيته ثم رجعت وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله يده.
(1) - امالي الصدوق: 212 حديث 11، بحار الانوار 35: 237 حديث 1. (*)
[47]
قال: فجاء ثالث وقال: يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إنى أسير فأطعموني مما رزقكم الله، أطعمكم الله من موائد الجنة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا فاطمة بنت محمد قد جاءك الاسير وله حنين، قم يا علي فأعطه. قال: فأخذت قرصا وأعطيته، وبات رسول الله صلى الله عليه وآله طاويا وبتنا طاوين مجهودين، فنزلت هذه الاية. ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيرا (1). (2) منها: تسابق الحسنين عليهم السلام في الكتابة (33) - 33 - روى في المراسيل: ان الحسن والحسين كانا يكتبان، فقال الحسن للحسين: (خطي أحسن من خطك)، وقال الحسين: (لا، بل خطي أحسن من خطك)، فقالا لفاطمة: (احكمي بيننا)، فكرهت فاطمة أن تؤذي أحدهما، فقالت لهما: (سلا اباكما)، فسألاه، فكره أن يؤذي أحدهما فقال: (سلا جدكما رسول الله صلى الله عليه وآله)، فقال صلى الله عليه وآله: (لا أحكم بينكما حتى أسأل جبرئيل)، فلما جاء جبرئيل قال: لا أحكم بينهما ولكن إسرافيل يحكم بينهما، فقال إسرافيل: لا أحكم بينهما ولكن اسأل الله أن يحكم بينهما، فسأل الله تعالى ذلك فقال تعالى: لا أحكم بينهما ولكن امهما فاطمة تحكم بينهما. فقالت فاطمة: أحكم بينهما يا رب وكانت لها قلادة فقالت لهما (أنا أنثر بينكما جواهر هذه القلادة، فمن أخذ منهما أكثر فخطه أحسن)، فنثرتها، وكان جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش، فأمره الله تعالى أن يهبط إلى الارض وينصف
(1) - الانسان: 8 (2) - تفسير فرات: 526 حديث 677، بحار الانوار 35: 252 حديث 8 وفيه (يا باباه قل لماماه تطعمنا ناناه)
تفسير البرهان 4: 412، كنز الدقائق 11: 131 وفيمها مثل البحار.
[48]
الجواهر بينهما كيلا يتأذى أحدهما، ففعل ذلك جبرئيل إكراما لهما وتعظيما. (1) (34) - 34 - روى في بعض الاخبار عن ثقات الاخيار: أن نصانيا أتى رسولا من ملك الروم إلى يزيد، وقد حضر في مجلسه الذي أتى فيه برأس الحسين عليه السلام، فلما رأى النصراني رأس الحسين بكى وصاح وناح حتى ابتلت لحيته بالدموع، ثم قال: إعلم يا يزيد إني دخلت المدينة تاجرا في أيام حياة النبي صلى الله عليه وآله وقد أردت أن آتيه بهدية، فسألت من أصحابه أي شئ أحب إليه من الهدايا، فقالوا: الطيب أحب إليه من كل شئ وإن له رغبة فيه. قال: فحملت من المسك فارتين وقدرا من العنبر الاشهب وجئت به إليه و هو يومئذ في بيت زوجته ام سلمة (رضي الله عنها)، فلما شاهدت جماله أزاد لعيني من لقائه نورا ساطعا، وزادني منه سرورا، وقد تعلق قلبي بمحبته، فسلمت عليه ووضعت العطر بين يديه. فقال: (ما هذا). قلت: هدية محقرة أتيت بها إلى حضرتك. فقال لي: (ما اسمك) ؟ فقلت: اسمي عبد شمس. فقال لي: (بدل اسمك، فأنا أسميك عبد الوهاب، إن قبلت مني الاسلام قبلت منك الهدية). قال: فنظرته وتأملته فعلمت أنه نبي، وهو الذي أخبرنا عنه عيسى حيث قال: إني مبشر لكم برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فاعتقدت ذلك وأسلمت
على يده في تلك الساعة، ورجعت إلى الروم وأنا أخفي الاسلام، ولي مدة من السنين وأنا مسلم مع خمس من البنين وأربع من البنات، وأنا اليوم وزير ملك
(1) - بحار الانوار 43: 309.
[49]
الروم، وليس لاحد من النصارى اطلاع على حالنا. واعلم يا يزيد أني يوم كنت في حضرة النبي وهو في بيت أم سلمة رأيت هذا العزيز الذي رأسه وضع بين يديك مهانا حقيرا. قد دخل على جده من باب الحجرة، والنبي فاتح بابه ليتناوله وهو يقول: (مرحبا بك يا حبيبي)، حتى أنه تناوله وأجلسه في حجره، وجعل يقبل شفتيه ويرشف ثناياه وهو يقول: (بعدا لا رحمه الله من قتلك يا حسين وأعان على قتلك) والنبي مع ذلك يبكي. فلما كان اليوم الثاني كنت مع النبي صلى الله عليه وآله في مسجده إذ أتاه الحسن عليه السلام مع أخيه الحسين عليه السلام وقال: (يا جداه قد تصارعت مع أخي الحسين عليه السلام ولم يغلب أحدنا الاخر، وإنما نريد أن نعلم أينا أشد قوة من الاخر). فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله (يا حبيبي ويا مهجتي إن التصارع لا يليق لكما، إذهبا فتكاتبا، فمن كان خطه أحسن كذلك تكون قوته أكثر). قال: فمضيا وكتب كل واحد منهما سطرا وأتيا إلى جدهما النبي صلى الله عليه وآله، فأعطياه اللوح ليقضي بينهما، فنظر النبي إليهما ساعة ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما فقال لهما: (يا حبيبي إني أمي لا أعرف الخط، إذهبا إلى أبيكما ليحكم بينكما وينظر أيكما أحسن خطا). قال: فمضيا إليه وقام النبي صلى الله عليه وآله أيضا معهما ودخلوا جميعا إلى منزل فاطمة عليها السلام، فما كان إلا ساعة وإذا النبي صلى الله عليه وآله مقبل وسلمان الفارسي معه وكان بيني وبين سلمان صداقة ومودة، فسألته كيف حكم أبوهما وخط أيهما احسن.
قال سلمان: رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وآله لم يجبهما بشئ، لانه تأمل أمرهما وقال: (لو قلت خط الحسن أحسن كان يغتم الحسين، ولو قلت خط الحسين أحسن كان يغتم الحسن، فوجهتهما إلى أبيهما). فقلت: يا سلمان بحق الصداقة والاخوة التي بيني بينك وبحق دين الاسلام
[50]
إلا ما أخبرتني كيف حكم أبوهما بينهما. فقال: لما أتيا إلى أبيهما وتأمل حالهما رق لهما ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما قال لهما: (إمضيا إلى أمكما فهي تحكم بينكما) فأتيا إلى أمهما وعرضوا عليها ما كتبا في اللوح وقالا: (يا أماه إن جدنا أمرنا أن نتكاتب فكل من كان خطه أحسن تكون قوته أكثر، فتكاتبنا وجئنا إليه فوجهنا إلى أبينا فلم يحكم بيننا و وجهنا إلى عندك)، فتفكرت فاطمة عليها السلام بأن جدهما وأباهما ما أرادا كسر خاطرهما، أنا ما أصنع وكيف أحكم بينهما، فقالت لهما: (يا قرتى عيني إني اقطع قلادتي على رأسكما فأيكما يلتقط من لؤلؤها أكثر كان خطه أحسن، وتكون قوته أكثر). قال: وكان في قلادتها سبع لؤلؤات ثم أنها قامت فقطعت قلادتها على رأسهما فالتقط الحسن ثلاث لؤلؤات، والتقط الحسين ثلاث لؤلؤات، وبقيت الاخرى، فأراد كل منهما تناولها فأمر الله تعالى جبرائيل عليه السلام بنزوله إلى الارض و أن يضرب بجناحيه تلك اللؤلؤة ويقدها نصفين بالسوية ليأخذ كل منهما نصفا، لئلا يغتم قلب أحدهما، فنزل جبرائيل عليه السلام كطرفة عين وقد اللؤلؤة نصفين فأخذ كل منهما نصفا. فانظر يا يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يدخل على أحدهما ألم الترجيح في الكتابة، ولم يرد كسر قلبهما، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة عليها السلام، وكذلك
رب العزة لم يرد كسر قلب أحدهما، بل أمر من يقسم اللؤلؤة بينهما لجبر قلبهما، و أنت هكذا تفعل بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أف لك ولدينك يا يزيد. ثم أن النصراني نهض إلى رأس الحسين عليه السلام واحتضنه وجعل يقبله وهو يبكي ويقول: يا حسين اشهد لي عند جدك محمد المصطفى، وعند أبيك
[51]
المرتضى، وعند أمك فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين. (1) ب ب ب حديث الكساء (35) - 35 - روي عن فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سمعت فاطمة انها قالت: (دخل على أبي رسول الله في بعض الايام فقال: السلام عليك يا فاطمة، فقلت: عليك السلام، قال: إنى أجد في بدني ضعفا. فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف، فقال: يا فاطمة إيتيني بالكساء اليماني فغطيني به. فأتيته بالكساء اليماني فغطيته به، وصرت أنظر إليه وإذا وجهه يتلالا كأنه البدر في ليلة تمامه وكماله. فما كانت إلا ساعة وإذا بولدي الحسن قد أقبل وقال: السلام عليك يا أماه، فقلت: وعليك السلام يا قرة عينى وثمرة فؤادي، فقال: يا أماه إنى اشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: نعم إن جدك تحت الكساء، فأقبل الحسن نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه يإ رسول الله أتاذن لى أن أدخل معك تحت الكساء ؟ فقال: وعليك السلام يا ولدي ويا صاحب حوضي قد أذنت لك، فدخل معه تحت الكساء. فما كانت الا ساعة وإذا بولدي الحسين عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليك يا أماه، فقلت: وعليك السلام يا ولدى ويا قرة عينى وثمرة فؤادي، فقال لي: يا
أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله، فقلت: نعم إن جدك وأخاك تحت الكساء، فدنا الحسين نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه السلام عليك يا من اختاره الله أتأذن لي أن أكون معكما تحت الكساء ؟ فقال: وعليك السلام يا ولدي وشافع امتي قد أذنت لك، فدخل معهما
(1) - منتخب الطريحي: 63، بحار الانوار 45: 189 حديث 36.
[52]
تحت الكساء. فأقبل عند ذلك أبو الحسن على بن أبي طالب وقال: السلام عليك يا بنت رسول الله، فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين، فقال: يا فاطمة إنى أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة أخي وابن عمى رسول الله، فقلت: نعم ها هو مع ولديك تحت الكساء، فأقبل علي نحو الكساء وقال: السلام عليك يا رسول الله أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء ؟ قال له: وعليك السلام يا أخي ويا وصيي وخليفتي وصاحب لوائي قد أذنت لك فدخل علي تحت الكساء. ثم أتيت نحو الكساء وقلت: السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء ؟ قال: وعليك السلام يا بنتى ويا بضعتي قد أذنت لك، فدخلت تحت الكساء، فلما اكتملنا جميعا تحت الكساء أخذ أبي رسول الله بطرفي الكساء وأومأ بيده اليمنى إلى السماء وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتى و خاصتي وحامتى، لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم، ويحزنني ما يحزنهم، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم، ومحب لمن أحبهم، إنهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك و رضوانك على وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقال الله عزوجل: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي إني ما خلقت سماء
مبنية ولا أرضا مدحية ولاقمرا منيرا، ولا شمسا مضيئة ولا فلكا يدور، ولا بحرا يجري، ولا فلكا يسري إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء. فقال الامين جبرائيل: يا رب ومن تحت الكساء ؟ فقال عزوجل: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، هم فاطمة وأبوها و بعلها وبنوها. فقال جبرائيل: يا رب أتأذن لي أن أهبط إلى الارض لاكون معهم سادسا ؟
[53]
فقال الله: نعم قد أذنت لك. فهبط الامين جبرائيل وقال: السلام عليك يا رسول الله، العلى الاعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ويقول لك: و عزتي وجلالي إني ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضا مدحية، ولاقمرا منيرا، ولا شمسا مضيئة، ولا فلكا يدور ولا بحرا يجري ولا فلكا يسري إلا لاجلكم و محبتكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم، فهل تأذن لي يا رسول الله ؟ فقال رسول الله: وعليك السلام يا أمين وحي الله، إنه نعم قد أذنت لك، فدخل جبرائيل معنا تحت الكساء، فقال لابي إن الله قد أوحى إليكم يقول إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (1). فقال على لابي: يا رسول الله أخبرني ما لجلوسنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا واصطفاني بالرسالة نجيا، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الارض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا إلا و نزلت عليهم الرحمة وحفت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا. فقال على عليه السلام: إذن والله فزنا وفاز شيعتنا ورب الكعبة. فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي والذي بعثنى بالحق نبيا واصطفاني
بالرسالة نجيا، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الارض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا وفيهم مهموم إلا وفرج الله همه، ولا مغموم إلا وكشف الله غمه ولا طالب حاجة إلا وقضى الله حاجته. فقال على عليه السلام: إذن والله فزنا وسعدنا وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والاخرة ورب الكعبة). (1)
(1) - احزاب: 33. (2) - منتخب الطريحي: 253 وبهذا المضمون روايات كثيره لم نتعرض لذكرها لعدم كلام الحسين عليه السلام.
[54]
نقل وقائع زمن النبي (1) صلى الله عليه وآله منها: كيفية بيعة الانصار (36) - 36 - قال المجلسي: روى الحافظ ابن مردويه في كتابه بثلاثة طرق عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (أشهد لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: (لما جاءت الانصار تبايع رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة، قال: قم يا علي. فقال علي: على ما ابايعهم يا رسول الله ؟ قال: على أن يطاع الله فلا يعصى، وعلى أن يمنعوا رسول الله وأهل بيته و ذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم). (2) منها: زواج فاطمة عليها السلام (37) - 37 - قال الخوارزمي: أنبأني أبو العلا الحافظ الهمداني، يرفعه الى الحسين بن علي عليهم السلام قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في بيت ام سلمة إذ هبط عليه ملك له عشرون رأسا، في كل رأس ألف لسان، يسبح الله ويقدسه بلغة لاتشبه الاخرى، و
(1) - لانذكر من الوقائع إالا ماكان للحسين عليه السلام فيها كلام.
(2) - بحار الانوار 38: 22، مجمع الزوائد 6: 49.
[55]
راحته أوسع من سبع سماوات وسبع أرضين، فحسب النبي صلى الله عليه وآله أنه جبرئيل، فقال: يا جبرئيل لم تأتني في مثل هذه الصورة قط. قال: ما أنا جبرئيل، أنا صرصائيل، بعثني الله إليك لتزوج النور من النور. فقال النبي صلى الله عليه وآله من ممن ؟ قال: ابنتك فاطمة من علي بن أبي طالب، فزوج النبي صلى الله عليه وآله فاطمة من علي بشهادة جبرئيل وميكائيل وصرصائيل). قال: (فنظر النبي صلى الله عليه وآله فإذا بين كتفي صرصائيل: لاإله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب مقيم الحجة) فقال النبي صلى الله عليه وآله يا صرصائيل منذكم هذا كتب بين كتفيك ؟ قال: من قبل أن يخلق الله الدنيا باثني عشر ألف سنة). (1) (38) - 38 - وقال الحسين بن على عليهما السلام في خبر: زوج النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليا على أربعمائة وثمانين درهما). (2) منها: غزوة احد (39) - 39 - روى الصدوق عن أبي الحسن محمد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي بمرو الرود في داره، قال: حدثنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن احمد بن عامر بن سليمان الطائي بالبصرة، قال: حدثنا أبي في سنة ستين ومأتين، قال: حدثني علي بن موسى الرضا عليه السلام سنة أربع وتسعين ومائة. وحدثنا أبو منصور أحمد بن ابراهيم بن بكر الخوري بنيسابور، قال: حدثنا
(1) - كشف الغمه 1: 361 بحار الانوار 43: 123 حديث 31، العوالم 6: 148 حديث 26.
(2) - المناقب لابن شهر آشوب 3: 351، العوالم 6: 189 حديث 4، بحار الانوار 43: 122.
[56]
أبو إسحاق ابراهيم بن هارون بن محمد الخوري، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوري بنيسابور، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني، عن الرضا علي بن موسى عليهم السلام. وحدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الاشناني الرازي العدل ببلخ، قال: حدثنا علي بن محمد بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان الفراء، عن علي بن موسى الرضا عليهم السلام، قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثنى أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن على عليهما السلام، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله أنه كبر على حمزة خمس تكبيرات، وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات، فلحق حمزة سبعون تكبيرة). (1) (40) - 40 - وروى الطبراني عن الحسين بن على عليهما السلام (لما جرد رسول الله صلى الله عليه وآله حمزة بكى، فلما رأى مثاله شهق). (2) منها: غزوة خيبر (41) - 41 - ونقل الحسين عليه السلام كلام رسول الله صلى الله عليه وآله في حرب خيبر وكان عمره آنزاك أربع سنين. قال الصدوق: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة الحافظ فيما كتب إلى، قال: حدثني سالم بن سالم وأبو عروبة، قالا: حدثنا أبو الخطاب، قال: حدثنا هارون بن مسلم، قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن الانصاري، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: (لما
(1) - عيون اخبار الرضا عليه السلام 2: 49 حديث 167، جامع الاحاديث 3: 311، بحار الانوار 81: 395 و 22: 273.
(2) - كنز العمال 13: 333.
[57]
افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر دعا بقوسه فاتكأ على سيتها (2) ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر ما فتح الله له ونصره به، ونهى عن خصال تسعة: عن مهر البغي، وعن كسب الدابة يعني عسب الفحل، وعن خاتم الذهب، وعن ثمن الكلب، وعن مياثر الاجوان - قال أبو عروبة: عن مياثر الحمر - وعن لبوس ثياب القسي و هي ثياب تنسج بالشام، وعن أكل لحوم السباع، وعن صرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة بينهما فضل، وعن النظر في النجوم). (3) منها: غزوة حنين (42) - 42 - عن محمد بن عثمان بن أبي حرملة مولى بني عثمان، عن الحسين بن علي عليهما السلام، قال: (كان ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله يوم حنين: العباس، وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله ابن الزبير بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، وأسامة بن زيد). (1) منها: كلام النبي في فضيلته عليه السلام (43) - 43 - حدثنا أبو الحسن علي بن ثابت الدواليني رضي الله عنه. بمدينة السلام سنة اثنتين وخمسين وثلاث مأة، قال: حدثنا محمد بن على بن عبد الصمد الكوفى، قال: حدثنا على بن عاصم، عن محمد بن علي بن موسى، عن أبيه علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين [بن] على بن أبي طالب عليهم السلام، قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده أبى بن كعب، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله:
(1) - سية القوس: بكسر السن وفتح اليا المثناة من تحت: ما عطف من طرفيها، لسان العرب.
(2) - الخصال 2: 417، بحار الانوار 103: 34 حديث 8. (3) - كنز العمال 10: 542.
[58]
مرحبا بك يا أبا عبد الله، يا زين السموات والارضين. قال له أبي: وكيف يكون يا رسول الله صلى الله عليه وآله زين السموات والارضين أحد غيرك ؟ قال: يا ابي والذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الارض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: مصباح هدى وسفينة نجاة وامام خير ويمن وعز وفخر وعلم وذخر، وان الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية، ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عز وجل معه، وكان شفيعه في آخرته، وفرج الله عنه كربه، وقضى بها دينه، و يسر أمره، وأوضح سبيله، وقواه على عدوه، ولم يهتك ستره. فقال له أبي بن كعب: وما هذه الدعوات يا رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: (اللهم إني أسألك بكلماتك، ومعاقد عرشك، وسكان سمواتك، وأنبيائك، ورسلك، أن تستجيب لي، فقد رهقني (1) من أمري عسرا، فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل لي من أمري يسرا). فإن الله عز وجل يسهل أمرك، ويشرح صدرك، ويلقنك شهادة أن لاإله إلا الله عند خروج نفسك. قال له أبي: يا رسول الله فما هذه النطفة التي في صلب حبيبي الحسين ؟ قال: مثل هذه النطفة كمثل القمر، وهي نطفة تبيين وبيان، يكون من اتبعه رشيدا، ومن ضل عنه هويا.
قال: فما اسمه وما دعاؤه ؟ قال: اسمه علي، ودعاؤه: يا دائم يا ديموم، يا حي يا قيوم، يا كاشف الغم،
(1) - رهق كفرح: غشيه وقطعه ودنى منه.
[59]
ويا فارج الهم، ويا باعث الرسل، ويا صادق الوعد. من دعا بهذا الدعاء حشره الله عز وجل مع علي بن الحسين، وكان قائده الى الجنة. فقال له ابي: يا رسول الله فهل له من خلف ووصي ؟ قال: نعم، له مواريث السموات والارض. قال: ما معنى مواريث السموات والارض يا رسول الله ؟ قال: القضاء بالحق، والحكم بالديانة، وتأويل الاحكام، وبيان ما يكون. قال: فما اسمه ؟ قال: اسمه محمد، وأن الملائكة لتستأنس به في السموات، ويقول في دعائه: اللهم إن كان لي عندك رضوان وود فاغفر لي ولمن تبعني من إخواني و شيعتي وطيب ما في صلبي. فركب الله عز وجل في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية. وأخبرني جبرائيل عليه السلام: ان الله عز وجل طيب هذه النطفة وسماها عنده جعفرا، جعله هاديا مهديا راضيا مرضيا يدعو ربه فيقول في دعائه: يا دان غير متوان، يا أرحم الراحمين، إجعل لشيعتي من النار وقاء، ولهم عندك رضا، واغفر ذنوبهم، ويسر امورهم، واقض ديونهم، واستر عوراتهم، وهب لهم الكباير التي بينك وبينهم، يا من لا يخاف الضيم، ولا تأخذه سنة ولانوم، إجعل لي من كل غم فرجا. من دعا بهذا الدعاء حشره الله تعالى أبيض الوجه مع جعفر بن محمد الى
الجنة. يا ابي، إن الله تبارك وتعالى ركب على هذه النطفة نطفة زكية مباركة طيبة أنزل عليها الرحمة وسماها عنده موسى. قال له أبي: يا رسول الله، كأنهم يتواصفون ويتناسلون ويتوارثون، ويصف
[60]
بعضهم بعضا. قال: وصفهم لي جبرائيل عن رب العالمين جل جلاله. قال: فهل لموسى من دعوة يدعو بها سوى دعاء آبائه ؟ قال: نعم، يقول في دعائه: يا خالق الخلق، ويا باسط الرزق وفالق الحب و النوى، وبارئ النسم، ومحيي الموتى، ومميت الاحياء، ودائم الثبات، ومخرج النبات، إفعل بي ما أنت أهله. من دعا بهذا الدعاء قضى الله تعالى حوائجه وحشره يوم القيامة مع موسى بن جعفر. وان الله عز وجل ركب في صلبه نطفة مباركة زكية رضية مرضية وسماها عنده عليا، يكون لله تعالى في خلقه رضيا في علمه وحكمه، ويجعله حجة لشيعته يحتجون به يوم القيامة، وله دعاء يدعو به: اللهم أعطني الهدى وثبتني عليه واحشر بي عليه آمنا، آمن من لاخوف عليه ولا حزن ولاجزع، إنك أهل التقوى وأهل المغفرة. وان الله عز وجل ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة زكية رضية مرضية و سماها محمد بن علي، فهو شفيع شيعته ووارث علم جده، له علامة بينة وحجة ظاهرة، إذا ولد يقول: لاإله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول في دعائه: يا من لا شبيه له ولا مثال، أنت الله الذي لاإله إلا أنت، ولا خالق إلا أنت، تفني
المخلوقين وتبقى، أنت حلمت عمن عصاك، وفي المغفرة رضاك. من دعا بهذا الدعاء كان محمد بن علي شفيعه يوم القيامة. وان الله تعالى ركب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية، بارة مباركة طيبة طاهرة سماها عنده علي بن محمد، فألبسها السكينة والوقار، وأودعها العلوم و كل سر مكتوم، من لقيه وفي صدره شئ انبأه به وحذره من عدوه، ويقول في
[61]
دعائه: يا نور يا برهان، يا منير يا مبين، يا رب اكفني شر الشر ورو آفات الدهور، وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور. من دعا بهذا الدعا كان علي بن محمد شفيعه و قائده الى الجنة. وأن الله تبارك وتعالى ركب في صلبه نطفة وسماها عنده الحسن، فجعله نورا في بلاده، وخليفة في أرضه، وعزا لامة جده، وهاديا لشيعته، وشفيعا لهم عند ربه، ونقمة على من خالفه، وحجة لمن والاه، وبرهانا لمن اتخذه إماما، يقول في دعائه: يا عزيز العز في عزه، ما أعز عزيز العز في عزه، يا عزيزا عزني بعزك، و أيدني بنصرك، وأبعد عني همزات الشياطين، وادفع عني بدفعك، وامنع عني بمنعك، واجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد. من دعا بهذا الدعاء حشره الله عز وجل معه، ونجاه من النار ولو وجبت عليه. وان الله تبارك وتعالى ركب في صلب الحسن نطفة مباركة زكية طيبة طاهرة مطهرة، يرضى بها كل مؤمن ممن قد أخذ الله تعالى ميثاقه في الولاية، و يكفر بها كل جاحد، فهو امام تقي نقي سار مرضى هادي مهدي، يحكم بالعدل و يأمر به، يصدق الله تعالى ويصدقه الله تعالى في قوله، يخرج من تهامة (1) حين تظهر الدلائل والعلامات، وله كنوز لاذهب ولافضة إلا خيول مطهمة (2) ورجال
مسومة (3) يجمع الله تعالى له من أقاصي البلاد على عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه باسمائهم وأنسابهم وبلدانهم و طبائعهم وحلاهم وكناهم، كدادون مجدون في طاعته. فقال له أبي: وما دلايله وعلاماته يا رسول الله ؟
(1) - التهامة بالكسر وتخفيف الميم: بلاد شرقي الحجاز والنسبة إليه تهامي - مكة. (2) - المطهم: التام من كل شئ ووجه مطهم أي مجتمع مدور جميل (3) - وخيل المسومة أي المرعية والمسومة ايضا المعلمة.
[62]
قال: له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه وأنطقه الله تعالى، فناداه العلم: اخرج يا ولي الله فاقتل أعداء الله، وهما رايتان وعلامتان، و له سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اختلع ذلك السيف من غمده وأنطقه الله عز وجل فناداه السيف: اخرج يا ولي الله، فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله، فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله ويحكم بحكم الله. ويخرج جبرئيل عليه السلام عن يمينه وميكائيل عن يساره، وسوف تذكرون ما أقول لكم ولو بعد حين، وأفوض أمري إلى الله تعالى عز وجل، يا أبي طوبي لمن لقيه، وطوبى لمن أحبه، وطوبى لمن قال به ينجيهم الله به من الهلكة وبالاقرار بالله وبرسوله وبجميع الائمة يفتح الله لهم الجنة، مثلهم في الارض كمثل المسك الذي يسطع ريحه ولا يتغير أبدا، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفي نوره أبدا. قال ابي: يا رسول الله كيف بيان حال هؤلاء الائمة عن الله عز وجل ؟ قال: إن الله عز وجل أنزل علي اثنا عشر صحيفة اسم كل امام على خاتمه وصفته في صحيفته. (1)
منها: تسمية علي عليه السلام بامرة المؤمنين (44) - 44 - قال المفيد: حدقا أبو الحسن محمد بن مظفر الوراق، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الثلج، قال: أخبرني الحسين بن أيوب من كتابه، عن محمد بن غالب، عن علي ابن الحسن، عن عبد الله بن جبلة، عن ذريح المحاربي، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، عن أبيه، عن جده قال: (إن الله جل
(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 62 حديث 29، أكمال الدين 1: 264 حديث 11، بحار الانوار 36: 204 حديث 7، العوالم 15: 58 حديث 7، مستدرك الوسائل 5: 86 أشار الى صدر الرواية.
[63]
جلاله بعث جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله أن يشهد لعلي بن أبي طالب عليه السلام بالولاية في حياته، ويسميه بإمرة المؤمنين قبل وفاته، فدعا نبى الله صلى الله عليه وآله تسعة رهط، فقال: إنما دعوتكم لتكونوا شهداء الله في الارض أقمتم أم كتمتم. ثم قال: يا أبا بكر قم فسلم على علي بإمرة المؤمنين، فقال: أعن أمر الله و رسوله ؟ قال: نعم، فقام فسلم عليه بإمرة المؤمنين. ثم قال: قم يا عمر فسلم على علي بإمرة المؤمنين، فقال: أعن أمر الله و رسوله نسميه أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، فقام فسلم عليه. ثم قال للمقداد بن الأسود الكندي: قم فسلم على على بإمرة المؤمنين، فقام فسلم، ولم يقل مثل ما قال الرجلان من قبله. ثم قال لابي ذر الغفاري: قم فسلم على علي بإمرة المؤمنين، فقام فسلم عليه. ثم قال لحذيفة اليماني: قم فسلم على أمير المؤمنين، فقام فسلم عليه. ثم قال لعمار بن ياسر: قم فسلم على أمير المؤمنين، فقام فسلم عليه. ثم قال لعبدالله بن مسعود: قم فسلم على علي بإمرة المؤمنين، فقام فسلم
عليه. ثم قال لبريدة: قم فسلم على أمير المؤمنين - وكان بريدة أصغر القوم سنا - فقام فسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما دعوتكم لهذا الامر لتكونوا شهداء الله أقمتم ام تركتم). (1) (45) - 45 - الصدوق بإسناد التميمي عن الرضا عن آبائه عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: (قال لي بريدة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نسلم على أبيك بإمرة المؤمنين). (2)
(1) - امالي المفيد 18، بحار الانوار 37: 335 حديث 47. (2) - بحار الانوار 37: 290 حديث 1.
[64]
منها: صعود علي عليه السلام على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله (46) - 46 - روى فرات عبيد بن كثير معنعنا عن عطاء بن أبي رياح، قال: قلت لفاطمة بنت الحسين عليه السلام: جعلت فداك أخبريني بحديث أحتج به على الناس. قالت: نعم، أخبرني أبي (أن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن اصعد المنبر وادع الناس إليك)، ثم قل: (أيها الناس من انتقص أجيرا أجره فليتبوأ مقعده من النار، ومن ادعى الى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار، ومن عق والديه فليتبوأ مقعده من النار). قال: (فقال رجل: يا أبا الحسن ما لهن من تأويل ؟ فقال: (الله ورسوله أعلم)، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ويل لقريش من تأويلهن) ثلاث مرات، ثم قال: (يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الاجير الذي أثبت الله مودته من السماء، وأنا وأنت موليا المؤمنين، وأنا و أنت أبوا المؤمنين). ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (يا معشر قريش والمهاجرين، فلما اجتمعوا
قال: يا أيها الناس إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أولكم إيمانا بالله، و أقومكم بالله، وأوفاكم بعهد الله، وأعلمكم بالقضية، وأقسمكم بالسوية، وأرحمكم بالرعية، وأفضلكم عند الله مزية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله مثل لي امتي في الطين وأعلمني بأسمائهم كما علم آدم الاسماء كلها، فمربي أصحاب الرايات، فاستغفرت لعلي عليه السلام و شيعته، وسألت ربي أن يستقيم امتي على علي بن أبي طالب من بعدي، فأبى ربي إلا أن يضل من يشاء. ثم ابتدأني ربي في أمير المؤمنين علي بن أبى طالب بسبع:
[65]
أما أولهن: فإنه أول من تنشق عنه الارض معي ولافخر. وأما الثانية: فإنه يذود عن حوضي كما تذود الرعاة غريبة الابل. وأما الثالثة: فإن من فقراء شيعة علي ليشفع في مثل ربيعة ومضر. وأما الرابعة: فإنه أول من يقرع باب الجنة معي ولافخر. وأما الخامسة: فإنه يزوج من حور العين ولافخر. وأما السادسة: فإنه أول من يسكن معي في عليين ولافخر. وأما السابعة: فإنه أول من يسقى من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (1). (2) منها: اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله (47) - 47 - عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: (خبأ النبي صلى الله عليه وآله لابن صياد دخانا، فسأله عما خبأ له، فقال: دخ، فقال: اخسأ فلن تعدو أصلك، فلما ولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال القوم: وماذا قال ؟ قال بعضهم: ! دخ، وقال بعضهم بل: ذخ: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا وأنتم معي تختلفون ! فأنتم بعدي أشد اختلافا). (3)
منها: مسائل اليهودي (48) - 48 - قال المفيد: حدثنا عبد الرحمن بن أبراهيم، قال: حدثنا الحسين بن مهران، قال: حدثني الحسين بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن جعفر بن محمد عن ابيه، عن جده الحسين بن علي أبي طالب عليهما السلام قال: (جاء رجل من اليهود إلى
(1) - المطففين: 46. (2) - تفسير فرات 544 حديث 699، بحار الانوار 40: 59 حديث 39. (3) - كنز العمال 14: 615 حديث 39713، الذرية الطاهره: 131 وفيه، قال: (حدثنا، محمد بن اسماعيل و محمد بن مسعود، قالا: حدثنا معمر عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، أنه سمع حسين بن علي يحدث: أن النبي (ص) خبأ... مع اختلاف بعض الالفاظ.
[66]
النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد أنت الذي تزعم أنك رسول الله، وأنه يوحى إليك كما أوحي إلى موسى بن عمران ؟ قال: نعم، أنا سيد ولد آدم ولافخر، أنا خاتم النبيين وإمام المتقين ورسول رب العالمين. فقال: يا محمد إلى العرب أرسلت، أم إلى العجم، أم إلينا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني رسول الله إلى الناس كافة. قال: إني أسألك عن عشر كلمات أعطاها الله موسى في البقعة المباركة حيث ناجاه لا يعلمها إلا نبي مرسل أو ملك مقرب. فقال النبي صلى الله عليه وآله: سل عما بدا لك. فقال: يا محمد أخبرني عن الكلمات التي اختارها الله لابراهيم عليه السلام حين بنى هذا البيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: نعم، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فقال: يا محمد لأي شئ بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة مربعا ؟
قال: لان الكلمات أربعة. قال: فلأي شئ سمى الكعبة كعبة ؟ قال: لانها وسط الدنيا. قال: فأخبرني عن تفسير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: علم الله أن ابن آدم والجن يكذبون على الله تعالى، فقال: سبحان الله، يعني برئ مما يقولون ؟ وأما قوله: الحمد لله، علم الله أن العباد لا يؤدون شكر نعمته، فحمد نفسه عز وجل قبل أن يحمده الخلائق، وهي أول الكلام، لولا ذلك لما أنعم الله على أحد بالنعمة.
[67]
وأما قوله: لا إله إلا الله، وهي وحدانيته، لا يقبل الله الاعمال إلا به، و لايدخل الجنة أحد إلا به، وهي كلمة التقوى، سميت التقوى لما تثقل بالميزان يوم القيامة. وأما قوله: الله أكبر، فهي كلمة ليس أعلاها كلام وأحبها إلى الله، يعني ليس أكبر منه، لانه يستفتح الصلوات به لكرامته على الله، وهو اسم من أسماء الله الاكبر. فقال: صدقت يا محمد، ما جزاء قائلها ؟ قال: إذا قال العبد: سبحان الله، سبح كل شئ معه ما دون العرش، فيعطى قائلها عشر أمثالها ؟ وإذا قال: الحمد لله، أنعم الله عليه بنعيم الدنيا حتى يلقاه بنعيم الاخرة، وهي الكلمة التي يقولها أهل الجنة إذا دخلوها، والكلام ينقطع في الدنيا ما خلا الحمد و ذلك قولهم: تحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (1).
وأما ثواب لا إله إلا الله، فالجنة، وذلك قوله: هل جزاء الاءحسان إلا الاءحسان (2) وأما قوله: الله أكبر، فهي أكبر درجات في الجنة وأعلاها منزلة عند الله. فقال اليهودي: صدقت يا محمد اديت واحدة، تأذن لي أن أسألك الثانية ؟ فقال: النبي صلى الله عليه وآله: سلني ما شئت، وجبرئيل عن يمين النبي صلى الله عليه وآله وميكائيل عن يساره يلقنانه. فقال اليهودي: لاي شئ سميت محمدا وأحمد وأبا القاسم و بشيرا و نذيرا وداعيا ؟
(1) - يونش: 11. (2) - الرحمن: 60.
[68]
فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما محمد، فإني محمود في السماء، وأما أحمد، فإني محمود في الارض، وأما أبو القاسم، فإن الله تبارك وتعالى يقسم يوم القيامة قسمة النار بمن كفر بي أو يكذبني من الاولين والاخرين، وأما الداعي، فإني أدعو الناس إلى دين ربي إلى الاسلام، وأما النذير، فإني انذر بالنار من عصاني، و أما البشير، فإني ابشر بالجنة من أطاعني. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الثالث، لاي شئ وقت الله هذه الصلوات الخمس في خمس مواقيت على امتك في ساعات الليل والنهار ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الشمس إذا بلغ عند الزوال لها حلقة تدخل فيها، فإذا دخل فيها زالت الشمس، فسبحت كل شئ ما دون العرش لربي، وهي الساعة التي يصلى على ربي، فافترض الله على وعلى امتي فيه الصلاة إذ قال: أقم الصلوة لدلوك الشمس (1) وهي الساعة التي تؤتى بجهنم يوم القيامة، فما من
مؤمن يوافق في تلك الساعة ساجدا أو راكعا أو قائما في صلاته إلا حرم الله جسده على النار. وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم عليه السلام من الشجرة ونقص عليه الجنة، فأمر الله لذريته إلى يوم القيامة بهذه الصلاة، واختارها وافترضها، فهي من احب الصلوات إلى الله عز وجل، فأوصاني ربي أن أحفظها من بين الصلوات كلها، قال: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (2)، فهي صلاة العصر. وأما صلاة العشاء (3) فهي الساعة التي تاب الله على آدم عليه السلام، فكان مابين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا، وفي أيام الاخرة يوم كألف سنة مما تعدون، فصلى آدم صلوات الله عليه ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، و
(1) - الاسراء: 77. والدلوك: زوالها ميلها، وقيل: غروبها. (2) - البقره: 238. (3) - يعني المغرب بقرينة العشاء الاخرة.
[69]
ركعة لخطيئة حواء، وركعة لتوبته. فتاب الله عليه، وفرض الله على امتي هذه الثلاث ركعات، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعوة، ووعدني ربي أن لا يخيب من سأله حيث قال: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (4). وأما صلاة العتمة، فإن للقبر ظلمة، وليوم القيامة ظلمة، أمر الله لي ولامتي بهذه الصلاة، وما من قدم مشيت إلى صلاة العتمة إلا حرم الله عليه قعور النار، و ينور الله قبره، ويعطى يوم القيامة نورا تجاوز به الصراط، وهي الصلاة التي اختارها للمرسلين قبلي. وأما صلاة الفجر، فإن الشمس إذا طلعت تطلع من قرن الشيطان، فأمر الله لي أن اصلي الفجر قبل طلوع الشمس، وقبل أن يسجد الكفار لها يسجدون امتي لله، وسرعتها أحب إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة
النهار. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الرابع، لاي شئ أمر الله غسل هذه الاربع جوارح وهي أنظف المواضع في الجسد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: لما أن وسوس الشيطان فدنى آدم إلى الشجرة فنظر إليها ذهب بماء وجهه ثم قام، فهي أول قدم مشيت إلى الخطيئة، ثم تناولها، ثم شقها فأكل منها، فلما أن أكل منها طارت منه الحلل والنور من جسده، ووضع آدم يده على رأسه وبكى، فلما أن تاب الله على آدم افترض الله عليه وعلى ذريته اغتسال هذه الاربع جوارح، وأمر أن يغسل الوجه لما نظر آدم إلى الشجرة، وأمر أن يغسل الساعدين إلى المرافق لما مد يديه إلى الخطيئة، وأمر أن يمسح الرأس لما وضع يده على أم رأسه، وأمر أن يمسح القدم بما مشيت إلى الخطيئة، ثم سننت على امتي المضمضة والاستنشاق، والمضمضة تنقي القلب من الحرام،
(1) - الروم 17.
[70]
والاستنشاق يحرم رائحة النار. فقال: صدقت يا محمد، ما جزاء من توضأ كما أمرت ؟ قال: أول ما يمس الماء يتباعد عنه الشيطان، وإذا مضمض نور الله لسانه و قلبه بالحكمة، وإذا استنشق أمنه الله من فتن القبر ومن فتن النار، فإذا غسل وجهه بيض الله وجهه يوم تسود الوجوه، وإذا غسل ساعديه حرم الله عليه غلول النار، و إذا مسح رأسه مسح الله سيئاته، وإذا مسح قدميه جاوزه الله على الصراط يوم تزل فيه الاقدام. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الخامس، بأى شئ أمر الله الاغتسال من النطفة ولم يأمر من البول والغائط، والنطفة انظف من البول والغائط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لان آدم لما أكل من الشجرة تحول ذلك في عروقه و
شعره وبشره، وإذا جامع الرجل المرأة خرجت النطفة من كل عرق وشعر، فأوجب الله الغسل على ذرية آدم إلى يوم القيامة، والبول والغائط لا يخرج إلا من فضل ما يأكل ويشرب الانسان، كفى به الوضوء. فقال اليهودي: ما جزاء من اغتسل من الحلال ؟ قال: بنى الله له بكل قطرة من ذلك الماء قصرا في الجنة، وهو شئ بين الله و بين عباده من الجنابة. فقال اليهودي: يا محمد، فأخبرني عن السادس، عن ثمانية أشياء في التوراة مكتوبة، أمر الله بني إسرائيل أن يعبدونه بعد موسى. فقال النبي صلى الله عليه وآله: انشدك الله إن أخبرتك أن تقربه ؟ فقال اليهودي: بلى يا محمد. فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن أول ما في التوراة مكتوب: محمد رسول الله وهي مما اساطه ثم صار قائما، ثم تلا هذه الاية يجدونه مكتوبا عندهم في التورية
[71]
والانجيل (1) ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد (2) واما والثانى والثالث والرابع: فعلي، وفاطمة، وسبطيهما، وهي سيدة نساء العالمين، في التوراة (إيليا، وشبرا شبيرا، وهليون)، يعني فاطمة والحسن والحسين عليهما السلام. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن فضلك على النبيين وفضل عشيرتك على الناس ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما فضلي على النبيين، فما من نبي إلا دعا على قومه وأنا اخترت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة. وأما فضل عشيرتي وأهل بيتي و ذريتي كفضل الماء على كل شئ، بالماء يبقى كل ويحيى، كما قال ربي تبارك و تعالى: وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون (1)، ومحبة أهل بيتي و
عشيرتي وذريتي يستكمل الدين. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن السابع، ما فضل الرجال على النساء ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: كفضل السماء على الارض، وكفضل الماء على الارض، بالماء يحيى كل شئ وبالرجال يحيى النساء، لولا الرجال ما خلق الله النساء، و ما مرأة تدخل الجنة إلا بفضل الرجال، قال الله تبارك وتعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض (2). فقال: يا محمد لاي شئ هذا هكذا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: خلق آدم صلوات الله عليه من طين، ومن صلبه ونفسه خلق النساء، وأول من أطاع النساء آدم صلوات الله عليه، فأنزله من الجنة وقد بين الله فضل الرجال على النساء في الدنيا، ألا ترى النساء كيف يحضن فلا
(1) - الاعراف: 157. (2) - الصف: 6. (3) - الانبياء: 30. (4) - النساء: 33.
[72]
يمكنهن العبادة من القذارة، والرجال لا يصيبهم ذلك. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الثامن، لاي شئ افترض الله صوما على امتك ثلاثين يوما، وافترض على سائر الامم أكثر من ذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن آدم صلوات الله عليه لما أن أكل من الشجرة بقي في جوفه مقدار ثلاثين يوما، فافترض على ذريته ثلاثين يوما الجوع والعطش، وما يأكلونه بالليل فهو تفضل من الله على خلقه، وكذلك كان لادم صلوات الله عليه ثلاثين يوما كما على أمتي، ثم تلاهذه الاية كتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم لعلكم تتقون (1). قال: صدقت يا محمد ما جزاء من صامها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن يصوم يوما من شهر رمضان حاسبا محتسبا إلا أوجب الله تعالى له سبع خصال: أول الخصلة: يذوب الحرام من جسده، والثاني: يتقرب إلى رحمة الله، والثالث: يكفر خطيئته، ألا تعلم أن الكفارات في الصوم يكفر، والرابع: يهون عليه سكرات الموت، والخامس: أمنه الله من الجوع والعطش يوم القيامة، والسادس: براءة من النار، والسابع: أطعمه الله من طيبات الجنة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن التاسع، لاي شئ أمر الله الوقوف بعرفات بعد العصر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: لان بعد العصر ساعة عصى آدم صلوات الله عليه ربه، فافترض الله على امتي الوقوف والتضرع والدعاء في أحب المواضع إلى الله وهو موضع عرفات، وتكفل بالاجابة والساعة التي ينصرف وهي الساعة التي تلقى آدم صلوات الله عليه من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.
(1) - البقرة: 182.
[73]
قال: صدقت يا محمد، فما ثواب من قام بها ودعا وتضرع إليه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا إن لله تبارك وتعالى في السماء سبعة أبواب: باب التوبة، وباب الرحمة، وباب التفضل، وباب الاحسان، وباب الجود، وباب الكرم، وباب العفو. لا يجتمع أحد إلا يستأهل من هذه الابواب وأخذ من الله هذه الخصال، فإن لله تبارك وتعالى مائة ألف ملك، مع كل ملك مائة وعشرون ألف ملك، ولله مائة رحمة ينزلها على أهل عرفات، فإذا انصرفوا أشهد الله تلك الملائكة بعتق رقاب أهل عرفات، فإذا انصرفوا أشهد الله
تلك الملائكة بأنه أوجب لهم الجنة، وينادي مناد انصرفوا مغفورا لكم فقد أرضيتموني ورضيت لكم. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن العاشر، تسعة خصال أعطاك الله من بين النبيين وأعطى امتك من بين الامم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: فاتحة الكتاب، والاذان، والاقامة، والجماعة في مساجد المسلمين، ويوم الجمعة، والاجهار في ثلاث صلوات والرخصة لامتي عند الامراض، والسفر، والصلاة على الجنائز، والشفاعة في أصحاب الكبائر من امتي. قال: صدقت يا محمد، فما ثواب من قرأ فاتحة الكتاب ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: من قرأ فاتحه الكتاب أعطاه الله من الاجر بعدد كل كتب أنزل من السماء قرأها وثوابها. وأما الاذان فيحشر مؤذن امتي مع النبيين والصديقين والشهداء. وأما الجماعة فإن صفوف امتي كصفوف الملائكة في السماء الرابعة، والركعة في الجماعة أربعة وعشرون ركعة، كل ركعة أحب إلى الله من عبادة أربعين سنة.
[74]
وأما يوم الجمعة فهو يوم جمع الله فيه الاولين والاخرين يوم الحساب، مامن مؤمن مشى بقدميه إلى الجمعة إلا خفف الله عليه أهوال يوم القيامة بعد مإ، يخطب الامام وهي ساعة يرحم الله فيه المؤمنين والمؤمنات. وأما الاجهار فما من مؤمن يغسل ميتا إلا يتباعد عنه لهب النار، (1) ويوسع عليه الصراط بقدر ما يبلغ الصوت ويعطي نورا حتى يوافي الجنة. وأما الرخصة فإن الله يخفف أهوال القيامة على من رخص من امتي، كما
رخص الله في القرآن. وأما الصلاة على الجنائز فما من مؤمن يصلى على جنازة إلا يكون شافعا أو مشفعا. وأما شفاعتي في أصحاب الكبائر من امتي ما خلا الشرك والمظالم. قال: صدقت يا محمد، أشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك خاتم النبيين وإمام المتقين ورسول رب العالمين. ثم أخرج ورقا أبيض من كمه مكتوب عليه جميع ما قال النبي صلى الله عليه وآله حقا، فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا ما استنسختها إلا من الالواح الذي كتب الله لموسى ابن عمران، فقد قرأت في التوراة مائة ألف آية، فما من آية قرأتها إلا وجدتك مكتوبا فيها، وقد قرأت في التوراة فضيلتك حتى شككت فيها، يا محمد فقد كنت أمحي اسمك في التوراة أربعين سنة، فكلما محوت وجدت اسمك مكتوبا فيها، ولقد قرأت في التوراة هذه المسائل لا يخرجها غيرك، وإن ساعة ترد جواب هذه المسائل يكون جبرئيل عن يمينك وميكائيل عن يسارك. فقال النبي صلى الله عليه وآله: جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يسارى، وصلى الله
(1) - كذا في النسختين، وفيه تصحيف، وفي أمالي الصدوق (وأما الاجهار فإنه يتباعد لهب النار منه بقدر ما يبلغ صوته).
[75]
على محمد وآله ولسم كثيرا. (1). منها: جود على عليه السلام للاعرابي (49) - 49 - قال الصدوق حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال حدثنا عمر بن سهل بن اسماعيل الدينوري، قال: حدثنا زيد بن اسماعيل الصائغ، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن خالد بن ربعي، قال: ان
أمير المؤمنين عليه السلام دخل مكة في بعض حوائجه، فوجد اعرابيا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول: يا صاحب البيت، البيت بيتك، والضيف ضيفك، ولكل ضيف من ضيفه قرى، فاجعل قراي منك الليلة المغفرة. فقال: أمير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: (أما تسمعون كلام الاعرابي). قالوا: نعم. فقال: (الله أكرم من أن يرد ضيفه). قال: فلما كان الليلة الثانية وجده متعلقا بذلك الركن وهو يقول: يا عزيزا في عزك فلا أعز منك في عزك، أعزني بعز عزك، في عز لا يعلم أحد كيف هو، أتوجه إليك وأتوسل إليك بحق محمد وآل محمد عليك أعطني ما لا يعطيني أحد غيرك، واصرف عني مالا يصرفه أحد غيرك. قال فقال أمير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: (هذا والله الاسم الاكبر بالسريانية، اخبرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله سأله الجنة فأعطاه، وسأله صرف النار وقد صرفها عنه). قال: فلما كان الليلة الثالثة وجده وهو متعلق بذلك الركن وهو يقول: يا من
(1) - الاختصاص 33، تفسير البرهان 3: 59 حديث 4، ورد فيه مختصرا، امالي الصدوق 157 وفيه عن الحسن بن علي عليهما السلام.
[76]
لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان، بلا كيفية كان، أرزق الاعرابي أربعة آلاف درهم. قال: فتقدم إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (يا اعرابي سألت ربك القرى فقراك، وسألته الجنة فأعطاك، وسألته أن يصرف عنك النار وقد صرفها عنك، و في هذه الليلة تسأله أربعة آلاف درهم).
قال الاعرابي: من أنت. قال: (أنا علي بن أبي طالب). قال الاعرابي: أنت والله بغيتي، وبك أنزلت حاجتى. قال: (سل يا اعرابي). قال: اريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي به ديني وألف درهم أشتري به دارا، وألف درهم أتعيش منه. قال: (أنصفت يا أعرابي فإذا خرجت من مكة فسل عن داري بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله فاقام الاعرابي بمكة اسبوعا وخرج في طلب أمير المؤمنين إلى مدينة الرسول، ونادى: من يدلني على دار أمير المؤمنين علي عليه السلام. فقال الحسين بن علي من بين الصبيان: (أنا أدلك على دار أمير المؤمنين، و أنا ابنه الحسين بن علي). فقال الاعرابي: من أبوك ؟ قال: (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) عليه السلام. قال: من أمك ؟ قال: (فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين). قال: من جدك ؟ قال: (رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب).
[77]
قال: من جدتك ؟ قال: (خديجة بنت خويلد). قال: من أخوك ؟ قال: (أبو محمد الحسن بن على).
قال: قد أخذت الدنيا بطرفيها، أمش إلى أمير المؤمنين وقل له: إن الاعرابي صاحب الضمان بمكة على الباب. قال: فدخل الحسين بن على عليهم السلام وقال: (يا أبه اعرابي بالباب يزعم أنه صاحب الضمان بمكة). قال: فقال: (يا فاطمة عندك شئ يأكله الاعرابي). قالت: (اللهم لا) قال فتلبس أمير المؤمنين عليه السلام وخرج وقال: أدعوا إلي أبا عبد الله سلمان الفارسي، قال: فدخل إليه سلمان الفارسي، فقال: (يا أبا عبد الله أعرض الحديقة التي غرسها رسول الله لي على التجار). قال: فدخل سلمان إلى السوق وعرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم، وأحضر المال وأحضر الاعرابي، فاعطاه أربعة آلاف درهم وأربعين درهما نفقة، ووقع الخبر إلى سؤال المدينة فاجتمعوا ومضى رجل من الانصار إلى فاطمة فأخبرها بذلك، فقالت: (آجرك الله في ممشاك)، فجلس علي عليه السلام والدراهم مصبوبة بين يديه حتى اجتمع إليه أصحابه فقبض قبضة قبضة وجعل يعطي رجلا رجلا حتى لم يبق معه درهم واحد، فلما أتى المنزل قالت له فاطمة عليهم السلام: (يا بن عم بعت الحائط الذي غرسه لك والدي) ؟ قال: (نعم، بخير منه عاجلا وآجلا). قالت: (فأين الثمن) ؟ قال: (دفعته إلى أعين، استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني).
[78]
قالت: فاطمة: (أنا جائعة وابناي جائعان، ولا أشك إلا وأنك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم)، واخذت بطرف ثوب علي عليه السلام، فقال علي: (يا فاطمة خليني)، فقالت: (لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي)، فهبط جبرائيل على
رسول الله فقال: يا محمد، الله يقرئك السلام ويقول: اقرأ عليا مني السلام وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على يديه ولا تلزمي بثوبه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله منزل علي عليه السلام وجد فاطمة ملازمة لعلي، فقال لها: (يا بنية ما لك ملازمة لعلي) ؟ قالت: (يا أبه باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر الف درهم ولم يحبس لنا منه درهما نشتري به طعاما). فقال: (يا بنية إن جبرائيل يقرئني من ربي السلام ويقول: اقرأ عليا من ربه السلام وأمرني أن أقول لك ليس لك أن تضربي على يديه ولا تلزمي بثوبه). قالت فاطمة: (فإني استغفر الله ولا أعود أبدا)، قالت فاطمة عليها السلام: (فخرج أبي صلى الله عليه وآله في ناحية وزوجي علي في ناحية، فما لبث أن أتى أبي صلى الله عليه وآله ومعه سبعة دراهم سود هجرية، فقال يا فاطمة أين ابن عمي، فقلت له: خرج، فقال رسول الله: هاك هذه الدراهم، فإذا جاء ابن عمي فقولي له يبتاع لكم بها طعاما، فما لبثت إلا يسيرا حتى جاء علي عليه السلام، فقال: رجع ابن عمي فإني أجد رائحة طيبة، قالت: نعم، وقد دفع إلي شيئا تبتاع لنا به طعاما)، قال علي عليه السلام (هاتيه، فدفعت إليه سبعة دراهم سود هجرية، فقال: بسم الله والحمد الله كثيرا طيبا، وهذا من رزق الله عز وجل)، ثم قال (يا حسن قم معي، فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول من يقرض الملي الوفي، قال: يا بني تعطيه، قال: إي والله يا أبه، فاعطاه علي عليه السلام الدراهم، فقال الحسن: يا أبتاه أعطيته الدراهم كلها، قال: نعم يا بني، إن الذي يعطي القليل قادر على أن يعطي الكثير. قال: فمضى علي عليه السلام بباب رجل يستقرض منه شيئا، فلقيه أعرابي ومعه
[79]
ناقة فقال: يا علي اشتر مني هذه الناقة. قال: (ليس معي ثمنها).
قال: فإني أنظرك به إلى القبض. قال: (بكم يا اعرابي). قال: بمائة درهم. قال علي عليه السلام: (خذها يا حسن)، فأخذها، فمضى علي فلقيه اعرابي آخر المثال واحد والثياب مختلفة، فقال: يا علي تبيع الناقة، قال علي عليه السلام: (وما تصنع بها) ؟ قال: أغزوا عليها أول غزوة يغزوها ابن عمك. قال: (إن قبلتها فهي لك بلا ثمن) قال: معي ثمنها، وبالثمن أشتريها، فبكم أشتريها. قال: (بمائة درهم). قال الاعرابي: فلك سبعون ومائة درهم. قال على خذ السبعين والمأة وسلم الناقة، المأة للاعرابي الذى باعنا الناقة والسبعون لنا نبتاع بها شيئا، فاخذ الحسن الدراهم وسلم الناقة. قال علي عليه السلام: (فمضيت أطلب الاعرابي الذي ابتعت منه الناقة لاعطيه ثمنها، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في مكان لم أره فيه قبل ذلك ولا بعده على قارعة الطريق، فلما نظر النبي صلى الله عليه وآله إلي تبسم ضاحكا حتى بدت نواجذه، قال علي: (أضحك الله سنك وبشرك بيومك، فقال يا ابا الحسن انك تطلب الاعرابي الذى باعك الناقة لتوفيه الثمن) ؟ فقلت أي والله فداك أبي وأمي، فقال: يا أبا الحسن الذي باعك الناقة جبرائيل، والذي اشتراهإ، منك ميكائيل، والناقة من نوق
[80]
الجنة، والدراهم من عند رب العالمين عز وجل). (1) منها: كلام النبي صلى الله عليه وآله مع خديجة عليها السلام في موت القاسم بن رسول الله
(50) - 50 - في سنن ابن ماجة: عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها قال: (لما توفي القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله قالت خديجة: يا رسول الله درت لبينة القاسم، فلو كان الله عز وجل أبقاه حتى يستكمل رضاعه، فقال صلى الله عليه وآله: إن تمام رضاعه في الجنة، قالت: لو أعلم ذلك يا رسول الله لهون علي أمره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن شئت دعوت الله فأسمعك صوته، قالت: يارسول الله حسبى صدق الله ورسوله). (2) منها: احياء الموتى (51) - 51 - عن الحسين عليه السلام: (ان رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه آله فقال: يا رسول الله انى قدمت من سفر لي، فبينما بنية خماسية تدرج حولي في حليها فأخذت بيدها وانطلقت بها إلى وادي فلان فطرحتها فيه، فقال النبي صلى الله عليه وآله انطلق معي فأرني الوادي، فانطلق معه فأراه الوادي، فقال النبي صلى الله عليه وآله لامها: ما كان اسمها ؟ قالت: فلانة، فقال صلى الله عليه وآله يا فلانة أجيبيني باذن الله، فخرجت الصبية وهي تقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، فقال لها: إن أبويك قد أساء افإن أحببت أن أردك عليهما ؟ فقالت: يا رسول الله لا حاجة لي فيهما وجدت الله خيرا لي منهما). (3)
(1) - امالي الصدوق: 377 حديث 10. (2) - ينابيع الموده: 200. (3) - المناقب لابن شهر آشوب 1: 132، بحار الانوار 18: 8.
[81]
منها: عدد الائمه عليهما السلام (52) - 52 - قال الصدوق حدثنا محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن القرشى، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن الثمالى عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده الحسين صلوات الله عليهم، قال: (دخلت أنا وأخي على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجلسني على فخذه، وأجلس أخي الحسن على فخذه الاخرى،
ثم قبلنا وقال: بأبي أنتما من أمامين صالحين، اختار كما الله مني ومن أبيكما و امكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلكم في الفضل والمنزلة عند الله تعالى سواء). (1) (53) - 53 - قال علي بن محمد بن علي الخزاز، عن علي بن الحسن بن محمد قال: حدثنا محمد بن الحسين بن الحكم الكوفي ببغداد، قال: حدثني الحسين بن حمدان الخصبي، قال: حدثني عثمان بن سعد العموي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مهران، قال: حدثني محمد بن اسماعيل الحسني، قال: حدثني خلف بن المفلس، قال: حدثني نعيم بن جعفر، قال: حدثني أبو حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهما السلام، قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو متفكر مغموم، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك متفكرا ؟ قال: يا بني إن الروح الامين قد أتانى فقال: يا رسول الله العلي الاعلى يقرئك السلام ويقول لك: إنك قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك، فاجعل الاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فإني لاأترك الارض إلا وفيها عالم يعرف به طاعتي ويعرف به ولايتي، فإني لم أقطع على
(1) - اكمال الدين 1: 269 حديث 12 بحار الانوار 36: 255 حديث 72، العوالم 15: 230 حديث 217 مع اختلاف.
[82]
النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الانبياء الذين كانوا بينك و بين أبيك آدم. قلت: يا رسول الله فمن يملك هذا الامر بعدك ؟ قال: أبوك علي بن أبي طالب أخي وخليفتي، ويملك بعد علي الحسن، ثم تملك أنت وتسعة من صلبك يملكه اثنا عشر اماما، ثم يقوم قائمنا يملا الدنيا
قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ويشفي صدور قوم مؤمنين هم شيعته). (1) (54) - 54 - وفي رواية حدثنا أبو علي أحمد بن سليمان، قال حدثني أبو علي بن همام، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن جمهور، عن أبيه محمد ابن جمهور، عن حماد بن عيسى، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على زيد بن علي عليه السلام فقلت: إن قوما يزعمون أنك صاحب هذا الامر. قال: ولكني من العترة. قلت: فمن يلي هذا الامر بعدكم ؟ قال: ستة (2) من الخلفاء والمهدي منهم. قال ابن مسلم: ثم دخلت على الباقر عليه السلام فأخبرته بذلك فقال: (صدق أخي زيد، سيلي هذا الامر بعدي سبعة من الاوصياء والمهدي منهم)، ثم بكى عليه السلام و قال: (كأني به وقد صلب في الكناسة). يا ابن مسلم حدثني أبي عن أبيه الحسين عليه السلام قال: (وضع رسول الله صلى الله عليه وآله. يده على كتفي وقال): يا بني يخرج من صلبك دجل يقال له زيد يقتل مظلوما، إذا كان يوم القيامة حشر الى الجنة.) (3). (55) - 55 - وفي رواية اخرى قال: حدثنا به علي بن الحسن قال: حدثنا عامر بن
(1) - كفاية الاثر: 177، بحار الانوار 36: 345 حديث 212، العوالم 15: 227 حديث 212. (2) - وفى نسخة: سبعة. (3) - كفاية الاثر 306.
[83]
عيسى بن عامر السير في بمكة في ذي الحجة سنة احدى وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثني أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيدالله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب، قال: حدثنا محمد بن مطهر،
قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عمر بن المتوكل بن هارون البجلي، عن أبيه المتوكل بن هارون، قال: لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه وهو متوجه إلى خراسان، فما رأيت رجلا في عقله وفضله، فسألته عن أبيه عليه السلام فقال: إنه قتل وصلب بالكناسة، ثم بكى وبكيت حتى غشي عليه. فما سكن قلت له: يا ابن رسول الله وما الذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغي وقد علم من أهل الكوفة ما علم ؟ فقال: نعم، لقد سألته عن ذلك، فقال: سألت أبي عليه السلام يحدث عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: (وضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على صلبي فقال: يا حسين يخرج من صلبك رجل يقال له: زيد يقتل شهيدا، إذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنة) فأحببت أن أكون كما وصفني رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) منها: حفظ أربعين حديثا (56) - 56 - قال الصدوق حدثنا الدقاق والمكتب والسناني، عن الاسدي، عن النخعي، عن عمه النوفلي، عن ابن الفضل الهاشمي، والسكوني جميعا، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان فيما أوصى به أن قال له: يا علي من حفظ من امتي أربعين حديثا يطلب بذلك وجه الله عز وجل
(1) - كفاية الاثر: 302 اثبات الهداة 2: 7، بحار الانوار 46: 198 حديث 73: 74.
[84]
والدار الاخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن اولئك رفيقا. فقال علي عليه السلام: يا رسول الله أخبرني ما هذه الاحاديث ؟
فقال: أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتعبده ولا تعبد غيره، وتقيم الصلاة بوضوء سابغ في مواقيتها ولا تؤخرها فإن في تأخيرها من غير علة غضب الله عز وجل، وتؤدي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إذا كان لك مال وكنت مستطيعا، وأن لاتعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم ظلما، ولا تأكل الربا، ولا تشرب الخمر ولا شيئا من الاشربة المسكرة، ولا تزني ولا تلوط، ولا تمشي بالنميمة، ولا تحلف بالله كاذبا، ولا تسرق، ولا تشهد شهادة الزور لاحد قريبا كان أو بعيدا. وأن تقبل الحق ممن جاء به صغيرا كان أو كبيرا، وأن لا تركن إلى ظالم و إن كان حميما قريبا، وأن لا تعمل بالهوى، ولا تقذف المحصنة، ولاترائي فإن أيسر الرياء شرك بالله عز وجل، وأن لا تقول لقصير: يا قصير، ولا لطويل: يا طويل تريد بذلك عيبه، وأن لا تسخر من أحد من خلق الله، وأن تصبر على البلاء والمصيبة، وأن تشكر نعم الله التي أنعم بها عليك، وأن لا تأمن عقاب الله على ذنب تصيبه، وأن لا تقنط من رحمة الله، وأن تتوب إلى الله عز وجل من ذنوبك فإن التائب من ذنوبه كم لاذنب له، وأن لا تصر على الذنوب مع الاستغفار فتكون كالمستهزئ بالله وآياته ورسله. وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، و أن لا تطلب سخط الخالق برضى المخلوق، وأن لا تؤثر الدنيا على الاخرة، لان الدنيا فانية والاخرة باقية، وأن لا تبخل على إخوانك بما تقدر عليه، وأن يكون سريرتك كعلانيتك، وأن لا تكون علانيتك حسنة وسريرتك قبيحة، فإن فعلت
[85]
ذلك كنت من المنافقين، وأن لا تكذب ولا تخالط الكذابين، وأن لا تغضب إذا سمعت حقا، وأن تؤدب نفسك وأهلك وولدك وجيرانك على حسب الطاقة، و
أن تعمل بما علمت، ولا تعاملن أحدا من خلق الله عز وجل إلا بالحق، وأن تكون سهلا للقريب والبعيد، وأن لا تكون جبارا عنيدا. وأن تكثر من التسبيح والتهليل والدعاء وذكر الموت وما بعده من القيامة والجنة والنار، وأن تكثر من قراءة القرآن وتعمل بما فيه، وأن تستغنم البر والكرامة بالمؤمنين والمؤمنات، وأن تنظر إلى كل ما لا ترضى فعله لنفسك فلا تفعله بأحد من المؤمنين، وأن لا تمل من فعل الخير، ولا تثقل على أحد إذا أنعمت عليه، وأن تكون الدنيا عندك سجنا حتى يجعل الله لك جنة. فهذه أربعون حديثا من استقام عليها وحفظها عني من امتي دخل الجنة برحمة الله، وكان من أفضل الناس وأحبهم إلى الله عز وجل بعد النبيين والصديقين، وحشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. (1) قال المجلسي: ظاهر هذا الخبر أنه لا يشترط في حفظ الاربعين حديثا كونها منفصلة بعضها عن بعض في النقل، بل يكفي لذلك حفظ خبر واحد يشتمل على أربعين حكما، إذكل منها يصلح لان يكون حديثا برأسه، ويحتمل أن يكون المراد بيان مورد هذه الاحاديث، أي أربعين حديثا يتعلق بهذه الامور. وتصحيح عدد الاربعين إنما يتيسر بجعل بعض الفقرات المكررة ظاهرا تفسيرا وتأكيدا لبعض. (1) (57) - 57 - محمد بن عيسى، عن أبي محمد عبد بن حماد الانصاري، عن
(1) - بحار الانوار 2: 156. (2) - الخصال 1: 543 جديث 19، بحار الانوار 2: 154 حديث 7.
[86]
صباح المزني، عن الحارث ابن الحضيرة، عن الاصبغ بن نباتة قال: دخلت على
أمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين عليهم السلام عنده وهو ينظر إليهما نظرا شديدا. فقلت له: بارك الله لك فيهما، وبلغهما آمالهما في أنفسهما، والله اني لاراك تنظر إليهما نظرا شديدا فتطيل النظر إليهما. فقال: نعم، يا أصبغ ذكرت لهما حديثا. فقلت: حدثني به جعلت فداك. فقال: كنت في ضيعة لي، فاقبلت نصف النهار في شدة الحر، وأنا جائع فقلت لابنة محمد صلى الله عليه وآله: أعندك شئ تطعمه ؟ فقامت لتهئ لي شيئا، حتى إذا إنفلت من الصلاة قد احضرت أقبل الحسن والحسين عليهم السلام حتى جلسا في حجرها، فقالت لهما: (يا بني) ما حبسكما وابطاكما [عني ؟]. قالا: حبسنا رسول الله صلى الله عليه وآله وجبرئيل عليه السلام. فقال الحسن عليه السلام: أنا كنت في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، والحسين عليه السلام، في حجر جبرئيل عليه السلام، فكنت انا أثب من حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى حجر جبرئيل عليه السلام، وكان الحسين يثب من حجر جبرئيل عليه السلام إلى حجر رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى إذا زالت الشمس، قال جبرئيل عليه السلام قم فصل، ان الشمس قد زالت، فعرج جبرئيل إلى السماء وقام رسول الله صلى الله عليه وآله [يصلي] فجئنا. فقلت: يا أمير المؤمنين في أي صورة نظر إليه الحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقال: في الصورة التي كان ينزل فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما حضرت الصلاة، خرجت فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما انصرف من صلاته، فقلت: يا رسول الله إني كنت في ضيعة لي، فجئت نصف النهار وأنا جائع، فسألت ابنة محمد هل عندك شئ فتطعمينيه ؟
[87]
فقامت لتهئ لي شيئا حتى إذ أقبل ابناك الحسن والحسين عليهم السلام، حتى جلسا في حجر امهما فسألتهما: ما أبطأكما وما حبسكما عني ؟ فسمعتهما يقولان: حبسنا جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت كيف: حبسكما جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الحسين عليه السلام: كنت أنا في حجر رسول الله صلى الله على وآله، والحسين عليه السلام، في حجر جبرئيل عليه السلام، فكنت أنا أثب من حجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حجر جبرئيل عليه السلام، و [كان] الحسين يثب من حجر جبرئيل عليه السلام، إلى حجر رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: صدق ابناي، ما زلت أنا وجبرئيل عليه السلام نزهو بهما، منذ أصبحنا إلى أن زالت الشمس. فقلت: يا رسول الله فبأي صورة كانا يريان جبرئيل عليه السلام ؟ فقال: في الصورة التي كان ينزل فيها علي. (1) ثواب زيارة أهل البيت عليهما السلام (58) - 58 - محمد بن قولويه، عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن سعد عن اليقطيني، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أهدت لنا ام أيمن لبنا وزبدا وتمرا، فقدمنا منه فأكل، ثم قام إلى زاوية البيت فصلى ركعات، فلما كان في آخر سجوده بكى بكاء شديدأ، فلم يسأله أحد منا اجلالا وإعظاما له. فقام الحسين عليه السلام [وقعد] في حجره وقال له: يا أبة لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشئ كسرورنا بدخولك، ثم بكيت بكاء غمنا، فما أبكاك ؟ فقال: يا بنى أتاني جبرئيل عليه السلام آنفا، فأخبرني أنكم قتلى، وأن مصارعكم
(1) - مختصر بصائر الدرجات: 68، مدينة المعاجر 4: 41 مع اختلاف في بعض الالفاظ
[88]
شتى. فقال: يا أبه فما لمن يزور قبورنا على تشتتها). فقال: يا بني اولئك طوائف من امتي يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة، و حقيق علي أن آتيهم يوم القيامة حتى اخلصهم من أهوال الساعة ومن ذنوبهم و يسكنهم الله الجنة). (1) (59) - 59 - وفي أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان عن علي بن حبيش، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان مثله: (2) (60) - 60 - روى الحر العاملي عن المجالس والاخبار، عن الحسين بن ابراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبشي، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين - في حديث - إن رسول الله صلى الله عليه وآله بكى بكاء شديدا، فقال له الحسين: لم بكيت ؟ قال: أخبرني جبرئيل أنكم قتلى ومصارعكم شتى. فقال له: يا ابة فما لمن يزور قبورنا على تشتتها ؟ فقال: يا بني اولئك طوائف من امتي يزورونكم يلتمسون بذلك البركة، و حقيق علي أن آتيهم يوم القيامة فاخلصهم من أهوال الساعة من ذنوبهم ويسكنهم الله الجنة). (1) (61) - 61 - روى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله فعملنا له حريرة، وأهدت إلينا امراة قعبا من لبن وزبد وصحنة من تمر، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم
(1) - كامل الزيارات: 57: بحار الانوار 44: 234 و 100: 118 حديث 11، العوالم 17: 123 حديث 2. (2) - امالي الطوسي 2: 281. (3) - وسائل الشيعة: 10: 258 حديث 21 وفي هامش الوسائل ذكر أن هذه الرواية متحده مع الرواية السابقة. ((*)
[89]
وضئت رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح رأسه ووجهه بيده، ثم استقبل القبله فدعا الله ما شاء الله، ثم أكب على الارض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نسأله، فوثب الحسين وأكب على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا ابت رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله. فقال: يا بني إني سررت بكم اليوم سرورا لم اسر بكم مثله، وان جبرئيل عليه السلام أتاني فأخبرني بما يصنع بكم وانكم تقتلون، فدعوت الله لكم بالخير. قال الحسين عليه السلام: فمن يزورنا ويتعهد قبورنا ؟ قال صلى الله عليه وآله: طائفه من امتي يريدون بري وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتهم بالموقف وأخذت اعضدهم فانجيتهم من اهواله وشدايده). (1) (62) - 62 - روي ايضا أن النبي صلى الله عليه آله كان ذات يوم جالسا وحوله علي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام، فقال لهم: (كيف أنتم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتى ؟ فقال له الحسين عليه السلام: أنموت موتا أو نقتل قتلا ؟ فقال: بل تقتل يا بنى ظلما، ويقتل أخوك ظلما، وتشرد ذراريكم في الارض. فقال الحسين عليه السلام: ومن يقتلنا يا رسول الله ؟ قال: شرار الناس. قال: فهل يزورنا بعد قتلنا أحد ؟ قال: نعم يا بني، طائفة من أمتي يريدون بزيارتكم بري وصلتي، فإذا كان
يوم القيامة جئتها إلى الموقف حتى آخذ بأعضادها فأخلصها من أهواله و شدايده). (2)
(1) - احقاق الحق 11: 377، بحار الانوار 18: 125 نقلا عن الحاكم أبو عبد الله الحافظ باسناده عن زين العابدين عن إبيه عن جده عليهم السلام وفيه صرح باسم المرأة وهي ام أيمن، وبعد قوله: يزورنا قال: على تشتتنا وتبعد قبورنا. (2) - الارشاد: 251، الخرائج والجرائح 2: 491 وفيه عن الحسن وفى هامشه عن الحسين.
[90]
(63) - 63 - وروى ابن قولويه عن الحسن بن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي ابن شجرة، عن عبد الله بن محمد الصنعاني، عن أبى جعفر عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل الحسين عليه السلام اجتذبه إليه ثم يقول لامير لمؤمنين عليه السلام: امسكه، ثم يقع عليه فيقبله ويبكي، فيقول: يا أبة لم تبكي ؟ فيقول: يا بني اقبل موضع السيوف منك وأبكي. قال: يا أبة واقتل ؟ قال: إي والله، وأبوك وأخوك وأنت. قال: يا أبة فمصارعنا شتى ؟ قال: نعم يا بني. قال: فمن يزورنا من امتك ؟ قال لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلا الصديقون من امتي). (1) (64) - 64 - محمد بن الحسن باسناده عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد (خلف خ ل)، عن القاسم بن يحيى، عن الحسن بن راشد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (بينا الحسين بن علي في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ رفع راسه فقال: يا ابة ما لمن زارك بعد موتك ؟ فقال: يا بني من أتاني زائرا بعد موتي فله الجنة، ومن أتى أباك زائرا بعد
موته فله الجنة، ومن أتى أخاك زائرا بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائرا بعد موتك فله الجنة. ورواه المفيد في المقنعة مرسلا، ورواه ابن قولويه في المزار عن أبيه عن سعد مثله. (2)
(1) - كامل الزيارات: 70، بحار الانوار 44: 261 و 100: 119 حديث 14. (2) - وسائل الشيعة 10: 257 حديث 17، بحار الانوار 100: 142 حديث 16.
[91]
(65) - 65 - عن محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن الحسن الكوفي، قال حدثني محمد بن علي بن معمر، قال: حدثنا محمد بن مسعدة، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي نجران، عن علي أبي شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (بينا الحسين عليه السلام قاعد في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم إذ رفع رأسه إليه فقال: يا أبة، قال: لبيك يا بني، قال: ما لمن أتاك بعد وفاتك زائرا لا يريد إلا زيارتك ؟ فقال: يا بني من أتاني بعد وفاتي زائرا لا يريد إلا زيارتي فله الجنة). (1) (66) - 66 - قال ابن قولويه: حدثني أبي عن سعد بن عبد الله عن أحمد بت محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى عن المعلى بن أبي شهاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال الحسين بن علي عليهم السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا ابتاه ما جزاء من زارك ؟ فقال صلى الله عليه وآله: يا بنى من زارني حيا أو ميتا كان حقا على أن ازوره يوم القيامة واخلصه من ذنوبه). (2) (67) - 67 - قال الصدوق: حدثني حمزه بن محمد العلوي، رضي الله عنه، قال: حدثنى أحمد بن محمد الهمداني، قال: حدثني علي بن حمدون الرواس، قال: حدثنا محمد بن الحسين القواريري قرابة يعلى ابن عبيد، قال: حدثنا جعفر بن
أمين الثغري، قال حدثنا عثمان بن عيسى الرواسي، عن العلاء بن المسيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه على بن الحسين بن على عليهم السلام قال: (قال الحسين صلوات الله عليه: يا ابتاه ما لمن زارنا ؟ قال: يا بنى من زارني حيا وميتا، ومن زارأ خاك حياو ميتا ومن زارك حيا وميتا، كان حقيقا علي أن
(1) - تفسير نور الثقلين 4: 284، التهذيب 6: 21 حديق 48، وسائل الشيعة 10: 258 حديث 18، كنز الدقائق 8: 18. (2) - كامل الزيارات: 14 حديث 18.
[92]
أزوره يوم القيامة واخلصه من ذنوبه وادخله الجنة). (1) (68) - 68 - قال الكليني عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن المعلى بن أبي شهاب قال: قال الحسين لرسول الله صلى الله عليه وآله: (يا أبتاه ما لمن زارك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من زارني حيا أو ميتا، أو زار أباك، أو زار أخاك، أو زارك، كان حقا علي أن أزوره يوم القيامة اخلصه من ذنوبه). (2) وصية النبي صلى الله عليه وآله (69) - 69 - الكليني عن الحسين بن محمد، عن المعلي، عن أحمد بن محمد عن الحارث بن جعفر، عن علي بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير، قال: حدثني موسى بن جعفر عليهم السلام قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أليس كان أمير المؤمنين عليه السلام كاتب الوصية، ورسول الله صلى الله عليه وآله المملي عليه، و جبرئيل والملائكة المقربون شهود ؟ قال: فأطرق طويلا، ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت، ولكن حين نزل برسول الله صلى الله عليه وآله الامر نزلت الوصية من عند الله كتابا مسجلا، نزل به جبرئيل مع امناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمد مر باخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منا، وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامنا لها، يعني عليا عليه السلام، فأمر
النبي صلى الله عليه وآله باخراج من كان في البيت ما خلا عليا وفاطمة فيما بين الستر والباب. فقال جبرئيل عليه السلام: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك، وشرطت عليك وشهدت به عليك، وأشهدت به عليك ملائكتي، و كفى بي يا محمد شهيدا.
(1) - ثواب الاعمال: 188 حديث 2، بحار الانوار 100: 141 حديث 15. (2) - الكافي 4: 458 حديث 4، كامل الزيارات 11 حديث 2، بحار الانوار 99: 373 حديث 8 وسائل الشيعة 10: 257 حديث 14، مستدرك الوسائل 10: 184 حديث 10.
[93]
قال: فارتعدت مفاصل النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا جبرئيل ربي هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، صدق عز وجل وبر، هات الكتاب، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: اقرأه فقرأه حرفا، حرفا، فقال: يا علي هذا عهد ربي تبارك وتعالى إلي، وشرطه علي وأمانته، وقد بلغت ونصحت وأديت. فقال علي عليه السلام: وأنا أشهد لك بأبي أنت وامي بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي. فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا لكما على ذلك من الشاهدين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أخذت وصيتي وعرفتها، وضمنت لله ولي الوفاء بما فيها ؟ فقال علي عليه السلام: نعم بأبي أنت وامي على ضمانها، وعلى الله عوني و توفيقي على أدائها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إني اريد أن اشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة، فقال علي: نعم أشهد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني و بينك الان، وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لاشهدهم عليك.
فقال: نعم ليشهدوا وأنا بأبي وامي اشهدهم، فأشهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله و كان فيما اشترط عليه النبي صلى الله عليه وآله بأمر جبرئيل عليه السلام فيما أمره الله عز وجل أن قال له: يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله، والبراءة منهم على الصبر منك [و] على كظم الغيظ، وعلى ذهاب حقي، (1) وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك. فقال: نعم يا رسول الله، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لقد سمعت جبرئيل يقول للنبي صلى الله عليه وآله: يا محمد عرفه أنه ينتهك الحرمة و
(1) - في الحبار: حقك.
[94]
هي حرمة الله، وحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط. قال أمير المؤمنين عليه السلام: فصعقت حين فهمت الكلمة من الامين جبرئيل عليه السلام حتى سقطت على وجهي، وقلت: نعم قبلت ورضيت، وإن انتهكت الحرمة و عطلت السنن، ومزق الكتاب، وهدمت الكعبة، وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط صابرا محتسبا أبدا، حتى أقدم عليك. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين عليه السلام، فقالوا مثل قوله، فختمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تمسه النار، ودفعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فقلت لابي الحسن: بأبي أنت وامي ألا تذكر ما كان في الوصية ؟ فقال: سنن الله وسنن رسوله صلى الله عليه وآله. فقلت: أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فقال: نعم، والله شيئا شيئا وحرفا حرفا، أما سمعت قول الله عز وجل: إنا
نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (1)، والله لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام: أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه ؟ فقالا: بلى، وصبرنا على ما ساءنا وغاظنا). (2) (70) - 70 - روى المجلسي عن محمد بن العباس، عن محمد بن عمام، عن محمد بن إسماعيل العلوي، عن عيسى بن داود النجار، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: (جمع رسمل الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علي بن ابي طالب وفاطمة والحسن
(1) - يس: 12. (2) - الكافي 1: 281 حديث 4، بحار الانوار 22: 479 حديث 28، تفسير البرهان 4: 5 حديث 1.
[95]
والحسين وأغلق عليه وعليهم الباب، وقال: يا أهلي وأهل الله إن الله عز وجل يقرأ عليكم السلام، وهذا جبرئيل معكم في البيت، يقول: إني قد جعلت عدوكم لكم فتنة، فما تقولون ؟ قالوا: نصبر يا رسول الله لأمر الله، وما نزل من قضائه حتى نقدم على الله عز وجل ونستكمل جزيل ثوابه، فقد سمعناه يعد الصابرين الخير كله، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سمع نحيبه من خارج البيت، فنزلت هذه الاية: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (1) أنهم سيصبرون، أي سيصبرون كما قالوا صلوات الله عليهم). (2) (71) - 71 - - عن جابر وعن ابن عباس في قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا (3).
قال: لما نزلت على محمد صلى الله عليه وآله قال: (يا جبريل نفسي قد نعيت. قال: جبريل عليه السلام: الاخرة خير لك من الاولى ولسوف يعطيك ربك فترضى (4)، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والانصار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بالناس، ثم صعد المنبر فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب وبكت منها العيون. ثم قال: (أيها الناس، أي نبى كنت لكم) ؟ قالوا: جزاك الله من نبى خيرا، كنت لنا كالاب الرحيم وكالاخ الناصح
(1) - الفرقان: 20. (2) - بحار الانوار 24: 219 حديث 16. (3) - النصر: 1. (4) - الضحى: 5.
[96]
الشفيق اديت رسالة الله عز وجل، وأبلغتنا وحيه، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبيا عن أمته. فقال لهم: (معاشر المسلمين أناشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قبلي مظلمة فليقم فليقتص مني قبل القصاص في القيامة). فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له عكاشة، فتخطى المسلمين حتى وقف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: فداك أبي وأمي، لولا أنك نشدتنا بالله مرة بعد اخرى ما كنت بالذى أتقدم على شئ من هذا، كنت معك في غزاة، فلما فتح الله عز وجل علينا ونصر نبيه صلى الله عليه وآله وكان في الانصراف، حاذت ناقتي ناقتك، فنزلت عن الناقة ودنوت منك لاقبل فخذك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، و لا أدري أكان عمدا منك أم أردت ضرب الناقة ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أعيذك بجلال الله أن يتعمدك رسول الله صلى الله عليه وآله بالضرب، يا بلال انطلق إلى بيت فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق)، فخرج بلال من المسجد ويده على أم رأسه وهو ينادى هذا رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي القصاص من نفسه، فقرع الباب على فاطمة عليها السلام فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ناوليني القضيب الممشوق. فقالت فاطمة عليها السلام: (يا بلال وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حج و لا يوم غزاة) ؟ فقال: يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوك رسول الله صلى الله عليه وآله يودع الناس و يفارق الدنيا ويعطي القصاص من نفسه. فقالت فاطمة عليها السلام و (من ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول الله صلى الله عليه وآله، يا بلال إذا فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل يقتص منهما و لا يدعانه يقتص من رسول الله صلى الله عليه وآله). فرجع بلال الى المسجد ودفع القضيب إلى
[97]
النبي صلى الله عليه وآله، ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله القضيب الى عكاشة... فقام الحسن والحسين عليهم السلام فقالا: (يا عكاشة أليس تعلم إنا سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله والقصاص منا كالقصاص من رسول الله صلى الله عليه وآله) ؟ ! فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله اقعدا يا قرة عينى، لا نسى الله لكما هذا المقام، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: (يا عكاشة اضرب إن كنت ضاربا). قال: يا رسول الله ضربتني وأنا حاسر عن بطني، فكشف عن بطنه صلى الله عليه وآله، وصاح المسلمون بالبكاء وقالوا: أترى عكاشة ضارب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظر عكاشة إلى بطن رسول الله صلى الله عليه وآله كأنه القباطي لم يملك أن اكب عليه فقبل بطنه وهو يقول: فداك أبي وأمي ومن تطيب نفسه أن يقتص منك.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (إما أن تضرب وإما أن تعفو). قال: قد عفوت عنك يا رسول الله رجاء أن يعفو الله عني في يوم القيامة الحديث. (1) (72) - 72 - وروى الصدوق بقية هكذا: ثم قام رسول الله صلى الله عليه آله فدخل بيت أم سلمة وهو يقول: (رب سلم امة محمد من النار، ويسر عليهم الحساب). فقالت ام سلمة: يا رسول الله مالي أراك مهموما متغير اللون ؟ فقال: (نعيت إلي نفسي هذه الساعة، فسلام لك في الدنيا، فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمد أبدا). فقالت ام سلمة: واحزناه، حزنا لا تدركه الندامة عليك يا محمداه. ثم قال صلى الله عليه وآله: ادع لي حبيبة قلبي وقرة عيني فاطمة، تجيئ، فجاءت فاطمة عليها السلام وهي تقول: (نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء يا أبتاه، ألا تكلمني كلمة ؟ فإني أنظر إليك وأراك مفارق الدنيا، وأرى عساكر الموت
(1) - مجمع الزوائد 9: 27.
[98]
تغشاك شديدا). فقال لها: (يا بنية إني مفارقك، فسلام عليك مني). قالت: (يا أبتاه فأين الملتقى يوم القيامة) ؟ قال: (عند الحساب). قالت: (فإن لم ألقك عند الحساب) ؟ قال: (عند الشفاعة لامتي). قالت: (فإن لم ألقك عند الشفاعة لامتك ؟ قال: (عند الصراط، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، والملائكة
من خلفي وقدامي، ينادون: رب سلم امة محمد من النار، ويسر عليهم الحساب). قالت فاطمة عليها السلام: (فأين والدتي خديجة) ؟ قال: (في قصر له أربعة أبواب إلى الجنة)، ثم اغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل بلال وهو يقول: الصلاة رحمك الله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى بالناس وخفف الصلاة، ثم قال: (ادعوا لي علي بن أبي طالب واسامة بن زيد)، فجاءا فوضع صلى الله عليه وآله يده على عاتق علي، والاخرى على اسامة، ثم قال: (انطلقا بي إلى فاطمة)، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها، فإذا الحسن والحسين عليهم السلام يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء. ووجوهنا لوجهك الوقاء). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من هذان يا علي) ؟ قال: (هذان ابناك: الحسن والحسين)، فعانقهما وقبلهما، وكان الحسن عليه السلام أشد بكاء، فقال له: (كف يا حسن فقد شققت على رسول الله)، فنزل ملك الموت عليه السلام وقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: (وعليك السلام يا ملك الموت، لي إليك حاجه، قال: وما حاجتك يا نبي الله، قال: (حاجتى أن لا تقبض
[99]
روحي حتى يجيئني جبرئيل فيسلم علي واسلم عليه)، فخرج ملك الموت وهو يقول: يا محمداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء فقال: يا ملك الموت قبضت روح محمد ؟ قال: لا يا جبرئيل، سألني أن لا أقبضه حتى يلقاك فتسلم عليه ويسلم عليك، فقال جبرئيل: يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتحة لروح محمد ؟ أما ترى الحور العين قد تزين لروح محمد ؟ ثم نزل جبرئيل عليه السلام فقال: السلام عليك يا أبا القاسم، فقال: (وعليك السلام يا جبرئيل، ادن مني حبيبي جبرئيل)، فدنا منه، فنزل ملك الموت، فقال له
جبرئيل: يا ملك الموت احفظ وصية الله في روح محمد، وكان جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. وملك الموت، آخذ بروحه صلى الله عليه وآله وآله، فلما كشف الثوب عن وجه رسول الله نظر إلى جبرئيل فقال له: (عند الشدائد تخذلني) ؟ فقال: يا محمد إنك ميت وإنهم ميتون، كل نفس ذائقة الموت. فروي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك المرض كان يقول: (ادعوا لي حبيبي)، فجعل يدعى له رجل بعد رجل، فيعرض عنه، فقيل لفاطمة، امضي إلى علي فما نرى رسول الله يريد غير علي، فبعثت فاطمة إلى علي عليه السلام فلما دخل فتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وتهلل وجهه ثم قال: (إلي يا علي إلي يا علي) فما زال يدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه، ثم اغمي عليه، فجاء الحسن والحسين عليهم السلام يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأراد علي عليه السلام أن ينحيهما عنه، فأفاق رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: (يا علي دعني أشمهما و يشماني، وأتزود منهما، ويتزودان مني، أما إنهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلما، فلعنة الله على من يظلمهما)، يقول ذلك ثلاثا. ثم مد يده إلى علي عليه السلام فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه
[100]
الطيبة صلى الله عليه وآله، فانسل علي من تحت ثيابه وقال: (أعظم الله اجوركم في نبيكم، فقد قبضه الله إليه)، فارتفعت الاصوات بالضجة والبكاء، فقيل لامير المؤمنين عليه السلام: ما الذي ناجاك به رسول الله صلى الله عليه وآله حين أدخلك تحت ثيابه ؟ فقال: (علمني ألف باب، يفتح لي كل باب ألف باب). (1) (73) - 73 - وفي رواية اخرى انه دخل الحسن والحسين عليهما السلام فانكبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وهما يبكيان ويقولان: (أنفسنا لنفسك الفداء يا رسول الله)، فذهب علي عليه السلام لينحيهما عنه فرفع راسه إليه، ثم قال: (دعهما يا أخى يشماني و
أشمهما، ويتزودان مني وأتزود منهما، فانهما مقتولان بعدي ظلما وعدوانا، فلعنة الله على من يقتلهما)، ثم قال: يا علي أنت المظلوم بعدي، وانا خصم لمن أنت خصمه يوم القيامة). (2) (74) - 74 - قال علي بن الحسين: (سمعت أبي يقول: لما كان قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله عز وجل أرسلني إليك اكراما لك وتفضيلا لك وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك ؟ فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: أجدني يا جبريل مغموما و أجدني يا جبريل مكروبا. فلما كان اليوم الثالث هبط جبريل عليه السلام، وهبط ملك الموت عليه السلام، وهبط معهما ملك في الهواء يقال له اسماعيل على سبعين ألف ملك ليس فيهم ملك إلا على سبعين ألف ملك يشيعهم، جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد إن الله عز وجل أرسلني إليك اكراما لك وتفصيلا لك. وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا
(1) - الامالي للصدوق: 50، بحار الانوار 22: 509. (2) - بحار الانوار 28: 76 حديث 34.
[101]
جبريل مكروبا. قال: فاستأذن ملك الموت على الباب فقال جبريل: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، وما استأذن على آدمى قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له، فأذن له جبريل، فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا محمد إن الله عز وجل أرسلني اليك وأمرني أن أطيعك فيما أمرتنى به، إن تأمرني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها.
قال: وتفعل يا ملك الموت ؟ قال: نعم وبذلك أمرت أن أطيعك فيما أمرتنى به. فقال له جبريل عليه السلام: إن الله عز وجل قد اشتاق إلى لقائك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: امض لما أمرت به، فقال له جبريل: هذا آخر وطأتي في الارض إنما كنت حاجتى في الدنيا. فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وجاءت التعزية جاءآت يسمعون حسه و لا يرون شخصه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فان المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله. (1)
(1) - مجمع الزوائد 9: 34.
[103]
الفصل الثاني كلمات الامام الحسين عليه السلام في زمن الامام علي عليه السلام
[105]
كانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله من أفضع المصائب وأفجعها على الامة الاسلاميه، فقد انقطع بموته ما لم ينقطع بموت أحد من الخلق، وكان بعده أنباء وهنبثه، (1) والتبست الفتنة على الامة كقطع الليل المظلم، كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان في هذه الظلمة الظلماء والفتنة العمياء أشد المصائب وأظلمها ما احتمله أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد نسيت الامة - إلا الخواص منهم - بيعتهم لامير المؤمنين عليه السلام مرارا، ووصايا الرسول صلى الله عليه وآله باتباع الثقلين، وآل الامر إلى اجتماع السقيفة. وبعد ما تمت السقيفة ومبايعة الاول، هم بعض الناس
بقتل الحسنين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله. ارادة قتل الحسنين عليهما السلام وعفوهما (75) - 75 - فقد روى قطب الدين الراوندي عن جماعة عن أبي جعفر البرمكي عن الحسين بن الحسن، حدثنا أبو سمينة محمد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: (خرج الحسن والحسين عليهما السلام حتى أتيا نخل العجوة للخلاء، فهويا الى
(1) - كما قالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بحار الانوار 43: 196.
[106]
مكان، وولى كل واحد منهما بظهره إلى صاحبه، فرمى الله بينهما بجدار يستتر به أحدهما عن صاحبه. فلما قضيا حاجتهما ذهب الجدار وارتفع من موضعه، وصار في الموضع عين ماء، وإجانتان (1) فتوضيا، وقضيا ما أرادا. ثم انطلقا حتى صارا في بعض الطريق، عرض لهما رجل فظ غليظ فقال لهما: ما خفتما عدو كما ؟ ! من أين جئتما ؟ فقالا: إننا جئنا من الخلاء. فهم بهما فسمعوا صوتا يقول: يا شيطان أتريد أن تناوي ابني محمد صلى الله عليه وآله وقد علمت بالامس ما فعلت وناويت امهما، وأحدثت في دين الله، وسلكت غير الطريق. وأغلظ له الحسين عليه السلام أيضا، فهوى بيده ليضرب بها وجه الحسين عليه السلام فأيبسها الله من عند منكبه، فأهوى باليسرى، ففعل الله به مثل ذلك. ثم قال: أسألكما بحق جدكما وأبيكما لما دعوتما الله أن يطلقني. فقال الحسين عليه السلام: اللهم أطلقه، واجعل له في هذا عبرة، واجعل ذلك عليه
حجة. فأطلق الله يده فانطلق قدامهما حتى أتى عليا عليه السلام وأقبل عليه بالخصومة، فقال: أين دسستهما ؟ - وكأن هذا كان بعد يوم السقيفة بقليل - فقال علي عليه السلام: ما خرجا إلا للخلاء. وجذب رجل منهم عليا حتى شق رداءه، فقال الحسين عليه السلام للرجل: لا أخرجك الله من الدنيا حتى تبتلى بالدياثة في أهلك وولدك. وقد كان الرجل يقود ابنته إلى رجل من العراق. فلما حرجا لاى منزلهما، قال الحسين للحسن عليه السلام: سمعت جدي يقول:
(1) - الاجانة: ناء كبير يغسل فيه الثياب.
[107]
يقول: إنما مثلكما مثل يونس إذ أخرجه الله من بطن الحوت، وألقاه بظهر الارض، وأنبت عليه شجرة من يقطين، وأخرج له عينا من تحتها، فكان يأكل من اليقطين، ويشرب من ماء العين. وسمعت جدي يقول: أما العين فلكم، وأما اليقطين فأنتم عنه أغنياء، وقد قال الله في يونس: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين (1) ولسنا نحتاج إلى اليقطين، ولكن علم الله حاجتنا إلى العين، فأخرجها لنا، وسنرسل إلى أكثر من ذلك، فيكفرون ويمتعون إلى حين. فقال الحسن عليه السلام: قد سمعت هذا). (2) شهادة الحسين عليه السلام للزهرا عليها السلام بفدك (76) - 76 - روى الطوسى بسنده عن السياري، عن علي بن أسباط قال: لما ورد أبو الحسن موسى عليه السلام على المهدي وجده يرد المظالم فقال له: (ما بال مظلمتنا يا أمير المؤمنين لا ترد) ؟ ! ! فقال له: وما هي يا أبا الحسن ؟ فقال: (إن الله عزوجل لما فتح على نبيه صلى الله عليه وآله فدك وما والاها، ولم يوجف
عليها بخيل ولا ركاب، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وآت ذا القربى حقه (3) فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وآله من هم من هم فراجع في ذلك جبرئيل عليه السلام، فسأل الله عز وجل عن ذلك، فأوحى الله إليه أن ادفع إلى فاطمة عليها السلام، فدعاها رسول الله صلى الله عليه آله فقال لها: فاطمة أن الله تعالى أمرنى أن أدفع إليك فدك.
(1) - الصافات: 147. (2) - الخرائج والجرائح 2: 845 حديث 61، بحار الانوار 43: 273 حديث 40، العوالم 17: 52 حديث 1، مدينة المعاجز 3: 509. (3) - الاسراء: 26.
[108]
فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك، فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها، فأتته فسألته ان يردها عليها فقال لها: آتيني بأسود أو احمر ليشهد لك بذلك، فجاءت بأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام وام أيمن (فشهدوا لها بذلك) فكتب لها بترك التعرض، فخرجت بالكتاب معها فلقيها عمر فقال لها: ما هذا معك يا بنت محمد: قالت: كتاب كتبه لي ابن ابي قحافة، فقال لها: أرينيه، فأبت فانتزعه من يدها فنظر فيه وتفل فيه ومحاه وخرقه وقال: هذا لان أباك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وتركها ومضى). فقال له المهدي: حدها لي، فحدها فقال: هذا كثير فأنظر فيه. (1) أخذ البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام (77) - 3 - روى البحراني عن موفق بن أحمد، عن أبى المظفر عبد الملك بن علي بن محمد الهمداني، قال أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: حدثنى أبو علي أحمد بن علي بن الحسين، قال: حدثني أبو الحسن مهدي بن صدقة البرقي، في املاء
على املاه من كتابه، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الرضا أبو الحسن علي بن موسى، قال: (حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثنى أبي جعفر بن محمد، قال: حدثنى أبي محمد بن علي، قال: حدثنى أبي علي بن الحسين، قال حدثنى أبي الحسين بن على عليهم السلام، قال: لما اتى أبو بكر وعمر الى منزل أمير المؤمنين عليه السلام وخاطباه في البيعة وخرجا من عنده، خرج امير المؤمنين عليه السلام الى المسجد فحمد الله واثنى عليه مما اصطنع عندهم اهل البيت، إذ بعث فيهم رسولا منهم واذهب عنهم الرجس
(1) - التهذيب 4: 148 حديث 414.
[109]
وطهرهم تطهيرا. ثم قال إن فلانا وفلانا أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني، أنا ابن عم النبي وأبوا بنيه، والصديق الاكبر، وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله، لا يقولها أحد غيري إلا كاذب، وأسلمت وصليت، وأنا وصيه وزوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد عليها السلام وأبو الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله، ونحن أهل بيت الرحمة، بناهداكم الله، وبنا استنقذكم من الضلالة، وأنا صاحب الروح، وفي نزلت سورة من القرآن، وأنا الوصي على الاموات من أهل بيته صلى الله عليه وآله، وأنا ثقته على الاحياء من امته، فاتقوا الله يثبت أقدامكم ويتم نعمته عليكم. ثم رجع الى بيته.) (1) (78) - 4 - روى ابن عياش عن سليم بنن قيس قال: كنت عند عبد الله بن عباس في بيته ومعنا جماعة من شيعة علي عليه السلام، فحدثنا فيما حدثنا أن قال: يا اخوتي توفى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم توفى، فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس وارتدوا وأجمعوا على الخلاف، واشتغل علي بن أبي طالب عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته، ثم أقبل على تأليف القرآن،
وشغل عنهم بوصية من رسول الله صلى الله عليه وآله فافتتن الناس بالذي افتتنوا به من الرجلين، فلم يبق إلا علي عليه السلام وبنو هاشم وأبو ذر والمقداد وسلمان في اناس معهم يسير، فقال عمر لابي بكر: يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ماخلا هذا الرجل وأهل بيته وهولاء النفر، فابعث إليه، فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له قنفذ... إلى أن قال: فانتهوا بعلي عليه السلام إلى ابي بكر ملببا... فقال عمر لابي بكر وهو جالس فوق المنبر: ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك ؟ أو تأمر به فنضرب عنقه، والحسن والحسين عليه السلام قائمان على رأس علي عليه السلام، فلما سمعا مقالة عمر بكيا ورفعا أصواتهما يا جداه يا
(1) - تفسير البرهان 3: 319.
[110]
رسول الله، فضمهما علي عليه السلام إلى صدره وقال: (لا تبكيا، فوالله لا يقدران على قتل أبيكما، هما أذل وأدخر من ذلك). وأقبلت ام أيمن النوبية حاضنة رسول الله صلى الله عليه وآله وام سلمة، فقالتا، يا عتيق ! ما أسرع ما أبديتم حسدكم لال محمد، فأمر بهما عمر أن تخرجا من المسجد، وقال: مالنا وللنساء. ثم قال: يا علي قم بايع، فقال علي عليه السلام: (إن لم أفعل) ؟ قال: إذا والله نضرب عنقك، قال: (كذبت والله يا ابن صهاك لا تقدر على ذلك، أنت ألام وأضعف من ذلك)، فوثب خالد بن الوليد واخترط سيفه وقال: والله لئن لم تفعل لاقتلنك، فقام إليه علي عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم دفعه حتى ألقاه على قفاه، ووقع السيف من يده.
فقال عمر: قم يا علي بن أبي طالب فبايع، قال: (فان لم أفعل) ؟ قال: إذن والله نقتلك، واحتج عليهم علي عليه السلام ثلاث مرات، ثم مد يده من غير أن يفتح كفه، فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك، ثم توجه إلى منزله، تبعه الناس. (1) اعتراض الحسين عليه السلام على أبي بكر (79) - 5 - روى النوري عن الجعفريات: اخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن محمد، قال: حدثني موسى، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن
(1) - كتاب سليم بن قيس 249، بحار الانوار 28: 298 حديث 48.
[111]
محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: (لما استخلف أبو بكر صعد المنبر في يوم الجمعة، وقد تهيأ الحسن والحسين عليهما السلام للجمعة، فسبق الحسين عليه السلام فانتهى الى أبي بكر وهو على المنبر، فقال: هذا منبر أبي لا منبر أبيك، فبكى أبو بكر وقال: صدقت هذا منبر أبيك لا منبر أبي، فدخل علي بن أبي طالب عليه السلام في تلك الحال، فقال: ما يبكيك يا أبا بكر ؟ فقال له القوم: قال له الحسين عليه السلام كذا وكذا، فقال علي عليه السلام: يا أبا بكر إن الغلام إنما يثغر في سبع سنين، ويحتلم في أربع عشرة سنة، ويستكمل طوله في أربع وعشرين، ويستكمل عقله في ثمان وعشرين سنة، فما كان بعد ذلك فإنما هو بالتجارب). (1) وصية فاطمه عليها السلام وكان من أفجع ماكان في هذه الايام ومن أمض المصائب على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله استشهاد حبيبته سيدة نساء العالمين.
فاجعة إن أردت اكتبها مجملة ذكرها لمدكر فكان ماكان مما لست أذكرها فظن شرا ولا تسأل من الخبر (80) - 6 - روى المفيد عن الصدوق، عن ابيه، عن أحمد ب ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن القاسم بن محمد الرازي، عن علي بن محمد الهرمرازي، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عليهما السلام قال: (لما مرضت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وصت إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحدا بمرضها، ففعل ذلك، وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله، على استسرار بذلك كما وصت به، فلما حضرتها الوفاة وصت
(1) - مستدرك الوسائل 15: 156 حديث 3 ولم نجده في الجعفريات.
[112]
أمير المؤمنين عليه السلام أن يتولى أمرها، ويدفنها ليلا ويعفي قبرها، فتولى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها، وعفى موضع قبرها. فلما نفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك، وقرة عينك وزائرتك، والبائتة في الثرى ببقيعك، المختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وضعف عن سيدة النساء تجلدي، إلا أن في التأسي لي بسنتك، والحزن الذي حل بي لفراقك، موضع التعزي، ولقد وسدتك في ملحود قبرك، بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي، وتوليت أمرك بنفسي. نعم، وفي كتاب الله أنعم القبول، إنا لله وإنا إليه راجعون (1) قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله.
أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق الله بيننا، وإلى الله أشكو، وستنبئك ابنتك بتظاهر امتك علي، وعلى هضمها حقها، فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين. سلام عليك يا رسول الله سلام مودع لاسئم، ولا قال، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن اقم فلا عن سوء ظني بما وعد الله الصابرين، الصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين علينا، لجعلت المقام عند قبرك لزاما، والتلبث عنده معكوفا، ولاعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية. فبعين الله تدفن بنتك سرا، ويهتضم
(1) - البقره 156.
[113]
حقها قهرا، ويمنع إرثها جهرا، ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته.) (1) شهادة الزهراء عليها السلام (81) - 7 - قال الاربلي: فلما توفيت فاطمة الزهراء دخل الحسن والحسين فقالا: يا أسماء ما ينيم أمنا في هذه الساعة ؟ قالت: يا بني رسول الله ليست امكما نائمة قد فارقت الدنيا، فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلمينى قبل أن تفارق روحي بدني. قال: وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول: يا أماه أنا ابنك الحسين كلمينى قبل أن ينصدع قلبى فأموت). قالت لهما اسماء: يا بني رسول الله انطلقا الى أبيكما علي فأخبرا. بموت
امكما، فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء، فابتدرهم جميع الصحابة فقالوا: ما يبكيكما يا بني رسول الله، لا أبكى الله أعينكما ؟ لعلكما نظرتما الى موقف جدكما صلى الله عليه وآله فبكيتما شوقا إليه ؟ فقالا: (لا أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة صلوات الله عليها). قال: فوقع علي على وجهه يقول: (بمن العزاء يا بنت محمد) ؟ (1) (82) - 8 - وذكر وهب بن منبه، عن ابن عباس: أنها بقيت أربعين يوما بعده، وفى رواية: ستة أشهر، وساق ابن عباس الحديث إلى أن قال: لما توفيت عليها السلام، شقت أسماء جيبها و خرجت، فتلقاها الحسن والحسين فقالا: (أين امنا ؟) فسكتت،
(1) - امالي المفيد، 281، امالي الطوسى 1: 107 الكافي 1: 458 حديث 3 مع اختلاف يسير، بحار الانوار 43: 193 حديث 21 مختصرا، العوالم 6: 285 حديث 11. (2) - كشف الغمة 1: 500 العوالم 17: 278.
[114]
فدخلا البيت، فإذا هي ممتدة، فحركها الحسين، فإذا هي ميتة فقال: (يا أخاه آجرك الله في الوالدة)، وخرجا يناديان: (يا محمداه يا أحمداه اليوم جدد لنا موتك إذ ماتت امنا)، ثم أخبرا عليا وهو في المسجد، فغشي عليه حتى رش عليه الماء، ثم أفاق، فحملهما حتى أدخلهما بيت فاطمة، وعند رأسها أسماء تبكي وتقول: وايتامي محمد، كنا نتعزى بفاطمة بعد موت جدكما فبمن نتعزى بعدها، فكشف علي عن وجهها، فإذا برقعة عند رأسها، فنظر فيها، فإذا فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أوصت وهي تشهد أن لاإله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، يا علي أنا
فاطمة بنت محمد، زوجني الله منك لاكون لك في الدنيا والاخرة، أنت أولى بي من غيري، حنطني وغسلني وكفني بالليل وصل علي، وادفني بالليل، ولا تعلم أحدا، واستودعك الله، وأقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة). فلما جن الليل غسلها علي ووضعها على السرير، وقال للحسن: (ادع لي أبا ذر) فدعاه، فحملا إلى المصلى، فصلى عليها، ثم صلى ركعتين، ورفع يديه إلى السماء فنادى: (هذه بنت نبيك فاطمة، أخرجتها من الظلمات إلى النور، فأضاءت الارض ميلا في ميل)، فلما أرادوا أن يدفنوها نودوا من بقعة من البقيع إلي إلي، فقد رفع تربتها مني، فنظروا، فإذا هي بقبر محفور، فحملوا السرير إليها، فدفنوها، فجلس علي على شفير القبر، فقال: (يا أرض استودعتك وديعتي، هذه بنت رسول الله)، فنودي منها: يا علي أنا أرفق بها منك فارجع ولا تهتم، فرجع، وانسد القبر واستوى بالارض، فلم يعلم أين كان إلى يوم القيامة. (1)
(1) - العوالم 6: 283 حديث 6.-
[115]
غسل الزهراء عليها السلام (83) - 9 - وروى المجلسي، عن مصباح الانوار: عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام: (ان امير المؤمنين عليه السلام غسل فاطمة عليها السلام ثلاثا وخمسا، وجعل في الغسلة الخامسة - الاخرة - شيئا من الكافور، واشعرها مئزرا سابغا دون الكفن، وكان هو الذي يلي ذلك منها وهو يقول: اللهم انها امتك، وبنت رسولك وصفيك وخيرتك من خلقك، اللهم لقنها حجتها واعظم برهانها واعل درجتها، واجمع بينها وبين أبيها محمد صلى الله عليه وآله) (2) الوداع مع الزهراء عليها السلام
(84) - 10 - قال المجلسي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها، فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله وكفنتها وادرجتها في اكفانها، فلما هممت ان اعقد الرداء ناديت يا ام كلثوم ! يا زينب ! يا سكينة ! يا فضة ! يا حسن ! يا حسين ! هلموا تزودوا من امكم، فهذا الفراق واللقاء في الجنة). فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان: (واحسرتا لا تنطفئ أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى وامنا فاطمة الزهراء، يا ام الحسن يا ام الحسين إذا لقيت جدنا محمدا المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا. فقال: امير المؤمنين عليه السلام: إني اشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا، وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما
(1) - بحار الانوار 81: 309 حديث 7 29 مستدرك الوسائل 2: 199 حديث 7.
[116]
عنها فلقد ابكيا والله ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب الى المحبوب) (الخ اعتراضه عليه السلام على عمر وإذا مضى الاول لسبيله فأدلى الخلافة إلى الثاني، (2) اعترض عليه الحسين عليه السلام واحتج عليه في غصب الخلافة. (85) - 11 - كما روى الطبرسي: أن عم ربن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر في خطبته أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقال له الحسين عليه السلام - من ناحية المسجد -: (إنزل أيها الكذاب عن منبر أبى رسول الله لا منبر أبيك) ! فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين لا منبر أبي، من علمك هذا أبوك علي بن أبي طالب ؟
فقال له الحسين عليه السلام (إن اطع أبى فيما أمرني فلعمري إنه لهاد وأنا مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرئيل من عند الله تعالى لا ينكرها الا جاحد بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم وأنكروها بألسنتهم وويل للمنكرين حقنا أهل البيت، ماذا يلقاهم به محمد رسول الله صلى الله عليه وآله من إدامة الغضب وشدة العذاب ! !) فقال عمر: يا حسين من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله، أمرنا الناس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لاطعنا. فقال له الحسين: (يا ابن الخطاب فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمر أبا بكر على نفسك ليؤمرك على الناس بلا حجة من نبي ولا رضى من ال محمد،
(1) - بحار الانوار 43: 179. (2) - مستفاد من الخطبة الشقشقية. نهج البلاغة خ 3.
[117]
فرضاكم كان لمحمد صلى الله عليه وآله رضى ؟ أو رضى أهله كان له سخطا ؟ ! أما والله لو أن للسان مقالا يطول تصديقه وفعلا يعينه المؤمنون، لما تخطأت رقاب ال محمد، ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله الا سماع الاذان، المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عما أحدثت سؤالا حفيا). قال: فنزل عمر مغضبا، فمشى معه اناس من أصحابه حتى أتى باب أمير المؤمنين عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال: يا ابا الحسن ما لقيت اليوم من ابنك الحسين، يجهرنا بصوت في مسجد رسول الله، ويحرض علي الطغام وأهل المدينة. فقال له الحسن عليه السلام: (على مثل الحسين ابن النبي صلى الله عليه وآله يشخب بمن لا
حكم له، أو يقول بالطغام على أهل دينه ؟ أما والله ما نلت إلا بالطغام، فلعن الله من حرض الطغام). فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (مهلا يا أبا محمد، فإنك لن تكون قريب الغضب ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي ولا تعجل بالكلام). فقال له عمر: يا أبا الحسن إنهما ليهمان في أنفسهما بما لا يرى بغير الخلافة. فقال أمير المؤمنين: (هما أقرب نسبا برسول الله من أن يهما، أما فارضهما يا ابن الخطاب بحقهما يرض عنك من بعدهما). قال: وما رضاهما يا أبا الحسن ؟ قال: (رضاهما الرجعة عن الخطيئة والتقية عن المعصية بالتوبة.) فقال له عمر: أدب يا أبا الحسن ابنك لا يتعاطى السلاطين الذين هم الحكماء في الارض.
[118]
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا اؤدب أهل المعاصي على معاصيهم، ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من والده رسول الله ونحله أدبه فإنه لا ينتقل إلى أدب خير له منه، أما فارضهما يا ابن الخطاب ! قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن: يا أبا حفص ما صنعت فقد طالت بكما الحجة ؟ فقال له عمر: وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه ؟ ! فقال له عثمان: يا ابن الخطاب، هم بنو عبد مناف، الاسمنون والناس عجاف. فقال له عمر: ما اعد ما صرت إليه فخرا فخرت به بحمقك، فقبض عثمان
على مجامع ثيابه ثم نبذ به ورده، ثم قال له: يا ابن الخطاب، كأنك تنكر ما أقول، فدخل بينهما عبد الرحمن وفرق بينهما وافترق القوم. (1) (86) - 12 - روى الطوسى عن كثير عن زيد بن علي، عن أبيه: (ان الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر بن الخطاب وهو على المنبر يوم الجمعة فقال له: انزل عن منبر أبى، فبكى عمر ثم قال: صدقت يا بني منبر أبيك لا منبر أبي. فقال علي عليه السلام: ما هو والله عن رأيي. قال: صدقت والله ما اتهمتك يا أبا الحسن، ثم نزل عن المنبر فأخذه فأجلسه على جانبه على المنبر فخطب الناس وهو جالس معه على المنبر، ثم قال: أيها الناس سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله يقول: احفظوني في عترتي وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله، ألا لعنة الله على من آذاني فيهم ثلاثا). (1) (87) - 13 - وفي رواية: أخبرنا أبو البركاتت الانماطي وأبو عبد الله البلخي، قالا: أنبانا أبو الحسين ابن الطيوري وثابت بن بندار، قالا: انبأنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر،
(1) - الاحتجاج 1: 292. (2) - امالي الطوسي 2: 313.
[119]
وأبو نصر محمد بن الحسن، قالا: أنبأنا الوليد بن بكر، انبأنا علي بن أحمد بن زكريا، أنبأنا صالح بن أحمد، حدثني أبي أحمد، أنبأنا سليمان بن حرب، أنبأنا حماد بن زيد، عن يحيي بن سعيد، عن عبيد بن حنين، عن حسين بن علي [عليهما السلام] قال: (صعدت إلى عمر وهو على المنبر، فقلت: انزل عن منبر أبى واذهب إلى منبر أبيك ! فقال من علمك هذا ؟ قلت: ما علمنيه أحد ! قال: منبر أبيك والله، منبر أبيك والله ! وهل أنبت على رؤسنا الشعر إلا أنتم ! لو جعلت تأتينا وجعلت تغشانا). (1)
(88) - 14 - وفي رواية اخرى: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنبانا أبو محمد الحسن بن علي، أنبأنا محمد بن العباس، أنبأنا أحمد بن معروف، أنبأنا الحسين بن الفهم، أنبأنا محمد بن سعد، أنبأنا سليمان بن حرب، أنبأنا حماد بن زيد، أنبأنا يحيى بن سعيد الانصاري عن عبيد بن حنين، عن حسين بن علي [عليهما السلام] قال: (صعدت إلى عمر بن الخطاب، فقلت له: انزل عن منبر أبي واصعد منبر أبيك ! قال: فقال: إن أبي لم يكن له منبر، قال: (فأقعدني معه فلما نزل ذهب بي إلى منزله فقال لى: أي بني من علمك هذا ؟ قال: قلت: ما علمنيه أحد ! قال: أي بني لو جعلت تأتينا وتغشانا ؟ قال: فجئت يوما وهو خال بمعاوية، وابن عمر بالباب ولم يأذن له، فرجعت فلقيني بعد فقال لي: يا بني لم أرك أتيتنا ؟ فقلت: قد جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر رجع فرجعت. فقال: أنت أحق بالاذن من عبد الله بن عمر، إنما أنبت في رؤوسنا ما نرى الله ثم أنتم ! قال: ووضع يده على رأسه). (2) (89) - 15 - وفى خبر آخر: أخبرنا أبو الحسن بن أبي العباس الفقية، أنبانا أبو منصور
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام) 141 حديث 178. (2) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام) 141 حديث 179.
[120]
عبد الرحمان بن محمد، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق، أنبأنا دعلج بن أحمد المعدل، أنبأنا موسى بن هارون، أنبأنا أبو الربيع، أنبأنا حماد بن زيد، أنبأنا يحيي بن سعيد، عن عبيد بن حنين قال: حدثني الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: (أتيت على عمر بن الحطاب وهو على المنبر فصعدت إليه فقلت له: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك ! فقال عمر: لم يكن لابي منبر ! وأخذني وأجلسني معه، فجعلت أقلب حصى بيدي، فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال لي: من علمك هذا ؟ فقلت: والله ما علمنيه أحد. قال: يا بني لو جعلت تغشانا ؟ ! قال:
فأتيته يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب، فرجع ابن عمر ورجعت معه، فلقيني بعد فقال: لم أرك تأتينا ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إني جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر بالباب، فرجع ابن عمر، ورجعت معه. فقال: أنت أحق بالاذن من ابن عمر، وإنما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم). (1) (90) - 16 - قال ابن شهر آشوب في رواية الخطيب أنه قال الحسين عليه السلام لعمر: (انزل (انزل عن منبر ابي واذهب الى منبر ابيك، فقال: عمر لم يكن لابي منبر، قال عليه السلام (فاخذني واجلسني معه ثم سألني من علمك هذا ؟ فقلت (والله ما علمني احد). (2) حكم امير المؤمنين عليه السلام في المرأة الحاملة (91) - 17 - روى موفق بن احمد بسنده عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: (اوتى عند عمر بن الخطاب بأمرأة حاملة، فسألها فاعترفت بالفجور فأمر بها بالرجم، فقال علي لعمر: سلطانك عليها فما سلطانك على الذي في بطنها، فخلا سبيلها وقال:
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام) 142 حديث 180 ونقل هذه القضية عن يحيى بن سعيد بسند آخر ص 140 حديث 177، ينابيع المودة 197 الى قوله: ما علمنيه احد، تاريخ بغداد 1: 141. (2) - الناقب لابن شهر آشوب 4: 40 بحار الانوار 28: 232 حديث 19.
[121]
عجزت النساء أن يلدن عليا ولو لا علي لهلك عمر، وقال: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها علي حيا). (1) جواب اسئلة الاعرابي في الحج (92) - 18 - وروى المجلسي عن أبي سلمة، قال: حججت مع عمر بن الخطاب، فلما صرنا بالابطح فإذا بأعرابي قد أقبل علينا فقال: يا أمير المؤمنين إني خرجت وأنا حاج محرم فأصبت بيض النعام، فاجتنيت وشربت وأكلت فما يجب علي ؟
قال: ما يحضرني في ذلك شئ، فاجلس لعل الله يفرج عنك ببعض أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فإذا أمير المؤمنين عليه السلام قد أقبل والحسين عليه السلام يتلوه. فقال عمر: يا أعرابي هذا علي بن أبي طالب عليه السلام فدونك ومسألتك، فقام الاعرابي وسأله، فقال علي عليه السلام: (يا أعرابي سل هذا الغلام عندك) - يعني الحسين - فقال الاعرابي: إنما يحيلني كل واحد منكم على الاخر ! فأشار الناس إليه ويحك هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فاسأله، فقال الاعرابي: يابن رسول الله إني خرجت من بيتي حاجا محرما، وقص عليه القصة. فقال له الحسين عليه السلام: (الك إبل) ؟ قال: نعم، قال: (خذ بعدد البيض الذي أصبت نوقا فاضربها بالفحولة فما فصلت فاهدها إلى بيت الله الحرام). قال عمر: يا حسين النوق يزلقن. فقال الحسين عليه السلام: (يا عمر إن البيض يمرقن).
(1) - ينابيع المودة 85.
[122]
فقال: صدقت وبررت، فقام علي عليه السلام وضمه إلى صدره وقال: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (1) (2). ثم مضى الثاني لسبيله، وقام ثالث القوم، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع، (3) وكانوا مسرورين بوقوع الخلافة في أيديهم. كلامه عليه السلام مع أبي سفيان (93) - 19 - روى الطبرسي: أن الحسن عليه السلام احتج في مجلس معاوية وقال:
(وأنشدكم بالله أتعلمون أن أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال يا ابن أخي اخرج معي إلى بقيع الغرقد، فخرج حتى إذا توسط القبور إجتره فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور ! الذي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميم. فقال الحسين بن علي عليهما السلام: قبح الله شيبتك، وقبح وجهك، ثم نتر يده وتركه، فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده ورده إلى المدينة لهلك). (4) تشييع أبي ذر (94) - 20 - روى المجلسي عن أحمد بن عبد العزيز الجوهرى في كتاب السقيفة، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما أخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وعقيلا أخاه و
(1) - آل عمران: 34. (2) - بحار الانوار 44: 179 حديث 12، العوالم 17: 60 حديث 2. (3) - مستفاد من الخطبة الشقيقية، نهج البلاغة خ 3. (4) - الاحتجاج للطبرسي 275 1.
[123]
حسنا وحسينا عليهما السلام وعمار بن ياسر، فانهم خرجوا معه يشيعونه، فجعل الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر فقال له مروان: إيها يا حسن، ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام ذلك الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل علي عليه السلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته، وقال: (تنح لحاك الله إلى النار)، فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره الخبر، فتلظى على علي عليه السلام، ووقف أبو ذر فودعه القوم ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت أبي طالب، قال ذكوان: فحفظت كلام القوم، وكان
حافظا. فقال علي عليه السلام: (يا أبا ذر إنك غضبت لله، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلا، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والارض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منهما مخرجا، يا أبا ذر لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل). ثم قال لاصحابه: (ودعوا عمكم)، وقال لعقيل: (ودع أخاك). فتكلم عقيل فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذر، أنت تعلم أنا نحبك وأنت تحبنا فاتق الله، فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع. ثم تكلم الحسن عليه السلام فقال: (يا عماه لولا أنه لا ينبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الاسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراقها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض) ؟ ثم تكلم الحسين عليه السلام فقال: (يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى،
[124]
والله (كل يوم في شأن). (1) وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه من الجشع والجزع، فان الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقا، والجزع لا يؤخر أجلا). ثم تكلم عمار رحمه الله مغضبا فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لامنوك، ولو رضيت أعمالهم لاحبوك، وما منع
الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، منحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والاخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين. فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا، وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن اجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما اريد إلا الله صاحبا، وما أخشى مع الله وحشة. الخ. (2) (95) - 21 - وفي رواية اخرى روى البرقي عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن اسحاق بن جرير الجريري، عن رجل من أهل بيته، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لما شيع أمير المؤمنين عليه السلام أبا ذر رحمه الله وشيعه الحسن والحسين عليهما السلام، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وعمار بن ياسر عليهم سلام الله، قال لهم
(1) - المتخذ من آية 29 الرحمن. (2) - بحار الانوار 22: 412 والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجه. وفى البحار 22: 435 حديث 51، بدل قوله فاسال الل. فعليك بالصب فان الخير في الصب روالصبرمن الكرم ورع الجزع فان الجزع لا يغنيك، الغدير 8: 301.
[125]
أمير المؤمنين عليه السلام: ودعوا أخاكم، فإنه لابد للشاخص من أن يمضي، وللمشيع من أن يرجع، قال: فتكلم كل رجل منهم على حياله، فقال الحسين بن علي عليهما السلام: رحمك الله يا أبا ذر إن القوم إنما امتهنوك بالبلاء، لانك منعتهم دينك، فمنعوك دنياهم، فما أحوجك غدا إلى ما منعتهم، وأغناك عما منعوك، فقال
أبو ذر: رحمكم الله من أهل بيت، فمالي في الدنيا من شجن غيركم، إني إذا ذكرتكم ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله). (1) فلما قتلوا الناس عثمان انثال الناس على أمير المؤمنين عليه السلام واصروا على بيعته حتى وطئ الحسنان وشق عطفاه (2) فبايعه الناس فقام بالامر. خطبة على والحسنين عليهم السلام (96) - 22 - قال الصدوق: حدثنا أحمد بن الحسن القطان وعلي بن أحمد بن موسى الدقان ومحمد بن أحمد السناني قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثني أبي محمد بن أبي السري، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعد بن طريف الكناني، عن الاصبغ بن نباتة، قال: لما جلس علي عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله لابسا بردة رسول الله صلى الله عليه وآله متنعلا نعل رسول الله صلى الله عليه وآله متقلدا سيف رسول الله، فصعد المنبر فجلس عليه متحنكا، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال: (يا معشر الناس سلوني قبل ان تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله، هذا ما زقني رسول الله زقا زقا، سلوني فإن عندي علم الاولين والاخرين، أما والله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لافتيت
(1) - محاسن البرقى 2: 49 حديث 46، مكارم الاخلاق 263. (2) - مستفاد من الخطبة الشقشقية نهج البلاغة خ 3.
[126]
أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل الانجيل بإنجيلهم حتى ينطق الانجيل فيقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب... ثم امر الحسن عليه السلام بأن يخطب، فخطب ثم امر الحسين عليه السلام وقال: (يا بني قم فاصعد فتكلم بكلام لا يجهلك قريش من
بعدي، فيقولون: إن الحسين بن علي لا يبصر شيئا وليكن كلامك تبعا لكلام أخيك). فصعد الحسين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه وآله صلاة موجزة، ثم قال: (معاشر الناس سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ان عليا مدينة هدى، فمن دخلها نجى ومن تخلف عنها هلك)، فوثب إليه علي عليه السلام فضمه إلى صدره وقبله ثم قال: (معاشر الناس اشهدوا انهما فرخا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو سائلكم عنهما). (1) تهنئة الخضر لامير المؤمنين عليه السلام بالخلافة (97) - 23 - روى المجلسي عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن ابيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليهما السلام (كان في مسجد الكوفة يوما، فلما جنه الليل أقبل رجل من باب الفيل عليه ثياب بيض، فجاء الحرس وشرطة الخميس، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: ما تريدون ؟ فقالوا: رأينا هذا الرجل أقبل إلينا فخشينا أن يغتالك، فقال: كلا فانصرفوا رحمكم الله، أتحفظوني من أهل الارض ؟ فمن يحفظني من أهل السماء ؟ ومكث الرجل عنده مليا يسأله، فقال: يا أمير المؤمنين لقد ألبست الخلافة بهاء وزينة وكمالا ولم تلبسك، ولقد افتقرت إليك امة
(1) - أمالى الصدوق 280، ينابيع الوده 82.
[127]
محمد صلى الله عليه وآله وما افتقرت إليها، ولقد تقدمك قوم وجلسوا مجلسك فعذابهم على الله، وإنك لزاهد في الدنيا وعظيم في السماوات والارض، وإن لك في الاخرة لمواقف كثيرة تقربها عيون شيعتك، وإنك لسيد الاوصياء وأخوك سيد الانبياء، ثم ذكر الائمة الاثني عشر وانصرف. وأقبل أمير المؤمنين عليه السلام على الحسن والحسين عليهما السلام فقال: تعرفانه ؟ قالا:
ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: هذا أخي الخضر عليه السلام). (1) اجراء امير المؤمنين عليه السلام الحد (98) - 24 - وروى الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزه، عن أبى بصير، عن عمران بن ميثم، أو صالح بن ميثم، عن أبيه، قال: أتت امرأة محج (2) أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: يا امير المؤمنين انى زنيت فطهرني طهرك الل، فان عذاب الدنيا أيسر من عذاب الاخرة الذي لا ينقطع. فقال لها: (مما اطهرك) ؟ فقالت: اني زنيت. فقال لها: (وذات بعل أنت أم غير ذلك) ؟ فقالت: بل ذات بعل. فقال لها: (أفحاضر كان بعلك إذ فعلت ما فعلت ؟ أم غائب كان عنك) ؟ قالت: بل حاضر. فقال لها: (انطلقي فضعي ما في بطنك ثم إيتنى اطهرك)، فلما ولت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: (اللهم انها شهادة)، فلم تلبث أن أتت
(1) - بحار الانوار 39: 132. (2) - امرأه محج: هي التي حملت وفرب وضعها فهي مقرب.
[128]
فقالت: قد وضعت فطهرني قال: فتجاهل عليها فقال: (يا امة الله مماذا) ؟ فقالت: اني زنيت فطهرني. فقال: (وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت) ؟ قالت: نعم. قال: (فكان زوجك حاضرا أم غائبا) ؟
قالت: بل حاضرا. قال: (انطلقي فارضعيه حولين كاملين كما أمرك الله)، قال: فانصرفت المرأة، فلما صارت منه حيث لا تسمع كلامه قال: (اللهم انهما شهادتان)، قال: فلما مضى حولان أتت المرأة فقالت: قد ارضعته حولين فطهرني يا أمير المؤمنين، فتجاهل عليها قال: (أطهرك مماذا) ؟ فقالت: اني زنيت فطهرني. فقال: (وذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت) ؟ فقالت: نعم. فقال: (وبعلك غائب إذ فعلت ما فعلت أم حاضر) ؟ قالت: بل حاضر. فقال: (انطلقي فاكفليه حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر)، قال: فانصرفت وهي تبكي، فلما ولت حيث لا تسمع كلامه قال: (اللهم انها ثلاث شهادات)، فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال: ما يبكيك يا أمة الله وقد رأيتك تختلفين إلى علي عليه السلام تسألينه أن يطهرك ؟ فقالت: اني أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فسألته أن يطهرني فقال: اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر، ولقد خفت أن يأتي علي الموت ولم يطهرني، فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا اكفله،
[129]
فرجعت فأخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بقول عمرو، فقال لها امير المؤمنين عليه السلام وهو يتجاهل عليها: (ولم يكفل عمرو بن حريث ولدك) ؟ فقالت: يا أمير المؤمنين زنيت فطهرني. فقال: (وذات بعل كنت إذ فعلت ما فعلت ؟ قالت: نعم. قال: (افغائب كان
بعلك إذا فعلت ما فعلت أم حاضر) ؟ قالت: بل حاضر. قال: (فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم انه قد ثبت لك عليها اربع شهادات وانك قد قلت لنبيك صلى الله عليه وآله فيما اخبرته من دينك يا محمد من عطل حدا من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي، اللهم واني غير معطل حدودك، ولا طالب مضادتك، ولا مضيع لاحكامك، بل مطيع لك ومتبع سنة نبيك). قال: فنظر إليه عمرو بن حريث وكانما الرمان يفقأ في وجهه، فلما رأى ذلك عمرو قال: يا أمير المؤمنين اني إنما أردت أن أكفله إذ ظننت أنك تحب ذلك، فأما إذ كرهته فإني لست أفعل. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (أبعد أربع شهادات بالله) ؟ ! ! لتكفلنه وأنت صاغر، فصعد أمير المؤمنين عليه السلام المنبر فقال: (يا قنبر ناد في الناس الصلاة جامعة)، فنادى قنبر في الناس واجتمعوا حتى غص المسجد بأهله، وقام أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا أيها الناس ان امامكم خارج بهذا المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحد إن شاء الله، فعزم عليكم أمير المؤمنين إلا خرجتم وأنتم متنكرون ومعكم أصحابكم، لا يتعرف منكم أحد إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء الله). قال: ثم نزل، فلما أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة وخرج الناس متنكرين، متلثمين بعمائمهم وبارديتهم والحجارة في أرديتهم وفي أكمامهم، حتى انتهى بها
[130]
والناس معه إلى ظهر الكوفة، فأمر أن يحفر لها حفيرة ثم دفنها فيها، ثم ركب بغلته وأثبت رجله في غرز الركاب، ثم وضع اصبعيه السبابتين في اذنيه ثم نادى باعلى صوته: (يا ايها الناس ان الله تعالى عهد إلى رسوله صلى الله عليه وآله عهدا عهده محمد صلى الله عليه وآله
إلي بأنه لا يقيم الحد من لله عليه حد، فمن كان لله عليه حد مثل ماله عليها فلا يقيم عليها الحد، قال: فانصرف الناس يومئذ كلهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحد يومئذ وما معهم غيرهم، قال: وانصرف يومئذ فيمن انصرف محمد بن أمير المؤمنين. (1) كرامة أمير المؤمنين عليه السلام (99) - 25 - روى الراوندي: ان اسودا دخل على علي بن ابي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني سرقت فطهرني. فقال عليه السلام: (لعلك سرقت من غير حرز)، ونحى رأسه عنه. فقال: يا أمير المؤمنين سرقت من الحرز، فطهرني. فقال عليه السلام: (لعلك سرقت غير نصاب)، ونحى رأسه عنه. فقال: يا أمير المؤمنين سرقت نصابا. فلما أقر ثلاث مرات قطعه أمير المؤمنين عليه السلام فأخذ المقطوع وذهب، وجعل يقول في الطريق: قطعني أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب الدين وسيد الوصيين. وجعل يمدحه. فسمع ذلك منه الحسن والحسين عليهما السلام وقد استقبلاه، فدخلا على أبيهما عليه السلام وقالا: (رأينا أسودا يمدحك في الطريق).
(1) - التهذيب 10: 9 حديث 23، تفسير البرهان 3: 124، وسائل الشيعه 18: 341 حديث 1، بحار الانوار 82: 12 حديث 10 اختصارا.
[131]
فبعث أمير المؤمنين عليه السلام من أعاده إلى حضرته، فقال عليه السلام له: (قطعت يمينك وأنت تمدحني) ؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين إنك طهرتني، وإن حبك قد خالط لحمي ودمي و
عظمي، فلو قطعتني إربا اربا لما ذهب حبك من قلبي. فدعا عليه السلام له ووضع المقطوع إلى موضعه فصح وصلح كما كان. (1) كيفية معاش اهل البيت عليهم السلام ومن شدة عدالة أمير المؤمنين أنه يقدر نفسه وأهل بيته بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره. (2) (100) - 26 - فقد روى المجلسي: ان رجلا من خثعم رأى الحسن والحسين عليهما السلام يأكلان خبزا وبقلا وخلا، فقلت لهما (3) أتأكلان من هذا وفي الرحبة ما فيها ؟ فقالا: (ما أغفلك عن أمير المؤمنين عليه السلام). (4) على عليه السلام وبيت المال (101) - 27 - سأل معاوية عقيل رحمه الله عن قصة الحديدة المحماة المذكورة، فبكى وقال: أنا احدثك يا معاوية عنه، ثم احدثك عما سألت، نزل بالحسين ابنه ضيف، فاستسلف درهما اشترى به خبزا، واحتاج إلى الادام، فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلا، فلما طلبها ليقسمها قال: (يا قنبر أظن أنه حدث في هذا الزق حدث).
(1) - الخرادج والجرائح 2: 561 حديث 19، بحار الانوار 41: 202 حديث 15، مستدرك الوسائل 18: 151 حديث 11. (2) - مستفاد من خطبة 209 نهج البلاغة، يبيغ: يهيج به الالم فيهلكه. (3) - والصحيح (فقال لهما) كما في هامش بحار الانوار. (4) - بحار الانوار 41: 113.
[132]
قال: نعم يا أمير المؤمنين، وأخبره، فغضب وقال: (علي بحسين)، ورفع الدرة فقال: (بحق عمي جعفر) - وكان إذا سئل بحق جعفر سكن - فقال له: (ما
حملك إذ أخذت منه قبل القسمة ؟) قال: (إن لنافيه حقا، فإذا أعطيناه رددناه). قال: (فداك أبوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، أما لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل ثنيتك لاوجعتك ضربا)، ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصرورا في ردائه وقال: (اشتربه خير عسل تقدر عليه). قال عقيل: والله لكأني أنظر إلى يدي علي وهي على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكي ويقول: (اللهم اغفر للحسين فإنه لم يعلم). فقال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن فلقد سبق من كان قبله وأعجز من يأتي بعده، هلم حديث الحديدة. قال: نعم، أقويت وأصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته، فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم، فقال: (ائتني عشية لادفع إليك شيئا)، فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي ثم قال: (ألا فدونك)، فأهويت حريصا قد غلبني الجشع أظنها صرة، فوضعت يدي على حديد تلتهب نارا، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت جازره. فقال لي: (ثكلتك امك، هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا، فكيف بك و بي غدا أن سلكنا في سلاسل جهنم) ثم قرأ إذ الاءغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (1) ثم قال: (ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك)، فجعل معاوية يتعجب ويقول: هيهات، عقمت النساء أن تلد
(1) - غافر: 71.
[133]
بمثله). (1)
استسقاء الحسين عليه السلام (102) - 28 - وروى المجلسي عن عيون المعجزات للمرتضى رحمه الله: جعفر بن محمد عمارة، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جده عليهما السلام قال: (جاء أهل الكوفة إلى علي عليه السلام فشكوا إليه إمساك المطر، وقالوا له: استسق لنا، فقال للحسين عليه السلام: قم واستسق فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي، وقال: اللهم معطي الخيرات، ومنزل البركات، أرسل السماء علينا مدرارا، واسقنا غيثا مغزارا، واسعا، غدقا، مجللا سحا (2)، سفوحا (3)، فجاجا (4) تنفس به الضعف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك، آمين رب العالمين. فما فرغ عليه السلام من دعائه حتى غاث الله تعالى غيثا بغتة، وأقبل أعرابي من بعض نواحي الكوفة فقال: تركت الاودية والاكام يموج بعضها في بعض). (5) (103) - 29 - وروى الحميري عن أبي البختري وهب بن وهب القرشي، عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: (اجتمع عند علي بن أبى طالب عليه السلام قوم فشكوا إليه قلة المطر، وقالوا: يا أبالحسن ادع لنا بدعوات في الاستسقاء، قال: فدعا علي عليه السلام الحسن والحسين فقال للحسن عليه السلام: ادع لنا بدعوات في الاستسقاء. فقال الحسن عليه السلام: اللهم هيج لنا السحاب، تفتح الابواب بماء عباب، ورباب بانصباب وإسكاب، يا وهاب اسقنا مغدقة مونقة، فتح أغلاقها، ويسر أطباقها، وعجل سياقها بالاندية في بطون الاودية بصوب الماء، يا فعال اسقنا
(1) - بحار الانوار 42: 117. (2) - سحا: أي صبا غير منقطع. (3) - سفح سفوحا: أي انصب صبا. (4) - فجاج: الذى يشق الارض. (5) - بحار الانوار 44: 187 حديث 16، العوالم 17: 51 حديث 1. (*)
[134]
مطرا قطرا، طلا مطلا، مطبقا طبقا، عاما معما، دهما بهما رجما، رشا مرشا، واسعا كافيا عاجلا طيبا مباركا، سلاطحا بلاطحا، يناطح الاباطح، مغدودقا مطبوبقا مغرورقا واسق سهلنا وجبلنا، وبدونا وحضرنا حتى ترخص به أسعارنا، و تبارك لنا في صاعنا ومدنا، أرنا الرزق موجودا والغلاء مفقودا آمين رب العالمين. ثم قال للحسين عليه السلام: ادع. فقال الحسين عليه السلام: اللهم يا معطى الخيرات من مناهلها، ومنزل الرحمات من معادنها، ومجرى البركات على أهلها، منك الغيث المغيت، وأنت الغياث المستغاث، ونحن الخاطئون وأهل الذنوب، وأنت المستغفر الغفار، لا إله إلا أنت، اللهم أرسل السماء علينا لحينها مدرارا، واسقنا الغيث واكفا (1) مغزارا (2)، غيثا مغيثا، واسعا متسعا مريا (3) ممرعا، غدقا مغدقا غيلانا (4)، سحا (5) سحساحا، بحا (6) بحاحا سائلا مسلا عاما ودقا مطفاحا (7) يدفع الودق (8) بالودق دفاعا، ويتلوا القطر منه قطرا، غير خلب (9) برقه، ولا مكذب رعده، تنعش (10) به الضعيف من عبادك، و تحيى به الميت من بلادك، وتستحق به علينا من مننك، آمين رب العالمين. فما فرغا من دعائهما حتى صب الله تبارك وتعالى عليهم السماء صبا، قال: فقيل لسلمان: يا أبا عبد الله أعلما هذا الدعاء ؟
(1) - واكف: أي متقاطر. (2) - مغزار: أي كثير الدر والصب. (3) - مريا: اي كثير الماء. (4) - غيلانا: اي الذى يجرى على وجه الارض. (5) - سحا: أي الذى يجرى من فوق.
(6) - بحا: اي ذا صوت شديد. (7) - مطفاحا: أي مائلا الى العذران والعيون. (8) - الودق: اي المطر. (9) - خلب: البرق الخلب الذى لامطر فيه. (10) - تنعش: يرد من الهلكة واحياه واخصبه.
[135]
فقال ويحكم أين أنتم عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله حيث يقول: أن الله أجرى على ألسن أهل بيتي مصابيح الحكمة (1). خليفة علي عليه السلام على الجن. (104) - 30 - روى المجلسي عن الروضة بالاسناد يرفعه عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده الشهيد عليهم السلام قال: (كان علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب بالناس يوم الجمعة على منبر الكوفة إذ سمع وجبة عظيمة، وعدو الرجال يتواقعون بعضهم على بعض، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: ما بالكم يا قوم ؟ قالوا: ثعبان عظيم قد دخل من باب المسجد كأنه النخلة السحوق، ونحن نفزع منه ونريد أن نقتله فلا نقدر عليه. فقال: لا تقربوه وطرقوا له، فانه رسول إلي قد جاءني في حاجة. قال: فعند ذلك فرجوا له، فما زال يخترق الصفوف إلى أن وصل إلى عيبة علم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم جعل ينق نقيقا (2)، فجعل الاءمام عليه السلام ينق مثل مانق له، ثم نزل عن المنبر وانسل من الجماعة، فما كان أسرع أن غاب فلم يروه. فقالت الجماعة: يا أمير المؤمنين ما هذا الثعبان ؟ قال: هذا درجان بن مالك خليفتي على الجن المؤمنين، وذلك أنهم أختلف عليهم شئ من أمر دينهم فأنفذوه إلي ليسألني عنه فأجبته، فاستعلم جوابها ثم
رجع إليهم). (3)
(1) - قرب الاسناد 156 حديث 576، بحار الانوار 91: 321 حديث 9، من لا يحضره الفقية 1: 535 حديث 1504 وفيه: جاء قوم من أهل الكوفة (2) - نق: أي صوت صوتا يفصل بينه مدو ترجيع. (3) - بحار الانوار 39: 171 حديث 11.
[136]
رد الملائكة اسهم علي عليه السلام (105) - 31 - عن الباقر صوات الله عليه، قال: (حدثني نجاد مولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله، قال: رأيت أمير المؤمنين صلوات الله يرمي نصالا، ورأيت الملائكة يردون عليه أسهمه، فعميت، فذهبت إلى مولاي الحسين بن علي صلوات الله عليهما، فشكوت ذلك إليه. فقال: لعلك رأيت الملائكة ترد على أمير المؤمنين أسهمه ؟ فقلت: أجل. فمسح بيده على عيني فرجعت بصيرا بقوة الله تعالى). (1) عيادة عمرو (106) - 32 - وعن الحسين بن على عليهما السلام أنه اعتل فعاده عمرو بن حريث، فدخل عليه علي عليه السلام فقال له: (يا عمرو، تعود الحسين وفي النفس ما فيها ؟ وإن ذلك ليس بمانعي من أن أؤدي إليك نصيحة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما من عبد مسلم يعود مريضا إلا صلى عليه سبعون ألف ملك من ساعته التي يعود فيها، إن كان نهارا حتى تغرب الشمس أو ليلا حتى تطلع). (2) حروب علي عليه السلام ولما نهض أمير المؤمنين عليه السلام بالامر نكثت طائفة، ومرقت اخرى، وقسط آخرون، (3) فقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام كما أخبر به رسول الله صل الله عليه وآله من قبل (4) وكان
(1) - الثاقب في المناقب: 344 حديث 289. (2) - دعائم الاسلام 1: 218. (3) - مستقادمن خطبة 192 من نهج البلاغة. (4) - بحار الانوار 32 - 299.
[137]
معه الحسنان عليهما السلام في جميع حروبه. الحسين عليه السلام في حرب الجمل (107) - 33 - روى المفيد عن الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن اسماعيل بن أبان، عن عمرو بن شمر، قال: سمعت جابر بن يزيد الجعفي يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: حدثني أبي عن جدي، قال: (لما توجه أمير المؤمنين عليه السلام من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة، فلما ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له: (قائد)، فقربه أمير المؤمنين عليه السلام فقال له عبد الله: الحمد لله الذي رد الحق إلى أهله ووضعه في موضعه، كره ذلك قوم أم سروا به، فقد والله كرهوا محمدا صلى الله عليه وآله و نابذوه وقاتلوه، فرد الله كيدهم في نحورهم، وجعل دائرة السوء عليهم، والله لنجاهدن معك في كل موطن حفظا لرسول الله صلى الله عليه وآله فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه إلى جنبه، وكان له حبيبا ووليا، وأخذ يسائله عن الناس، إلى أن سأله عن أبي موسى الأشعري فقال: والله ما أنا واثق به، وما آمن عليك خلافه إن وجد مساعدا على ذلك ! ! فقال أمير المؤمنين: والله ما كان عندي مؤتمنا ولا ناصحا، ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته وولوه وسلطوه بالامرة على الناس، (1) ولقد أردت عزله فسألني الاشتر فيه وأن أقره فأقررته على كره مني له، وعملت على صرفه
من بعد. قال: فهو مع عبد الله في هذا ونحوه إذ أقبل سواد كثير من قبل جبال طئ
(1) - جاء في هامش أمالي المفيد: يعني عمر وعثمان، لانه كان واليا على البصره في أيامهما، وكان عامل علي عليه السلام على الكوفة، فعزلة وولى عليها قرظة بن كعب.
[138]
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنظروا ما هذا السواد ؟ وقد ذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت فقيل: هذه طئ قد جاءتك تسوق الغنم والابل والخيل، فمنهم من جاءك بهداياه وكرامته، ومنهم من يريد النفوذ معك إلى عدوك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: جزى الله طيا خيرا، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (1)، فلما انتهوا إليه سلموا عليه. قال عبد الله بن خليفة: فسرني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيئتهم، وتكلموا فأقروا والله لعيني ما رأيت خطيبا أبلغ من خطيبهم. وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني كنت أسلمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأديت الزكاة على عهده، وقاتلت أهل الردة من بعده، أردت بذلك ما عند الله، وعلى الله ثواب من أحسن واتقى، وقد بلغنا أن رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين فأتيناك لننصرك بالحق، فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت ثم أنشأ يقول: فنحن نصرنا الله من قبل ذاكم وأنت بحق جئتنا فسننصر سنكفيك دون الناس طرا بنصرنا وأنت به من سائر الناس أجدر فقال أمير المؤمنين عليه السلام: جزاكم الله من حي عن الاسلام وأهله خيرا، فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدين، ونويتم نصر المسلمين. وقام سعيد بن عبيد البختري من بني بختر فقال: يا أمير المؤمنين إن من
الناس من يقدر أن يعبر بلسانه عما في قلبه، ومنهم من لا يقدر أن يبين ما يجده في نفسه بلسانه، فإن تكلف ذلك شق عليه، وإن سكت عما في قلبه برح به الهم والبرم، وإني والله ما كل ما في نفسي أقدر أن أوديه إليك بلساني، ولكن والله لاجهدن على أن أبين لك والله ولي التوفيق، أما أنا فإني ناصح لك في السر
(1) - نساء 95.
[139]
والعلانية، ومقاتل معك الاعداء في كل موطن، وأرى لك من الحق ما لم أكن أراه لمن كان قبلك، ولا لاحد اليوم من أهل زمانك، لفضيلتك في الاسلام وقرابتك من الرسول، ولن أفارقك أبدا حتى تظفر أو أموت بين يديك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام يرحمك، الله فقد ادى لسانك ما يجد ضميرك لنا، و نسأل الله أن يرزقك العافية ويثيبك الجنة. وتكلم نفر منهم، فما حفظت غير كلام هذين الرجلين. ثم أرتحل أمير المؤمنين واتبعه منهم ستمائة رجل حتى نزل (ذاقار)، فنزلها في ألف وثلثمائة رجل). (1) (108) - 34 - أخبرنا أبو القاسم الشحامي، أنبأنا أبو بكر العمري وأخبرنا أبو الفتح المصري، وأبو نصر الصوفي، وأبو علي الفضيلي، وأبو محمد حفيد العميري، وأبو القاسم منصور بن ثابت، وأبو معصوم بن صاعد، وأبو المظفر بن عبد الملك، وأبو محمد خالد بن محمد، قالوا: أنبأنا أبو محمد بن أبي مسعود، قالا: أنبأنا عبد الرحمان بن أحمد بن أبي شريح، أنبأنا عبد الله بن محمد البغوي، أنبأنا العلاء بن موسى، أنبأنا سوار بن مصعب، عن عطية العوفي، عن مالك بن الحويرث، قال: قام علي بن أبي طالب بالربذة فقال: (من أحب أن يلحقنا فليلحقنا، ومن أحب أن يرجع فليرجع مأذون له غير حرج). فقام الحسين عليه السلام
إليه فقال: (يا أبة (أو يا أمير المؤمنين) لو كنت في جحر وكان للعرب فيك حاجة لاءتتك حتى يستخر جوك منه). فخطب علي وقال: (الذي يبتلي من يشاء بما يشاء ويعافي من يشاء مما يشاء، أما والله لقد ضربت هذا الامر ظهرا لبطن وذنبا لرأس، فوالله إن وجدت له إلا القتال أو الكفر بالله ! ! ! يحلف بالله علي ! ! ! اجلس يا بني ولا تحن حنين
(1) - امالي المفيد 259، امالي الطوسى 1: 68، بحار الانوار 32: 101 حديث 72.
[140]
الجارية). (1) (109) - 35 - روى انه لما اخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل، فتكلم فيه الحسن والحسين عليهما السلام فخلى سبيله، فقالا له: (يبايعك يا أمير المؤمنين). فقال: (ألم يبايعني بعد قتل عثمان، لا حاجة لي في بيعته، أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الاكبش الاربعة، وستلقي الامة منه ومن ولده موت أحمر، فكان كما قال عليه السلام. (2) علم أمير المؤمنين عليه السلام (110) - 36 - روى الصدوق عن حمزه بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأحمد بن الحسن القطان، و محمد بن ابراهيم بن احمد المعاذي، قالوا: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني مولى بني هاشم، قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل الجريري قراءة، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا عمرو بن جميع، عن جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: دخل الحسين بن علي عليهما السلام على معاوية فقال له: ما حمل أباك على أن قتل أهل البصرة ثم دار عشيا في طرقهم في ثوبين ؟
فقال عليه السلام: حمله على ذلك علمه أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال: صدقت. قال وقيل لامير المؤمنين عليه السلام لما أراد قتال الخوارج: لو احترزت يا
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام على عليه السلام) 3: 176 حديث 1195. (2) - اعلام الورى 571 بحار الانوار 32: 235 حديث 187.
[141]
أمير المؤمنين، فقال عليه السلام: اي يومى من الموت أفرأ يوم لم يقدر أم يوم قدر يو ما قدر لا أخشى الردى وإذا قدر لم يغن الحذر (1) خطبة الامام عليه السلام في حرب صفين (111) - 37 - وأما في حرب صفين فلما خطب امير المؤمنين بالكوفة وحرض الناس على حرب معاوية واتباعه، أمر الحسن عليه السلام بأن يخطب الناس، فخطب، ثم أمر الحسين عليه السلام، فقام عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وقال: (يا أهل الكوفة أنتم الاحبة الكرماء، والشعار دون الدثار، فجدوا في إحياء ما دثر بينكم، وتسهيل ما توعر (2) عليكم. ألا إن الحرب شرها ذريع (3)، وطعمها فظيع، وهي جرع مستحساة، فمن أخذ لها أهبتها واستعد لها عدتها ولم يألم كلومها عند حلولها فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن (4) أن لا ينفع قومه وان يهلك نفسه، نسأل الله بقوته ان يدعمكم بالفئة) ثم نزل. (5) شجاعة الحسين عليه السلام (112) - 38 - قال المجلسي: وروى في الكتب المعتبرة عن لوط بن يحيى، عن عبد الله بن قيس، قال: كنت مع من غزى مع أمير المؤمنين عليه السلام في صفين، وقد اخذ أبو
أيوب الاعور السلمي الماء وحرزه عن الناس، فشكى المسلمون العطش، فأرسل
(1) - التوحيد للصدوق: 374 حديث 19، نور الثقلين 2: 28 حديث 104 الى قوله صدقت. (2) - توعر: أي تعسر وصعب (3) - الريع اي الفضيع أو السريع. (4) - قمن: اي جدير (5) - بحار الانوار 32: 405 حديث 369.
[142]
فوارس على كشفه، فانحرفوا خائبين، فضاق صدره، فقال له ولده الحسين عليه السلام: (أمضي إليه يا أبتاه) ؟ فقال امض يا ولدي، فمضى مع فوارس فهزم أبا ايوب عن الماء، وبنى خيمته وحط فوارسه، وأتي إلى أبيه وأخبره، فبكى أمير المؤمنين عليه السلام، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ وهذا أول فتح ببركة الحسين عليه السلام. فقال: (ذكرت أنه سيقتل عطشانا بطف كربلا، حتى ينفر فرسه ويحمحم ويقول: الظليمة الظليمة لامة قتلت ابن بنت نبيها.) (1) كياسة الحسين عليه السلام (113) - 39 - روى ابن الاعثم أرسل عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى الحسين بن علي عليهما السلام في صفين أن لي إليك حاجة فالقني إذا شئت حتى أخبرك، فخرج إليه الحسين عليه السلام حتى واقفه وظن أنه يريد حربه، فقال له ابن عمر: إني لم أدعك إلى الحرب، ولكن اسمع مني فإنها نصيحة لك. فقال الحسين عليه السلام: (قل ما تشاء). فقال: اعلم أن أباك قد وتر قريشا، وقد أبغضه الناس، وذكروا انه هو الذي قتل عثمان، فهل لك أن تخلعه وتخالف عليه حتى نوليك هذا الامر ؟
فقال الحسين عليه السلام: (كلا والله لا أكفر بالله وبرسوله وبوصي رسول الله، إخس، ويلك من شيطان مارد ! فلقد زين لك الشيطان سوء عملك فخدعك حتى أخرجك من دينك باتباع القاسطين ونصرة هذا المارق من الدين، لم يزل هو و أبوه حربيين وعدوين لله ولرسوله وللمؤمنين، فوالله ما أسلما ولكنهما استسلما خوفا وطمعا ! فأنت اليوم تقاتل عن غير متذمم، ثم تخرج إلى الحرب متخلفا
(1) - المنتخب للطريحي 2: 300، بحار الانوار 44: 266، العوالم 17: 149 حديث 10.
[143]
لتراءي بذلك نساء أهل الشام، ارتع قليلا فإني أرجو أن يقتلك الله عز وجل سريعا). قال: فضحك عبد الله بن عمر، ثم رجع إلى معاوية فقال: إني أردت خديعة الحسين، وقلت له كذا وكذا، فلم أطمع في خديعته، فقال معاوية: إن الحسين ابن علي لا يخدع وهو ابن أبيه. (1) تخلف المنافقين في النهروان (114) - 40 - روى الراوندي عن أبى حمزه، عن علي بن الحسين عليهما السلام عن ابيه الحسين عليه السلام، (قال: لما اراد علي ان يسير الى النهروان إستنفر اهل الكوفة و امرهم ان يعسكروا بالمدائن، فتأخر عنه شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، و الاشعث بن قيس وجرير بن عبد الله البجلي، وقالوا: أتأذن لنا أياما نتخلف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك ؟ فقال لهم: قد فعلتموها، سوءة لكم من مشايخ، فوالله ما لكم من حاجة تتخلفون عليها، وإني لاعلم ما في قلوبكم وسابين لكم: تريدون أن تثبطوا عني الناس، وكأني بكم بالخورنق وقد بسطتم سفركم للطعام، إذ يمر بكم ضب فتأمرون صبيانكم فيصيدونه، فتخلعوني وتبايعونه. ثم مضى إلى المدائن وخرج القوم إلى الخورنق (2) وهيأوا طعاما، فبينا هم
كذلك على سفرتهم وقد بسطوها إذ مر بهم ضب، فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه ومسحوا ايديهم على يده كما أخبر علي عليه السلام، وأقبلوا على المدائن. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بئس للظالمين بدلا (3)، ليبعثكم الله يوم
(1) - الفتوح 3: 35. (2) - الخورنق: موضع بالكوفة، قيل: إنه نهر، والمعروف أنه القصر القائم إلى الان بالكوفة بظاهر الحيرة. (3) - الكهف: 50.
[144]
القيامة مع إمامكم الضب الذى بايعتم، لكأني أنظر إليكم يوم القيامة وهو يسوقكم الى النار ثم قال: لئن كان مع رسول الله منافقون فإن معي منافقين، أما والله يا شبث و يابن حريث لتقاتلان ابني الحسين، هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله. (1) بقاء الخوارج (115) - 41 - روى الهيثمي عن أبى جعفر الفراء مولى علي، قال شدهت مع علي النهر فلما فرغ من قتلهم قال: اطلبوا المخدج، فطلبوه فلم يجدوه، وأمر أن يوضع على كل قتيل قصبة، فوجدوه في وهدة في منتقع ماء جل أسود منتن الريح، في موضع يده كهيئة الثدي عليه شعرات، فلما نظر إليه قال: (صدق الله ورسوله)، فسمع أحد ابنيه إما الحسن أو الحسين يقول: (الحمد لله الذى أراح امة محمد صلى الله عليه وآله من هذه العصابة) فقال علي: (لو لم يبق من امة محمد صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة لكان أحدهم على رأى هؤلاء، انهم لفى أصلاب الرجال وارحام النساء). (2) رد الشمس لامير المؤمنين عليه السلام (116) - 42 - روى في عيون المعجزات قال: حدث إبو الحسن أحمد بن الحسين العطار، قال: حدثنى أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي قال: حدثني علي بن ابراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن الحسن ابن
رزين القلا، عن الفضل بن يسار، عن الباقر، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي عليهم السلام قال: (لما رجع امير المؤمنين عليه السلام من قتال اهل النهروان، أخذ على
(1) - الخرائج والجرائح 1: 225 بحار الانوار 33: 384 حديث 614. (2) - مجمع الزوائد 6: 242.
[145]
النهروانات واعمال العراق، ولم يكن يومئذ قد بنيت بغداد، فلما وافى ناحية براثا صلى بالناس الظهر، ورحلوا ودخلوا في ارض بابل وقد وجبت صلاة العصر، فصاح المسلمون يا امير المؤمنين هذا وقت العصر قد دخل، فقال امير المؤمنين عليه السلام: هذه أرض مخسوف بها، وقد خسف الله بها ثلاثا وعليه تمام الرابعة، ولا تحل لوصي أن يصلي فيها، ومن أراد منكم أن يصلي فليصل، فقال المنافقون: نعم هو لا يصلي ويقتل من يصلي، يعنون اهل النهروان. قال جويرية بن مسهر العبدي: فتبعته في مائة فارس وقلت: والله لا اصلي أو يصلي هو، ولاقلدنه صلاتي اليوم، قال: وسار أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قطع ارض بابل وتدلت الشمس للغروب، ثم غابت واحمر الافق، قال: فالتفت الى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يا جويرية هات الماء، قال: فقدمت إليه الاداوة فتوضأ ثم قال: اذن يا جويرية، فقلت: يا أمير المؤمنين ما وجب العشاء بعد، فقال عليه السلام اذن للعصر، فقلت في نفسي: اذن للعصر وقد غربت الشمس) ولكن علي الطاعة، فأذنت، فقال: أقم، ففعلت، وإذا أنا في الاقامة إذ تحركت شفتاه بكلام كانه منطق الخطاطيف لم أفهم ما هو، فرجعت الشمس بصرير عظيم حتى وقفت في مركزها من العصر، فقام عليه السلام وكبر وصلى وصلينا وراءه، فلما فرغ من صلاته وقعت كأنها سراج في طست، وغابت واشتبكت النجوم، فالتفت إلي وقال: اذن اذان العشاء يا ضعيف اليقين). (1)
(117) - 43 - قال الدولابي: حدثنى اسحاق بن يونس، عن المطلب بن زياد، عن ابراهيم بن حبان: عن عبد الله بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين عليه السلام قال: (كان رأس رسول الله صلى الله عليه وآله في حجر علي وكان يوحى إليه فلما سرى
(1) - عيون المعجزات 7، بصائر الدرجات 217 فيه عن جويرية بن مسهر، بحار الانوار 41: 167 وفيه عن جويرة، ينابيع المودة 164، احقاق الحق 5: 537.
[146]
عنه قا ل: يا علي صليت العصر ؟ قال: لا قال: اللهم إنك تعلم أنه كان في حاجتك وحاجة رسولك فرد عليه الشمس، فردها عليه، فصلى وغابت الشمس). (1) (118) - 44 - روى المجلسي مرفوعا عن جويرية بن مسهر وأبو رافع والحسين بن علي عليهما السلام: (أن أمير المؤمنين عليه السلام لما عبر الفرات ببابل صلى بنفسه في طائفة معه العصر، ثم لم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس وفات صلاة العصر الجمهور، فتكلموا في ذلك، فسأل الله تعالى رد الشمس عليه فردها عليه، فكانت في الافق، فلما سلم القوم غابت، فسمع لها وجيب شديد هال الناس ذلك، وأكثروا التهليل والتسبيح والتكبير، ومسجد الشمس بالصاعدية من أرض بابل شائع ذائع). (2) (119) - 45 - عن احمد بن عمارة، عن ابيه عبد الله بن عبد الجبار، قال: أخبرني مولاي وسيدي الحسن بن علي بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي صلوات الله عليهم، قال: (كنت مع أبي على شاطئ الفرات، فنزع قميصه وغاص في الماء، فجاء موج فأخذ القميص، فخرج أمير المؤمنين عليه السلام وإذا بهاتف يهتف يا أمير المؤمنين، خذ ما عن يمينك، فإذا منديل فيه قميص ملفوف، فأخذ القميص ولبسه، فسقطت من جيبه رقعة، مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هدية من
الله العزيز الحكيم إلى علي بن أبي طالب، هذا قميص هارون بن عمران كذلك وأورثناها قوما آخرين (3). (4)
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام علي عليه السلام) 2: 302. (2) - بحار الانوار 41: 174 حديث 10. (3) - الدخان: 28. (4) - الثاقب في المناقب: 273 حديث 237.
[147]
رجوع أمير المؤمنين عليه السلام من النهروان وكان رجوع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة في شهر رمضان سنه أربعين من الهجرة. (120) - 46 - روى ابن أعثم كيفيه دخوله الكوفة: قال قدم علي عليه السلام من سفره، و واستقبله الناس يهنؤنه بظفره بالخوارج، ودخل إلى المسجد الاعظم، فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فخطب خطبة حسنا، ثم التفت إلى ابنه الحسين فقال: (يا أبا عبد الله كم بقي من شهرنا هذا ؟ يعني شهر رمضان الذي هم فيه. فقال الحسين عليه السلام: سبع عشرة يا أمير المؤمنين). قال: فضرب بيده إلى لحيته، وهي يومئذ بيضاء وقال: (والله ليخضبنها بالدم إذ انبعث أشقاها)، قال ثم جعل يقول: أريد حياته ويريد قتلي خليلي من عذيري من مراد (1) شهادة على عليه السلام ولما جاءت الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان سنة اربعين من الهجرة خرج أمير المؤمنين في صبيحتها إلى المسجد. وضربه أشقى الأولين والاخرين في محراب عبادته، فإذا ارتجت الأرض وماجت البحار والسماوات.
(121) - 37 - قال الراوي: فاصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائكة في السماء بالدعاء، وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة، ونادى جبرئيل عليه السلام بين السماء والارض بصوت يسمعه كل مستيقظ: (تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم
(1) - الفتوح 3: 277.
[148]
محمد المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الاوصياء، قتله أشقى الاشقياء) قال: فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل عليه السلام فلطمت على وجهها وخدها وشقت جيبها وصاحت: وا أبتاه، واعلياه، وامحمدا، واسيداه، ثم أقبلت إلى أخويها الحسن والحسين عليهما السلام فأيقظتهما وقالت لهما: لقد قتل أبوكما، فقاما يبكيان، فقال لها الحسن عليه السلام: يا اختاه كفي عن البكاء حتى نعرف صحة الخبر كيلا تشمت الاعداء، فخرجا فإذا الناس ينوحون وينادون: وا إماماه وا أمير المؤمنيناه، قتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم، كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله فلما سمع الحسن والحسين عليهما السلام صرخات الناس ناديا: وا أبتاه وا علياه ليت الموت أعدمنا الحياة. فلما وصلا الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس، وهم يجتهدون أن يقيموا الامام في المحراب ليصلي بالناس، فلم يطق على النهوض وتأخره عن الصف، وتقدم الحسن عليه السلام فصلى بالناس وأمير المؤمنين عليه السلام يصلي إيماء من جلوس، وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمته الشريف، يميل تارة ويسكن اخرى. (1) وصية علي عليه السلام
(122) - 48 - روى عن مولانا وسيدنا موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه، عن جده عن أبيه الحسين بن علي أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين، قال: قال أبي أمير المؤمنين عليه السلام: يا بنى ألا اعلمك سرا من أسرار الله عز وجل،
(1) - بحار الانوار 42: 283.
[149]
، علمنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من أسراره لم يطلع عليه أحد ؟ قلت: بلى يا أباه جعلت فداك. قال: نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله الروح الامين جبرئيل عليه السلام في يوم الاحد يوم احد، وكان يوم مهول شديد الحر، وكان على النبي صلى الله عليه وآله جوشن لا يقدر حمله لشدة الحر، وحرارة الجوشن. قال النبي صلى الله عليه وآله: فرفعت رأسي نحو السماء، فدعوت الله تعالى فرأيت أبواب السماء قد فتحت، ونزل على الطواف بالنور جبرئيل عليه السلام، وقال لي: السلام عليك يا رسول الله، فقلت: عليك السلام يا أخي جبرئيل، فقال: العلى الاعلى يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والاكرام، ويقول لك اخلع هذا الجوشن واقرأ هذا الدعاء، فإذا قرأته وحملته فهو مثل الجوشن الذي على جسدك. (1) ثم ذكر خبرا طويلا في فضل دعاء جوشن المشهور وذكر الدعا... الى ان قال وقال الحسين عليه السلام: أوصاني أبي أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام وصية عظيمة بهذا الدعاء وحفظه، وقال لي: يا بنى اكتب هذا الدعاء على كفني، وقال الحسين عليه السلام: (فعلت كما أمرني أبي) (2) (123) - 49 - وفي رواية قال الحسين عليه السلام: (أوصاني أبي عليه السلام بحفظه تعظيمه، وأن أكتبه على كفنه، وأن اعلمه أهلي وأحثهم عليه وهو ألف اسم، واسم). (3)
تغسيل على عليه السلام (124) - 50 - عن المجلسي، عن منصور بن محمد بن عيسى، عن ابيه، عن جده زيد بن
(1) - مهج الدعوات: 227، بحار الانوار 94: 397. (2) - بحار الانوار، ج 94: 402، و 81: 332. (3) - بحار الانوار 94: 384 و 81: 331 مع حذف جملة وهو الف اسم واسم، مستدرك الوسائل 2: 232.
[150]
علي، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي عليهم السلام في خبر طويل يذكر فيه (ان امير المؤمنين قال: اوصيكما وصية فلا تظهرا على أمري أحدا، فأمرهما أن يستخرجا من الزاوية اليمنى، لوحا وأن يكفناه فيما يجدان، فإذا غسلاه وضعاه على ذلك اللوح، وإذا وجدا السرير يشال مقدمه يشيلان مؤخره، وأن يصلي الحسن مرة والحسين مرة صلاة إمام، ففعلا كما رسم، فوجدا اللوح وعليه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ذخره نوح النبي صلى الله عليه لعلي بن أبي طالب عليه السلام) وأصابا الكفن في دهليز الدار موضوعا فيه حنوط قد أضاء نوره النهار. وروي أنه قال الحسين عليه السلام وقت الغسل: (أما ترى إلى خفة أمير المؤمنين) فقال الحسن عليه السلام: (يا أبا عبد الله إن معنا قوما يعينوننا) (1) تشييع على عليه السلام ودفنه (125) - 51 - قال الحسين عليه السلام: (فلما قضينا صلاة العشاء الاخرة، إذا قد شيل مقدم السرير، ولم يزل نتبعه إلى أن وردنا إلى الغرى، فأتينا إلى قبر على ما وصف أمير المؤمنين عليه السلام ونحن نسمع خفق أجنحة كثيرة وضجة وجلبة، فوضعنا السرير وصلينا على أمير المؤمنين عليه السلام: كما وصف لنا، ونزلنا قبره فأضجعناه في لحده، ونضدنا عليه اللبن) (2)
(126) - 52 - وروى المجلسي عن أبن الحنفية قال: والل لقد نظرت إلى السرير وإنه ليمر بالحيطان والنخل فتنحني له خشوعا، ومضى مستقيما إلى النجف إلى موضع
(1) - المناقب لابن شهرآشوب 2: 348، بحار الانوار 42: 235. (2) - المناقب لابن شهر آشوب 2: 348، بحار الانوار 42: 234.
[151]
قبره الان. قال: وضجت الكوفة بالبكاء والنحيب، وخرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات، فمنعهم الحسن عليه السلام ونهاهم عن البكاء والعويل، وردهن إلى أماكنهن والحسين عليه السلام يقول: (لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (إنا لله وإنا إليه راجعون) (1) يا اباه وا انقطاع ظهراه، من أجلك تعلمت البكاء، إلى الله المشتكى). (2) مرثية الجن على على عليه السلام (127) - 53 - روى ابن قولويه عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبى عمير عن الحسين الخلال، عن جده قال: قلت للحسين بن على عليهما السلام: اين دفنتم أمير المومنين عليه السلام: قال: خرجنا به ليلا حتى مررنا به على مسجد الاشعث، حتى خرجنا به الى ظهر ناحية الغرى). (3) (128) - 54 - وقال المفيد رحمه الله: انه عليه السلام قال: (خرجنا به ليلا على مسجد الاشعث حتى خرجنا به الى الظهر بجنب الغريين فدفناه هناك). (4) (128) - 55 - وروى محمد بن أحمد بن داود القمي قال أخبرني محمد بن على ابن الفضل قال: أخبرني علي بن الحسين بن يعقوب من بني خزيمة قراءة عليه، قال: حدثني جعفر بن محمد بن يوسف الازدي، قال حدثنا علي بن برزخ الخياط، قال: حدثنا عمرو قال: جائني سعد الاسكاف، قال: يا بني تحمل الحديث ؟
(1) - البقره: 156.
(2) - بحار الانوار 42: 295. (3) - كامل الزيارات: 34،، بحار الانوار 42: 338 وزاد بعد كلمة ليلا كلمة من منزله، وبدل كلمة مسجد الاشعث: منزل الاشعث و 100: 240 حديث 14. (4) - الارشاد: 19.
[152]
فقلت: نعم. فقال: حدثني أبو عبد الله عليه السلام قال: (انه لما اصيب أمير المؤمنين عليه السلام قال للحسن والحسين صلوات الله عليهما: غسلاني وكفناني وحنطاني واحملاني على سريري واحملا مؤخره تكفيان مقدمه، فإنكما تنتهيان إلى قبر محفور ولحد ملحود ولبن موضوع، فالحداني واشرجا اللبن علي وارفعا لبنة مما يلي رأسي فانظرا ما تسمعان). فاخذا اللبنة من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه اللبن فإذا ليس في القبر شئ، وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين عليه السلام كان عبدا صالحا فألحقه الله بنبيه، وكذلك يفعل بالاوصياء بعد الانبياء، حتى لو أن نبيا مات في المشرق ومات وصيه في المغرب لالحق الله الوصي بالنبي. (1) قتل ابن ملجم (130) - 56 - ثم إنه لما رجع أولاد أمير المؤمنين عليه السلام واصحابة إلى الكوفة واجتمعوا لقتل اللعين عدو الله ابن ملجم، فقال عبد الله بن جعفر: اقطعوا يديه ورجليه ولسانه، واقتلوه بعد ذلك. وقال ابن الحنفية رضي الله عنه: اجعلوه غرضا للنشاب، وأحرقوه بالنار، و قال آخر: اصلبوه حيا حتى يموت. فقال الحسن عليه السلام: (أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين عليه السلام أضربه
ضربة بالسيف حتى يموت فيها، واحرقه بالنار بعد ذلك). قال: فأمر الحسن عليه السلام أن ياتوه به، فجاؤوا به مكتوفا حتى أدخلوه إلى الموضع الذي ضرب فيه الامام علي بن أبي طالب عليه السلام والناس بعلنونه و
(1) - التهذيب 6: 106، حديث 187.
[153]
ويوبخونه، وهو ساكت لا يتكلم. فقال الحسن عليه السلام: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين عليه السلام وإمام المسلمين، و أعظمت الفساد في الدين. فقال لهما: يا حسن ويا حسين عليكما السلام ما تريدان تصنعان بي ؟ قالا له: (نريد قتلك كما قتلت سيدنا ومولانا) فقال لهما: اصنعا ما شئتما أن تصنعا، ولا تعنفا من استزله الشيطان فصده عن السبيل، ولقد زجرت نفسي فلم تنزجر ! ونهيتها فلم تنته ! فدعها تذوق وبال أمرها ولها عذاب شديد، ثم بكى. فقال له: يا ويلك ما هذه الرقة ؟ أين كانت حين وضعت قدمك وركبت خطيئتك ؟ فقال ابن ملجم لعنه الله: استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (1)، ولقد انقضى التوبيخ والمعايرة، وإنما قتلت أباك وحصلت بين يديك، فاصنع ما شئت وخذ بحقك مني كيف شئت، ثم برك على ركبتيه وقال: يا ابن رسول الله الحمد لله الذي أجرى قتلي على يديك. فرق له الحسن عليه السلام لان قلبه كان رحيما، فقام الحسن عليه السلام وأخذ السيف بيده وجرده من غمده فهزبه حتى لاح الموت في حده ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه، فاشتد زحام الناس عليه، وعلت أصواتهم، فلم يتمكن من فتح باعه فارتفع
السيف إلى باعه فأبرأه فانقلب عدو الله على قفاه يحور في دمه. فقام الحسين عليه السلام الى أخيه وقا ل: (يا أخي أليس الاب واحدا والام واحده ولي نصيب في هذه الضربة ولى في قتله حق ؟ فدعني أضربه ضربة أشفي بها
(1) - المجادلة: 19.
[154]
بها بعض ما أجده)، فناوله الحسن عليه السلام السيف فأخذه وهزه وضربه على الضربة التي ضربه الحسن عليه السلام فبلغ إلى طرف أنفه، وقطع جانبه الاخر، وابتدره الناس بعد ذلك بأسيافهم، فقطعوه إربا إربا، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. ثم جمعوا جثته وأخرجوه من المسجد، وجمعوا له حطبا وأحرقوه بالنار، وقيل: طرحوه في حفرة وطموه بالتراب، وهو يعوي كعوي الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة. وأقبلوا إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها بالسيف إربا إربا، ونهبوا دارها، ثم أخذوها وأخرجوها إلى ظاهر الكوفة وأحرقوها بالنار، وعجل الله بروحها إلى النار وغضب الجبار. وأما الرجلان اللذان تحالفا معه فأحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام، والاخر قتله عمرو بن العاص بمصر لارضي الله عنهما. وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على قتل علي عليه السلام فقتلا من ليلتهما، لعنهما الله وحشرهما محشر المنافقين الظالمين في جهنم خالدين مع السالفين. (1) (131) - 57 - روى أن الحسين عليه السلام لم يكن حين وفاة أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة كما روى الكليني عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن عبد الله بن الوليد الجعفي، عن رجل، عن أبيه قال: لما اصيب أمير المؤمنين عليه السلام نعى الحسن إلى
الحسين عليهما السلام وهو بالمدائن فلما قرأ الكتاب قال: (يا لها من مصيبة ما اعظمها مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من اصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بى فإنه لن
(1) - بحار الانوار 42: 297.
[155]
يصاب بمصيبة أعظم منها وصدق صلى الله عليه وآله. (1) (132) - 58 - وروى زيد بن علي: عن الحسين عليهما السلام: (لما قتل أمير المؤمينن عليه السلام سمعت جنية ترثيه بهذه الابيات: لقد هد ركني أبو شبر فما ذاقت العين طيب الوسن ولاذاقت العين طيب الكرى وألقيت دهري رهين الحزن وأقلقنى طول تذكاره حرارة ثكل الرقوب الشسن (2)
(1) - الكافي 3: 220 حديث 3، جامع الاحاديث 3: 515 حديث 4901، بحار الانوار 82: 143 عن عبد الله بن الوليد. (2) - بحار الانوار 42: 241.
[156]
نقل وقايع زمن على عليه السلام منها: مرض المؤمن تكفير لذنوبه (133) - 59 - في طب الائمة: حدثنا أبو عتاب والحسين ابنا بسطام قال: حدثنا محمد بن خلف بقزوين - وكان من جملة علماء آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين - قال: حدثنا الحسن بن علي الوشا، عن عبد الله بن سنان، عن أخيه محمد، عن جعفر الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جده، عن مولانا الحسين بن علي صلوات الله عليهم قال: عاد أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام سلمان الفارسي فقال: يا أبا عبد الله كيف أصبحت من علتك ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أحمد الله كثيرا وأشكوا إليك كثرة الضجر.
قال: فلا تضجر يا أبا عبد الله، فما من أحد من شيعتنا يصيبه وجع إلا بذنب قد سبق منه، وذلك الوجع تطهير له. قال سلمان: فان كان الامر على ما ذكرت، وهو كما ذكرت، فليس لنا في شئ من ذلك أجر خلا التطهير. قال علي عليه السلام: يا سلمان ان لكم الاجر بالصبر عليه، والتضرع إلى الله عز أسمه، والدعاء له بهما يكتب لكم الحسنات ويرفع لكم الدرجات، وأما الوجع فهو خاصة تطهير وكفارة.
[157]
قال: فقبل سلمان ما بين عينيه وبكى، وقال: من كان يميز لنا هذه الاشياء لولاك يا أمير المؤمنين ؟ (1) منها: صفة الموت (134) - 60 - حدثنا محمد بن القاسم المفسر الجرجاني رحمه الله، قال حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصري، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عليهم السلام قال: (قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: صف لنا الموت. فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة امور يرد عليه: إما بشارة بنعيم الابد، وإما بشارة بعذاب الابد، وإما تحزين وتهويل وأمره مبهم لا يدري من أي الفرق هو، فأما ولينا المطيع لامرنا فهو المبشر بنعيم الابد، وأما عدونا المخالف علينا فهو المبشر بعذاب الابد، وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول إليه حاله، يأتيه الخبر مبهما مخوفا ثم لن يسويه الله عز وجل بأعداءنا لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا، لا
تتكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله عزوجل فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة). (2) منها: إخبار على عليه السلام عن أصحاب الرس (135) - 61 - قال أبو الحسن عليه السلام: حدثني أبي عن جدى، عن آبائه، عن الحسين بن
(1) - طب الائمة: 15. (2) - معاني الأخبار: 288 حديث 2، كنز الدقائق 4: 558.
[158]
على عليهم السلام قال: اجتمع المهاجرون والأنصار الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: ان لك يا رسول الله صلى الله عليه وآله مؤنة في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود وهذه أموالنا مع دمائنا، فاحكم فيها بارا مأجورا، أعط ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج. قال: فأنزل الله عز وجل عليه الروح الامين فقال: يا محمد: قل لا أسألكم عليه أجرا (1) إلا المودة في القربى يعنى ان تودوا قرابتي من بعدي. فخرجوا فقال المنافقون: ما حمل رسول الله صلى الله عليه وآله على ترك ما عرضنا عليه الا ليحثنا على قرابته من بعد، إن هو الا شئ افتراه في مجلسه، وكان ذلك من قولهم عظيما، فأنزل الله عزوجل هذه الاية: أم يقولون افتريه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم. (2) فبعث عليهم النبي صلى الله عليه وآله فقال: هل من حدث ؟ فقالوا: أي والله يا رسول الله، لقد قال بعضنا كلاما غليظا كرهناه فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله الاية، فبكوا، واشتد بكاؤهم، فانزل الله عزوجل: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (3). (4) (136) - 62 - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قا ل: حدثنا علي بن ابراهيم ابن هاشم، عن أبيه، قال: حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه
محمد بن علي، عن ابيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن على عليهم السلام قال (اتى على بن ابي طالب عليه السلام قبل مقتله بثلاثة أيام رجل من أشراف تميم يقال له:
(1) - انعام: 90. (2) - احقاف: 8. (3) - الشورى: 25. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 213، علل الشرايع: 40 حديث 1، بحار الانوار 14: 148، حديث 1.
[159]
عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب الرس في أي عصر كانوا ؟ وأين كانت منازلهم ؟ ومن كان ملكهم ؟ وهل بعث الله عزوجل إليهم رسولا أم لا ؟ وبماذا هلكوا ؟ فإني أجد في كتاب الله تعالى ذكرهم ولا أجد غيرهم. فقال له علي: لقد سألتني عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك، ولا يحدثك به أحد بعدي الا عني، وما في كتاب الله عزوجل آية إلا وأنا أعرفها وأعرف تفسيرها، وفي أي مكان نزلت من سهل أو جبل ؟ وفي أي وقت من ليل أو نهار ؟ وان هيهنا لعلما جما - وأشار إلى صدره - ولكن طلابه يسير، وعن قليل يندمون لو فقدوني. كان من قصتهم يا أخاتميم: أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبرة يقال لها: شاه درخت، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها: دوشاب، كانت أنبطت لنوح عليه السلام بعد الطوفان، وانما سموا أصحاب الرس، لانهم رسوا بينهم في الارض، وذلك بعد سليمان بن داود عليه السلام، وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال لها: رس، من بلاد المشرق، وبهم سمي ذلك النهر، ولم يكن يومئذ في الارض نهر أغزر منه، ولا أعذب منه، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها تسمى احداهن آبان، والثانية آذر، والثالثة دي، والرابعة بهمن، والخامسة اسفندار،
والسادسة فروردين، والسابعة اردي بهشت، والثامنة خرداد، والتاسعة مرداد، والعاشرة تير، والحادية عشر مهر، والثانية عشر شهريور. وكانت أعظم مدائنهم اسفندار، وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمى تركوذ بن غابور ابن يارش بن سازن بن نمرود بن كنعان، فرعون ابراهيم عليه السلام وبها العين والصنوبرة، وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة، فنبتت الحبة، وصارت شجرة عظيمة، وحرموا ماء العين والانهار، فلا يشربون منها ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك قتلوهم، ويقولون: هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لاحد أن
[160]
ينقص من حياتها، ويشربونهم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم. وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيد يجمع إليه أهلها، فيضربون على الشجرة التي بها كلة من يريد فيها من أنواع الصور، ثم يأتون بشاة وبقر فيذبحونها قربانا للشجرة، ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطح دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خروا للشجرة سجدا ويبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم، فكان الشيطان يجيئ فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي، ويقول: قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفسا وقروا عينا، فيرفعون رؤوسهم عند ذلك، ويشربون الخمر و يضربون بالمعازف ويأخذون الدست بند، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون. وإنما سميت العجم شهورها بآبانماه وآذرماه وغيرهما، اشتقاقا من أسماء تلك القرى، لقول أهلها بعضهم لبعض: هذا عيد شهر كذا، وعيد شهر، كذا حتى إذا كان عيد شهر قريتهم العظمى، اجتمع إليه صغيرهم، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور، له اثنا عشر بابا، كل باب لاهل قرية
منهم، ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق ويقربون له الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم، فيجيئ ابليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكا شديدا، ويتكلم من جوفها كلاما جهوريا ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم و منتهم الشياطين كلها، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثنى عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة، ثم ينصرفون. فلما طال كفرهم بالله عزوجل وعبادتهم غيره، بعث الله عزوجل إليهم نبيا من بني اسرائيل من ولد يهود ابن يعقوب، فلبث فيهم زمانا طويلا، يدعوهم إلى
[161]
عبادة الله عزوجل ومعرفة ربوبيته، فلا يتبعونه، فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح، وحضر عيد قريتهم العظمى، قال: يا رب ان عبادك أبوا إلا تكذيبي والكفر بك، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر، فأيبس شجرهم أجمع، وأرهم قدرتك وسلطانك فأصبح القوم وقد يبس شجرهم، فهالهم ذلك وقطع بهم، وصاروا فرقتين، فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول رب السماء والارض اليكم، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه. وفرقة قالت: لا، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنها وبهائها لكي تغضبوا لها فتنتصروا منه. فأجمع رأيهم على قتله، فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الافواه، ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الاخرى مثل البرابخ ونزحوا ما فيها من الماء، ثم حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل عميقة، وأرسلوا
فيها نبيهم وألقموا فاهه صخرة عظيمة، ثم أخرجوا الانابيب من الماء، وقالوا: نرجوا الان أن ترضى عنه آلهتنا، إذ رأت إنا قد قتلنا من كان يقع فيها، ويصد عن عبادتها، ودفناه تحت كبيرها يتشفى منه، فيعود لنا نورها ونضارتها كما كان. فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه السلام، وهو يقول: سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي، وعجل بقبض روحي، ولا تؤخر إجابة دعوتي، حتى مات عليه السلام. فقال الله عز وجل لجبرائيل عليه السلام: يا جبرائيل أنظر عبادي هؤلاء الذي غرهم حلمي وأمنوا مكري، وعبدوا غيري وقتلوا رسولي، أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني، كيف ؟ ! وأنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي، واني
[162]
حلفت بعزتي لاجعلنهم عبرة ونكالا للعالمين، فلم يرعهم وهم في عيدهم ذلك الا بريح عاصف شديدة الحمرة، فتحيروا فيها وذعروا منها وانضم بعضهم إلى بعض، ثم صارت الارض من تحتهم كحجر كبريت يتوقد وأظلتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبة جمرا تلتهب، فذابت أبدانهم في النار كما يذوب الرصاص في النار، فنعوذ بالله تعالى ذكره من غضبه ونزول نقمته، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). (1) منها: احتجاج على عليه السلام مع اليهودي (137) - 63 - حدثنا أبو الحسن محمدابن على بن الشاه الفقيه المروزى بمرو الرود في داره، قال: حدثنا أبو بكر بن محمد عبد الله النيسابوري، قال حدثنا أبو القاسم عبد الله بن احمد بن عامر بن سليمان الطائى بالبصرة، حدثنا ابى قال حدثنى على بن موسى الرضا، قال حدثنى ابى موسى بن جعفر، قال حدثنى ابى جعفر بن محمد، قال حدثنى ابى محمد بن على قال حدثنى ابى على بن الحسين عن
الحسين بن علي عليهم السلام قال: ان يهوديا سئل على بن ابي طالب عليه السلام فقال: اخبرني عما ليس لله وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله تعالى، قال علي عليه السلام اما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم: يا معشر اليهود عزيز بن الله والله لا يعلم له ابنا واما قولك: ما ليس لله فليس له شريك واما قولك: ما ليس عند الله، فليس عند الله ظلم للعباد، فقال اليهودي: اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) (138) - 64 - روى عن موسى بن جعفر، عن ابيه، عن آبائه عليهما السلام، عن الحسين بن على عليهما السلام قال: (ان يهوديا من يهود الشام واحبارهم كان قد قرأ التوراة والانجيل و
(1) - عيون اخبار الرضا 1: 183 حديث 1. (2) - عيون اخبار الرضا 2: حديث 172.
[163]
الزبور وصحف الانبياء عليهم السلام وعرف دلائلهم، جاء إلى مجلس فيه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهم على بن أبي طالب، وابن عباس وابن مسعود، وأبو سعيد الجهني. فقال: يا امة محمد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة، إلا أنحلتموها نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه ؟ فكاع القوم عنه. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم ما أعطى الله نبيا درجة، ولا مرسلا فضيلة، إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله وزاد محمدا على الانبياء أضعافا مضاعفة. فقال له اليهودي: فهل أنت مجيبي ؟ قال له: نعم سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقر الله به عين المؤمنين، ويكون فيه ازالة لشك الشاكين في فضائله صلى الله عليه وآله انه كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: (ولا فخر)، وانا اذكر لك فضائله غير مزر بالانبياء، ولا منتقص لهم، ولكن شكرا لله على ما اعطى محمد صلى الله عليه وآله مثل ما اعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليه.
قال له اليهودي: إني أسألك فأعد له جوابا. قال له علي عليه السلام: هات ! قال اليهودي: هذا آدم عليه السلام أسجد الله له ملائكته، فهل فعل لمحمد شيئا من هذا ؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، أسجد الله لادم ملائكته، فإن سجودهم له لم يكن سجود طاعة، وإنهم عبدوا آدم من دون الله عزوجل، ولكن اعترافا بالفضيلة، ورحمة من الله له. ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله عزوجل صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه، فهذه زيادة يا يهودى.
[164]
قال له اليهودي: فان آدم عليه السلام تاب الله عليه بعد خطيئته ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عز وجل: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (1) إن محمدا غير مواف يوم القيامة بوزر، ولا مطلوب فيها بذنب. قال اليهودي: فإن هذا إدريس رفعه الله عزوجل مكانا عليا، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا إن الله جل ثناؤه قال فيه: ورفعنا لك ذكرك (2) فكفى بهذا من الله رفعة، ولئن أطعم إدريس من تحف الجنة بعد وفاته، فإن محمدا أطعم في الدنيا في حياته: بينما يتضور جوعا فأتاه جبرئيل عليه السلام بجام من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام وهللت التحفة في يده، وسبحا، وكبرا، وحمدا، فناولها أهل بيته، ففعلت الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه فتناولها جبرئيل عليه السلام وقال له: كلها فإنها تحفة
من الجنة أتحفك الله بها، وإنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي، فأكل منها صلى الله عليه وآله وأكلنا معه، وإني لأجد حلاوتها ساعتي هذه. قال اليهودي: فهذا نوح عليه السلام صبر في ذات الله تعالى، وأعذر قومه إذ كذب. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله صبر في ذات الله عزوجل فأعذر قومه إذ كذب وشرد، وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا ناقة وشاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال: أن شق الجبال وانته إلى أمر محمد ! فأتاه فقال: إني امرت لك بالطاعة، فإن أمرت أن اطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال صلى الله عليه وآله: (إنما بعثت رحمة، رب اهد امتي فإنهم لا يعلمون)،
(1) - الفتح: 2. (2) - الشرح: 4.
[165]
ويحك يا يهودي إن نوحا لما شاهد غرق قومه رق عليهم رقة القربة، وأظهر عليهم شفقة، فقال: رب إن ابني من أهلي (1) فقال الله تعالى: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح (2) أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما غلبت عليه من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين رحمة. فقال اليهودي: فإن نوحا دعا ربه، فمطلت السماء بماء منهمر ؟ قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد صلى الله عليه وآله هطلت له السماء بماء منهمر رحمة، وذلك أنه صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة حتى رئي بياض إبطه، وما ترى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله، حتى أن الشاب المعجب بشبابه لهمته نفسه في الرجوع إلى
منزله فما يقدر على ذلك من شدة السيل، فدام اسبوعا، فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يا رسول الله تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر، فضحك صلى الله عليه وآله وقال: هذه سرعة ملالة ابن آدم، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم في اصول الشيح ومراتع البقع) فرئي حوالي المدينة المطر يقطر قطرا، وما يقع بالمدينة قطرة لكرامته صلى الله عليه وآله على الله عزوجل. قال له اليهودي: فإن هذا هود قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فعل لمحمد صلى الله عليه وآله شيئا من هذا ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا إن الله عزوجل قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق، إذ أرسل عليهم ريحا
(1) - هود: 45. (2) - هود: 46.
[166]
تذرو الحصى، وجنودا لم يروها، فزاد الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله بثمانية ألف ملك، وفضله على هود: بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد ريح رحمة، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها (1). قال له اليهودي: فهذا صالح أخرج الله له ناقة جعلها لقومه عبرة ؟ قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من ذلك، إن ناقة صالح لم تكلم صالحا، ولم تناطقه، ولم تشهد له بالنبوة، ومحمد صلى الله عليه وآله بينما نحن معه في بعض غزواته إذ هو ببعير قد دنا، ثم رغا فأنطقه الله عزوجل فقال: (يا رسول الله فلان استعملني حتى كبرت، ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه) فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبه فاستوهبه منه، فوهبه له وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن
بأعرابي معه ناقة له يسوقها، وقد استسلم للقطع لما زور عليه من الشهود فنطقت الناقة فقالت: (يا رسول الله إن فلانا مني برئ، وإن الشهود يشهدون عليه بالزور، وإن سارقي فلان اليهودي) قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى وأحاطت دلالته بعلم الايمان ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، واعطي محمد أفضل منه، وتيقظ إبراهيم وهو ابن خمسة عشر سنة ومحمد ابن سبع سنين، قدم تجار من النصارى فنزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ورفعته، وخبر مبعثه وآياته، فقالوا: يا غلام ما اسمك ؟ قال: محمد.
(1) - احزاب: 9.
[167]
قالوا: ما اسم أبيك ؟ قال: عبد الله. قالوا: ما اسم هذه ؟ - وأشاروا بأيديهم إلى الارض. قالوا: وما اسم هذه ؟ - وأشاروا بأيديهم إلى السماء - قال: السماء. قالوا: فمن ربهما ؟ قال: الله، ثم انتهرهم وقال: أتشككوني في الله عزوجل ؟ ! ويحك يا يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عزوجل مع كفر قومه إذ هو بينهم: يستقسمون بالازلام، ويعبدون الاوثان، وهو يقول: لا إله إلا الله. قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمرود بحجب ثلاث ؟
قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله حجب عمن أراد قتله بحجب خمس، فثلاثة بثلاثة واثنان فضل، قال الله عزوجل - وهو يصف أمر محمد صلى الله عليه وآله -: وجعلنا من بين أيديهم سدا فهذا الحجاب الاول، ومن خلفهم سدا فهذا الحجاب الثاني، فأغشيناهم فهم لا يبصرون (1) فهذا الحجاب الثالث، ثم قال: إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا (2) فهذا الحجاب الرابع ثم قال: فهى إلى الاذقان فهم مقمحون (3) فهذه حجب خمس. قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته ؟ قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أتاه مكذب بالبعث بعد الموت وهو: أبي بن خلف الجمحي معه عظم نخر ففركه ثم قال: يا محمد من يحيى
(1) - يس: 9. (2) - الاسراء: 45. (3) - يس: 8.
[168]
العظام وهي رميم (1) ؟ فأنطق محمدا بمحكم آياته، وبهته ببرهان نبوته، فقال: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (2)، فانصرف مبهوتا. قال له اليهودي: فهذا إبراهيم جذ أصنام (3) قومه غضبا لله عزوجل ؟ قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد نكس عن الكعبة ثلاثمائة و ستين صنما، ونفاها عن جزيرة العرب، وأذل من عبدها بالسيف. قال له اليهودي: فإن إبراهيم قد أضجع ولده وتله للجبين (4) ؟ فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد اعطي إبراهيم بعد الاضطجاع الفداء، ومحمد اصيب بأفجع منه فجيعة، إنه وقف على عمه حمزة أسد الله، وأسد رسوله وناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده، فلم يبن عليه حرقة، ولم يفض عليه
عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عزوجل بصبره، ويستسلم لامره في جميع الفعال، وقال صلى الله عليه وآله: لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يحشر من بطون السباع، وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنة بعدي لفعلت ذلك. قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد أسلمه قومه إلى الحريق، فصبر، فجعل الله عز وجل عليه بردا وسلاما فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، فالسم يحرق إذا استقر في الجوف كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره. قال له اليهودي: فإن هذا يعقوب عليه السلام أعظم في الخير نصيبا إذ جعل الاسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته ؟
(1) - يس: 78. (2) - يس: 79. (3) - جذ أصنامهم: استأصلها إشاره الى قوله تعالى: (فجعلهم جذاذا) أي فتاتا مستأصلين. (4) - تله: قال تعالى: (وتله للجبين) أي صرعه، وهو كقولهم: كبه لوجهه.
[169]
قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعظم في الخير نصيبا إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من حفدته. قال له اليهودي: فإن يعقوب عليه السلام قد صبر على فراق ولده حتى كاد يحرض من الحزن. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، و محمد صلى الله عليه وآله قبض ولده إبراهيم عليه السلام قرة عينه في حياته منه، فخصه بالاختيار، ليعلم له الادخار، فقال صلى الله عليه وآله: يحزن النفس، ويجزع القلب، وإنا عليك يا إبراهيم
لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرب، في كل ذلك يؤثر الرضا عن الله عز وجل والاستسلام له في جميع الفعال. قال له اليهودي: فان هذا يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا للمعصية، وألقي في الجب وحيدا ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قاسى مرارة الغربة، وفراق الاهل والاولاد والمال، مهاجرا من حرم الله تعالى وأمنه، فلما رأى الله عز وجل كآبته واستشعاره والحزن، أراه تبارك أسمه رؤيا توازي رؤيا يوسف في تأويلها، وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون (1) ولئن كان يوسف عليه السلام حبس في السجن، فلقد حبس رسول الله نفسه في الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذوو الرحم وألجأوه إلى أضيق المضيق، ولقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف القي في الجب، فلقد حبس محمد نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، ومدحه إليه بذلك في
(1) - الفتح: 27.
[170]
كتابه. فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران آتاه الله عز وجل التوراة التي فيها حكمه ؟ قال له علي عليه السلام: فلقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل منه أعطي محمد البقرة وسورة المائدة بالانجيل، وطواسين وطه ونصف المفصل و الحواميم بالتوراة، وأعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، واعطي سورة بني
إسرائيل وبراءة بصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وزاد الله عز وجل محمدا السبع الطوال (1) وفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وأعطي الكتاب والحكمة. قال له اليهودي فإن موسى ناجاه الله على طور سيناء ؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وآله عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش مذكور. قال اليهودي: فلقد ألقى الله على موسى بن عمران محبة منه ؟ قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد أعطي محمدا صلى الله عليه وآله ما هو أفضل من هذا، لقد ألقى الله محبة منه فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم إذ تم من الله به الشهادة، فلاتتم الشهادة إلا أن يقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله)، ينادى به على المنابر، فلا يرفع صوت بذكر الله إلا رفع بذكر محمد صلى الله عليه وآله معه. قال له اليهودي: فلقد أوحى الله إلى ام موسى لفضل منزلة موسى عليه السلام عند الله.
(1) - السبع الطوال من البقرة الى الاعراف، والسابعة سورة يونس، أو (الانفال وبراءة) لانهما سورة واحدة عند بعض.
[171]
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك. ولقد لطف الله جل ثناؤه لام محمد صلى الله عليه وآله بأن أوصل إليها اسمه، حتى قالت: أشهد والعالمون أن محمدا رسول الله منتظر، وشهد الملائكة على الانبياء أنهم أثبتوه في الاسفار، وبلطف من الله ساقه إليها، و أوصل إليها اسمه لفضل منزلته عنده، حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إن ما في بطنك سيد فإذا ولدته فسميه محمدا، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله المحمود
وهذا محمد. قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه الاية الكبرى ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد ارسل إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل بن هشام، وعتبة ابن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحرث، و ابي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والاسود بن عبد يغوث الزهري، والاسود بن المطلب، والحرث بن أبي الطلالة، فأراهم الايات في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. قال له اليهودي: لقد انتقم الله عز وجل لموسى من فرعون ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد صلى الله عليه وآله من الفراعنة، فأما المستهزئون فقال الله: إنا كفيناك المستهزئين (1) فقتل الله خمستهم، كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد. فأما الوليد بن المغيرة: فمر بنبل لرجل من خزاعة قد راشه ووضعه في الطريق فأصابه شظية منه، فانقطع أكحله حتى أدماه، فمات وهو يقول: (قتلني رب محمد).
(1) - الحجر: 95.
[172]
وأما العاص بن وائل السهمي: فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده تحته حجر، فسقط فتقطع قطعة قطعة، فمات وهو يقول: (قتلني رب محمد). وأما الاسود بن عبد يغوث: فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة، فاستظل بشجرة، فأتاه جبرئيل فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع هذا عني ! فقال: ما
ارى أحدا يصنع شيئا إلا نفسك، فقتله وهو يقول: (قتلني رب محمد). وأما الاسود بن الحرث: فإن النبي صلى الله عليه وآله دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع أتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي، فبقي حتى أثكله الله ولده. وأما الحرث بن أبي الطلالة: فإنه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا، فرجع إلى أهله فقال: أنا الحرث، فغضبوا عليه فقتلوه وهو يقول: (قتلني رب محمد). وروي أن الاسود بن الحرث أكل حوتا مالحا فأصابه غلبة العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه، فمات وهو يقول: (قتلني رب محمد). كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل النبي صلى الله عليه وآله منزلة فأغلق عليه بابه مغتما لقو لهم، فأتاه جبرئيل عن الله من ساعته فقال: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول لك: إصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (1)، يعني أظهر أمرك لاهل مكة، وادعهم إلى الايمان، قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني ؟ قال له: إنا كفيناك
(1) - الحجر: 94.
[173]
المستهزئين (1) قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي، قال: كفيتهم، وأظهر أمره عند ذلك. وأما بقية الفراعنة: قتلوا يوم بدر بالسيف، فهزم الله الجميع وولوا الدبر. قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد اعطي العصا فكان تحول ثعبانا ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا،
إن رجلا كان يطالب أبا جهل بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل عنه وجلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين: من تطلب ؟ فقال: عمرو بن هشام - يعني أبا جهل - لي عليه دين. قال: فأدلك على من يستخرج منه الحقوق ؟ قال: نعم. فدله على النبي صلى الله عليه وآله وكان أبو جهل يقول: ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به وأرده، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد بلغني أن بينك وبين عمرو بن هشام حسن صداقة، وأنا استشفع بك إليه، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى بابه، فقال له: قم يا أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وإنما كناه بأبي جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا من محمد قال: ويحكم اعذروني، إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا معهم حراب تتلألأ، وعن يساره ثعابين تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني وتقضمني الثعبانان. هذا أكبر مما اعطي موسى، وزاد الله محمدا ثعبانا وثمانية أملاك معهم الحراب، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله يؤذي قريشا بالدعاء، فقام يوما فسفه احلامهم، وعاب دينهم، وشتم أصنامهم، وضلل آباءهم، فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال
(1) - الحجر 95.
[174]
أبو جهل: والله للموت خير لنا من الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا فيقتل به، قالوا: لا. قال: فأنا أقتله، فإن شاءت بنو عبد المطلب قتلوني به، وإلا تركوني، قال: إنك إن فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به، قال: إنه كثير السجود حول الكعبة، فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته به. فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فطاف بالبيت اسبوعا، ثم صلى وأطال السجود،
فأخذ أبو جهل حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما أن قرب منه أقبل فحل من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله فاغرا فان نحوه، فلما أن راه أبو جهل فزع منه وارتعدت يده، و طرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمى، متغير اللون، يفيض عرقا. فقال له أصحابه: ما رأيناك كاليوم ؟ ! قال: ويحكم اعذروني ! فإنه أقبل من عنده فحل فاغرا فاه فكاد يبتلعني، فرميت بالحجر فشدخت رجلي. قال اليهودي: فإن موسى قد اعطي اليد البيضاء، فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إن نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره حيثما جلس، وكان يراه الناس كلهم. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ضرب له طريق في البحر، فهل فعل بمحمد شئ من هذا ؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد اعطي ما هو أفضل من هذا، خرجنا معه إلى حنين، فإذا نحن بواد يشخب، فقدرناه فإذا هو أربعة عشر قامة، فقالوا: يا رسول الله العدو وراءنا والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى، انا
[175]
لمدركون (1)، فنزل رسول الله ثم قال: (اللهم إنك جعلت لكل مرسل دلالة، فأرني قدرتك)، وركب صلوات الله عليه فعبرت الخيل لاتندى حوافرها، والابل لاتندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحنا. قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد اعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا. قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل الحديبية وحاصره
أهل مكة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك، وذلك أن أصحابه شكوا إليه الظمأ و أصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له صلى الله عليه وآله، فدعا بركوة يمانية ثم نصب يده المباركة فيها، فتفجرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء، وملانا كل مزادة وسقاء. ولقد كنا معه بالحديبية فإذا ثم قليب جافة، فأخرج صلى الله عليه وآله سهما من كنانته، فناوله البراء بن عازب وقال له: اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجرت اثنتا عشرة عينا من تحت السهم. ولقد كان يوم الميضاة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى حيث دعا بالميضاة فنصب يده فيها فغاضت الماء وارتفع، حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل فشربوا حاجتهم، وسقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا. قال اليهودي: فإن موسى عليه السلام اعطي المن والسلوى فهل اعطي لمحمد نظير هذا. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، ان الله عزوجل احل له الغنائم ولامته، ولم تحل الغنائم لاحد غيره قبله، فهذا أفضل من المن والسلوى، ثم زاده أن جعل نية له ولامته بلا عمل عملا صالحا ولم
(1) - الشعراء: 61.
[176]
يجعل لاحد من الامم ذلك قبله، فإذا هم احدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنه، فإن عملها كتب له عشرة. قال له اليهودي: ان موسى عليه السلام قد ظلل عليه الغمام ؟ قال له على عليه السلام: لقد كان كذلك وقد فعل ذلك بموسى في التيه واعطى محمد صلى الله عليه وسلم افضل من هذه ان الغمامة كانت تظله من يوم ولد الى يوم الى يوم قبض في حضره واسفاره. فهذا افضل مما اعطى موسى.
قال له اليهودي: فهذا داوود عليه السلام قد لين الله له الحديد، فعمل منه الدروع ؟ قال له على عليه السلام: لقد كان كذالك، ومحمد صلى الله عليه واله قد اعطى ما هو افضل من انه لين الله له الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، لقد غارت الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، وقد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته. قال له اليهودي: هذا داوود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أريز كأريز المرجل على الاثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله عز وجل من عقابه، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه فيكون أماما لمن اقتدى به، ولقد قام صلى الله عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع، حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (1) بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: بلى، أفلا أكون عبدا شكورا.
(1) - طه: 1.
[177]
ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل بمحمد صلى الله عليه وآله ما هو أفضل من هذا، إذ كنا معه على جبل حراء إذ تحرك الجبل فقال له: (قرفإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق شهيد)، فقر الجبل مطيعا لامره ومنتهيا إلى طاعته، ولقد مررنا معه بجبل وإذ الدموع تخرج من بعضه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (ما يبكيك يا جبل ؟) فقال: يا رسول الله كان المسيح مربي وهو يخوف الناس من نار وقودها الناس والحجارة، وأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة، قال له: (لا تخف تلك الحجارة
الكبريت)، فقر الجبل وسكن وهدأ وأجاب لقوله صلى الله عليه وآله. قال له اليهودي: فإن هذا سليمان اعطي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده ؟ فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الارض قبله، وهو ميكائيل، فقال له: يا محمد عش ملكا منعما وهذه مفاتيح خزائن الارض معك، ويسير معك جبالها ذهبا وفضة، ولا ينقص لك مما ادخر لك في الاخرة شئ، فأومى إلى جبرئيل - وكان خليله من الملائكة - فأشار عليه: أن تواضع فقال له: بل أعيش نبيا عبدا آكل يوما ولا آكل يومين، وألحق باخواني من الانبياء، فزاده الله تبارك وتعالى الكوثر وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها ألى آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله عز وجل على العرش، فهذا أفضل مما اعطي سليمان. قال له اليهودي: فإن هذا سليمان قد سخرت له الرياح، فسارت به في بلاده غدوها شهر ورواحها شهر ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا: إنه سري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، في أقل من ثلث ليلة، حتى
[178]
انتهى إلى ساق العرش، فدنى بالعلم فتدلى من الجنة رفرف أخضر، وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين بينه و بينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان فيما أوحى إليه: الاية التي في سورة البقرة قوله: لله ما في السماوات وما في الاءرض وإن تبدواما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل
شئ قدير. (1) وكانت الاية قد عرضت على الانبياء من لدن آدم عليه السلام الى أن بعث الله تبارك وتعالى محمدا، وعرضت على الامم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله، وعرضها على امته فقبلوها، فما رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها، فلما أن سار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه - فأجاب صلى الله عليه وآله مجيبا عنه وعن امته - والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله (2) فقال جل ذكره: لهم الجنة والمغفرة على أن فعلوا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما إذا فعلت ذلك بنا، فغفرانك ربنا وإليك المصير، يعني المرجع في الاخرة. قال: فأجابه الله عز وجل قد فعلت ذلك بك وبامتك، ثم قال عز وجل: اما إذا قبلت الاية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الامم فأبوا أن يقبلوها قبلتها امتك، حق علي أن أرفعها عن امتك، وقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت - من خير - وعليها ما اكتسبت (3) من شر فقال النبي صلى الله عليه وآله - لما سمع - ذلك: أما إذا فعلت ذلك بي وبامتي فزدني، قال: سل، قال: ربنا لا تؤاخذنا إن
(1) - البقره: 284. (2) - البقره: 285. (3) - البقره: 286.
[179]
نسينا أو أخطأنا (1)، قال الله عز وجل: لست اؤاخذ امتك بالنسيان والخطأ لكرامتك علي، وكانت الامم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم ابواب العذاب، وقد دفعت ذلك عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا أخطأوا اخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه. وقد رفعت ذلك عن امتك لكرامتك علي. فقال صلى الله عليه وآله: (اللهم إذا أعطيتني ذلك فزدني)، قال الله تبارك وتعالى له: سل،
قال: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا (2)، يعني بالاصر: الشدائد التي كانت على من كان من قبلنا، فأجابه الله عز وجل إلى ذلك، وقال تبارك اسمه: قد رفعت عن امتك الاصار التي كانت على الامم السالفة كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع معلومة من الارض اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الارض كلها لامتك مسجدا وطهورا، فهذه من الاصار التي كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا اصابهم إذا من نجاسة قرضوه من اجسادهم، وقد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذا من الاصار التى كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة تحمل قرابينها على اعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا فأكلته فرجع مسرورا، ومن لم أقبل منه ذلك رجع مثبورا، وقد جعلت قربان امتك في بطون فقراءها ومساكينها فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن امتك، وهي من الاصار التي كانت على الامم من كان من قبلك، وكانت الامم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ظلم الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك و فرضت صلاتهم في أطراف الليل والنهار، وفي أوقات نشاطهم.
(1) - البقره: 286. (2) - البقره: 286.
[180]
وكانت الامم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا، و هي من الاصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي إحدى وخمسون ركعة، وجعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة، وهي من الاصار التي كانت عليهم،
فرفعتها عن امتك وجعلت الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة فلم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت له حسنة، وإن امتك إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرة، وهي من الاصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة، وإن امتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وهذه من الاصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك. وكانت الامم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب: أن حرمت عليهم بعد التوبه أحب الطعام إليهم، وقد رفعت ذلك عن امتك وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة، وقبلت توبتهم بلا عقوبة، ولا اعاقبهم بأن احرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم إلى الله من الذنب الواحد مائة سنة، أو ثمانين سنة، أو خمسين سنة، ثم لا أقبل توبته دون أن اعاقبه في الدنيا بعقوبة، وهي من الاصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وان الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، أو أربعين سنة، أو مائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر ذلك كله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا اعطيتني ذلك كله فزدني، قال: سل، قال: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به (1) قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بامتك، وقد رفعت
(1) - البقره: 286.
[181]
عنهم عظم بلابا الامم، وذلك حكمي في جميع الامم: أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا (1) قال الله عز وجل: قد فعلت ذلك بتائبي امتك ثم قال صلى الله عليه وآله: فانصرنا على القوم
الكافرين (2) قال الله جل اسمه: إن امتك في الارض كالشامة البيضاء في الثور الاسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون، لكرامتك علي، وحق علي أن اظهر دينك على الاديان، حتى لا يبقى في شرق الارض وغربها دين الا دينك، ويؤدون إلى أهل دينك الجزية. قال اليهودي: فإن هذا سليمان سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء: من محاريب، وتماثيل ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد اعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الشياطين سخرت لسليمان وهي مقيمة على كفرها، ولقد سخرت لنبوة محمد صلى الله عليه وآله الشياطين بالايمان، فأقبل إليه من الجنة التسعة من أشرافهم، واحد من جن نصيبين، والثمان من بني عمرو بن عامر من الا حجة منهم شضاه، ومضاه والهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاه، وهاضب، وهضب وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: واذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن (3) وهم التسعة، فأقبل إليه الجن والنبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونصح المسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا على الله شططا، وهذا أفضل مما اعطي سليمان، فسبحان من سخرها لنبوة محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانت تتمرد، وتزعم أن لله ولدا، ولقد شمل مبعثه من الجن
(1) - البقره: 286. (2) - البقره: 286. (3) - البقره: 29.
[182]
والانس ما لا يحصى. قال له اليهودي: هذا يحيى بن زكريا عليه السلام يقال: إنه اوتي الحكم صبيا
والحلم، والفهم، وأنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من هذا، إن يحيى بن زكريا كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية، ومحمد صلى الله عليه وآله اوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الاوثان، وحزب الشيطان، فلم يرغب لهم في صنم قط ولم ينشط لاعيادهم، ولم ير منه كذب قط، وكان أمينا، صدوقا، حليما، وكان يواصل الصوم الاسبوع والاقل والاكثر، فيقال له في ذلك، فيقول: إني لست كأحدهم إني أظل عند ربي، فيطعمني، ويسقيني، وكان يبكي صلى الله عليه وآله حتى تبتل مصلاه خشية من الله عز وجل من غير جرم. قال له اليهودي: فإن هذا عيسى بن مريم يزعمون أنه تكلم في المهد صبيا ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سقط من بطن امه واضعا يده اليسرى على الارض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرك شفتيه بالتوحيد، وبدأ من فيه نور رأى أهل مكة منه قصور بصرى من الشام وما يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من إسطخر وما يليها، ولقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله حتى فزعت الجن والانس والشياطين، وقالوا حدث في الارض حدث، ولقد رأى الملائكة ليلة ولد تصعد وتنزل، وتسبح وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامة لميلاده. ولقد هم إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الاعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا العجائب أرادوا أن يسترقوا السمع، فإذا هم قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب، دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله.
[183]
قال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام يزعمون أنه قد أبرأ الاكمه والابرص
بإذن الله ؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله اعطي ما هو أفضل من ذلك: أبرأ ذا العاهة من عاهته، وبينما هو جالس إذ سأل عن رجل من أصحابه فقالوا: يا رسول الله إنه قد صار من البلاء كهيئة الفرخ الذي لا، ريش عليه، فأتاه صلى الله عليه وآله فإذا هو كهيئة الفرخ من شدة البلاء، فقال له: قد كنت تدعو في صحتك دعاء ؟ قال: نعم كنت أقول: (يا رب أيما عقوبة أنت معاقبي بها في الاخرة فاجعلها لي في الدنيا) فقال له النبي صلى الله عليه وآله ألا قلت: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار) فقالها الرجل فكأنما نشط من عقال، وقام صحيحا وخرج معنا. ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطع من الجذام، فشكا إليه صلى الله عليه وآله، فأخذ قدحا من ماء فتفل عليه، ثم قال: امسح جسدك ففعل فبرئ حتى لم يوجد عليه شئ، ولقد اتي النبي بأعرابي أبرص فتفل صلى الله عليه وآله من فيه عليه فما قام من عنده إلا صحيحا. ولئن زعمت أن عيسى أبرأ ذا العاهات من عاهاتهم، فإن محمدا صلى الله عليه وآله بينما هو في أصحابه إذ هو بامرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت، كلما أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقمنا معه فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله، فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان، فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا. ولئن زعمت أن عيسى أبرأ العميان فإن محمدا قد فعل ما هو أكبر من ذلك: إن قتادة بن ربيع كان رجلا صحيحا، فلما أن كان يوم احد أصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته، فأخذها بيده ثم أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن امرأتي الان تبغضني، فأخذها رسول الله من يده ثم وضعها مكانها، فلم تكن
[184]
تعرف إلا بفضل حسنها وفضل ضوئها على العين الاخرى، ولقد جرح عبد الله بن عبيد وبانت يده يوم حنين، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فمسح عليه يده فلم تكن تعرف من اليد الاخرى، ولقد أصاب محمد بن مسلم يوم كعب بن أشرف مثل ذلك في عينه ويده، فمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم تستبينا، ولقد أصاب عبد الله بن أنيس مثل ذلك في عينه، فمسحها فما عرفت من الاخرى، فهذه كلها دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه أحيى الموتى بإذن الله ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد سبحت في يده تسع حصيات تسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها لتمام حجة نبوته، ولقد كلمه الموتى من بعد موتهم، واستغاثوه مما خافوا تبعته، ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما هاهنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان اليهودي - وكان شهيدا - ؟ ! ولئن زعمت: أن عيسى كلم الموتى، فلقد كان لمحمد ما هو أعجب من هذا: إن النبي لما نزل بالطايف وحاصر أهلها، بعثوا إليه بشاة مسلوخة مطلية بسم، فنطق الذراع منها فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإني مسمومة، فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله على المنكرين لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي ! ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة، وتكلمه السباع، وتشهد له بالنبوة، وتحذر هم عصيانه، فهذا أكثر مما اعطي عيسى عليه السلام. قال له اليهودي: إن عيسى يزعمون أنه أنبأ قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد كان له أكثر من هذا: إن عيسى أنبأ قومه بما كان من وراء الحايط، ومحمد أنبأ عن مؤتة وهو عنها غائب، ووصف حربهم ومن استشهد منهم، وبينه وبينهم مسيرة شهر، وكان يأتيه الرجل يريد أن
[185]
يسأله عن شئ فيقول صلى الله عليه وآله: تقول أو أقول ؟ فيقول: بل قل يا رسول الله، فيقول: جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته، ولقد كان صلى الله عليه وآله يخبر أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم شيئا. منها: ما كان بين صفوان بن اميه وبين عمير بن وهب، إذ أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني، فقال له: كذبت بل قلت لصفوان بن امية وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر وقلتم: والله للموت أهون علينا من البقاء مع ما صنع محمد بنا، وهل حياة بعد أهل القليب، فقلت أنت: لولا عيالي، ودين علي لارحتك من محمد، فقال صفوان: علي أن أقضي دينك، وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر، فقلت أنت: فاكتمها علي وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال: صدقت يا رسول الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأشباه هذا مما لا يحصى. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون: أنه خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فكان طيرا باذن الله ؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد فعل ما هو شبيه لهذا، إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، يسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للاخرى، ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، ولكل غصن منها تسبيح وتهليل وتقديس، ثم قال لها: انشقي، فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي فالتزقت، ثم قال لها: اشهدي بالنبوة، فشهدت ثم قال لها: ارجعي إلى مكانك بالتسبيح والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها حيث الجزارين بمكة. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان سياحا ؟
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد كانت سياحته في الجهاد، واستنفر
[186]
في عشر سنين مالا يحصى من حاضر وباد، وأفنى فئاما من العرب من منعوت بالسيف لا يداري بالكلام ولا ينام إلا عن دم، ولا يسافر إلا وهو متجهز لقتال عدوه. قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان زاهدا ؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أزهد الانبياء عليهم السلام: كان له ثلاثة عشر زوجة سوى من يطيف به من الاماء، ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، ولا أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قط، توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ودرعه مرهونة عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطئ له من البلاد، ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد الثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف، ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمدا بالحق ما أمسي في آل محمد صاع من شعير، ولا صاع من بر، ولا درهم، ولا دينار. قال له اليهودي، فاني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأشهد أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله، وزاد محمدا على الانبياء أضعاف ذلك درجات. فقال ابن عباس لعلى بن أبي طالب عليه السلام: أشهد يا أبا الحسن أنك من الراسخين في العلم. فقال: ويحك وما لي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عزوجل في عظمته فقال: وإنك لعلى خلق عظيم (1). (2)
(1) - القلم: 4.
(2) - الاحتجاج الطبرسي 1: 210 ارشاد القلوب: 406، بحار الانوار 16، 341، تفسير البرهان 2: 356.
[187]
منها: ما سأل الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام (139) - 65 - حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن علي بن عبد الله البصري بايلاق، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن جبلة الواعظ، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائى، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا، قال: حدثنا أبي موسى بن جعفر، قال: حدثنا أبي جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبي محمد بن علي، قال: حدثنا أبي علي بن الحسين، قال: حدثنا أبي الحسين بن علي عليهم السلام، قال: (كان على بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة في الجامع إذ قام إليه رجل من أهل الشام)، فقال: يا أمير المؤمنين إني أسألك عن أشياء، فقال: سل تفقها، ولا تسأل تعنتا، فأحدق الناس بأبصارهم. فقال: أخبرني عن أول ما خلق الله تعالى ؟ فقال عليه السلام خلق النور. قال: فمم خلقت السموات ؟ قال عليه السلام: من بخار الماء. قال: فمم خلقت الارض ؟ قال عليه السلام: من زبد الماء. قال فمم خلقت الجبال ؟ قال: من الامواج. قال: فلم سميت مكة أم القرى ؟ قال عليه السلام: لان الارض دحيت من تحتها. وسأله عن السماء الدنيا مما هي ؟ قال عليه السلام من موج مكفوف. وسأله عن طول الشمس والقمر وعرضهما ؟ قال: تسمع ماة فرسخ في تسعمأة فرسخ. وسأله كم طول الكوكب وعرضه ؟ قال: اثنا عشر فرسخا في مثلها. وسأله عن ألوان السموات السبع وأسمائها ؟ فقال له: اسم السماء الدنيا رفيع، وهي من ماء ودخان، واسم السماء الثانية فيدوم، وهي على لون النحاس،
والسماء الثالثة اسمها الماروم، وهي على لون الشبه، والسماء الرابعة اسمها
[188]
ارفلون، وهي على لون الفضة، والسماء الخامسة اسمها هيعون، وهي على لون الذهب، والسماء السادسة اسمها عروس، وهي ياقوتة خضراء، والسماء السابعة اسمها عجماء، وهي درة بيضاء. وسأله عن الثور ما باله غاض طرفه لم يرفع رأسه إلى السماء ؟ قال عليه السلام: حياء من الله عزوجل لما عبد قوم موسى العجل نكس رأسه. وسأله عن من جمع بين الاختين ؟ فقال عليه السلام: يعقوب بن اسحاق جمع بين حبار وراحيل، فحرم بعد ذلك، فانزل: وأن تجمعوا بين الاءختين (1). وسأله عن المد والجزر ما هما ؟ فقال: ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالبحار يقال له: رومان، فإذا وضع قدميه في البحر فاض، فإذا أخرجهما غاض. وسأله عن اسم أبي الجن ؟ فقال: شومان، وهو الذي خلق من مارج من نار. وسأله هل بعث الله عزوجل نبيا إلى الجن ؟ فقال عليه السلام: نعم، بعث إليهم نبيا يقال له: يوسف، فدعاهم إلى الله عز وجل فقتلوه. وسأله عن اسم ابليس ما كان في السماء ؟ قال كان اسمه الحارث. وسأله لم سمي آدم آدم ؟ قال عليه السلام: لانه خلق من أديم الارض. وسأله لم صارت الميراث للذكر مثل حظ الاءنثيين ؟ فقال عليه السلام: من قبل السنبلة كانت عليها ثلاث حبات، فبادرت إليها حواء فأكلت منها حبة وأطعمت آدم حبتين، فمن ذلك ورث للذكر مثل حظ الانثيين. وسأله من خلق الله عز وجل من الاءنبياء مختونا ؟ فقال عليه السلام: خلق الله عز وجل آدم مختونا، وولد شيث مختونا، وادريس ونوح وسام بن نوح وابراهيم وداود وسليمان ولوط واسماعيل وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه وآله.
وسأله كم كان عمر آدم عليه السلام فقال: تسعة ماة سنة وثلاثين سنة.
(1) - النساء: 23.
[189]
وسأله عن أول من قال الشعر ؟ فقال: آدم عليه السلام، قال: وما كان شعره ؟ قال عليه السلام: لما انزل إلى الارض من السماء فرأى تربتها وسعتها وهواها وقتل قابيل هابيل قال آدم عليه السلام: تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الارض مغبر قبيح ! تغير كل ذي طعم ولون وقل بشاشة الوجه المليح أرى طول الحياة علي غما وهل أنا من حياتي مستريح ؟ ! وما لي لا أجود بسكب دمع ! وهابيل تضمنه الضريح قتل قابيل هابيلا أخاه فوا حزني لقد فقد المليح فأجابه ابليس لعنة الله: تنح عن البلاد وساكنيها فبي في الخلد ضاق بك الفسيح وكنت بها وزوجك في قرار وقلبك من أذى الدنيا مريح فلم تنفك من كيدي ومكري إلى أن فاتك الثمن الربيح وبدل أهلها أثلا وخمطا بحبات وأبواب منيح فلولا رحمة الجبار أضحى بكفك من جنان الخلد ريح وسأله عن بكاء آدم على الجنة وكم كانت دموعه التي جرت من عينيه ؟ فقال عليه السلام: بكى مأة سنة، أي وخرج من عينه اليمنى مثل الدجلة، والعين الاخرى مثل الفرات. وسأله كم حج آدم من حجة ؟ فقال عليه السلام: سبعين حجة ماشيا على قدميه، و أول حجة حجها كان معه الصرد يدله على مواضع الماء، وخرج معه من الجنة، و
قد نهى عن أكل الصرد والخطاف. وسأله ما باله لا يمشي ؟ قال له: لانه ناح على بيت المقدس، فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه، ولم يزل يبكي مع آدم عليه السلام، فمن هناك سكن البيوت
[190]
ومعه تسع آيات من كتاب الله عز وجل مما كان آدم عليه السلام يقرأها في الجنة، وهي معه إلى يوم القيامة، ثلاث آيات من أول الكهف، وثلاث آيات من سبحان الذي أسرى وهي: إذا قرأت القرآن (1) وثلاث آيات من يس وهي وجعلنا من بين أيديهم سدا (2). وسأله عن أول من كفر وأنشأ الكفر ؟ فقال عليه السلام: ابليس لعنه الله. وسأله عن اسم نوح ما كان ؟ فقال: اسمه السكن، وإنما سمي نوحا، لانه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وسأله عن سفينة نوح ما كان عرضها وطولها ؟ فقال: كان طولها ثمانمائة ذراع وعرضها خمسمائة ذراع، وارتفاعها في السماء ثمانين ذراعا. ثم جلس الرجل، فقام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أول شجرة غرست في الارض، فقال: العوسجة، ومنها عصى موسى عليه السلام. وسأله عن أول شجرة نبتت في الاءرض، فقال: هي الدبا، وهو القرع. وسأله عن أول من حج من أهل السماء، فقال له: جبرائيل. وسأله عن أول بقعة بسطت من الاءرض أيام الطوفان، فقال له: موضع الكعبة، وكانت زبرجدة خضراء. وسأله عن أكرم واد على وجه الاءرض، فقال: واد يقال له: سرنديب، فسقط فيه آدم عليه السلام من السماء. وسأله عن شر واد على وجه الاءرض، فقال: واد باليمن يقال له برهوت،
وهو من أودية جهنم. وسأله عن سجن سار بصاحبه، فقال: الحوت، سار بيونس بن متى.
(1) - الاسراء: 45 و 46 و 47. (2) - يس: 9 و 10 و 11.
[191]
وسأله عن ستة لم يركضوا في رحم، فقال: آدم، وحوا، وكبش ابراهيم، و عصى موسى، وناقة صالح، والخفاش الذي عمله عيسى بن مريم عليه السلام وطار باذن الله عزوجل. وسأله عن شئ مكذوب عليه ليس من الجن ولا من الاءنس، فقال: الذئب الذي كذب عليه اخوة يوسف. وسأله عن شئ أوحى إليه ليس من الجن ولا من الاءنس، فقال: أوحى الله عز وجل إلى النحل. وسأله عن أطهر موضع على وجه الاءرض لا تحل الصلاة فيه، فقال له: ظهر الكعبة. وسأله عن موضع طلعت عليه الشمس ساعة من النهار ولا تطلع عليه أبدا، فقال: ذلك البحر حين فلقه الله لموسى عليه السلام، فأصابت أرضه الشمس واطيق عليه الماء، فلن يصبه الشمس. وسأله عن شئ شرب وهو حي، وأكل وهو ميت، فقال: تلك عصى موسى عليه السلام. وسأله عن نذير أنذر قومه ليس من الجن ولا من الانس، فقال: هي النملة. وسأله عن أول ما أمر بالختان، فقال: ابراهيم عليه السلام. وسأله عن أول من خفض من النساء، فقال: هاجر أم اسماعيل، خفضتها
سارة لتخرج من يمينها. وسأله عن أول امرأة جرت ذيلها، فقال: هاجر لما هربت من سارة. وسأله عن أول من جر ذيله من الرجال، قال: قارون. وسأله عن أول من لبس النعلين، فقال: ابراهيم. وسأله عن أكرم الناس نسبا، فقال: صديق الله يوسف بن يعقوب اسرائيل
[192]
الله بن اسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله صلوات الله عليهم. وسأله عن ستة من الاءنبياء لهم اسمان، فقال: يوشع بن نون. وهو ذو الكفل، ويعقوب وهو اسرائيل، والخضر وهو حلقيا، ويونس وهو ذوالنون، وعيسى وهو المسيح، ومحمد وهو أحمد صلى الله عليه وآله. وسأله عن شئ يتنفس ليس له لحم ولا دم، فقال له: ذاك الصبح إذا تنفس. وسأله عن خمس من الاءنبياء تكلموا بالعربية، فقال عليه السلام: هو هود، وشعيب، وصالح، واسماعيل، ومحمد صلى الله عليه وآله. ثم جلس وقام رجل آخر سأله وتعنته فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن قول الله عز وجل: يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرء يومئذ شأن يغنيه (1) من هم ؟ فقال عليه السلام: قابيل يفر من هابيل، والذي يفر أمه موسى، والذي يفر من أبيه ابراهيم، يعني الاب المربي لا الوالد، والذي يفر من صاحبته لوط، والذي يفر من ابنه نوح، يفر من ابنه كنعان. وسأله عن أول من مات فجأة، فقال عليه السلام: داود مات على منبره يوم الاربعاء. وسأله عن أربعة لا يشبعن من أربع، فقال: الارض من المطر، والانثى من الذكر، والعين من النظر، والعالم من العلم.
وسأله عن أول من وضع سكة الدنانير والدراهم، فقال: نمرود بن كنعان بعد نوح عليه السلام. وسأله عن أول من عمل عمل قوم لوط، فقال عليه السلام: ابليس، لانه أمكن من نفسه. وسأله عن معنى هدير الحمام الراعبية فقال: تدعو على أهل المعازف
(1) - عبس: 24.
[193]
والقيان والمزامير والعيدان. وسأله عن كنية البراق، فقال عليه السلام: يكنى أبا هلال. وسأله لم سمي تبع الملك تبعا ؟ فقال عليه السلام: لأنه كان غلاما كاتبا، وكان يكتب للملك الذي كان قبله، وكان إذا كتب كتب بسم الله الذي خلق صبحا وريحا، فقال الملك: اكتب وابدأ باسم ملك الرعد، فقال لا أبدأ الا باسم الهي، ثم اعطف على حاجتك، فشكر الله عز وجل له ذلك، فاعطاه ملك ذلك الملك فتابعه الناس على ذلك، فسمي تبعا. وسأله ما بال الماعز مرفوعة الذنب بادية الحياء والعورة، فقال عليه السلام: لان الماعز عصت نوحا عليه السلام لما أدخلها السفينة، فدفعها، فكسر ذنبها، والنعجة مستورة الحياء والعورة، لان النعجة بادرت بالدخول إلى السفينة، فمسح نوح عليه السلام يده على حياها وذنبها فاستترت بالالية. وسأله عن كلام أهل الجنة، فقال: كلام أهل الجنة بالعربية. وسأله عن كلام أهل النار، فقال: بالمجوسية. وسأله عن النوم على كم وجه هو ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: النوم على أربعة أصناف، الانبياء تنام على أقفتيها مستلقية وأعينها لا تنام متوقعة لوحي ربها
عز وجل، والمؤمن ينام على يمينه مستقبل القبلة، والملوك وأبنائها تنام على شمالها ليستمرؤ وا ما يأكلون، وابليس وأخواته وكل مجنون وذو عاهة ينامون على وجوههم منبطحين. ثم جلس وقام إليه رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن يوم الأربعاء وتطيرنا منه وثقله وأي أربعاء هو ؟ فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهور، وهو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه، ويوم الاربعاء ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، ويوم الاربعاء وضعوه في المنجنيق، ويوم الاربعاء غرق الله فرعون، ويوم
[194]
الاربعاء جعل الله عز وجل قرية لوط عاليها سافلها، يوم الاربعاء أرسل الله عز وجل الريح على قوم عاد، ويوم الاربعاء أصبحت كالصريم، ويوم الاربعاء سلط الله عز وجل على نمرود البقة، ويوم الاربعاء طلب فرعون موسى عليه السلام ليقتله، ويوم الاربعاء خر عليهم السقف من فوقهم، ويوم الاربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان، ويوم الاربعاء خرب بيت المقدس، ويوم الاربعاء أحرق مسجد سليمان بن داود باصطخر من كورة فارس، ويوم الاربعاء قتل يحيى بن زكريا، ويوم الاربعاء أظل قوم فرعون أول العذاب، ويوم الاربعاء خسف الله عز وجل بقارون، ويوم الاربعاء ابتلى أيوب عليه السلام بذهاب أهله وولده وماله، ويوم الاربعاء أدخل يوسف عليه السلام السجن، ويوم الاربعاء قال الله عز وجل: انا دمرناهم وقومهم أجمعين (1) ويوم الاربعاء أخذتهم الصيحة، ويوم الاربعاء عقروا الناقة، ويوم الاربعاء أمطرت عليهم حجارة من سجيل، ويوم الاربعاء شج النبي صلى الله عليه وآله وكسرت رباعيته، ويوم الاربعاء أخذت العمالقة التابوت. وسأله عن الاءيام وما يجوز فيها من العمل، فقال: أمير المؤمنين عليه السلام: يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الاحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم حرب
ودم، ويوم الثلاثاء يوم سفر وطلب، ويوم الاربعاء يوم شؤم يتطير فيه الناس، ويوم الخميس يوم الدخول على الامراء وقضاء الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح). (2)
(1) - النمل: 51. (2) - عيون أخبار الرضا 1: 218 حديث 1، الخصال: 322 حديث 7 و 8 مع اختصار و 208 حديث 30، كنز الدقائق 3: 66 و 2: 90 مع اختصار.
[195]
الفصل الثالث كلمات الامام الحسين عليه السلام في زمن الامام الحسن عليه السلام
[197]
لما طلع الفجر في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة النبوية، صلى الامام الحسن عليه السلام صلاة الصبح بالناس في مسجد الكوفة بعد رجوعه عن دفن أمير المؤمنين عليه السلام، وخطب الناس بعد الصلاة بخطبة طويلة، ذكر فيها بعد الحمد مناقب أبيه ومناقب نفسه، وقال: (لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون بعمل، ولا يدركه الاخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لاهله). ثم خنقته العبرة، فبكى وبكى الناس معه.
ثم قال: (أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ولم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزوجل بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: ومن يقترف حسنة نزد له
[198]
فيها حسنا (1)، فإقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت). قال أبو مخنف عن رجاله: ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا له وقالوا: ما احبه إلينا واحقه بالخلافة فبايعوه. (2) ولم يورث من أبيه، الا العلم والتقى، والاخلاق الحميدة، كما أشير إليها في الروايات الاتية، وهي: ميراث أمير المؤمنين عليه السلام (140) - 1 - روى الحر العاملي عن يحيى بن محمد بن أبي زيد قال: قد صحت الرواية عندنا عن اسلافنا وعن غيرهم من ارباب الحديث: أن عليا عليه السلام لما قبض، أتى محمد أخويه حسنا وحسينا عليهما السلام، فقال: أعطياني ميراثي من أبي، فقالا له: (قد علمت أن اباك لم يترك صفراء ولا بيضاء). فقال: قد علمت ذاك وليس ميراث المال اطلب، وإنما اطلب ميراث العلم. قال: فروى أبان بن عثمان عمن روى ذلك له عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: فدفعا إليه صحيفة لو اطلعاه على أكثر منها لهلك، فيها ذكر دولة بني العباس. (3) (141) - 2 - وقال الصفار القمي: حدثنا محمد بن الحسين، عن نضربن شعيب، عن خالد بن ماد، عن ابي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: (أتى محمد بن الحنفية الحسين بن علي فقال: أعطني ميراثي من أبي، فقال له الحسين (ما ترك أبوك إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه) قال فان الناس يزعمون فليأتون
فيسألوني فلا أجد بد ن أن اجيبهم: قال فاعطني من علم ابي قال، فدعا الحسين
(1) - الشورى: 23. (2) - مقاتل الطالبيين: 51، ينابيع المودة: 265. (3) - اثباة الهداة 5: 43 حديث 391.
[199]
قال فذهب فجاء بصحيفة تكون أقل من شبر أو اكبر من اربع اصابع: قال فملات شجرة ونحوه علما). (1) ولما بلغ معاوية شهادة أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام وبيعة الحسن عليه السلام، أنفذ عماله الى البلدان ودس عليه دسائس ليفسد الامر عليه، واحتج عليه الحسن عليه السلام في استحقاقه الامر، ووقع بينهما مكاتبات لم يقبلها معاوية، حتى بلغه أن معاوية صار نحو العراق، فعزم الامام الحسن على مقابلته، وحرض الناس على قتاله، فتثاقلوا عنه، وكتبوا إلى معاوية بالطاعة سرا، واستحثوه على سرعة المسير نحوهم، وضمنوا لهم تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به، وبلغ الحسن عليه السلام ذلك. (2) صلح الحسن وكلام الحسين عليهما السلام فيه (142) - 3 - لما رأى الحسن عليه السلام خيانه الخونة من أصحابه وتنازع أصحابه وفشلهم، وبلغه، كتاب قيس بن عبادة يخبره عن توجه أهل العراق إلى معاوية، دعا الحسن أصحابه وقال لهم: يا أهل العراق ! ما أصنع بجماعتكم معي وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية، أما والله ما هذا بمنكر منكم، لانكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين، فلما أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم، ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه، ثم إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين، فأخذت بيعتكم و
وخرجت في وجهي هذا، والله يعلم ما نويت في، فكان منكم الى ماكان، يا أهل
(1) - بصائر الدرجات: 160 حديث 29، بحار الانوار 42: 77 حديث 5. (2) - كشف الغمة 2: 538 اختصرنا منه.
[200]
العراق ! فحسبي منكم لا تعزوني في ديني فإني مسلم هذا الامر إلى معاوية). قال: فقال له أخوه الحسين: يا أخي ! أعيذك بالله من هذا) ! فقال الحسن: (والله لأفعلن ولأسلمن هذا الأمر إلى معاوية) (1). (143) - 4 - وفى رواية: قال الحسين عليه السلام (نشدتك الله ان تصدق احدوثه معاوية و تكذب احدوثة علي عليه السلام). (2) (144) - 5 - حدثنا خلف بن سالم، حدثنا وهب بن جرير، قال: ابي - وأحسبه رواه عن الحسن البصري - قال: لما بلغ أهل الكوفة بيعة الحسن أطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لابيه، واجتمع له خمسون ألفا، فخرج بهم حتى أتى المدائن، وسرح بين يديه قيس ابن سعد بن عبادة الانصاري في عشرين ألفا، فنزل بمسكن، وأقبل معاوية من الشام في جيش. ثم إن الحسن خلا بأخيه الحسين فقال له: (يا هذا إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتى تقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن أحتمل دمه، وقد رأيت أن أسلم الامر إلى معاوية فأشاركه في احسانه (3) ويكون عليه إساءته). فقال الحسين: (أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه ورغب عن أمره). فقال: (إني لارى ما تقول ووالله لئن لم تتابعني لاسندتك في الحديد، فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري). قال: (فشانك) فقام الحسن خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره
(1) - الفتوح 3: 291.
(2) - تاريخ الطبري 3: 165. (3) - الرواية ضعيفة، وهذا المضمون من اختلاقات أشياع الشجرة الملعونة في القر آن وتزويراتهم ! ! ! ومعاوية بمعزل عن الحسنات بل هو معدن السيئات ومركز الموبقات.
[201]
من سفك الدماء وإقامة الحرب فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله وحرقوا سرادقه وشتموه وعجزوه، ثم انصرفوا عنه ولحقوا بالكوفة ! ! ! (1) (145) - 6 - قال ابن عساكر: انبانا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، أنبأنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي علي بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرا، وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه وليجعلن هذا الامر إليه فلما توثق منه الحسن قال ابن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لاقوم فجذب ثوبي وقال: (يا هناه إجلس،) فجلست فقال: (إني رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه). قال: قلت: وما هو ؟ قال (قدر رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسفكت فيها الدماء، وقطعت فيها الارحام، وقطعت السبل، وعطلت الفروج) يعني الثغور. فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيرا، فأنا معك على هذا الحديث. فقال الحسن: (ادع لي الحسين) فبعث إلى حسين فأتاه، فقال: (أي أخي إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه). قال: (ما هو) ؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر.
قال الحسين: (أعيذك بالله أن تكذب عليا في قبره وتصدق معاوية). فقال الحسن: (والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري). قال: فلما رأى
(1) - انساب الاشراف 3: 59 حديث 61.
[202]
الحسين غضبه قال: (أنت أكبر ولد على، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع فافعل ما بدالك). فقام الحسن فقال: (يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لاول هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني أو حق جدت به لصلاح أمة محمد صلى الله عليه وآله وإن الله قد ولاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك أو لشر يعلمه فيك وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (1)، ثم نزل. (2) (146) - 7 - وروى ابن شهر آشوب: دخل الحسين عليه السلام على أخيه باكيا خرج ضاحكا، فقال له مواليه: ماهذا ؟ ! قال: (اتعجب من دخولي على امام اريد ان اعلمه فقلت: ماذا دعاك الى تسليم الخلافة فقال: الذي دعا اباك فيما تقدم. قال: فطلب معاوية البيعة من الحسين، فقال الحسن: (يا معاوية ! لا تكرهه فإنه لن يبايع ابدا، أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل أهل بيته، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل اهل الشام). (3) ولعل مراد الحسين عليه السلام من احتجاجه مع أخيه الحسن عليه السلام تبيين علة الصلح للناس وتفهيم ذلك، وإلا كان الحسين عليه السلام مطيعا لاخيه الحسن عليه السلام في جميع اموره، لانه كان إماما عليه وعلى سائر المسلمين كما أشار إليه بنفسه حينما امتنع قيس بن عبادة عن بيعة معاوية. (147) - 8 - روى المجلسي عن الكشي عن جبرئيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم بن نصير، عن محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي، عن يونس بن
يعقوب، عن فضيل غلام محمد ابن راشد، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول (إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما، ان أقدم إنت والحسين
(1) - انبياء: 110. (2) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 177. (3) - مناقب ابن شهرآشوب 4: 34، بحار الانوار 44: 54 العوالم 16: 170.
[203]
واصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد ابن عبادة الانصاري، فقدموا الشام، فأذن لهم معاوية، وأعد لهم الخطباء، فقال: يا حسن قم فبايع فقام وبايع، ثم قال للحسين عليه السلام: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره، فقال: (يا قيس إنه إمامي، يعنى الحسن عليه السلام). (1) (148) - 9 - روى البلاذري كان حجر بن عدى أول من يذم الحسن على الصلح، وقال له قبل خروجه من الكوفة: خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحق الذي كنا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنا نذمه ؟ ! وأعطينا الدنية ورضينا بالخسيسة، وطلب القوم أمرا وطلبنا أمرا، فرجعوا بما أحبوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين ! ! ! فقال له: (يا حجر: ليس كل الناس يحب ما أحببت، إني قد بلوت الناس، فلو كانوا مثلك في نيتك وبصيرتك لاقدمت). وأتى الحسين فقال له: يا أبا عبد الله شريتم العز بالذل ؟ ! وقبلتم القليل بترك الكثير ؟ أطعني اليوم وأعصني سائر الدهر ! ! ! دع رأي الحسن واجمع شيعتك ثم ادع قيس بن سعد بن عبادة وابعثه في الرجال، وأخرج أنا في الخيل، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن معه في عسكره، فنضاربه حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، فإنهم الان غارون. فقال له: (إنا قد بايعنا وليس إلى ما ذكرت سبيل). (2)
(149) - 10 وفى رواية: فالتفت الحسين عليه السلام الى اخيه الحسن فقال: (الله لو اجتمع الخلق طرا على أن لا يكون الذى كان إذا ما إستطاعوا، ولقد كنت كارها لهذا الامر ولكني لم احب أن أغضبك، إذ كنت اخى وشقيقي). (3)
(1) - بحار الانوار 44: 61 حديث 9، العوالم 16: 149 حديث 7. (2) - انساب الاشراف 3: 151 حديث 12، حياه الحسين 2: 116 وفيه بدل حجر (عدى بن حاتم) (3) - فتوح ابن الاعثم 4: 294.
[204]
(150) - 11 - روى المدائني: ان الحسن لما صالح معاوية قال أخوه الحسين: (لقد كنت كارها لما كان طيب النفس على سبيل أبي حتى عزم على أخى فاطعمته وكإنما يجذ أنفي بالمواسى) (1). (151) - 12 - وفى روايه اخرى: لما وقا ذلك الصلح دخل جندب بن عبد الله الازدي والمسيب بن نجبة الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي وسعيد بن عبد الله الحنفي على الحسين وهو قائم في قصر الكوفة يأمر غلمته بحمل المتاع ويستحثهم، فسلموا عليه، فلما رأى ما بهم من الكآبة وسوء الهيئة، تكلم فقال: (إن أمر الله كان قدرا مقدورا، إن أمر الله كان مفعولا). وذكر كراهيته لذلك الصلح، وقال: (لكنت طيب النفس بالموت دونه ! ولكن أخي عزم علي وناشدني فأطعته، وكأنما يحز أنفي بالمواسي ويشرح قلبي بالمدى ! ! ! وقد قال الله عزوجل: فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (2). وقال: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (3). فقال له جندب: والله ما بنا إلا أن تضاموا وتنتقصوا، فأما نحن فإنا نعلم أن القوم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه، ولكن حاش لله أن نوازر الظالمين، ونظاهر المجرمين ونحن لكم شيعة ولهم عدو ! ! !
وقال سليمان بن صرد الخزاعي: إن هذا الكلام الذي كلمك به جندب هو الذي أردنا أن نكلمك به كلنا. فقال: (رحمكم الله صدقتم وبررتم). وعرض له سليمان بن صرد، وسعيد بن عبد الله الحنفي بالرجوع عن الصلح ! ! فقال: (هذا ما لا يكون ولا يصلح).
(1) - اعيان الشيعة 1: 581. (2) - النساء. 19. (3) - البقره: 216.
[205]
قالوا: فمتى أنت سائر ؟ قال: (غدا إن شاء الله)، فلما سار خرجوا معه، فلما جاوزوا دير هند، نظر الحسين عليه السلام إلى الكوفة فتمثل قول زميل بن أبير الفزاري وهو ابن أم دينار. فما عن قلى (1) فارقت دار معاشر هم المانعون باحتي وذماري ولكنه ما حم (2) لا بد واقع نظار ترقب ما يحم نظار (3) (152) - 13 - وفى رواية: ان محمد بن بشر الهمداني وسفيان بن ليلى الهمداني اتيا الى الحسن عليه السلام وعنده الشيعة الذين قدموا عليه أولا، فقال له سفيان - كما قال له بالعراق -: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: (اجلس لله أبوك) والله لو سرنا إلى معاوية بالجبال والشجر ما كان إلا الذي قضى. ثم أتيا الحسين عليه السلام فقال: (ليكن كل امرئ منكم حلسا من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حيا، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا ويؤتينا رشدنا ولا يكلنا إلى أنفسنا، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (4) (5).
(153) - 14 - قال الطبري: قال أبو جعفر وحدثنا عيسى بن معاذ، عن ماهان بن معدان، قال: حدثنا أبو جابر كيسان بن جرير، عن أبي النباخ محمد بن يعلي، قال: لقيت الحسين على ظهر الكوفة وهو راحل مع الحسن يريد معاوية، فقلت أرضيت يا ابا عبد الله ؟ فقال: (شقشقة هدرت وفروة أنارت، وشجما (6) عرئ وسم زعاق (7)
(1) - قلى أي البغض. (2) - حم أي قضى وقدر. (3) - انساب الاشراف 3: 148 حديث 9. (4) - النحل: 128. (5) - انساب الاشراف 3: 150 حديث 11. (6) - شجما أي هلاكا، لسان العرب. (7) - زعاق أي الماء المر الذى لا يطاق شربه، لسان العرب.
[206]
وقيعان بالكوفة وكربلا، إني والله لصاحبها وصاحب ضحيتها والعصفور في سنابلها، إذا تواضع نواحي الجبل وهجهج كوفان الوهل، ومنع البرجانبه، وعطل بيت الله الحرام، وأرجف الوقيد، وقدح الهبيد، فيالها من زمر (1) أنا صاحبها، ايه ايه انى وكيف، ولو شئت لقلت أين أنزل وأين أقيم). فقلت يابن رسول الله ما تقول ؟ قال: (مقامي بين أرض وسماء، ونزولي حيث حلت الشيعة الاءصلاب والأكباد الصلاب لا يتضعضعن للضيم، ولا يأنفون، تجر مفاصلهم ليحيى بهم أهل ميراث على ورثة بيته). (2) (154) - 15 - ولما بايع الحسن معاوية ومضى، تلاقت الشيعة بإضهار الحسره والندم
على ترك القتال والاذعان بالبيعة، فخرجت إليه جماعة منهم فخطئوه في الصلح وعرضوا له بنقض ذلك، فأباه وأجابهم بخلاف ما أرادوه عليه. ثم إنهم أتو الحسين فعرضوا عليه ما قالوا للحسن، وأخبروه بما رد عليهم فقال: (قد كان صلح وكانت بيعة كنت لها كارها، فانتظروا ما دام هذا الرجل حيا، فإن يهلك نظرنا ونظرتم.) فانصرفوا عنه، فلم يكن شئ أحب إليهم وإلى الشيعة من هلاك معاوية، وهم يأخذون أعطيتهم ويغزون مغازيهم. (3) (155) - 16 - قال أبو مخنف: كان مولانا الحسين بن علي صلوات الله عليهما يظهر الكراهية لما كان من أمر أخيه الحسن عليه السلام مع معاوية ويقول: (لوخر أنفى بموسى لكان أحب الى مما فعله أخى) وقال عليه السلام. فما ساءني شئ كما ساءني أخي ولم أرض لله الذى كان صانعا
(1) - الزمر بفتح الزاء بمعنى الصوت وبضمها بمعنى الجماعه وكلاهما محتملان. (2) - دلائل الامامة، 75. (3) - أنساب الاشراف 3: 150 حديث 10.
[207]
ولكن إذا ما الله أمضى قضاءه فلابد يوما أن ترى الامر واقعا ولو أننى شوورت فيه لما رأوا قريبهم إلا عن الامر شاسعا ولم أك أرضى بالذي قد رضوا به ولو جمعت كل إلى المجامعا ولو حز أنفي قبل ذلك حزة بموسى لما ألقيت للصلح تابعا قال الاربلي: ان صح أن هذه الابيات من شعره عليه السلام فكل منهما يرى المصلحة بحسب حاله ومقتضى زمانه، وكلاهما عليهما السلام مصيبان فيما اعتمداه، وهما امامان سيدان قاما أو قعدا، فلا يتطرق عليهما مقال، وهما أعرف بالاحوال في كل حال. (1) ايثار الحسين عليه السلام اخاه على نفسه
(156) - 17 روى الاربلي: انه كان بين الحسن والحسين عليهما السلام كلام، فقيل للحسين ادخل على اخيك فهو أكبر منك، فقال: (انى سمعت جدي صلى الله عليه وآله يقول: (ايما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى لاخر كان سابقه الى الجنة) وأنا اكره أن اسبق أخي الاكبر)، فبلغ قوله الحسن عليه السلام فأتاه عاجلا. (2) (157) - 18 - قال الخوارزمي: قيل تهاجر الحسن والحسين عليهما السلام فأراد قوم أن يصلحوا ما بينهما، فسألوا الحسين عليه السلام أن يبدأ بالحسن عليه السلام، فقال: (ان ابا محمد (يعني الحسن) اكبر منى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من اثنين تهاجرا ثم بدأ أحدهما بمصالحة الاخر الا كانت درجته اعلى من درجة الاخر وانى لا احب ان تكون درجتي أعلى من درجة أخي). فاخبروا الحسن بذلك فقال: (صدق)، فقام إليه وبدأ بالسلام عليه ه (3)
(1) - كشف الغمة 2: 35. (2) - كشف الغمة 2: 32، محجة البيضاء 4: 228، نور الابصار: 138 مع زياده (الى الجنة) اعلام الدين: 183. (3) - مقتل الخوارزمي 1: 152.
[208]
(158) - 19 - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الفقيه، أبنأنا أبو الحسن ابن أبى الحديد أنبأنا جدي أبو بكر الخرائطي، قال: سمعت عمر بن شبة يقول: سمعت أبا الحسن المدائني يقول: جرى بين الحسن بن علي [عليهما السلام] وأخيه الحسين [عليه السلام] كلام حتى تهاجرا، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام تأثم من هجر أخيه، فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكب على رأسه فقبله، فلما جلس الحسن قال له الحسين عليه السلام: (إن الذى منعنى من إبتدائك والقيام إليك أنك أحق بالفضل منى، فكرهت أن أنازعك ما أنت احق به). (2) (159) - 20 - وعن أبى هريره قال: بلغني أنه كان بين الحسنين عليهما السلام تهاجر، فاتيت
الحسين فقلت له: إن أخاك أكبر سنا فاقصده وزره فقال: (إنى سمعت جدى صلى الله عليه وآله يقول: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال والسابق إلى المصالحة سابق إلى دخول الجنة، فأكره أن أسبقه إلى الجنة) قال: فذهبت إلى الحسن وأخبرته كلام أخيه الحسين فقال: (صدق أخي)، وقام وقصد أخاه وكلمه واعتذرا واصطلحا، أخرجه ابن القراني. (2) (160) - 21 - وروى البحراني هذه الواقعة بين الحسين عليه السلام واخيه محمد بن حنفيه وقال: وحدث الصولي عن الصادق عليه السلام في خبر أنه جرى بينه وبين محمد بن الحنفية كلام، فكتب ابن الحنفية الى الحسين عليه السلام: أما بعد يا أخي فإن أبي وأباك علي لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وأمك فاطمة بنت رسول الله عليها السلام ولو كان ملء الارض ذهبا ملك أمي ماوفت بامك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إلي حتى
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمه الامام الحسين عليه السلام): 152 حديث 197. (2) - ينابيع المودة 256.
[209]
تترضاني فإنك أحق بالفضل مني والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، ففعل الحسين عليه السلام ذلك، فلم يجر بعد ذلك بينهما شئ. (1) سيرته عليه السلام مع اعدائه (161) - 22 - روى الحميرى عن ابن ظريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: ان الحسن والحسين عليهما السلام كانا يغمزان معاوية ويقولان فيه، ويقبلان جوائزه. (2) (162) - 23 - عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام: (ان الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية). (3) (163) - 24 - وعن أبى جعفر أنه سئل عن جوائز المتغلبين فقال: (قد كان الحسن
والحسين عليهما السلام يقبلان جوائز المتغلبين مثل معاوية، لانهما كانا أهلا لما يصل إليهما من ذلك، وما في أيدى المتغلبين عليهم حرام وهو للناس واسع إذا وصل إليهم في خير وأخذوه من حقه). قال جعفر بن محمد عليهما السلام: (وجوائزهم لمن يخدمهم في معصيه الله. حرام عليهم وسحت). (4) (164) - 25 - روى الطبري عن حميد بن المثنى عن عيينة بن مصعب، عن أبي عبد الله قال: (قال الحسن لاخيه الحسين عليهما السلام ذات يوم وبحضرتهما عبد الله بن جعفر: أن هذا الطاغية باعث اليكم بجوائزكم في رأس الهلال، فقال الحسين عليه السلام: فما أنتم
(1) - المناقب لابن شهر آشوب 66 4، بحار الانوار 44: 191 حديث 3، العوالم 17: 66 حديث 3. (2) - قرب الاسناد 92 حديث 308، بحار الانوار 75: 382 حديث 2، العوالم 16: 102 حديث 2. (3) - تهذيب الاحكام 6: 337 حديث 935، وسائل الشيعة 12: 157 حديث 4. (4) - دعائم الاسلام 2: 323 حديث 1223.
[210]
صانعون به ؟ إن على دينا وأنا به مغموم فان أتانى الله به قضيت دينى، فلما كان رأس الهلال واتاهم المال، فبعث إلى الحسن بألف الف درهم، وبعث الى الحسين بتسعمائة الف درهم، وبعث الى عبد الله بخمسمائة ألف درهم. فقال عبد الله: ما يقع هذا من ديني، ولا فيه قضاء، ولا ما اريد. فأما الحسن فأخذها وقضى دينه. واما الحسين فأخذها وقضى دينه، وقسم ثلث ما بقي في أهل بيته ومواليه. وأما عبد الله فقضى دينه وفضل عشرة آلاف درهم، فدفعها إلى الرسول الذي جاء بالمال، فسأل معاوية رسوله ما فعل القوم بالمال ؟ فأخبره بما صنعوا بأموالهم). (1)
(165) - 26 - وروى ابن كثير انه لما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن، فيكرمهما معاوية إكراما زائدا ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين [عليه السلام]: (والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا منا). (2) (166) - 27 - أخبرنا أبو القاسم علي بن أبراهيم، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الاهوازي، أخبرنا عبد الوهاب بن جعفر الميداني، حدثني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم القرشي، أخبرنا عمرو بن دحيم، أخبرنا محمد بن إبراهيم البغدادي، أخبرنا الحسن بن الربيع، أخبرنا إسحاق بن عيسى البلخي الحافظ، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة قال: دخل الحسن والحسين عليهما السلام على معاوية فأمر لهما في وقته بمأتي ألف درهم وقال: خذاها وأنا ابن هند، ما أعطاها
(1) - دلائل الامامة 67. (2) - البداية. النهاية. 8: 161.
[211]
أحد قبلي ولا يعطيها أحد بعدي ! ! ! قال: فاما الحسن فكان رجلا سكيتا، واما الحسين عليه السلام فقال: (والله ما اعطى أحد قبلك ولا أحد بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا). (1) (167) - 28 - عن فرات قال: حدثني علي بن حمدون معنعنا عن أبى الجارية والاصبغ بن نباتة الحنظلي قالا: لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن ابى طالب عليه السلام، قال: فلما نزل عن المنبر أتى الحسين بن علي عليهما السلام المسجد فقيل له: إن مروان قد وقع في علي. قال: فما كان في المسجد الحسن [عليه السلام] ؟ قالوا: بلى.
قال: فما قال له شيئا ؟ قالوا: لا. قال: فقام الحسين مغضبا حتى دخل على مروان فقال له: (يابن الزرقاء ويابن اكلة القمل أنت الواقع في على ؟ ! قال له مروان: إنك صبي لاعقل لك. قال: فقال له الحسين: (الا اخبرك بما فيك وفي أصحابك وفي على ؟ قال: فإن الله تبارك وتعالى يقول: إن الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (2). فذلك لعلى وشيعته فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين (3). فبشر بذلك النبي صلى الله عليه وآله لعلى بن ابى طالب عليه السلام وتنذر به قوما لدا (4) فذلك لك ولأصحابك). (5)
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام) 7 حديث 5. (2) - مريم 96. (3) - مريم 97. (4) - مريم 97. (5) - تفسير الفرات 235 حديث 345، بحار الانوار 44: 210 حديث 7، العوالم 17: 89 حديث 4.
[212]
(168) - 29 - وروى ابن شهر آشوب: عن أبي اسحاق العدل في خبر: أن مروان ابن الحكم خطب يوما فذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فنال منه والحسن بن علي عليهما السلام جالس، فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فجاء إلى مروان، فقال: (يا ابن الزرقاء، أنت الواقع في علي) - في كلام له - ثم دخل على الحسن عليه السلام فقال: (تسمع هذا يسب أباك ولا تقول له شيئا) ؟ ! فقال: (وما عسيت أن اقول لرجل مسلط، يقول ما شاء، ويفعل ما شاء.) (1) (169) - 30 - روى ابن الجوزى وذكر هشام بن محمد الكلبي عن محمد بن اسحاق
قال: بعث مروان بن الحكم - وكان واليا على المدينة رسولا - الى الحسن عليه السلام فقال له: يقول لك مروان: أبوك الذي فرق الجماعة، وقتل أمير المؤمنين عثمان، وأباد العلماء والزهاد - يعني الخوارج - وأنت تفخر بغيرك، فإذا قيل لك: من أبوك ؟ تقول خالي الفرس. فجاء الرسول إلى الحسن فقال له: يا أبا محمد إني أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته ويحذر سيفه، فإن كرهت لم ابلغك إياها ووقيتك بنفسي. فقال الحسن: (لا، بل تؤديها ونستعين عليه بالله)، فأداها. فقال (تقول لمروان: إن كنت صادقا فالله يجزيك بصدقك، وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة) فخرج الرسول من عنده فلقيه الحسين فقال: (من أين أقبلت ؟ فقال: من عند أخيك الحسن. فقال عليه السلام: (وما كنت تصنع) ؟ قال: أتيت برسالة من عند مروان. فقال: (وما هي) ؟ فامتنع الرسول من ادائها.
(1) - المناقب لابن شهر آشوب 4: 19، بحار الانوار 34: 344 حديث 17، العوالم 16: 122 حديث 2.
[213]
فقال: (لتخبرني أو لاقتلنك)، فسمع الحسن فخرج وقال لاخيه: (خل عن الرجل). فقال: (لا والله حتى اسمعها)، فأعادها الرسول عليه فقال: (قل له يقول لك الحسين بن على بن فاطمة: يا ابن الزرقاء الداعية الى نفسها بسوق ذي المجاز، صاحبة الراية بسوق عكاظ، ويا ابن طريد رسول الله ولعينه، اعرف من أنت ومن أمك ومن أبوك)، فجاء الرسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا فقال له: ارجع إلى
الحسن وقل له اشهد أنك ابن رسول الله، وقل للحسين اشهد أنك ابن علي بن أبي طالب، فقال: للرسول (قل له كلاهما لي ورغما). (1) (170) - 31 - قال ابن هشام: قال ابن اسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن اسامة بن الهادي الليثى: أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى حدثه، أنه كان بين الحسين بن على بن أبى طالب عليهما السلام، وبين الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية ابن أبى سفيان - منازعة في مال كان بينهما بذى المروة. فكان الوليد تحامل على الحسين عليه السلام في حقه لسلطانه، فقال له الحسين عليه السلام: (أحلف بالله لتنصفني من حقى أو لاخذن سيفى ثم لاقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لأدعون بحلف الفضول). قال: فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين عليه السلام ما قال وأنا أحلف بالله لئن دعا به لاخذن سيفى، ثم لاقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. قال: فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن ابن عثمان بن عبيدالله التيمى، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن
(1) - تذكرة الخواص: 188.
[214]
عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى. (1) شهادة الحسن عليه السلام وكان معاوية ناقضا لعهده مع الحسن عليه السلام من أول الصلح، كما قال عند دخوله الكوفة في خطبة الجمعة، (2) ولم يكتف بقتل الاخيار من شيعة الحسن عليه السلام بل اراد قتله عليه السلام، فسقاه السم مرتين، ولكن شافاه الله منها، حتى إذا جاء وعد الله الذي لا يستأخر ولا يستقدم فسقاه السم بيد جعدة بنت محمد بن الاشعث الكندي، وكان هو سبب وفاته عليه السلام في يوم الخميس آخر شهر صفر سنة تسع وأربعين. (3)
قاتل الحسن عليه السلام (171) - 32 - روى المفيد، عن علي بن بلال، عن مزاحم بن عبد الوارث ابن عباد، عن محمد بن زكريا الغلابي، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الغلابي: وحدثنا أحمد بن محمد الواسطي، عن عمر بن يونس، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: حدثنا عبيدالله بن الفضل الطائى، عن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن محمد بن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي، عن محمد بن صالح ومحمد بن الصلت، قالا: حدثنا عمر بن يونس اليمامي، عن الكلبى، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: دخل الحسين بن علي عليهما السلام على أخيه الحسن بن علي عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه، فقال له: (كيف تجدك يا أخي) ؟
(1) - سيرة ابن هشام 1: 124. (2) - بحار الانوار 44: 49. (3) - بحار الانوار 44: 134 وقيل في سنة خمسين وفى سابع شهر صفر.
[215]
قال: (أجدني في أول يوم من أيام الاخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، واعلم أني لا أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدي عليهما السلام، على كره مني لفراقك وفراق إخوتك وفراق الا حبه، واستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وامي فاطمة عليها السلام وحمزة وجعفر عليهما السلام، وفي الله عزوجل خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك من كل ما فات. رأيت يا أخي كبدي [آنفا] في الطشت، ولقد عرفت من دهاني ومن أين
اتيت، فما أنت صانع به يا أخي ؟ فقال الحسين عليه السلام: أقتله والله. قال: فلا اخبرك به أبدا حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وآله، لكن اكتب يا أخي: هذا ما أوصى به الحسن... الخ (1) (172) - 33 - وفى رواية اخرى قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قطع السم أمعاءه، فقال الحسين عليه السلام: (يا أبا محمد أخبرني من سقاك) ؟ قال: ولم يا أخي ؟ قال: (أقتله والله قبل أن أدفنك ولا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه.) فقال: (يا أخي إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى التقي أنا وهو عند الله)، وأبى أن يسميه. (2) (173) - 34 - وروى عيسى بن مهران، قال: حدثنى عثمان بن عمر، قال: حدثنا ابن عون، عن عمر بن اسحق، قال: كنت مع الحسن والحسين عليهما السلام في الدار فدخل
(1) - امالي الطوسى 1: 160، نور الثقلين 4: 296، بحار الانوار 44: 151 حديث 22، العوالم 16: 286 حديث 2، كنز الدقائق 8: 204. (2) - البداية والنهاية 8: 47، الغدير 11: 8.
[216]
الحسن عليه السلام المخرج ثم خرج، فقال: (لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة، لقد لفظت قطعة من كبدي، فجعلت اقلبها بعود معي). فقال له الحسين عليه السلام: (ومن سقاكه) ؟ فقال: (وما تريد منه، أتريد قتله) ؟ إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بى برئ). (1) (147) - 35 - ورى المسعودي عن حعفربن محمد، عن أبيه، عن جده على بن
الحسين عليهما السلام، قال: (دخل الحسين على عمي الحسن حدثان ما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع، فقال: لقد سقيت السم عدة مرات، وما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي ورأيتني اقلبه بعود في يدي. فقال له الحسين عليه السلام: يا أخي ومن سقاك ؟ قال: وما تريد بذلك ؟ فإن كان الذي أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما احب أن يؤخذ بي برئ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي صلوات الله عليه). (2) (175) - 36 - وأخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد، أنبأنا أبو بكر محمد بن هبة الله، أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله، أنبأنا أبو علي الحسين بن صفوان، أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد، أنبأنا عبد الرحمان بن صالح العتكي ومحمد بن عثمان العجلي قالا: أنبأنا أبو أسامة، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: دخلت أنا ورجل من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: (لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيته مرت هي أشد من هذه).
(1) - الارشاد: 192، الجوهرة: 30 بسند اخر. (2) - مروج الذهب: 2: 427، بحار الانوار 44: 148 حديث 15، العوالم 16: 283 حديث 9.
[217]
قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني، قال: ما أسألك شيئا [حتى] يعافيك الله. قال: فخرجنا من عنده ثم عدت إليه من غد وقد أخذ في السوق فجاء حسين عليه السلام حتى قعد عند راسه فقال: (أي أخي من صاحبك) ؟ قال: (تريد قلته) ؟ قال: (نعم). قال: (لئن كان صاحبي الذي أظن فالله أشد له نقمة وإن لم يكنه فما أحب أن تقتل بي بريئا). (1) إخبار الحسن بشهادة الحسين عليهما السلام
(176) - 37 - حدثنا اأحمد بن هارون الفامى، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر بن جامع الحميري، قال: حدثنا ابي، عن أحمد بن محمد بن يحيي، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام: (أن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام دخل يوما إلى الحسن عليه السلام، فلما نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال: (أبكي لما يصنع بك)، فقال له الحسن عليه السلام: إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فاقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا ابا عبد الله، يزدلف اليك ثلاثون الف رجل، يدعون انهم من امة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وينتحلون دين الاسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني امية اللعنة، وتمطر السماء رمادا ودما، ويبكي عليك كل شئ حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار). (2) (177) - 38 - وروى المجلسي عن بعض تأليفات أصحابنا: أن الحسن عليه السلام لما دنت وفاته ونفدت أيامه، وجرى السم في بدنه، تغير لونه واخضر، فقال له
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام) 207 حديث 334. (2) - امالي الصدوق 101 حديث 3، المناقب لابن شهر آشوب 4: 86 العوالم 17: 154 حديث 1 و 16: 271 حديث 2، بحار الانوار 45: 218 حديث 44، مثير الاحزان 23، خصائص الحسينية 117
[218]
الحسين عليه السلام: (مالي أرى لونك مائلا إلى الخضرة ؟) فبكى الحسن عليه السلام وقال: (يا أخي لقد صح حديث جدي في وفيك)، ثم اعتنقه طويلا وبكيا كثيرا. فسئل عليه السلام عن ذلك ؟ فقال: (أخبرني جدي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، ومررت على منازل أهل الايمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة، إلا أن أحدهما من الزبرجد الاخضر. والاخر من
الياقوت الاحمر، فقلت: يا جبرئيل لمن هذان القصران ؟ فقال: أحدهما للحسن، والاخر للحسين عليهما السلام. فقلت: يا جبرئيل فلم، لم يكونا على لون واحد ؟ فسكت ولم يرد جوابا فقلت: لم لا تتكلم ؟ قال: حياء منك، فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني، فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم، ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين، فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم). فعند ذلك بكيا وضج الحاضرون بالبكاء والنحيب. (1) جزع الحسن عليه السلام عند الشهادة (178) - 39 - روى الاربلي عن الحافظ عبد العزيز بن الاخضر الجنابذى باسناده قال: لما حضرت الحسن بن علي الوفاة كانه جزع عند الموت، فقال له الحسين عليه السلام كأنه يعزيه -: (يا أخي ما هذا الجزع انك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى عليه السلام وهما ابواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك، وعلى حمزه وجعفر وهما عماك)، فقال له الحسن: (أي أخي إني أدخل
(1) - بحار الانوار 44: 145 حديث 13، العوالم 16: 284 حديث 12 و 17: 121 حديث 2.
[219]
في أمر من أمر الله لم أدخل فيه). (1) (179) - 40 - أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن احمد، أنبأنا محمد بن هبة الله، أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أنبأنا الحسين بن صفوان، أنبأنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني يوسف ابن موسى، حدثني مسلم بن أبي حية الرازي، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (لما أن حضر الحسن بن علي الموت بكى بكاءا شديدا، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي وفاطمة
وخديجة وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان نبيه صلى الله عليه وآله أنك سيد شباب أهل الجنة، وقاسمت الله مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرة حاجا - وإنما أراد أن يطيب نفسه - قال: فوالله ما زاده إلا بكاء وانتحابا، وقال: يا أخي إني أقدم على أمر عظيم مهول لم أقدم على مثله قط). (2) (180) - 41 - عن محمد بن ابراهيم بن اسحاق عن احمد بن محمد بن سعيد الكوفى عن على بن الحسين بن على بن فضال عن ابيه عن ابى الحسن على ابن موسى الرضا عن آبائه عن الحسين بن على عليهم السلام قال: لما حضرت الحسن بن على بن ابى طالب عليهما السلام الوفاة، بكى، فقيل له: يابن رسول الله صلى الله عليه وآله أتبكى ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله الذى أنت به، قد قال فيك رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ؟ وقد حججت عشرين حجة ماشيا وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى الثعل والنعل، فقال عليه السلام: إنما أبكى لخصلتين هول المطلع وفراق الاحبة. (3)
(1) - كشف الغمة 1: 552، البداية والنهاية 8: 48: تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 214 حديث 346 رواه بسند آخر وفيهما أي أخى انى ادخل في امر من امر الله لم أدخل في مثله، وارى خلقا من خلق الله لم ار مثله قط. فبكى الحسين (عليه السلام). (2) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام عليه السلام) 215 حديث 348. (3) - وسائل الشيعة 8: 93 حديث 31.
[220]
الحسن عليه السلام في آخر لحظاته (181) - 42 - روى ابن شعر آشوب: لما أشرف الحسن على الموت قال له الحسين عليه السلام: (اريد ان أعلم حالك يا اخى). فقال له الحسن: (سمعت النبي صلى الله عليه وآله لا يفارق العقل منا أهل البيت ما دام الروح فينا، فضع يدك في يدى حتى عاينت ملك الموت أغمز يدك، فوضع يده في
يده، فلما كان بعد ساعة غمزيده غمزا خفيفا، فقرب الحسين اذنه إلى فمه فقال: قال لي ملك الموت: ابشر فان الله عنك راض وجدك شافع). (1) تجهيز الحسن عليه السلام (182) - 43 - فلما استشهد الامام الحسن عليه السلام قال ابن عباس دعاني الامام الحسين عليه السلام وعبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله بن العباس، فقال: (اغسلوا ابن عمكم)، فغسلناه وحنطناه وألبسناه أكفانه. ثم خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد، وإن الحسين عليه السلام أمر أن يفتح البيت، فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان، وقالوا: أيدفن أمير المؤمنين عثمان الشهيد القتيل ظلما بالبقيع بشر مكان ويدفن الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! والله لا يكون ذلك أبدا حتى تكسر السيوف بيننا وتنقصف الرماح بيننا وينفذ النبل. فقال الحسين عليه السلام: (أما والله الذي حرم مكة، للحسن بن على [وا] بن فاطمة أحق برسول الله صلى الله عليه وآله وببيته ممن ادخل بيته بغير إذنه، وهو والله أحق به
(1) - امالي الطوسى 1: 161، مناقب لابن آشوب 4: 43 وبحار الانوار 44: 160 حديث 29 العوالم 16: 284 حديث 13.
[221]
من حمال الخطايا، مسير أبي ذر رحمه الله، الفاعل بعمار ما فعل، وبعبد الله ما صنع، الحامى الحمى، المؤوى لطريد رسول الله صلى الله عليه وآله، لكنكم صرتم بعده الامراء، وتابعكم، على ذلك الاءعداء وأبناء الاعداء.) (1) دفن الحسن عليه السلام (183) - 44 - وروى أنه عليه السلام أوصى بأن ديفن في البقيع، لافى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، بل إنهم حملوا جنازته إلى حرم رسول الله كي يجدد عهدا بقبره ثم يدفنوه في
البقيع. روى ذلك الكليني، عن محمد بن الحسن، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (لما احتضر الحسن بن علي عليهما السلام قال للحسين: يا أخي أوصيك بوصيته فاحفظها، فإذا أنامت فهيئني، ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لاحدث به عهدا، ثم أصرفني إلى امي فاطمة سلام الله عليها، ثم ردني فادفني في البقيع، واعلم أنه سيصيبني من الحميراء ما يعلم الناس من صنيعها وعداوتها لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وعداوتها لنا أهل البيت. فلما قبض الحسن عليه السلام وضع على سريره وانطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلي على الحسن عليه السلام، فلما أن صلي عليه حمل فادخل المسجد، فلما اوقف على قبر رسول الله بلغ عائشة الخبر وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي عليهما السلام ليدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرجت مبادرة على بغل بسرج، فكانت أول إمرأة ركبت في الاسلام سرجا، فوقفت
(1) - المالى الطوسي 1: 161 بحار الانوار 44: 152 حديث 22، العوالم 16: 288 حديث 2، نور الثقلين 4: 296 حديث 199.
[222]
فقالت: نحوا ابنكم عن بيتي، فانه لا يدفن فيه شئ، ولا يهتك على رسول الله صلى الله عليه وآله حجابه. فقال لها الحسين بن علي صلوات الله عليهما: (قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله صلى الله عليه وآله قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة، إن أخي أمرني أن اقربه من أبيه رسول الله صلى الله عليه وآله ليحدث به عهدا.
واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله صلى الله عليه وآله ستره، لاءن الله تبارك وتعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم (1) وقد أدخلت أنت بيت رسول الله صلى الله عليه وآله الرجال بغير إذنه. وقد قال الله عزوجل: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي (2)، ولعمري لقد ضربت أنت لابيك وفاروقه عند اذن رسول الله صلى الله عليه وآله المعاول. وقال الله عزوجل: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى (3)، ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله صلى الله عليه وآله بقربهما منه الاءذى، وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله حرم على المؤمنين أمواتا ما حرم منهم أحياء وتالله يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلوات الله عليهما جائزا فيما بيننا وبين الله، لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك). قال: ثم تكلم محمد بن الحنفية وقال يا عائشة: يوما على بغل، ويوما على *. (هامش) * (1) - الاحزاب: 35. (2) - الحجرات: 2. (3) - الحجرات: 3.
[223]
جمل، فما تملكين نفسك ولا تملكين الارض عداوة لبني هاشم. قال: فأقبلت عليه فقالت: يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك ؟ فقال لها الحسين عليه السلام: (وأنى تبعدين محمدا من الفواطم، فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، وفاطمة بنت أسد
بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الاءصم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر). قال: فقالت عائشة للحسين عليه السلام: نحوا ابنكم واذهبوا به فانكم قوم خصمون. قال: فمضى الحسين عليه السلام إلى قبر امه ثم أخرجه فدفنه بالبقيع. (1) (184) - 45 - وقال ابن عساكر: أنبأنا الزبير، قال: وحدثني محمد بن الضحاك الحزامى قال: لما بلغ مروان بن الحكم أنهم قد أجمعوا أن يدفنوا الحسن بن علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء إلى سعيد بن العاص - وهو عامل المدينة - فذكر ذلك له فقال: ما أنت صانع في أمرهم ؟ فقال: لست منهم في شئ ولست حائلا بينهم وبين ذلك. قال: فخلني وإياهم. فقال: أنت وذاك، فجمع لهم مروان من كان هناك من بني أمية وحشمهم ومواليهم وبلغ ذلك حسينا، فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفن حسنا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وأقبل مروان في أصحابه وهو يقول: يا رب هيجا هو خير من دعة.
(1) - الكافي 1:، 302 حديث 3، مقاتل الطالبيين: 76، نور الثقلين 4: 295 حديث 198، بحار الانوار 44: 174 حديث 1 و 17: 31 حديث 13 و 100: 125 حديث 1 الى قول معطسك، العوالم 16: 289 حديث 5 و 17: 77 حديث 1، كنز الدقائق 9: 586 اختصارا.
[224]
أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن حسن في بيت النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! والله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف ! ! فلما صلوا على الحسن خشي عبد الله بن جعفر أن يقع في ذلك ملحمة عظيمة، فأخذ بمقدم السرير ثم مضى به نحو البقيع، فقال له حسين:
(ما تريد) ؟ قال: عزمت عليك بحقي أن لا تكلمني كلمة واحدة، فصار به إلى البقيع فدفنه هناك رحمه الله، وانصرف مروان ومن معه. وبلغ معاوية ما كانوا أرادوا في دفن حسن في بيت النبي صلى الله عليه وآله، فقال: ما أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسنا مع النبي صلى الله عليه وآله وقد منعوا عثمان أن يدفن إلا في أقصى البقيع، إن يك ظني بمروان صادقا لا يخلصون إلى ذلك، وجعل يقول: ويها مروان أنت لها. (1) (185) - 46 - وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الانصاري، أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الشيرازي، أنبأنا أبو عمر محمد بن العباس، أنبأنا أحمد بن معروف بن بشر، أنبأنا الحسين بن محمد بن فهم، أنبأنا محمد بن سعد، أنبأنا محمد بن عمر، أنبأنا عبيدالله بن مرداس، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: لما مرض حسن بن علي مرض أربعين ليلة، فلما استعز به وقد حضرت عنده بنو هاشم، فكانوا لا يفارقونه يبيتون عنده بالليل. وعلى المدينة سعيد بن العاص وكان سعيد يعوده فمرة يأذن له ومرة يحجب عنه، فلما استعز به بعث مروان بن الحكم رسولا إلى معاوية يخبره بثقل الحسن بن علي، وكان الحسن رجلا قد سقي وكان مبطونا إنما كان تختلف أمعاؤه، فلما حضر وكان عنده إخوته عهد أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله إن استطيع ذلك، فإن حيل بينه وبينه وخيف أن يهراق فيه محجمة من دم دفن عند أمه بالبقيع، وجعل حسن يوعز إلى الحسين: (يا أخي إياك أن تسفك الدماء في، فإن الناس سراع إلى الفتنة)، فلما توفي الحسن ارتجت المدينة
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 220 حديث 355.
[225]
صياحا، فلا يلقى أحد إلا باكيا. وأبرد مروان إلى معاوية يخبره بموت حسن وأنهم يريدون دفنه مع النبي صلى الله عليه وآله، وأنهم لا يصلون إلى ذلك أبدا وأنا حي.
فانتهى حسين بن علي إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: (احفروا هاهنا)، فنكب عنه سعيد بن العاص وهو الامير فاعتزل ولم يحل بينه وبينه. وصاح مروان في بني أمية ولفها وتلبسوا السلاح وقال مروان: لا كان هذا أبدا. فقال له الحسين: (يابن الزرقاء مالك ولهذا ؟ أوال أنت ؟ قال: لا كان هذا ولا يخلص إليه وأنا حي ! ! فصاح حسين بحلف الفضول فاجتمعت بنو هاشم وتيم وزهرة وأسد وبنو جعونة ابن شعوب من بني ليث قد تلبسوا السلاح. وعقد مروان لواء وعقد حسين لواء، فقال الهاشميون: يدفن مع النبي صلى الله عليه وآله حتى كانت بينهم المراماة بالنبل وابن جعونه بن شعوب يومئذ شاهر سيفه. فقام في ذلك رجال من قريش عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمسور بن مخرمة بن نوفل، وجعل عبد الله بن جعفر يلح على حسين وهو يقول: يا ابن عم ألم تسمع إلى عهد أخيك: إن خفت أن يهراق في محجمة من دم فادفني بالبقيع مع أمي، أذكرك الله أن تسفك الدماء. وحسين يأبى دفنه إلا مع النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: (ويعرض مروان لي ؟ ما له ولهذا) ؟ ! قال: فقال المسور بن مخرمة: يا أبا عبد الله اسمع مني قد دعوتنا بحلف الفضول وأجبناك، تعلم أني سمعت أخاك يقول قبل أن يموت بيوم: (يا ابن مخرمة إني قد عهدت إلى أخي أن يدفنني مع رسول الله صلى الله عليه وآله إن وجد إلى ذلك سبيلا، فإن خاف أن يهراق في ذلك محجم من دم فليدفني مع أمي بالبقيع)، وتعلم أني أذكرك
[226]
الله في هذه الدماء، ألا ترى ما ها هنا من السلاح والرجال، والناس سراع إلى الفتنة ؟ !
قال: وجعل الحسين يابى، وجعلت بنو هاشم والحلفاء يلغطون ويقولون: لا يدفن أبدا إلا مع رسول الله صلى الله عليه وآله. (1) (186) - 47 - وحضر سعيد بن العاص ليصلى عليه فقالت بنو هاشم: لا يصلي عليه احد ابدا إلا حسين. قال: فاعتزل سعيد بن العاص، فوالله ما نازعنا في الصلاة وقال: أنتم أحق بميتكم فإن قدمتموني تقدمت، فقال حسين بن علي عليهما السلام: (تقدم فلولا أن الاءئمة تقدم ما قدمناك). (2) (187) - 48 - روى الطبري أن الحسين عليه السلام تكفل أمر جنازة الحسن، فلما فرغ من أمره صلى عليه وسار بنعشه يريد قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله ليدفنه معه، فبلغ ذلك مروان، فذهب مسرعا على بغل حتى دخل على عائشة وقال: يا ام المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن عند جده، ووالله لئن دفنه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر الى يوم القيامة. قالت: فما أصنع ؟ قال: الحقى وامنعيه من الدخول إليه. قالت: فكيف ألحقه ؟ قال: هذا بغلي فاركبيه والحقى القوم قبل الدخول، فنزل عن بغله وركبته وأسرعت الى القوم وكانت أول امرأة ركبت السروج، ولحقتهم وقد صاروا إلى حرم قبر جدهم رسول الله، فرمت بنفسها بين القبر والقوم وقالت: والله لا يدفن
(1) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 221 حديث 356. (2) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 223، مقاتل الطالبيين: 76.
[227]
الحسن هاهنا أو تحلق هذه واخرجت ناصيتها بيدها، وكان مروان لما ركبت بغله جمع من كان من بني امية وحرضهم على المنع، وأقبل بهم وهو يقول:
يا رب هيجا هي خير من دعة. أيدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن مع رسول الله، والله لا يكون هذا أبدا وأنا أحمل السيف، وكانت عائشة تقول: والله لا أدخل داري من أكرهه، وكادت الفتنة أن تقع. فقال الحسين: (هذه دار رسول الله وأنت حشية من تسع حشيات خلفهن رسول الله فانما نصيبك من الدار موضع قدميك)، فأرادت بنو هاشم الكلام وحملوا السلاح، فمنعهم الحسين وقال: (الله الله أن تفعلوا وتضيعوا وصية أخي)، وقال لعائشة: (والله لولا أن أبا محمد أوصى إلي أن لا اهريق محجمة دم لدفنته هاهنا ولو رغم أنفك). (1) (188) - 49 - وكان سبب مفارقة أبي الحسن صلوات الله عليه دار الدنيا، ونتقاله إلى دار الكرامة على ما وردت به الاخبار، أن معاوية بذل لجعدة بنت محمد بن الاشعث زوجة أبي محمد عليه السلام عشرة آلاف دينار وإقطاعات كثيرة من شعب سورا، وسواد الكوفة، وحمل إليها سما فجعلته في طعام، فلما وضعته بين يديه، قال: (إنا لله وانا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين، وامي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين). ودخل عليه أخوه الحسين عليه السلام فقال: (كيف تجد نفسك) ؟ قال: (أنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الاخرة على كره مني لفراقك وفراق إخوتي)، ثم قال: أستغفر الله على محبة مني للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وفاطمة
(1) - دلائل الامامة: 61.
[228]
وجعفر وحمزة عليه السلام). ثم أوصى إليه وسلم إليه الاسم الاعظم، ومواريث الانبياء عليه السلام التي كان
أمير المؤمنين عليه السلام سلمها إليه، ثم قال: (يا أخي إذا أنا مت فغسلني وحنطني و كفني واحملني إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تلحدني إلى جانبه، فإن منعت من ذلك فبحق جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وأبيك أمير المؤمنين وامك فاطمة الزهراء عليهما السلام أن لا تخاصم أحدا، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع حتى تدفني مع امي عليها السلام). فلما فرغ من شأنه وحمله ليدفنه مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ركب مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وآله بغلة، وأتى عائشة فقال لها: يا ام المؤمنين، إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله، والله إن دفن معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة. قالت: فما أصنع يا مروان ؟ قال: الحقي به وامنعيه من أن يدفن معه. قال: وكيف ألحقه ؟ قال: اركبي بغلتي هذه. فنزل عن بغلته وركبتها، وكانت تؤز الناس وبني امية على الحسين عليه السلام وتحرضهم على منعه مماهم به، فلما قربت من قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان قد وصلت جنازة الحسن عليه السلام، فرمت بنفسها عن البغلة وقالت: والله لا يدفن الحسن ههنا أبدا أو تجز هذه - وأومت بيدها إلى شعرها - فاراد بنو هاشم المجادلة، فقال الحسين عليه السلام: (الله الله لا تضيعوا وصية أخي واعدلوا به إلى البقيع، فإنه أقسم علي إن أنا منعت من دفنه مع جده صلى الله عليه وآله أن لا اخاصم فيه أحدا وأن أدفنه بالبقيع مع امه عليهما السلام)، فعدلوا به ودفنوه بالبقيع معها.
[229]
فقام ابن عباس رضي الله عنه وقال: يا حميراء ليس يومنا منك بواحد، يوم
على الجمل ويوم على البغلة، أما كفاك أن يقال: يوم الجمل حتى يقال: يوم البغل ؟ يوم على هذا ويوم على هذا، بارزة عن حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله تريدين إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره المشركون، إنا لله وإنا إليه راجعون. فقالت له: إليك عني واف لك ولقومك. وروي أن الحسن عليه السلام فارق الدنيا وله تسع وأربعون سنة وشهرا، اقام مع رسول الله صلى الله عليه وآله سبع سنين وستة اشهر، وباقي عمره مع أمير المؤمنين عليه السلام الا عشرة سنوات كانت مدة امامته عليه السلام، وروى أنه دفن مع امه صلوات الله عليها سيدة نساء العالمين في قبر واحد. (1) (189) - 50 - وفى رواية اخرى: أنهم لما منعوهم من دفن الحسن عليه السلام في حرم جده صلى الله عليه وآله قال الحسين عليه السلام (والله لولا عهد الحسن الي بحقن الدماء وان لا اهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لانفسنا). (2) (190) - 51 - قال اليعقوبي في تأريخه: عند ما منع مروان ومن معه عن دفن الحسن عليه السلام، اجتمع مع الحسين بن علي جماعة من الناس فقالوا له: دعنا وآل مروان، فوالله ماهم عندنا كأكلة رأس، فقال: (ان اخي اوصاني ان لااريق فيه محجمة دم). (3) (191) - 52 - قال علي بن الحسن بن علي بن حمزة العلوي، عن عمه محمد، عن المدايني عن جويرية بن أسماء، قال: لما مات الحسن بن علي وأخرجوا جنازته،
(1) - عيون المعجزات: 62، العوالم 16: 297 حديث 8. (2) - الارشاد: 193 و 213، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام السحن عليه السلام) بالاختصار 224، بحار الانوار 44: 157 قطعة من حديث 25، العوالم 16: 286 حديث 1. (3) - تاريخ اليعقوبي 2: 225.
[230]
حمل مروان سريره، فقال له الحسين: (أتحمل سريره ؟ أما والله لقد كنت تجرعه
الغيظ) فقال مروان: إنى كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال. (1) (192) - 53 - وأخبرنا أبو محمد الحسن بن أبي بكر بن أبي الرضا، أنبأنا الفضيل بن يحيى الفضيلي، أنبأنا أبو محمد بن أبي شريح، أنبأنا محمد بن عقيل بن الازهر، أنبأنا محمد بن فضيل، أنبأنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، قال: لما مات الحسن بن علي بكى مروان في جنازته، فقال له حسين عليه السلام: (أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه ؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل. (2) (193) - 54 - وروي أنه صلى على الحسن عليه السلام سعيد بن العاص كما رواه الطبراني وقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، انبأنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن سالم - يعني ابن أبي حفصة - عن أبي حازم، قال: شهدت حسينا [عليه السلام] حين مات الحسن [عليه السلام] وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدم فلولا أنها السنة، يقول الشيبة ما قدمتك، وسعيد أمير على المدينة يومئذ. (3) (194) - 55 - حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة عن سفيان، عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم، قال: رأيت الحسين بن علي [عليهما السلام] قدم سعيد بن العاص في جنازة الحسن بن علي [عليهما السلام]. (4) (195) - 56 - وفى رواية اخرى من مسند الحسين بن علي عليهما السلام عن أبي حازم الاشجعي، قال: رأيت حسين بن علي قدم سعيد بن العاص على الحسن بن علي
(1) - مقاتل الطالبيين: 76، البداية والنهاية 8: 43، بحار الانوار 44: 145 حديث 13، احقاق الحق 11: 121. (2) - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 156 حديث 267. (3) - المعجم الكبير 3: 163 حديث 2912. (4) - المعجم الكبير 3: 163 حديث 2913. (*)
[231]
فصلى عليه ثم قال: (لولا أنها السنة ما قدمتك). (1) (196) - 57 - فلما دفن الحسن عليه السلام بالقيع عند قبر جدته فاطمة بنت أسد، قال الحسين بن علي عليهما السلام عند قبر أخيه الحسن عليه السلام (رحمك الله أبا محمد إن كنت لتباصر الحق مظانه، وتؤثر الله عند تداحض الباطل في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتقبض عليها يدا طاهرة الاءطراف نقية الاسرة، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤنة عليك، ولا غرو وأنت ابن سلالة النبوة ورضيع لبان الحكمة، فاءلى روح وريحان وجنة نعيم، أعظم الله لنا ولكم الاءجر عليه، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الاءسى عنه). (2) رثاء الحسين أخاه عليهما السلام (197) - 58 - لما وضع الحسين أخاه الحسن في لحده قال: أأدهن رأسي ام اطيب محاسني ورأسك معفور وأنت سليب أو استمتع الدنيا بشئ احبه إلى كل ما ادنى اليك حبيب فلازلت ابكى ما تغنت حمامة عليك، وما هبت صبا وجنوب وما هملت عيني من الدمع قطرة وما اخضر في دوح الحجاز قضيب بكائي طويل والدموع غزيرة وانت بعيد والمزار قريب غريب واطراف البيوت تحوطه الاكل من تحت التراب غريب ولا يفرح الباقي خلاف الذى مضى وكل فتى للموت فيه نصيب فليس حريب من اصيب بماله ولكن من وارى أخاه حريب
(1) - كنز العمال 15: 741، مقاتل الطالبيين: 76، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسن عليه السلام): 227 حديث 364 وفيه (تقدم فلولا أن الائمة تقدم ما قدمناك). (2) - عيون الاخبار 2: 314، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام السحن عليه السلام) 233 حديث 369،
احقاق الحق 11: 597.
[232]
نسيبك من امسى يناجيك طيفه وليس لمن تحت التراب نسيب (1) وله أيضا في رثاء أخيه عليهما السلام (198) - 59 - ان لم امت اسفا عليك فقد أصبحت مشتاقا الى الموت (2)
(1) - المناقب لابن شهرآشوب 4: 45، بحار الانوار 44: 160 حديث 29. (2) - المناقب لابن شهرآشوب 4: 45، بحار الانوار 44: 161 حديث 30.
[233]
الفصل الرابع كلمات الامام الحسين عليه السلام في زمن امامته
[235]
الحسين عليه السلام قبل موت معاوية لما ارتحل الحسن عليه السلام إلى دار البقاء انتقلت الامامة والولاية إلى مولانا الحسين عليه السلام، وذلك في شهر صفر من سنة تسع واربعين وإن لم يدع الى نفسه للتقية التي كانت عليها، والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية، والتزم الوفاء به، وجرى في ذلك مجرى أبيه وأخيه عليهم السلام، وكان بعض الناس يراجعونه ويفدون إليه. كلامه عليه السلام مع بعض وفوده (199) - 1 - روى المجلسي عن أبي عبد الله عليه السلام قا ل: (وفد الى الحسين صلوات الله عليه وفد فقالوا: يابن رسول الله إن أصحابنا وفدوا إلى معاوية ووفدنا نحن إليك، فقال: (إذن اجيزكم بأكثر مما يجيزهم)، فقالوا: جعلنا فداك إنما جئنا لديننا، قال: فطأطأ راسه ونكت في الارض وأطرق طويلا ثم رفع رأسه فقال: (قصيرة من
طويلة، من أحبنا لم يحبنا لقرابة بيننا وبينه ولا لمعروف أسديناه إليه، إنما أحبنا لله ورسوله، جاء معنا يوم القيامة كهاتين)، وقرن بين سبابتيه. (1)
(1) - بحار الانوار 27: 127 حديث 118 وورد هذا لحديث مسندا عن المحاسن في باب وجوب موالاة
[236]
دلائل امامته عليه السلام (200) - 2 - قال الاربلي: وقد نقل أن حبابة الوالبية أتت عليا عليه السلام في رحبة المسجد، فقالت: يا أمير المؤمنين ما دلالة الامامة رحمك الله ؟ فقال (ايتنى بتلك الحصاة) - وأشار بيده إلى حصاة - فأتيته بها فطبع لي فيها بخاتمه، وقال: (يا حبابة إن ادعى مدع الامامة وقدر أن يفعل كما فعلت فاعلمي أنه محق مفترض الطاعة، فالامام لا يعزب عنه شئ يريده). قالت: ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين عليه السلام، فأتت الحسن عليه السلام وهو في مجلس أمير المؤمنين والناس يسألونه، فقال لي: (حبابة الوالبية) ؟ فقلت: نعم يا مولاى. قال: (هات ما معك) فأعطيته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام. قالت: ثم أتيت الحسين عليه السلام وهو في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فقرب ورحب وقال: (أتريدين دلالة الامامة ؟) (1) فقلت: نعم يا سيدي. فقال عليه السلام: (هات ما معك)، فناولته الحصاة فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام، قالت عليه السلام: ثم رأيت علي بن الحسين عليهما السلام وقد بلغ بي الكبر وأنا أعد مائة وثلاث عشرة سنة، فرأيته را كعا وساجدا مشغولا بالعبادة، فيئست من الدلالة، فأومأ إلي بالسبابة فعاد الي شبابى، قالت: فقلت: يا سيدى كم مضى من الدنيا وكم
بقى ؟
أوليائهم تحت رقم 12 في صفحة 56 عن علي بن الحسين مع اختلاف في الفاظه. (1) - وفى بحار الانوار واكمال الدين روى مع زيادة: ان في الدلاله دليلا على ما تريدين أفتريدين...
[237]
فقال: (أماما مضى فنعم، وأما ما بقى فلا)، ثم قال: (هاتي ما معك) فأعطيته الحصاة فطبع فيها. ثم أتيت أبا جعفر عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت ابا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام فطبع فيها، ثم أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها، وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر على ما ذكره عبد الله بن هشام. (1) (201) - 3 - روي عن جابر الجعفي، عن زيد العابدين عليه السلام قا ل: (أقبل أعرابي إلى المدينة ليختبر الحسين عليه السلام لما ذكر له من دلائله، فلما صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة، فدخل على الحسين وهو جنب. فقال له أبو عبد الله الحسين عليه السلام: (أما تستحيي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك وأنت جنب) وقال: (أنتم معاشر العرب إذا خلوتم خضخضتم). فقال الاعرابي: يا مولاي قد بلغت حاجتي مما جئت فيه. فخرج من عنده فاغتسل ورجع إليه فسأله عما كان في قلبه. (2) (202) - 4 - عن الباقر عليه السلام عن أبيه أنه قال: (صار جماعة من الناس بعد الحسن الى الحسين عليهما السلام، فقالوا: يا ابن رسول الله ! ما عندك من عجائب أبيك التى كان يريناها ؟ فقال: (هل تعرفون أبى) ؟ قالوا كلنا نعرفة، فرفع سترا كان على باب بيت، ثم قال: (انظروا في البيت فنظرنا، فإذا امير المؤمنين عليه السلام، فقلنا: نشهد انه خليفة الله حقا وانك ولده) (3). (203) - 5 - وفى رواية ع الصفار عن الحسن بن على باسناده، قال: سئل الحسين بن
(1) - كشف الغمة 1: 534، اكمال الدين: 536 حديث 1، بحار الانوار
(2) - الخرائج والجرائح 1: 246 حديث 2، وسائل الشيعة 1: 476 حديث 24، بحار الانوار 44: 181 حديث 4، العوالم 17: 54 حديث 3. (3) - الخرائج والجرائح 2: 811 حديث 20، اثبات الهداه 5: 195 حديث 36.
[238]
علي عليه السلام بعد مضي أمير المؤمنين عليه السلام فقال لاصحابه: (اتعرفون امير المؤمنين عليه السلام إذا رأيتموه) ؟ قالوا: نعم، قال: (فارفعوا هذا الستر) فرفعوه فإذا هم به لا ينكرونه فقال لهم علي عليه السلام: (إنه يموت من مات منا وليس بميت، ويبقى من بقى مناحجة عليكم). (1) تعهده عليه السلام بالصلح ولكن مع ذلك كله لم تساعده الظروف والاوضاع السياسيه على أن يظهر ولايته ويدعو الناس إلى بيعته، فكان عليه السلام ملتزما بالصلح الذى جرى بين أخيه الحسن عليه السلام ومعاوية. (204) - 6 - روى البلاذري أنه لما توفى الحسن بن علي اجتمعت الشيعة، ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي وأم جعدة أم هانئ بنت أبي طالب، في دار سليمان بن صرد، فكتبوا إلى الحسين كتابا بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لامرك. وكتب إليه بنو جعدة يخبر ونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبهم لقدومه و تطلعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه، ويطمأن إلى قوله، ويعرف نجدته وبأسه، فأنضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان، والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه. فكتب الحسين عليه السلام إليهم: (إني لارجو أن يكون رأى أخي رحمه الله في
الموادعة، ورأيي في جهاد الظلمة رشدا وسدادا، فالصقوا بالارض، وأخفوا
(1) - اثبات الهداة 5: 196 حديث 37.
[239]
الشخص، واكتموا الهوى، واحترسوا من الاظاء ما دام ابن هند حيا، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله). (1) (205) - 7 - ولم بايع الناس معاوية ليزيد كا ن حسين ممنن لم يبايع له، وكان اهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء الى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: (إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا). (2) (206) - 8 - وقدم المسيب بن عتبة الفزاري في عدة معه الى الحسين بعد وفاة الحسن فدعوه الى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك وراي أخيك، فقال: (إني لارجو أن يعطي الله أخي على نييته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين). (3) (207) - 9 - قال أبو مخنف: وكتب الحسين عليه السلام كتابا الى معاوية يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد وصلني كتابك وفهمت ما ذكرت، ومعاذ الله ان انقض عهدا عهده اليك اخي الحسن عليه السلام، واما ما ذكرت من الكلام فانه اوصله اليك الوشاة الملقون بالنمائم، والمفرقون بين الجماعات، فانهم والله يكذبون). (1) وكان الامام عليه السلام متعهدا بما صالح به أخوه فعلى هذا يرى لو إليه من الشأن ما يليق بوالي الصالح، فكان يقدمه في الصلاة حتى في الصلاة على أخيه الحسن عليه السلام، كما تقدم في محله وعلى اخته ام كلثوم.
(1) - انساب الاشراف 3: 151 حديث 13. (2) - البداية والنهاية 8: 174.
(3) - البداية والنهاية 8: 174، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليه السلام) 196 حديث 254. (4) - مقتل ابى مخنف 11.
[240]
(208) - 10 - فقد روى في الجعفريات قا ل: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: حدثني موسى بن اسماعيل، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام قال: (لما توفيت ام كلثوم بنت علي بن ابي طالب عليه السلام، خرج مروان بن الحكم - وهو أمير يومئذ على المدينة - فقال الحسين بن علي عليهما السلام: (لولا السنة ما تركته يصلي عليها). (1) دفاعه عليه السلام عن الحق والعمل بالتقية والتعهد بالصلح لم يكن مانعا عن بيان الحق واظهار الحقائق، فكان عليه السلام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويذكر فضائل أهل البيت ويدافع عن الحق. (209) - 11 - روى الطبرسي عن موسى بن عقبة أنه قال: لقد قيل لمعاوية: ان الناس قدرموا. أبصارهم إلى الحسين عليه السلام، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإن فيه حصرا أو في لسانه كلالة. فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد الله لو صعدت المنبر فخطبت. فصعد الحسسين عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب ؟ فقال الحسين عليه السلام: (نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله الاقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثاني
(1) - مستدرك الوسائل 2: 279 حديث 1966 وفى هامشة قال: توضيح يستفاد من هذا الحديث بعد ثبوته
وصحته، أن الامام اراد أن يقول: بان مروان ليس أهلا لشئ حتى للصلاة على الميت لولا السنة، ويرى عديد من اهل التاريخ ان ام كلثوم حضرت في واقعة الطف واسرت مع بقية العيال والاطفال وذكروا لها خطبة في الكوفة فيترك الحديث.
[241]
كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع حقايقه، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة. قال الله عزوجل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الاءمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول (1) وقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولى الاءمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا. (2) واحذركم الاءصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم (3) فتلقون للسيوف ضربا، وللرماح وردا، وللعمد حطما، وللسهام غرضا، ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا). قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله قد بلغت. (4) (210) - 12 - وقا لمرة اخرى في مجلس معاوية. (أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الناقب والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضى الرحمان وسخطه سخط الرحمن)، ثم رد وجهه للخصم فقال: (هل لك أب كأبي أو قديم كقديمي ؟ فإن قلت لا، تغلب، وإن قلت: نعم تكذب)، فقال الخصم: لاتصديقا لقولك، فقال
الحسين عليه السلام: (الحق أبلج لا يزيغ سبيله والحق يعرفه ذووا الالباب). (5)
(1) - نساء: 59. (2) - نساء: 82. (3) - انفال: 48. (4) - الاحتجاج: 299، وسائل الشيعة 18: 144 حديث 45. (5) - احقاق الحق 11: 595.
[242]
(211) - 13 - روى المجلسي عن المدائني قا ل: قال معاوية يوما لعقيل بن أبي طالب: هل من حاجة فأقضيها لك ؟ قال: نعم، جارية عرضت علي وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفا، فأحب معاوية أن يمازحه، قال: وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفا وأنت أعمى ؟ تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهما. قال: أرجو أن أطأها فتلد لي غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك ! فضحك معاوية وقال: مازحناك يا أبا يزيد، وأمر فابتيعت له الجارية التي أولد منها مسلما رحمه الله، فلما أتت على مسلم ثماني عشرة سنة وقد مات عقيل ابوه قال لمعاوية: يا أمير المؤمنين إن لي أرضا بمكان كذا من المدينة، وإني أعطيت بها مائة ألف، وقد أحببت أن أبيعك إياها، فادفع إلي ثمنها، فأمر معاوية بقبض الارض ودفع الثمن إليه، فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فكتب إلى معاوية: (أما بعد فإنك اغتررت غلاما من بني هاشم فابتعت منه أرضا لا يملكها، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد علينا أرضنا)، فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك وأقرأه كتاب الحسين عليه السلام وقال: اردد علينا مالنا وخذ أرضك فإنك بعت مالا تملك، فقال مسلم: أما دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا، فاستلقي
معاوية ضاحكا يضرب برجليه وقال: يا بني هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتعت له امك، ثم كتب إلى الحسين عليه السلام: إني قدرددت عليكم الارض وسوغت مسلما ما أخذه، فقال الحسين عليه السلام: (أبيتم يا آل أبي سفيان إلا كرما). (1) (212) - 14 - وروى البحراني: أن معاوية كتب الى مروان - وهو عامله على الحجاز - يأمره أن يخطب ام كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك، فقال عبد الله: إن أمرها ليس الي: إنما هو إلى سيدنا الحسين عليه السلام
(1) - بحار الانوار 42: 116.
[243]
وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك فقال: (استخير الله تعالى، اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد). فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله اقبل مروان حتى جلس الى الحسين عليه السلام وعنده من الجلة وقال: إن أمير المؤمنين أمرني بذلك [أي أخطب ام كلثوم ليزيد]، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، مع صلح مابين هذين الحيين، مع قضاء دينه، واعلم أن من يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد، وهو كفو من لا كفوله، وبوجهه يستسقى الغمام، فرد خيرا يا أبا عبد الله. فقال الحسين عليه السلام: (الحمدلله الذى اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه، وانزل علينا كتابه ووحيه، وايم الله لا ينقصنا احد من حقنا شيئا الا انتقصه الله من حقه، في عاجل دنياه وآخرته، ولا يكون علينا دولة الا كانت لنا العاقبة ولنعلمن نبأه بعد حين). ثم قال: (يامروان قد قلت فسمعنا: اما قولك: مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، فلعمري لو اردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله في بناته ونسائه واهل بيته وهو ثنتا عشرة اوقية، يكون اربعمأة و
ثمانين درهما. وأما قولك: مع قضاء دين ابيها، فمتى كن نسائنا يقضين عنا ديوننا ؟ واما صلح مابين هذين الحيين، فانا قوم عادينا كم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد اعيى النسب فكيف السبب. وأما قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أب يزيد ومن جد يزيد. وأما قولك: ان يزيد كفو من لاكفوله، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه
[244]
اليوم ما زادته امارته في الكفاءة شيئا. واما قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فانما كان ذلك بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله. واما قولك: من يغبطنا به أكثر ممن يغبطه بنا، فانما، يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا اهل العقل). ثم قال بعد كلام: (فاشهدوا جميعا انى قد زوجت ام كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر، على اربعمائة وثمانين درهما، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة) أو قال (أرضى بالعقيق، وان غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنى انشاء الله). فتغير وجه مروان وقال: غدرا يا بنى هاشم، تأبون إلا العداوة، فذكره الحسين عليه السلام خطبة الحسن عائشة بنت عثمان وفعله ثم قال: (فاين موضع الغدر يا مروان). فقال مروان: أردنا صهركم لنجدودا قد اخلقه به حدث الزمان فلما جئتكم فجبهتموني وبحتم بالضمير من الشنان
فأجابه ذكوان مولى بنى هاشم أماط الله منهم كل رجس وطهر هم بذلك في المثاني فمالهم سواهم من نظير ولا كفو هناك ولا مداني ايجعل كل جبار عنيد إلى الاخيار من أهل الجنان ثم ان الحسين تزوج بعايشة بنت عثمان. (1) (213) - 15 - وروى المبرد: أنه وتحدث الزبيريون أن معاوية كتب الى مروان بن
(1) - العوالم 17: 87 حديث 2 المناقب 4: 38 ليس فيه من قوله وانزل علينا كتابه الى قوله: بعد حسين. متسدرك الوسائل 15: 98 حديث 17657، بحار الانوار 44: 207 حديث 4 ص 119 حديث 13 عن
[245]
الحكم، وهو والي المدينة: أما بعد، فإن أمير المؤمنين أحب أن يرد الالفة، ويسل السخيمة، ويصل الرحم، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاخطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته ام كلثوم على يزيد بن أمير المؤمنين، وارغب له في الصداق. فوجه مروان إلى عبد الله بن جعفر. فقرأ عليه كتاب معاوية، وأعلمه بما في رد الالفة من صلاح ذات البين، واجتماع الدعوة. فقال عبد الله: إن خالها الحسين بينبع، وليس ممن يفتات عليه بأمر. فأنظرني إلى أن يقدم. وكانت أمها زينب بنت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فلما قدم الحسين ذكر ذلك له عبد الله بن جعفر، فقام من عنده فدخل إلى الجارية. فقال: (يا بنية. إن ابن عمك القاسم بن محمد بن جعفر بن أبى طالب أحق بك، ولعلك ترغبين في كثرة الصداق وقد نحلتك البغيبغات). فلما حضر القوم للاملاك تكلم مروان بن الحكم، فذكر معاوية وما قصده من صلة الرحم وجمع الكلمة، فتكلم الحسين فزوجها من القاسم بن محمد. فقال له مروان: أغدرا يا حسين.
فقال: (أنت بدأت، خطب أبو محمد الحسن بن على عليهم السلام عائشة بنت عثمان بن عفان، واجتمعنا لذلك، فتكلمت أنت فزوجتها من عبد الله بن الزبير ؟). فقال مروان: ما كان ذلك، فالتفت الحسين إلى محمد بن حاطب فقال: (أنشدك الله، أكان ذاك) ؟ قال: اللهم نعم، فلم تزل هذه الضيعة في أيدي بنى عبد الله بن جعفر، من ناحية أم كلثوم، يتوارثونها. (1) (214) - 16 - روى محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن عبد الرحمن بن محمد العرزمي، قال: استعمل معاوية مروان بن الحكم