حياة الإمام الرضا (ع) - الشيخ باقر شريف القرشي ج 1
حياة الإمام الرضا (ع)
الشيخ باقر شريف القرشي ج 1
[ 3 ]
حياة الامام علي بن موسى الرضا " عليه السلام " دراسة وتحليل الجزء الاول باقر شريف القرشي منشورات سعيد بن جبير
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم * إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور). صدق الله العلي العظيم القرآن الكريم
[ 7 ]
تقريظ لسماحة المرجع الديني الامام السيد عبد الاعلى السبزواري دامت بركاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد فان الائمة الاطهار (سلام الله تعالى عليهم) وسائط الفيض الاقدس واسباب الرحمة
الالهية وامناء الله جل شأنه في الارض وقد منحهم سبحانه وتعالى من العلوم والمعارف الربوبية ما أقاموا به اساس الدين وعمود الشريعة وقد اختص منهم الامام الهمام الرؤف المعصوم على بن موسى الرضا (صلوات الله عليه) في تثبيت المعارف الربوبية بالمناظرة مع ارباب الديانات واصحاب المقالات والاهواء الباطلة فأقام الحق ودحض الباطل ببياناته الشريفة وصارت كلماته المقدسة محور الدراسات واساس الكمالات وقد انبرى جماعة من العلماء (جزاهم الله تعالى خير الجزاء) لجمعها وتفسيرها وشرحها وممن خصه الله تعالى بهذه الكرامة العظمى علم الاعلام و شيخ المحدثين الحجة الشيخ باقر القرشي دامت بركاته الذى وهبه الله تعالى من فيوضاته الخاصه وجعله من الادلاء إلى الائمة الهداة (عليهم السلام) والشارح لكلماتهم الشريفة وسيرهم الحسنة فشكر الله تعالى مساعيه ووفقه لاعلاء كلمة الحق واظهار الحقيقة انه سميع مجيب 26 ج 2 / 1412 عبد الاعلى الموسوي السبزواري
[ 8 ]
الاهداء إلى.. رائد النهضة الفكرية والعلمية في الاسلام إلى.. سليل النبوة، ومعدن العلم والحكمة إلى.. الامام جعفر الصادق (عليه السلام) أرفع لمقامه العظيم هذا المجهود المتواضع الذي بحثت فيه عن سيرة حفيده الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، راجيا التفضل علي بالقبول ليكون لي ذخرا يوم القى الله. المؤلف
[ 9 ]
تقديم (1) هذه دراسة عن حياة الامام الرضا (عليه السلام) الامام الثامن من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو قبس من نور الله تعالى، ونفحة من رحماته، وكنز من كنوز حكمته، وله ولآبائه قادة الفكر الاسلامي في مدح الله تعالى غنى عن مدح المادحين ووصف الواصفين، فقد اذهب عنهم الرجس، وطهرهم من الزيغ، قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا) (1). كما فرض تعالى مودتهم على جميع ابناء الاسلام، قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (2). وقرنهم جدهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بمحكم التنزيل، فقد قال: " إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.. " (3).
(1) سورة الاحزاب / آية 22. (2) سورة آل حم الشورى / آية 23. (3) صحيح الترمذي 2 / 308 أسد الغابة 2 / 12. (*)
[ 10 ]
كما جعلهم (صلى الله عليه وآله) سفن نجاة هذه الامة قال: " إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وانما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له " (1). ووجه المأمون سؤالا لعبد الله بن مطر، وهو من اعلام الفكر والادب في عمره فقال له:
" ما تقول في أهل البيت ؟ ". فأجابه عبد الله بهذه الكلمة المشرقة قائلا: " ما قولي: في طينة عجنت بماء الرسالة، وغرست بماء الوحي، هل ينفح منها إلا مسك الهدى، وعنبر التقى.. ". وملكت هذه الكلمة الذهبية قلب المأمون، وكان الامام الرضا (عليه السلام) حاضرا في المجلس، فأمر المأمون أن يحشى فم عبد الله لؤلؤا (2). إن جميع القيم الرفيعة، والمبادئ الاصيلة التي يعتز بها هذا الكائن الحي من بني الانسان كلها ماثلة في أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فهي من عناصرهم ومن ذاتياتهم. (2) أما نزعات الامام الرضا (عليه السلام) وعناصره النفسية فهي كنزعات آبائه الائمة العظام تجردا عن الدنيا، وزهدا في مباهجها، واعراضا عن زينتها، واقبالا على الله، وانقطاعا إليه، وتمسكا بطاعته، وعلما باحكام الدين، واحاطة شاملة بشريعة سيد المرسلين، وعونا للضعفاء، وغوثا للمحرومين، وسعيا لقضاء حاجات المحتاجين، إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي جعلتهم في قمة الشرف والمجد في دنيا العرب والاسلام. وملك الامام الرضا (عليه السلام) هذه القيم الاصيلة بجميع صورها والوانها، فقد تجرد عن الدنيا تجردا كاملا، وطلقها ثلاثا كما طلقها جده الامام امير المؤمنين (عليه السلام) فلم يحفل بزينتها ومباهجها، وقد تجلى ذلك - بوضوح - حينما
(1) مجمع الزوائد 9 / 68: الحلية 4 / 306 تأريخ بغداد 2 / 19. (2) البحار 12 / 71. (*)
[ 11 ]
تقلد ولاية العهد التي هي أعظم مركز في الدولة الاسلامية، فقد كان الشخصية ؟ ؟ الثانية بعد المأمون، فقد رفض جميع مغريات الحكم والسلطان، وكره كأشد ما تكون الكراهية ما يقيمه الناس لملوكهم وحكامهم من المهرجانات الشعبية، وصنوف العظمة والتكريم، وقد اعلن ذلك بقوله: " إن مشي الرجال خلف الرجال فتنة للمتبوع، ومذلة للتابع.. " (1). وكان - فيما يقول الرواة - يدخل حمام السوق، وصاحب الحمام لا يعرفه، وقد اتفق أن جنديا كان في الحمام فطلب منه أن يقوم بتدليكه، وتنظيفه فانبرى مجيبا لطلبه، وحينما علم الجندي بذلك استولى عليه الفزع والرعب فهدأ الامام روعه، وعرفه أنه قام بخدمة انسانية له. وكان من معالي أخلاقه أنه كان يأكل مع غلمانه، وخدمه، ويكره أن يتميز عليهم إلى غير ذلك من سمو أخلاقه التي ورثها من جده الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله). (3) ولائمة أهل البيت (عليه السلام) سياستهم المشرقة، ومنهجهم النير في عالم الحكم والسياسة، فهم يرون أن الحكم يجب أن يكون وسيلة لاقامة العدل الخالص، والحق المحض، ونشر المحبة والالفة بين الناس، ولا بد أن يكون أداة لانعاش الشعوب، ورفاهيتها وأمنها ورخائها، ولا قيمة للحكم عندهم إذا لم يحقق هذه الاهداف النبيلة التى تسعد بها الشعوب، استمعوا إلى ما يقوله سيد العترة الامام امير المؤمنين (عليه السلام) إلى وزيره ومستشاره عبد الله بن عباس، وقد رفع إليه نعله التي كانت من ليف، فقال له: " يا بن عباس ما قيمة هذا النعل ؟.. ". وسارع ابن عباس قائلا:
" لا قيمة له يا امير المؤمنين.. ". فانبرى الامام قائلا: " إنه خير من خلافتكم هذه إلا أن أقيم حقا، وادفع باطلا.. ".
(1) تأريخ اليعقوبي. (*)
[ 12 ]
ولم يحفل قاموس السياسة في تقييم الحكم بكلمة أجل، ولا أسمى من هذه الكلمة التي ادلى بها عملاق الفكر الاسلامي الامام امير المؤمنين (عليه السلام) فلا قيمة للسلطة ما لم يقم في ظلها الحق والعدل، ويقصى فيها الباطل والجور. إن هذا هو منهج الله تعالى الذي يريده لعباده لتستقيم حياتهم، وينعمون في ظل حكم لا خداع فيه، ولا تضليل، ولا تلاعب بما تملكه الامة من مقدرات. (4) وبرز الامام الرضا (عليه السلام) على مسرح الحياة السياسية في الاسلام كألمع سياسي عرفه التاريخ الاسلامي، فقد كان صلبا في مواقفه السياسية، فلم تخدعه الاساليب البراقة، ولا الاماني المزيفة التي قدمها له الملك العباسي المأمون من تنازله عن العرش، وترشيحه له، فلم يكن هذا العرض واقعيا، ولا صادقا بحال من الاحوال، وانما كان لاغراض سياسية لعل كان من أهمها القضاء على الثورات الملتهبة التي كادت أن تحرق الحكم العباسي، وتلف لواءه، والتي منها ثورة أبي السرايا، فقد كان قائدا عسكريا ملهما، فهو كأبي مسلم الخرساني الذي أطاح بالحكم الاموي، ومضافا لذلك جلب عواطف الايرانيين وسائر القوى الموالية لاهل البيت (عليهم السلام) الذين جهدت الحكومات العباسية المتعاقبة على ظلمهم، والتنكيل بهم، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية. ولم تخف على الامام الرضا (عليه السلام) دوافع المأمون السياسية بتنازله عن
رئاسة الدولة، وتقديمها بسخاء له، فامتنع (عليه السلام) امتناعا شديدا من قبولها، ولما يئس منه عرض عليه ثانيا ولاية العهد فامتنع كذلك، إلا انه تهدده، وتوعده بالقتل إن لم يستجب لذلك، فاستجاب على كره، وقد شرط عليه شروطا القت الاضواء على كراهيته وعدم رضاه، وهي: أ - لا يأمر، ولا ينهى. ب - لا يعزل احدا عن منصبه. ج - لا ينصب أحدا في أي منصب من مناصب الدولة. ومعنى هذه الشروط أن يكون له مجرد الشكل الظاهري من أنه ولي عهد المأمون، كما ان معناه ان حكومة المأمون ليست شرعية، ولو كانت شرعية لما شرط عليه هذه الشروط.
[ 13 ]
ولم تمض الايام حتى استبان للجميع عمق ما ذهب إليه الامام، وزيف ما عرضه المأمون على الامام، وانه انما عمد لذلك للعبة سياسية فلما انتهت قام باغتيال الامام، لانه لا يمكنه عزله، وسنوضح جميع هذه البحوث في غضون هذا الكتاب. (5) ومن بين بحوث هذا الكتاب التدليل على مدى الثروات العلمية الهائلة التي يملكها الامام الرضا (عليه السلام)، فقد شملت جميع الوان العلوم والمعارف من الفلسفة، وعلم الكلام، والطب، والفقه، وغيرها، وقد دلت على ذلك بصورة موضوعية، وواضحة، مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء الذين جلبهم المأمون من مختلف أقطار الدنيا وامصارها إلى خراسان لامتحان الامام، وقد عقد مع كل وفد منهم اجتماعا خاصا وسريا، ووعدهم بالثراء العريض إن افحموا الامام، واعجزوه عن اجابتهم ليتخذ من ذلك وسيلة للطعن والتشهير بما تذهب إليه الشيعة من أن
أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أعلم الامة وان الله آتاهم من العلم والفضل كما آتى أنبياءهم، وأوصياءهم. واستجاب العلماء لدعوة المأمون فسألوا الامام عن أعقد المسائل، وأكثرها غموضا ويقول المؤرخون: انهم سألوه عن اكثر من عشرين الف مسألة في أبواب متفرقة فأجابهم عنها جواب العالم الخبير المتخصص، فبهر العلماء من سعة علومه، ودان الكثيرون منهم بامامته، مما اضطر المأمون إلى حجب الامام عن العلماء وغيرهم، وفرض الرقابة الشديدة عليه لئلا يفتتن الناس به. ومن الجدير بالذكر ان تلك المناظرات قد دونها بعض تلامذة الامام (ع) إلا انا لم نعثر عليها، ولعلها من جملة المخطوطات التي خسرها العالم العربي والاسلامي. وعلى أي حال فقد نقل مؤرخو الشيعة طائفة يسيرة من تلك المناظرات وهي ذات أثر مهم للغاية، فانها علي قلتها تكشف عن مدى ثروات الامام العلمية، وتدلل على أنه من عمالقة الفكر والعلم في دنيا الاسلام. (6) وأثرت عن الامام الرضا (عليه السلام) كوكبة من الكتب نص عليها المعنيون بتدوين اسماء الكتب كابن النديم، والطوسي وغيرهما، كما نص عليها المترجمون للامام وهي:
[ 14 ]
أ - طب الامام الرضا (عليه السلام): وهي رسالة جليلة، كتبها الامام للمأمون بطلب منه، وسميت ب (الرسالة الذهبية) لنفاستها، وقد عرضت بصورة موضوعية وشاملة إلى برامج الاغذية الصحية التي تعتبر الاساس للصحة العامة، كما عرضت إلى ما يصلح بدن الانسان، ويقيه من الاصابة بكثير من الامراض، وكان من جملة تلك الوصفات عدم الاسراف في
تناول الطعام، فان الاسراف فيه يعرض الانسان للاصابة بارتفاع الضغط الدموي، والاصابة بداء السكر، وتصلب شرايين القلب، وغير ذلك من الامراض الخطرة، ومن المؤكد ان وصايا الامام الصحية لو طبقت على مسرح الحياة لجعلت الطب وقائيا. ونظرا لاهمية هذه الرسالة فقد انبرى جمع من الفضلاء إلى شرحها فكان منهم الدكتور السيد صاحب زيني، فقد شرحها بما يتفق والطب الحديث. ب - مسند الامام الرضا: أو صحيفة الامام الرضا، وقد احتوت على طائفة من الاخبار يروي الامام (عليه السلام) بعضها بسنده عن جده الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله)، وقد طبعت في القاهرة، طبعها، وعلق عليها العلامة عبد الواسع بن يحيى الواسمي. ج - جوامع الشريعة: وقد جمعت غرر الاحكام الشرعية، وامهات المسائل الفقهية، وقد املاها الامام (عليه السلام) على الفضل بن سهل رئيس وزراء المأمون، وذلك بطلب منه، وذكرت هذه الرسالة في " تحف العقول " وغيره من مؤلفات الشيعة، وقد نقلناها عنهم، وأثبتناها في غضون هذا الكتاب، وهذه الكتب انما هي من بعض ثروات الامام العلمية. أما فقه الامام الرضا، فقد دللنا على أنه ليس من مؤلفاته، وانما هو لغيره ومنسوب إليه. وعلى أي حال، فقد ذكر الرواة للامام طائفة كبيرة من غرر الحكم والآداب هي برنامج للحياة المتطورة التي يريدها الاسلام لابنائه. (7) وحفل هذا الكتاب بترجمة طائفة من كبار العلماء والرواة ممن تتلمذ واشرف على
[ 15 ]
يد الامام (عليه السلام)، ورووا حديثه، وقد الف بعضهم نسخا من أحاديثه وحكمه.. ومن المؤكد أن عرض ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بالبحث عن حياته فانه يكشف عن مدى اهتمام الاوساط العلمية في ذلك العصر بتلقي العلوم والمعارف عنه، فقد كان باجماع الرواة والمؤرخين عملاق الفكر الاسلامي وكانت علومه امتدادا ذاتيا لعلوم آبائه الائمة الطاهرين (عليهم السلام) الذين هم خزنة علوم النبي (صلى الله عليه وآله)، وورثة حكمته. (8) وتناول هذا الكتاب دراسة عصر الامام الرضا (عليه السلام)، وعرض ما فيه من الاحداث الساسية، والاجتماعية والعلمية، والاقتصادية، وغير ذلك مما يمس حياة الناس في ذلك العصر. ان دراسة مثل هذه الامور اصبحت من البحوث النهضية التي لا غنى للباحث عنها، لان مجريات الاحداث في كل عصر لها الدخل المباشر في التأثير على حياة الانسان، وعلى مكوناته الفكرية، كما اكدت ذلك بحوث علم النفس، وعلم الاجتماع. وقد حفل عصر الامام (عليه السلام) بكثير من الاحداث الجسام كان من بينها الصراع المسلح بين الامين والمأمون، والذي كان سببه الرشيد، وهو المسؤول عنه، وقد ادى ذلك الصراع إلى خراب بغداد التي كانت زينة الشرق، والى قتل طائفة كبيرة من الناس ومن بين تلك الاحداث ثورة القائد الملهم أبي السرايا، وغيرها من الثورات الكبرى التي كادت تقضي على الدولة العباسية، وتلف لواءها إلا أن المأمون قد استطاع بدهائه، وحنكته السياسية أن يتغلب على جميع الاحداث التي المت به، فأجبر الامام الرضا (عليه السلام) الذي هو أمل الامة الاسلامية على قبول ولاية
العهد الامر الذي ادى إلى فشل تلك الثورات، واخماد نارها، بالاضافة إلى انشغال الرأي العام بهذا الحادث الخطير. ومن بين الاحداث المهمة في ذلك العصر فتنة " خلق القرآن " وهي مسألة كلامية كانت خفية أو مهملة فأثارها المأمون وقد ادت إلى سفك الدماء بغير حق، وشيوع الاضطراب والفتنة بين المسلمين.
[ 16 ]
(9) ودرسنا بعمق وشمول سيرة ملوك بني العباس الذين عاصرهم الامام الرضا (عليه السلام)، فقد كانت سيرتهم شبيهة إلى حد بعيد بسيرة ملوك الامويين الذين اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، وليس في سيرتهم بعد الدراسة الجادة أي جد أو نشاط للعمل الصالح، وما ينفع المسلمين، وانما كانت سيرهم غنية بالملذات، وثرية بالشهوات، فقد انفقو علي لياليهم الحمراء، في بغداد، الملايين من أموال المسلمين، وقد حظي بالثراء من قبلهم المغنون والعابثون والماجنون، في حين أن الفقر والبؤس قد اخذا بخناق الناس. وكان من مظاهر حكمهم أن شرعت سياطهم، وشهرت سيوفهم، وفتحت أبواب سجونهم للاحرار، وفي طليعتهم السادة العلويون الذين كانوا يطالبون بتحقيق العدالة الاجتماعية وقد لاقى الزراع، وذوو الحرف، وارباب الصناعات ضروبا قاسية ومرهقة من المحن والخطوب من الجباة الذين كانوا يجلبون الخراج وسائر الضرائب، فكانوا يأخذونها بمنتهى الشدة، والقسوة، إذ قد الهبت سياطهم أبدان الناس، وامعنوا في ظلمهم إلى حد بعيد. (10) أما دراسة التأريخ الاسلامي فيجب أن تكون موضوعية ونزيهة وبعيدة عن التيارات المذهبية، والعواطف التقليدية، فقد خلط التأريخ بكثير من الموضوعات
اوجبت خفاء الحق، وستر الحقائق، فمن الواجب بذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من السقيم، والحق من الباطل. وكان من بين ما مني به التأريخ من الخلط والخبط اضفاء النعوت الكريمة، والالقاب العظيمة على الكثيرين من ملوك بني أمية وبني العباس، فقد لقبوا بخلفاء الله في الارض، وهذا اللقب الكريم يمثل الحق، والعدل، والقانون، واعوذ بالله أن يتصف به أمثال يزيد ومروان والوليد، وامثالهم من ملوك بني العباس الذين حولوا حياة الناس إلى جحيم لا يطاق. إن بعض المؤرخين والكتاب يرون أن المقياس في سمو الشخص وعظيم مكانته استيلاؤه على كرسي الحكم، وتسلمه لزمام السلطة العامة في البلاد، وهذا ليس بصحيح اطلاقا، فان المقياس في الفكر الاسلامي هو ما يسديه الحاكم من
[ 17 ]
الخدمات للامة في عالم الاقتصاد، والثقافة، والامن والرخاء... ولو جرد المؤرخون، والكتاب لقب الخليفة، وغيره من الالقاب العظيمة، من هؤلاء الملوك، واضفوها على الذين خدموا القضايا العظيمة للامة، لادوا بذلك خدمة كبرى إلى التأريخ الاسلامي، فقد تعرض الاسلام لكثير من النقود من المستشرقين وغيرهم من الحاقدين على الاسلام بسبب ما صدر عن بعض هؤلاء الملوك من الاعمال المجافية لروح العدالة والقانون معتقدين بأنهم يمثلون الاسلام في تصرفاتهم واعمالهم، ولو ان الناقدين راجعوا احكام الاسلام لوجدوها ندية خلاقة تساير العدل، وتواكب الفطرة، وليس فيها - والحمد لله - ما يساير الظلم بل فيها ما يناهضه ويناجزه، فالتصرفات الشاذة من بعض ملوك المسلمين لا تمت إلى الاسلام بصلة، ولا يؤاخذ بشئ منها. (11)
وليس هذا أول كتاب صدر عن حياة الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فقد صدرت عن حياته عدة دراسات باللغة العربية وغيرها، ومن أهمها - فيما أحسب - " حياة الامام الرضا (ع) " للسيد جعفر مرتضى، فقد كان ثريا مع تحقيقاته وبحوثه. ولا يحكي ما الف عن هذا الامام العظيم واقع شخصيته، فذاك أمر بعيد المنال، فقد كان (عليه السلام) يحمل ثراء فكريا لا حدود له، فهو من أئمة الهدى (عليهم السلام)، سدنة الاصلاح الاجتماعي، وورثة علوم النبي (صلى الله عليه وآله). (12) وقبل أن أفعل هذا التقديم، وأنهي هذا العرض الموجز لما في هذا الكتاب من بحوث أرى من الحق علي أن ارفع آيات الشكر والامتنان إلى سماحة استاذنا المعظم حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حسين الخليفة على ما أولاني من الرعاية واللطف والمساعدات في طبع بعض كتبي... كما ان من الحق والوفاء أن أشيد بالجهد الخلاق الذي اسداه إلي سماحة الحجة العلامة الكبير أخي الشيخ هادي شريف القرشي من ملاحظاته القيمة على هذا الكتاب، ومراجعاته لبعض الموسوعات التي استفدت منها
[ 18 ]
بالاضافة إلى تشجيعه لي في خدمة أهل البيت (عليهم السلام) آملا من الله تعالى ان يجازيه على ذلك كما يجازي الصالحين من عباده، انه تعالى ولي القصد والتوفيق. النجف الاشرف باقر شريف القرشي سنة 1411 ه 14 شوال
[ 19 ]
الوليد العظيم وقبل الحديث عن ولادة الامام الزكي أبي محمد (عليه السلام)، وما رافقها من شؤون نعرض إلى نسبه الوضاح، ذلك النسب الرفيع المتصل برسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي هو مصدر الفيض والعطاء، ومصدر الخير والرحمة إلى الناس، فأي نسب أسمى وأجل من نسب الامام الرضا (عليه السلام)، فهو ثمرة من ثمرات رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفرع مشرق من فروعه... وهذه لمحة موجزة عن أصوله الكريمة. الاب: أما أبو الامام الرضا فهو الامام موسى الكاظم بن الامام جعفر الصادق بن الامام محمد الباقر بن الامام زين العابدين ابن الامام الحسين بن الامام علي بن أبي طالب (عليهم السلام). وليس في دنيا الانساب ارفع ولا ازكى من هذا النسب ومن المؤكد ان هؤلاء الائمة الطاهرين هم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه، وسنذكر في البحوث الآتية لمحة عن حياة أبيه الامام موسى (عليه السلام). الام: أما أم الامام الرضا (عليه السلام) فقد تحلت بجميع مزايا الشرف والفضيلة التي تسمو بها المرأة المسلمة من العفة والطهارة، وسمو الذات وهي من السيدات الماجدات في الاسلام، وكانت أمة وهذا لا ينقص مكانتها، لان الاسلام جعل المقياس في تفاوت الناس بالتقوى والعمل الصالح، ولا أثر لغير ذلك. ونقل الرواة عدة أقوال في كيفية زواج الامام الكاظم (عليه السلام) بهذه السيدة الماجدة، وهذه بعضها:
[ 20 ]
1 - انها كانت من أشراف العجم، وكانت ملكا للسيدة حميدة أم الامام موسى (عليه السلام)، وهي من أفضل النساء في عقلها، ودينها واعظامها لمولاتها السيدة حميدة حتى انها ما جلست بين يديها من ملكتها اجلالا، واعظاما لها، وقد قالت حميدة لابنها الامام موسى: يا بني ان تكتم جارية، ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشك أن الله تعالى سيظهر نسلها، وقد وهبتها لك فاستوص بها خيرا (1). 2 - روى هشام بن أحمد قال: أبو الحسن الاول - هو الامام موسى - هل علمت أحدا من أهل المغرب قدم ؟ قلت: لا، فقال (عليه السلام): بلى قد قدم رجل، فانطلق بنا إليه، فركب وركبنا معه، حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق. فقال له: اعرض علينا، فعرض علينا تسع جوار، كل ذلك يقول أبو الحسن: لا حاجة لي فيها، ثم قال له: اعرض علينا، فقال: ما عندي شئ، فقال له: بلى اعرض علينا قال: لا والله ما عندي إلا جارية مريضة، فقال له: ما عليك أن تعرضها، فأبى، ثم انصرف (عليه السلام) ثم انه ارسلني من الغد إليه، فقال لي: قل له: كم غايتك فيها ؟ فإذا قال: كذا وكذا - يعني من المال - فقل: قد أخذتها، فأتيته، فقال له: ما أريد أن انقصها من كذا - وعين مبلغا خاصا - فقلت: قد أخذتها، وهو لك، فقال: هي لك، ولكن من الرجل الذي كان معك بالامس ؟ فقلت: رجل من بني هاشم فقال: من أي بني هاشم ؟ فقلت: من نقبائهم، فقال: أريد اكثر من هذا، فقلت: ما عندي اكثر من هذا. فقال: اخبرك عن هذه، اني اشتريتها من أقصى المغرب، فلقيتني أمرأة من أهل الكتاب، فقالت: من هذه الوصيفة معك ؟ فقلت: اشتريتها لنفسي، فقالت: ما ينبغي أن تكون عند مثلك، ان هذه الجارية ينبغي ان تكون عند خير أهل الارض، فلا تلبث عنده إلا قليلا حتى تلد منه غلاما يدين له شرق الارض وغربها قال: فاتيته بها، فلم تلبث عنده إلا قليلا حتى ولدت له عليا (2).
3 - روي: أن الامام الكاظم (عليه السلام) قال: لاصحابه والله ما اشتريت هذه الجارية إلا بأمر من الله ووحيه، وسئل عن ذلك، فقال: بينما أنا نائم إذ أتاني جدي وأبي، ومعهما قطعة حرير، فنشراها، فإذا قميص فيه صورة هذه الجارية،
(1) عيون أخبار الرضا 1 / 14 - 15. (2) عيون أخبار الرضا 1 / 17 - 18 أصول الكافي 1 / 487، كشف الغمة 3 / 102. (*)
[ 21 ]
فقالا: يا موسى ليكونن لك من هذه الجارية خير أهل الارض بعدك، ثم أمرني أبي إذا ولد لي ولد أن أسميه عليا، وقالا: إن الله عزوجل سيظهر به العدل والرحمة، طوبى لمن صدقه، وويل لمن عاداه وجحده (1). هذه بعض الروايات التي قيلت في كيفية زواج الامام موسى (عليه السلام) بهذه السيدة الكريمة، وقد حباها بخالص الحب، واصفاه، وكانت تنعم بالاكبار والتقدير في بيته. إسمها: اما اسم هذه السيدة الزكية فقد اختلفت فيه أقوال الرواة، وهذه بعضها: 1 - تكتم: وذهب كثير من المؤرخين إلى ان اسمها تكتم، وفي ذلك يقول الشاعر في مدحه للامام (عليه السلام): ألا ان خير الناس نفسا ووالدا * ورهطا وأجدادا علي المعظم اتتنا به للعلم والحلم ثامنا * إماما يؤدي حجة الله تكتم (2) وهذا الاسم عربي تسمى به السيدات من نساء العرب، وفيه يقول الشاعر: طاف الخيالان فزادا سقما * خيال تكنى وخيال تكتما (3) 2 - الخيزران (4). 3 - أروى (5).
4 - نجمة (6). 5 - أم البنين (7) والظاهر أنه كنية لها. هذه بعض الاقوال التي قيلت في اسمها، وليس في تحقيق ما هو الصحيح منها
(1) الدر النظيم في مناقب الائمة ليوسف بن حاتم الشافعي من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين تسلسل 2879 ورقة 210. (2) عيون أخبار الرضا 1 / 15 وجاء فيه أنه نسب قوم هذا الشعر إلى عم أبي ابراهيم بن العباس، ولم اروه، وما لم يقع به رواية ولا سماع فاني لا احققه ولا ابطله. (3) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 80. (4) تذكرة الخواص (ص 361) بحر الانساب (ص 28) البحار 12 / 2. (5) الصراط السوي للشيخاني القادري ورقة 169 مصور، نور الابصار ص 138. (6) كشف الغمة 3 / 102. (7) الارشاد (ص 342). (*)
[ 22 ]
بذي فائدة على القراء. تقواها: وكانت هذه السيدة الزكية من العابدات، فقد اقبلت على طاعة الله اقبالا شديدا، فقد تأثرت بسلوك زوجها الامام الكاظم (عليه السلام) إمام المتقين والمنيبين إلى الله تعالى، وكان من مظاهر عبادتها أنها لما ولدت الامام الرضا (عليه السلام) قالت: اعينوني بمرضعة، فقيل لها: أنقص الدر ؟ قالت: ما اكذب: ما نقص الدر، ولكن علي ورد من صلاتي وتسبيحي (1) أرأيتم هذه النفس الملائكية التي هامت بحب الله، وانقطعت إليه فقد طلبت أن يعاونوها على ارضاع ولدها لانه يشغلها عن اورادها من الصلاة والتسبيح.
الوليد العظيم: وأشرقت الارض بمولد الامام الرضا (عليه السلام)، فقد ولد خير أهل الارض، واكثرهم عائدة على الاسلام، وسرت موجات من السرور والفرح عند آل النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد استقبل الامام الكاظم النبأ بهذا المولود المبارك بمزيد من الابتهاج، وسارع إلى السيدة زوجته يهنيها بوليدها قائلا: " هنيئا لك يا نجمة كرامة لك من ربك.. " وأخذ وليده المبارك، وقد لف في خرقة بيضاء، وأجرى عليه المراسم الشرعية، فاذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنكه به، ثم رده إلى أمه، وقال لها: " خذيه فانه بقية الله في أرضه.. " (2). لقد استقبل سليل النبوة أول صورة في دنيا الوجود، صورة أبيه امام المتقين، وزعيم الموحدين، وأول صوت قرع سمعه هو: " الله اكبر ". " لا اله إلا الله ". وهذه الكلمات المشرقة هي سر الوجود، وأنشودة المتقين.
(1) عيون أخبار الرضا 1 / اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 80. (2) كشف الغمة 3 / 88، عيون اخبار الرضا 1 / 18. (*)
[ 23 ]
وسمى الامام الكاظم (عليه السلام) وليده المبارك باسم جده الامام امير المؤمنين علي (عليه السلام)، تبركا وتيمنا بهذا الاسم الذي يرمز لاعظم شخصية خلقت في دنيا الاسلام، والتي تحلت بجميع فضائل الدنيا. القابه:
ولقب الامام الرضا (عليه السلام) بكوكبة من الالقاب الكريمة، وكل لقب منها يرمز إلى صفة من صفاته الكريمة، وهذه بعضها: 1 - الرضا: واختلف المؤرخون والرواة في الشخص الذي اضفى على الامام (عليه السلام) هذا اللقب الرفيع، حتى غلب عليه، وصار اسما يعرف به، بعض الاقوال: أ - المأمون: وذهب فريق من المؤرخين إلى أن المأمون هو الذي منحه هذا اللقب (1) لانه رضي به، وجعله ولي عهده (2)، وقد فند الامام الجواد (عليه السلام) ذلك أمام جماعة من أصحابه وقال: " إن الله تبارك وتعالى سمى ما ترضاه، لانه كان رضى لله عزوجل في سمائه، ورضى لرسوله، والائمة من بعده صلوات الله عليهم... ". فقال له البزنطي: " ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضى لله عزوجل ولرسوله، والائمة بعده ؟ " " بلى... ". " لم سمي أبوك من بينهم بالرضا ؟... ". " لانه رضي به المخالفون من اعدائه، كما رضي به الموافقون من اوليائه، ولم يكن ذلك لاحد من آبائه، فلذلك سمي من بينهم بالرضا... " (3).
(1) تاريخ أبي الفداء 2 / 24، تأريخ ابن الاثير 5 / 183. (2) البحار 12 / 4. (3) علل الشرايع، اعلام الورى البحار 12 / 2. (*)
[ 24 ]
ب - الامام موسى: وذهب بعض الرواة إلى ان الامام موسى الكاظم (عليه السلام) هو الذي اضفى على ولده هذا اللقب، فقد روى سليمان بن حفص قال: كان موسى بن جعفر سمى ولده عليا الرضا، وكان يقول: ادعو لي ولدي الرضا، وقلت: لولدي الرضا، وقال لي: ولدي الرضا، وإذا خاطبه قال: يا أبا الحسن (1). هذه بعض الاقوال في منحه بهذا اللقب الكريم، وقد علل أحمد البزنطي السبب الذي من أجله لقب بالرضا قال: " انما سمي الرضا لانه كان رضى لله تعالى في سمائه، ورضى لرسوله والائمة بعده في أرضه " (3). 2 - الصابر (3): وانما لقب بذلك لانه صبر على المحن والخطوب التي تلقاها من خصومه واعدائه. 3 - الزكي (4): لقد كان الامام الرضا (عليه السلام) من أزكياء البشر، ومن نبلائهم وأشرافهم. 4 - الوفي (5): اما الوفاء فهو عنصر من عناصر الامام، وذاتي من ذاتياته، فقد كان وفيا لامته ووطنه. 5 - سراج الله (6): لقد كان الامام سراجا لله يهدي الضال، ويرشد الحائر. 6 - قرة عين المؤمنين (7): ومن القابه الكريمة انه كان قرة عين المؤمنين: فقد كان زينا وفخرا لهم،
(1) البحار 12 / 3.
(2) البحار 12 / 3. (3) جوهرة الكلام في مدح السادة الاعلام (ص 143). (4) الصراط السوي ورقة 199. (5) تذكرة الخواص (ص 361) الدر النظيم ورقة 210. (6) الدر النظيم ورقة 210. (7) الدر النظيم ورقة 210. (*)
[ 25 ]
وكهفا وحصنا لهم. 7 - مكيدة الملحدين (1): وانما لقب بذلك لانه ابطل شبه الملحدين، وفند أوهامهم، وذلك في مناظراته التي اقيمت في البلد العباسي، والتي اثبت فيها اصالة القيم والمبادئ الاسلامية. 8 - الصديق (2): فقد كان (عليه السلام) كيوسف الصديق الذي ملك مصر، فقد تزعم جميع انحاء العالم الاسلامي، وكانت له الولاية المطلقة عليه. 9 - الفاضل (3): وهو أفضل انسان، واكملهم في عصره، ولهذه الظاهرة لقب بالفاضل. هذه بعض الالقاب الكريمة التي لقب بها وهي تنم عن سمو شخصيته وعظيم شأنه. كنيته: واعتاد أئمة أهل البيت عليهم السلام بتكنية ابنائهم منذ صغرهم وهذا من محاسن التربية الاسلامية الهادفة إلى ازدهار الشخصية، واشعار الطفل بان له مكانة عند أهله، وقد كني الامام الرضا (عليه السلام) بما يلي: 1 - أبو الحسن: كناه بذلك أبوه الامام موسى الكاظم (عليه السلام) (4) فقد قال (عليه السلام)
لعلي بن يقطين: يا على هذا ابني - واشار إلى الامام الرضا - سيد ولدي، وقد نحلته كنيتي (5). لقد كان الامام الكاظم يكنى بأبي الحسن، ولما كانت هذه الكنية مشتركة بينهما قيل للامام الكاظم أبي الحسن الماضي وللامام الرضا ابي الحسن الثاني، وذلك للتفرقة بين الكنيتين. 2 - أبو بكر: وهذه الكنية نادرة، ولم يعرف بها إلا نادرا فقد روى أبو الصلت الهروي قال:
(1) بحار الانوار 12 / 4. (2) بحار الانوار 12 / 4. (3) بحار الانوار 12 / 4. (4) بحار الانوار 12 / 3. (5) بحار الانوار. (*)
[ 26 ]
سألني المأمون يوما عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكر: كذا وكذا، فقال المأمون: من هو أبو بكر ؟ أبوبكرنا، أبو بكر العامة ؟ قلت، أبوبكرنا. قال عيسى: قلت لابن الصلت من هو أبوبكركم ؟ فقال: علي بن موسى، كان يكنى بها (1). سنة ولادته: واختلف المؤرخون اختلافا كثيرا في السنة التي ولد فيها الامام الرضا (عليه السلام)، وكذلك اختلفوا في الشهر الذي ولد فيه، وهذه بعض ما أثر عنهم: 1 - انه ولد سنة 147 ه (2). 2 - ولد سنة 148 ه (3) وهذا هو المشهور بين الرواة. 3 - ولد سنة 150 ه (4). (4) ولد سنة 151 ه (5).
5 - ولد سنة 153 ه (6) وهي السنة التي توفي فيها جده الصادق (7). هذه بعض الاقوال في سنة ولادته، وقد اختلف المؤرخون ايضا في الشهر الذي ولد فيه، وهذه بعض أقوالهم: 1 - أنه ولد يوم الخميس أو ليلة الخميس لاحد عشر ليلة خلت من ربيع الاول (8).
(1) مقاتل الطالبيين (ص 561). (2) نور الابصار (ص 138). (3) غاية الاختصار (ص 148)، بحر الانساب (ص 28)، اصول الكافي 1 / 486، الارشاد (ص 341)، الدر المسلوك ورقة 139 مصور، اخبار الدول (ص 114)، جوهرة الكلام (ص 143)، مصباح الكفعمي، روضة الواعظين، مرآة الجنان 2 / 11. (4) المجد دون في الاسلام (ص 87). (5) سر السلسة العلوية (ص 38). (6) الدر النظيم ورقة 153 كشف الغمة، دائرة معارف القرن العشرين 6 / 665. (7) اعيان الشيعة 4 / ق / 77 - 78، وفي الارشاد أنه ولد بعد وفاة جده الامام الصادق (عليه السلام) بخمس سنين، وكذلك جاء في الدر النظيم ورقة 210. (8) كشف الغمة 3 / 87. (*)
[ 27 ]
2 - ولد في ذي القعدة (1) في الحادي عشر منه يوم الخميس (2). 3 - ولد في شوال في السابع منه وقيل ثامنه، وقيل سادسه (3). هذه بعض الاقوال التي ادلى بها المؤرخون والرواة صفته: وذهب كثير من المؤرخين إلى أن الامام (عليه السلام) كان اسمر شديد السمرة (4) وقيل انه كان ابيض معتدل القامة (5) وانه كان شديد الشبه بجده
رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6). وكما شابه جده في ملامحه، فقد شابهه في مكارم أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين. هيبته: أما هيبة الامام أبي محمد فكانت تعنو لها الجباه فقد بدت عليه هيبة الانبياء والاوصياء الذين كساهم الله بنوره، وما رآه أحد إلا هابه، وكان من هيبته أنه إذا جلس للناس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هيبته (7). ويقول الرواة: إنه إذا جاء إلى المأمون بادره الحجاب والخدم بين يديه، ورفعوا له الستر، ولما بلغهم أن المأمون يريد أن يبايع له بولاية العهد تواصوا على أنه إذا جاء لا يصنعون له الحفاوة والتكريم الذي كانوا يصنعونه، وجاء الامام على عادته فأخذتهم هيبته وبادروا إلى تكريمه كما كانوا يصنعون، وتلاوموا فيما بينهم وأقسموا أنه إذا عاد لا يقابلوه بذلك التكريم ولما جاء (عليه السلام) في اليوم الثاني قاموا إليه وسلموا عليه إلا انهم لم يرفعوا له الستر، فجاءت ريح فرفعته كعادته، ولما اراد الخروج ايضا رفعت الريح الستر، فقال بعضهم لبعض: إن لهذا الرجل شأنا ولله به عناية ارجعوا إلى خدمتكم (8).
(1) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 77. (2) الدر المسلوك ؟ ؟ ورقة 139. (3) مرآة الجنان 2 / 12. (4) اخبار الدول (ص 114). (5) الصراط السوي في مناقب آل النبي للشيخاني القادري ورقة 199. (6) الدر النظيم ورقة 210. (7) حياة الامام الجواد.
(8) اخبار الدول (ص 114) جوهرة الكلام (ص 145)، الاتحاف بحب الاشراف (ص 58). (*)
[ 28 ]
إن لائمة أهل البيت (عليهم السلام) شأنا ومكانة عند الله تعالى فهو يؤيدهم، ويسددهم بما يسدد به انبياءه ورسله. نقش خاتمه: أما النقش على الخاتم وما رسم عليه من كلمات فانه - على الاكثر - يمثل اتجاهات الشخص وميوله، وقد وسم على خاتم الامام الرضا (عليه السلام) ما يلي: " ولي الله " (1). وله خاتم آخر قد نقش عليه: " العزة لله " (2). وهذه النقوش تمثل مدى انقطاعه إلى الله تعالى، وتمسكه به. نشأته: نشأ الامام الرضا (عليه السلام) في بيت من أجل البيوت وارفعها في الاسلام، انه بيت الامامة، ومركز الوحي ذلك البيت الذي اذن الله ان يرفع، ويذكر فيه اسمه في هذا البيت العريق ترعرع الامام الرضا ونشأ وقد سادت فيه ارقى وأسمى الوان التربية الاسلامية الرفيعة، فكان الصغير يحترم ويبجل الكبير، والكبير يعطف على الصغير، كما سادت فيه الآداب الرفيعة، والاخلاق الكريمة ولا تسمع فيه إلا تلاوة كتاب الله، والحث على العمل الصالح وما يقرب الانسان من ربه. وقد اكد علماء التربية على أن البيت من أهم العوامل في تكوين الشخص، وبناء سلوكه، فان كان البيت تسوده المحبة والالفة، والعادات الرفيعة والتقاليد الحسنة، ويجتنب فيه هجر الكلام ومره، فان الطفل ينشأ نشأة سليمة وبعيدة عن التعقيد، وازدواج الشخصية، وان كان البيت مصابا بالانحراف والشذوذ، وتنتشر فيه البغضاء والكراهية، فان الطفل حتما يمنى بالتعقيد، والجنوح، والانحراف. اما البيت الذي نشأ فيه الرضا (عليه السلام) فهو من أعز البيوت وأمنعها في
دنيا الاسلام، فقد كان مركزا من مراكز الفضيلة، ومنبعا للاخلاق الكريمة، وقد انجب خيرة البشر وأئمة الحق والعدل في الاسلام ويضاف إلى البيت في تكوين
(1) الدر المسلوك ورقة 139، البحار 12 / 4. (2) الدر النظيم ورقة 210. (*)
[ 29 ]
الشخص البيئة التي نشأ فيها الشخص، وكانت البيئة التي عاش فيها الامام الرضا (عليه السلام) تضم خيرة الرجال، وخيرة العلماء الذين ينتهلون من غير علوم ابيه الامام موسى بن جعفر (عليه السلام). إن جميع عوامل التربية الرفيعة، ومكوناتها الفكرية توفرت للامام ارضا (عليه السلام)، فنشأ في اطارها كما نشأ آباؤه العظام الذين هم من ذخائر الاسلام. سلوكه: اماسلوك الامام الرضا (عليه السلام) فقد كان انموذجا رائعا لسلوك آبائه الذين عرفوا بنكران الذات، والتجرد عن كل نزعة لا تمت إلى الحق والواقع بصلة. لقد تميز سلوك الامام الرضا (عليه السلام) بالصلابة للحق، ومناهضة الباطل، فقد كان يأمر المأمون العباسي بتقوى الله تعالى، وينعي عليه تصرفاته التي لا تتفق مع واقع الدين، وقد ورم أنف المأمون من ذلك وضاق منه ذرعا فقدم على اقتراف افظع جريمة وهي اغتيال الامام (عليه السلام) كما سنوضح ذلك في غضون هذا الكتاب. وكان سلوكه مع أهل بيته وأخوانه مثالا آخر للصرامة في الحق، فمن شذ منهم في تصرفاته عن احكام الله تعالى جافاه وابتعد عنه، وقد حلف أن لا يكلم أخاه زيدا حتى يلقى الله تعالى حينما اقترف ما خالف شريعة الله. أما سلوكه مع ابنائه فقد تميز بأروع الوان التربية الاسلامية خصوصا مع ولده
الامام الجواد (عليه السلام)، فكان لا يذكره باسمه، وانما كان يكنيه، يقول: كتب إلي جعفر، كنت كتبت إلى أبي جعفر (1) كل ذلك لتنمية روح العزة والكرامة في نفسه.
(1) معجم رجال الحديث 14 / 283. (*)
[ 31 ]
عناصره النفسية اما عناصر الامام الرضا (عليه السلام) ومكوناته النفسية فكانت ملتقى للفضيلة بجميع ابعادها وصورها، فلم تبق صفة شريفة يسمو بها الانسان الا وهي من ذاتياته ؟ ؟، ومن نزعاته، فقد وهبه الله كما وهب آباءه العظام بكل مكرمة، وحباه بكل شرف وجعله علما لامة جده، يهتدي به الحائر، ويرشد به الضال، وتستنير به العقول.. وهذه بعض خصاله، وعناصر مكارم أخلاقه: أما أخلاق الامام الرضا (عليه السلام) فانها نفحة من اخلاق جده الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) الذي امتاز على سائر النبيين بهذه الظاهرة الكريمة، فقد استطاع (صلى الله عليه وآله) بسمو اخلاقه أن يطور حياة الانسان، وينقذه من أوحال الجاهلية الرعناء، وقد حمل الامام الرضا (عليه السلام) أخلاق جده، فكانت من أهم عناصره، انظروا ما يقوله ابراهيم بن العباس عن مكارم اخلاقه يقول: " ما رأيت، ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، ما جفا احدا قط ولا قطع على أحد كلامه، ولا رد أحدا عن حاجة، وما مد رجليه بين جليسه، ولا اتكأ قبله، ولا شتم مواليه، ومماليكه، ولا قهقه في ضحكة، وكان يجلس على مائدته ومماليكه ومواليه قليل النوم بالليل، يحيي اكثر لياليه من أولها إلى آخرها كثير المعروف والصدقة واكثر ذلك في الليالي المظلمة " (1). وحكمت هذه الكلمات ما اتصف به الامام من مكارم الاخلاق وهي:
أ - انه لم يجفو أي أحد من الناس سواء أكانوا من احبائه أم من أعدائه، وانما كان يقابلهم ببسمات فياضة بالبشر.
(1) حياة الامام محمد الجواد (ص 37). (*)
[ 32 ]
ب - انه لم يقطع على أي أحد كلامه، وانما يتركه حتى يستوفي حديثه. ج - من معالي اخلاقه انه لم يمد رجليه بين جليسه وانما يجلس متأدبا. د - انه لم يتكئ قبل جليسه، وانما يتكئ بعده، مراعاة له. ه - إنه لم يشتم أي أحد من مماليكه ومواليه، وان اساءوا له. و - انه لم يترفع على مواليه ومماليكه، وكان يجلس معهم على مائدة الطعام. ز - انه كان كثير العبادة، وكان ينفق لياليه بالصلاة وتلاوة كتاب الله. ح - انه كان كثير المعروف والصدقة، على الفقراء وكان اكثر ما يتصدق عليهم في الليالي المظلمة لئلا يعرفه أحد. هذه بعض مكارم آخلاقه التي شاهدها ابراهيم بن العباس، ومن معالي أخلاقه انه كما تقلد ولاية العهد التي هي أرقي منصب في الدولة الاسلامية لم يأمر أحد من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وانما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، ويقول الرواة: إنه احتاج إلى الحمام فكره أن يأمر أحدا بتهيئته له، ومضى إلى حمام في البلد لم يكن صاحبه يظن أن ولي العهد يأتي إلى الحمام في السوق فيشغل فيه، وانما حمامات الملوك في قصورهم. ولما دخل الامام الحمام كان فيه جندي، فازال الامام عن موضعه، وأمره أن يصب الماء على رأسه، ففعل الامام ذلك، ودخل الحمام رجل كان يعرف الامام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فذعر الجندي، ووقع على الامام يقبل أقدامه، ويقول له متضرعا " يابن رسول الله ! هلا عصيتني إذ أمرتك ؟ ".
فتبسم الامام في وجهه وقال له، برفق ولطف: " إنها لمثوبة وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه " (1). ومن سمو اخلاقه أنه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السايس والبواب (2) وقد اعطى بذلك درسا لهم، لقاء التمايز بين الناس وانهم جميعا على صعيد واحد، ويقول ابراهيم بن العباس: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: حلفت بالعتق، ولا احلف بالعتق الا أعتقت رقبة، وأعتقت بعدها جميع ما املك، ان كان
(1) نور الابصار (ص 138)، عيون التواريخ 3 / 227 مصور. (*)
[ 33 ]
يرى أنه خير من هذا، وأومأ إلى عبد أسود من غلمانه، إذا كان ذلك بقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أن يكون له عمل صالح فأكون افضل به منه (1) وقال له رجل: والله ما على وجه الارض أشرف منك أبا. فقال (عليه السلام): التقوى شرفتهم، وطاعة الله احفظتهم. وقال له شخص آخر: " أنت والله خير الناس... " فرد عليه قائلا: لاتحاف يا هذا خير مني من كان أتقى الله عزوجل، وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم " (2). وأثر عنه من الشعر في ذلك قوله: لبست بالعفة ثوب الغنى * وصرت أمشي شامخ الرأس لست إلى النسناس مستأنسا * لكننى آنس بالناس (3) إذا رأيت التيه من ذي الغنى * تهت على التائه بالياس (4) ما ان تفاخرت على معدم * ولا تضعفت لافلاس (5) ودلل هذا الشعر على سمو مكارم الامام (عليه السلام) التي هي ملء فم
الدنيا، والتي هي موضع الاعتزاز والفخر للمسلمين. زهده: ومن ذاتيات الامام الرضا (عليه السلام) وعناصره الزهد في الدنيا، والاعراض عن مباهجها وزينتها، وقد تحدث عن زهده محمد بن عباد قال: كان جلوس الرضا على حصيرة في الصيف، وعلى مسح (6) في الشتاء، ولباسه الغليظ من
(1) البحار 12 / 28. (2) البحار 12 / 28. (3) النسناس: دابة وهمية على شكل الانسان. (4) التيه: الكبر. (5) المناقب 4 / 361. (1) (6) المسح: الكساء من الشعر. (*)
[ 34 ]
الثياب حتى إذا برز الناس تزيأ (1). ويقول الرواة: إنه التقى به سفيان الثوري، وكان الامام قد لبس ثوبا من خز، فانكر عليه ذلك وقال له: لو لبست ثوبا ادنى من هذا ؟ فأخذ الامام (عليه السلام) يده برفق، وادخلها في كمه فإذا تحت ذلك الثوب مسح، وقال (عليه السلام) له: " يا سفيان الخز للخلق، والمسح للحق... " (2). لقد كان الزهد من ابرز الذاتيات في خلق الامام الرضا (عليه السلام) ومن اظهر مكوناته النفسية، ويجمع الرواة انه حينما تقلد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة، ولم يقم لها أي وزن ولم يرغب في أي موكب رسمي، وكره مظاهر العظمة التي يقيمها الناس لملوكهم. سخاؤه: ولم يكن شئ في الدنيا أحب إلى الامام الرضا (عليه السلام) من الاحسان
إلى الناس والبر بالفقراء، وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من جوده واحسانه كان منها ما يلي: 1 - انه انفق جميع ما عنده على الفقراء حينما كان في خراسان، وذلك في يوم عرفة فانكر عليه الفضل بن سهل، وقال له: " إن هذا المغرم... " فأجابه الامام: " بل هو المغنم لا تحدث مغرما ما ابتغيت به أجرا وكرما " (3). انه ليس من المغرم في شئ صلة الفقراء والاحسان إلى الضعفاء ابتغاء مرضاة الله تعالى، وانما المغرم هو الانفاق بغير وجه مشروع كانفاق الملوك والوزراء الاموال الطائلة على المغنيين والعابثين. 2 - ووفد عليه رجل فسلم عليه، وقال له: أنا رجل من محبيك ومحبي آبائك، ومصدري من الحج، وقد نفذت نفقتي، وما معي ما أبلغ مرحلة، فان رأيت أن
(1) عيون اخبار الرضا 2 / 178، المناقب 4 / 361. (2) حياة الامام محمد الجواد (ص 39). (3) حياة الامام محمد الجواد (ص 40). (*)
[ 35 ]
ترجعني إلى بلدي، فإذا بلغت تصدقت بالذي تعطيني عنك، فقال له: اجلس رحمك الله واقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري، وحيثمة، فاستأذن الامام منهم ودخل الدار ثم خرج ورد الباب وخرج من اعلى الباب، وقال: أين الخراساني، فقام إليه فقال (عليه السلام) له: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤنتك ونفقتك، ولا تتصدق بها عني، وانصرف الرجل مسرورا قد غمرته نعمة الامام، والتفت إليه سليمان فقال له: " جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه.. ".
فاجابه (عليه السلام): انما صنعت ذلك " مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) " المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول... " أما سمعت قول الشاعر: متى آته يوما لاطلب حاجة * رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه (1) 3 - ومن سخائه أنه إذا أتي بصفحة ؟ ؟ طعام عمد إلى أطيب ما فيها من طعام، ووضعه في تلك الصفحة ثم يأمر بها إلى المساكين، ويتلو هذه الآية (فلا اقتحم العقبة) ثم يقول: علم الله عزوجل أن ليس كل انسان يقدر على عتق رقبة فجعل له السبيل إلى الجنة (2). 4 - ومن بوادر جوده وكرمه أن فقيرا قال له: " أعطني على قدر مروتك... " فاجابه الامام: " لا يسعني ذلك.. " والتفت الفقير إلى خطأ كلامه فقال ثانيا: " اعطني على قدر مروتي.. ". وقابله الامام ببسمات فياضة بالبشر قائلا: " اذن نعم.. " وأمر له بمائتي دينار (3) ان مروءة الامام لا تعد فلو اعطاه جميع ما عنده فان ذلك
(1) البحار 12 / 28. (2) البحار 12 / 28. (3) المناقب 4 / 361. (*)
[ 36 ]
ليس على قدر مروءته ورحمته التي هي امتداد لمروءة جده الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله). 5 - ومن معالي كرمه ما رواه أحمد بن عبيدالله عن الغفاري، قال: كان لرجل من آل أبي رافع، مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، علي حق فتقاضاني، والح علي، فلما رأيت ذلك صليت الصبح في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم توجهت نحو الامام الرضا (عليه السلام) وكان في العريض، فلما قربت من بابه خرج وعليه قميص ورداء فلما نظرت إليه، إستحييت منه، ووقف لما رآني فسلمت عليه وكان ذلك في شهر رمضان، فقلت له: جعلت فداك لمولاك علي - فلان - علي حق، شهرني، فأمرني بالجلوس حتى يرجع فلم أزل في ذلك المكان حتى صليت المغرب، وأنا صائم وقد مضى بعض الوقت فهممت بالانصراف، فإذا الامام قد طلع وقد احاط به الناس، وهو يتصدق على الفقراء والمحوجين، ومضيت معه حتى دخل بيته، ثم خرج فدعاني فقمت إليه، وأمرني بالدخول إلى منزله فدخلت، واخذت أحدثه عن أمير المدينة فلما فرغت من حديثي قال لي: ما أظنك أفطرت بعد، قلت: لا فدعاني بطعام، وأمر غلامه أن يتناول معي الطعام ولما فرغت من الافطار أمرني أن ارفع الوسادة، وآخذ ما تحتها فرفعتها فإذا دنانير فوضعتها في كمي، وأمر بعض غلمانه أن يبلغوني إلى منزلي، فمضوا معي، ولما صرت إلى منزلي دعوت السراج ونظرت إلى الدنانير فإذا هي ثمانية واربعون دينارا، وكان حق الرجل علي ثمانية وعشرين دينارا، وقد كتب على دينار منها ان حق الرجل عليك ثمانية وعشرين دينارا، وما بقي فهو لك (1). هذه بعض بوادر كرمه، وهي تنم عن نفس خلقت للاحسان والبر والمعروف. تكريمه للضيوف: كان (عليه السلام) يكرم الضيوف، ويغدق عليهم بنعمه واحسانه وكان يبادر بنفسه لخدمتهم، وقد استضافه شخص، وكان الامام يحدثه في بعض الليل فتغير
السراج فبادر الضيف لاصلاحه فوثب الامام، واصلحه بنفسه، وقال لضيفه: انا قوم لا نستخدم اضيافنا (2).
(1) البحار 12 / 28. (2) البحار 12 / 18. (*)
[ 37 ]
عتقه للعبيد: ومن احب الامور إلى الامام الرضا (عليه السلام) عتقه للعبيد، وتحريرهم من العبودية، ويقول الرواة: انه اعتق الف مملوك (1). احسانه إلى العبيد: وكان الامام (عليه السلام) كثير البر والاحسان إلى العبيد، وقد روى عبد الله بن الصلت عن رجل من أهل (بلخ)، قال: كنت مع الامام الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان فدعا يوما بمائدة فجمع عليها مواليه، من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة فانكر عليه ذلك وقال له: " ان الرب تبارك وتعالى واحد، والام واحدة، والجزاء بالاعمال... " (2). ان سيرة ائمة اهل البيت (عليهم السلام) كانت تهدف إلى الغاء التمايز بالتقوى والعمل الصالح. علمه: والشئ البارز في شخصية الامام الرضا (عليه السلام) هو احاطته التامة بجميع انواع العلوم والمعارف، فقد كان باجماع المؤرخين والرواة اعلم اهل زمانه، وافضلهم وادراهم باحكام الدين، وعلوم الفلسفة والطب وغيرها من سائر العلوم، وقد تحدث عبد السلام الهروي عن سعة علومه، وكان مرافقا له يقول: " ما رأيت اعلم من علي بن موسى الرضا، ما رآه عالم إلا شهد له بمثل
شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عددا من علماء والاديان، وفقهاء الشريعة، والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم احد الا اقر له بالفضل، واقر له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته يقول: كنت اجلس في (الروضة) والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا عي الواحد منهم عن مسألة اشاروا الي باجمعهم، وبعثوا الي المسألة فاجيب عنها.. " (3).
(1) الاتحاف ؟ ؟ بحب الاشراف (ص 58). (2) البحار 12 / 18. (3) كشف الغمة 3 / 107. (*)
[ 38 ]
لقد كان الامام اعلم اهل زمانه، كما كان المرجع الاعلى في العالم الاسلامي الذي يرجع إليه العلماء والفقهاء فيما خفي عليهم من احكام الشريعة، والفروع الفقهية. ويقول ابراهيم بن العباس: " ما رأيت الرضا يسأل عن شئ قط إلا علم، ولا رأيت اعلم منه بما كان في الزمان الاول، إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شئ فيجيب... " (1). لقد كان الامام الرضا (عليه السلام) من عمالقة الفكر في الاسلام وهو ممن صنع للمسلمين حياتهم العلمية والثقافية. وقال المأمون: " ما اعلم احدا افضل من هذا الرجل (يعني الامام الرضا) على وجه الارض.. " (2). وقد دللت مناظراته في خراسان والبصرة والكوفة حيث سئل عن اعقد
المسائل، فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتخصص وقد اذعنت له جميع علماء الدنيا - في عصره - وأقروا له بالفضل والتفوق عليهم. معرفته بجميع اللغات: وظاهرة اخرى من علومه ومعرفته التامة، واحاطته الشاملة بجميع اللغات، ويدلل على ذلك ما رواه أبو اسماعيل السندي، قال: سمعت بالهند ان لله في العرب حجة، فخرجت في طلبه، فدللت على الرضا (عليه السلام) فقصدته وانا لا احسن العربية، فسلمت عليه بالسندية، فرد علي بلغتي، فجعلت اكلمه بالسندية، وهو يرد علي بها، وقلت له: اني سمعت ان لله حجة في العرب، فخرجت في طلبه، فقال (عليه السلام): انا هو، ثم قال لي: سل عما اردته فسألته عن مسائل فأجابني عنها بلغتي (3) (عليه السلام) وقد اكد هذه الظاهرة الكثيرون ممن اتصلوا بالامام، يقول أبو الصلت الهروي: كان الرضا (عليه السلام) يكلم الناس بلغاتهم، فقلت له: في ذلك فقال:
(1) عيون اخبار الرضا 2 / 180، الامام الجواد (ص 42)، الاتحاف بحب الاشراف. (2) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / (3) البحار 12 / 15. (*)
[ 39 ]
" يا ابا الصلت انا حجة الله على خلقه، وما ان الله ليتخذ حجة على قوم، وهو لا يعرف لغاتهم، أو ما بلغك قول امير المؤمنين (عليه السلام): اوتينا فصل الخطاب، وهل هو الا معرفته اللغات. (1). وروى ياسر الخادم قال: كان لابي الحسن (عليه السلام) في البيت صقالبة، وروم، وكان أبو الحسن قريبا منهم فسمعهم يتكلمون بالصقلبية والرومية، ويقولون: انا كنا نقصد كل سنة في بلادنا، ولا نقصد ها هنا، ولما كان من الغد بعث إليهم من
يقصدهم (2) ونظم هذه الظاهرة الشيخ محمد بن الحسن الحر في ارجوزته يقول: وعلمه بجملة اللغات * من اوضح الاعجاز والايات (3) الملاحم والاحداث: واخبر الامام الرضا (عليه السلام) عن كثير من الملاحم والاحداث قبل وقوعها، وتحققت بعد ذلك على الوجه الاكمل الذي اخبر به، وهي تؤكد - بصورة واضحة - اصالة ما تذهب إليه الشيعة من ان الله تعالى قد منح ائمة اهل البيت (عليهم السلام) المزيد من الفضل والعلم، كما منح رسله، ومن بين ما اخبر به ما يلي: 1 - روى الحسن بن بشار قال: قال الرضا: ان عبد الله - يعني المأمون - يقتل محمدا - يعني الامين - فقلت له: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون، قال نعم: عبد الله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد... وكان يتمثل بهذا البيت: وان الضغن بعد الضغن يفشو * عليك، ويخرج الداء الدفينا (4) ولم تمض الايام حتى قتل المأمون اخاه الامين وسنعرض لذلك في بحوث هذا الكتاب. 2 - ومن بين الاحداث التي اخبر عنها: إنه لما خرج محمد بن الامام الصادق بمكة، ودعا الناس إلى نفسه، وخلع بيعة المأمون، قصده الامام الرضا، وقال له: يا عم
(1) المناقب 4 / 333. (2) المناقب 4 / 334. (3) نزهة الجليس 2 / 107. (4) المناقب 4 / 335، جوهرة الكلام (ص 146). (*)
[ 40 ]
لا تكذب اباك، ولا اخاك - يعن الامام الكاظم (عليه السلام) - فان هذا الامر لا يتم، ثم خرج، ولم يلبث محمد الا قليلا حتى لا حقته جيوش المأمون بقيادة الجلودي،
فانهزم محمد ومن معه، وطلب الامان، فآمنه الجلودي، وصعد المنبر وخلع نفسه، وقال: ان هذا الامر للمأمون وليس لي فيه حق (1). 3 - روى الحسين نجل الامام موسى (عليه السلام) قال: كنا حول ابي الحسن الرضا (عليه السلام)، ونحن شبان من بني هاشم إذ مر علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رث الهيئة فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته، فقال الرضا: لترونه عن قريب كثير المال، كثير التبع، فما مضى إلا شهر ونحوه، حتى ولي المدينة وحسنت حاله (2). 4 - روى محول السجستاني قال: لما جاء البريد باشخاص الامام الرضا (عليه السلام)، إلى خراسان كنت انا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فودعه مرارا كل ذلك يرجع إلى القبر، ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، فيرد السلام، وهنأته، فقال: ذرني فاني اخرج من جوار جدي، فأموت في غربة، وادفن في جنب هارون، قال: فخرجت متبعا طريقه، حتى وافى خراسان فاقام فيها وقتا ثم دفن بجنب هارون (3). وتحقق ما اخبر به فقد مضى إلى خراسان، ولم يعد منها واغتاله المأمون العباسي، ودفن إلى جانب هارون. 5 - روى صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو ابراهيم - يعني الامام الكاظم (عليه السلام) - وتكلم أبو الحسن الرضا (عليه السلام) خفنا عليه فقيل له: انك قد اظهرت امرا عظيما، وانا نخاف عليك هذا الطاغية - يعني هارون - فقال (عليه السلام) ليجهد جهده فلا سبيل له علي (4). وتحقيق ذلك فان هارون لم يعرض له بسوء، وقد اكد الامام هذا المعنى لبعض اصحابه، فقد روى محمد بن سنان قال: قلت: لابي الحسن الرضا في ايام هارون
(1) البحار 12 / 13. (2) الفصول المهمة (ص 229)، بحار الانوار 12 / 13.
(3) الاتحاف بحب الاشراف (ص 59)، أخبار الدول (ص 114). (4) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 97. (*)
[ 41 ]
انك قد شهدت نفسك بهذا الامر، وجلست مجلس ابيك، وسيف هارون مقطر الدم - اي من دماء اهل البيت وشيعتهم - فقال (عليه السلام): جرأني على هذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان اخذ ابو جهل من رأسي شعرة، فاشهدوا أني لست بنبي، وانا اقول لكم: ان أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بامام (1). لقد اعلن (عليه السلام) غير مرة ان هارون لا يعرض له بسوء، وأنه يدفن إلى جانب هارون، فقد روى حمزة بن جعفر الارجاني خرج هارون من المسجد الحرام من باب، وخرج علي الرضا من باب فقال (عليه السلام): " يا بعد الدار وقرب الملتقى ان طوس ستجمعني واياه " (2). واكد الامام دفنه بالقرب من هارون في كثير من الاحاديث فقد روى موسى بن هارون قال: رأيت عليا الرضا في مسجد المدينة، وهارون الرشيد يخطب، قال (عليه السلام): تروني واياه ندفن في بيت واحد (3). 6 - ومن بين الاحداث التي اخبر عنها انه اخبر عن نكبة البرامكة، فقد روى مسافر قال: كنت مع ابي الحسن علي الرضا، فمر يحيى بن خالد البرامكي، وهو مغط وجهه بمنديل من الغبار، فقال (عليه السلام): مساكين هؤلاء ما يدرون ما يحل بهم في هذه السنة. واضاف الامام قائلا: وأعجب من هذا انا وهارون كهاتين، وختم اصبعيه السبابة والوسطى. قال مسافر: فوالله ما عرفت معنى حديثه في هارون الا بعد موت الرضا، ودفنه بجانبه (4).
7 - روى محمد بن عيسى عن ابي حبيب النباجي قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام، قد وافى النباج (5) ونزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كل سنة وكأني مضيت إليه، سلمت عليه، وكان بين يديه طبق من خوص فيه تمر
(1) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 97. (2) الاتحاف بحب الاشراف (ص 59). (3) الاتحاف بحب الاشراف (ص 59). (4) الاتحاف بحب الاشراف (ص 59). (5) النباج: منزل لحجاج البصرة. (*)
[ 42 ]
صيحاني، وكأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني فعددته فكان ثماني عشر تمرة، فتأولت الرؤيا بأني اعيش بعدد كل تمرة سنة فلما كان عشرين يوما كنت في ارض تعمر لي بالزراعة، إذ جاءني من اخبرني بقدوم الرضا من المدينة ونزوله في ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه في المنام، وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه، فرد علي السلام، واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر فعددته فإذا هو بعدد ما ناولني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: زدني يابن رسول الله، فقال: لو زادك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزدناك (1). 8 - روى جعفر بن صالح قال: اتيت الرضا، فقلت: امرأتي حامل فادع الله ان يجعله ذكرا، فقال: هما اثنان، فانصرفت وقلت: اسمي احدهما محمدا، والآخر عليا، ثم اتيته فقال لي: سم واحدا عليا والآخر ام عمرو فلما قدمت الكوفة رأيتها ولدت غلاما وبنتا، فسميت الذكر عليا، والانثى ام عمرو (2). وذكر الرواة بوادر كثيرة من الملاحم والاحداث التي اخبر عنها قبل وقوعها وهي
تدلل على ما منحه الله من العلم بمجريات الاحداث الذي خص به اولياءه وعباده الصالحين. عبادته وتقواه: ومن ابرز ذاتيات الامام الرضا (عليه السلام) انقطاعه إلى الله تعالى، وتمسكه به، وقد ظهر ذلك في عبادته، التي مثلت جانبا كبيرا من حياته الروحية التي هي نور، وتقوى وورع يقول بعض جماعته: ما رأيته قط إلا ذكرت قوله تعالى: (كانوا قليلا في الليل ما يهجعون) ويقول الشبراوي عن عبادته: إنه كان صاحب وضوء وصلاة، وكان في ليله كله يتوضأ ويصلي، ويرقد وهكذا إلى الصباح (3). لقد كان الامام (عليه السلام) اتقى أهل زمانه واكثرهم طاعة لله تعالي اسمعوا ما يرويه رجاء بن أبي الضحاك عن عبادة الامام، وكان المأمون قد بعثه إلى
(1) كشف الغمة 3 / 103، جامع كرامات الاولياء 2 / 156، نور الابصار. (2) جوهرة الكلام (ص 146). (3) الاتحاف بحب الاشراف (ص 59). (*)
[ 43 ]
الامام ليأتي به إلى (خراسان)، فكان معه من المدينة المنورة إلى مرو يقول: " والله ما رأيت رجلا كان اتقى لله منه، ولا اكثر ذكرا له في جميع أوقاته منه، ولا أشد خوفا لله عزوجل، كان إذا أصبح صلى الغداة فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله، ويحمده ويكبره، ويهلله، ويصلي على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثم يقبل على الناس يحدثهم، ويعظهم إلى قرب الزوال، ثم جدد وضوءه، وعاد إلى مصلاه، فإذا زالت الشمس قام وصلى ست ركعات يقرأ في الركعة الاولى الحمد، وقل يا أيها
الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ويقرأ في الاربع في كل ركعة الحمد لله، وقل هو الله أحد، ويسلم، وفي كل ركعتين يقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يوءذن، ثم يصلي ركعتين ثم يقيم، ويصلي الظهر، فإذا سلم سبح الله وحمده، وكبره، وهلله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ويقول فيها مائة مرة شكرا " لله، فإذا رفع رأسه قام فصلى ست ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمدلله، وقل هو الله أحد، ويسلم في كل ركعتين، ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذن، ثم يصلي ركعتين ويقنت في الثانية، فإذا سلم قام وصلى العصر، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله، ويحمده، ويكبره، ويهلله، ثم يسجد سجدة يقول فيها: مائة مرة حمدا " لله، فإذا غابت الشمس، توضأ وصلى المغرب ثلاثا باذان واقامة، وقنت في الثانية، قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده، ويكبره، ويهلله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ثم يرفع رأسه، ولا يتكلم، حتى يقوم ويصلي اربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، وكان يقرأ في الاولى من هذه الاربع الحمد وقل يا ايها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله حتى يمسي، ثم يفطر، ثم يلبث حتى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثم يقوم فيصلي العشاء والا خرة اربع ركعات، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة فإذا سلم جلس في مصلاه يذكر الله عزوجل ويسبحه ويحمده ويكبره ويهلله ما شاء الله، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر ثم يأوي إلى فراشه وإذا كان الثلث الآخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير
[ 44 ]
والتهليل والاستغفار، فاستاك ثم توضأ ثم قام إلى صلاة الليل، فصلى ثمان ركعات
ويسلم في كل ركعتين، يقرأ في الاولين منها في كل ركعة الحمد وثلاثين مرة قل هو الله أحد. ويصلي صلاة جعفر بن أبي طالب اربع ركعات يسلم في كل ركعتين، ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع، ويحتسب بها من صلاة الليل، ثم يصلي الركعتين الباقيتين، يقرأ في الاولى الحمد وسورة الملك، وفي الثانية الحمد وهل اتى على الانسان، ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات، ويقنت في الثانية، ثم يقوم فيصلي الوتر ركعة يقرأ فيها الحمد، وقل هو الله أحد ثلاث مرات وقل اعوذ برب الفلق مرة واحدة، وقل اعوذ برب الناس مرة واحدة، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة ويقول في قنوته: " اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما اعطيت، وقنا شر ما قضيت، فانك تقضي ولا يقضى عليك انه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت وتعاليت... " ثم يقول: استغفر الله وأسأله التوبه سبعين مرة، فإذا سلم جلس في التعقيب ما شاء الله، وإذا قرب الفجر قام فصلى ركعتين الفجر يقرأ في الاولى الحمد وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، فإذا طلع الفجر اذن واقام وصلى الغداة ركعتين، فإذا سلم جلس في التعقيب حتى تطلع الشمس، ثم سجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار... " (1). لقد عرض هذا الحديث بالتفصيل إلى صلاة الامام الرضا (عليه السلام) المفروضة ونوافلها، وما يقرأ فيها من سور القرآن الكريم، والتعقيبات التي يؤديها معنى ذلك أنه كان في اغلب اوقاته مشغولا بعبادة الله تعالى. لقد سرى حب الله في قلب الامام، وتفاعل في عواطفه ومشاعره حتى صار عنصرا من عناصره وذاتيا من ذاتياته.
دعاؤه في قنوته: وكان الامام (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل في قنوته.
(1) البحار 12 / 26 - 27 وفي الحديث بقية إلى بيان بعض اذكاره وعباداته وقرائته لبعض السور في صلاته المندوبة. (*)
[ 45 ]
" الفزع، الفزع إليك، يا ذا المحاضرة والرغبة، الرغبة إليك يا من به المفاخرة، وأنت اللهم مشاهد هواجس النفوس، ومراصد حركات القلوب، ومطالع مسرات السرائر من غير تكلف ولا تعسف، وقد ترى اللهم ما ليس عنك بمنظور، ولكن حلمك من أهله عليه جرأة وتمردا، وعتوا وعنادا، وما يعانيه اولياؤك من تعفية آثار الحق، ودروس معالمه، وتزايد الفواحش، واستمرار أهلها عليها، وظهور الباطل، وعموم التغاشم، والتراضي بذلك المعاملات والمتفرقات، قد جرت به العادات، وصار كالمفروضات والمسنونات اللهم فبادر الذي من اعنته به فاز، ومن أيدته لم يخف لمز عاز، وخذ الظالم أخذا عنيفا، ولا تكن له راحما ولابه رؤوفا اللهم بادرهم اللهم عاجلهم اللهم لا تمهلهم اللهم غادرهم بكرة وهجرة، وسحرة وبياتا، وهم نائمون وضحى وهم يلعبون، ومكرا وهم يمكرون وفجأة وهم آمنون اللهم بددهم، وبدد أعوانهم، واقلل اعضادهم واهزم جنودهم واقلل حدهم، واجتث سنامهم واضعف عزائمهم اللهم امنحنا اكنافهم، وملكنا اكنافهم، وبدلهم بالنعم وبدلنا من محاذرتهم
وبغيهم بالسلام، وافنمناهم أكمل المغنم، اللهم لا ترد بأسك الذي إذا حل بقوم فساء صباح المنذرين... " (1) وحكى هذا الدعاء نقمة الامام (عليه السلام) على الظالمين والمستبدين من حكام عصره الذين اغرقوا العالم الاسلامي بالمحن والخطوب وارغموا المسلمين على ما يكرهون، وهذا الدعاء من الادعية السياسية التى حكت الاوضاع الراهنة في ذلك العصر. دعاؤه في سجدة الشكر: روى سليمان بن جعفر قال: دخلنا على الامام الرضا (عليه السلام)، وهو
(1) مهج الدعوات (ص 73). (*)
[ 46 ]
ساجد في سجدة الشكر، فأطال سجوده، ثم رفع رأسه، فسألوه عن اطالة سجوده، فأخبرهم أنه دعا بهذا الدعاء، وحثهم عليه، وأمرهم بكتابته فكتبوه، وهذا نصه: " اللهم العن اللذين بدلا دينك، وغيرا نعمتك، واتهما رسولك (صلى الله عليه وآله)، وخالفا ملتك، وصدا عن سبيلك وكفرا الآءك، وردا عليك كلامك، واستهزءا برسولك وقتلا ابن نبيك، وحرفا كتابك، وجحدا آياتك، وجلسا في مجلس لم يكن لهما بحق، وحمله الناس على اكتاف آل محمد، اللهم العنهما لعنا يتلو بعضه بعضا، واحشرهما واتباعهما إلى جهنم زرقا، اللهم إنا نتقرب إليك باللعنة عليهما، والبراءة منهما في الدنيا والآخرة، اللهم العن قتلة امير المؤمنين، وقتلة الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، اللهم زدهما عذابا فوق عذاب، وهوانا فوق هوان، وذلا فوق ذل، وخزيا فوق خزي، اللهم دعهما في النار دعا، واركسهما في أليم عذابك ركسا، اللهم احشرهما واتباعهما إلى جهنم زمرا، اللهم فرق جمعهم وشتت أمرهم، وخالف بين كلمتهم، وبدد جماعتهم، والعن
أئمتهم، واقتل قادتهم، وسادتهم، وكبراءهم، والعن رؤساءهم، واكسر راياتهم، والق البأس بينهم، ولا تبق منهم ديارا. اللهم العن أبا جهل والوليد لعنا يتلو بعضه بعضا، ويتبع بعضه بعضا، اللهم العنهما لعنا يلعنهما به كل ملك مقرب، وكل نبي مرسل، وكل مؤمن امتحنت قلبه للايمان اللهم العنهما لعنا يتعوذ منه أهل النار اللهم العنهما لعنا لم يخطر لاحد ببال، اللهم العنهما في ستر سرك، وظاهر علانيتك، وعذبهما عذابا في التقدير وشارك معهما... واشياعهما ومحبيهما ومن شايعهما إنك سميع الدعاء " (1). ويمثل هذا الدعاء مدى نقمة الامام على بعض الخلفاء الذين استولوا بغير حق على السلطة العامة في البلاد، فجروا الويل والدمار للعالم الاسلامي، وذلك باقصاء العترة الطاهرة عن السلطة، وهي اعلم بشؤون الاسلام واحكامه من غيرهم، وهذا الدعاء الجليل من الادعية السياسية. تسلحه بالدعاء: ومن مظاهر حياة الامام الروحية تسلحه بالدعاء إلى الله تعالى والتجائه إليه في (هامش) * (1) مهج الدعوات (ص 320) (*)
[ 47 ]
جميع أموره، وكان يجد فيه متعة روحية لا تعادلها أية متعة من متع الحياة، وقبل ان نعرض لبعض أدعيته، نذكر ما أثر عنه من أهمية الدعاء وغيره: الدعاء سلاح الانبياء: حث الامام (عليه السلام) اصحابه على الدعاء إلى الله، فقال لهم: عليكم بسلاح الانبياء، فقيل له: وما سلاح الانبياء ؟ قال: الدعاء (1). اخفاء الدعاء: وأوصى الامام أصحابه باخفاء الدعاء، وأن يدعو الانسان ربه سرا لا يعلم به
أحد، قال (عليه السلام): دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية (2) إبطاء الاجابة في الدعاء: وتحدث الامام (عليه السلام) عن الاسباب التي توجب ابطاء الاجابة في الدعاء، فقد روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: قلت لابي الحسن - يعني الامام الرضا -: جعلت فداك إني قد سألت الله حاجة منذ كذا وكذا سنة، وقد دخل قلبي من إبطائها شئ ؟ فقال (عليه السلام): يا احمد إياك والشيطان أن يكون له عليك سبيل حتى يقنطك، إن أبا جعفر - يعني الامام الباقر - صلوات الله عليه كان يقول: إن المؤمن يسأل الله عزوجل حاجته فيؤخر عنه تعجيل إجابته حبا لصوته، واسماع نحيبه، ثم قال: والله ما أخر الله عزوجل عن المؤمنين، ما يطلبون من هذه الدنيا خير، لهم مما عجل لهم فيها، وأي شئ الدنيا ؟ ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة، ليس إذا اعطي فتر، فلا تمل الدعاء فانه من الله عزوجل بمكان - أي بمنزلة - وعليك بالصبر، وطلب الحلال، وصلة الرحم، وإياك ومكاشفة الناس، فانا أهل بيت نصل من قطعنا، ونحسن إلى من اساء إلينا، فنرى والله في ذلك العاقبة الحسنة، إن صاحب النعمة في عينه، فلا يشبع من شئ، وإذا اكثرت النعم كان المسلم من ذلك في خطر للحقوق التي تجب عليه، وما يخاف من الفتنة فيها.
(1) اصول الكافي 2 / ج 368. (2) اصول الكافي 2 / 476. (*)
[ 48 ]
اخبرني عنك لو اني قلت لك قولا، اكنت تثق به مني ؟ وسارع أحمد قائلا: " جعلت فداك إذا لم اثق بقولك فبمن اثق، وأنت حجة الله على خلقه.. "
فاجابه الامام. " فكن بالله اوثق فانك على موعد من الله، أليس الله عزوجل يقول: (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) (1)، وقال: (لا تقنطوا من رحمة الله) (2) وقال: (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) (3). فكن بالله عزوجل أوثق منك بغيره، ولا تجعلوا في أنفسكم إلا خيرا فانه مغفور لكم " (4). واعرب الامام (عليه السلام) عن الاسباب التي تحجب الدعاء، وتؤخر اجابته، كما دعا إلى التحلي باخلاق أهل البيت (عليه السلام) والاقتداء بهم. حرزه: كان الامام (عليه السلام) يتسلح بهذا الدعاء الشريف " بسم الله الرحمن الرحيم، يا من لا شبيه له، ولا مثال، أنت الله لا إله إلا أنت، ولا خالق إلا أنت، تفني المخلوقين، وتبقى، أنت حلمت عمن عصاك وفي المغفرة رضاك " (5). كما كان متشبثا بهذا الدعاء الجليل: " استسلمت يا مولاي لك واسلمت نفسي إليك، وتوكلت في كل أموري عليك، وأنا عبدك وابن عبديك، فأخبأني اللهم في سترك عن شرار خلقك، واعصمني من كل اذى وسوء بمنك، واكفني شركل ذي شر، بقدرتك. اللهم من كادني أو ارادني فاني ادرأ بك في نحره، فسد عني أبصار الظالمين إذ كنت ناصري، لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين وإله العالمين، اسألك كفاية الاذى، والعافية والشفاء والنصر على الاعداء، والتوفيق لما تحب ربنا، ويرضي، يا رب العالمين، يا جبار السموات والارضين، يا رب محمد وآله الطيبين الطاهرين،
(1) سورة البقرة / آية 186. (2) سورة الزمر / آية 53. (3) سورة البقرة / آية 268.
(4) أصول الكافي 2 / 489. (5) مهج الدعوات (ص 44). (*)
[ 49 ]
صلواتك عليهم اجمعين " (1). لقد استسلم الامام (عليه السلام)، وأسلم نفسه، وجميع أموره للواحد القهار الذي بيده جميع مجريات الاحداث، وقد احتجت بهذا الدعاء ليرد الله عنه كيد المعتدين، وظلم الظالمين. من ادعيته: وأثرت عن الامام الرضا (عليه السلام) كوكبه من الادعية الشريفة كان من بينها ما يلي: 1 - من أدعيته هذا الدعاء يطلب فيه الامام (عليه السلام) الامن والايمان قال: " يامن دلني على نفسه، وذلل قلبي بتصديقه، أسألك الامن والايمان في الدنيا والآخرة.. " (2). وحفل هذا الدعاء على ايجازه، بظاهرة من ظواهر التوحيد وهي ان الله تعالى دلل على ذاته، وعرف نفسه لخلقه، وذلك بما أودعه، وابدعه، في هذا الكون من العجائب والغرائب، وكلها تنادي بوجوده. 2 - وكان (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل: " اللهم اعطني الهدى وثبتني عليه، وأحشرني عليه آمنا أمن من لا خوف عليه، ولا حزن ولا جزع إنك أهل التقوى، وأهل المغفرة... " (3). لقد دعا الامام (عليه السلام) بطلب الهداية، والانقياد الكامل إلى الله الذي هو من اعلى درجات المقربين والمنيبن إلى الله تعالى.
3 - من ادعيته هذا الدعاء الشريف، وقد علمه لصاحبه وتلميذه موسى بن بكير، وقال له: احفظ ما اكتبه لك، وادع به في كل شدة تخاف منها، وقد جاء فيه تعد البسملة: " اللهم ان ذنوبي وكثرتها قد اخلقت وجهي عندك، وحجبتني عن استيهال رحمتك، وباعدتني عن استيجاب مغفرتك، ولولا تعلقي بآلائك، وتمسكي بالدعاء
(1) المصباح (ص 217). (2) اصول الكافي 2 / 579. (3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 197. (*)
[ 50 ]
وما وعدت امثالي من المسرفين، واشباهي من الخاطئين، واوعدت القانطين من رحمتك بقولك: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم) وحذرت القانطين من رحمتك فقلت: (ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون) ثم ندبتنا برأفتك إلى دعائك فقلت: (ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين). الهي اليأس علي مشتملا، والقنوط من رحمتك علي ملتحفا، الهي لقد وعدت المحسن ظنه بك ثوابا، وأوعدت المسئ ظنه بك عقابا، اللهم وقد امسك رمقي حسن الظن بك في عتق رقبتي من النار، وتغمد زلتي، واقالة عثرتي، اللهم قولك الحق الذي لا خلف له، ولا تبديل: (يوم ندعو كل أناس بامامهم) وذلك يوم النشور، إذا نفخ في الصور، وبعثر ما في القبور، اللهم فاني اومن، واشهد، وأقر، ولا انكر، ولا أجحد، وأسر واعلن، وأظهر وأبطن، بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وان محمدا عبدك ورسولك (صلى الله عليه وآله)، وان عليا
أمير المؤمنين سيد الاوصياء ووارث علم الانبياء، علم الدين، ومبير المنافقين، ومجاهد المارقين امامي وحجتي، وعروتي وصراطي ودليلي وحجتي، ولا اثق باعمالي، ولو زكت، ولا اراها منجية لي ولو صلحت إلا بولايته والائتمام به، والاقرار بفضائله، والقبول من حملتها، والتسليم لرواتها، واقر بأوصيائه من اطائه ؟ ؟ أئمة وحججا وادلة وسرجا، وأعلاما ومنارا وسادة ؟ ؟ وابرارا، وأومن بسرهم وجهرهم وظاهرهم وباطنهم وشاهدهم وغائبهم، وحيهم وميتهم، لا شك في ذلك ولا ارتياب عند تحولك، ولا انقلاب. اللهم فادعني يوم حشري ونشري بامامتهم وانقذني بهم، يا مولاي من حر النيران، وإن لم ترزقني روح الجنان، فانك ان اعتقتني من النار كنت من الفائزين، اللهم وقد اصبحت يومي هذا، لا ثقة لي ولا رجاء ولا ملجأ ولا مفزع ولا منجى، غير من توسلت بهم إليك متقربا إلى رسولك محمد (صلى الله عليه وآله) ثم علي امير المؤمنين والزهراء سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين، وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن، ومن بعدهم يقيم المحجة إلى الحجة المستورة، من ولده، المرجو للامة من بعده.
[ 51 ]
اللهم فاجعلهم في هذا اليوم وما بعده حصنى من المكاره ومعقلي من المخاوف، ونجني بهم من كل عدو وطاغ وباغ وفاسق ومن شرما أعرف، وما أنكر، وما استتر عني، وما ابصر ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها انك على صراط مستقيم. اللهم بتوسلي بهم إليك، وتقربي بمحبتهم، وتحصني بامامتهم افتح علي في هذا اليوم ابواب رزقك، وانشر علي رحمتك وحببني إلى خلقك، وجنبني بغضهم، وعداوتهم انك على كل شئ قدير.. اللهم ولكل متوسل ثواب، ولكل ذي شفاعة حق، فاسألك بمن جعلته وليك، وقدمته أمام طلبتي أن تعرفني بركة يومي هذا، وشهري هذا، وعامي هذا، اللهم وهم مفزعي ومعونتي في شدتي ورخائي وعافيتي وبلائي، ونومي ويقظتي،
وظعني واقامتي، وعسري ويسري، وعلانيتي وسري، واصباحي وامسائي، وتقلبي ومثواي وسري وجهري، اللهم فلا تخيبني بهم من نائلك، ولا تقطع رجائي من رحمتك، ولا تؤيسني من روحك، ولا تبتلني بانغلاق ابواب الارزاق، وانسداد مسالكها، وارتياح مذاهبها، وافتح لي من لدنك فتحا يسيرا واجعل لي من كل ضنك مخرجا، والى كل سعة منهجا، إنك ارحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين أمين رب العالمين " (1) وحكى هذا الدعاء مدى اعتصام الامام (عليه السلام) بالله تعالى وعبوديته المطلقة له، كما حكى فضل الائمة الطاهرين (عليهم السلام)، الذين هم اعلام الدين، وسدنة حكمة سيد المرسلين. 4 - وكان الامام (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء لطلب الرزق والسعة في العيش، وكان يدعو به عقيب كل فريضة، وهذا نصه: " يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين لكل مسألة منك سمع حاضر، وجواب عتيد، ولك صامت منك علم باطن محيط اسألك بمواعيدك الصادقة، وآياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، وسلطانك القاهر وملكك الدائم، وكلماتك التامات، يا من لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين (صل
(1) مهج الدعوات (ص 315 - 317). (*)
[ 52 ]
على محمد وآله)، وارزقني من فضلك، واعطني فيما ترزقني العافية برحمتك يا ارحم الراحمين " (1). 5 - ومن بين ادعيته الشريفة هذا الدعاء العظيم، وجاء فيه، بعد البسملة: " اللهم يا ذا القدرة الجامعة، والرحمة الواسعة، والمنن المتتابعة والآلآء المتوالية، والايادي الجميلة، والمواهب الجزيلة، يامن خلق فرزق، والهم فأنطق، وابتدع
فشرع، وعلا فارتفع، وقدر فأحسن، وصور فأتقن، واحتج فابلغ، وأنعم فأسبغ وأعطى فأجزل، ومنح فأفضل، يامن سمافي العز ففات خواطف الابصار، ودنا في اللطف فجاز هواجس الافكار، يامن تفرد بالملك فلا ند له في ملكوت سلطانه، وتوحد بالكبرياء فلا ضد له في جبروت شأنه، يا من حارت في كبرياء هيبته دقايق لطائف الاوهام وانحسرت دون ادراك عظمته خطائف ابصار الانام، يا عالم خطرات قلوب العالمين، وشاهد لحظات أبصار الناظرين، يامن عنت الوجوه لهيبته، وخضعت الرقاب لعظمته وجلاله، ووجلت القلوب من خيفته، وارتعدت الفرائص من فرقة، يا بدئ يا سميع، يا علي يا رفيع صل على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه وانتقم لي ممن ظلمني واستخف بي، وطرد الشيعة عن بابي، واذقه مرارة الذل والهوان كما اذاقنيها، واجعله طريد الارجاس وشريد الانجاس والحمد لله رب العالمين، صلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.. " (2) وحفل هذا الدعاء الشريف بحمدالله والثناء عليه بأجمل الوان الثناء كما حفل في آخره على ما جرى عليه من الظلم والاذى، والاضطهاد من قبل المأمون العباسي، فقد طرد شيعة الامام (عليه السلام)، واستخف به، لما ظهر للعالم الاسلامي سمو مكانة الامام وعظيم شخصيته وتفاهة شخصية المأمون، وانه لا رصيد له من الدين والاخلاق ما يستحق به مركز الخلافة الاسلامية، ويبدو من هذا الدعاء مدى تألم الامام من المأمون حيث دعا عليه بحرارة وألم. 6 - من بين أدعيته الشريفة هذا الدعاء وقد جاء فيه بعد البسملة: " اللهم لك الحمد على مرد نوازل البلاء، وملمات الضراء، وكشف نوائب الادواء - وهي نوازل الدهر - وتوالي سبوع النعماء ولك الحمد رب على هنئ
(1) المصباح (ص 168). (2) المصباح (ص 292)، البحار 12 / 24. (*)
[ 53 ]
عطائك ومحمود بلائك، ولك الحمد على احسانك الكثير وخيرك العزيز، وتكليفك اليسير: ودفعك العسير، ولك الحمد على تثميرك قليل الشكر، واعطائك وافر الاجر، وحطك مثقل الوزر، وقبولك ضيق العذر، ووضعك باهظ الدهر، وتسهيلك موضع الوعر، ومنعك مقطع الامر، ولك الحمد على البلاء المصروف، ووافر المعروف، ودفع المخوف، واذلال العسوف، ولك الحمد على قلة التكليف وكثرة التخفيف، وتقوية الضعيف، واغاثة اللهيف ولك الحمد على سعة امهالك، ودوام افضالك، وصرف امحالك، وحميد فعالك، وتوالي نوالك، ولك الحمد على تأخير معاجلة العقاب، وترك مغافصة العذاب، وتسهيل طرق المآب، وانزال غيث السحاب إنك المنان الوهاب " (1). وحوى هذا الدعاء جملا من آيات الثناء على الله تعالى، خالق الكون وواهب الحياة. هذه بعض ادعيته وهي تكشف عن جانب من حياته الروحية وهي الانقطاع إلى الله والاتصال به، والاعتصام بحبله، وبها ينتهي بنا الحديث عن بعض معالم شخصيته الكريمة.
(1) المصباح (ص 415). (*)
[ 55 ]
معرض الآراء عن شخصية الامام عليه السلام أما شخصية الامام أبي محمد الرضا (عليه السلام) فهي ملء فم الدنيا في فضائلها، ومواهبها، وقد احتلت عواطف العلماء والمؤلفين في كل جيل وعصر، فأدلوا بجمل من الثناء والتعظيم على شخصيته، ومن بينهم ما يلي: 1 - الامام الكاظم:
واشاد الامام الكاظم (عليه السلام) بولده الامام الرضا، وقدمه على السادة الاجلاء من ابنائه، واوصاهم بخدمته، والرجوع إليه في امور دينهم، فقال لهم: " هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد (صلى الله عليه وآله)، سلوه عن اديانكم، واحفظواما يقول لكم، فاني سمعت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول لي: إن عالم آل محمد (صلى الله عليه وآله) لفي صلبك، وليتني ادركته فانه سمي أمير المؤمنين.. " (1) لقد أعلن الامام الكاظم ان نجله المعظم عالم آل محمد (صلى الله عليه وآله) وهو اعظم وسام قد منحه له فآل محمد هم معدن العلم والحكمة في الاسلام، والامام سيدهم في هذه الظاهرة الكريمة... وسنعرض لكلمات أخرى أثرت عنه في شأن ولده 2 - المأمون: واعلن المأمون الملك العباسي فضل الامام الرضا وسمو مكانته ومنزلته في كثير من المناسبات، وهذه بعضها: أ - قال المأمون للفضل بن سهل وأخيه: " ما أعلم أحدا افضل من هذا الرجل
(1) كشف الغمة 3 / 107، اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 100 البحار (*)
[ 56 ]
- يعني الامام علي بن موسى - على وجه الارض " فالامام حسب قول المأمون أعلم علماء الدنيا، وافضلهم في جميع انحاء المعارف والعلوم. ب - اشاد المأمون بالامام الرضا (عليه السلام) في رسالته التي بعثها للعباسيين الذين نقموا عليه تقليده للامام بولاية العهد قال: " ما بايع له المأمون - أي للامام الرضا - الا مستبصرا في أمره عالما بأنه لم يبق أحد على ظهرها - أي على ظهر الارض - أبين فضلا، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعا، ولا أزهد زهدا في الدنيا، ولا أطلق نفسا، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا
أشد في ذات الله منه، وان البيعة له لموافقة لرضى الرب " (2). وحددت هذه الكلمات بعض الصفات الرفيعة الماثلة في الامام (عليه السلام)، والتي تميز بها على غيره، وهي: أ - إن الامام أبين الناس فضلا وعلما. ب - انه أعف انسان على وجه الارض. ج - إنه أزهد الناس في مباهج الحياة وزينتها. ه - انه أندى الناس كفا وأوفرهم جودا وعطاء للمحرومين. و - ان الخاصة والعامة قد اجمعت على الاقرار له بالفضل ولم يظفر بذلك أحد غيره. ز - انه من أشد الناس في ذات الله، فانه لا يخشى في جنب الله لومة لائم. ح - ان بيعة المأمون للامام بولاية العهد كانت موافقة لرضى الله تبارك وتعالى. ج - جاء في الوثيقة التي عهد بها بولاية العهد للامام (عليه السلام) ما نصه: " فكانت خيرته بعد استخارته لله، واجهاد نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده في البيتين - أي البيت العباسي والاسرة العلوية زادها الله شرفا - جميعا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لما رأى من فضله البارع، وعلمه الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخليه من الدنيا، وتسلمه من الناس، وقد استبان له ما لم تزل الاخبار عليه متواطية، والالسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا وناشئا وحدثا
(1) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 133. (2) البحار 12 / 63. (*)
[ 57 ]
ومكتملا فعقد له بالعهد والخلافة من بعده " (1).
واشادت هذه الكلمات بالصفات الكريمة التي تميز بها الامام الرضا (عليه السلام) على الاسرة العلوية والاسرة العباسية وهي: 1 - الفضل البارع، والعلم الناصع. 2 - الورع عن محارم الله تعالى. 3 - عدم إساءته إلى أي انسان، فقد كان مصد ر خير ورحمة للناس. 4 - الزهد في الدنيا. 5 - اجتماع كلمة المسلمين عليه. وقد عرف المأمون هذه الصفات الرفيعة الماثلة في الامام، وهي التي حفزته لترشيح الامام لولاية العهد حسبما يقول. 3 - ابراهيم بن العباس: الصولي، الكاتب المبدع والشاعر المشهور، قال: " ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا.. ومن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقه... " (2). ان الامام نسخة من الفضائل والمواهب لا ثاني لها في عصره، فهو من دعائم الفكر والفضل في دنيا الاسلام. 4 - أبو الصلت الهروي: قال أبو الصلت عبد السلام الهروي، وهو من أعلام عصره قال: " ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجلس له عددا من علماء الاديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي منهم أحد إلا أمر له بالفضل وأقر على نفسه بالقصور.. " (3) وحكت هذه الكلمات الطاقات العلمية الهائلة التي يملكها الامام
(عليه السلام)، فهو أعلم أهل زمانه، وأفضلهم، ويدلل على ذلك المناظرات التي
(1) كشف الغمة 3 / 125 البحار 12 / 44. (2) كشف الغمة. (3) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 99 - 100. (*)
[ 58 ]
عقدها المأمون في بلاطه لامتحان الامام، وقد جمع جميع علماء الاقطار والامصار فامتحنوا الامام بأعقد المسائل، فأجاب عنها جواب العالم المتخصص، فبهر العلماء واعترفوا بعجزهم، وأقروا بالفضل له. 5 - الرجاء بن أبي الضحاك: أما الرجاء بن أبي الضحاك فهو من القادة العسكريين، وقد اعجب بالامام يقول: " والله ما رأيت رجلا كان أتقى لله منه، ولا اكثر ذكرا له منه في جميع أوقاته، ولا أشد خوفا لله عزوجل منه... " (1) وتناولت هذه الكلمات الجانب الروحي من شخصية الامام فقد كان من اتقى الناس، واكثرهم ذكرا لله وأشدهم خوفا منه. 6 - الشيخ المفيد: قال زعيم الشيعة محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد: " كان الامام القائم بعد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ابنه أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) لفضله على جماعة اخوته، وأهل بيته، وظهور علمه وحلمه وورعه، واجتماع الخاصة والعامة على ذلك فيه، ومعرفتهم به منه " (2) والمح الشيخ المفيد إلى بعض خصال الامام الرضا (عليه السلام) التى امتاز بها
على بقية أخوانه وأهل بيته، وهي: 1 - العلم. 2 - الحلم. 3 - الورع. وهذه الصفات الكريمة بعض خصائصه، ومكوناته. 7 - الواقدي: قال الواقدي: " سمع علي الحديث من أبيه وعمومته، وغيرهم وكان ثقة يفتي
(1) بحار الانوار. (2) الارشاد (ص 341). (*)
[ 59 ]
بمسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن نيف وعشرين سنة وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل البيت " (1). وعرض الواقدي إلى صفتين من صفات الامام (عليه السلام) وهما. 1 - الوثاقة. 2 - فتواه بالجامع النبوي وهو ابن نيف وعشرين سنة. 8 - جمال الدين: قال جمال الدين أحمد بن على النسابة، المعروف بابن عنبة، الامام الرضا " يكنى أبا الحسن ولم يكن في الطالبيين في عصره مثله بايع له المأمون بولاية العهد، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وخطب له على المنابر " (2). وعرض السيد جمال الدين إلى أنه مثل الامام في عصره وذلك لما يتمتع به من المواهب والعبقريات التي جعلته نادرة زمانه. 9 - يوسف بن تغري بردي:
قال جمال الدين، أبو المحاسن يوسف بن تغري: " الامام أبو الحسن الهاشمي العلوي، الحسيني، كان إماما عالما.. وكان سيد بني هاشم في زمانه، وأجلهم، وكان المأمون يعظمه ويبجله ويخضع له، ويتغالى فيه، حتى جعله ولي عهده.. " (3). والقت هذه الكلمات الاضواء على بعض معالم شخصية الامام (عليه السلام)، وهي: انه كان عالما، وانه سيد بني هاشم واجلهم، ونظرا لعظم شخصيته فقد جعله المأمون ولي عهده. 10 - ابن ماجة: قال ابن ماجة: " كان - أي الامام الرضا - سيد بني هاشم، وكان المأمون يعظمه، ويبجله، وعهد له بالخلافة، واخذ له العهد... " (4). ونظر ابن ماجة إلى شأن من شؤون الامام (عليه السلام) وهو أنه سيد بني
(1) تذكرة الخواص (ص 361). (2) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص 198). (3) النجوم الزاهرة 2 / 74. (4) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 85 خلاصة تهذيب الكمال (ص 278). (*)
[ 60 ]
هاشم، ومن الطبيعي انه بذلك سيد البشر في عصره لان بني هاشم سادة الناس في آدابهم وسمو اخلاقهم، وحسن تربيتهم. 11 - ابن حجر: قال ابن حجر: " كان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسب... " (1). 12 - اليافعي: قال اليافعي: " الامام الجليل المعظم، سلالة السادة الاكارم: علي بن موسى الكاظم، أحد الائمة الاثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الامامية إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليهم.... " (2).
ان الامام الرضا (عليه السلام) أحد الكواكب المشرقة في دنيا الاسلام فهو من أئمة أهل البيت (عليه السلام) الذين أضاؤوا الحياة الفكرية ووطدوا دعائم الحق والعدل في الارض، وإليهم - بشرف واعتزاز - تنسب الشيعة كما دانت بولائهم والاخذ بما أثر عنهم في الاحكام الشرعية، وانما دانت الشيعة بذلك لا عن تعصب أو تقليد أعمى، وأنما فرضت عليهم ذلك الحجج القاطعة والادلة الحاسمة التي يجب على المسلم الاخذ بها، فقد فرض القرآن الكريم مودتهم، وطهرهم من الرجس والزيغ كما جعلهم النبي سفن النجاة وأمن العباد، وقرنهم بمحكم التنزيل ولو ساعدت الادلة الشرعية على الاخذ بغير مذهبهم لاخذت بذلك الشيعة ودانت به. 13 - عامر الطائي: وعلق عامر الطائي على كتاب: صحيفة أهل البيت (عليهم السلام) الذي من مؤلفات الامام الرضا (عليه السلام) بقوله: " حدثنا علي بن موسى الرضا امام المتقين، وقدوة أسباط سيد المرسلين... " (3). لقد كان الامام الرضا (عليه السلام) سيد المتقين وامام العابدين، وقد ذكرنا في البحوث السابقة انماطا من عبادته وتقواه تدلل على ما ذكره الطائي.
(1) تهذيب التهذيب 7 / 389. (2) مرآة الجنان 2 / 11. (3) اعيان الشيعة 4 / ق 2 / 188. (*)
[ 61 ]
14 - بعض الائمة: وادلى بعض الائمة بحديث عن الامام الرضا (عليه السلام) جاء فيه: " مناقب علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من أجل المناقب، وامداد فضائله، وفواضله متوالية كتوالي الكتائب، وموالاته محمودة البوادر والعواقب،
وعجائب أوصافه من غرايب العجائب وسؤدده ونبله قد حلا من الشرف في الذروة والمغارب. اما شرف آبائه فاشهر من المصباح المنير، وأضوأ من عارض الشمس المستدير وأما أخلاقه وسماته وصفاته، ودلائله وعلاماته فناهيك من فخار وحسبك من علو مقدار، جاز على طريقة ورثها عن الآباء، وورثها عنه البنون فهم جميعا في كرم الارومة، وطيب الجرثومة، كاسنان المشط متعادلون، فشرفا لهذا البيت، العالي الرتبة، السامي المحلة، لقد طال السماء علي نبلا، وسما على الفراقد منزلة ومحلا، واستوفى صفات الكمال فما يستثنى في شئ منه.. " (1). وهذا الكلام مرتب، قد غلب فيه السجع، وهو يدل على ولاء قائله لائمة أهل البيت (عليهم السلام)، منحه الله شفاعتهم. 15 - هاشم معروف: قال العلامة المغفور له السيد هاشم معروف الحسني: " وامتاز الامام الرضا (عليه السلام) بخلق رائع ساعده على أن يجتذب بحبه العامة والخاصة، واستمده من روح الرسالة التي كان من حفظتها، والامناء عليها، والوارثين لها... " (2). وحكى هذا الكلام ظاهرة من ظواهر الامام (عليه السلام) وهي سمو الاخلاق فقد كانت اخلاقه الرفيعة امتداد ذاتيا لاخلاق جده الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) الذي ساد على جميع النبيين. 16 - الذهبي: قال الذهبي: " هو الامام أبو الحسن بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن ابي طالب الهاشمي
(1) الفصول المهمة (ص 245). (2) سيرة الائمة الاثني عشر 2 / 359. (*)
[ 62 ]
العلوي... وكان سيد بني هاشم في زمانه، وأحلمهم، وأنبلهم، وكان المأمون يعظمه، ويخضع له ويتغالى فيه، حتى انه جعله ولي عهده... " (1). والذهبي الذي عرف بالبغض والعداء لاهل البيت (عليهم السلام) لم يسعه إلا الاعتراف بالواقع والاقرار بفضل الامام الرضا (عليه السلام). 17 - محمود بن وهيب: قال محمود بن وهيب البغدادي: " وكراماته - أي الرضا - كثيرة رضي الله عنه، إذ هو فريد زمانه... " (2). لقد كان الامام الرضا فريد زمانه في علمه وتقواه وورعه وحلمه، وسخائه، ولا يشبهه أحد في فضائله ومواهبه. 18 - عارف تامر: قال عارف تامر: " يعتبر - أي الامام الرضا - من الائمة الذين لعبوا دورا كبيرا على مسرح الاحداث الاسلامية في عصره.. " (3). لقد استطاع الامام في الفترة القصيرة التي تقلد فيها ولاية العهد أن يبرز القيم الاصيلة في السياسة الاسلامية، فقد أمر المأمون، بإقامة العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين، ونهاه عن التبذير بأموال الدولة إلى غير ذلك من الامور التي سنذكرها في بحوث هذا الكتاب التي تدعم ما ذكره السيد عارف تامر من أن الامام شأنه شأن آبائه الذين لعبوا دورا كبيرا على مسرح الاحداث الاسلامية. 19 - محمد بن شاكر الكتبي: قال محمد بن شاكر الكتبي: " وهو - أي الامام الرضا (عليه السلام) - = أحد الائمة الاثني عشر، كان سيد بني هاشم في زمانه... " 20 - عبد المتعال:
قال عبد المتعال الصعيدي: " كان - أي الامام الرضا - على جانب عظيم من العلم والورع، وقد قيل لابي نواس: علام تركت مدح علي بن موسى والخصال التي تجمعن فيه ؟ فقال: لا استطيع مدح امام كان جبريل خادما لابيه، والله ما تركت ذلك
(1) تاريخ الاسلام 8 / ورقة 34، وصور في مكتبة الامام الحكيم تسلسل 323. (2) جواهر الكلام (ص 143). (3) عيون التواريخ 3 / ورقة 226 مصور في مكتبة السيد الحكيم. (*)
[ 63 ]
- اي المدح - إلا اعظاما له، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله " (1). لقد كان الامام مجموعة من الفضائل التي لا تحد، فالعلم والورع من بعض صفاته التي تميز بها على غيره. 21 - يوسف النبهاني: قال يوسف النبهاني: " علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق (عليهم السلام) أحد أكابر الائمة، ومصابيح الامة من أهل بيت النبوة، ومعادن العلم والعرفان والكرم والفتوة كان عظيم القدر، مشهور الذكر، وله كرامات كثيرة، منها أنه أخبر أنه يأكل عنبا ورمانا فيموت فكان كذلك... " (2). ان الامام (عليه السلام) فرع زاك من الاسرة النبوية التي اعز الله بها العرب والمسلمين وبالاضافة لنسبه الوضاح فقد كان من دعائم الفضل، ومن اعمدة الشرف، وله الكرمات المشهورة كما يقول النبهاني. 22 - عبد القادر أحمد: قال عبد القادر أحمد اليوسف: " تأريخ الامام حافل بجلائل الاعمال، فمن علم لا يدرك مداه، وعصمة متوارثة، وقدسية لا تضارعها قدسية في عصره ومن بعده، إلا من انحدر من صلبه من الائمة المعصومين، فهو علم هدى زمانه، ومثل
أعلى في التقوى، والورع والحلم، والاخلاق، وما عساني أن أذكر في حياة وصي من أوصياء الله، وما عسى قلمي أن يكتب في تعريفه، أو لم يكن ذكر اسمه هو التعريف الكامل، فذكره قبس من نور الله يهدي المستجير به نحو السبيل الاقوم المؤدي للصالح العام. ان حياة الامام مكرسة لاعلاء شأن المسلمين، فما من عمل صدر منه إلا كان منطلقا من عقيدة الايمان، مستهدفا صلاح الناس، ومنتهيا لما فيه رضى رب العالمين " (3). لقد حفل تاريخ الامام بجميع الفضائل التي يعتز بها الانسان، والتي كان من
(1) المجدودن في الاسلام (ص 87). (2) جامع كرامات الاولياء 2 / 156. (3) الامام علي الرضا ولي عهد المأمون (ص 1). (*)
[ 64 ]
أبرزها العلم، والتقوى، والورع والحلم وسمو الاخلاق والاداب كما يقول عبد القادر فالامام هو المثل الاعلى لجميع القيم الانسانية، ولا يضارعه في صفاته وخصائصه إلا السادة من آبائه وابنائه. 23 - يوسف بن اوغلى: قال يوسف بن اوغلى سبط ابن الجوزي: " كان علي بن موسى - كما سمي - رضا جوادا عدلا، عابدا، معرضا عن الدنيا، ولولا خوفه من المأمون لما أجاب إلى ولاية العهد " (1). وتوفرت في شخصية الامام أبي محمد الرضا (عليه السلام) جميع الصفات الكريمة من الجود والعدالة، والعبادة والاعراض عن الدنيا مما جعلته في قمة الشرف والمجد في دنيا الاسلام.
24 - الزركلي: قال خير الدين الزركلي: " علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق أبو الحسن، الملقب بالرضي، ثامن الائمة الاثنى عشر عند الامامية ومن أجلاء السادة عند أهل البيت وفضلائهم.. " (2). 25 - محمد جواد فضل الله: قال العلامة محمد جواد فضل الله: " الامام الرضا قاعدة من قواعد الفكر الاسلامي، وأحد منطلقاتها الغنية بالمعرفة، انتهت إليه بعد أبيه الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) أسرار الرسالة، ومفاتيح ؟ ؟ كنوزها فكان منهله منها، وعطاؤه من فيضها. وهو أحد الائمة الاثني عشر من أهل البيت الذين أغنوا الفكر الاسلامي بشتى صنوف المعرفة مما أملوه على تلامذتهم أو أجابوا به من سألهم، أو ما نقله لنا التاريخ من محاوراتهم العلمية والعقائدية مع أصحاب المذاهب الاخرى.. " (3). الامام الرضا كنز من كنوز الاسلام، وثمرة مشرقة من ثمرات الرسول الاعظم
(1) مرآة الزمان 6 / ورفة 41 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين تسلسل 2864. (2) الاعلام 5 / 178. (3) حياة الامام الرضا. (*)
[ 65 ]
(صلى الله عليه وآله)، وفيض من فيوضاته التي استوعبت جميع لغات الارض، قد اغنى الله به الفكر وأوضح به القصد، وجعله علما في بلاده يهدي الحائر، ويسترد به الضال. 26 - أحمد الخزرجي: قال أحمد الخزرجي: " علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب، الهاشمي، أبو الحسن الرضا، روى عن أبيه وعنه عبد السلام بن صالح وجماعة عدة نسخ، وكان سيد بني هاشم، وكان المأمون يعظمه، ويبجله، وعهد له بالخلافة وأخذ له العهد، مات مسموما بطوس " (1).. وحكى الخزرجي في هذا الكلام أن جماعة من تلاميذ الامام (عليه السلام) رووا عنه عدة نسخ، ومن المؤكد أنها تتعلق باحكام الشريعة وآداب الاسلام، وسننه، كما حكى أنه مات مسموما، وهو ما نذهب إليه أن المأمون سقاه السم ليتخلص منه، بعدما رأى اجماع المسلمين على تعظيمه وتبجيله وسوف نعرض لهذا في البحوث الآتية: 27 - بعض أحبته: قال بعض أحبته والمعجبين به: " علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق (عليهم السلام) فاق أهل البيت شأنه، وارتفع فيهم مكانه، وظهر برهانه حتى أحله الخليفة المأمون محل مهجته، وأشركه في خلافته، وفوض إليه امر مملكته، وعقد على رؤوس الاشهاد عقد نكاح ابنته، فكانت مناقبه عليه، وصفاته سنية، ونفسه الشريفة هاشمية، وارومته الكريمة نبوية، كراماته اكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.. " (2). 28 - الشبراوي: قال الشبراوي: كان رضي الله عنه كريما جليلا، مهابا موقرا وكان ابوه موسى الكاظم (عليه السلام) يحبه حبا شديدا، ووهب له ضيعة البسرية التي اشتراها بثلاثين ؟ ؟ الف دينار (3).
(1) خلاصة تهذيب الكمال (ص 678). (2) الاتحاف بحب الاشراف (ص 88). (3) الاتحاف بحب الاشراف (ص 88). (*)
[ 66 ]
كان الامام موسى (عليه السلام) يخلص لولده الامام كأعظم ما يكون الاخلاص، فقدمه على بقية ابنائه، وجعله القائم من بعده، وأوصى له بهذه القطعة من الارض - كما يقول الشبراوي - ولم يكن الامام مدفوعا بدافع الحب المنبعث عن العواطف والاهواء وانما كان من أجل أن ولده قاعدة من قواعد الاسلام، وانه احد اوصياء الرسول الاعظم الذين نص عليهم حسبما تواترت الاخبار بذلك. 29 - ابو النواس: وكان ممن مدح الامام (عليه السلام) أبو نواس الشاعر المشهور وقد قال الشعر فيه مرتين واجاد فيهما، وهما: 1 - إن الشعراء المعاصرين للامام قالوا فيه الشعر ومدحوه سوى أبي نواس فعوتب على ذلك (1) فقال هذه الابيات الرائعة: قيل لي أنت أوحد الناس طرا * في فنون من المقال النبيه لك من جوهر الكلام نظام * يثمر الدر في يدي مجتنيه فلماذا تركت مدح ابن موسى * والخصال التي تجمعن فيه قلت: لا اهتدي لمدح إمام * كان جبريل خادما لابيه وهذه الابيات الشائعة الذكر قد حفظها الناس جيلا بعد جيل واعتبروها من روائع الشعر العربي، لانها عبرت عن احاسيسهم تجاه أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وما يحملون لهم من اكبار وتعظيم، ومن الطريف أن الذهبي الذي عرف بالحقد على أهل البيت قد علق على البيت الاخير من هذه الابيات بقوله: " قلت: هذا لا يجوز اطلاقه من أن جبريل خادم لابيه والنص معدوم فيه... وقد كذبت الرافضة على علي الرضا.. " (2). ان لاهل البيت (عليهم السلام) منزلة كريمة عند الله تعالى فقد ناهضوا الضالين من حكام أمية وبني العباس، وجاهدوا في الله كأعظم ما يكون الجهاد حتى
(1) ذكر ابن طولون في كتابه (الائمة الاثنى عشر) ص 98 - 99 ان أبا نواس عوتب على ترك مدح الامام، فقال له بعض اصحابه: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمرا ولا طودا ولا مغني إلا قلت: فيه شيئا، وهذا علي بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئا، فقال: والله ما تركت ذلك إلا اعظاما له، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله، ثم انشد بعد ساعة هذه الابيات. (2) تأريخ الاسلام 8 / ورقة 35. (*)
[ 67 ]
تقطعت أوصالهم وسبيت نساؤهم، وعانوا من الاضطهاد والتنكيل ما لا يوصف، لمرارته وقسوته كل ذلك في سبيل اعلاء كلمة دين الله ونشر العدل بين الناس، ولكن الذهبي وامثاله من المنحرفين عن الحق لا يعقلون ذلك. 2 - خرج الامام الرضا (عليه السلام) يوما على بغلة فارهة، فدنا منه أبو نواس، وسلم عليه وقال له: " يابن رسول الله قلت: فيك أبياتا أحب أن تسمعها مني ؟ ". وبادر الامام قائلا: " قل: " فانبرى ابو نواس قائلا: مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم كلما ذكروا من لم يكن علويا حين ننسبه * فما له في قديم الدهر مفتخر اولئك القوم أهل البيت عندهم * علم الكتاب وما جاءت به السور (1) وهذه الابيات من أصدق الشعر واروعها قد اقتبس الشطر الاول من القرآن الكريم، قال تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) لقد طهرهم الله من الزيغ، واذهب عنهم الرجس، وجعلهم قدوة لعباده يهتدي بهم الحائر. وأعجب الامام بهذه الابيات فقال لابي نواس:
" قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد.. " ثم التفت إلى غلامه فقال له: ما معك من فاضل نفقتنا ؟ فقال: ثلاث مائة دينار، قال: ارفعها له ثم لما ذهب إلى بيته، قال لغلامه: لعله استقلها، سق إليه البغلة (2) (3) 30 - دعبل الخزاعي: واكثر دعبل في مدح الامام الرضا (عليه السلام)، وفي رثائه، ومما قاله فيه:
(1) خلاصة الذهب المسبوك (ص 200). (2) الاتحاف بحب الاشراف (ص 60) نزهة المجلس 2 / 105. (3) كشف الغمة 3 / 107. (*)
[ 68 ]
لقد رحل ابن موسى بالمعالي * وسار بيسره العلم الشريف وتابعه الهدى والدين طرا * كما يتتبع الالف الاليف (1) ومعنى هذا الشعر ان الامام الرضا (عليه السلام) قد حوى جميع صنوف الشرف والمعالي، كما تابعه العلم والهدى والدين، وقد تميز بهذه الصفات الكريمة التي كانت من ذاتياته. 31 - الصاحب بن عباد: أما الصاحب بن عباد الوزير، فقد هام بحب الامام الرضا (عليه السلام) وقد اهدى تحياته العطرة إلى الامام بهذه الابيات. يا سايرا زائرا إلى طوس * مشهد طهر وارض تقديس أبلغ سلامي الرضا وحط على * اكرم رمس لخير مرموس والله والله حلفة صدرت * من مخلص في الولاء مغموس اني لو كنت مالكا اربي * كان بطوس الغناء تعريسي لمشهد بالزكاء ملتحف * وبالسني والثناء مأنوس
إلى ان يقول: يابن النبي الذي به قمع الل * - ه ظهور الجبابر الشوس (2) وابن الوصي الذي تقدم في ال * - فضل على البزل القناعيس (3) وحائز الفخر غير منتقص * ولابس المجد غير تلبيس (4) ويقول في مقطوعة أخرى: يا زائرا قد نهضا * مبتدرا قد ركضا ومن قد مضى كأنه * البرق إذا ما اومضا أبلغ سلامي زاكيا * بطوس مولاي الرضا سبط النبي المصطفى * وابن الوصي المرتضى
(1) ديوان دعبل (ص 108). (2) الشوس: جمع أشوس، وهو الرافع رأسه تكبرا. (3) البزل جمع بازل وهو البعير الذي انشق وهو في التاسعة، والقناعيس جمع قنعاس وهو الابل العظيم ويوصف به الرجل الشديد. (4) عيون اخبار الرضا 1 / 4. (*)
[ 69 ]
من حاز عزا أقعسا (1) * وشاد مجدا ابيضا وقل له: من مخلص * يرى الولا مفترضا (2) 32 - ابن الحجاج: وأثر ابن الحجاج الشعر الكثير في مدح الامام الرضا (عليه السلام) كان منه هذان البيتان: يا ابن من تؤثر المكارم عنه * ومعالي الآداب تمتار منه من سمى الرضا علي بن موسى * رضي الله عن أبيه وعنه (3)
33 - عبد الله بن المبارك: قال عبد الله بن المبارك في مدح الامام هذا البيت: هذا علي والهدى يقوده * من خير ؟ ؟ فتيان قريش عوده (4) 34 - الصولي: قال الصولي في مدح الامام: إلا إن خير الناس نفسا ووالدا * ورهطا وأجدادا علي المعظم أتتنا به للحلم والعلم ثامنا * إماما يؤدي حجة الله تكتم (5) 35 - ابن حماد: قال الشاعر ابن حماد في مدح الامام الرضا (عليه السلام): ساقها شوقي إلى طوس * ومن تحويه طوس مشهد فيه الرضا * العالم والحبر النفيس ذاك بحر العلم وال * حكمة ان قاس مقيس ذاك نور الله لا يطفى * له قط طميس (6) 36 - الاربلي: قال علي بن عيسى الاربلي في قصيدة يمدح بها الامام ويتشوق لزيارة مرقده:
(1) الاقعس: الشئ الثابت. (2) عيون أخبار الرضا 1 / 6. (3) المناقب 4 / 343. (4) المناقب 4 / 362. (5) عيون أخبار الرضا 1 / 15. (6) المناقب 4 / 350. (*)
[ 70 ]
أيها الراكب المجد قف العيس * إذا ما حللت في أرض طوسا
لا تخف من كلالها ودع التأد * يب دون الوقوف والتعريسا وألثم الارض ان رأيت ثرى * مشهد خير الورى علي بن موسى وأبلغنه تحية وسلاما * كشذى المسك من علي بن عيسى قل سلام الاله في كل وقت * يتلقى ذاك المحل النفيسا منزل لم يزل به ذاكر لله * يتلوا التسبيح والتقديسا دار عز ما انفك قاصدها * يزجى إليها آماله والعيسا بيت مجد ما زال وقفا عليه * الحمد والمدح والثناء حبيسسا ما عسى أن يقال في مدح قوم * أسس الله مجدهم تأسيسا ما عسى أن أقول في مدح قوم * قدس الله ذكرهم تقديسا هم هداة الورى وهم أكرم * الناس أصولا شريفة ونفوسا ان عرت أزمة تندوا غيوثا * أو دجت شبهة تبدوا شموسا شرفوا الخيل والمنابر لما * أفترعوها والناقة العنتريسا (1) معشر حبهم يجلي هموما * ومزاياهم تجلي طروسا كرموا مولدا وطابوا أصولا * وزكوا محتدا وطالوا غروسا ليس يشقى بهم جليس ومن كان * ابن شوري إذا أرادوا جليسا قمت في نصرهم بمدحي لما * فاتني أن أجر فيه خميسا ملاوا بالولاء قلبي رجاء * وبمدحي لهم ملات الطروسا فتراني لهم مطيعا حنينا * وعلى غيرهم أبيا شموسا يا علي الرضا أبثك ودا * غادر القلب بالغرام وطيسا مذهبي فيك مذهبي وبقلبي * لك حب أبقى جوى ورسيسا لا أرى داءه بغيرك يشفى * لاولا جرحه بغيرك يوسى أتمنى لو زرت مشهدك * العالي وقبلت ربعك المأنوسا وإذا عز أن أزورك يقظان * فزرني في النوم وأشف السيسا
(1) العنتريس: الناقة الغليظة الوثيقة. (*)
[ 71 ]
في ظلال أبيه عاش الامام الرضا (عليه السلام) تسعا وعشرين سنة وأشهرا في كنف أبيه الامام موسى الكاظم (عليه السلام)، وقد شاهد ضروبا قاسية من المحن والخطوب التي حلت بأبيه الذي كان مثار قلق وخوف للحكم العباسي لانه كان محط أنظار المسلمين، وموضع آمالهم في إنقاذهم من الطغمة العباسية الحاكمة التي تمادت في ظلم الناس وارغامهم على ما يكرهون. وبالاضافة إلى ذلك فقد دان شطر كبير من المسلمين بامامة الامام الكاظم، وانه الخليفة الشرعي للرسول (صلى الله عليه وآله) وأحق بمركزه ومقامه من هارون وغيره من ملوك بني العباس الذين عاصرهم الامام (عليه السلام)، وقد اقض ذلك مضاجع العباسيين وورمت أنوفهم، فاتخذوا جميع الوسائل لاضطهاد الامام والتنكيل به. وعلى أي حال فانا نعرض - بصورة مجملة - إلى شخصية الامام (عليه السلام)، وما يتصل بذلك من بعض الشؤون التي ترتبط بحياة الامام الرضا (عليه السلام). اما معالم شخصية الامام الكاظم (عليه السلام) فهي ملء فم الدنيا شرفا وفضلا، فقد توفرت في شخصيته الكريمة جميع عناصر الفضيلة ومقومات الحكمة والآداب، والتي منها: أ - مواهبه العلمية: والشئ الذي لا شك فيه أن الامام موسى (عليه السلام) كان أعلم أهل عصره، وأدراهم بجميع العلوم، أما علم الفقه والحديث فكان من أساطينه، وقد
احتف به العلماء والرواة وهم يسجلون ما يفتي به، وما يقوله من روائع الحكم
[ 72 ]
والآداب وقد شهد الامام الصادق (عليه السلام) عملاق هذه الامة ورائد نهضتها الفكرية، بوفرة علم ولده، فقد قال العيسى: " إن ابني هذا - وأشار إلى الامام موسى - لو سألته عما بين دفتي المصحف لاجابك فيه بعلم.. " (1). وقال في فضله: " وعنده علم الحكمة والفهم والسخاء، والمعرفة بما يحتاج إليه الناس فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم.. ". وقد روى العلماء عنه جميع أنواع العلوم مما ملاؤا به الكتب، وقد عرف بين الرواة بالعالم، وقال الشيخ المفيد: " وقد روى الناس عن أبي الحسن فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه " (2). لقد قام الامام موسى (عليه السلام) بتطوير الحياة العلمية، ونموها، وكان من المع أئمة المسلمين في نشره للثقافة الاسلامية. ب - عبادته وتقواه: واجمع الرواة على أن الامام الكاظم (عليه السلام) كان من أعظم الناس طاعة لله، ومن اكثرهم عبادة له، وكانت له ثفنات كثفنات البعير من كثرة السجود لله، كما كانت لجده الامام زين العابدين (عليه السلام) حتى لقب بذي الثفنات، وكان من مظاهر عبادته انه إذا وقف مصليا بين يدي الخالق العظيم ارسل ما في عينيه من دموع وخفق قلبه، وكذلك إذا ناجى ربه أو دعاه (3) ويقول الرواة: إنه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ويخر لله ساجدا، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد لله حتى يقرب زوال
الشمس (4). وكان من مظاهر طاعته انه دخل مسجد جده رسول الله (ص) في أول الليل فسجد سجدة واحدة، وهو يقول بنيرات تقطر خوفا من الله:
(1) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 138. (2) الارشاد (ص 272). (3) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 139. (4) كشف الغمة. (*)
[ 73 ]
" عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى، ويا أهل المغفرة.. " وجعل يردد هذ الدعاء بانابة واخلاص وبكاء حتى اصبح الصبح (1). وحينما أودعه الطاغية الظالم هارون الرشيد العباسي في ظلمات السجون تفرغ للعبادة، وشكر الله على ذلك قائلا: " اللهم إني طالما كنت اسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد استجبت لي فلك الحمد على ذلك " (2). وكان الطاغية هارون يشرف من اعلى قصره على السجن فيبصر ثوبا مطروحا في مكان خاص لم يتغير عن موضعه، وعجب من ذلك، وراح يقول للربيع: " ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟ " فأجابه الربيع قائلا: " يا أمير المؤمنين، ما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال.. " وبهر الطاغية، وقال:
" أما ان هذا من رهبان بني هاشم.. " وسارع الربيع طالبا منه أن يطلق سراح الامام ولا يضيق عليه في سجنه قائلا: " يا أمير المؤمنين، مالك قد ضيقت عليه في الحبس ؟ " وسارع هارون قائلا: " هيهات: لا بد من ذلك... " (3). وقد عرضنا بصورة شاملة إلى عبادته، وطاعته لله، وما صدر عنه من صنوف العبادة التي تدل على أنه كان إمام المتقين وسيد العابدين والموحدين في عصره. 3 - زهده: وزهد الامام الكاظم (عليه السلام) في الدنيا، واعرض عن مباهجها، وزينتها
(1) وفيات الاعيان 4 / 293 كنز اللغة (ص 766). (2) وفيات الاعيان 4 / 293. (3) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 142. (*)
[ 74 ]
وآثر طاعة الله تعالى على كل شئ، وكان بيته خاليا من جميع امتعة الحياة وقد تحدث عنه ابراهيم بن عبد الحميد فقال: دخلت عليه في بيته الذي كان يصلي فيه، فإذا ليس فيه شئ سوى خصفة، وسيف معلق، ومصحف (1). وكان كثيرا ما يتلو على أصحابه سيرة الصحابي الثائر العظيم أبي ذر الغفاري الذي طلق الدنيا، ولم يحفل بأي شئ من زينتها قائلا: " رحم الله أبا ذر، فلقد كان يقول: جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير: اتغذى بأحدهما، واتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف ائتزر بأحدهما واتردى بالاخرى " (2). لقد وضع الامام موسى (عليه السلام) نصب عينيه سيرة العظماء الخالدين من
صحابة جده سيد المرسلين يشيد بسيرتهم، ويتلو مآثرهم على اصحابه وتلاميذه لتكون لهم قدوة حسنة في حياتهم. 4 - حلمه: أما الحلم فهو من ابرز صفات سيدنا الكاظم (عليه السلام)، فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ، ويقول الرواة: انه كان يعفو عمن اساء إليه، ويصفح عمن اعتدى عليه، وذكر الرواة بوادر كثيرة من حلمه كان منها: 1 - ان شخصين من احفاد عمربن الخطاب كان يسئ للامام موسى ويسب جده الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاراد بعض شيعة الامام اغتياله فنهاهم عن ذلك، ورأى أن يعالجه بغير ذلك فسأل عن مكانه، فقيل له: إن له ضيعة في بعض نواحي يثرب وهو يزرع فيها فركب الامام بغلته، ومضى متنكرا إليه، فأقبل نحوه فصاح به العمري لا تطأ زرعنا فلم يحفل به الامام إذ لم يجد طريقا يسلكه غير ذلك، ولما انتهى إليه قابله الامام ببسمات فياضة بالبشر قائلا له: " كم غرمت في زرعك هذا !.. " " مائة دينار.. ". " كم ترجو ان تصيب منه ؟ " " أنا لا أعلم الغيب.. ".
(1) البحار 11 / 265. (2) اصول الكافي 2 / 134. (*)
[ 75 ]
" انما قلت: لك كم ترجو أن يجيئك منه ! " " ارجو أن يجيئني منه مائتا دينار ". فأعطاه سليل النبوة ثلاث مائة دينار، وقال: هذه لك وزرعك على حاله،
فانقلب العمري رأسا على عقب وخجل على ما فرط في حق الامام، وانصرف الامام عنه وقصد الجامع النبوي، فوجد العمري قد سبقه فلما رأى الامام قام إليه، وهو يهتف بين الناس: " الله اعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء.. " وبادر أصحابه منكرين عليه هذا التغيير فأخذ يخاصمهم ويذكر مناقب الامام ومآثره، والتفت الامام إلى اصحابه قائلا: " أيما كان خيرا ؟ ما أردتم أو ما اردت أن أصلح أمره بهذا المقدار " (1) لقد عامل الامام مبغضيه ومناوئيه بالاحسان واللطف فأقتلع من نفوسهم النزعات الشريرة، وغسل ادمغتهم التى كانت مترعة بالجهل والنقص، وقد وضع امامه قوله تعالى: (ادفع بالتى هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم).. 2 - ومن آيات حلمه أنه اجتاز على جماعة من اعدائه كان فيهم ابن هياج فأمر بعض أتباعه ان يتعلق بلجام بغلة الامام ويدعي أنها له، ففعل ذلك، وعرف الامام غايتة فنزل عن البغلة واعطاها له (2) وقد اعطى الامام بذلك مثلا أعلى للحلم وسعة النفس، وكان (عليه السلام) يوصي ابناءه بالتحلي بهذه الصفة الكريمة فقد قال لهم: " يا بنى أوصيكم بوصية من حفظها انتفع بها، إذا أتاكم آت، فأسمع أحدكم في الاذن اليمنى مكروها، ثم تحول إلى اليسرى فاعتذر لكم، وقال: إني لم اقل شيئا فاقبلوا عذره " (3) وبهذه الوصية نقف على مدى حلمه وسعة اخلاقه، وعدم مقابلة المسئ بالمثل وهذه الظاهرة من أهم الوسائل الداعية إلى التآلف وجمع الكلمة بين الناس
(1) تأريخ بغداد 13 / 28 - 29. (2) البحار 11 / 277. (3) الفصول المهمة (ص 22). (*)
[ 76 ]
5 - جوده:
وكان الامام موسى (عليه السلام) من أندى الناس كفا، ومن اكثرهم عطاء للبائسين والمحرومين، ومن الجدير بالذكر انه كان يتطلب الكتمان وعدم ذيوع ما يعطيه مبتغيا بذلك الاجر عند الله تعالى، ويقول الرواة: انه كان يخرج في غلس الليل البهيم فيوصل البؤساء والضعفاء وهم لا يعلمون من أي جهة تصلهم هذه المبرة، وكانت صلاته لهم تتراوح ما بين المائتين دينار إلى الاربعمائة دينار (1) وكان أهله يقولون: " عجبا لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلة والفقر " (2). وقد حفلت كتب التأريخ ببوادر كثيرة من الحاجة والسؤال ويجمع المترجمون له أنه كان يرى أن أحسن صرف للمال هو ما يرد به جوع جائع، أو يكسو به عاريا، وقد ذكرنا بوادر وامثلة كثيرة من جوده في كتابنا حياة الامام موسى بن جعفر (عليه السلام). 6 - اغاثته للملهوفين: من ابرز ذاتيات الامام موسى (عليه السلام) اغاثته للملهوفين وانقاذهم مما ألم بهم من محن الايام وخطوبها، وكانت هذه الظاهرة من أحب الامور إليه، وقد افتى شيعته بجواز الدخول في حكومة هارون بشرط الاحسان إلى الناس وقد شاعت عنه هذه الفتوى " كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان ". ويقول الرواة: ان شخصا من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة لحكومة الري، وقد عجز عن تسديدها وخاف من الحكومة ان تصادر أمواله، وتنزل به العقوبة الصارمة، فسأل عن الحاكم فأخبروه أنه من شيعة الامام الكاظم (عليه السلام)، فسافر إلى يثرب فلما انتهى إليها تشرف بمقابلة الامام وشكا إليه حاله، وضيق مجاله، فاستجاب (عليه السلام) بالوقت له، وكتب إلى حاكم الري رسالة جاء فيها بعد البسملة: " اعلم ان لله تحت عرشه ظلالا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفا، أو
نفس عنه كربة، أو ادخل على قلبه سرورا، وهذا أخوك والسلام.. ".
(1) تأريخ بغداد 13 / 28. (2) عمدة الطالب (ص 185). (*)
[ 77 ]
وأخذ الرسالة، وبعد ادائه لفريضة الحج اتجه صوب وطنه فلما انتهى إليه، مضى إلى الحاكم ليلا فطرق باب بيته فخرج غلامه فقال له: " من انت ؟ ". " رسول الصابر موسى بن جعفر.. ". فهرع إلى مولاه فأخبره بذلك فخرج حافي القدمين مستقبلا له فعانقه وقبل ما بين عينيه، وطفق يسأله بلهفة عن حال الامام وهو يجيبه، ثم ناوله رسالة الامام، فأخذها باكبار وقبلها فلما قرأها استدعى بامواله وثيابه فقاسمه في جميعها، واعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة، وهو يقول له: " يا أخي هل سررتك ؟... " وسارع الرجل قائلا: " أي والله وزدت على ذلك... " ثم استدعى الحاكم السجل فشطب على جميع الديون التي على الرجل، واعطاه براءة منها، فخرج وقد غمرته موجات من الفرح والسرور، ورأى أن يجازي احسانه بإحسان فيمضي إلى بيت الله الحرام ويدعوا له، ويخبر الامام بما أسداه عليه من المعروف، ولما أقبل موسم الحج سافر الى بيت الله الحرام، ولما انتهى إليه دعا للرجل باخلاص، وأخبره بما اسداه حاكم الري من الاحسان إليه فسر الامام بذلك سرورا بالغا، والتفت إليه الرجل قائلا: " يا مولاى هل سرك ذلك ؟ ". " أي والله لقد سرني، وسر امير المؤمنين، والله لقد سر جدي رسول الله (صلى
الله عليه وآله)، ولقد سر الله تعالى. " (1). وهذه المبادرة تمثل مدى اهتمامه باغاثة الملهوفين، وبها نطوي الحديث عن بعض خصائصه وصفاته. الامام مع هارون: وعانى الامام الكاظم (عليه السلام) الوانا قاسية من المحن والخطوب في عهد الطاغية هارون الذي جهد على ظلمه والتنكيل به، فقد قضى زهرة حياته في ظلمات
(1) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 161 - 162. (*)
[ 78 ]
سجونه، محجوبا عن أهله وشيعته، ونقدم عرضا سريعا إلى ما لاقاه في عهد هارون. القاء القبض على الامام: وثقل الامام على هارون، وورم أنفه منه، وذلك لانه اعظم شخصية في العالم الاسلامي يكن له المسلمون المودة والاحترام، في حين أنه لم يحظ بذلك. ويقول الرواة: ان من الاسباب التي ادت هارون لسجنه للامام انه لما زار قبر النبي (ص) وقد احتف به الاشراف والوجوه والوزراء، وكبار رجال الدولة، واقبل على الضريح المقدس، ووجه له التحية قائلا: " السلام عليك يا بن العم... ". ولقد أفتخر على من سواه برحمه الماسة من النبي (صلى الله عليه وآله) فانه انما نال الخلافة بهذا السبب، وكان الامام موسى (عليه السلام) إلى جانبه فسلم على النبي العظيم قائلا: " السلام عليك يا أبت.. ". وفقد الرشيد صوابه، وورم أنفه وانتفخت أوداجه، فان الامام (عليه السلام) اقرب منه إلى النبي، والصق به من غيره فاندفع الطاغية بنبرات تقطر غضبا قائلا:
" لم قلت: إنك اقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منا ؟.. ". فادلى الامام بالحجة القاطعة التي لا يمكن انكارها قائلا: " لو بعث رسول الله حيا، وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك ؟ ". وسارع هارون قائلا: " سبحان الله ! ! واني لافتخر بذلك على العرب والعجم... ". وانبرى الامام (عليه السلام) يقيم عليه الدليل انه أقرب إلى النبي (ص) منه قائلا: " ولكنه لا يخطب مني، ولا أزوجه لانه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم.. " وأقام الامام دليلا آخر على قوله فقال لهارون: " هل يجوز لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدخل على حرمك وهن كاشفات ؟ ".
[ 79 ]
فقال هارون: لا وقال الامام: لكن له أن يدخل على حرمي، ويجوز له ذلك، فلذلك نحن أقرب إليه منكم.. " (1). وثار الرشيد، ولم يجد مسلكا ينفذ منه لتفنيد حجة الامام (عليه السلام)، وانطوت نفسه على الشر فجاء إلى قبر النبي (ص) وقال له: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني عتذر اليك من أمر عزمت عليه اني أريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه لاني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حربا يسفك فيها دماءهم.. ". لقد حسب ان اعتذاره إلى النبي (ص) من ارتكاب الجريمة يجديه وينفي عنه المسؤولية في يوم يخسر فيه المبطلون.
وفي اليوم الثاني أصدر آوامره بإلقاء القبض على الامام، فألقت الشرطة القبض عليه وهو قائم يصلي عند رأس جده النبي (ص) فقطعوا عليه صلاته، ولم يمهلوه لا تمامها، فحمل من ذلك المكان الشريف، وقيد وهو يذرف أحر الدموع، ويبث شكواه إلى جده قائلا: " إليك اشكو يا رسول الله.. ". وحمل الامام وهو يرسف في القيود، فمثل أمام الطاغية هارون فجفاه، واغلظ له في القول (2). سجنه في البصرة: وحمل الامام مقيدا إلى البصرة، وقد وكل حسان السري بحراسته، والمحافظة عليه وفي الطريق التقى به عبد الله بن مرحوم الازدي، فدفع له الامام كتبا، وأمره بإيصالها إلى ولي عهده الامام الرضا (عليه السلام)، وعرفه بأنه الامام من بعده (3). وسارت القافلة تطوي البيداء حتى انتهت إلى البصرة وذلك قبل التروية بيوم (4) فسلم حسان الامام إلى عيسى بن جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس
(1) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 456 - 457. (2) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 465. (3) تنقيح المقال. (4) منتخب التواريخ (ص 518). (*)
[ 80 ]
واقفل عليه أبواب السجن، فكان لا يفتحها إلا في حالتين: احداهما خروجه إلى الطهور والاخرى لادخال الطعام إليه. واقبل الامام على العبادة والطاعة فكان يصوم في النهار ويقوم في الليل، ويقضي عامة وقته في الصلاة والسجود والدعاء وقراءة القرآن، واعتبر تفرغه للعبادة
من نعم الله تعالى عليه، فكما يقول: " اللهم انك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهم وقد فعلت فلك الحمد " (1). الايعاز لعيسى باغتياله: وأوعز هارون إلى عيسى عامله على البصرة باغتيال الامام (عليه السلام) وثقل الامر على عيسى. فاستشار خواصه بذلك فمنعوه وخوفوه من عاقبة الامر، فاستجاب لهم، ورفع رسالة إلى هارون، جاء فيها: " يا امير المؤمنين كتب إلي في هذا الرجل، وقد اختبرته طول مقامه بمن حبسته معه عينا عليه، لينظروا حيلته وأمره وطويته ممن له المعرفة والدراية، ويجري من الانسان مجرى الدم، فلم يكن منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير، ولم يكن عنده تطلع إلى ولدية، ولا خروج، ولا شئ من أمر الدنيا، ولا دعا قط على امير المؤمنين، ولا على أحد من الناس، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين من ملازمته للصيام والصلاة والعبادة، فان رأى امير المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلمه مني، وإلا سرحت سبيله، فاني منه في غاية الحرج " (2). ودلت هذه الرسالة على خوف عيسى من الاقدام على أغتيال الامام، وقد بقي في سجنه سنة كاملة (3). سجنه في بغداد: واستجاب الرشيد لطلب عامله عيسى، فأمره بحمل الامام إلى بغداد، فحمل إليها، تحف به الشرطة والحرس، ولما أنتهى إليها أمر الرشيد بحبسه عند الفضل بن الربيع، فأخذ الفضل، وحبسه في بيته، ولم يحبسه في السجون العامة وذلك لسمو
(1) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 466. (2) الفصول المهمة.
(3) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 468. (*)
[ 81 ]
مكانة الامام، وعظم شخصيته، فخاف من حدوث الفتنة واضطراب الرأى العام. واقبل الامام (عليه السلام) على العبادة والطاعة، وقد بهر الفضل بعبادته فقد روى عبد الله القزويني قال: دخلت على الفضل بن الربيع، وهو جالس على سطح داره فقال لي: ادن مني فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي: " اشرف على الدار.. " وأشرف عبد الله على الدار، فقال له الفضل: - ما ترى في البيت ؟ - أرى ثوبا مطروحا. - انظر حسنا. فتأمل عبد الله، ونظر مليا فقال: - رجل ساجد. - هل تعرفه ؟ - لا. - هذا مولاك. - من مولاي ؟ - تتجاهل علي ؟ - ما أتجاهل، ولكن لا اعرف لي مولى. - هذا أبو الحسن موسى بن جعفر. وكان عبد الله ممن يدين بأمامته، وأخذ الفضل يحدثه عن عبادته قائلا: " إني اتفقده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الاوقات إلا على الحال التي
أخبرك بها، إنه يصلي الفجر، فيعقب ساعة في دبر صلاته، إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد له الزوال فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس ؟ إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدد الوضوء، فاعلم أنه لم ينم في سجوده، ولا أغفى فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العتمة، فإذا صلى العتمة افطر على شوى يؤتى به، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد، ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم
[ 82 ]
يقوم فيجدد الوضوء، ثم يقوم، فلا يزال يصلي حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع ؟ إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حول لي " وهكذا كان الامام سيد المتقين، وامام المنيبن قد طبع على قلبه حب الله تعالى، وهام بعبادته وطاعته. ولما رأى عبد الله الفضل للامام حذره من أن يستجيب لهارون باغتياله قائلا له: " اتق الله، ولا تحدث في أمره حدثا يكون منه زوال النعمة فقد تعلم أنه لم يفعل أحد سوء إلا كانت نعمته زائلة ". فأنبرى الفضل يؤيد ما قاله عبد الله. " قد ارسلوا الي غير مرة يأمرونني بقتله فلم أجبهم إلى ذلك " (1). لقد خاف الفضل من نقمة الله وعذابه في الدنيا والآخرة ان اغتال الامام، أو تعرض له بمكروه. نصه على امامة الرضا:
ونصب الامام موسى (عليه السلام) ولده الامام الرضا (عليه السلام) علما لشيعته ومرجعا لامته وقد خرجت من السجن عدة الواح كتب فيها " عهدي إلى ولدي الاكبر " (2). وقد أهتم الامام موسى بتعيين ولده اماما من بعده، وعهد بذلك إلى جمهرة كبيرة من اعلام شيعته كان من بينهم ما يلي: 1 - محمد بن اسماعيل: روى محمد بن اسماعيل الهاشمي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر، وقد اشتكى شكاة شديدة فقلت له: " أسأل الله أن لا يريناه - أي فقدك - فالى من ؟ " قال (عليه السلام):
(1) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 469 - 471. (2) نفس المصدر. (*)
[ 83 ]
" إلى ابني علي، فكتابه كتابي، وهو وصيي، وخليفتي من بعدي " (1). 2 - علي بن يقطين: روى علي بن يقطين، قال: كنت عند أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، وعنده علي ابنه، فقال: يا علي هذا ابني سيد ولدي، وقد نحلته كنيتي، وكان في المجلس هشام بن سالم فضرب على جبهته، وقال: إنا لله نعى والله إليك نفسه (2). 3 - نعيم بن قابوس: روى نعيم بن قابوس، قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): علي ابني اكبر ولدي، واسمعهم لقولي: وأطوعهم لامري، ينظر في كتاب الجفر والجامعة، ولا ينظر فيهما إلا نبي أو وصي نبي (3). 4 - داود بن كثير: روى داود بن كثير الرقى، قال: قلت لموسى الكاظم: جعلت فداك، إني قد
كبرت، وكبر سني، فخذ بيدي، وانقذني من النار، من صاحبنا بعدك ؟ فأشار (عليه السلام) إلى ابنه أبي الحسن الرضا، وقال: هذا صاحبكم بعدي (4). 5 - سليمان بن حفص: روى سليمان بن حفص المروزي، قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وأنا أريد أن أسأله عن الحجة على الناس بعده، فلما نظر إلي ابتداني، وقال: يا سليمان إن عليا ابني ووصيي، والحجة على الناس بعدي، وهو أفضل ولدي، فان بقيت بعدي فاشهد له تذلك عند شيعتي وأهل ولايتي، المستخبرين عن خليفتي بعدي (5).
(1) كشف الغمة 3 / 88. (2) كشف الغمة 3 / 88. (3) كشف الغمة 3 / 88. (4) الفصول المهمة (ص 225). (5) عيون اخبار الرضا 1 / 26. (*)
[ 84 ]
6 - عبد الله الهاشمي: قال عبد الله الهاشمي: كنا عند القبر - اي قبر النبي (ص) - نحو ستين رجلا منا ومن موالينا، إذ أقبل أبو ابراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) ويد علي ابنه في يده فقال: أتدرون من أنا ! قلنا: أنت سيدنا وكبيرنا، فقال: سموني وانسبوني، فقلنا: أنت موسى بن جعفر بن محمد، فقال: من هذا ؟ - واشار إلى ابنه - قلنا: هو علي بن موسى بن جعفر، قال: فاشهدوا أنه وكيلي في حياتي، ووصيي بعد موتي (1)
7 - عبد الله بن مرحوم: روى عبد الله بن مرحوم قال: خرجت من البصرة أريد المدينة، فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا ابراهيم، وهو يذهب به إلى البصرة، فارسل إلي فدخلت عليه فدفع إلي كتبا، وأمرني أن اوصلها الى المدينة، فقلت: إلى من ادفعها ؟ جعلت فداك قال: إلى علي ابني، فانه وصيي، والقيم بأمري، وخير بني (2) 8 - عبد الله بن الحرث: روى عبد الله بن الحرث، قال: بعث إلينا أبو ابراهيم فجمعنا ثم قال: أتدرون لم جمعتكم ! قلنا: لا، قال: اشهدوا إن عليا ابني هذا وصيي، والقيم بأمري، وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كانت له عندي عدة فليستنجزها منه، ومن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني إلا بكتابه (3) 9 - حيدر بن أيوب: روى حيدر بن ايوب، قال: كنا بالمدينة في موضع يعرف بالقبا فيه محمد بن زيد بن علي، فجاء بعد الوقت الذي كان يجيئنا فيه فقلنا له: جعلنا الله فداك ما حبسك ؟ - أي ما أخرك عن المجئ - قال: دعانا أبو ابراهيم اليوم سبعة عشر رجلا من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام)، فاشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته، وإن أمره جايز - أي نافذ - عليه، وله، ثم قال محمد: والله يا حيدر لقد عقد له الامامة اليوم، وليقولن الشيعة به من بعده، قلت:
(1) عيون اخبار الرضا 1 / 26 - 27. (2) عيون اخبار الرضا. (3) عيون اخبار الرضا. (*)
[ 85 ]
بل يبقيه الله، وأي شئ هذا ؟ يا حيدر إذا أوصى إليه فقد عقد له بالامامة (1)
10 - الحسين بن بشير: قال الحسين بن بشير: أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفر ابنه عليا، كما أقام رسول الله (ص)، عليا يوم غدير خم، فقال: يا أهل المدينة أو قال: يا أهل المسجد هذا وصيي من بعدي (2). 11 - جعفر بن خلف: روى جعفر بن خلف قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: سعد امرؤ لم يمت حتى يرى منه خلف، وقد اراني الله من ابني هذا خلفا وأشار إليه - يعني الرضا - (3) 12 - نصر بن قابوس: روى نصر بن قابوس قال: قلت لابي ابراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام)، إني سألت أباك من الذي يكون بعدك ؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبد الله ذهب الناس يمينا وشمالا، وقلت: أنا وأصحابي بك، فاخبرني من الذي يكون بعدك ؟ قال: ابني علي (4). 13 - محمد بن سنان: روى محمد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن قبل أن يحمل إلى العراق بسنة، وعلي ابنه بين يديه، فقال لي: يا محمد، فقلت: لبيك، قال: انه سيكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع منها، ثم اطرق، ونكت بيده في الارض، ورفع رأسه إلي وهو يقول: ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء قلت: وما ذاك ؟ قال: من ظلم ابني هذا حقه، وجحد امامته من بعدي، كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقه، وجحد امامته من بعد محمد (صلي الله عليه وآله) فعلمت أنه قد نعى إلى نفسه، ودل على ابنه، فقلت:
(1) عيون اخبار الرضا. (2) عيون اخبار الرضا. (3) عيون اخبار الرضا 1 / 30.
(4) عيون اخبار الرضا 1 / 31. (*)
[ 86 ]
والله لئن مد الله في عمري لاسلمن إليه حقه، ولاقرن له بالامامة، وأشهد انه من بعدك حجة الله تعالى على خلقه، والداعي إلى دينه، فقال لي: يا محمد يمد الله في عمرك، وتدعو إلى امامته، وامامة من يقوم مقامه من بعده، فقلت: من ذاك جعلت فداك، قال: محمد ابنه، قال: قلت: فالرضا والتسليم، قال: نعم كذلك وجدتك في شيعتنا أبين من البرق في اليلة الظلماء ثم قال: يا محمد ان المفضل كان انسي ومستراحي، وأنت أنسهما ومستراحهما (1) حرام على النار أن تمسك أبدا (2). هذه بعض النصوص التي أثرت عن الامام موسى (عليه السلام) على امامة ولده الامام الرضا (عليه السلام)، وقد حفلت باهتمام الامام موسى في هذا الموضوع، ولعل السبب في ذلك يعود إلى تفنيد القائلين بالوقف على امامته، وابطال شبههم، وتحذير المسلمين منهم. وصية الامام: وأقام الامام موسى (عليه السلام) ولده الرضا وصيا من بعده، وقد اوصاه بوصيتين، وهما يتضمنان ولايته على صدقاته، ونيابته عنه في شؤونه الخاصة والعامة، والزام أبنائه باتباعه، والانصياع لاوامره، كما عهد إلى السيدات من بناته أن يكون زواجهن بيد الامام الرضا لانه اعرف بالكفؤ من غيره، فينبغي أن لا يتزوجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهن ومنزلتهن. اما الوصية الثانية فقد ذكرناها في كتابنا حياة الامام موسى (عليه السلام) فلا حاجة لذكرها فاني لا أحب أن اذكر شيئا قد كتبته. سجن السندي:
وأمر الرشيد بسجن الامام في سجن السندي بن شاهك وهو شرير لم تدخل الرحمة إلى قلبه، وقد تنكر لجميع القيم لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لله وقارا، فقابل الامام بكل قسوة وجفاء فضيق عليه في مأكله ومشربه، وكبله بالقيود، ويقول الرواة انه قيده بثلاثين رطلا من الحديد.
(1) الضمير برجع إلى الامام الرضا وابنه محمد الجواد. (2) عيون اخبار الرضا 1 / 32 - 33. (*)
[ 87 ]
واقبل الامام على عادته على العبادة فكان في أغلب أوقاته يصلي لربه، ويقرأ كتاب الله، ويمجده ويحمده على أن فرغه لعبادته. كتابه إلى هارون: وارسل الامام رسالة إلى هارون أعرب فيها عن نقمته عليه وهذا نصها: " انه لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء حتى نفنى جميعا إلى يوم ليس فيه انقضاء، وهناك يخسر المبطلون " (1). وحكت هذه الرسالة ما ألم بالامام من الجزع والاسى من السجن وانه سيحاكم الطاغية أمام الله تعالى في يوم يخسر فيه المبطلون. اغتيال الامام: وعهد الطاغية إلى السندي أو إلى غيره من رجال دولته باغتيال الامام، فدس له سما فاتكا في رطب، واجبره السندي على تناوله، فأكل منه رطبات يسيرة، فقال له السندي: " زد على ذلك.. ". فرمقه الامام بطرفه، وقال له: " حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه.. " (2). وتفاعل السم في بدن الامام، وأخذ يعاني الآلام القاسية وقد حفت به الشرطة
القساة، ولازمه السندي، فكان يسمعه مر الكلام وأقساه، ومنع عنه جميع الاسعافات ليعجل له النهاية المحتومة. لقد عانى الامام في تلك الفترة الرهيبة اقسى الوان المحن والخطوب، فقد تقطعت اوصاله من السم، وكان أشق عليه ما يسمعه من انتهاك لحرمته وكرامته من السندي وجلاوزته. إلى الرفيق الاعلى: وسرى السم في جميع اجزاء بدن الامام (عليه السلام)، وأخذ يعاني أقسى الوان الاوجاع والآلام، واستدعى الامام السندي فلما مثل عنده أمره ان يحضر مولى
(1) البداية والنهاية 10 / 183. (2) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 499 - 500. (*)
[ 88 ]
له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى تجهيزه، وسأله السندي أن يأذن له في تجهيزه فأبى، وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا، وحج صرورتنا، واكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني (1) واحضر له السندي مولاه فعهد له بتجهيزه. ولما ثقل حال الامام، وأشرف على النهاية المحتومة استدعى المسيب بن زهرة، وقال له: " اني على ما عرفتك من الرحيل إلى الله عزوجل فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت، واصفر لوني واحمر، واخضر، وأتلون الوانا، فأخبر الطاغية بوفاتي... ". قال المسيب: فلم أزل اراقب وعده، حتى دعا (عليه السلام) بشربة فشربها، ثم استدعاني فقال: " يا مسيب إن هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي،
ودفني، وهيهات، هيهات أن يكون ذلك أبدا فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني بها، ولا ترفعوا قبري فوق أربعة أصابع مفرجات، ولا تأخذوا من تربتي شيئا لتتبركوا به فان كل تربة لنا محرمة الا تربة جدي الحسين بن علي فان الله عز وجل جعلها شفاء لشيعتنا واوليائنا.. ". قال المسيب: ثم رأيت شخصا أشبه الاشخاص به جالسا إلى جانبه، وكان عهدي بسيدي الرضا (عليه السلام) وهو غلام فاردت أن أسأله، فصاح بي سيدي موسى وقال: أليس قد نهيتك، ثم انه غاب ذلك الشخص، وجئت إلى الامام فإذا به جثة هامدة قد فارق الحياة، فانتهيت بالخبر إلى الرشيد (2). لقد سمت روح الامام إلى خالقها العظيم تحفها ملائكة الرحمن بطاقات من زهور الجنة، وتستقبلها ارواح الانبياء والاوصياء والمصطفون الاخيار. سيدي أبا الرضا: لقد مضيت إلى دار الخلود بعد أن اديت رسالتك، ورفعت كلمة الله عالية في الارض، ونافحت عن حقوق المظلومين، والمضطهدين، وقاومت الطغيان والاستبداد، فما اعظم عائدتك على الاسلام والمسلمين. سيدي أبا الرضا:
(1) مقاتل الطالبين (ص 504). (2) حياة الامام موسى 2 / 514 - 515. (*)
[ 89 ]
لقد تجرعت أنواع المحن والغصص والخطوب من طاغية زمانك فأودعك في سجونه، وضيق عليك في كل شئ، وحال بينك وبين شيعتك وإبنائك وعائلتك، لانك لم تسايره ولم تبرر منكره، فقد تزعمت الجبهة المعارضة للظلم والطغيان، ورحت تندد بسياسته الهوجاء التي بنيت على سرقة أموال المسلمين، وانفاقها في ملذاته، ولياليه الحمراء، فسلام الله عليك غادية ورائحة وسلام الله عليك يوم
ولدت، ويوم مت ويوم تبعث حيا. تحقيق الشرطة في الحادث: وقامت الشرطة بدورها في التحقيق في سبب وفاة الامام، وقد بذلت قصارى جهودها في ان الامام مات حتف أنفه لتبرئ ساحة الطاغية هارون، وقد قام بذلك السندي ابن شاهك، وكان ذلك في مواضع منها ما رواه عمرو بن واقد، قال: ارسل إلي السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد فخشيت ان يكون لسوء يريده لي، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم ركبت إليه، فلما رآني مقبلا قال: " يا أبا حفص لعلنا أرعبناك وازعجناك ؟.. " " نعم ".. " ليس هنا الا الخير... " " فرسول تبعثه إلى منزلي ليخبرهم خبري.. " " نعم ".. ولما هدأ روعه، وذهب عنه الخوف، قال له السندي: " يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك ؟.. ". " لا ". " اتعرف موسى بن جعفر ؟.. " " أي والله أعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر.. " هل ببغداد ممن يقبل قوله تعرفه أنه يعرفه ؟.. " " نعم ". ثم انه سمى له اشخاصا ممن يعرفون الامام، فبعث خلفهم فقال لهم: هل تعرفون قوما يعرفون موسى بن جعفر ؟ فسموا له قوما فأحضرهم، وقد استوعب الليل فعله حتى انبلج نور الصبح، ولما كمل عنده من الشهود نيف وخمسون رجلا،.
[ 90 ]
امر باحضار كاتبه، ويعرف اليوم بكاتب الضبط، فأخذ في تسجيل اسمائهم ومنازلهم واعمالهم وصفاتهم وبعد انتهائه من الضبط اخبر السندي بذلك فخرج من محله، والتفت إلى عمرو فقال له: قم يا أبا حفص فاكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر، فكشف عمرو الثوب عن وجه الامام، والتفت السندي إلى الجماعة، فقال لهم: انظروا إليه، فدنا واحد منهم بعد واحد، فنظروا إليه جميعا ثم قال لهم: " تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر ؟.. ". " نعم ". ثم أمر غلامه بتجريد الامام من ملابسه، ففعل الغلام ذلك، ثم التفت إلى القوم فقال لهم: " أترون به أثرا تنكرونه ؟.. " فقالوا: " لا ". ثم سجل شهادتهم وانصرفوا (1). كما استدعى فقهاء بغداد ووجوهها، وفيهم الهيثم بن عدي فسجل شهادتهم بان الامام مات حتف انفه (2) وفعل هارون مثل ذلك من الاجراءات والسبب في ذلك تنزيهه من اقتراف الجريمة، ونفي المسؤولية عنه. وضعه على الجسر: ووضع جثمان الامام سليل النبوة على جسر الرصافة ينظر إليه القريب والبعيد، وتتفرج عليه المارة، وقد احتفت به الشرطة، وكشفت وجهه للناس، وقد حاول الطاغية بذلك اذلال الشيعة والاستهانة بمقدساتها وكان هذا الاجراء من اقسى الوان المحن التي عانتها الشيعة فقد كوى بذلك قلوبهم وعواطفهم يقول الشيخ محمد ملة: من مبلغ الاسلام أن زعيمه * قد مات في السجن الرشيد سميما فالغي بات بموته طرب الحشا * وغدا لمأتمه الرشاد مقيما ملقى على جسر الرصافة نعشه * فيه الملائك احدقوا تعظيما
وقال الخطيب المفوه الشيخ محمد علي اليعقوبي: مثل موسى يرمى على الجسر ميتا * لم يشيعه للقبور موحد حملوه وللحديد برجليه هز * يج له الاهاضيب تنهد (3)
(1) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 519. (2) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 519. (3) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 521. (*)
[ 91 ]
النداء الفظيع: يا لهول المصاب، يالروعة الخطب، لقد انتهك السندي جميع حرمات الاسلام، فقد أمر الجلارين أن ينادوا على الجثمان المقدس بنداء مؤلم، فبدل أن ينادوا بالحضور لجنازة الطيب ابن الطيب أمرهم أن ينادوا بعكس ذلك، وانطلق العبيد والانذال يجوبون في شوارع بغداد رافعين اصواتهم بذلك النداء القذر، وأمرهم ثانيا أن ينادوا بنداء آخر: " هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه ميتا.. " (1). قيام سليمان بتجهيز الامام: وكان سليمان مطلا على نهر دجلة في قصره، فرأى الشرطة وقطعات من الجيش تجوب في الشوارع، والناس مضطربة، فزعة، فهاله ذلك، فالتفت إلى ولده وغلمانه قائلا: " ما الخبر ؟ ؟ ". فقالوا له: " هذا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر... ".
وأخبروه بندائه الفظيع، فخاف سليمان من حدث الفتنة وانفجار الوضع بما لا تحمد عقباه، وصاح بولده: " انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فان مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من سواد - وهو لباس الشرطة والجيش - " (2). وانطلق ابناء سليمان مسرعين ومعهم غلمانهم وحراسهم إلى الشرطة، فأخذوا الجثمان المقدس من أيديهم، ولم تبد الشرطة أيه مقاومة معهم، فسليمان عم الخليفة وأهم شخصية لامعة في الاسرة العباسية. وحمل جثمان الامام إلى سليمان فأمر أن ينادي في شوارع بغداد بنداء معاكس لنداء السندي، وانطلق المنادون رافعين اصواتهم بهذا النداء: " ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليحضر ".
(1) حياة الامام موسى بن جعفر. (2) حياة الامام موسى بن جعفر. (*)
[ 92 ]
وخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان امام المسلمين وسيد المتقين والعابدين، وخرجت الشيعة وهي تلطم الصدور وتذرف الدموع وخرجت السيدات من نسائهم، وهن يندبن الامام، ويرفعن اصواتهن بالنياحة عليه. وسارت مواكب التشييع وهي تجوب في شوارع بغداد، وتردد أهازيج اللوعة والحزن، وأمام النعش المقدس مجامير العطور، وانتهى به إلى موضع في سوق سمى بعد ذلك بسوق الرياحين، كما بني على الموضع الذي وضع فيه الجثمان المقدس لئلا تطأه الناس باقدامهم تكريما له (1) وانبرى شاعر ملهم فأبن الامام بهذه الابيات الرائعة: قد قلت للرجل المولى غسله * هلا أطعت وكنت من نصائحه جنبه ماؤك ثم غسله بما * أذرت عيون المجد عند بكائه
وأزل أفاويه الحنوط ونحها * عنه وحنطه بطيب ثنائه ومر الملائكة الكرام بحمله * كرما الست تراهم بأزائه لاتوه أعناق الرجال بحمله * يكفي الذي حملوه من نعمائه (2) وسارت المواكب متجهة إلى محلة باب التبن، وقد ساد عليها الوجوم والحزن، حتى انتهت إلى مقابر قريش فحفر للجثمان العظيم قبر، وانزله فيه سليمان بن أبي جعفر، وهو مذهول اللب، فواراه فيه وارى فيه الحلم والكرم والعلم، والاباء. وانصرف المشيعون، وهم يعددون فضائل الامام، ويذكرون بمزيد من اللوعة الخسارة التي مني بها المسلمون، فتحيات من الله على تلك الروح العظيمة التي ملات الدنيا بفضائلها وآثارها ومآثرها. تقلد الامام الرضا للزعامة الكبرى: وتقلد الامام الرضا (عليه السلام) بعد وفاة أبيه الزعامة الدينية الكبرى، والمرجعية العامة للمسلمين، وقد احتف به العلماء والفقهاء وهم يسجلون آراءه في ميادين الآداب والحكمة، وما يفتي به من المسائل الشرعية وغير ذلك من صنوف المعارف والعلم.
(1) الانوار البهية (ص 99). (2) الاتحاف بحب الاشراف (ص 57). (*)
[ 93 ]
سفره إلى البصرة: وبعد وفاة الامام الكاظم (عليه السلام) سافر الامام الرضا (عليه السلام) إلى البصرة للتدليل على امامته، وابطال شبه المنحرفين عن الحق، وقد نزل ضيفا في دار الحسن بن محمد العلوي، وقد عقد في داره مؤتمرا عاما ضم جمعا من المسلمين كان
من بينهم عمرو بن هداب، وهو من المنحرفين عن آل البيت (عليهم السلام) والمعادين لهم، كما دعا فيه جاثليق النصارى، ورأس الجالوت، والتفت إليهم الامام فقال لهم: " إني انما جمعتكم لتسألوني عما شئتم من آثار النبوة وعلامات الامامة التي لا تجدونها إلا عندنا أهل البيت، فهلموا اسألكم... ". وبادر عمرو بن هداب فقال له: " إن محمد بن الفضل الهاشمي أخبرنا عنك أنك تعرف كل ما أنزله الله، وانك تعرف كل لسان ولغة... ". وانبرى الامام (عليه السلام) فصدق مقالة محمد بن الفضل في حقه قائلا: " صدق محمد بن الفضل أنا أخبرته بذلك.. ". وسارع عمرو قائلا: " إنا نختبرك قبل كل شئ بالالسن، واللغات، هذا رومي، وهذا هندي، وهذا فارسي، وهذا تركي، قد احضرناهم.. ". فقال (عليه السلام): " فليتكلموا بما أحبوا، أجب كل واحد منهم بلسانه ان شاء الله... ". وتقدم كل واحد منهم أمام الامام فسأله عن مسألة فأجاب (عليه السلام) عنها بلغته، وبهر القوم وعجبوا، والتفت الامام إلى عمرو فقال له: " إن أنا أخبرتك أنك ستبتلي في هذه الايام بدم ذي رحم لك هل كنت مصدقا لي ؟... ". " لا. فان الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.... ". ورد الامام عليه مقالته: " اوليس الله تعالى يقول: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد الا من ارتضى
من رسول) فرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك
[ 94 ]
الرسول الذي اطلعه الله على ما يشاء من غيبه فعلمنا ماكان، وما يكون إلى يوم القيامة. وان الذي اخبرتك به يابن هداب لكائن إلى خمسة أيام وان لم يصح في هذه المدة فاني.. وان صح فتعلم أنك راد على الله ورسوله. واضاف الامام قائلا: " اما انك ستصاب ببصرك، وتصير مكفوفا، فلا تبصر سهلا، ولا جبلا وهذا كائن بعد أيام، ولك عندي دلالة أخرى، انك ستحلف يمينا كاذبة فتضرب بالبرص.. ". وأقسم محمد بن الفضل بالله بأن ما اخبر به الامام قد تحقق، وقيل لابن هداب: " هل صدق الرضا بما أخبر به ؟.. ". فقال: والله لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به أنه كائن، ولكني كنت اتجلد. والتفت الامام إلى الجاثليق فقال له: " هل دل الانجيل عل نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ ". وسارع الجاثليق قائلا: " لو دل الانجيل على ذلك ما جحدناه... ". ووجه الامام له السؤال التالي: " اخبرني عن السكنة التي لكم في السفر الثالث ؟.. ". واجاب الجاثليق:
" انها اسم من اسماء الله تعالى لا يجوز لنا ان نظهره.. ". ورد عليه الامام قائلا: " فان قربه ربك أنه اسم محمد، وأقر عيسى به، وأنه بشر بني اسرائيل بمحمد لتقربه، ولا تنكره ؟.. ". ولم يجد الجاثليق بدا من الموافقة على ذلك قائلا: " إن فعلت اقررت، فاني لا أرد الانجيل ولا اجحده... ". وأخذ الامام يقيم عليه الحجة قائلا: " خذ على السفر الثالث الذي فيه ذكر محمد (صلى الله عليه وآله) وبشارة عيسى
[ 95 ]
بمحمد ؟.. ". وسارع الجاثليق قائلا: " هات ما قلته... ". فأخذ الامام (عليه السلام) يتلو عليه السفر من الانجيل الذي فيه ذكر الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وقال للجاثليق: " من هذا الموصوف ؟.. ". قال الجاثليق: " صفه ". وأخذ الامام (عليه السلام) في وصفه قائلا: " لا أصفه إلا بما وصفه الله، وهو صاحب الناقة، والعصا، والكساء، النبي الامي، الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم ؟ ؟ عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم اصرهم، والاغلال التي كانت عليهم، يهدي إلى الطريق الاقصد، والمنهاج الاعدل، والصراط الاقوم.
سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله، وكلمته، هل تجدون هذه الصفة في الانجيل لهذا النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ ؟ ". وأطرق الجاثليق مليا برأسه إلى الارض، وقد ضاقت عليه الارض بما رحبت، فقد سد عليه الامام كل نافذة يسلك منها، ولم يسعه أن يجحد الانجيل، فأجاب الامام قائلا: نعم هذه الصفة من الانجيل، وقد ذكر عيسى في الانجيل هذا النبي ولم يصح عند النصارى أنه صاحبكم.. ". وانبرى الامام يقيم عليه الحجة، ويبطل أوهامه قائلا: " أما إذا لم تكفر بجحود الانجيل، وأقررت بما فيه من صفة محمد (صلى الله عليه وآله)، فخذ على السفر الثاني، فانه قد ذكره وذكر وصيه، وذكر ابنته فاطمة وذكر الحسن والحسين.. " وقد استبان للجاثليق ورأس الجالوت أن الامام (عليه السلام) عالم بالتوراة والانجيل، وانه واقف على جميع ما جاء فيهما، وفكرا في التخلص من حجج الامام فابديا الشك في أن الذي بشر به موسى والسيد المسيح هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وطفقا قائلين:
[ 96 ]
" لقد بشربه موسى وعيسى جميعا، ولكن لم يتقرر عندنا أنه محمد هذا، فأما كون اسمه محمد، فلا يجوز أن نقر لكم بنبوته، ونحن شاكون انه محمدكم أو غيره.. " وانبرى الامام ففند شبهتهم قائلا: " إحتججتم بالشك، فهل بعث الله قبل أو بعد من ولد آدم إلى يومنا هذا نبيا اسمه محمد أو تجدونه في شئ من الكتب التي انزلها الله على جميع الانبياء غير
محمد ؟.. " واحجموا عن الجواب، ولم يجدا شبهة يتمسكان بها، وأصرا على العناد والجحود قائلين: " لا يجوز لنا أن نقر لك بأن محمدا هو محمدكم، فإنا إن أقررنا لك بمحمد ووصيه وابنته وابنيها على ما ذكرتم ادخلتمونا في الاسلام كرها.. " وانبرى الامام قائلا: " أنت يا جاثليق آمن في ذمة الله، وذمة رسوله أنه لا يبدؤك مناشئ تكرهه.. ". وسارع الجاثليق قائلا: " إذ قد آمنتني، فان هذا النبي الذي اسمه محمد، وهذا الوصي الذي اسمه علي، وهذه البنت التي اسمها فاطمة، وهذان السبطان اللذان اسمهما الحسن والحسين في التوراة والانجيل والزبور، وطفق الامام قائلا: " هل هذا صدق وعدل ؟.. ". " بل صدق وعدل.. " وسكت الجاثليق، واعترف بالحق، والتفت الامام إلى رأس الجالوت فقال له: " اسمع يا رأس الجالوت السفر الفلاني من زبور داود... " قال رأس الجالوت: " بارك الله فيك وفيمن ولدك:، هات ما عندك... " وأخذ الامام يتلو عليه السفر الاول من الزبور حتى انتهى إلى ذكر محمد وعلي وفاطمة والحسن الحسين، ووجه الامام له السؤال التالي: " سألتك يا رأس الجالوت بحق الله هذا في زبور داود ؟... " " نعم هذا بعينه في الزبور باسمائهم... ".
[ 97 ]
وانبرى الامام قائلا: " بحق عشر الآيات التي أنزلها الله على موسى بن عمران في التوراة هل تجد صفة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين في التوراة منسوبين إلى العدل والفضل ؟ " ولم يسع رأس الجالوت إلا الاقرار والاعتراف بذلك، واخذ الامام يتلو في سفر آخر من التوراة، وقد بهر رأس الجالوت من اطلاع الامام ومن فصاحته وبلاغته، وتفسيره ما جاء في النبي وعلي وفاطمة والحسنين، فقال رأس الجالوت: " والله يابن محمد لولا الرياسة التي حصلت لي على جميع اليهود لآمنت باحمد، واتبعت أمرك، فوالله الذي أنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، ما رأيت اقرأ للتوراة والانجيل والزبور منك، ولا رأيت أحسن تفسيرا وفصاحة لهذه الكتب منك ". وقد استغرقت مناظرة الامام معهم وقتا كثيرا حتى صار وقت صلاة الظهر فقام (عليه السلام) فصلى بالناس صلاة الظهر، وانصرف إلى شؤونه الخاصة، وفي الغد عاد إلى مجلسه، وقد جاءوا بجارية رومية لامتحان الامام (عليه السلام)، فكلمها الامام بلغتها، والجاثليق حاضر، وكان عارفا بلغتها، فقال الامام للجارية: " ايما أحب إليك محمد أم عيسى ؟... " فقالت الجارية: " كان فيما مضى عيسى أحب إلي: لاني لم اكن اعرف محمدا: وبعد أن عرفت محمدا فهو أحب إلي من عيسى.. ". والتفت لها الجاثليق فقال لها: " إذا كنت دخلت في دين محمد فهل تبغضين عيسى ؟.. ". وانكرت الجارية كلامه فقالت: " معاذ الله بل أحب عيسى، وأومن به، ولكن محمدا أحب إلي... ".
والتفت الامام إلى الجاثليق فطلب منه ان يترجم للجماعة كلام الجارية، فترجمه لهم، وطلب الجاثليق من الامام ان يحاجج مسيحيا من السند له معرفة بالمسيحية، وصاحب جدل، فحاججه الامام بلغته، فآمن السندي بالاسلام، وأقر للامام (عليه السلام) بالامامة، وطلب (عليه السلام) من محمد بن الفضل أن يأخذه إلى الحمام ليغتسل، ويطهر بدنه من درن الشرك، فأخذه محمد إلى الحمام، وكساه بثياب نظيفة، وأمر الامام بحمله إلى يثرب ليتلقى من علومه، ثم ودع الامام اصحابه
[ 98 ]
ومضى إلى المدينة المنورة (1). سفره إلى الكوفة: وغادر الامام (عليه السلام) يثرب متوجها إلى الكوفة، فلما انتهى إليها استقبل فيها استقبالا حاشدا، وقد نزل ضيفا في دار حفص بن عمير اليشكري، وقد احتف به العلماء والمتكلمون وهم يسألونه عن مختلف المسائل، وهو يجيبهم عنها، وقد عقد مؤتمرا عاما ضم بعض علماء النصارى واليهود وجرت بينه وبينهم مناظرات ادت إلى انتصاره وعجزهم عن مجاراته، والتفت الامام (عليه السلام) إلى الحاضرين، فقال لهم: " يا معاشر الناس، اليس انصف الناس من حاج خصمه بملته وبكتابه، وشريعته ؟... ". فقالوا جميعا: " نعم " فقال (عليه السلام): " اعلموا أنه ليس بامام بعد محمد (صلى الله عليه وآله) الا من قام بما قام به محمد (صلى الله عليه وآله) حين يفضي له الامر، ولا يصلح للامامة الا من حاج الامم بالبراهين للامامة... ".
وانبرى عالم يهودي فقال له: " ما الدليل على الامام ؟... " فقال (عليه السلام): " أن يكون عالما بالتوراة والانجيل والزبور والقرآن الحكيم فيحاج أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الانجيل بانجيلهم وأهل القرآن بقرآنهم، وان يكون عالما بجميع اللغات حتى لا يخفي عليه لسان واحد، فيحاج كل قوم بلغتهم، ثم يكون مع هذه الخصال تقيا، نقيا من كل دنس، طاهرا من كل عيب، عادلا، منصفا، حكيما، رؤوفا، رحيما، غفورا، عطوفا، صادقا، مشفقا، بارا أمينا، مأمونا... " (2). وجرت بينه وبين بعض الحاضرين مناظرات أدت إلى تمسك الشيعة بالامام
(1) البحار 12 / 21 - 23، بتصرف نقلنا الخير. (2) البحار 12 / 23، نقلنا الحديث بتصرف. (*)
[ 99 ]
(عليه السلام)، وزيادة ايمانهم بقدراته العلمية الهائلة كما ادت إلى افحام القوى المعارضة للامام، وعجزهم عن مجاراته وبهذا نطوي الحديث عن دور الامام في ظلال أبيه، وبعد وفاته.
[ 100 ]
...
[ 101 ]
مناظراته واحتجاجاته واتسم عصر الامام الرضا (عليه السلام) بشيوع المناظرات والاحتجاجات بين زعماء الاديان والمذاهب الاسلامية وغيرها، وقد احتدم الجدال بينهم في كثير من البحوث الكلامية خصوصا فيما يتعلق بأصول الدين، وقد حفلت الكتب الكلامية
وغيرها بالوان من ذلك الصراع العقائدي مشفوعة بالادلة التي اقامها المتكلمون على ما يذهبون إليه. ومن بين المسائل التي عظم فيها النزاع، واحتدم فيها الجدال بين الشيعة والسنة (الامامة) فالشيعة تصر على أن الامامة كالنبوة غير خاضعة لاختيار الامة وانتخابها، وانما أمرها بيد الله تعالى فهو الذي يختار لها من يشاء من صلحاء عباده ممن امتحن قلوبهم للايمان كما يشترطون في الامام ان يكون معصوما عن الخطأ، وان يكون أعلم الامة، وادراها لا في شؤون الشريعة الاسلامية فحسب وانما في جميع علوم الحياة، وانكر جمهور أهل السنة ذلك جملة وتفصيلا، ومن الجدير بالذكر أن اروقة الملوك والوزراء في عصر الامام قد عقدت فيها مجالس للمناظرة بين زعماء المذاهب الاسلامية فقد عقدت البرامكة مجالس ضمت المتكلمين من علماء السنة، فناظروا العالم الكبير هشام بن الحكم، وحاججوه في أمر الامامة، فتغلت عليهم ببالغ الحجة، وقوة البرهان، ومما لا ريب فيه ان عقد البرامكة للخوض في هذه البحوث الحساسة لم تكن بواعثه علمية فقط، وانما كانت للاطلاع على ما تملكه الشيعة من الادلة الحاسمة لاثبات معتقداتها في الامامة. ولما جمل المأمون ولاية العهد للامام الرضا (عليه السلام) التي لم تكن عن اخلاص، ولا عن ايمان بأن الامام أحق وأولى بالخلافة منه، وانما كانت لاسباب سياسية سوف نتحدث عنها في غضون هذا الكتاب، وقد أوعز إلى ولاته في جميع
[ 102 ]
انحاء العالم الاسلامي باحضار كبار العلماء من المتمرسين في مختلف انواع العلوم بالحضور إلى خراسان ليسألوا الامام عن اعقد المسائل العلمية، ولما حضروا عنده عرض عليهم الامر، ووعد بالثراء العريض كل من يسأل الامام (عليه السلام) سؤالا يعجز عن اجابته، والسبب في ذلك - فيما نحسب - يعود إلى ما يلي:
أولا: إن المأمون أراد أن ينسف عقيدة الشيعة ويقضي على جميع معالمها فيما إذا عجز الامام الرضا (عليه السلام) فانه يتخذ من ذلك وسيلة لنقض ما تذهب إليه الشيعة من أن الامام أعلم أهل عصره، وادراهم بجميع انواع العلوم، ومن الطبيعي أن ذلك يؤدي إلى زعرعة كيان التشيع، وبطلان عقيدتهم في أئمة أهل البيت (عليهم السلام). ثانيا: ان الامام لو عجز عن أجوبة المسائل التي يقدمها العلماء له فان المأمون يكون في سعة من عزله عن ولاية العهد بعد أن استنفذت اغراضه السياسية منها، فقد اظهر للناس في بداية الامر انه انما رشح الامام لهذا المنصب الخطير لانه اعلم الامة، ولكن لما ظهر له خلاف ذلك قام بعزله، وفي نفس الوقت تقوم وسائل اعلامه باذاعة ذلك، والحط من شأن الامام، وفي ذلك استجابة لعواطف الاسرة العباسية التي غاظها ترشيح المأمون للامام لولاية العهد. فعمدت إلى عزله، ومبايعة المغني ابراهيم - كما سنتحدث عن ذلك - وعلى اي حال فقد قام العلماء بالتفتيش عن اعقد المسائل واكثرها صعوبة وعمقا في جميع انواع العلوم، وعرضوها على الامام فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتمرس فيها ويقول الرواة: انه سئل عن اكثر من عشرين الف مسألة في نوب مفرقة عاد فيها بلاط المأمون إلى مركز علمي، وخرجت الوفود العلمية، وهي مليئة بالاعجاب والاكبار بمواهب الامام وعبقرياته، واخذت تذيع على الناس ما يملكه الامام من طاقات هائلة من العلم والفضل كما ذهب معظمهم إلى القول بامامته، مما اضطر المأمون إلى حجب الامام عن العلماء خوفا ان يفتتنوا له ولم يذكر الرواة الا كوكبة يسيرة منها، نعرض لها ولبعض ما اثر عنه هذا الموضوع، وفيما يلي ذلك: 1 - أسئلة عمران الصابئ: وكان عمران الصابئ من كبار فلاسفة عصر الامام (عليه السلام) كما كان الزعيم الروحي لطائفة الصابئة، وقد انتدبه المأمون لامتحان الامام، فأختار له اعمق
المسائل الفلسفية واكثرها تعقيدا وغموضا، وقد شرحها وعلق عليها المحقق الشيخ
[ 103 ]
محمد تقي الجعفري، قال: وقد اشتمل هذا الاحتجاج على اهم المسائل الالهية واغمضها، وهي على اطلاقها عويصات في الحكمة المتعالية، قد اتعبت افكار الباحثين الناظرين في ذلك الفن، ولم يأت هؤلاء الاساطين بأجوبة كافية لتلك المسائل بل تعقبها اسئلة اخرى ربما تكون اغمض من نفس الاسئلة، وقد وقعت تلك الغوامض موارد لاسئلة عمران في هذه الرواية، واجاب عنها الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ثامن حجج الله على عباده وامنائه في ارضه، وما بينه الامام في هذا الاحتجاج مناهج واضحة لم يطمسها غبار الحجب المادية التي تثيرها العقول المحدودة في معقل المحسوسات المظلمة، هكذا ينكشف عند المتمسكين باذيال أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي حقائق ضل في سبيل الوصول إليها الافكار الناقصة. " ونعرض للنص الكامل من اسئلة الصابئ وجواب الامام عنها حسبما ذكره الشيخ الصدوق في (عيون اخبار الرضا) مع مقتطفات من تعليقات الشيخ الجعفري عليها.. لقد قدم الوفد الذي كان مع عمران جملة من المسائل، وبعدما اجاب الامام (عليه السلام) عن اسئلة الوفد الذي هو من كبار علماء النصارى، واليهود والصابئة، قال لهم: " يا قوم ان كان فيكم احد يالف ؟ ؟ الاسلام، وأراد أن يسأل، فليسأل غير محتشم... " فانبرى إليه عمران الصابئ، وكان متطلعا بصيرا في علم الكلام فخاطب الامام بأدب واكبار قائلا: " يا عالم الناس لولا أنك دعوت إلى مسألتك، لم أقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة والبصرة، والشام، والجزيرة ولقيت المتكلمين، فلم اقع على احد يثبت لي واحدا - يعني ان الله تعالى واحد لا ثاني له - ليس غيره قائما بوحدانيته افتأذن
لي أن اسألك... " عرض الصابئ إلى عمق مسألته، وانه لم يهتد لحلها علماء الكوفة والبصرة والشام والجزيرة، ويطلب من الامام (عليه السلام) حلها، فقابله الامام ببسمات فياضة بالبشر قائلا: " ان كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو... ". " أنا هو "
[ 104 ]
سل يا عمران، وعليك بالنصفة، وإياك والخطل (1) والجور.. ". وأطرق الصابئ بوجهه إلى الارض، وقال بنبرات تقطر ادبا وإجلالا للامام: " والله يا سيدي ما اريد الا أن تثبت لي شيئا اتعلق به فلا اجوزه.. " لقد اعرب الصابئ عن نواياه الحسنة وانه يريد الحقيقة، والوصول إلى الواقع، ولا صلة له بغير ذلك، فقال (عليه السلام): " سل عما بدالك... ". وكان المجلس مكتظا بالعلماء والقادة، وفي طليعتهم المأمون فانضم بعضهم إلى بعض، وانقطعوا عن الكلام ليسمعوا اسئلة الصابئ وجواب الامام عنها، وتقدم الصابئ باسئلته. س: 1 - اخبرني عن الكائن الاول، وعما خلق.. " أما المسؤول عنه في هذه الكلمات فهو الشئ الاول والمادة الاولى التي خلق الله تعالى الاشياء منها، وليس المسؤول عنه وجود الله المبدع العظيم فإنه من الامور الواضحة التي لا يشك فيها من يملك وعيه وإرادته، فإن جميع ما في الكون تدلل على وجود خالقها فانه من المستحيل أن يوجد المعلول من دون علته... ولنستمع إلى جواب الامام (عليه السلام) عن هذه المسألة. ج 1 - أما الواحد فلم يزل واحدا كائنا، بلا حدود، ولا أعراض، ولا يزال
كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة، لا في شئ أقامه، ولا في شئ حده، ولا على شئ حذاه، ومثله له، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة، وغير صفوة، واختلافا وائتلافا، والوانا وذوقا وطعما لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به ولا رأي لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا.. " وحكى هذا المقطع من جواب الامام (عليه السلام) ما يلي. أولا: ان الله تعالى واحد لا شئ معه، وهو مجرد من الحدود والاعراض التي هي من صفات الممكن، فهو كائن واحد، ما زال ولا يزال، وليست وحدته عددية أو نوعية أو جنسية، وانما بمعنى عدم ارتباطه بأي شئ مادي أو غير مادي، فهو بمرتبة من الكمال لا يشابهه أي شئ من الممكنات التي نسبتها إليه نسبة الصانع إلى المصنوع، فتبارك الله. ثانيا: إن النظرة البدوية في الاشياء أن كل صورة لا بد لها من مادة تقوم وتحل
(1) الخطل: المنطق الفاسد. (*)
[ 105 ]
بها، ولكن هذا بالنسبة إلى غير الواجب تعالى أما هو فانه يخلق الاشياء لا من شئ كان، ولا من شئ خلق، وانما يقول للشئ كن فيكون، فقد ابتدع خلق الاشياء لا على شئ حذاه، ومثله له، فهو القوة الكبرى المبدعة لخلق الاشياء لا لحاجة منه إليها، فهو المصدر الوحيد للفيض على جميع الكائنات. والتفت الامام (عليه السلام) إلى عمران فقال له: " تعقل هذا يا عمران... ؟ ". " نعم والله يا سيدي... ". " اعلم يا عمران أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة، لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق اضعاف ما خلق لان الاعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا يسعها لانه كان لم يحدث من الخلق شيئا إلا
حدثت فيه حاجة أخرى، ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة ولكن تقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل... ". وهذا الكلام متمم لما قبله من أن الله تعالى خلق الخلق في غنى عنهم فهم المحتاجون إلى فيضه ورحمته وعطائه، فهو الجواد المطلق الذي بسط الرحمة والاحسان على جميع الموجودات والكائنات وكان من فضله أنه فضل بعض مخلوقاته على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل. س: 2 - " يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه.. ؟ وهذا السؤال عميق للغاية، وتوضيحه - حسبما دكره الشيخ الجعفري - أن تحصل شئ وتحققه في الانكشاف العلمي كواقع ذلك الشئ ينحل إلى هوية نفسه، وطارديته لغيره، وبذلك يكون محدودا، فإن الحجر ما لم يضف إلى هويته عدم جميع أضداده لا يتحصل تحصلا علميا... فأن النفس المعلومة ما لم يلاحظ طرد جميع ما سواها عنها لا تكون معلومة ومحصلة عند العالم وكأن هذا هو الموجب لسؤال عمران عن كونه تعالى معلوما عند نفسه، فحينئذ لو أجاب الامام بثبوته لاستشكل عمران هل كان تحصيل نفسه عند نفسه ملازما لطرد غيره من المعقولات أم لا ؟. ج 2 - قال (عليه السلام): إنما يكون المعلمة بالشئ لنفي خلافه، وليكن الشئ نفسه، بما نفى عنه موجودا، ولم يكن هناك شئ يخالفه، فتدعوه الحاجة إلى
[ 106 ]
نفي ذلك الشئ عن نفسه بتحديد ما علم منها... والتفت الامام إلى عمران فقال له: " أفهمت يا عمران ؟... ". " نعم والله يا سيدي... ". وحاصل ما أجاب به الامام (عليه السلام) أن ما ذكره الصابئ إنما يصح فيما
لو كان المعلوم مقارنا بعدة أشياء تخالفه فيلزم حينئذ نفي تلك الاشياء لتحصيل المعلوم إلا أن الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ما لم يكن هناك شئ يقارنه فلا حاجة إلى نفيه ليقرر ارادته بذلك النفي. س 3 - أخبرني بأي شئ علم ما علم أبضمير أم بغير ضمير ؟ أراد الصابئ بهذا السؤال الزام الامام بالقول بالتركيب في ذاته تعالى، من جهة أنه ذو ضمير. ج 3 - أرأيت إذا علم بضمير هل يجد بدا من أن يجعل لذلك الضمير حدا تنتهي إليه المعرفة ؟ أراد الامام أن ذلك الضمير لا بد أن يعرف حقيقته وماهيته، وقد وجه الامام إليه السؤال التالي: " فما ذلك الضمير ؟... ". فانقطع الصابئ عن الكلام ولم بستطع أن يقول شيئا، فقد سد الامام عليه كل نافذه يسلك فيها لاثبات ما يذهب إليه، والتفت الامام إليه قائلا: " لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه فتعرفه بضمير آخر ؟ فان قلت: نعم، أفسدت عليك قولك.. ". وأقام الامام الحجة الكاملة والبرهان القاطع على بطلان ما التزم به الصابئ من أنه تعالى يعلم بواسطة الضمير، وعلى هذا فلا بد من ضمير آخر يقع به الادراك لذاته تعالى، وهذا الضمير الآخر يتوقف على ضمير غيره، وهكذا فيلزم التسلسل، وهو ما لا نهاية له، وإن توقف الضمير الثاني على الضمير الاول فيلزم منه الدور والامران مما أجمع على فسادهما، لترتب الامور الفاسدة عليها حسبما ذكره الفلاسفة والمنطقيون وتمم الامام (عليه السلام) حجته وبرهانه بقوله: " يا عمران اليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير، وليس يقال
له: اكثر من فعل وعمل وصنع، وليس يتوهم منه مذاهب وتجزية كمذاهب المخلوقين وتجزيتهم، فاعقل ذلك، وابن عليه ما علمت صوابا.. ".
[ 107 ]
اراد لامام (عليه السلام) أن صدور الافعال والاعمال المختلفة من الله تعالى ليست على غرار غيره من الممكنات التي تحتاج إلى العلل والاسباب كالعقل، وغيره من سائر الجوارح الظاهرية، فانه تعالى يستحيل عليه ذلك. س 4 - يا سيدي الا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي ؟ وما معانيها ؟ وعلى كم نوع يكون ؟... ". واستفسر عمران عن حدود الخلوقات التي تميز بعضها عن بعض فاجابه الامام: ج 4 - قد سألت فاعلم أن حدود خلقه على ستة أنواع: ملموس، وموزون، ومنظور البه، وما لا ذوق له، وهو الروح، ومنها منظور إليه، وليس له وزن، ولا لمس، ولا حس، ولا لون، ولا ذوق، والتقدير والاعراض والصور، والطول، والعرض، ومنها العمل والحركات التي تصنع الاشياء وتعملها، وتغيرها من حال إلى حال وتزيدها، وتنقصها، فأما الاعمال والحركات فانها تنطلق لانه لا وقت لها اكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة، وبقي الاثر، ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره.. " وحفل جواب الامام (عليه السلام) بذكر الخواص والصفات التي تتميز بها الاشياء سواء أكانت من الكائنات الحية أم من غيرها. س 5 - يا سيدي: ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شئ غيره، ولا شئ معه، أليس قد تغير بخلقه الخلق.. ". ومعنى هذا السؤال ان الحقائق الطبيعية التي أوجدها الله تعالى انها توجب تغير
الخالق العظيم بتغييرها، وهذا انما يلزم على القول باتحادها معه تعالى ذاتا، وهذا مستحيل. ج 5 - " قديم لم يتغير عزوجل بخلقه الخلق، ولكن الخلق يتغير، بتغييره.. ". وحاصل جواب الامام (عليه السلام) ان الخالق العظيم لما كان هو الصانع والموجد للاشياء، وهو قديم فلا يلزم منه التغيير بتغيير الممكنات والكائنات. س 6 - " يا سيدي فبأي شئ عرفناه ؟.... ". ج 6 - " بغيره... ان جمبع ما في الكون مما يرى، ومما لا برى يدلل على وجود الخالق العظيم،
[ 108 ]
لقد عرفناه بمخلوقاته، وآمنا به بما نشاهده من بدائع صنعته، وقد استبان بصورة واضحة لا غموض فيها في هذه العصور التي غزا الانسان فيها الفضاء الخارجي، فقد ظهر للبشرية عظيم صنعته تعالى بما أودعه في هذا الفضاء من الكواكب التي لا تحصى ولا تعد، وكلها تسير بانتظام، ودقة، ولو اختلفت في مسيرها لحظة لتصادمت، وتلاشت، ولم يبق لها اثر، فسبحان الله المبدع الحكيم. س 7 - أي شئ غيره ؟ ج 7 - مشيئته، واسمه وصفته، وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث، مخلوق، مدبر.. ". لقد عرفنا الله بمشيئته واسمه وصفاته التي دلت عليه سبحانه، ففي دعاء الصباح: " يا من دل على ذاته بذاته ". وكل ما في الكون من موجودات تستند إليه استناد المصنوع إلى الصناع. س 8 - يا سيدي أي شئ هو ؟
ج 8 - " هو نور، بمعنى أنه هاد خلقه من أهل السماء، وأهل الارض، وليس لك علي اكثر من توحيدي اياه... ". لقد اراد عمران بسؤاله معرفة حقيقة الله تعالى، متوهما انه تعالى كسائر الممكنات والموجودات، ولما كان ذلك مستحيلا، إذ كيف يحيط الانسان الذي لا يعرف ذاته وما فيها من الاجهزة الدقيقة، كيف يعرف حقيقة الخالق العظيم المصور والمبدع للاكوان، وقد اجاب الامام (عليه السلام) انه يعرف باوصافه الظاهرية من هدايته لخلقه وغير ذلك من الادلة الصريحة الواضحة التي تنادي بوجود خالقها العظيم. س 9 - يا سيدي: أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق، ثم نطق... ج 9 - " لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله، والمثل في ذلك انه لا يقال للسراج: هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: ان السراج ليضئ، فما يريد أن يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه، ولا كون، وانما هو ليس شئ غيره، فلما استضاء لنا، قلنا: قد اضاء لنا، حتى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك.. ". ومعنى جواب الامام (عليه السلام) إن السكوت والنطق انما يعرضان موضوع قابل لهما، توارد العدم والملكة وحيث ان نطق الله تعالى ليس على غرار ما يتصف به الناطقون من الممكنات، فيصح عليه النطق، كما يصح عليه السكوت وقد ذهبت
[ 109 ]
الشيعة إلى ان التكلم من صفات الافعال لا يقوم بذاته تعالى قوام الاوصاف الذاتية، فانه تعالى هو الذي خلق النطق والكلام إذا اراده وقد مثل الامام (عليه السلام) لذلك بالسراج فانه لا يقال له انه ساكت لا ينطق، كما ان اسناد الاضافة إلى السراج ليس اختياريا له، هذه بعض الاحتمالات في تفسبر كلام الامام (عليه السلام). س 10 - " يا سيدي: فان الذي كان عندي ان الكائن قد تغير في فعله عن
حاله بخلقه الخلق.. ". ج 10 - " يا عمران في قولك ان الكائن يتغير في وجه من الوجوه، حتى يصيب الذات منه ما يغيره، هل تجد النار تغيرها تغير نفسها، وهل تجد الحرارة تحرق نفسها ؟ أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره ؟... ". ان هذا السؤال من عمران قد تقدم، وقد اجابه الامام (عليه السلام) وقد زاده (عليه السلام) توضيحا، فقال له ان الكائن لا يتغير بوجه من الوجوه، فافعال النفس - مثلا - التي تصدر منها لا توجب زيادة فيها ولا نقصانا، وهناك مثال آخر وهو البصر، فان صدر الرؤية منه لا توجب زيادة فيه ولا نقصانا. س 11 - " الا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق، أم الخلق فيه ؟.. " ج 11 - " أجل هو يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق، ولا الخلق فيه تعالى عن ذلك، وسأعلمك ما تعرفه، ولا قوة إلا بالله، اخبرني عن المرآة أنت فيها، أم هي فيك ؟ فان كان ليس واحد منكما في صاحبه، فبأي شئ استدللت بها على نفسك يا عمران... ؟ ". لقد أحال الامام (عليه السلام) حلول الله تعالى في خلقه، وحلولهم فيه، ومثل لذلك بالصورة التي تنعكس في المرآة فانها لا تحل فيها، وكذلك المرآة لا تحل في الصورة، وانما النور هو الذي أوجب رؤية الصورة في المرآة، وهو غير حال في شئ منهما، يقول ابن الفارض: بوحدته دامت لها كل كثرة * فصحت وقد آنت لها كل علة فد صار عين الكل فردا لذاته * وإن دخلت افراده تحت عدة نظرت فلم ابصر سوى محض وحدة * بغير شريك فد تغطت بكثرة وهنا بحث فلسفية عميقة اعرضنا عن ذكرها إيثارا للايجاز.
س 12 - " بضوء بيني وبينها... ".
[ 110 ]
وهذا السؤال مرتبط بما قبله، وقد اوضحناه. ج 12 - هل ترى من ذلك الضوء اكثر مما تراه في عينك ؟ عمران: نعم. الامام: فأرناه. وسكت عمران، ولم يدر ما يقول، فقدسد الامام عليه كل نافذة يسلك منها، وواصل الامام حديثه قائلا: " فلا ارى النور إلا وقد دلك، ودل المرآة على انفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا ولله المثل الاعلى ". تأجيل المناظرة: وحضر وقت الصلاة، ولم يجد الامام بدا من تأجيل المناظرة فالتفت إلى المأمون، فقال له: الصلاة حضرت، وخاف عمران من عدم استئناف الحوار بينه وبين الامام، فقال له: " يا سيدي لا تقطع علي مسألتي، فقد رق قلبي... ". فأوعده الامام (عليه السلام) بالعودة إلى مناظرته، ونهض الامام فأدى فريضة الصلاة. استئناف المناظرة: وعادت الجلسة، وقد حضرها المأمون، وكبار العلماء والقادة، والتفت الامام (عليه السلام) إلى عمران فقال له: " سل يا عمران... ". س 13 - " يا سيدي ألا تخبرني عن الله عزوجل، هل يوحد بحقيقة أو يوحد
بوصف ؟... ". ج 13 - إن الله المبدئ، الواحد الكائن الاول، لم يزل واحدا لا شئ معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما - يعني بحقيقته - ولا مجهولا، ولا محكما، ولا متشابها، ولا مذكورا، ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم شئ من الاشياء، ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون، ولا بشئ قام، ولا إلى شئ يقوم ولا إلى شئ استند، ولا في شئ استكن، وذلك كله قبل لخلق (1) إذ لا شئ غيره، وما أوقعت عليه من الكل
(1) في نسخة قبل خلقه الخلق. (*)
[ 111 ]
فهي صفات محدثة، وترجمة يفهم بها من فهم. واعلم ان الابداع والمشيئة والارادة معناها واحد، واسماؤها ثلاثة، وكان أول ابداعه ومشيئته وارادته التي جعلها أصلا لكل شئ، ودليلا على كل شئ مدرك، وفاصلا لكل مشكل، وبتلك الحروف تفريق كل شئ من اسم حق وباطل أو فعل أو مفعول، أو معنى أو غير معنى، وعليها اجتمعت الامور كلها ولم يجعل للحروف في ابداعه لها معنى غير أنفسها، تتناهى ولا وجود لها، لانها مبدعة بالابداع. والنور في هذا الموضع أول فعل الله الذي هو نور السموات والارض، والحروف هي المفعول التي عليها مدار الكلام، والعبادات كلها من الله عزوجل علمها خلقه، وهي ثلاثة وثلاثون حرفا، فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدل على لغات العربية، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على لغات السريانية والعبرانية، ومنها خمسة أحرف متحرفة في ساير اللغات من العجم والاقاليم، واللغات كلها، وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفا من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا، فأما الخمسة المختلفة " فيتجنح " لا يجوز ذكرها اكثر مما ذكرناه ثم جعل الحروف بعد احصائها، واحكام عدتها فعلامته كقوله عز
وجل: (كن فيكون) وكن منه صنع، وما يكون به المصنوع، فالخلق الاول من الله عزوجل الابداع لا بوزن له، ولا حركة، ولا سمع، ولا لون، ولا حس، والخلق الثاني الحروف، لا وزن لها، ولا لون، وهي مسموعة موصوفة، غير منظور إليها، والخلق الثالث ما كان من الانواع كلها محسوسا، ملموسا، ذا ذوق منظور إليه والله تبارك وتعالى سابقا للحروف، والحروف لا تدل على غير نفسها وبهر المأمون، ولم يفهم اكثر محتويات هذه الكلمات العميقة التي تحتاج إلى وقت طويل لبيانها، وقال للامام: " كيف لا تدل - أي الحروف - على غير أنفسها ؟... ". فأجابه الامام موضحا له الامر قائلا: " إن الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا، فإذا الف منها أحرفا اربعة أو خمسة، أو ستة، أو أكثر من ذلك، أو أقل لم يؤلفها بغير معنى ولم يكن إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا.. ". س 14 - كيف لنا بمعرفة ذلك ؟... ج 14 - أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه: إنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير
[ 112 ]
نفسها ذكرتها فردا، فقلت: ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، وإذا الفتها وجعلت منها أحرفا، وجعلتها اسما وصفة لمعنى، ما طلبت، ووجه ما عنيت، كانت دليلة على معانيها داعية إلى الموصوف بها، افهمته ؟ " نعم ". وواصل الامام حديثه في بيان معاني الحروف عند تركيبها قائلا: " واعلم انه لا يكون صفة لغير موصوف، ولا حد لغير محدود، والصفات والاسماء كلها تدل على الكمال، والوجود ولا مثال على الاحاطة، كما تدل الحدود التي هي التربيع والتثليث، والتسديس، لان الله عزوجل تدرك معرفته بالصفات
والاسماء، ولا تدرك بالتحديد، بالطول والعرض، والقلة والكثرة، واللون والوزن، وما أشبه ذلك وليس يحل بالله، وتقدس شئ من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا. ولكن يدل على الله عزوجل بصفاته، ويدرك باسمائه، ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين، ولا استماع أذن، ولا لمس كف، ولا احاطة بقلب، ولو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدل عليه، واسماؤه لا تدعو إليه، والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لاسمائه وصفاته دون معناه، فلولا ان ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله لان صفاته وأسماءه غيره.. أفهمت يا عمران ؟ " نعم يا سيدي زدني... " وواصل الامام حديثه الممتع، وقد استولى على من حضر من العلماء والقادة، قائلا: " إياك وقول الجهال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون ان الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب في الثواب والعقاب، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عزوجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا، ولكن القوم تاهوا وعموا، وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون، وذلك قوله عزوجل: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) (1) يعني اعمى عن الحقائق الموجودة، وقد علم ذوو الالباب ان الاستدلال على ما هناك لا
(1) سورة الاسراء: آية 72. (*)
[ 113 ]
يكون ألا بما ها هنا، ومن أخذ علم ذلك برأيه، وطلب وجوده وادراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا لان الله عزوجل جعل علم ذلك خاصة
عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون.... ". س 15 - " يا سيدي الا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق ؟.. ". علق الشيخ الجعفري على هذه المسألة بقوله: إن هذه المسألة أيضا مما أعيى الاذهان والعقول البشرية لانها التي أوجبت افتراق المسالك والفرق المختلفة فمنهم من قال: باستحالة الابداع مطلقا أكان من الواجب، أم من الممكن، ومن قبيل المواد والصور أو العقول والنفوس وغيرها، ومنهم من جوزه مطلقا، ومنهم من حصر امكان الابداع على الله تعالى على نحو العموم أي انه تعالى قادر على أن يبدع أي موجود شاء دون مادة سابقة له، وقع التغير عليه، وقد قالوا: انه مقتضى قدرته المطلقة وقابلية الموضوع ومنهم من ذهب مذاهب اخرى (1). ج 15 - بل خلق ساكن، لا يدرك بالسكون، وانما صار خلقا لانه شئ محدث، والله تعالى الذي أحدثه فصار خلقا له، وانما هو الله عزوجل خلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فيما خلق الله عزوجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عزوجل واعلم ان كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل عل ما جعل الله عزوجل لها في ادراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله واعلم ان الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين: التقدير والمقدر، وليس في كل واحد منهما لون ولا وزن، ولا ذوق، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه واثبات وجوده فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه، ولا يعضده، ولا يكنه، والخلق مما يمسك بعضه بعضا باذن الله تعالى ومشيئته وانما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله تعالى بصفة أنفسهم، فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عزوجل بصفاته،
(1) تحف العقول (ص 527). (*)
[ 114 ]
ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين، ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه، ارتبكوا، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم... " س 16 - " أشهد أنه كما وصفت، ولكن بقيت لي مسألة... ". " سل عما اردت... ". " اسألك عن الحكيم في أي شئ هو ؟ وهل يحيط به شئ ؟ وهل يتحول من شئ إلى شئ ؟ أو به حاجة إلى شئ... ؟ ". ج 16 - أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فانه من اغمض ما يرد على الخلق في مسائلهم، وليس يفهم المتفاوت عقله، العازب حلمه، ولا معجز عن فهمه اولو العقل المنصفون، أما أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجة إلى ذلك، ولكنه عزوجل لم يخلق شيئا لحاجة ولم يزل ثابتا لا في شئ، ولا على شئ إلا ان الخلق يمسك بعضه بعضا، ويدخل بعضه في بعض، ويخرج منه، والله جل وتقدس بقدرته يمسك ذلك كله، وليس يدخل في شئ ولا يخرج منه، ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن امساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك ؟ إلا الله عزوجل، ومن أطلعه عليه من رسله، وأهل سره، والمستحفظين لامره وخزانه، القائمين بشريعته، وانما أمره كلمح البصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئا فانما يقول له (كن فيكون) بمشيئته وارادته وليس شئ أقرب إليه من شئ، ولا شئ أبعد منه من شئ.. أفهمت يا عمران ؟... ". " نعم يا سيدي... ". ان الانسان مهما أوتي من علم فهو عاجز عن معرفة نفسه وما فيها من الاجهزة الدقيقة المذهلة، فكيف ليعرف أو يحيط علما بالخالق العظيم، مبدع الاكوان، وواهب
الحياة يقول ابن أبي الحديد: فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر عليلا فكري كلما دان شبرا منك راح ميلا أنت حيرت ذوي اللب، وبلبلت العقولا ان فكر الانسان محدود فكيف يعرف حقيقة الله تعالى، نعم عرفناه وآمنابه بمخلوقاته، فكل ذرة في هذا الوجود تنادي بوجود الخالق العظيم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء والارض.
[ 115 ]
اسلام الصابئ: ولما رأى عمران الصابئ الطاقات الهائلة من العلم التي يتمتع بها الامام (عليه السلام)، والتي منها اجوبته الحاسمة من اعمق المسائل الفلسفية التي لا يهتدي لحلها إلا اوصياء الانبياء الذين منحهم الله العلم وفصل الخطاب، اعلن عمران اسلامه وطفق يقول: " أشهد أن الله تعالى على ما وصفت، ووحدت، وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده المبعوث بالهدى، ودين الحق... ". ثم خر ساجدا لله تعالى واسلم، وبهر العلماء والمتكلمون من علوم الامام، ومواهبه وعبقرياته، وراحوا يحدثون الناس عن فضل الامام وسعة علومه، وانصرف المأمون وهو غارق بالالم، قد أترعت نفسه بالحقد والحسد للامام: خوف محمد على الامام: وخاف عم الامام محمد بن جعفر عليه من المأمون، وكان حاضرا في المجلس، ورأى كيف تغلب على عمران الصابئ الذي هو في طليعة فلاسفة العصر، فاستدعى الحسن بن محمد النوفلي، وكان من اصحاب الامام فقال له:
" يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك - يعني الامام - ؟ لا والله ما ظننت أن علي بن موسى الرضا خاض في شئ قط، ولا عرفناه به، انه كان يتكلم بالمدينة، أو يجتمع إليه اصحاب الكلام ؟.. " وراح النوفلي يعرفه بعلم الامام وفضله قائلا: " قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن اشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وربما كلم من يأتيه يحاججه... ". وراح محمد يبدي مخاوفه من المأمون على ابن أخيه قائلا: " اني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية، فأشر عليه بالامساك عن هذه الاشياء... ". وكان النوفلي يظن خيرا بالمأمون، ولا يخاف منه على الامام، فقال لمحمد: " ما اراد الرجل - يعني المأمون - الا امتحانه ليعلم هل عنده شئ من علوم آبائه ؟.. ". ولم يقنع محمد بكلام النوفلي، فقد كان يظن السوء بالمأمون وراح يقول له: " قل له: إن عمك قد كره هذا الباب، وأحب أن تمسك عن هذه الاشياء
[ 116 ]
لخصال شتى.. ". وكان عم الامام مصيبا في حدسه، عالما بما تكنه الاسرة العباسية من العداء والحقد لاهل البيت (عليهم السلام)، وقد اثارت اسئلة الصابئ واسلامه على يد الامام احقاد المأمون فقدم اغتيال الامام كما سنوضح ذلك في غضون هذا الكتاب. ونقل النوفلي كلمات محمد إلى الامام (عليه السلام) فشكره على ذلك، ودعا له بالخير. تكريم الامام لعمران: وكسب الامام (عليه السلام) في مناظرته اسلام عمران الذي هو في طليعة
علماء عصره، فقد بعث خلفه، فلما مثل عنده رحب به وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم، ودعا له بكسوة فخلعها عليه واعطاه عشرة آلاف درهم، ففرح عمران بذلك وأخذ يدعو للامام ويشكره على ذلك قائلا: " جعلت فداك حكيت فعل جدك امير المؤمنين عليه السلام ". وجعل عمران يتردد على الامام ويكتسب من فيض علومه وصار بعد ذلك فيما يقول المؤرخون داعية من دعاة الاسلام، وجعل المتكلمون من اصحاب المقالات والبدع يفدون عليه، ويسألونه عن مهام المسائل وهو يجيبهم عنها، حتى اجتنبوه، واوصله المأمون بعشرة آلاف درهم، كما اعطاه الفضل بن سهل مالا، وولاه الامام على صدقات بلخ فأصاب الرغائب (1). أسئلة سليمان المروزي: أما سليمان المروزي فكان متضلعا بالفلسفة، ومتمرسا في البحوث الكلامية وكان يعد في طليعة علماء خراسان، وقد انتدبه المأمون لامتحان الامام الرضا (عليه السلام) وقد قابله بحفاوة وتكريم، وقال له: ان ابن عمي علي بن موسى الرضا، قدم علي من الحجاز، وهو يحب الكلام واصحابه، فلا عليك أن تصير الينا يوم التروية لمناظرته... ". وخاف سليمان من ذلك، فقد ظن أن الامام سوف يعجز عن أجوبة مسائله فيحقد عليه العلويون، وراح يعتذر من المأمون قائلا:
(1) عيون اخبار الرضا 1 / 168 - 178 وذكر الطبرسي ما يقرب من ذلك في الاحتجاج، والمجلسي في البحار، والحسن بن شعبة في تحف العقول. (*)
[ 117 ]
" إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلمني، ولا يجوز الانتقاص عليه.. ".
وتعهد له المأمون، ووعده أن لا يصيبه أي اذى أو مكروه قائلا: " إنما وجهت إليه لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا تقطعه عن حجة واحدة فقط.. ". وهذا الكلام يدلل على سوء ما يضمره المأمون للامام، وما يكنه له من الحقد والعداء، واطمأن سليمان، من أي اعتداء عليه، وراح يقول للمأمون: " حسبك يا أمير المؤمنين، اجمع بيني وبينه، وخلني والذم... " ووجه المأمون في الوقت رسوله إلى الامام يطلب منه الحضور لمناظرة سليمان فأجابه الامام إلى ذلك، وحضر معه وفد من أعلام أصحابه ضم عمران الصابئ الذي أسلم على يده وجرى حديث بينه وبين سليمان حول البداء، فأنكره سليمان، وأثبته عمران، وطلب سليمان رأي الامام فيه فأقره، واستدل عليه بآيات من الذكر الحكيم، والتفت المأمون إلى سليمان فقال له: سل أبا الحسن عما بدالك وعليك بحسن الاستماع والانصاف، ووجه سليمان الاسئلة التالية للامام (عليه السلام): س 1 - " ما تقول فيمن جعل الارادة اسما وصفة مثل حي، وسميع، وبصير وقدير ؟.. ". ج 1 - انما تقول: حدثت الاشياء واختلفت لانه شاء واراد، ولم تقولوا: حدثت الاشياء واختلفت لانه سميع بصير، فهذا دليل على أنهما - أي الارادة والمشيئة - ليستا مثل سميع، ولا بصير، ولا قدير. وانبرى سليمان قائلا: " فانه لم يزل مريدا... ". ورد عليه الامام: " يا سليمان فارادته غيره ؟... ". " نعم... ".
وذهب سليمان إلى التعدد مع أن الله تعالى متحد مع ارادته، وابطل الامام شبهته قائلا: " قد اثبت معه شيئا غيره لم يزل ؟... ". " ما أثبت.... ".
[ 118 ]
" أهي - أي الارادة - محدثة ؟... ". " لا ماهي محدثة... ". وضيق الامام على سليمان الخناق، وراحت أقواله تتناقض فتارة يقول بقدم الارادة، وأخرى يقول بحدوثها، فصاح به المأمون، وطلب منه عدم المكابرة، والانصاف في حديثه قائلا: " عليك بالانصاف، أما ترى من حولك من أهل النظر ؟. " والتفت المأمون إلى الامام قائلا: " كلمه يا أبا الحسن، فانه متكلم خراسان ". وسأله الامام قائلا: " أهي محدثة ؟... ". فأنكر سليمان حدوث الارادة، فرد عليه الامام: " يا سليمان هي محدثة، فان الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليا... ". وانبرى سليمان قائلا: " ارادته - أي الله - منه ؟ كما ان سمعه وبصره وعلمه منه ". وابطل الامام عليه قوله، وقائلا: " فأراد نفسه ؟.. ". " لا... ".
وأخذ الامام يفند مقالته قائلا له: " فليس المريد مثل السميع والبصير ". وراح سليمان يتخبط خبط عشواء فقد ضيق الامام عليه، وسد كل نافذة يسلك منها، قائلا: " إنما أراد نفسه، كما سمع نفسه، وأبصر نفسه، وعلم نفسه... ". وانبرى الامام فابطل مقالته، قائلا له: " ما معنى أراد نفسه ؟ أراد أن يكون شيئا، واراد أن يكون حيا، أو سميعا، أو بصيرا أو قديرا ؟... ". ولم يدر سليمان ماذا يقول، فأجاب: " نعم.. ".
[ 119 ]
فقال له الامام: " افبارادته كان ذلك ؟.. ". " نعم... " وطفق الامام يبطل مقالته، ويبدي ما فيها من التناقض قائلا: " فليس لقولك: أراد أن يكون حيا سميعا، بصيرا معنى، إذا لم يكن ذلك بارادته ؟... ". والتبس الامر على سليمان، وراح يقول: " بلى قد كان ذلك بارادته... ". وعج المجلس بالضحك، وضحك المأمون والرضا (عليه السلام) من تناقض كلام سليمان، والتفت الامام إلى الجماعة ؟ ؟، وطلب منهم الرفق بسليمان، ثم قال له: " يا سليمان، فقد حال - أي الله تعالى - عندكم عن حاله وتغير عنها، وهذا ما لا يوصف الله به... ".
وبان العجز على سليمان، وانقطع الكلام، والتفت الامام إليه ليقيم عليه الحجة قائلا: " يا سليمان أسألك عن مسألة... ؟ ". " سل جعلت فداك.. ". " اخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون ؟ أو بما لا تفقهون، ولا تعرفون.. ". " بل بما نفقه ونعلم... ". وأخذ الامام يقيم الحجة والبرهان على خطأ ما ذهب إليه سليمان قائلا: " فالذي يعلم الناس أن المريد ؟ ؟ غير الارادة، وان المريد قبل الارادة، وان الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: ان الارادة والمريد شئ واحد.. ". وطفق سليمان قائلا: " جعلت فداك، ليس ذلك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون ؟ ". واندفع الامام يبطل ما ذهب إليه قائلا: " فأراكم أدعيتم علم ذلك بلا معرفة، وقلتم: الارادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف، ولا يعقل.. ". وحار سليمان ولم يطق جوابا أمام هذه الطاقات الهائلة من العلم التي يملكها
[ 120 ]
الامام (عليه السلام)، واستأنف الامام حديثه ليتم عليه الحجة قائلا: " يا سليمان هل يعلم الله جميع ما في الجنة والنار ؟... ". واسرع سليمان قائلا: " نعم ". وانبرى الامام قائلا:
" أفيكون ما علم الله تعالى أنه يكون من ذلك ؟... ". " نعم.. ". " فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ، إلا كان يزيدهم أو يطويه عنهم ؟.. " فأجاب سليمان: " بل يزيدهم... ". وابطل الامام قوله: " فأراه في قولك: قد زادهم ما لم يكن في علمه، انه يكون.. ". وطفق سليمان يقول: " جعلت فداك فالمريد لا غاية له... ". ومضى الامام يفند شبه سليمان قائلا: " فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما، لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عزوجل عن ذلك علوا كبيرا.. ". وراح سليمان يعتذر ويوجه ما قاله: " انما قلت: لا يعلمه، لانه لا غاية لهذا، لان الله عزوجل وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا.. ". وراح الامام (عليه السلام) يفند شبهه وأوصافه قائلا: " ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لانه قد يعلم ذلك، ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم، وكذلك قال الله عزوجل في كتابه: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) (1) وقال لاهل الجنة: (عطاء غير
(1) سورة النساء / آية 56. (*)
[ 121 ]
مجذوذ) (2) وقال عزوجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) (3) فهو عزوجل يعلم ذلك لا يقطع عنهم الزيادة.. أرأيت ما أكل أهل الجنة، وما شربوا يخلف مكانه ؟... ". " بلي.. ". " أفيكون يقطع ذلك عنهم، وقد أخلف مكانه ؟... ". " لا.. ". ومضى الامام (عليه السلام) يقرر ما ذهب إليه قائلا: " فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم.. ". وراح سليمان يتمسك بالشبه والاوهام ثم يزيله عنها هذه الحجج البالغة التي أقامها الامام قائلا: " بلى يقطعه عنهم، ولا يزيدهم... ". وانبرى الامام فأبطل ذلك بقوله: " إذا يبيد فيها، وهذا يا سليمان ابطال الخلود، وخلاف الكتاب، لان الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) (4) ويقول عزوجل: (عطاء غير مجذوذ) ويقول عزوجل: (وما هم عنها بمخرجين (5) ويقول عزوجل: (خالدين فيها أبدا) (6) ويقول عزوجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة). ووجم سليمان، وحار في الجواب، وراح يسد عليه كل نافذة يسلك فيها لاثبات شبهة قائلا له: " يا سليمان الا تخبرني عن الارادة أفعل هي أم غير فعل... ؟ ". " بل هي فعل.. ". ورد الامام عليه: " فهي محدثة لان الفعل كله محدث... ".
إن كل ممكن معلول ومصنوع وحادث أما واجب الوجود تعالى فهو عار عن
(2) سورة هود / آية 108 (3) سورة الواقعة / آية 33. (4) سورة ق / آية 35. (5) سورة الحجر / آية 48. (6) سورة البينة / آية 8. (*)
[ 122 ]
صفات الممكن، ومستحيلة عليه.... ولم يستطع سليمان أن يقول شيئا، وراح يناقض نفسه فقال: " ليست - أي الارادة - بفعل.. ". وقد اعترف سليمان سابقا بانها فعل، والتفت إليه الامام فقال: " فمعه - أي مع الله - غيره لم يزل ؟... ". وراوغ سليمان، ولم يجب الامام عن سؤاله، وقال: " الارادة هي الانشاء... ". فأجابه الامام: " هذا الذي عبتموه على ضرار (1) وأصحابه من قولهم: إن كل ما خلق الله عز وجل في سماء أو أرض أو بحر أو برمن كلب، أو خنزير، أو قرد، أو انسان، أو دابة، ارادة الله، وان ارادة الله تحيى، وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب، وتنكح، وتلذ، وتظلم، وتفعل الفواحش، وتكفر، وتشرك، فيبر أ منها، ويعاد بها وهذا حدها ". عرض الامام (عليه السلام) إلى الآراء الفاسد ة التي التزم بها ضرار والتي عابها على سليمان وأصحابه فان هذه اللوازم الفاسدة كلها ترد على سليمان إلا انه لم يع
مقالة الامام، وراح يقول: " إنها - أي الارادة - كالسمع والبصر والعلم... ". لقد كرر سليمان ما قاله سابقا من ان الارادة كالسمع والبصر وقد ابطل الامام ذلك، فقال (عليه السلام) له: " أخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع ؟... ". " لا... ". وانبرى الامام يدله على تناقض كلامه قائلا: " فكيف نفيتموه ؟ قلتم لم يرد، ومرة قلتم: أراد، وليست - أي الارادة - بمفعول له.. ". وراح سليمان يتخبط عشواء فقال: " انما ذلك كقولنا: مرة علم، ومرة لم يعلم... ". فأجابه الامام ببالغ الحجة قائلا:
(1) ضرار من شيوخ المعتزلة في علم الكلام، وهو من الاباضية. (*)
[ 123 ]
" ليس ذلك سواء لان نفي المعلوم ليس كنفي العلم، ونفي المراد نفي الارادة أن تكون، لان الشئ إذا لم يرد لم تكن ارادة، فقد يكون العلم ثابتا، وان لم يكن المعلوم بمنزلة البصر، فقد يكون العلم ثابتا، وان لم يكن المعلوم بمنزلة البصر، فقد يكون الانسان بصيرا، وإن يكن المبصر وقد يكون العلم ثابتا، وان لم يكن المعلوم.. ". وأجاب سليمان: " إنها - أي الارادة - مصنوعة.. ". وابطل الامام قول سليمان، قائلا:
" فهي محدثة، ليست كالسمع والبصر لان السمع والبصر ليسا بمصنوعين، وهذه مصنوعة... ". فقال سليمان: " إنها صفة من صفاته لم تزل... ". ورد عليه الامام قائلا: " فينبغي أن يكون الانسان لم يزل لان صفته لم تزل.. ". وأخذ سليان يراوغ في كلامه قائلا: " لا، لانه لم يفعلها.. ". فانكر الامام عليه ذلك وقال: " يا خراساني ما اكثر غلطك، أفليس بارادته وقوله تكون الاشياء ؟.. ". وأصر سليمان على خطئه قائلا: " لا... ". فأجابه الامام: " إذا لم تكن بارادته، ولا مشيئته، ولا أمره، ولا بالمباشرة فكيف يكون ذلك ؟ تعالى الله عن ذلك... ". وحار سليمان، فلم يستطع أن يقول شيئا، وراح الامام يفند شبه سليمان، وما تمسك به من أوهام قائلا له: " ألا تخبرني عن قول الله عزوجل: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) (1). يعني بذلك أنه يحدث إرادة ؟... ".
(1) سورة الاسراء / آية 16. (*)
[ 124 ]
وسارع سليمان قائلا:
" نعم... ". فأجابه الامام: " فإذا أحدث ارادة، كان قولك: إن الارادة هي هو أو شئ منه باطلا، لانه لا يكون أن يحدث نفسه، ولا يتغير عن حالة تعالى الله عن ذلك... ". وانبرى سليمان قائلا: " إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدث إرادة.. ". " فما عنى به ؟... " عني فعل الشئ.. ". فزجره الامام قائلا: " ويلك كم تردد هذه المسألة، وقد اخبرتك ان الارادة محدثة، لان فعل الشئ محدث... ". " فليس لها معنى... ". " قد وصف نفسه عندكم، حتى وصفها بالارادة بما له معنى فإذا لم يكن لها معنى قديم، ولا حديث بطل قولكم، ان الله عزوجل لم يزل مريدا... ". وراح سليمان يتمسك بالشبه قائلا: " إنما عنيت أنها - أي الارادة - فعل من الله تعالى لم يزل.. ". ورد عليه الامام قائلا: " الم تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا وقديما وحديثا في حالة واحدة ". وحار سليمان في الجواب، فقد ابطل الامام جميع شبهه، وأوضح له ان كل ممكن حادث وليس أزليا، وارادة الله تعالى ليست على غرار صفات الممكن. وراح الامام يقيم عليه الحجة قائلا: " لا بأس اتمم مسألتك... ". " ان الارادة صفة من صفاته... ".
وانكر الامام عليه تكراره لهذه المسألة قائلا: " كم تردد علي أنها صفة من صفاته، فصفته محدثة أو لم تزل ؟... ". " محدثة... ". " الله اكبر فالارادة محدثة، ان كانت صفة من صفاته لم تزل فلم يرد شيئا...
[ 125 ]
ان ما لم يزل لا يكون مفعولا.. ". وراح سليمان يغالط نفسه قائلا: " ليس الاشياء ارادة، ولم يرد شيئا... ". ورد الامام عليه قائلا: " وسوست يا سليمان، فقد فعل، وخلق ما لم يزل خلقه، وفعله وهذه صفة من لا يدري ما فعل ؟ تعالى عن ذلك... ". وغالط سليمان فقال: " يا سيدي فقد أخبرتك انها كالسمع والبصر والعلم.. ". وصاح به المأمون قائلا: " ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردد ؟ اقطع هذا، وخذ في غيره، إذ لست تقوى على غير هذا الرد.. ". والتفت الامام إلى المأمون، قائلا: " دعه يا أمير المؤمنين، لا تقطع عليه مسألته، فيجعلها حجة... ". ونطر الامام إلى سليمان قائلا: " تكلم يا سليمان.. " ومضى سليمان قائلا: " قد اخبرتك أنها - أي الارادة - كالسمع والبصر والعلم.. ".
فرد عليه الامام: " لا بأس اخبرني عن معنى هذه ؟ أمعنى واحد أم معان مختلفة ؟... ". " معنى واحد... ". " فمعنى الارادات كلها معنى واحد ؟.. " نعم.. " ورد عليه الامام ببالغ الحجة قائلا: " فإذا كان معناها واحدا كانت ارادة القيام وارادة القعود وارادة الحياة وارادة الموت، إذا كانت ارادته واحدة لم تتقدم بعضها بعضا، ولم يخالف بعضها بعضا، وكانت شيئا واحدا... ". وأجاب سليمان قائلا: " إن معناها مختلف... ".
[ 126 ]
وأشكل الامام عليه قائلا: " اخبرني عن المريد أهو الارادة أم غيرها ؟.. ". " بل هو الارادة.. ". فأجابه الامام: " المريد عندكم مختلف إذا كان هو الارادة.. ". " يا سيدي ليس الارادة المريد.. ". وأشكل الامام عليه قائلا: " فالارادة محدثة، وإلا فمعه غيره.. ". " إنها اسم من اسمائه.. " " هل سمى نفسه بذلك ؟.. ".
" لا، لم يسم نفسه بذلك ؟.. ". " فليس لك أن تسميه بما لم يسم به نفسه.. ". وراوغ سليمان، فقال: " قد وصف نفسه بأنه مريد.. ". وقال الامام: " ليس صفته نفسه، انه مريد اخبار عن أنه ارادة ولا اخبار عن أن الارادة اسم من اسمائه... ". " لان ارادته علمه.. ". واجابه الامام: " إذا علم الشئ فقد اراده... ". " أجل... ". " إذا لم يرده لم يعلمه ". " أجل.. ". وأنبرى الامام يوضح فساد ما ذهب إليه سليمان قائلا: " من أين قلت ذلك ؟ وما الدليل على ان ارادته عمله ؟ وقد يعلم ما لا يريده أبدا، وذلك قوله عزوجل: (لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك) (1) فهو يعلم كيف يذهب به، وهو لا يذهب به ابدا.. ".
(1) سورة الاسراء / اية 86. (*)
[ 127 ]
وقال سليمان: " لانه قد فرغ من الامر فليس يزيد فيه شيئا.. ". ورد الامام عليه قائلا:
" هذا قول اليهود: فكيف قال تعالى: (ادعوني استجب لكم) (1). وانكر سليمان ذلك وقال: " انما عنى بذلك، انه قادر عليه... ". واجابه الامام: " أفيعد ما لا يفي به ؟ فكيف قال: (يزيد في الخلق ما يشاء) (2) وقال عز وجل: (يمحو الله ما يشاء وعنده أم الكتاب) (3) وقد فرغ من الامر.. ". و (؟) سليمان، فقد سد الامام عليه كل نافذة، فأين ما اتجه فالامام يواجهه ببالغ الحجة، وقوة البرهان في ابطال ما يذهب إليه.. ومضى الامام (عليه السلام) في ابطال شبه سليمان قائلا: " يا سليمان هل يعلم أن انسانا يكون، ولا يريد أن يخلق انسانا أبدا، وان انسانا يموت اليوم، ولا يريد أن يموت اليوم.. ". وسارع سليمان قائلا: " يعلم أنهما يكونان جميعا.. ". وأجابه الامام بما يترتب على قوله من التناقض قائلا: " إذا يعلم أن انسانا حي ميت، قائم، قاعد، أعمى، بصير، في حالة واحدة، وهذا هو المحال... ". وراح سليمان يكثر من التناقض في كلامه الذي الزمه به الامام قائلا:
(1) سورة المؤمن / آية 60. (2) سورة فاطر / آية 1. (3) سورة الرعد / آية 39. (*)
[ 128 ]
" جعلت فداك، فانه يعلم أنه يكون أحدهما دون الآخر... ". فقال الامام: " لا بأس، فأيهما يكون الذي أراد أن يكون، أو الذي لم يرد أن يكون ؟... ".
وراح سليمان يتخبط خبط عشواء، لم يدر ما يقول، وما يترتب على كلامه من التهافت فقال: " أراد الذي أن يكون... ". وغرق القوم في الضحك، وضحك الامام الرضا، والمأمون، فقال الامام: " غلطت، وتركت قولك: إنه يعلم أن أنسانا يموت اليوم، وهو لا يريد أن يموت اليوم، وانه يخلق خلقا، وانه لا يريد أن يخلقهم، وإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون، فانما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون ؟... ". وراح سليمان يوجه ما قاله: " فإنما قولي: إن الارادة ليست هو ولا غيره... ". وانبرى الامام يدله على تناقض قوله: " إذا قلت: ليست هو فقد جعلتها غيره، وإذا قلت: ليست هي غيره، فقد جعلتها هو.. ". وقال سليمان: " كيف فهو يعلم - أي الله - كيف يصنع الشئ ؟... ". " نعم.. ". " فان ذلك اثبات للشئ.. ". فأجابه الامام بمنطق الحكمة والعلم قائلا: " أحلت - أي تكلمت بالمحال - لان الرجل قد يحسن البناء وان لم يبن، ويحسن الخياطة، وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشئ، وان لم يصنعه ابدا. يا سليمان هل تعلم أنه واحد لا شئ معه ؟... ". " نعم... ". " فيكون ذلك اثباتا للشئ... ". وأنكر سليمان ما قاله سابقا.
" ليس يعلم أنه واحد لا شئ معه... ". فأجابه الامام:
[ 129 ]
" أفتعلم أنت ذاك ؟.. ". " نعم... ". " فأنت يا سليمان إذا أعلم منه ؟... ". وراح سليمان يقول: " المسألة محال... ". فرد الامام عليه قائلا: " محال عندك، إنه واحد، لا شئ معه وانه سميع بصير، حكيم قادر.. ". " نعم.. ". وأجابه الامام بمنطق العلم والحكمة قائلا: " كيف أخبر عزوجل انه واحد، حي سميع، بصير، حكيم، قادر عليم، خبير، وهو لا يعلم ذلك، وتكذيبه.. تعالى الله عن ذلك ". واضاف الامام قائلا: " " كيف يريد صنع ما لا يدري صنعه، ولا ما هو ؟ وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشئ قبل أن يصنعه فانما هو متحير... تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. ". وراح سليمان يتخبط فقال: " إن الارادة القدرة.. ". فرد الامام عليه بقوله: " وهو عزوجل يقدر على ما لا يريده أبدا، ولا بد من ذلك، لانه قال تبارك وتعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك) فلو كانت الارادة هي القدرة كان قد أراد ان يذهب به لقدرته... ".
وبان العجز على سليمان، ووقف حائرا أمام هذا البحر المتلاطم من العلم والفضل، فانقطع عن الكلام، والتفت إليه المأمون مشيدا بمواهب الامام وعبقرياته قائلا: " يا سليمان هذا أعلم هاشمي... ". واحتوت هذه المناظرة على بحوث فلسفية بالغة الاهمية دلت على مدى ما يحمله الامام الرضا (عليه السلام) من طاقات علمية هائلة اثبتت صدق وواقعية ما تذهب إليه الشيعة الامامية من ان الامام لا بد ان يكون أعلم أهل عصره، وبذلك فقد
[ 130 ]
باءت بالفشل محاولة المأمون الذي أراد تعجيز الامام ولو بمسألة واحدة ليتخذ منها وسيلة للطعن في معتقدات الشيعة بالامام، وقد علق الشيخ الصدوق نضر الله مثواه على هذه المناظرة بقوله: كان المأمون يجلب على الرضا من متكلمي الفرق والاهواء المضلة كل من سمع به حرصا على انقطاعه عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حسدا منه له، ولمنزلته من العلم، فكان لا يكلمه احد إلا أقر له بالفضل وألزم الحجة له عليه، لان الله تعالى ذكره يأبى إلا أن يعلي كلمته، ويتم نوره، وينضر حجته، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) (1) يعني بالذين آمنوا الائمة الهداة، واتباعهم العارفين بهم، والآخذين عنهم بنصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا، وكذلك يفعل بهم في الآخرة وان الله عزوجل لا يخلف الميعاد " (2). مناظرة أبي قرة للامام: وتصدى الامام الرضا (عليه السلام) لتزييف الشبه وإبطالها، التي أثيرت حول العقيدة الاسلامية، وقد قصد أبو قرة خراسان ؟ ؟ لامتحان الامام (عليه السلام)، وطلب
من صفوان بن يحيى وهو من خواص الامام أن يستأذن منه للدخول عليه، فأذن الامام له، فلما تشرف بالمثول أمامه سأله عن أشياء من الحلال والحرام، والفرائض والاحكام فأجابه عنها، ثم سأله عن بعض قضايا التوحيد وهي: س 1 - " أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى ؟... ". ج 1 - الله أعلم بأي كلمه بالسريانية أم بالعبرانية... ". وأخرج أبو قرة لسانه، وقال: إنما اسألك عن هذا اللسان ومعنى ذلك أنه هل كلمه بلسان كلسان الانسان ؟ فرد الامام عليه ذلك بقوله: " سبحان الله عما تقول: ومعاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شئ، ولا كمثله قائل ولا فاعل... ". وانبرى أبو قرة قائلا: " كيف ذلك ؟.... ".
(1) سورة المؤمن / آية 51. (2) عيون أخبار الرضا 1 / 182 - 191. (*)
[ 131 ]
فقال (عليه السلام): " كلام الخالق لمخلوق، ليس ككلام المخلوق لمخلوق، ولا يلفظ بشق فم ولسان، ولكن يقول: (كن) فكان بمشيئته ما خاطب به موسى من الامر والنهي من غير تردد في نفس ؟... ". ان كلام الله تعالى ليس بواسطة الجارحة كما في كلام الانسان، فانه تعالى يستحيل عليه ذلك، إذ ليس كمثله شئ، ولا قائل. س 2 - " ما تقول في الكتب ؟... ". ج 2 - " التوراة والانجيل والزبور، والفرقان، وكل كتاب انزل كان كلام الله،
أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي غير الله حيث يقول: (ويحدث لهم ذكرا) (1) وقال: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا استمعوه وهم يلعبون) (2) والله أحدث الكتب كلها التي انزلها.. ". س 3 - " هل تفنى ؟ - أي الكتب - ". ج 3 - " أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل الله، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون: " رب القرآن " وان القرآن يقول يوم القيامة: " يا رب هذا فلان - وهي أعرف به منه - قد أظمأت نهاره واسهرت ليله، فشفعني فيه " وكذلك التوراة والانجيل والزبور وهي كلها محدثة، مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شئ، هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن معه، فقد أظهر: أن الله ليس بأول قديم، ولا واحد، وان الكلام لم يزل معه، وليس له بدو، وليس بإله... ". س 4 - " إنا روينا: إن الكتب كلها تجئ يوم القيامة، والناس في صعيد واحد، قيام لرب العالمين، ينظرون حتى ترجع فيه، لانها منه، وهي جزء منه، فإليه تصير. ". ج 4 - " هكذا قالت النصارى في المسيح انه روحه، جزء منه، ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس: في النار والشمس أنهما جزء منه ترجع فيه. تعالى ربنا أن يكون متجزيا أو مختلفا، وإنما يختلف، ويأتلف المتجزي لان كل متجزي متوهم
(1) سورة طه / آية 113. (2) سورة البقرة / آية 21. (*)
[ 132 ]
والكثرة والقلة مخلوقة دالة على خالق خلقها.. ". س 5 - " إنا روينا: إن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسم لموسى الكلام
ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الرؤية ؟... ". ج 5 - " فمن المبلغ عن الله الثقلين: الجن والانس، إنه لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، اليس محمد (صلى الله عليه وآله) ؟... ". " بلى.. ". وأوضح الامام (عليه السلام) له الامر، وكشف ما التبس عليه قائلا: " كيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم: أنه جاء من عند الله، وانه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: إنه لا تدركه الابصار ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، واحطت به علما، وهو على صورة البشر، أما تستحيون ؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا ؟ أن يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.... ". س 6 - إنه يقول: (ولقد رآه نزلة أخرى..) (1) ج 6 - " ان بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) يقول: ما كذب فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله) ما رأت عيناه، فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فآيات الله غير الله وقال: (ولا يحيطون به علما) (2) فإذا رأته الابصار فقد أحاط به العلم، ووقعت المعرفة... ". س 7 - فنكذب بالرواية ؟.. ". ج 7 - " إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنه - أي الله تعالى - لا يحاط به علما، ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شئ... ". لقد وضع الامام (عليه السلام) لصفة الخبر وزيفه مقياسا وهو أن الخبر ان اتفق مع القرآن الكريم فهو صحيح، وإلا فهو باطل. س 8 - ما معنى قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصا...) (3) ؟
(1) سورة النجم / آية 13 وما بعدها. (2) سورة طه / آية 11. (3) سورة الاسراء / آية 1. (*)
[ 133 ]
ج 8 - " لقد أخبر الله تعالى أنه أسرى به، ثم أخبر - أي الله - أنه لم أسري به - أي أخبر الله عن العلة في هذا الاسراء - فقال: (لنريه من آياتنا) (1) فآيات الله غير الله، فقد اعذر، وبين لم فعل به ذلك، وما رآه، وقال: (فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون) (1). س 8 - " أين الله ؟... ". ج 8 - " الاين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غائب، فالله تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكل مكان، موجود مدبر، صانع، حافظ، ممسك السماوات والارض.. ". س 9 - " اليس هو فوق السماء دون ما سواها ؟.. ". ج 9 - هو الله في السماوات، وفي الارض، وهو الذي في السماء إله، وفي الارض إله، وهو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي استوى إلى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق، وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين.... ". س 10 - " فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء ؟.. ". ج 10 - " ان الله استعبد خلقه بضروب من العبادة ولله مفازع يفزعون إليه، ومستعبد فاستعبد عباده بالقول والعلم، والعمل والتوجه، ونحو ذلك استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجه إليها الحج والعمرة واستعبد خلقه عند الدعاء،
والطلب، والتضرع ببسط الايدي، ورفعها إلى السماء حال الاستكانة، وعلامة العبودية والتذلل له.. ". س 11 - " من أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الارض ؟... ". ج 11 - " ان كنت تقول بالشبر والذراع، فان الاشياء كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله، ويدبر أوله من حيث يدبر آخره من غير عناء، ولا كلفة ولا مؤنة، ولا مشاورة، ولا نصب وان كنت تقول: من أقرب إليه في الوسيلة، فأطوعهم له وأنتم ترون أن أقرب ما
(1) سورة الاسراء / آية 1. (2) سورة الجاثية / آية 5. (*)
[ 134 ]
يكون العبد إلى الله، وهو ساجد، ورويتم أن اربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق وأحدهم من أسفل الخلق، وأحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: " من عند الله " ارسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل.. ". س 12 - " اتقر أن الله محمول ؟.. ". ج 12 - " كل محمول مفعول، ومضاف إلى غيره محتاج فالمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق، وتحت، واعلى، واسفل، وقد قال الله تعالى: " ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ". ولم يقل في شئ من كتبه انه محمول بل هو الحامل في البر والبحر، والممسك للسماوات والارض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحدا آمن بالله وعظمه قط، قال في دعائه: يا محمول... ". س 13 - " افنكذب بالرواية ؟ ان الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين
يحملون العرش، يجدون ثقله في كواهلهم فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب، خف فرجعوا الى مواقفهم.. ". ج 13 - " اخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا، والى يوم القيامة، فهو غضبان على ابليس، وأوليائه أو عنهم راض ؟.. ". وأيد أبو قرة كلام الامام قائلا: " نعم هو غضبان عليه.. ". وانبرى الامام قائلا: " ويحك كيف تجترئ ان تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، وانه يجري عليه ما يجري على المخلوقين ؟ سبحانه لم يزل مع الزائلين، ولم يتغير مع المتغيرين.. ". واستولى الذهول على أبي قرة، وحار في الجواب وانهزم من المجلس، وهو مندحر قد أترعت نفسه بالغيظ، والحقد على الامام. مناظرته مع الجاثليق: ومن بين الاجراءات التي اتخذها المأمون لامتحان الامام لعله يظفر بتعجيزه أنه
(1) الاحتجاج 2 / 185 - 189. (*)
[ 135 ]
أوعز إلى وزيره الفضل بن سهل أن يجمع له الاعلام المتكلمين من اصحاب المقالات والاديان، مثل الجاثليق (1). ورأس الجالوت (2)، والهربذ الاكبر (3) واصحاب زردهشت (4) ونسطاس الرومي (5) وسائر المتكلمين فجمعهم الفضل في بلاط المأمون، ثم ادخلهم عليه فقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم، وعرض عليهم ما يرومه قائلا: " إنما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمي المدني، القادم علي، فإذا كان بكرة فاغدوا علي، ولا يتخلف منكم أحد... ". فأجابوه بالسمع والطاعة، والامتثال لامره، وأمر المأمون ياسر الخادم أن يدعو
الامام لمناظرة علماء الاديان في اليوم الثامن، فخف ياسر إلى الامام وأبلغه مقالة المأمون فأجابه إلى ذلك والتفت الامام إلى الحسن بن محمد النوفلي فقال له: " يا نوفلي أنت عراقي، ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمي علينا أهل الشرك واصحاب المقالات.. ". وعرف النوفلي غاية المأمون، فقال للامام: " جعلت فداك يريد الامتحان، ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى.. ". وسارع الامام قائلا: " وما بناؤه في هذا الباب ؟... ". وعرض النوفلي على الامام ما يحذره ويخافه عليه منهم قائلا: " ان اصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء وذلك ان العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون، وأهل الشرك أصحاب انكار ومباهتة، إن احتججت عليهم بأن الله واحد، قالوا: صحيح وحدانيته، وإن قلت: إن محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول، قالوا: ثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل - وهو مبطل عليهم بحجته - ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك... ".
(1) الجاثليق: رئيس الاساقفة. (2) الجالوت: هو أحد علماء اليهود. (3) الهربذ: هو من علماء الهنود. (4) في نسخة: " زرادشت " وهو من تلاميذ بعض الانبياء، وقيل: إنه مرسل من قبل بعض الانبياء إلى بني اسرائيل. (5) النسطاس: عالم بالطب. (*)
[ 136 ]
لقد أعرب النوفلي عن مخاوفه من هؤلاء الذين يحاججهم الامام لانهم لا يبغون الوصول إلى الواقع، والتعرف على الحق، وهم دوما يعتمدون على المغالطات للوصول إلى اهدافهم الرخيصة. وأزال الامام ما في نفس النوفلي من المخاوف قائلا " اتخاف أن يقطعوا علي حجتي ؟.. ".: انهم أمام بحر من العلم، وطاقات هائلة من الفضل، فكيف يقطعون على الامام حجته، وسارع النوفلي فقال: " لا والله ما خفت عليك قط، وإني لارجو أن يظفرك الله بهم، إن شاء الله.. ". وانبرى الامام قائلا: يا نوفلي، أتحب أن تعلم متى يندم المأمون ؟.. ". نعم.. ". " إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الانجيل بانجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أهل المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف، ودحضت حجته، وترك مقالته، ورجع إلى قولي، علم المأمون أن الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم... ". لقد كشف الامام عليه بهذه الكلمات عما يملكه من ثروات علمية لا تحد، وانه باستطاعته أن يناظر جميع أهل الاديان والمذاهب، ويفند أوهامهم، ويوضح لهم الحق، وإذا استبان ذلك للمأمون فانه يندم على هذه الاجراءات، ويظهر له أنه على غير صواب. ولما انقضى النهار، واقبل اليوم الثاني خف الفضل بن سهل مسرعا إلى الامام
(عليه السلام)، فقال له: " جعلت فداك ان ابن عمك - يعني المأمون - ينتظرك، اجتمع القوم، فما رأيك في اتيانه ؟... ". فأجابه الامام أنه مستعد للحضور، وانه قادم على المأمون، وخرج الامام، وهو بهيبة تعنو لها الجباه، فكان يلهج بذكر الله ودخل على المأمون وكان المجلس
[ 137 ]
مكتظا بالطالبيين والهاشميين، وقادة الجيش والعلماء، من مسلمين وغيرهم، وقام المأمون وجميع من في المجلس تكريما وتعظيما للامام، وجلس الامام، والناس وقوف احتراما له، فأمرهم المأمون بالجلوس، وبعدما استقر المجلس بالامام التفت المأمون إلى الجاثليق، فقال له: " يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا (صلى الله عليه وآله)، وابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأحب أن تكلمه وتحاجه، وتنصفه... ". وانبرى الجاثليق قائلا: " يا امير المؤمنين، كيف احاج رجلا يحاج علي بكتاب أنا منكره ونبي لا أو من به... ". لقد حسب الجاثليق أن الامام (عليه السلام) يستدل على ما يذهب إليه بآيات من القرآن الكريم، أو بكلمات من الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو لا يؤمن بذلك، وانما يبغي دليلا وبرهانا من كتبهم، ورد الامام عليه مقالته: " يا نصراني فان احتججت عليك بانجيلك أتقر به ؟... ". وسارع الجاثليق قائلا:
" هل أقدر على دفع ما نطق به الانجيل، نعم والله أقربه... ". " سل عما بدا لك، واسمع الجواب.. ". س 1 - " ما تقول في نبوة عيسى، وكتابه هل تنكر منهما شيئا ؟.. ". ج 1 - أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه، وما بشر به أمته، وأقرت به الحواريون، وكافر بنبوة عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه، ولم يبشر به أمته... ". وسارع الجاثليق قائلا: " أليس انما تقطع الاحكام بشاهدي عدل ؟... ". " بلى... ". " فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا... ". وصدق الامام مقالته، فقد جاء بالنصف قائلا: " الآن جئت بالنصفة، الا تقبل مني العدل، والمقدم عند المسيح بن مريم ؟... ".
[ 138 ]
" من هذا العدل سمه لي ؟... ". " ما تقول: في يوحنا الديلمي ؟... ". وسارع الجاثليق قائلا: " بخ بخ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح.. ". وانبرى سليل النبوة قائلا: " أقسمت عليك هل نطق الانجيل أن يوحنا قال، إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي: وبشرني به، أنه يكون من بعدي، فبشرت به الحواريين، فآمنوا به.. ".
ولم يسع الجاثليق انكار ذلك إلا أنه قال: إن يوحنا لم يسمه لنا، حتى نعرفه. ورد عليه الامام: " فان جئناك بمن يقرأ الانجيل فتلا عليك ذكر محمد، وأهل بيته، وأمته أتؤمن به ؟... ". وقال بصوت خافت: " أمر سديد... ". والتفت الامام (عليه السلام) إلى نسطاس الرومي، فقال له: " كيف حفظك للسفر الثالث من الانجيل ؟... ". " ما أحفظني له.. ". وخاطب الامام (عليه السلام) الجاثليق فقال له: " ألست تقرأ الانجيل ؟.. ". " بلى... " " خذ على السفر الثالث، فان كان فيه ذكر محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي... ". وتلا الامام عليه السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) التفت إلى الجاثليق فقال له: " إني اسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالانجيل ؟.... ". " نعم... ". ثم قرأ ما في السفر الثالث من ذكر النبي وأهل بيته وأمته، واضاف قائلا: " ما تقول: هذا قول عيسى بن مريم، فان كذبت ما نطق به الانجيل فقد كذبت موسى وعيسى، ومتى انكرت هذا الذكر وجب عليك، القتل لانك تكون قد
[ 139 ]
كفرت بربك ونبيك، وكتابك... ". وراح الجاثليق يقول: " لا أنكر ما قد بان لي من الانجيل، واني لمقر به... ". والتفت الامام (عليه السلام) إلى الحاضرين، فطلب منهم الشهادة على اقراره ثم قال له: " يا جاثليق سل عما بدا لك... ". وسارع الجاثليق سائلا: س 2 - " اخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدتهم، وعن علماء الانجيل كم كانوا ؟... ". ج 2 - " على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا إثني عشر رجلا وكان افضلهم واعلمهم (لوقا) واما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: " يوحنا " الاكبر - يا حي - و " يوحنا " بقرقيسيا، ويوحنا " الديلمي بزخار، وعنده كان ذكر النبي (صلى الله عليه وآله)، وذكر أهل بيته، وهو الذي بشر أمة عيسى وبني اسرائيل به واضاف الامام قائلا: " والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله) وما ننقم على عيسى شيئا إلا ضعفه، وقلة صيامه وصلاته... ". وحينما سمع الجاثليق الكلمات الاخيرة من هذا فصاح: " أفسدت، والله علمك، وضعف أمرك، وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الاسلام... ". وقابله الامام بهدوء فقال له: " وكيف ذلك ؟... ". وفقد الجاثليق صوابه، وراح يقول:
" من قولك: إن عيسى كان ضعيفا، قليل الصوم والصلاة، وما أفطر عيسى يوما قط، وما نام بليل قط، وما زال صائم الدهر، قائم الليل.. ". وانبرى الامام ينسف العقيدة المسيحية الزاعمة بأن المسيح إله يعبد من دون الله، فقال (عليه السلام): " لمن كان يصوم - أي المسيح - ويصلي ؟... ". فانقطع الجاثليق عن الجواب، ولم يدر ما يقول: والتفت الامام إليه قائلا:
[ 140 ]
" إني اسألك عن مسألة ؟... ". " سل فان كان عندي علمها اجبتك... ". ووجه الامام إليه السؤال التالي: " ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى باذن الله ؟.. ". وأجاب الجاثليق: " أنكرت ذلك من قبل، ان من أحيى الموتى، وابرأ الاكمه والابرص فهو رب مستحق لان يعبد.. ". ورد الامام عليه مقالته: " فان اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى (عليه السلام)، مشى على الماء، وأحيى الموتى، وابرأ الاكمه والابرص، فلم لا تتخذه أمته ربا، ولم يعبده أحد من دون الله عزوجل، فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة، يا رأس الجالوت، اتجد هؤلاء في شباب بني اسرائيل في التوراة اختارهم (بخت نصر) من سبي بني اسرائيل حين غزا بيت المقدس، ثم انصرف بهم إلى بابل، فأرسله الله عزوجل إليهم، فأحياهم، هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكر... ". وبهر الجاثليق بمعلومات الامام عنهم، وقال:
" قد سمعنا به، وعرفناه... ". والتفت الامام إلى يهودي كان في المجلس، فأمره أن يقرأ احدى فصول التوراة، فأخذ في قراءتها، وكان فيه ذكر لبعض الانبياء، واقبل الامام على رأس الجالوت فقال له: " أهؤلاء - يعني الانبياء - كانوا قبل عيسى، أم عيسى كان قبلهم ؟... ". " بل كانوا قبله... ". وأخذ الامام يتلو عليهم بعض معجزات جده الرسول الاعظم خاتم الانبياء قائلا: " لقد اجتمعت قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يحيى لهم موتاهم، فوجه معهم على بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال له: اذهب إلى الجبانة، فناد باسماء هؤلاء الرهط، الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك، يا فلان، يا فلان يقول لكم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا باذن الله عزوجل، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أن محمدا قد بعث نبيا، فقالوا: وددنا أنا ادركناه، فنؤمن به، ولقد ابرأ الاكمه والابرص
[ 141 ]
والمجانين، وكلمته البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه ربا من دون الله، ولم ننكر لاحد من هؤلاء فضلهم فان اتخذتم عيسى ربا جاز لكم ان تتخذوا اليسع وحزقيل ربين، لانهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم، من احياء الموتى وغيره، ثم ان قوما من بني اسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم الوف حذر الموت، فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل القرية فحظروا عليهم حظيرة، فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم، وصاروا رميما، فمر بهم نبي من انبياء بني اسرائيل فتعجب منهم، ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله أتحب ان احييهم لك فتنذرهم ؟ قال: نعم.
فأوحى الله أن نادهم، فقال أيتها العظام البالية قومي باذن الله، فقاموا احياء اجمعين ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثم ابراهيم خليل الله حين اتخذ الطير فقطعهن قطعا، ثم وضع على كل جبل منهم جزءا ثم ناداهن فاقبلن سعيا إليه، ثم موسى بن عمران واصحابه السبعون الذين اختارهم، صاروا معه إلى الجبل، فقالوا له: إنك قد رأيت الله فأرناه. فقال لهم: إني لم اره. فقالوا: لن نؤمن حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم، فبقي موسى وحيدا. فقال: يا رب ! إخترت سبعين رجلا من بني اسرائيل فجئت بهم، فارجع أنا وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به فلو شئت اهلكتهم من قبل وإياي، أفتهلكنا بما فعل السفهاء منها ؟ فأحياهم الله عزوجل من بعد موتهم، وكل شئ ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه، لان التوراة والانجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فان كان كل من أحيى الموتى وأبرأ الاكمه والابرص والمجانين يتخذ ربا من دون الله، فاتخذ هؤلاء كلهم اربابا، ما تقول يا نصراني ؟ ". لقد نعى الامام (عليه السلام) على النصارى اتخاذهم السيد المسيح ربا من دون الله لانه احيى الموتى، وأبرأ الاكمه والابرص فقد جرت امثال هذه المعاجز إلى سيد الانبياء الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعض الانبياء العظام، ولم يتخذوا اربابا يعبدون من دون الله تعالى. وانبرى الجاثليق فخاطب الامام بعد ما سمع منه هذه الكلمات المشرقة فقال:
[ 142 ]
" القول: قولك، ولا إله إلا الله... ".
والتفت الامام إلى رأس الجالوت، فقال له: " اقبل علي، اسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران، هل تجد في التوراة مكتوبا نبأ محمد (صلى الله عليه وآله) وأمته إذا جاءت الامة الاخيرة اتباع راكب البعير، يسبحون الرب جدا، جدا، تسبيحا جديدا في الكنايس الجدد - أراد بها المساجد - فليفزع بنو اسرائيل إليهم، والى ملكهم، لتطمئن قلوبهم، فان ما بايديهم سيوفا ينتقمون بها من الامم الكافرة في اقطار الارض، هكذا هو مكتوب في التوراة... ". وبهر الجالوت، وراح يقول: " نعم انا لنجد ذلك كذلك.. ". والتفت الامام (عليه السلام) إلى الجاثليق فقال له: " كيف علمك بكتاب شعيا ؟... ". " اعرفه حرفا، حرفا... " وخاطب الامام الجاثليق ورأس الجالوت فقال لهما: " أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار، لابسا جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوءه ضوء القمر.. ". وطفقا قائلين: " قد قال ذلك شعيا.. ". والتفت الامام إلى الجاثليق فقال له: " اتعرف قول عيسى: اني ذاهب إلى ربكم وربي، و " البار قليطا " جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الذي يفسر لكم كل شئ، وهو الذي بيده فضائح الامم، وهو الذي يكسر عمود الكفر... ". وبهر الجاثليق، وقال: " ما ذكرت شيئا من الانجيل الا ونحن مقرون به.. ".
وراح الامام يقرره ان ما ذكره ثابت في الانجيل قائلا: " اتجد هذا في الانجيل ثابتا ؟.. ". " نعم.. ". " يا جاثليق: الا تخبرني عن الانجيل الاول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ؟
[ 143 ]
ومن وضع لكم هذا الانجيل ؟.. ". وأخذ الجاثليق يتخبط خبط عشواء قائلا: " ما افتقدنا الانجيل الا يوما واحدا، حتى وجدناه غضا طريا، فأخرجه إلينا يوحنا ومتى.. ". فرد عليه الامام قائلا: " ما أقل معرفتك بسنن الانجيل وعلمائه، فان كان كما تزعم فلم اختلفتم في الانجيل ؟ وانما الاختلاف في هذا الانجيل الذي في أيديكم اليوم، فان كان على العهد الاول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، اعلم أنه لما افتقد الانجيل الاول اجتمعت النصارى إلى علمائهم، فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم، وافتقدنا الانجيل، وانتم العلماء فما عندكم ؟ فقال لهم الوقا ومرقانوس ويوحنا ومتى ان الانجيل في صدورنا نخرجه اليكم سفرا في كل أحد، فلا تحزنوا عليه، ولا تخلوا الكنائس فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله. واضاف الامام قائلا: ان الوقا، ومرقانوس، ويوحنا ومتى وضعوا لكم هذا الانجيل، بعدما افتقدتم الانجيل الاول وإنما كان هؤلاء الاربعة تلاميذ الاولين أعلمت ذلك ؟.. ". وراح الجاثليق يبدي اكباره للامام، ويعترف له انه لا علم له بذلك قائلا: " أما قبل هذا فلم اعلمه، وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك
بالانجيل، وقد سمعت اشياء كما علمته، شهد قلبي أنها حق، واستزدت كثيرا من الفهم.. ". والتفت الامام (عليه السلام) إلى المأمون، والى من حضر من أهل بيته وغيرهم، فطلب منهم أن يشهدوا عليه، فقالوا: شهدنا، ووجه كلامه صوب الجاثليق فقال له: " بحق الابن وامه، هل تعلم أن " متى " قال في نسبة عيسى أنه المسيح بن داود بن ابراهيم بن اسحاق بن يعقوب بن يهود، بن خضرون ؟ وقال: " مرقانوس " في نسبة عيسى انه كلمة الله أحلها في الجسد الآدمي فصارت انسانا ! ! وقال - (الوقا): ان عيسى بن مريم وامه كانا انسانين من لحم ودم فدخل فيهما
[ 144 ]
روح القدس ؟ ثم انك تقول: في شهادة عيسى على نفسه، حقا أقول لكم: انه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها، إلا راكب البعير خاتم الانبياء، فانه يصعد إلى السماء وينزل فما تقول في هذا القول ؟ واعترف الجاثليق بما قالوه في المسيح، وما قاله السيد المسيح في نفسه، فقال: " هذا قول عيسى لا ننكره.. ". فقال له الامام: " فما تقول في شهادة الوقا ومرقانوس ومتى على عيسى وما نسبوا إليه ؟.. ". وراح الجاثليق يزكي السيد المسيح، ويكذب ما نسبوه له قائلا: " كذبوا على عيسى... ". والتفت الامام (عليه السلام) إلى من حضر في مجلسه من القادة والعلماء
قائلا: " يا قوم اليس قد زكاهم، وشهد انهم علماء الانجيل وقولهم حق ؟.. ". وبان الانكسار على الجاثليق وراح يلتمس من الامام أن لا يسأله فقال: " يا عالم المسلمين أحب ان تعفيني من أمر هؤلاء ". فاعفاه الامام، ثم قال له: " سلني عما بدالك.. ". وبهر الجاثليق من علوم الامام التي هي امتداد ذاتي لعلوم جده سيد الكائنات محمد (صلى الله عليه وآله)، وقال بخضوع واكبار للامام: " ليسألك غيري، فوالله ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.. ". واطرق الجاثليق برأسه إلى الارض، وعج المجلس بالتهليل والتكبير، واستبان للمأمون وغيره ان الامام (عليه السلام) نفحة قدسية من نفحات الملة، فقد وهبه لهذه الامة كما وهب آباءه، ومنحهم من العلوم التي لا حد لها. مناظرته مع رأس الجالوت: وكان رأس الجالوت، يمثل الطائفة اليهودية في ذلك المجلس الذي أعده المأمون لامتحان الامام فقال له الامام: " تسألني أو أسألك ؟... ". " بل أسألك، ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة أو من الانجيل أو من
[ 145 ]
زبور داود، أو ما في صحف ابراهيم وموسى.. ". فأجابه الامام بالموافقة على هذا الشرط قائلا: " لا تقبل مني حجة إلا بما نطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والانجيل على لسان عيسى بن مريم، والزبور على لسان داود (عليهم السلام)... ". س 1 - " من أين تثبت نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ؟.. ".
ج 1 - " شهد بنبوته موسى بن عمران، وعيسى بن مريم، وداود خليفة الله في الارض.. ". وطلب رأس الجالوت اثبات ذلك قائلا: " اثبت قول موسى بن عمران... ". فقال الامام: " تعلم يا يهودي أن موسى أوصى بني اسرائيل، فقال لهم: إنه سيأتيكم نبي فيه (1) فصدقوا، ومنه فاسمعوا فهل تعلم أن لبني اسرائيل أخوة غير ولد اسماعيل ؟ ان كنت تعرف قرابة اسرائيل من اسماعيل، والنسب الذي بينهما من قبل ابراهيم ". واعترف رأس الجالوت بذلك قائلا: " هذا قول موسى: لا ندفعه.. ". والزمه الامام بالحجة والبرهان قائلا: " هل جاءكم من اخوة بني اسرائيل غير محمد (صلى الله عليه وآله) ؟.. ". " لا.. ". وانبرى الامام قائلا: " أليس هذا قد صح عندكم ؟... ". " نعم، ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة ؟.. ". وتلا الامام عليه قطعة من التوراة قائلا: " هل تنكرون التوراة تقول لكم: جاء النور من قبل طور سيناء واضاء للناس من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران.. ". واقر رأس الجالوت بهذه الكلمات، إلا انه طلب من الامام تفسيرها، فقال (عليه السلام) له:
(1) هكذا في النسخ المخطوطة والمطبوعة، والصواب فيه بالباء والمعنى إن ادركتم صحبته وفيه، اي
قصدوه واسمعوا ما يقوله. (*)
[ 146 ]
" أنا أخبرك بها، أما قوله: جاء النور من قبل طور سيناء فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأما قوله: واضاء للناس في جبل ساعير فهو الجبل الذي أوحى الله عزوجل إلى عيسى بن مريم وهو عليه، واما قوله: واستعلن علينا من جبل فاران فذاك جبل من جبال مكة، وبينه وبينها يومان ؟ أو يوم.. ". قال شعيا النبي: فيما تقول أنت واصحابك في التوراة رأيت راكبين اضاء لهما الارض أحدهما على حمار، والآخر على جمل، فمن راكب الحمار، ومن راكب الجمل ؟... ". ولم يعرف رأس الجالوت ذلك رغم انه موجود في التوراة فطلب من الامام ايضاح ذلك له، فقال (عليه السلام): " أما راكب الحمار فعيسى، وأما راكب الجمل فمحمد (صلى الله عليه وآله) أتنكر هذا في التوراة ؟.. ". ووجه الامام إليه السؤال التالي: " هل تعرف حبقوق النبي ؟... ". " نعم اني به لعارف.. ". وأخذ الامام (عليه السلام) يقرأ ما أثر عنه قائلا: " فانه قال: - وكتابكم ينطق به - جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلات السموات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر، كما يحمل في البر يأتينا بكتاب جديد - يعني القرآن الكريم - بعد خراب بيت المقدس، اتعرف هذا وتؤمن به ؟.. ".
واعترف رأس الجالوت بذلك، والتفت إليه الامام فأقام عليه حجة أخرى، وهي ما جاء في الزبور، من التبشير بالرسول الاعظم محمد (صلى الله عليه وآله) قائلا: " فقد قال داود في زبوره - وأنت تقرأه - اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة غير محمد (صلى الله عليه وآله) ؟.. ". وأخذ رأس الجالوت يراوغ، وينكر الحق قائلا: " هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكنه عنى بذلك عيسى، وامامه هي
[ 147 ]
الفترة.. ". فرد عليه الامام قائلا: " جهلت ان عيسى موافقا لسنة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الانجيل مكتوب ان ابن البرة - اي عيسى - ذاهب، والبارقليطا جاء من بعده، وهو الذي يحفظ الآصار، ويفسر لكم كل شئ، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالامثال، وهو يأتيكم بالتأويل، أتومن بهذا في الانجيل ؟.. ". وطفق رأس الجالوت يقول: " نعم لا انكره... ". ووجه الامام إليه السؤال التالي: " أسألك عن نبيك موسى بن عمران ؟... ". " سل... ". " ما الحجة على أن موسى تثبتت نبوته ؟... " واخذ رأس الجالوت يستدل على نبوة موسى قائلا: " انه جاء بما لم يجئ به احد من الانبياء قبله.. ".
" مثل ماذا ؟.. ". " مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، واخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلاماته لا يقدر الخلق على مثلها... ". وصدق الامام مقالته قائلا: " صدقت في أنها حجة على نبوته.. إنه جاء بما لم يقدر الخلق عل مثله، أفليس كل من أدعى أنه نبي، وجاء بما لم يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه ؟.. ". وانكر اليهودي مقالة الامام قائلا: " لا، لان موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه، وقربه منه، ولا يجب علينا الاقرار بنبوة من ادعاها، حتى يأتي من الاعلام بمثل ما جاء به.. ". ونقض الامام كلام اليهودي قائلا: " فكيف أقررتم بالانبياء الذين كانوا قبل موسى، ولم يفلقوا البحر، ولم يفجروا من الحجر اثني عشر عينا، ولم يخرجوا أيديهم مثل اخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى.. ". واجاب اليهودي:
[ 148 ]
" قد خبرتك انه متى جاءوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله، ولو جاءوا بمثل ما جاء به موسى أو كانوا على ما جاء به موسى وجب تصديقهم... ". ورد الامام (عليه السلام) حجته قائلا: " يا رأس الجالوت فما يمنعك من الاقرار بعيسى بن مريم وكان يحيى الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا باذن الله.. ". وراوغ اليهودي فقال: " يقال: انه فعل ذلك، ولم نشهده.. ".
ورد الامام عليه ببالغ الحجة قائلا: " أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته ؟ أليس إنما جاءت الاخبار من ثقاة اصحاب موسى انه فعل ذلك.. ". " بلى.. ". والزمه الامام بالحجة القاطعة قائلا: " كذلك ايضا أتتك الاخبار لمتواترة بما فعل عيسى بن مريم، فكيف صدقتم بموسى، ولم تصدقوا بعيسى ؟.. ". ووجم رأس الجالوت، فقد سد عليه الامام كل نافذة، وأقام عليه الحجة البالغة، وبان عليه العجز، واضاف الامام (عليه السلام) يقول: " وكذلك أمر محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به، وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيما فقيرا، راعيا أجيرا، ولم يتعلم، ولم يختلف إلى معلم، ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الانبياء (عليهم السلام) واخبارهم حرفا، حرفا، واخبار من مضى، ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم باسرارهم، وما يعلمون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة.. ". وقطع رأس الجالوت على الامام كلامه قائلا: " لم يصح عندنا خبر عيسى، ولا خبر محمد، ولا يجوز أن نقر لهما بما لا يصح.. ". وفند الامام (عليه السلام) كلام اليهودي قائلا: " فالشاهد الذي يشهد لعيسى ومحمد شاهد زور ؟.. ". وأخرس رأس الجالوت، ووجم، وهو كظيم، وراح يفتش في حقيقة مغالطاته
[ 149 ]
شبهة يتمسك بها فلم يجد، وسيلة يتمسك بها لدعم اباطيله.
مناظرته مع الهربذ الاكبر: وبعدما فشلت رؤساء المذاهب والاديان في امتحان الامام، وبان عليها العجز، ولم يبق إلا الهربذ الاكبر المرجع الاعلى للمجوس، فالتفت إليه الامام (عليه السلام) فقال له: " اخبرني عن زردشت الذي تزعم أنه نبي، ما حجتك على نبوته ؟.. ". فقال الهربذ: " إنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله، ولم نشهده ولكن الاخبار من اسلافنا وردت علينا بأنه احل بنا ما لم يحله لنا غيره، فاتبعناه.. ". وانبرى الامام فقال له: " أفليس انما أتتكم الاخبار فاتبعتموه ؟.. ". " بلى... ". وراح الامام يقيم عليه الحجة التي لا مجال لانكارها قائلا: " فكذلك سائر الامم السالفة اتتهم الاخبار بما أتى به النبيون وأتى به موسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله) فما عذركم في ترك الاقرار بهم، إذ كنتم انما اقررتم بزردشت من قبل الاخبار الواردة بانه جاء بما لم يجئ به غيره... ". واستولت عليه الحيرة والذهول وحار في الجواب، فانقطع عن الكلام، والتفت سليل النبوة إلى من حضر من رؤساء الاديان فقال لهم: " يا قوم ان كان فيكم أحد يخالف الاسلام، وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم. ". (1). مناظرته مع الامام في طليعة هذا البحث: لقد افحمت هذه المناظرات القوى المعادية للاسلام، واثبتت بوضوح مدى الطاقات الهائلة من العلوم التي منحها الله للامام، والتي دللت على صحة ما تذهب
إليه الشيعة من أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد منحهم الله ثروات علمية، وانهم أعلم هذه الامة لا في المجالات التشريعية، وانما في جميع انحاء العلوم. وقد عجت أندية خراسان بهذه المناظرات التي تغلب الامام فيها على من
(1) الاحتجاج 2 / 199 - 212 عيون اخبار الرضا 2 / 154 - 168. (*)
[ 150 ]
ناظرهم، وفي نفس الوقت الهبت مشاعر المأمون وعواطفه بالحقد والعداء للامام (عليه السلام)، فقد باء بالفشل لما كان يرومه من تعجيز الامام ليتخذ من ذلك وسيلة للتشهير به، وعزله عن ولاية العهد، وأخذ يسعى جاهدا للتخلص من الامام فرأى ان لا وسيلة له إلا باغتياله، ودس السم إليه، وسنوضح ذلك بمزيد من التفصيل في البحوث الآتية. مناظرته مع زنديق: وخف زنديق متمرس في الزندقة والالحاد إلى الامام الرضا (عليه السلام) وكان في مجلسه جماعة، والتفت الامام إليه قائلا: " أرأيت إن كان القول قولكم - من انكار الله تعالى - وليس هو كما تقولون: السنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا، وصمنا وزكينا، واقررنا ؟.. ". فسكت الزنديق، أمام هذه الحجة الدامغة، فانه لو كان الامر كما يذهب إليه الزنادقة من انكار الله تعالى، فما الذي يضر الموحدين من صلاتهم وصومهم، واضاف الامام بعد ذلك قائلا: " وان لم يكن القول قولكم، وهو كما نقول: ألستم قد هلكتم، ونجونا... ". واراد الامام انه إذا انكشف الامر لهم من وجود الخالق العظيم المدبر لهذه الاكوان، فقد هلك الملحدون، وباؤوا بالخزي والعذاب الاليم، وفاز المؤمنون والمتقون.
وقدم الزنديق إلى الامام (عليه السلام) الاسئلة التالية: س 1 - رحمك الله، اوجدني كيف هو - يعني الله - وأين هو ؟... ". ج 1 - " ان الذي ذهبت إليه غلط، وهو اين الاين، وكان، ولا أين، وهو كيف الكيف، وكان، ولا كيف ولا يعرف بكيفوفته، ولا بأينونته، ولا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشئ... ". ان الله تعالى نور السموات والارض، ويستحيل ان يتصف بالاين والكيف وغيرهما من صفات الممكن الذي مثاله إلى العدم، فهو سبحانه لا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشئ. س 2 - " إذن انه لا شئ إذا لم يدرك بحاسة من الحواس ". ج 2 - " ويلك لما عجزت حواسك عن ادراكه، انكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن ادراكه ايقنا أنه ربنا، وانه شئ بخلاف الاشياء.. ".
[ 151 ]
ان ادراك الحواس محدود كما وكيفا، كما انها لا تدرك الاشياء الكثيرة من الممكنات، فهي لا تدرك - مثلا - حقيقة الروح، فكيف تدرك واجب الوجود تعالى وتقدس ؟ س 3 - " اخبرني متى كان ؟... ". ج 3 - " اخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان ؟... ". لقد سخر الامام (عليه السلام) من سؤاله، فالله تعالى حقيقة مشرقة يبصره كل أحد بآثاره، وعظيم صنعه، وبدائع مخلوقاته ففي كل مرحلة من الوجود، هو موجود، ويستحيل ان يقال انه متى كان. س 4 - " ما الدليل عليه ؟... ". ج 4 - " إني لما نظرت إلى جسدي، فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض، والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان بانيا،
فاقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وانشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر، والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت أن لهذا مقدرا ومنشئا.. ". ان كل ذرة في هذا الكون تدلل على وجود الخالق العظيم المكون لها. ان الانسان إذا نظر إلى نفسه، والى ما فيه من الاجهزة والخلايا العجيبة، فانه يؤمن بالله تعالى، وفي الحديث من عرف نفسه فقد عرف ربه، لقد خلق الله تعالى الانسان في أحسن تقويم، فلا يمكن الزيادة أو النقصان في أعضائه ومن المعلوم ان خلق الانسان بهذه الدقة المذهلة يدل على وجود الله، فان الاثر يدل على المؤثر والمعلول يدل على وجود علته - كما يقول المنطقيون -. ومن آيات الله تعالى دوران الفلك، وانشاء السحاب، وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر، قال تعالى: (لا الشمس ينبغي ان تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فسبحان الله ما اكثر آياته التي تدلل عليه. س 5 - " لم لا تدركه حاسة البصر ؟.. ". ج 5 - " للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الابصار، منهم ومن غيرهم، ثم هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل.. ". ان حاسة البصر وغيرها من حواس الانسان محدودة فكيف تدرك الخالق
[ 152 ]
العظيم، أو تبصره، وتنظر إليه انما تدرك وتبصر بعض الممكنات. س 6 - " حده - أي الله تعالى - لي ؟... ". ج 6 - " لا حد... ". إن الحد أنما هو للمكنات، وأما واجب الوجود فانه يستحيل عليه الحد. س 7 - " لم - أي لماذا لا يحد - ؟.. ".
ج 7 - لان كل متناه محدود متناه، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان فهو غير محدود، ولا متزايد، ولا متناقص ولا متجزي، ولا متوهم... ". لقد اقام الامام (عليه السلام) البرهان على استحالة تحديد الواجب العظيم، فان التحديد - كما ذكرنا - انما هو من شؤون الممكنات. س 8 - أخبرني عن قولكم: إنه لطيف، وسميع، وبصير، وعليم، وحكيم أيكون السميع لا بالاذن والبصير لا بالعين، واللطيف لا بعمل اليدين، والحكيم لا بالصنعة ؟ ج 8 - إن اللطيف منا - أي من المخلوقات - على حد ايجاد الصنعة، أو ما رأيت أن الرجل اتخذ شيئا فيلطف في اتخاذه ؟ فيقال: ما الطف فلانا، فكيف لا يقال للخالق الجليل (لطيف) إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا، وركب في الحيوان منه أرواحها وخلق كل جنس مباينا من جنسه في الصورة، ولا يشبه بعضه بعضا، فكل به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته. ثم نظرنا إلى الاشجار، وحملها اطايبها المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إن خالقنا لطيف لا كلطف خلقه، وقلنا: إنه سميع لانه لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى من الذرة إلى ما هو اكبر منها في برها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها فقلنا: إنه سميع لا بأذن، وقلنا: إنه بصير لا ببصر لانه يرى أثر الذرة السحماء (1) في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها ومفاسدها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: انه بصير لا كبصر خلقه (2).
(1) السحماء: السوداء.
(2) هناك زيادة على هذه الرواية جاءت في الاحتجاج ولا يخالجنا شك في أنها منحولة وليست من كلام الامام، وذلك لعدم الدقة في التعبير واعراض الشيخ الصدوق عنها. (*)
[ 153 ]
مناظرته مع على بن محمد بن الجهم: ومن مناظرات الامام مع أهل المقالات والاديان هذه المناظرة التي جرت بينه وبين علي بن محمد بن الجهم، فقد سأل الامام (عليه السلام) قائلا: " يابن رسول الله أتقول بعصمة الانبياء ؟.. " " نعم " وأخذ يشكل على الامام بهذه الآيات قائلا: " ما تقول (1): في قول الله عزوجل: (وعصى آدم ربه فغوى) (2) وقوله عز وجل: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) (3) وفي قوله عزوجل في يوسف: (ولقد همت به وهم بها) (4)، وفي قوله عزوجل في داود: (وظن داود انما فتناه) (5) وقوله تعالى في نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) (6). وزجره الامام من التمسك بظواهر هذه الآيات، وهو لا يعلم تفسيرها وتأويلها، وأخذ يتلو عليه تفسيرها قائلا " ويحك يا علي، اتق الله، ولا تنسب إلى انبياء الله الفواحش ولا تتأول كتاب الله برأيك، فان الله عزوجل قد قال: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) (7) وأخذ الامام في تفسير هذه الآيات قائلا: " أما قوله عزوجل في آدم: (وعصى آدم ربه فغوى) فان الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه، وخليفة في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الارض، وعصمته تجب أن تكون في الارض ليتم مقادير أمر الله فلما
أهبط إلى الارض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عزوجل: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين) (8).
(1) في رواية (فما تعمل). (2) سورة طه / آية 121. (3) سورة الانبياء / آية 87. (4) سورة يوسف / آية 24. (5) سورة ص / آية 24. (6) سورة الاحزاب / آية 37. (7) سورة آل عمران / آية 7. (8) سورة آل عمران / آية 3. (*)
[ 154 ]
وأما قوله عزوجل: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا وظن أن لن نقدر عليه) انما ظن بمعنى استيقن ان الله لن يضيق عليه رزقه، ألا تسمع قول الله عزوجل: (وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه) (1) أي ضيق عليه رزقه ولو ظن أن الله لا يقدر عليه فقد كفر. وأما قوله عزوجل في يوسف: ولقد همت به وهم بها) فانها همت بالمعصية، وهم يوسف بقتلها ان اجبرته لعظم ما تداخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله عزوجل: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) يعنى القتل والزنا. والتفت الامام إلى علي بن الجهم فقال له: " فما يقول من قبلكم فيه ؟... ". وأخذ علي بن الجهم يتلو على الامام ما أثر عنهم في تفسير الآية قائلا: " يقولون: إن داود (عليه السلام) كان في محرابه يصلي، فتصور له ابليس على صورة
طير، أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته، وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، ثم خرج الطير إلى السطح، فصعد في طلبه، فسسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير، فإذا بامرأة أوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان قد خرج أوريا في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم اوريا إلى التابوت، فقدم، فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت، فقدم فقتل اوريا، فتزوج داود بامرأته.. ". وفي هذه الرواية نسبة الفحشاء والمنكر إلى نبي من أنبياء الله تعالى، مضافا إلى ما احتوته من الخرافة، من ملاحقة داود إلى الطير، وقد تأثر الامام (عليه السلام) منها، وقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته، حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل.. ". وانبرى ابن الجهم يطلب من الامام ايضاح الامر منه قائلا: " يابن رسول الله، فما كانت خطيئته ؟... ". وأجابه الامام بما هو الواقع من قصة داود قائلا: " إن داود ظن أن ما خلق الله عزوجل خلقا هو أعلم منه، فبعث الله، عز
(1) سورة الفجر / آية 16. (*)
[ 155 ]
وجل، إليه ملكين، فتسور المحراب، فقالا: (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط. ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة، فقال: اكفلنيها وعزني في الخطاب) فعجل داود على المدعى عليه، فقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) ولم يسأل المدعى البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى
عليه فيقول له: ما تقول ؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع الله عزوجل يقول: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى). وطلب ابن الجهم من الامام أن يوضح له قصة داود مع اوريا قائلا: " يا بن رسول الله فما قصته مع اوريا ؟.. ". وأخذ الامام (عليه السلام) يشرح له قصته قائلا: " إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها لا تتزوج بعده أبدا، وأول من أباح الله له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها كان داود (عليه السلام) فتزوج بامرأة اوريا لما قتل، وانقضت عدتها، فذلك الذي شق على الناس من قتل اوريا. وأما محمد (صلى الله عليه وآله) وقول الله عز وجل: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) فان الله عزوجل عرف نبيه اسماء ازواجه في دار الدنيا، واسماء ازواجه في دار الآخرة، وانهن امهات المؤمنين، واحداهن من سمي له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة فاخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد المنافقين: انه قال في امرأة في بيت رجل انها احدى ازواجه من امهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، فقال الله عزوجل: (وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه) يعني في نفسك، وان الله عزوجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حوا من آدم وزينب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) (1) وفاطمة من علي (عليه السلام).. ". ولما سمع ذلك علي بن الجهم بكى، وقال: يابن رسول الله أنا تائب إلى الله عز وجل من أن أنطق في انبياء الله بعد يومي هذا إلا بما ذكرته " (2).
(1) سورة الاحزاب / آية 37. (2) عيون اخبار الرضا 1 / 192 - 195. (*)
[ 156 ]
هذه بعض مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء من مختلف الاديان، وقد اثبتت تفوقه عليهم، واقرارهم له بالفضل، واعترافهم بالعجز عن مجاراته، فقد كان سلام الله عليه يملك طاقات هائلة من العلوم لا تحد. مسائل المأمون وجواب الامام: وعرض المأمون على الامام الرضا (عليه السلام) كوكبة من المسائل واكبر الظن أنه اراد امتحانه بها فأجابه الامام عنها، وفيما يلي ذلك: س 1 - " يابن رسول الله اليس قولك ان الانبياء معصومون ؟... ". " بلى.. ". ما معنى قول الله عزوجل: (فعصى آدم ربه فغوى) ؟... ". ج 1 - " إن الله تبارك وتعالى قال لآدم: (اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة) وأشار لهما إلى شجرة الحنطة (فتكونا من الظالمين) ولم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة ولم يأكلا منها، وانما أكلا من غيرها، ولما أن وسوس الشيطان لهما، وقال: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة) وانما ينهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الاكل منها (الا ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين) ولم يكن آدم وحوا شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا، (فدلهما بغروره) فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم بكن ذلك بذنب كبير أستحق به دخول النار، وانما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الانبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلما اجتباه الله تعالى وجعله نبيا كان معصوما، لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزوجل: (وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه فتاب عليه فهدى) (1) وقال عزوجل (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل
عمران على العالمين). (2). س 2 - ما معنى قول الله عزوجل: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) (3). ج 2 - " إن حواء ولدت لآدم خمس مائة بطن ذكرا وأنثى وان آدم وحواء عاهدا.
(1) سورة طه / اية 121 - 122. (2) سورة آل عمران / آية 34. (3) سورة الاعراف آية 19. (*)
[ 157 ]
الله عزوجل ودعواه وقالا: (لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما اتيهما صالحا) من النسل خلقا سويا، بريئا من الزمانة (1) والعاهة، وكان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا، وصنفا أناثا، فجعل الصنفين لله تعالى ذكره، شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزوجل، قال الله تبارك وتعالى: (فتعالى الله عما يشركون) (2). س 3 - " أشهد أنك ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أخبرني عن قول الله عزوجل في حق ابراهيم: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي) (3).. ". ج 3 - إن ابراهيم (عليه السلام) وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب (4). الذي اخفي فيه، فلما جن عليه الليل، فرأى الزهرة، قال: هذا ربي، على الانكار والاستخبار (فلما أفل) الكواكب، (قال: لا أحب الآفلين) لان الافول من صفات المحدث لا من صفات القدم، (فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربي) على الانكار والاستخبار (فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين)، يقول: لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين، فلما اصبح ورأى الشمس بازغة قال هذا ربي
هذا اكبر، من الزهرة والقمر على الانكار والاستخبار لا على الاخبار والاقرار، فلما أفلت قال للاصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس (يا قوم إني برئ مما تشركون أني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين) وانما اراد ابراهيم بما قال: ان يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم ان العبادة لا لمن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وانما تحق العبادة لخالقها وخالق السموات والارض، وكل ما احتج به على قومه مما الهمه الله تعالى وآتاه، كما قال عز وجل: (وتلك حجتنا آتيناها على قومه) س 4 - " لله درك يابن رسول الله اخبرني عن قول ابراهيم:
(1) الزمانة: المرض. (2) سورة الاعراف / آية 190. (3) سورة الانعام / آية 76. (4) السرب: الكهف، والبيت تحت الارض. (*).
[ 158 ]
(رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أولم تؤمن ؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي) (1). ج 4 - إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى ابراهيم (عليه السلام) إني متخذ من عبادي خليلا، إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفس ابراهيم انه ذلك الخليل، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن ؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي) - على الخلة - قال: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم ان الله عزيز حكيم) فأخذ ابراهيم نسرا وطاووسا وبطا وديكا فقطعهن وخلطهن ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله، وكانت عشرة منهن جزء وجعل مناقيرهن بين اصابعه، ثم دعاهن بأسمائهن ووضع
عنده حبا وماء فتطايرت تلك الاجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الابدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه فخلى ابراهيم (عليه السلام) عن مناقيرهن فطرن، ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب وقلن: يا نبي الله أحييتنا أحياك الله، فقال ابراهيم: بل الله يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير. س 5 - بارك الله فيك يا أبا الحسن، اخبرني عن قول الله عزوجل: (فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان) (2). ج 5 - إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها، وذلك بين المغرب والعشاء (فوجد فيها رجلان يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه). فقضى موسى على العدو، وبحكم الله تعالى ذكر، " فوكزه " فمات (قال هذا من عمل الشيطان) يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله أنه يعني الشيطان " عدو مضل مبين ". س 6 - ما معنى قول موسى: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي). ج 6 - يعني: اني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة، (فاغفر لي) اي استرني من اعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني، (فغفر له انه هو الغفور الرحيم) قال موسى: (رب بما انعمت علي) من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة (فلن أكون
(1) سورة البقرة / آية 26. (2) سورة القصص / آية 15. (*)
[ 159 ]
ظهيرا للمجرمين) بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى " فاصبح " موسى في المدينة (خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه) على آخر (قال له موسى إنك لغوي مبين) قاتلت رجلا بالامس، وتقاتل هذا اليوم لاوذينك واراد أن
يبطش به (فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) (قال يا موسى اتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ان تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد ان تكون من المصلحين). س 7 - جزاك الله عن انبيائه خيرا يا أبا الحسن، ما معنى قول موسى لفرعون: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) (1). ج 7 - ان فرعون قال لموسى لما أتاه: (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) بي قال موسى: " فعلتها إذا وأنا من الضالين عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي رب حكما وجعلني من المرسلين ". وقد قال الله عزوجل لنبيه محمد (ص): (ألم يجدك يتيما فآوى) (2) يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس (ووجدك ضالا) يعني عند قومك (فهدى) اي هداهم إلى معرفتك (ووجدك عائلا فاغني) يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا. س 8 - بارك الله فيك يا بن رسول الله، ما معنى قول الله عزوجل: (فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) لا يعلم أن الله تبارك وتعالى ذكره، لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟. ج 8 - ان كليم الله موسى بن عمران علم أن الله تعالى اعز (3) أن يرى بالابصار، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم ان الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه فقالوا: (لن نؤمن لك) حتى نستمع كلامه كما سمعت وكان القوم سبعمائة الف رجل فاختار منهم سبعين رجلا لميقات ربهم فخرج بهم
(1) سورة الشعراء / آية 20. (2) سورة الضحى / آية 6.
(3) في نسخة: ان الله تعالى منزه ان يرى بالابصار. (*)
[ 160 ]
إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله تعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه فكلمه الله تعالى ذكره، وسمعوا كلامه، من فوق وأسفل، ويمين، وشمال، ووراء وأمام، لان الله عزوجل أحدثه في الشجرة، وجعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: (لن نؤمن لك) بأن هذا الذي سمعناه كلام: (حتى نرى الله جهرة) فلما قالوا: هذا القول العظيم، واستكبروا وعتوا بعث الله عزوجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم، فماتوا، فقال موسى: يا رب ما اقول لبني اسرائيل إذا رجعت إليهم، وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم، لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله عز وجل إياك، فاحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لاجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى: (يا قوم إن الله لا يرى بالابصار، ولا كيفية له، وانما يعرف بآياته، ويعلم باعلامه)، فقالوا: (لن نؤمن لك) حتى تسأله فقال موسى: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني اسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله يا موسى سلني ما سألوك فلن أواخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى: (رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه) - وهو يهوي - (فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل) بآية من آياته (جعله دكا وخر موسى صعقا فلما آفاق قال سبحانك تبت إليك) يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي (وأنا أول المؤمنين منهم بأنك لا ترى). وطفق المأمون يبدي اعجابه بمواهب الامام، وسعة معارفه، وعلومه قائلا: " لله درك يا أبا الحسن ". س 9 - اخبرني عن قول الله عزوجل: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى
برهان ربه) (1). ج 9 - لقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما، والمعصوم لا يهم بذنب، ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق أنه قال: همت بأن تفعل، وهم بأن لا يفعل. س 10 - لله درك يا أبا الحسن ! ! اخبرني عن قول الله عزوجل (وذا النون إذ
(1) سورة يوسف / آية 24. (*).
[ 161 ]
ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) (1). ج 10 - ذلك يونس بن متى ذهب مغاضبا لقومه فظن بمعنى استيقن " أن لن نقدر عليه رزقه " أين لن نضيق عليه رزقه، ومنه قوله عزوجل وأما إذا ما ابتليه فقدر عليه رزقه) (2) أو ضيق وقد (فنادى في الظلمات) أي ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت (أن لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين) بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت، فاستجاب الله له، وقال عزوجل: (فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) (3). ج 11 - لله درك يا أبا الحسن ! اخبرني عن قول الله عزوجل: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) (4). ج 11 - يقول الله عزوجل: (حتى إذا استيأس الرسل) من قومهم، وظن قومهم ان الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا. س 12 - لله درك يا أبا الحسن ! ! اخبرني عن قول الله عزوجل: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (5) ؟ ج 12 - لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله (ص) لانهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاث مائة وستين صنما فلما جاءهم (صلى الله عليه
وآله) بالدعوة إلى كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم، وعظم، وقالوا: (أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب وانطلق الملا منهم أن أمشوا وأصبروا على الهتكم أن هذا لشئ يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق) (6). فلما فتح الله عزوجل على نبيه مكة قال له: يا محمد: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر). عند مشركي أهل مكة بدعائك
(1) سورة الانبياء / آية 87. (2) سورة الفجر / آية 16. (3) سورة الصافات / آية 143 - 144. (4) سورة يوسف / آية 110. (5) سورة الفتح / آية 2. (6) سورة ص / آية 5 - 7. (*)
[ 162 ]
إلى توحيد الله فيما تقدم، وما تأخر لان مشركي مكة أسلم بعضهم، وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد، عليه، إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عند ذلك مغفورا بظهوره عليهم.. ". س 13 - لله درك يا أبا الحسن ! ! اخبرني عن قول الله عزوجل: (عفا الله عنك لم اذنت لهم ؟ (1). ج 13 - هذا مما نزل، بإياك أعني، واسمعي يا جارة - خاطب الله عزوجل بذلك نبيه، وأراد به أمته، وكذلك قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (2) وقوله عزوجل (لولا ان ثبتناك لقد كنت تركن إليهم شيئا قليلا) (3).
س 14 - إن رسول الله (ص) قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك وانما أراد بذلك تنزيه الباري عزوجل عن قول: من زعم أن الملائكة بنات الله فقال الله عزوجل: (أفأصفيكم ربكم بالبنين واتخذ من الملئكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (5)... فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله (ص) وقوله لها: سبحان الذي خلقك فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظن أنه قال ذلك لما اعجبته من حسنها فجاء إلى النبي (ص) وقال له: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها وإني اريد طلاقها فقال له النبي: امسك عليك زوجك واتق الله وقد كان الله عرفه عدد أزواجه وان تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه، ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: إن محمدا يقول لمولاه:
(1) سورة التوبة / آية 43. (2) سورة الزمر / آية 65. (3) سورة الاسراء / آية 74. (4) سورة الاحزاب / آية 37. (5) سورة الاسراء / آية 40. (*)
[ 163 ]
إن امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله عزوجل: (وإذ تقول للذي انعم الله عليه - يعني بالاسلام - وانعمت عليه - يعني بالعتق - امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) ثم ان زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله عزوجل من نبيه محمد (ص) وأنزل بذلك قرآنا، فقال عزوجل: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها
لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا). ثم علم الله عزوجل ان المنافقين سيعيبونه بتزويجها، فأنزل الله تعالى (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) (1). وانتهت بذلك هذه المناظرة التي دللت على مدى ثروات الامام العلمية، واحاطته الشاملة بكتاب الله العظيم فقد نزه الامام انبياء الله العظام عن اقتراف المعصية وأثبت لهم العصمة بهذا المدعم بالادلة والبراهين الحاسمة. اشادة المأمون بمواهب الامام: واشاد المأمون بمواهب الامام، وراح يقول: شفيت صدري يا بن رسول الله، وأوضحت ما كان ملتبسا علي، فجزاك الله عن انبيائه، وعن الاسلام خيرا. وانصرف المأمون عن المجلس، وأخذ بيد عم الامام محمد بن جعفر فقال له: " كيف رأيت ابن أخيك ؟ ". وانبرى محمد يبدي اعجابه البالغ بالامام قائلا: " إنه عالم، ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم ! ! ". وأوقفه المأمون على حقيقة الامر قائلا: " إن ابن أخيك من أهل بيت النبي (ص) الذين قال لهم النبي: " الا إن أبرار عترتي، وأطائب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبار، فلا تعلموهم، فانهم اعلم منكم، لا يخرجونكم عن هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلالة ". ونقل علي بن الجهم ثناء المأمون واطرائه على الامام، وما قاله فيه محمد بن
(1) سورة الاحزاب / آية 38. (*)
[ 164 ]
جعفر فتبسم الامام وقال: " لا يغرنك ما سمعته منه، فانه سيغتالني، والله تعالى ينتقم لي منه " (1). وتحقق تنبؤ الامام (عليه السلام) فقد أترعت نفس المأمون بالكراهية والحسد
للامام على ما وهبه الله من الفضل والعلم، فقدم على اقتراف افظع جريمد في لاسلام، فدس السم له، واغتاله وبذلك فقد قضى على سليل النبوة، ومعدن العلم والحكمة في الارض. مسائل ابن السكيت: ووفد أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الدورقي المعروف ب (ابن السكيت)، وهو من اجلاء علماء عصره على الامام الرضا (عليه السلام)، وقدم له السؤال التالي: " لماذا بعث الله موسى بن عمران باليد البيضاء، وبعث عيسى بآية الطب، وبعث محمدا بالكلام والخطب ؟ ". فأجابه الامام بحكمة ذلك قائلا: ان الله لما بعث موسى كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسع القوم مثله، وبما ابطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم. وان الله بعث عيسى في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وابرأ الاكمه والابرص باذن الله، وأثبت به الحجة عليهم. وان الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الاغلب على أهل عصره الخطب والكلام (2)، فأتاهم من عند الله من مواعظه واحكامه ما ابطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم. وبهر ابن السكيت بعلم الامام وراح يقول: " والله ما رأيت مثلك قط، فما الحجة على الخلق اليوم ؟ فأجابه الامام: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه ". وطفق ابن السكيت قائلا:
(1) عيون أخبار الرضا / 195 - 204. (2) قال الرواي لهذا الحديث: واظنه كان الشعر. (*)
[ 165 ]
" هذا هو والله الجواب " (1). لقد خلق الله العقل فجعله الحجة على الانسان فإذا ما اطاعه جلب الرحمة له، وإذا عصاه جلب الشقاء له، وبه يعرف الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، فهو الحجة من الله على عباده. احتجاجه على رجل: ودخل عليه رجل لم يذكر المؤرخون اسمه، فلما استقر به المجلس التفت إلى الامام (عليه السلام) فقال له: " يا بن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم ؟ " فأجابه الامام بالدليل الحاسم: " إنك لم تكن، ثم كنت وقد علمت أنك لم تكون نفسك ولا كونك من هو مثلك " (2). احتجاجه على اصطفاء العترة: ومن بين احتجاجات الامام الرضا (عليه السلام) هذا الاحتجاج الذي دلل فيه على اصطفاء العترة الطاهرة، وأقام على ذلك أوثق الادلة، وكان ذلك بحضور المأمون وجماعة من علماء العراق وخراسان فقد سأل المأمون العلماء عن معنى هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (3). وبادر العلماء فقالوا: ان الذين اصطفاهم الله هم المسلمون كلهم والتفت المأمون إلى الامام فقال له: ما تقول: يا أبا الحسن ؟ ". " لا أقول: كما قالوا: ولكن أقول: اراد الله تبارك وتعالى العترة الطاهرة
(عليهم السلام) ". وسارع المأمون، وقد استفزه قول الامام، فقال: " كيف عنى العترة دون الامة ؟ ".
(1) الاحتجاج 2 / 224 - 225. (2) الاحتجاج (2 / 170 - 171). (3) سورة فاطر / آية 32. (*)
[ 166 ]
وانبرى الامام فأقام الدليل القاطع على ما ذهب إليه قائلا: " لو اراد الامة لكانت بأجمعها في الجنة، والله تعالى يقول: (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير) (1). واضاف الامام يقول: فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم... هم الذين وصفهم الله في كتابه، فقال: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وهم الذين قال رسول الله (ص): " إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي ؟ ؟ أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا على الحوض، انطروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لا تعلموهم فانهم أعلم منكم " (2). وسارع العلماء قائلين بصوت واحد: " اخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل، أو غير الآل ؟ ". فقال (عليه السلام): " هم الآل... ". واعترضوا على الامام قائلين: " هذا رسول الله (ص) يؤثر عنه أنه قال: أمتي آلي، وهؤلاء أصحابه يقولون:
بالخبر المستفيض الذي لا يمكن دفعه آل محمد أمته.. ". وأخذ الامام يرد على أفتعال الحديث وعدم صحته قائلا: " اخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد.. ". " نعم... ". " هل تحرم - أي الصدقة - على الامة ؟ ". " لا.. ". وسارع الامام بعد اقامة الجة عليهم قائلا: " هذا فرق بين الآل، وبين الامة، ويحكم أين يذهب بكم ! ! (أصرفتم عن الذكر صفحا، أم أنتم قوم مسرفون) ؟ أما علمتم انما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم ".
(1) سورة فاطر / آية 29. (2) حديث الثقلين: متواتر، قطعي الصدور روته الصحاح والسنن. (*)
[ 167 ]
وقالوا جميعا: " من أين قلت: يا أبا الحسن ؟.. ". وأخذ الامام يتلو عليهم فضل العترة الطاهرة قائلا: " من قول الله: (لقد ارسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) (1) فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحا سأل ربه فقال: (رب إن ابني من أهلي وان وعدك الحق) (2) وذلك ان الله وعده أن ينجيه وأهله، فقال له تبارك وتعالى: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني اعظك أن تكون من الجاهلين) (3) وتميز المأمون غضبا وغيظا قائلا:
" هل فضل الله العترة على سائر الناس ؟.. ". وبادر الامام قائلا: " إن الله العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه.. ". وراح المأمون يقول: " اين ذلك من كتاب الله ". وانبرى الامام يتلو عليه كوكبة من الآيات الكريمة التي أشادت بفضل أهل البيت (عليهم السلام) قائلا: (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض) (4). وقال الله في موضع آخر: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) (5). ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المسلمين فقال: (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (6) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة،
(1) سورة الحديد / آية 26. (2) سورة هود / آية 40. (3) سورة هود / آية 46. (4) سورة آل عمران / آية 32. (5) سورة النساء / آية 57. (6) سورة النساء / 59. (*)
[ 168 ]
وحسدوا عليهما بقوله: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين،
والملك ها هنا الطاعة لهم... ". وانبرى العلماء قائلين: " هل فسر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب ؟.. ". واجابهم الامام: فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في إثني عشر موضعا: فأول ذلك قول الله: (وانذر عشيرتك الاقربين) (1) - ورهطك المخلصين - هكذا في قراءة أبي بن كعب، وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، فلما أمر عثمان زيد بن ثابت أن يجمع القرآن خنس هذه الآية (2) وهذه منزلة رفيعة، وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عزوجل بذلك الآل فهذه واحدة. والآية الثانية: في الاصطفاء قول الله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند لانه فضل بين. الآية الثالثة: حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الابتهال فقال: (قل - يا محمد - تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (3) فأبرز النبي (ص) عليا والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) فقرن أنفسهم بنفسه. ثم التفت الامام إلى العلماء فقال لهم: " هل تدرون ما معنى قوله: (وأنفسنا وأنفسكم) ؟ ". وأجاب العلماء: " عنى به نفسه ". فقال (عليه السلام): " علطتم انما عنى به عليا (4) ومما يدل على ذلك قول النبي (ص): حين قال:
(1) سورة الشعراء / آية 214. (2) خنس: اي ستر.
(3) سورة آل عمران / آية 58 وليس في القرآن كلمة يا محمد، وانما هو توضيح منه. (4) وبالاضافة إلى ما ذكره الامام (عليه السلام) من الدليل فانه لا معنى لان يدعو الانسان نفسه فلا بد أن يكون المراد به عليا (عليه السلام). (*)
[ 169 ]
لينتهي ؟ ؟ بنو وليعة (1) لابعثن إليهم رجلا كنفسي يعني عليا (عليه السلام) (2) فهذه خصوصية لا يتقدمها أحد، فضل لا يختلف فيه بشر، وشرف لا يسبقه إليه خلق، إذ جعل نفس علي كنفسه، فهذه الثالثة: وأما الرابعة: فاخراجه الناس من مسجده ما خلا العترة، حين تكلم الناس في ذلك، وتكلم العباس فقال: يا رسول الله تركت عليا، وأخرجتنا، فقال رسول الله (ص): ما أنا تركته وأخرجتكم، ولكن الله تركه، وأخرجكم وفي هذا بيان قوله لعلي (عليه السلام): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ". وقال العلماء: " فأين هذا من القرآن ؟ ". فأجابهم الامام: ان ذلك موجود في القرآن الكريم، فقالوا له: هات فتلا عليهم قول الله تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة) (3) ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها ايضا منزلة علي (عليه السلام) من رسول الله (ص) ومع هذا دليل ظاهر في قول رسول الله (ص): " إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض إلا لمحمد وآل محمد ". وأنكرت العلماء معرفة ذلك، وقالوا للامام: " هذا الشرح، وهذا البيان لا يوجد، أعندكم معشر أهل بيت رسول الله (ص) ؟ ".
فأجابهم الامام: " ومن ينكر لنا ذلك ؟ ورسول الله (ص) يقول: " أنت مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد مدينة العلم فليأتها من بابها " ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره إلا معاند، ولله عزوجل الحمد على ذلك، فهذه الرابعة.
(1) بنو وليعة: حى من كنده. (2) في العيون: عنى بأنفسنا عليا وعنى بالابناء الحسن والحسين وعنى بالنساء فاطمة (عليهم السلام)، وقد اتفق جمهور المفسرين على ذلك. (3) سورة يونس / آية 87. (*)
[ 170 ]
وأما الخامسة: فقول الله عزوجل: (وآت ذا القربي حقه) (1)، خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها، واصطفاهم على الامة، فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أدعو لي فاطمة، فدعوها له، فقال: يا فاطمة، فقالت: لبيك يا رسول الله، فقال: إن فدكا لم يوجف عليها بخيل، ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، وقد جعلتها لك، لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك. فهذه الخامسة. وأما السادسة: فقول الله عزوجل: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (2). فهذه خصوصية للنبي (صلى الله عليه وآله) دون الانبياء، وخصوصية للآل دون غيرهم، وذلك أن الله حكى عن الانبياء، في ذكر نوح (عليه السلام): (ويا قوم ! لا أسألكم عليه مالا، إن أجرى إلا على الله، وما أنا بطارد الذين آمنوا، إنهم ملاقو ربهم، ولكني أراكم قوما تجهلون) (3). وحكى عن هود، قال: (لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون) (4). وقال لنبيه: (قل لا أسألكم عليه أجرا، إلا المودة في القربى)، ولم يفرض الله مودتهم، الا وقد علم أنهم لا يرتدون عن الدين أبدا، ولا يرجعون إلى
ضلالة أبدا. وأخرى: أن يكون الرجل وادا للرجل، فيكون بعض أهل بيته عدوا له، فلا يسلم قلب، فأحب الله أن لا يكون في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين شئ، إذ فرض عليهم مودة ذوي القربى، فمن أخذ بها، وأحب رسول الله (ص) وأحب أهل بيته (عليهم السلام) لم يستطع رسول الله (ص) أن يبغضه. ومن تركها، ولم يأخذ بها، وأبغض أهل بيت نبيه (ص)، فعلى رسول الله (ص) أن يبغضه، لانه قد ترك فريضة من فرائض الله، وأي فضيلة، وأي شرف يتقدم هذا ؟ ولما أنزل الله على نبيه (ص): (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قام رسول الله (ص) في أصحابه، فحمد الله، وأثنى عليه وقال: (أيها الناس إن الله قد فرض عليكم فرضا، فهل أنتم مؤدوه ؟ فلم يجبه أحد فقام فيهم
(1) سورة الاسراء / آية 28. (2) سورة الشورى / آية 22. (3) سورة هود / آية 31. (4) سورة هود / آية 53. (*)
[ 171 ]
يوما ثانيا، فقال مثل ذلك، فلم يجبه أحد فقام فيهم اليوم الثالث، فقال: " أيها الناس ! إن الله قد فرض عليكم فرضا، فهل أنتم مؤدوه ؟ فلم يجبه أحد. فقال " أيها الناس إنه ليس ذهبا ولا فضة، ولا مأكولا ولا مشروبا، قالوا: فهات إذا فتلا عليهم هذه الآية فقالوا: اما هذا فنعم، فما وفى به اكثرهم. واضاف الامام قائلا: حدثني أبي عن جدي آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: اجتمع المهاجرون والانصار إلى رسول الله (ص) قالوا: إن لك يارسول الله مؤونة في نفقتك، وفيمن يأتيك من الوفود، وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارا، مأجورا اعط ما شئت، وامسك ما شئت من غير حرج،
فأنزل الله عزوجل عليه الروح الامين، فقال: يا محمد (قل لا اسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) لا تؤذوا قرابتي من بعدي، فخرجوا فقال أناس منهم: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحثنا على قرابته من بعده، إن هو إلا شئ افتراه في مجلسه، وكان ذلك من قولهم عظيما، فأنزل الله هذه الآية (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم) (1) فبعث إليهم النبي (ص) فقال: هل من حدث ؟ فقالوا: أي والله يا رسول الله، لقد تكلم بعضنا كلاما عظيما فكرهناه، فتلا عليهم رسول الله (ص) فبكوا واشتد بكاؤهم فانزل الله تعالى (وهو الذي يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) (2). فهذه السادسة. وأما السابعة: فيقول الله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (3) وقد علم المعاندون منهم أنه لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال: تقولون: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد. والتفت الامام إلى العلماء فقال لهم: " هل في هذا اختلاف ؟ ". فقالوا جميعا ؟ ؟ بصوت واحد.
(1) سورة الاحقاق / آية 7. (2) سورة الشورى / آية 24. (3) سورة الاحزاب / آية 56. (*)
[ 172 ]
" لا... ".
وأنبرى المأمون، فقال: " هذا ما لا اختلاف فيه، وعليه الاجماع، فهل عندك في الآل شئ أوضح من هذا في القرآن ". وأخذ الامام يدلي بمزيد من الادلة الحاسمة على فضل آل البيت (عليهم السلام) قائلا: " اخبروني عن قول الله: (يس والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين، على صراط مستقيم) فمن عنى بقوله: (يس) ؟ ". فقالت العلماء: " عنى بذلك محمدا (صلى الله عليه وآله)، ما في ذلك شك ". والتفت الامام للحاضرين فقال لهم: " اعطى الله محمدا وآل محمد من ذلك فضلا لم يبلغ أحد كنه وصفه، لمن عقله، وذلك ان الله لم يسلم على أحد إلا على الانبياء صلوات الله عليهم فقال تبارك وتعالى: (سلام على نوح في العالمين) (1) وقال: (سلام على ابراهيم) (2) وقال: (سلام على موسى وهارون) (3) ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل ابراهيم، ولا قال: سلام على آل موسى وهارون، وقال عزوجل: (سلام على آل يس) (4). يعني آل محمد. والتفت المأمون إلى الامام فقال له: " لقد علمت ان في معدن النبوة شرح هذا وبيانه ". واما الثامنة: فقول الله عزوجل: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى) (5) فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسول الله (ص) فهذا فصل بين الآل والامة لان الله جعلهم في حيز وجعل الناس كلهم في حيز
(1) سورة الصافات / آية 77. (2) سورة الصافات / آية 109. (3) سورة الصافات / آية 120. (4) سورة الصافات / آية 130. (5) سورة الانفال / آية 42. (*)
[ 173 ]
دون ذلك، ورضي لهم ما رضي لنفسه، واصطفاهم فيه وابتدأ بنفسه، ثم ثنى برسوله، ثم بذي القربى في كل ماكان من الفئ والغنيمة، وغير ذلك مما رضيه عز وجل لنفسه، ورضيه لهم، فقال: - وقوله الحق - (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى) فهذا توكيد مؤكد وأمر دائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " وأما قوله: (واليتامى والمساكين) فان اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من المغانم، ولم يكن له نصيب في المغنم، ولا يحل له أخذه، وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم، للغني والفقير، لانه لا أحد أغنى من الله، ولا من رسوله (ص) فجعل لنفسه منها سهما، ولرسوله سهما، فما رضي له ولرسوله رضيه لهم وكذلك الفئ ما رضيه لنفسه ولنبيه (ص) رضيه لذي القربى، كما جاز لهم في الغنيمة فبدأ بنفسه، ثم برسوله (ص) ثم بهم وقرن سهمهم بسهم الله وسهم رسوله (ص) وكذلك في الطاعة قال عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) (1) فبدأ بنفسه ثم برسوله ثم بأهل بيته وكذلك آية الولاية (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) (2) فجعل ولايتهم مع طاعة الرسول مقرونة بطاعته، كما جعل سهمه مع سهم الرسول مقرونا بأسهمهم في هذا البيت، فلما جاءت قصة الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين
وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) (3) فهل تجد في شئ من ذلك انه جعل لنفسه سهما أو لرسوله (ص) أو لذي القربى لانه لما نزههم عن الصدقة نزه نفسه، ونزه رسوله، ونزه أهل بيته لا بل حرم عليهم، لان الصدقة محرمة على محمد وأهل بيته، وهي أوساخ الناس لا تحل لهم، لانهم طهروا من كل دنس ووسخ، فلما طهرهم واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه. وأما التاسعة: فنحن أهل الذكر الذين قال الله في محكم كتابه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (4).
(1) سورة النساء / آية 64. (2) سورة المائدة / آية 60. (3) سورة التوبة / آية 60. (4) سورة النحل / آية 45. (*)
[ 174 ]
واعترض العلماء على الامام فقالوا له: " إنما عنى بذلك اليهود والنصارى ". وأبطل الامام ما ذهبوا إليه فقال: " وهل يجوز ذلك إذا يدعونا إلى دينهم ؟ ويقولون: انه أفضل من دين الاسلام ؟ ". والتفت المأمون إلى الامام يطلب منه المزيد من الايضاح فيما قاله قائلا: " هل عندك في ذلك شرح يخالف ما قالوا ؟ " و " نعم: الذكر رسول الله (ص) ونحن أهله، وذلك يبين في سورة الطلاق. (فاتقوا الله يا أولي الالباب الذين آمنوا قد انزل اليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات) فالذكر رسول الله ونحن أهله، فهذه التاسعة.
" وأما العاشرة: فقول الله عزوجل في آية التحريم: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم واخواتكم) (1). وخاطب الامام العلماء فقال لهم: " اخبروني هل تصلح ابنتي أو ابنة ابني أو ما تناسل من صلبي لرسول الله (ص) أن يتزوجها لو كان حيا ؟ ". فقالوا مجمعين: " لا... ". وسألهم الامام ثانيا فقال لهم: " اخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوجها ؟ ". " بلى.. ". " ففي هذا بيان أنا من آله، ولستم من آله، ولو كنتم من آله لحرمت عليه بناتكم، كما حرمت عليه بناتي، لانا من آله، وأنتم من أمته فهذا فرق بين الآل والامة، لان الآل منه، والامة إذا لم تكن الآل فليست منه، فهذه العاشرة. وأما الحادية عشرة: فقوله في سورة المؤمن حكاية عن قول رجل: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه اتقتلون رجلا يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) (2) وكان ابن خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه، ولم يضيفه إليه بدينه،
(1) (1) سورة النساء / آية 22. (2) سورة المؤمن / آية 28. (*)
[ 175 ]
وكذلك حصصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله (ص) بولادتنا منه، وعممنا الناس بدينه، فهذا فرق بين الآل والامة، فهذه الحادية عشرة. وأما الثانية عشرة فقوله: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (1) فخصنا
بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع أمره، ثم خصنا دون الامة، فكان رسول الله (ص) يجئ إلى باب علي وفاطمة (عليهما السلام) بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات: فيقول: الصلاة يرحمكم الله، وما اكرم الله أحدا من ذراري الانبياء بهذه الكرامة التي اكرمنا بها وخصنا من جميع أهل بيته، فهذا فرق ما بين الآل والامة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد نبيه " (2). وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض احتجاجات الامام الرضا (عليه السلام) وهي تمثل جانبا من حياته العلمية، ونضاله في الدفاع عن الاسلام.
(1) سورة طه / آية 132. (2) تحف العقول 425 - 436، عيون اخبار الرضا، المجالس. (*)
[ 177 ]
مؤلفاته ونقل المؤرخون والرواة أن الامام الرضا (عليه السلام) الف مجموعة من الكتب كان بعضها بطلب من المأمون، وقد خاض في بعضها في بيان احكام الشريعة، ومهمات مسائل الفقه، كما دون في بعضها ما أثر عن جده الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) من الاحاديث، وقد سمي هذا بمسند الامام الرضا (ع) ومن بين مؤلفاته الرسالة الذهبية في الطب ذكر فيها الامام (عليه السلام) ما يصلح بدن الانسان ومزاجه، وما يفسده، وهي من امهات الكتب الموجزة في هذا الفن... ونعرض فيما يلي لبعض مؤلفاته: 1 - رسالته في جوامع الشريعة: وأوعز المأمون إلى وزيره الفضل بن سهل أن يتشرف بمقابلة الامام الرضا (عليه السلام)، ويقول له: إني أحب أن تجمع لي من الحلال والحرام والفرائض
والسنن، فانك حجة الله على خلقه، ومعدن العلم، وأجاب الامام طلب المأمون، وأمر بدواة وقرطاس فاحضرتا له، وأمر الفضل أن يكتب فأملى عليه بعد البسملة هذه الرسالة الجامعة لغرر أحكام الشريعة، وفيما يلي نصها: " حسبنا شهادة أن لا إله إلا الله، أحدا، صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، قيوما، سميعا، بصيرا، قويا، قائما، باقيا، نورا، عالما لا يجهل، قادرا لا يعجز، غنيا لا يحتاج، عدلا لا يجور خلق كل شئ، ليس كمثله شئ، لا شبه له، ولا ضد، ولاند، ولاكفو.. ان محمدا عبده ورسوله، وأمينه وصفوته من خلقه، سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وأفضل العالمين، لا نبي بعده، ولا تبديل لمثله، ولا تغيير، وأن جميع ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) انه هو الحق المبين، نصدق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وانبيائه وحججه،
[ 178 ]
ونصدق بكتابه الصادق، (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) وانه كتابه المهيمن على الكتب كلها، وانه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وأخباره لا يقدر واحد من المخلوقين أن يأتي ؟ ؟ بمثله، وان الدليل والحجة من بعده أمير المؤمنين والقائم بأمور المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه أخوه، وخليفته ووصيه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، يعسوب المؤمنين، وأفضل الوصيين بعد النبيين، وبعده الحسن والحسين (عليهما السلام)، واحدا بعد واحد إلى يومنا هذا، عترة الرسول، وأعلمهم بالكتاب والسنة، وأعدلهم بالقضية، واولاهم بالامامة في كل عصر وزمان، وانهم العروة الوثقى، وأئمة الهدى والحجة على أهل الدنيا حتى يرث الله الارض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وان كل من خالفهم ضال مضل، تارك
للحق والهدى وانهم المعبرون عن القرآن، الناطقون عن الرسول بالبيان من مات لا يعرفهم باسمائهم، واسماء آبائهم مات ميتة جاهلية وان من دينهم الورع والعفة، والصدق والصلاح، والاجتهاد واداء الامانة إلى البر والفاجر، وطول السجود والقيام بالليل واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر، وحسن الصحبة، وحسن الجوار، وبذل المعروف، وكف الاذى، وبسط الوجه والنصيحة والرحمة للمؤمنين ". وحكى هذا المقطع الثناء على الله تعالى وتمجيده، وذكر بعض صفاته، كما حفل بالثناء على الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) وانه الملهم الاول لفكر الانسان بالخير والفضل، وانه هو الذي اختاره الله تعالى لرسالته، وانقاذ عباده من حضيض الجهل، وقد اتحفه تعالى بالمعجزة الخالدة، وهي القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه فهو الدستور لاصلاح الانسان، ومعالجة جميع قضاياه ومشاكله. كما عرض ؟ ؟ الامام (عليه السلام) إلى رائد الحق والعدالة في الاسلام وصي الرسول وخليفته من بعده الامام امير المؤمنين (عليه السلام)، وإمام المتقين وأفضل الوصيين، واشاد (عليه السلام) بالائمة الطاهرين الذين هم على الخير ادلة هذه الامة إلى الجنة ومسالكها، الناطقون عن الرسول (ص) والمعبرون عن القرآن فقد ادوا أمانة الله واوضحوا احكامه وبلغوا رسالته.. وبعد هذا العرض شرع الامام (عليه السلام) في بيان جوامع الشريعة الغراء قال:
[ 179 ]
" الوضوء كما أمر الله في كتابه غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، واحد فريضة، واثنان اسباغ، ومن زاد اثم، ولم يوجر، ولا ينقض الوضوء إلا الريح والبول والغائط، والنوم، والجنابة.
ومن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله وكتابه، ولم يجز عنه وضوءه، وذلك ان عليا (عليه السلام) خالف في المسح على الخفين فقال له عمر: رأيت النبي (ص) يمسح، فقال علي: قبل نزول سورة المائدة أو بعدها ؟ قال: لا ادري، قال علي: ولكني ادري ان رسول الله (ص) لم يمسح على خفيه مذ نزلت سورة المائدة ". إن أول ما عرض له الامام (عليه السلام) من مناهج الشريعة الغراء هو الوضوء الذي هو نور وطهارة للانسان، وهو من المع مقدمات الصلاة التي يسمو بها الانسان، ويتشرف بالاتصال بخالقه العظيم... وقد تناول عرض الامام للوضوء ما يلي: 1 - افعال الوضوء: أما افعال الوضوء فهي كما يلي: أ - غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى طرف الذقن طولا وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا. ب - غسل اليدين من المرفقين إلى اطراف الاصابع. ج - مسح الرأس، وهو مقدمه مما يلي الجبهة، ولا بد أن يكون المسح على البشرة أو على الشعر المختص بالمقدم بشرط أن يخرج بمده عن حده. د - مسح ظاهر القدمين من رؤس الاصابع إلى الكعبين، وهما قبتا القدمين، ويجب أن يكون المسح على البشرة، ولا يجوز المسح على الحائل كالخف والجورب، ومن مسح عليهما فقد خالف كتاب الله، وسنة رسوله ولم يجز عنه وضوءه حسب ما اعلن الامام (عليه السلام)، وتواترت بذلك النصوص عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام). 2 - نواقض الوضوء: وذكر الامام (عليه السلام) نواقضا للوضوء، ومبطلاته وهي:
1 - الريح الذي يخرج من الدبر. 2 - البول. 3 - الغائط.
[ 180 ]
4 - النوم الغالب على العقل. 5 - الجنابة. وهذه الامور من نواقض الوضوء، ومن مبطلاته قال (عليه السلام): " والاغتسال من الجنابة، والاحتلام، والحيض، والغسل من غسل الميت فرض. والغسل يوم الجمعة، والعيدين، ودخول مكة والمدينة، وغسل الزيارة، وغسل الاحرام، ويوم عرفة، وأول ليلة من شهر رمضان وليلة تسع عشرة منه، واحدى وعشرين، وثلاث وعشرين منه سنة ". من روائع التشريع الاسلامي وبدائع حكمه وسننه تشريعه للغسل الذي يقي الابدان من الاصابة بكثير من الامراض، وفي نفس الوقت فانه موجب لنظافة البدن، وازالة الاوساخ عنه، وهو على قسمين واجب ومندوب، وقد عرض الامام (عليه السلام) إلى كل منهما. 1 - الاغسال الواجبة: ويجب الغسل في الامور التالية وهي: أ - غسل الجنابة: أما سبب الجنابة فأمران: الاول خروج المادة المنوية، التي تتوفر فيها الشهوة، والدفق، وفتور الجسد، فمن احتلم وخرجت منه هذه المادة، فهو جنب ويجب عليه الغسل (الثاني) الجماع، ولو لم ينزل، ويتحقق بادخال الحشفة في القبل أو الدبر من غير فرق بين الواطئ والموطؤ.
غسل الحيض: الحيض دم تعتاده النساء خلقه الله تعالى في الرحم لمصالح، وهو في الغالب دم أسود أو أحمر له دفع وحدة وحرقة، فإذا اعرض للمرأة، وانتهت منه وجب عليها الغسل، ويحرم عليها في اثناء الحيض مس اسم الله تعالى واسماء الانبياء والائمة الطاهرين ومس كتابة القرآن، واللبث في المساجد، والدخول فيها بغير الاجتياز وغير ذلك. ج - غسل مس الميت: يجب الغسل بمس بدن الانسان الميت بعد برده، وقبل غسله أما غير الانسان من الحيوانات فان مسها بعد الموت لا يجب فيه الغسل.
[ 181 ]
هذه بعض الاغسال الواجبة التي ادلى بها الامام (عليه السلام) وبقي منها غسل الاموات وغسل المستحاضة، وقد ذكرها الفقهاء بالتفصيل. الاغسال المندوبة: اما الاغسال المندوبة فهي أنواع ثلاثة: زمانية، ومكانية، وفعلية، أما الزمانية فهي: أ - غسل الجمعة: وهو من أهمها، ووقته من طلوع الفجر الثاني من يوم الجمعة إلى الزوال. ب - غسل يوم العيدين: عيد الاضحى، وعيد الفطر، ويستحب أيضا الغسل يوم الغدير وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو اليوم الخالد الذي نصب فيه النبي (ص) سيد عترته، وباب مدينة علمه الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة من بعده. ج - غسل يوم عرفة:
د - الغسل لاول ليلة من شهر رمضان المبارك. ه - الغسل لليلة التاسع عشر من رمضان، وليلة احدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين منه، وهي الليالي المباركة التي يظن ان تكون فيها ليلة القدر واما الاغسال المكانية فهي: أ - الغسل لدخول مكة المكرمة. ب - الغسل لدخول المدينة المنورة. ج - الغسل لزيارة الاضرحة المقدسة. واما الاغسال الفعلية فهي: كالغسل للاحرام، أو الطواف، وغير ذلك حسبما ذكره الفقهاء. قال (عليه السلام): " وصلاة الفريضة: الظهر اربع ركعات، والعصر اربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة اربع ركعات، والفجر ركعتان، فذلك سبع عشرة ركعة. " والسنة اربع وثلاثون ركعة: منها ثمان قبل الظهر، وثمان بعدها، واربع بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة، تعد بواحدة، وثمان في السحر،
[ 182 ]
والوتر ثلاث ركعات (1) وركعتان بعد الوتر ". (2). وحكى هذا المقطع بعض الصلاة الواجبة التي منها الصلاة اليومية، وهي خمس فرائض: فصلاة الصبح ركعتان، والظهر اربع، والعصر اربع والمغرب ثلاث والعشاء اربع، ومجموعها سبع عشرة ركعة، كما حكى عدد الرواتب اليومية، وهي النوافل المستحبة، فثماني ركعات نافلة الظهر قبلها، وثمان بعدها. قبل العصر للعصر، واربع ركعات صلاة العشاء للعشاء، وثماني ركعات صلاة الليل، وركعتا الشفع بعدها، وركعة الوتر بعدها، وركعتا الفجر قبل صلاة الصبح، ومجموع هذه الرواتب
اربع وثلاثون ركعة. قال (عليه السلام): " والصلاة في أول الاوقات، وفضل الجماعة على الفرد بكل ركعة الفي ركعة، ولا تصل خلف فاجر، ولا تقتدي إلا بأهل الولاية ". وحفلت هذه الكلمات بما يلي: أولا - ان الامام ندب إلى الصلاة في أول وقتها، وقد تواترت الاخبار عن أئمة الهدى (عليهم السلام) بذلك. ثانيا - عرض الامام (عليه السلام) إلى فضل صلاة الجماعة، وان فضل الركعة الواحد تعد بألف. ثالثا - ان الامام (عليه السلام) منع من الاقتداء بأمام الجماعة إذا كان فاجرا أو كان من ولاة الجور. قال (عليه السلام): " ولا تصل في جلود الميتة، ولا جلود السباع ". عرض الامام (عليه السلام) لبعض الشرائط التي تعتبر في لباس المصلي والتي منها ان لا يكون من جلود الميتة، ولا من أجزائها التي تحلها الحياة، سواء أكانت من حيوان محلل الاكل أم محرم الاكل كما يشترط أن لا يكون من جلود السباع، وبالاضافة إلى ذلك فانه يشترط أن يكون مباحا فلا يجوز الصلاة في المغصوب، وان يكون طاهرا فلا يجوز الصلاة في اللباس النجس، وان لا يكون من الحرير الخالص للرجال، وغير ذلك من الشرائط التي ذكرها الفقهاء.
(1) قوله: والوتر ثلاث ركعات: الاوليان منهما بنية الشفع والاخرى بنية الوتر. (2) قوله وركعتان بعد الوتر: يعني بهما نافلة الصبح. (*)
[ 183 ]
قال (عليه السلام): " والتقصير في أربع فراسخ بريد ذاهبا، وبريد (1) جائيا، اثنا عشر ميلا، وإذا قصرت افطرت ".
وتناول الامام (عليه السلام) بهذه الكلمات صلاة المسافر التي تقصر فيها الصلاة الرباعية، وذلك باسقاط الركعتين الاخيرتين منها، ويشترط في السفر قصد قطع المسافة، وهي ثمانية فراسخ امتدادية ذهابا وإيابا أو ملفقة من أربعة ذهابا، واربعة إيابا، وليس قصد قطع المسافة وحده هو الشرط، وانما هناك شروط أخرى ذكرها الفقهاء والتي منها أن يكون السفر مباحا، فإذا كان حراما كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أم للسرقة وغير ذلك من المحرمات فانه بجب عليه التمام في صلاته، ومنها استمرار القصد فإذا عدل عن السفر قبل بلوغ الاربعة فراسخ، وجب عليه التمام في صلاته، ومنها أن لا يتخذ السفر عملا له كالمكاري، والتاجر الذي يدور في تجارته والملاح وغير ذلك. وذكر الامام (عليه السلام) من احكام القصر أنه كلما قصر الانسان صلاته، فيجب عليه الافطار، وقد ورد في الحديث ليس من البر الصيام في السفر. قال (عليه السلام): " والقنوت في اربع صلوات: في الغداة والمغرب، والعتمة (2) ويوم الجمعة، وصلاة الظهر، وكل القنوت قبل الركوع، وبعد القراءة ". وأما القنوت فانه من المستحبات في الصلاة، خصوصا في الصلاة الجهرية كالصبح، والمغرب، ويوم الجمعة، وفي صلاة الظهرين، وهو كل صلاة مرة بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الثانية إلا في الجمعة ففيها قنوتان قبل الركوع في الاولى، وبعده في الثانية واما صلاة العيدين ففي الركعة الاولى خمس قنوتات وفي الركعة الثانية اربع قنوتات. قال (عليه السلام): " والصلاة على الميت خمس تكبيرات: وليس في صلاة الجنائز تسليم ؟ ؟ لان التسليم في الركوع والسجود، وليس لصلاة الجنائز ركوع ولا سجود ".
(1) البريد: اربع فراسخ، واثنا عشر ميلا، والميل اربعة الآف ذراع بذراع اليد وهو من المرفق إلى طرف
الاصابع. (2) العتمة: الثلث الاول من الليل بعد غيبوبة الشفق، والمراد بها صلاة العشاء. (*)
[ 184 ]
تجب الصلاة وجوبا كفائيا على كل ميت مسلم ذكرا كان أم أنثى. وكيفيتها أن يكبر المصلي اولا، ويتشهد الشهادتين، ثم يكبر ثانيا، ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يكبر ثالثا ويدعو للمؤمنين، ثم يكبر رابعا ويدعو للميت، ثم يكبر خامسا وينصرف، ولا يعتبر في هذه الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، واباحة اللباس، وستر العورة، كما يعتبر ذلك في سائر الصلاة، ومن ثم ذهب بعض الفقهاء إلى انها دعاء وليست بصلاة حقيقية. قال (عليه السلام): " والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، مع فاتحة الكتاب ". من المستحبات التي ينبغي مرعاتها للمصلي بالبسملة، ويتأكد ذلك في الظهرين في الحمد والسورة (1). قال (عليه السلام): " والزكاة المفروضة من كل مائتي درهم خمسة دراهم ولا تجب فيما دون ذلك، وفيما زاد في كل اربعين درهما درهم، ولا تجب فيما دون الاربعينات شئ، ولا تجب حتى يحول الحول، ولا تعطي إلا أهل الولاية والمعرفة، وفي كل عشرين دينارا نصف دينار.. ". الزكاة من اروع الانظمة الخلاقة في النظام الاقتصادي في الاسلام، فقد وضعها الاسلام للقضاء على غائلة الفقر، ونشر الرخاء بين الناس وبالاضافة لذلك فانها تجمع المسلمين على صعيد المحبة، وتوحد بين صفوفهم، فقد جبلت الناس على حب من يحسن إليها، والزكاة من اظهر مصادق الاحسان والبر. وقد عرض هذا المقطع من كلام الامام (عليه السلام) إلى ما يلي:
أولا - بين الامام (عليه السلام) الحكم في زكاة النقدين: ويعتبر فيها بلوغ النصاب، فنصاب الفضة مائتا درهم، ويجب فيها خمسة دراهم، ثم كلما زاد اربعين كان فيها درهم بالغا ما بلغ، وليس فيما دون المائتي، ولا فيما دون الاربعين شئ. وأما نصاب الذهب فعشرون دينارا، وفيها نصف دينار، وإذا زاد عليها اربع دنانير وجب فيها قيراطان، ويساويان عشر الدينار وكلما زاد على الاربع وجب فيها ذلك، وليس فيما نقص عنها شئ ويعتبر في زكاة النقدين مضي حول عليهما، فإذا لم يمض عليهما الحول فلا زكاة عليهما.
(1) العروة الوثقى. (*)
[ 185 ]
ثانيا - ان الزكاة تصرف على ثمانية اصناف، منها الفقراء والمساكين، ويشترط فيهم ان لا يكونوا مخالفين للحق، فإن اعطاء الزكاة لهم لا يكون مجزيا. قال (عليه السلام): " والخمس من جميع المال مرة واحدة ". أما الخمس فهو من الضرائب المالية التي فرضها الاسلام، والتزم به شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يلتزم به غيرهم من الفرق الاسلامية، وقد فرضه الله تعالى للرسول الاعظم، وذريته، زادهم الله شرفا، عوضا لهم عن الزكاة، وهو يجب في سبعة أشياء، منها ارباح المكاسب، فما يفضل عن مؤنة السنة للمكلف ولعياله من فوائد الصناعات، والزراعات والتجارات، والاجارات، وسائر انواع التكسبات يجب فيه الخمس. ومن المؤن ما ينفقه الانسان في حجه وزياراته، وصدقاته، وصلة ارحامه، وهداياه، ونذوره، وكفاراته، وتزويج اولاده، وغير ذلك مما يحتاج إليه، ويصرفه في غير الوجه المحرم، ويقسم الخمس نصفين: نصف للامام، صلوات الله عليه، في حال حضوره، وفي حال غيبته يعطى لنائبه الفقيه العادل الجامع للشرائط لينفقه على ترويج الشريعة الاسلامية، ونشر احكام الدين، ومؤونة أهل العلم، وغير ذلك من
الامور التي يحرز فيها رضى الامام (عليه السلام). وأما النصف الثاني فيعطى لايتام بني هاشم، ومساكينهم، وابناء سبيلهم.. وفي الخمس بحوث كثيرة عرض لها الفقهاء في رسائلهم العملية. قال (عليه السلام): " والعشر من الحنطة، ولشعير، والتمر، والزبيب، وكل شئ يخرج من الارض من الحبوب، إذا بلغت خمسة أوسق: ففيه العشر إن كان يسقى سيحا، وان كان يسقى بالدوالي ففيه، نصف العشر، للمعسر والموسر، وتخرج من الحبوب القبضة والقبضتان، لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يكلف العبد فوق طاقته، والوسق: ستون صاعا، والصاع: ستة ارطال، وهو أربعة أمداد، والمد: رطلان وربع برطل العراقي، وقال الصادق (عليه السلام): هو تسعة أرطال بالعراقي، وستة أرطال بالمدني ". عرض الامام (عليه السلام) في هذا المقطع إلى زكاة الغلات الاربع: وهي الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي هذه الغلات تجب الزكاة. وأما ما عداها فتستحب فيه الزكاة، فقوله (عليه السلام): " وكل شئ يخرج من الارض من
[ 186 ]
الحبوب " وإن كان معطوفا على الغلات الاربع، وظاهره الوجوب إلا أن هناك حشدا من الاخبار الصحيحة دلت على عدم الوجوب فتحمل على الاستحباب، وهذا من موارد الجمع بين الاخبار كما ادلى بذلك الفقهاء. وانما تجب الزكاة في الغلات الاربع إذ بلغت النصاب وهو خمسة أوسق، وتقدر في هذا العصر بوزن الكيلو بثمانمائة وثمانية واربعين كيلو تقريبا (1) والمقدار الواجب اخراجه من زكاة الغلات هو العشر إذا سقي الزرع سيحا أو بماء السماء ونصف العشر إذا سقي بالدلاء أو بالمكينة، والناعور ونحو ذلك، وتجب الزكاة على من ملك هذا المقدار من الغلة سواء في ذلك الفلاح ومالك الارض ويستوي في ذلك الغني
والفقير. قال (عليه السلام): " وزكاة الفطر فريضة على رأس كل صغير أو كبير، حر أو عبد، من الحنطة نصف صاع، ومن التمر والزبيب صاع، ولا يجوز أن تعطى غير أهل الولاية، لانها فريضة... ". أما زكاة الفطرة فهي أول فريضة مالية في الاسلام، وتسمى زكاة الابدان، وانما تجب على من استجمع الشرائط من البلوغ والعقل، وعدم الاغماء وعدم الفقر، فإذا توفرت هذه الشروط قبل الغروب ليلة عيد الفطر، وجبت الزكاة، على كل مسلم، وعلى من يعول بهم كبارا كانوا أم صغارا. ويجب اخراج صاع عن كل انسان، ومقدار الصاع يساوي ثلاث كيلوات تقريبا.. وذهب فقهاء الامامية ان الضابط في جنس الفطرة ان يكون قوتا شائعا لاهل ذلك البلد كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز، والذرة، والاقط، والصاع في جميع هذه الانواع، كما أنه يشترط إعطاؤها إلى المؤمن، الموالي لاهل البيت (عليهم السلام)، ولا يجوز إعطاؤها لغيره. قال (عليه السلام): " واكثر الحيض عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام والمستحاضة تغتسل وتصلي، والحائض تترك الصلاة ولا تقضي، وتترك الصيام وتقضيه ". وحكى هذا المقطع ما يلي: أولا - ان اكثر حيض المرأة عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام فما تراه المرأة من الدم زائدا على العشرة أو ناقصا عن الثلاثة فهو ليس بدم حيض وانما دم استحاضة.
(1) منهاج الصالحين 1 / 226. (*)
[ 187 ]
ثانيا - ان المستحاضة على ثلاثة أقسام: قليلة ومتوسطة، وكثيرة أما القليلة فحكمها وجوب الوضوء لكل صلاة فريضة، وأما المتوسطة فحكمها، الوضوة لكل
صلاة والغسل قبل صلاة الصبح، فحكمها الوضوء لكل صلاة والغسل لصلاة الصبح، والغسل لصلاة الظهرين، والغسل لصلاة العشاؤين، وعليها تبديل القطنة التي تمنع من سيلان الدم في جميع الصور المذكورة. ثالثا - أما حكم الحائض بالنسبة إلى عبادتها، فان الواجب عليها ترك الصلاة، ولا يجب عليها قضاؤها، وأما بالنسبة إلى الصوم فلا يجوز لها الصوم، وعليها قضاؤه. قال (عليه السلام): " ويصام شهر رمضان لرؤيته، ويفطر لرؤيته ". يثبت شهر رمضان المبارك، ونهايته برؤية الهلال، وذلك لقوله (عليه السلام): " صم للرؤية، وافطر للرؤية " ولا يثبت بقول المنجمين وغيرهم، ويثبت بمضي ثلاثين يوما من شهر شعبان، كما يثبت شهر شوال بمضي ثلاثين يوما من شهر رمضان. قال (عليه السلام): " ولا يجوز التراويح في جماعة ". اما صلاة التراويح فلم تكن مشروعة في عهد الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله)، وقد ابتدعها عمر، وهي عشرون ركعة سوى الوتر، ووقتها بعد صلاة العشاء، ويندب لمن يصلي التراويح أن يجلس بدون صلاة للاستراحة، وسميت صلاة التراويح لهذه الجهة، وتسن فيها الجماعة عند المذاهب الاربع (1) ولم يجز الامام (عليه السلام) الجماعة فيها. قال (عليه السلام): " وصوم ثلاثة أيام في كل شهر سنة، من كل عشرة أيام: يوم الخميس من العشر الاول، والاربعاء من العشر الاوسط، والخميس من العشر الآخر. وصوم شعبان حسن، وهو سنة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " شعبان شهري، وشهر رمضان شهر الله " وان قضيت فائت شهر رمضان متفرقا
أجزأك.. ". عرض الامام (عليه السلام) لبعض انواع الصوم المندوب، والتي منه صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والافضل في كيفيتها حسب ما أفاد الامام (عليه السلام)
الفقه على المذاهب الاربعة 1 / 340 - 343. (*)
[ 188 ]
صوم أول خميس من الشهر، وأول الاربعاء من العشر الاواسط، وآخر خميس من العشر الآخر. ويستحب صوم تمام شهر شعبان، وقد أفاد الامام (عليه السلام) ان ما فاته صيام شهر رمضان فيخير في قضائه بين أن يوصل في أيام القضاء، أو يفرق بينها، فكل منهما مجز. قال (عليه السلام): " وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والسبيل زاد وراحلة، ولا يجوز الحج إلا متمتعا، ولا يجوز الافراد والقران الذي تعمله العامة.. والاحرام دون الميقات لا يجوز قال الله: (واتموا الحج والعمرة لله) (1) ولا يجوز في النسك الخصي لانه ناقص، ويجوز الموجوء.. ". الحج احدى الدعائم الخمس التي بني عليها الاسلام، وهو عبادة روحية وسياسية يتدفق بالمنافع والمصالح الروحية والصحية والاقتصاد وهو مؤتمر سياسي يجمع المسلمين في أقدس مكان ليتعارفوا بينهم ويعرض بعضهم على بعض مشاكل بلدهم وقومهم السياسية، والاقتصادية، ويشكلوا وحدة متراصة فيما بينهم، وغير ذلك من المنافع وتشير الآية الكريمة إلى ذلك، قال تعالى: (واذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات.. " (2) وقد اتفق المسلمون على وجوب الحج مرة واحدة في العمر... وقد عرض الامام (عليه السلام) في هذا المقطع إلى كوكبه من
احكام الحج، وهي: أولا - ان الحج انما يجب على المسلم إذا توفرت له الاستطاعة، وذكر الامام بندين منها، وهما الزاد والراحلة، وهما من اظهر شروط الاستطاعة ومن شروطها امكان السير بصحة البدن، وتخلية السرب. ثانيا - ان انواع الحج ثلاثة: وهي كما يلي: أ - حج التمتع: وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية واربعين ميلا من كل جانب، ومن مميزات
(1) سورة البقرة / آية 126. (2) سورة الحج / آية 27. (*)
[ 189 ]
هذا الحج ان احرامه من بطن مكة، ووجوب الهدي فيه، وتقديم العمرة فيه على الحج، وارتباط عمرته بحجه حتى كأنهما كالعمل الواحد. ب - حج القران: اما حج القران فهو فرض أهالي مكة ومن حولها بشرط أن لا يتجاوز المقدار الذي ذكر لحج التمتع، ويحرم القارن من دويرة أهله، ويعتبر فيه سياق الهدي واشعاره بشق سنامه من الجانب الايمن ولطخه بدمه ان كان بدنة، وتقليده بأن يعلق في رقبته نعلا قد صلى فيه ان كان ذلك الهدي غير بدنة. ج - حج الافراد: وهو فرض من قرب من مكة كالقران، ويحرم من دويرة أهله ان كانت أقرب إلى مكة من الميقات وإلا فمن الميقات، ومن مميزات القران والافراد ان العمرة فيهما تكون بعد الحج، وينويها مفردة. ثالثا - إن الاحرام للحج لا بد أن يكون من الميقات، فلا يصح قبل الميقات
ولا يجوز للمكلف يتجاوز الميقات بغير احرام عدا ما استثنى من المتكرر ومن ليس قاصدا دخول مكة عند مروره على الميقات. رابعا - انه يشترط في الهدي أن يكون تام الخلقة فلا يجزي الاعور، ومقطوع شئ من الاذن، والخصي وهو الذي سلت خصيتاه ونزعتا منه أما رض الخصيتين، المعبر عنهما بالموجوء فانه ليس عيبا، ويكون مجزيا. قال (عليه السلام): " والجهاد مع امام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد... ". اما الجهاد فهو باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة اوليائه - على حد تعبير الامام امير المؤمنين (عليه السلام) - وهو على اقسام: وهي: أ - جهاد المشركين لدعوتهم إلى الاسلام. ب - جهاد من يهاجم المسلمين من الكفار. ج - جهاد من يريد قتل نفس محترمة، أو أخذ مال أو سبي حريم، وربما اطلق على هذا الدفاع لا الجهاد. وانما يجب الجهاد بشرط الامام أو نائبه الخاص، وهو المنصوب للجهاد. ومن قتل في ساحة الجهاد فهو شهيد، يجري عليه حكم الشهيد فيدفن بثيابه
[ 190 ]
ولا يغسل. وأما من قاتل دون ماله ورحله ونفسه فقتل فان له أجر الشهيد ويغسل، ويكفن. قال (عليه السلام): " ولا يحل قتل أحد من الكفار في دار التقية إلا قاتل أو باغ وذلك إذا لم تحذر على نفسك، ولا اكل اموال الناس من المخالفين وغيرهم... ". اما الكفار الداخلون في ذمة الاسلام فدماؤهم محرمة، واحوالهم مصونة شأنهم شأن المسلمين، ويفقد الكافر هذه الصيانة إذا كان قاتلا لنفس محترمة أو كان باغيا
على السلطة الشرعية في البلاد. وكذلك يحرم اكل اموال المخالفين وغيرهم، فان الاسلام قد صان أموال الناس كما صان دماءهم واعراضهم. قال (عليه السلام): " والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على من خلف تقية يدفع بها طلما عن نفسه... ". أما التقية فقد شرعت في زمان استخدمت فيه السلطات الحاكمة جميع أجهزتها ضد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وضد شيعتهم ففي زمان الذئب الجاهلي معاوية بن أبي سفيان كان يقال للرجل زنديق وكافر خير من أن يقال له إنه من شيعة امير المؤمنين (عليه السلام) وقد سار معظم ملوك الامويين والعباسيين على هذه الخطة الكافرة التي سنها ابن هند، ولولا حكمة الائمة الطاهرين، والزامهم بالتقية لشيعتهم لما بقي ذكر لاهل البيت (عليهم السلام) وقد افتي الامام الرضا (عليه السلام) بوجوب التقية، وانه لا حنث لمن حلف تقيه. قال عليه السلام: " والطلاق بالسنة على ما ذكر الله عزوجل وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ولا يكون طلاق بغير سنة، وكل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق، وكل نكاح يخالف السنة فليس بنكاح. ولا تجمع بين اكثر من أربع حرائر، وأذا طلقت المرأة ثلاث مرات للسنة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقال امير المؤمنين (عليه السلام): " اتقوا المطلقات ثلاثا فانهن ذوات ازواج... ". الطلاق فصم العلاقة الزوجية، وهو من أشد المبغوضات إلى الله تعالى، لانه
[ 191 ]
يؤدي إلى انهيار الخلايا في المجتمع الانساني، ويشيع الكراهية والبغضاء بين الناس. وقد حفل هذا المقطع ببعض احكام الطلاق والزواج كان منها ما يلي: أولا - إن الطلاق انما يحكم بصحته إذا توفرت فيه الشروط وهي: أ - أن يكون المطلق بالغا، عاقلا مختارا، فلا يصح طلاق الصبي والمجنون، والسكران ممن لا قصد له.
ب - دوام الزوجية فلا يصح طلاق الممتع بها. ج - خلو الزوجة من الحيض والنفاس إذا كانت مدخولا بها. د - الصيغة التي بها الطلاق، وهي أن يقول الزوج: أنت طالق، أو هي طالق. ه - سماع شاهدين عدلين صيغة الطلاق. هذه بعض الشروط التي يجب توفرها في صحة الطلاق، وأما غيرذلك من الطلاق كطلاق الهازل توفرها في صحة الطلاق، وأما غير ذلك من الطلاق كطلاق الهازل والغافل، والساهي فانه لا يقع عند الشيعة الامامية، وتصححه بعض المذاهب الاسلامية (1) كما أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ (أنت طالق أو هي طالق) وأجاز بعض المذاهب الاسلامية وقوعه بلفظ الفراق والسراح، وغيرهما. ثانيا - إن النكاح المخالف للسنة فهو باطل، وذلك كنكاح المكرهة أو من كانت في العدة، أو كانت من المحرمات النسبية أو بالمصاهرة فان النكاح لهن باطل. ثالثا - انه ليس للرجل أن يجمع اكثر من زوجات أربع بالعقد الدائم. رابعا - ان المرأة إذا طلقت ثلاثا فلا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره. قال (عليه السلام): " والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) في كل الموطن عند الرياح والعطاس، وغيره ذلك. وحب اولياء الله وأوليائهم، وبغض أعدائه، والبراءة منهم ومن أئمتهم.. ". ويستحب الصلاة على الرسول الاعظم منقذ البشرية، ورائدها إلى السعادة والخير في الدنيا والآخرة، فما اعظم عائدته على الانسانية، ومن حقه الصلاة عليه في كل موطن، وفي جميع الاحوال. ومن مناهج الاسلام حب أولياء الله، وأوليائهم، وبغض اعداء الله، والبراءة
(1) فقه السنة. (*)
[ 192 ]
منهم ومن أئمتهم فان ذلك من عناصر التقوى ومن صميم الدعوة الاسلامية. قال (عليه السلام): " وبر الوالدين وإن كانا مشركين فلا تطعهما (1) وصاحبهما في الدنيا معروفا لان الله يقول: (اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) (2) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما صاموا لهم ولا صلوا ولكن أمروهم بمعصية الله فاطاعوهم. ثم قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من أطاع مخلوقا في غير طاعة الله عزوجل فقد كفر واتخذ الها من دون الله... ". من روائع التشريع الاسلامي، ومن بدائع نظمه الخلاقة إلزامه بالبر والاحسان للوالدين، وجعلهما في المرتبة الثانية بعد الخالق العظيم في الطاعة والانقياد لامرهما، وذلك جزاء لما عانوه من جهد شاق في تربية ابنائهم، خصوصا الام فلولا رعايتها وحنانها وعطفها على ولدها لما امكن أن يعيش، فهي التي تغذيه، وتسهر على تربيته، فما أعظم حقها. وتجب طاعة الوالدين في غير معصية الله أما في المعصية فلا تجب طاعتهما. قال (عليه السلام): " وذكاة الجنين ذكاة أمه ". عرض الامام (عليه السلام) إلى حكم الجنين من الحيوانات التي تحل أكلها إذا ذكيت أمه، ومات في جوفها حل أكله، وأذا خرج حيا فإن ذكي حل أكله، وإن لم يذك حرم. قال (عليه السلام): " وذنوب الانبياء صغار موهوبة لهم بالنبوة... ". واكبر الظن أن هذه الجملة منحولة، قد وضعت في كلام الامام (عليه السلام) فان الانبياء معصومون ويمتنع منهم صدور أي ذنب، وقد اقام الامام نفسه الادلة على ذلك في بعض مناظراته.
قال (عليه السلام): " والفرائض على ما أمر الله لا عول فيها، ولا يرث مع الوالدين والولد أحد إلا الزوج والمرأة، وذو السهم أحق ممن لا سهم له، وليست العصبة من دين الله... ".
(1) في العيون " وبر الوالدين واجب وان كانا مشركين فلا طاعة لهما في معصية الله ولا لغيرهما فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الله ". (2) سورة لقمان / آية 14 - 15. (*)
[ 193 ]
عرض الامام (عليه السلام) هذا المقطع لبعض احكام المواريث وهي: أولا - ان الفرائض التي فرضها الله تعالى والمواريث لا عول فيها، وبيان ذلك أن الورثة إذا تعددوا وكانت فروضهم زائدة على الفريضة كما إذا ترك الميت زوجا وأبوين وبنتين فإن السهام في هذا الفرض الربع والسدسان، والثلثان، فذهب أهل السنة إلى العول، وهو أن يرد النقص على كل واحد من ذوي الفروض على نسبة فرضه، وعند الشيعة يدخل النقص على بعض معين دون بعض، ولا يدخل عل الجميع، وقد دللوا على ذلك في بحوث الارث. ثانيا - ان المرتية الاولى في المواريث صنفان: احدهما الابوان دون الاجداد والجدات. ثانيهما: الاولاد وإن نزلوا ذكورا وأناثا ويرث مع هذين الصنفين الزوجة فإن لها الربع مع عدم الولد، والثمن معه واما الزوج فانه يرث الربع مع الولد، والنصف مع عدمه. ثالثا - ان المواريث لا تعصيب فيها عند الشيعة، ويلتزم به غيرهم من ابناء الفرق الاسلامية، ومثال ذلك أن الميت إذا ترك بنتا واحدة فان لها النصف مما ترك بالفريضة، وترث النصف الثاني بالرد، رأي غير الشيعة ان النصف الثاني من المال يعطى إلى العصبة، وهم الذكور الذين ينتسبون إلى الميت بغير واسطة أو بواسطة
الذكر، وربما عمموها للانثى على تفصيل عندهم (1). قال (عليه السلام): " والعقيقة عن المولود الذكر والانثى يوم السابع، ويحلق رأسه يوم السابع، ويسمى يوم السابع، ويتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة يوم السابع.. ". عرض الامام (عليه السلام) إلى المستحبات الشرعية التي ينبغي اجراؤها على المولود وهي: أ - العقيقة: ويستحب أن يعق عن المولود في اليوم السابع من ولادته بكبش إن كان ذكرا وشاة إن كان أنثى، وقد سن ذلك الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) حينما ولد سبطه وريحانته سيد شباب أهل الجنة الامام الحسن (عليه السلام) وفعل مثل ذلك حينما ولد سبطه الثاني سيد شباب أهل الجنة الامام الحسين (عليه السلام).
(1) منهاج الصالحين 2 / 279. (*)
[ 194 ]
ب - حلق رأس الطفل. ويستحب أن يحلق رأس الطفل في يوم السابع من ولادته ويتصدق بزنته ذهبا أو فضة على المساكين، وقد أجرى النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك على سبطيه وريحانتيه سلام الله عليهما. ج - تسمية الطفل: من المستحبات الاكيدة تسمية الطفل يوم السابع من ولادته ويستحب أن يسميه بالاسماء المباركة الميمونة كاسماء النبي (صلى الله عليه وآله) واسماء اوصيائه الائمة المكرمين. قال (عليه السلام): " وإن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لاخلق
تكوين.. ". أشار الامام (عليه السلام) إلى أفعال العباد وأعمالهم فان الله تعالى عالم بها، ولم يخلقها خلق تكوين ولا استندت إليه. قال (عليه السلام): " ولا تقل بالجبر، ولا بالتفويض.. " وحكت هذه الكلمات ما تذهب إليه الشيعة من ابطالهم للجبر، والتفويض، والتزامهم بالامر مابين الامرين، وقد فندوا الجبر والتفويض، وحفلت كتبهم الاسلامية بالاستدلال على ذلك قال (عليه السلام): ولا يأخذ الله عزوجل البرئ بجرم السقيم ولا يعذب الله الابناء والاطفال بذنوب الآباء، وانه قال: (ولا تزر وازرة وزر اخرى) (1) (وان ليس للانسان الا ما سعى) (1) (والله يغفر ولا يظلم..) إن العدل الالهي قضى بأن كل انسان مسؤول عما يقترفه من ذنب ولا تلقى المسؤولية على غيره فلا يؤخذ البرئ بذنب السقيم، وقد قضى اعداء الله بعكس ذلك، فقد قال المجرم الاثيم زياد بن أبيه: إني اعاقب البرئ بذنب السقيم، واعاقب على الظنة والتهمة، وهذه السياسة الهوجاء يبرأ منها الاسلام، وهي سياسة اعداء الاسلام وخصومه. ومن عدل الله تعالى أنه لا يعذب الابناء بذنوب الآباء، فقد قال الله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وانه ليس للانسان الا ما سعى، وهذا هو منتهى العدل.
(1) سورة الانعام / آية 164. (2) سورة النجم / آية 40. (*)
[ 195 ]
قال (عليه السلام): " ولا يفرض الله على العباد طاعة من يعلم أنه يظلمهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته، ويصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر ويعبد الشيطان من دونه... ".
ان الله تعالى ينشد العدل الخالص لعباده، ويدعوهم إلى التمرد على الظالمين والمستبدين من الحكام، كما انه تعالى انما يختار له دواء رسالته، واصلاح عباده ممن تتوفر فيهم جميع صفات الكمال والفضل التي منها أنه لا يكفر بالله، ولا يعبد الشيطان الرجيم. قال (عليه السلام): " وإن الاسلام غير الايمان، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا يقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وهو مؤمن، واصحاب الحدود لا مؤمنين، ولا كافرين (1)، وان الله لا يدخل النار مؤمنا، وقد وعده الجنة والخلود فيها، ومن وجبت له النار بنفاق أو فسق، أو كبيرة من الكبائر، لم يبعث مع المؤمنين، ولامنهم، ولا تحيط جهنم إلا بالكافرين. وكل إثم دخل صاحبه بلزومه النار فهو فاسق، ومن أشرك أو كفر، أو نافق، أو أتى كبيرة، والشفاعة جائزة للمستشفعين ". ان الاسلام أوسع دائرة، وأعم موضوعا من الايمان، فمن أقر بالشهادتين حكم باسلامه، وحقن دمه، وماله، وعرضه، سواء أكان مؤمنا أم كان فاسقا، أما الايمان فهو عبارة عن ملكة تمنع الانسان من اقتراف الذنوب والجرائم، ويصده عن مخالفة الله تعالى والمؤمن أعد له الله تعالى في دار الخلود المقام الكريم وبوأه الجنة يتبوأ منها حيث ما يشاء، وأما الفاسق الذي يقترف الذنوب والكبائر فان مقامه في جهنم وساءت مصيرا. قال (عليه السلام): " والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر باللسان واجب ". عرض الامام (عليه السلام) إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما من دعائم الاسلام الذي ينشد اقامة مجتمع كريم تسوده الاعراف الانسانية، ويجب على كل مسلم أن يؤدي واجبه تجاه دينه ووطنه، فيأمر بإقامة المعروف، وينهي عن المنكر،
ولهذا الواجب شروط ذكرها الفقهاء في رسائلهم.
(1) اي انهم مسلمون لا بمؤمنين، ولا بكافرين هكذا جاء في العيون. (*)
[ 196 ]
قال (عليه السلام): " والايمان اداء الفرائض، واجتناب المحارم، والايمان هو معرفة بالقلب، واقرار باللسان وعمل بالاركان ". حدد الامام (عليه السلام) الايمان بأنه اداء فرائض الله واجتناب محارمه، وأنه نافذ إلى اعماق القلب، ودخائل النفس. قال (عليه السلام): " والتكبير في الاضحى خلف عشر صلوات يبتدئ من صلاة الظهر من يوم النحر، وفي الفطر خمس صلوات بصلاة المغرب من ليلة الفطر ". من المستحبات المؤكدة التكبير في عيد الاضحى عقيب عشر صلوات، كما يستحب التكبير في ليلة عيد الفطر عقيب صلاة المغرب وبعدها بأربع صلوات، ويستحب ايضا تلاوة الادعية المأثورة عن أئمة الهدى (عليهم السلام). قال (عليه السلام): " والنفساء تقعد عشرين يوما لا أكثر منها، فان طهرت قبل ذلك صلت وإلا فإلى عشرين يوما، ثم تغتسل وتصلي وتعمل عمل المستحاضة ". واكبر الظن أن هذه الفقرة منحولة ليست من كلام الامام (عليه السلام) فقد اتفق فقهاء الامامية الذين يستندون فيما يفتون به إلى ما أثر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على ان دم النفاس لا حد لقليله وحد كثيره عشرة أيام من حين الولادة، وإذا رأت الدم بعد العشرة لم يكن دم نفاس، وتجعله دم استحاضة، والنفساء بحكم الحائض يحرم عليها ما يحرم على الحائض، وهنا بحوث مهمة ذكرها الفقهاء.
قال (عليه السلام): " ويؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، والبعث بعد الموت، والحساب والميزان والصراط. إن من الواجبات على المسلم أن يعتقد بعذاب القبر إذا كان قد اقترف الجرائم والذنوب، كما يجب عليه أن يعتقد بسؤال منكر ونكير له في قبره، وانه سيبعث بعد الموت، ويحاسب على اعماله وتوضع اعماله في الميزان، فمن رجحت حسناته على سيئاته فاز بالجنة، وإلا فمآله إلى النار ويعاقب على مقدار عمله ولا يظلم ربك أحدا، كما أنه لا بد من الاجتياز على الصراط فان كان قد عمل صالحا فيمر بيسر وسهولة، وإلا فيهوي في النار.
[ 197 ]
قال (عليه السلام): " والبراءة من أئمة الضلال واتباعهم، والموالاة لاولياء الله ". ان البراءة من أئمة الضلال واشياعهم، وموالاة اولياء الله من العناصر المهمة في العقيدة الاسلامية التي تشجب الظلم وتناهض الجور وتنشد العدالة بين الناس. قال (عليه السلام): " وتحريم الخمر قليلها وكثيرها، وكل مسكر خمر وكلما أسكر كثيرة فقليله حرام، والمضطر لا يشرب الخمر فانها تقتله ". الخمر من الآفات المدمرة للصحة، فهو يؤدي إلى الاصابة بامراض خطيرة، كما يؤدي إلى فساد الاخلاق، وانهيار المثل الكريمة التي يعتز بها الانسان... ويعتبر تحريم الاسلام له من أهم بنوده التشريعية الهادفة إلى رفع مستوى الانسان... وقد حذر الامام (عليه السلام) من شربه سواء أكان كثيرا أم قليلا، وذلك لما يترتب عليه من الاضرار البالغة. قال (عليه السلام): " وتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الطحال فانه دم والجري والطافي (1) والمارماهي والزمير (2) وكل شئ
لا يكون له قشور، ومن الطير ما لا تكون له قانصة ". وحرم الاسلام لحوم بعض الحيوانات، وذلك لما فيها من المفاسد التي توجب الاضرار بالصحة العامة، وقد عرض الامام بعضها وهي: 1 - السباع: ويحرم أكل لحم السباع سواء أكانت برية كالاسود والذئاب والنمور أم كانت طائرة كالبازي والرخمة وغيرها. 2 - الطحال: ويحرم أكل الطحال لانه دم على حد تعبير الامام (عليه السلام) كما يحرم أكل المثانة من الذبيحة والمشيمة والنخاع والغدد وخرزه الدماغ وغيرها مما ذكره الفقهاء لانها تسبب اضرارا جسيمة.
(1) الطافي: هو السمك الذي يموت في الماء ويعلو على سطح الماء. (2) الزمير: سمك له شوك نائي على ظهره. (*)
[ 198 ]
3 - الجري: ويحرم أكل الجري، وهو حيوان مائي لا تأكله الكلاب، وكذلك يحرم أكل السمك الميت الطافي على الماء والمارماهي والزمير، وكل مالا فلس له من الاسماك 4 - ما لا قانصة له: ويحرم من الطيور ما لا قانصة له، ولا حوصلة، ولا صيصية (1) ويحل من الطيور ما كان دفيفة أكثر من صفيفة. قال (عليه السلام): " ومن البيض كلما اختلف طرفاه فحلال أكله، وما استوى طرفاه فحرام أكله ". أما البيض فهو تابع للحيوان، الذي ولد منه في الحلية والحرمة، وقد اعطى
الامام (عليه السلام) قاعدة عامة لمعرفة الحلال والحرام منه، فان كان طرفا البيضة متساويين فحرام اكلها، وان كانتا مختلفتين فحلال اكلها. قال (عليه السلام): " واجتناب الكبائر: وهي قتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر، وحقوق الوالدين، والفرار من الزحف وأكل مال اليتامى ظلما، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله من غير ضرورة به، وأكل الربا، والسحت بعد البينة، والميسر، والبخس في الميزان، والمكيال، واليأس من روح الله، والامن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، ومعاونة الظالمين، والركون إليهم، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، والكبر والكفر، والاسراف، والتبذير، والخيانة، وكتمان الشهادة، والملاهي، التي تصد عن ذكر الله، مثل الغناء وضرب الاوتار، والاصرار على الصغاير من الذنوب... فهذه اصول الدين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه وآله، وسلم تسليما " (2). وانتهت بذلك هذه الرسالة الغراء التي حفلت ببعض البحوث الكلامية، وبامهات المسائل الفقهية. 2 - رسالته الذهبية في الطب. ولم تقتصر علوم الامام الرضا (عليه السلام) على أحكام الشريعة الاسلامية
(1) الصيصية: هي الشوكة التي تكون خلف رجل الطائر خارجة عن الكف. (2) تحف العقول (ص 415 - 423). (*)
[ 199 ]
الغراء، وانما شملت جميع أنواع العلوم، والتي منها علم الطب، فقد كان علما من أعلامه، ومتمرسا بجميع فروعه، وجزئياته، ويدلل على ذلك بصورة واضحة هذه الرسالة التي سماها المأمون بالرسالة الذهبية، كما منح في تقريضه لها وسام الطبيب على الامام (عليه السلام) وقد وضعت البرامج العامة لاصلاح بدن الانسان،
ووقايته من الاصابة بالامراض الذي هو القاعدة الاساسية للطب الوقائي في هذه العصور، والذي يعد من اعظم الوسائل في تقدم الصحة وازدهارها. وعلى أي حال فلا بدلنا من وقفة قصيرة للحديث عما يتعلق بهذه الرسالة قبل عرضها، وفيما يلي ذلك: 1 - سبب تأليفها: وتميز بلاط المأمون بأنه كان في معظم الاوقات ندوة من ندوات العلم والادب خصوصا في عهد الامام الرضا (عليه السلام) عملاق هذه الامة ورائد نهضتها الفكرية والعلمية، فقد تحول البلاط العباسي إلى مسرح للبحوث العلمية والفلسفية، كما ذكرنا ذلك في البحوث السابقة. ومن بين البحوث العلمية التي عرضت في تلك الندوة هو ما يضمه بدن الانسان من الاجهزة والخلايا العجيبة، وبدائع تركيب اعضائه التي تجلت فيها حكمة الخالق العظيم، وروعة قدرته، وخاض القوم فيما يصلح بدن الانسان ويفسده، وقد ضمت الجلسة كبار العلماء والقادة كان في طليعتهم من يلي: 1 - الامام الرضا. 2 - المأمون. 3 - يوحنا بن ماسويه. 4 - جبريل بن بختيشوع. 5 - صالح بن بهلة الهندي. وقد خاض هؤلاء القوم سوى الامام في البحوث الطبية والامام (عليه السلام) ساكت لم يتكلم بشئ فانبرى إليه المأمون قائلا له باكبار: " ما تقول يا أبا الحسن في هذا الامر الذي نحن فيه اليوم والذي لا بد منه من معرفة هذه الاشياء، والاغذية النافع منها، والضار وتدبير الجسد.. ".
لقد طلب المأمون من الامام (عليه السلام) أن يفتح له آفاقا من العلم فيما يتعلق بأجهزة بدن الانسان، ويرشده إلى النافع من الاغذية والضار منها، وما يصلح جسم
[ 200 ]
الانسان وما يضره.. انبرى الامام فأجابه: " عندي ما جربته، وعرفت صحته بالاختبار ومرور الايام مع ما وقفني عليه من مضى من السلف مما لا يسع الانسان جهله ولا يعذر في تركه، فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه مما يحتاج إلى معرفته... ". إن الامام (عليه السلام) من خزنة الحكمة، ومن ورثة الانبياء، وعنده علم ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، وقد استجاب الامام إلى طلب المأمون فزوده بالرسالة الذهبية الآتي نصها. 2 - شرحها وترجمتها: ونظرا لاهمية هذه الرسالة، فقد عكف على شرحها وترجمتها جمهرة من العلماء نص عليهم في تقديم هذه الرسالة سماحة الحجة المحقق السيد مهدي الخرسان، وهم: 1 - السيد الامام ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الراوندي، المتوفى سنة (548 ه) سماه (ترجمة العلوي للطب الرضوي). 2 - الولي فيض الله عصارة التستري، وهو معاصر لفتح علي خان له ترجمة الذهبية بالفارسية. 3 - محمد باقر المجلسي المتوفي سنة (1111 ه) ترجمها إلى اللغة الفارسية. 4 - ابن محمد هاشم الطبيب شرحها بالفارسية. 5 - محمد شريف بن محمد صادق الخواتون له شرح عليها ذكره في كتابه (حافظ الابدان).
6 - السيد عبد الله شبر المتوفى سنة (242 ه) له شرح عليها. 7 - ميرزا محمد هادي بن ميرزا محمد صالح الشيرازي شرحها واسماها (عافية البرية في شرح الذهبية) وكان معاصرا للسلطان حسين الصفوي. 8 - المولى محمد بن الحاج محمد حسن المشهدي المدرس. 9 - السيد شمس الدين محمد بن محمد بديع الرضوي المشهدي له شرح الذهبية فرغ من تأليفه سنة (1125 ه). 10 - محمد بن يحيى له شرح الذهبية بالفارسية. 11 - نوروز علي البسطامي له شرح على الذهبية أشار إليه في كتابه (فردوس التواريخ).
[ 201 ]
12 - الحاج ميرزا كاظم الموسوي الزنجاني المتوفى سنة (1292 ه) له شرح عليها اسماه (المحمودية). 13 - السيد نصرالله الموسوي الا رومي له شرح بالفارسية سماه (الطب الرضوي). 14 - مقبول أحمد له شرح سماه (الذهبية في أسرار العلوم الطبيعة) باللغة الاوردية طبع بحيدر آباد. 15 - السيد محمود له مفاتيح الصحة جمع فيه طب النبي (صلى الله عليه وآله)، وطب الائمة والرسالة الذهبية مع شرح يسير بالفارسية طبع سنة (379 ه) بالنجف الاشرف. 16 - السيد ميرزا علي له شرح الرسالة الذهبية بالفارسية. 17 - السيد حسين بن نصر الله الا رومي الموسوي له (ترجمة الموسوي في الطب الرضوي).
18 - ابو القاسم سحاب له شرح بالفارسية باسم (بهداشت رضوي) وقد طبعه في آخر الجزء الاول من كتابه رزندكانى حضرت امام رضا (ع) من ص 301 - 350. 19 - الدكتور السيد صاحب زيني له شرح على الرسالة تناول فيه جوانب على ضوء علم الطب الحديث، طبع في بغداد في سلسلة ملتقى العصرين. 20 - عبد الواسع ترجم الرسالة إلى اللغة الفارسية (1). ونظرا لاهميتها البالغة فقد كتبت بخطوط أثرية جميلة، وتوجد نسخة قديمة بخط عبد الرحمن بن عبد الله الكرخي، وقد كتبت سنة (715 ه) وهي بمكتبة الامام الحكيم تسلسل 237. 3 - تقريظ المأمون: وبعث الامام الرضا (عليه السلام) برسالته الذهبية إلى المأمون فأعجب بها اعجابا بالغا، وأمر أن تكتب بالذهب، كما أمرت أن تكتب نسخ منها، وتوزع على أولاده وافراد أسرته، وجهاز دولته، كما أمر أن تودع نسخة منها في بيوت الحكمة، ومما لا شك فيه أنها عرضت على اعلام الطب في عصره فأقروها، وقد قرظها المأمون
(1) توجد الترجمة بخط المؤلف في مكتبة الامام امير المؤمنين تسلسل 377. (*)
[ 202 ]
بالرسالة، فقد جاء فيها بعد البسملة: " الحمدلله أهل الحمد ووليه، وله آخره وبدؤه، ذو النعم والافضال والاحسان، والاجمال، أحمده على نعمه المتظاهرة وفواضله وأياديه المتكاثرة، واشكره على منحه ومواهبه شكرا يوجب زيادته، ويقرب زلفى، اشهد ان الا إله إلا الله شهادة مخلص له بالايمان غير جاحد، ولا منكر له بربوبيته ووحدانيته، بل شهادة تصدق نسبته لنفسه، وانه كما قال عزوجل: (قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم
يولد، ولم يكن له كفوا أحد) وكذلك ربنا عزوجل، وصلى الله على سيد الاولين والآخرين محمد بن عبد الله خاتم النبيين. أما بعد: فإني نظرت في رسالة ابن عمي العلوي الاديب والفاضل الحبيب. والمنطقي الطبيب، في اصلاح الاجسام، وتدبير الحمام، وتعديل الطعام، فرأيتها في أحسن التمام، ووجدتها في افضل الانعام، ودرستها متدبرا، ورددت نظري فيها متفكرا، فكلما أعدت قراءتها، والنظر فيها ظهرت لي حكمتها، ولاحت لي فائدتها، وتمكنت من قلبي منفعتها، فوعيتها حفظا، وتدبرتها فهما، إذ رأيتها من أنفس العلائق، وأعظم الذخائر، وانفع الفوائد، فأمرت ان تكتب بالذهب لنفاستها، وحسن موقعها، وعظم نفعها، وكثرت بركتها، وسميتها (المذهبة) وخزنتها في خزانة الحكمة، وذلك بعد أن نسخها آل هاشم فتيان الدولة، لان بتدبير الاغذية تصلح الابدان، وبصحة الابدان تدفع الامراض، وبدفع الامراض تكون الحياة وبالحياة تنال الحكمة، وبالحكمة تنال الجنة وكانت أهلا للصيانة والادخار، وموضعا للتأهيل والاعتبار وحكما يعول عليه، ومشيرا يرجع إليه، ومن معادن العلم آمرا وناهيا ينقاد له، ولانها خرجت من بيوت الذين يوردون حكم الرسول (صلى الله عليه وآله) المصطفى، وبلاغات الانبياء، ودلائل الاوصياء، وآداب العلماء وشفاء للصدور والمرضى من أهل الجهل والعمى رضوان الله عليهم وبركاته أولهم وصغيرهم وكبيرهم. فعرضتها على خاصتي وصفوتي من أهل الحكمة والطب وأصحاب التأليف والكتب المعدودين في أهل الدراية والمذكورين بالحكمة، وكل مدحها واعلاها، ورفع قدرها وأطراها انصافا لمصنفها، واذعانا لمؤلفها وتصديقا له فيما حكاه فيها، فمن وقعت إليه هذه الرسالة من بعدنا من أبنائنا، وأبناء دولتنا، ورعايانا وسائر الناس على طبقاتهم فليعرف قدرها، والموهبة له، وتمام النعمة له، وليأخذها بشكر فانها أنفس من العقيان وأعظم خطرا من الدر ؟ ؟ والمرجان، وليستعمل حفظها وعرضها على همته
[ 203 ]
وفكره ليلا ونهارا، فانها عائدة عليه بالنفع والسلامة، من جميع الامراض والاعراض ان شاء الله تعالى، وصلى الله على رسوله محمد وأولاده الطيبين الطاهرين أجمعين حسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين... ". وحكى هذا التقريظ على رسالة الامام (عليه السلام) ما يلي: 1 - محتوياتها الطبية: أما محتويات رسالة الامام (عليه السلام) حسب ما ادلى به المأمون فهي: أ - اصلاح الاجسام، ووقايتها من الامراض، والتمتع بالصحة الكاملة فقد وضعت الرسالة البرامج العامة لذلك. ب - تدبيره الحمام الذي هو من العناصر الاساسية للصحة فانه كما يعنى بنظافة البدن، كذلك يعنى في بث النشاط في جسم الانسان. ج - تعديل الطعام الذي تبتنى عليه صحة الانسان ووقايته من الامراض. 2 - دراسته لها: ودرس المأمون رسالة الامام دراسة وثيقة بامعان وتدبير، وانه كلما جدد قراءته لها ظهرت له بدائعها، وعظيم حكمتها، وقد وجدها من ذخائر الكتب، ومن مناجم الثروات، فقد حوت أصول الصحة العامة، وقواعد الطب، في وقت كان الطب في أول مراحله، وتعتبر هذه الرسالة تطورا في هذا الفن، فقد فتحت آفاقا مشرقة له. 3 - عرضها على الاطباء: وعرض المأمون رسالة الامام على أعلام الطب في عصره، فكل واحد منهم أثنى عليها، وأقرها، وأطراها، ورفع قدرها، وقد اعترف جميع من راجعها من كبار الاطباء بفضل الامام (عليه السلام)، وتمرسه في هذا العلم... هذه بعض المحتويات في هذا التقريظ.
نص الرسالة الذهبية: أما نص هذه الرسالة الغراء فنحن ننقله عن طب الامام الرضا من منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف، وقد طبع سنة (1385 ه) وقد جاء فيه بعد البسملة والثناء على الامام (عليه السلام)، ما نصه: " اعلم يا أمير المؤمنين ان الله تعالى يبتل عبده المؤمن ببلاء حتى جعل له دواء يعالج به، ولكل صنف من الداء صنف من الدواء وتدبير ونعت ذلك... ".
[ 204 ]
وحكى هذا المقطع حكمة الله البالغة في خلقه للانسان الذي يحتوي على الاجهزة العجيبة، التي هي عرضة للاصابة بانواع الامراض، وان الله تعالى لم يخلق مرضا إلا وله دواء يقضي عليه، ويحسمه، فقد طويت في هذه العصور التي بلغ فيها الطب الذروة جمهرة من الامراض والقيت في البحر، كمرض السل، والتهاب الامعاء، والتيفوئيد، وذلك بفضل المضادات الحياتية كالبنسلين والارومايسين وغيرهما، بالاضافة إلى عالم الجراحة التي قضت على كثير من الامراض، وبهذا فقد تجلت الحكمة البالغة في كلمة الامام سليل النبوة من ان الله تعالى قد جعل لكل صنف من الداء صنفا من الدواء، وسوف يطوى في ملف الطب من أن بعض الامراض لا دواء لها. قال (عليه السلام): " إن الاجسام الانسانية جعلت في مثال الملك، فملك الجسد هو القلب، والعمال العروق والاوصال، والدماغ وبيت الملك قلبه، وأرضه الجسد، والاعوان يداه، ورجلاه وعيناه، وشفتاه ولسانه وأذناه، وخزانته معدته وبطنه، وحجابه صدره، فاليدان عونان يقربان، ويبعدان ويعملان على ما يوحي اليهما الملك، والرجلان تنقلان الملك حيث يشاء، والعينان تدلان على ما يغيب عنه، لان الملك وراء حجاب لا يوصل إليه الا بهما، وهما سراجاه أيضا، وحصن الجسد
وحرزه، والاذنان لا تدخلان على الملك إلا ما يوافقه لانهما لا يقدران أن يدخلا شيئا، حتى يوحي الملك اليهما فإذا أوحى اليهما أطرق الملك منصتا لهما حتى يسمع منهما، ثم يجيب بما يريد فيترجم عنه اللسان بادوات كثيرة، منها ريح الفؤاد، وبخار المعدة، ومعونة الشفتين، وليس للشفتين قوة إلا بالانسان، وليس يستغني بعضها عن بعض... ". عرض الامام الحكيم إلى بدن الانسان، هذا البدن العجيب الذي تجلت فيه قدرة الله الهائلة، وابداعه المدهش، وتنظيمه المحكم، قال تعالى: يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك، فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك). هذا البدن الذي حوى من الاجهزة والخلايا ما يعجز عنه الوصف، ويقول فيه رائد الحكمة والبيان في الاسلام الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): اتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الاكبر نعم ان الانسان ليس هيكلا محدودا، ولا جرما صغيرا وانما حوى العالم باسره، فهو مجموعة من الاكوان والعوالم.
[ 205 ]
وقد شبه سليل النبوة، ومعدن العلم والحكمة بدن الانسان بالدولة، التي يتكون جهازها من الرئيس، والجند والاعوان، والارض التي يكون حاكما لها، وقد ذكر الامام (عليه السلام) من اعضاء البدن واجهزته الرئيسة ما يلي: أ - القلب: أما القلب فهو من آيات الله الرائعة في جسم الانسان، فهو يدفع الدم إلى نواحي الجسم جميعها حاملا معه مواد الغذاء والاوكسجين ليوزعها في كل مكان من الجسم، وليأخذ الفضلات معه لتخليص الجسم منها (1). ان القلب يدفع الدم إلى الرئتين حيث يأخذ كفايته من الاوكسجين من الهواء
الذي يتنفسه، وفي الرئتين يتخلص الدم من بعض الفضلات التي جمعها من نواحي الجسم على شكل غاز يعرف باسم غاز ثاني أوكسيد الكاربون، والقلب يدفع الدم إلى الكليتين ايضا (2) أما تنظيم ضربات القلب فهي سر من أسرار لخلق والابداع فهو ينبض بمعدل (70) ضربة في الدقيقة والواحدة أي بمعدل يصل (100) الف مرة يوميا و (40) مليون مرة سنويا وما يزيد عن (2000) مليون مرة في متوسط العمر، ولننظر إلى هذا التسبيح العظيم الذي لا يكف ولا يفتر في ليل أو نهار ولننظر إلى هذه الآية الرائعة في الجسم، والتي هي تنظيم الحرارة، ان هناك ما يشبه ميزان الحرارة داخل الجسم، فإذا جاءت الاخبار الحسية من الجلد تخبر عن الوسط الخارجي ودرجة حرارته سارعت هذه المناطق الكائنة في الجذع الدماغي وما فوقه إلى جهاز الدوران تستحثه على أن يحمي الحدود الخارجية، وتأمره ان يقوم بدور العامل المخلص في هذه الازمة، ويستجيب جهاز الدوران المرن، وسرعان ما تحدث تقلصات العروق الدموية ونضح القلب للدم بما يفي حاجة الجلد، فإذا كان باردا قل تدفق الدم الذي يحمل الحرارة ليعدل البرودة والعكس بالعكس (3). ان القلب هو مصدر الحياة للانسان وغيره، فهو ملك الجسم، وجميع اعضاء الانسان جنوده واعوانه.
(1) جسمك هذا العجيب الغريب (ص 13) تأليف روبرت فولبث. (2) نفس المصدر. (3) الطب محراب الايمان (ص 141 - 142). (*)
[ 206 ]
2 - العروق: أما العروق فانها عصب الحياة، وهي التي تسيطر على الجسم، وتعمل عملها في الغضب، والخوف، سائر الانفعالات، والمباريات، والعمل الجنسي، وغيرها
وقسم من الاعصاب يسمي بالاعصاب الارادية، وهي التي تسيطر على طائفة معينة من العضلات في الجسم وهي التي تسمى بالعضلات المخططة، وهنا بحوث مهمة ذكرت في علم وظائف الاعضاء، وهي تدلل على عظمة الخالق الحكيم. 3 - الدماغ: أما الدماغ فهو من اعظم مخلوقات الله، وهو الذي يهيمن على الجسم كله، ويسيطر على جميع حركاته، ويبعثه حيث ما شاء، وبه تميز الانسان على سائر الحيوانات، وقد خصه الله تعالى للانسان، وشرفه به على جميع مخلوقاته. إن الدماغ دنيا من العجائب المذهلة، فلا يضاهيه في عظمته أي مخلوق آخر، فهو يحوي على مخازن لا تمتلئ، ويحفظ ما يودع فيه من علم وغيره، فسبحان المبدع والخالق له، اما البحث عن عجائبه فهو يستدعي وضع كتاب له. 4 - اليدان والرجلان: من الاجهزة المذهلة في بدن الانسان اليدان اللذان تقومان بما يحتاج إليه الانسان من مأكله وشرابه، وتصنعان الاعمال البديعة من الكتابة والصياغة، والبناء، وغير ذلك، باشارة الدماغ وتوجيهه، فهما عاملان في مصنعه، وكذلك الرجلان يسيران لبلوغ الانسان إلى حاجاته، ولولاهما لما امكنه ان يصنع شيئا فسبحان الخالق الحكيم. 5 - حاسة السمع: من الاجهزة العجيبة في بدن الانسان حاسة السمع، وقد حوت ما يلي: أ - الاذن الخارجية: وهي حيوان الاذن الخارجي مع الممر الذي يوصل إلى غشاء الطبل. ب - الاذن الوسطى: وفيها ثلاث عظام تشبه أدوات الحداد (المطرقة والسندان) * وركابة السرج،
وعضلتان (المطرقة والركابة) ويوجد نفق يوصل ما بين الاذن الوسطى والبلعوم. ج - الاذن الداخلية: وتحوي على ما يشبه الحلزون، وثلاثة اطارات، وهذه الاقسام متصلة بعضها.
[ 207 ]
ببعض، ومتداخلة، وفي داخل الاقنية، اقنية غشائية تشبه الكيس، وداخل الحلزون الذي يدور دورتين ونصف يوجد عضو كورتي. والاذن الداخلية هي التي تستقبل الاصوات، وأما الاذن الوسطى والخارجية فهما اللذان تنقلان الصوت. اما انتقال الصوت فهو نتيجة اهتزاز جزئيات المادة، ولهذا فان الصوت لا ينتقل ما لم يكن هناك وسط مادي: " هواء سائل، غازات، اجسام صلبة "... وهنا بحوث مهمة تكشف عن عظمة الخالق الحكيم وبديع صنعه، عرضت لها كتب الطب (1). 6 - البصر: أما العين فانها من آيات الله العظمى، فبواسطة العين يتلقى الانسان النور، والتعرف على المحيط الخارجي، وبها يتعرف على الاشياء من ناحية شكلها ولونها. وهي من روع غرف التصوير الفنية، فهي غرفة مظلمة، مغلقة بثلاثة جدران هي من الظاهر إلى الباطن: الصلبة وهي التي تعطي اللون الابيض للعين، والمشيمية وهي التي تروي العين بعروقها والشبكية وهي التي تحمل العناصر الحساسة، والمستقبلة للضوء وهي المخاريط والعصيات، وفي المقدمة توجد بلورة رقيقة هي القرنية تدخل النور القادم إلى العين، ثم يجتاز النور بعد القرنية سائلا شفافا كاسرا للنور هو الخلط المائي الذي يقع ما بين القرنية والقزحية، والقزحية هي التي تعطي العينين لونهما المعهود، وتفتح في مركزها بثقبة واحدة خاصة لاستقبال النور كعدسة
المصور وهي الحدقة، وإذا دخل النور الحدقة واجه بلورة من نوع جديد هي الجسم البلوري، وهي اعجب بلورة موجودة في الوجود لانها تتمدد وتتقلص بحيث تختلف وجوه تحديها إلى درجة كبيرة، وبالتالي تتطابق العين مع المناظر التي تقع أمامها، فإذا كانت المسافة المرئية قريبة تمددت وتقطعت بما يناسب الحالة، والعكس بالعكس، فهي البلورة الحركية العاقلة، وبعد الجسم البلوري يدخل النور خلطا جديدا شفافا كاسرا للنور هو الخلط الزجاجي، فإذا انتهى النور من عبوره وصل إلى الشبكية حيث تستقبله العصيات والمخاريط، وتنقله بشكل سيالة عصبية إلى الفص القفوي (2).
(1) الطب محراب الايمان (ص 191 - 202). (2) الطب محراب الايمان (ص 204 - 206). (*)
[ 208 ]
ومضافا إلى عجائب صنعها بدائع حمايتها ووقايتها، فقد جعل الله تعالى العينين في منطقة من الوجه منخفضة يحيط بها ثلاث تلال مرتفعات وهي: الحاجب، والهرم لانفي والبروز العظمي من الجبهة، وبالاضافة إلى ذلك فانهما مغطتان بجفنين يفتحان ويغلقان بمنتهى السرعة كما احاطهما تعالى بالدمع لتطهير هما، وترطبهما فسبحان الخالق المبدع العظيم. هذه بعض الاعضاء التي اشار إليها الامام (عليه السلام)، وقد عرض إلى خصوصياتها ووظائفها علم التشريح، ولننتقل إلى فصل آخر من هذه الرسالة. قال (عليه السلام): " والكلام لا يحسن إلا بترجيعه في الانف لان الانف يزين الكلام كما يزين النفخ المزمار، وكذلك المنخران هما ثقبتا الانف يدخلان على الملك بما يحب من الريح الطيبة فإذا جاءت ريح تسوء على الملك اوحى إلى اليدين، فحجبتا بين الملك وتلك الريح، وللملك على هذا ثواب وعقاب، فعذابه أشد من عذاب الملوك الظاهرة
القاهرة في الدنيا، وثوابه افضل من ثوابهم، فأما عذابه فالحزن، واما ثوابه فالفرح وأصل الحزن في الطحال، واصل الفرح في الترب والكليتين (1) ومنهما يوصلان إلى الوجه، فمن هناك يظهر الفرح والحزن فيرى علامتهما في الوجه، وهذه العروق كلها طرق من العمال إلى الملك، ومن الملك إلى العمال. ومصداق ذلك انه إذا تناولت الدواء ادته العروق إلى موضع الداء باعانتها... ". عرض سليل النبوة إلى عملية النطق والبيان، وهي اعجوبة بذاتها فالكلام يخرج منسجما متوازنا يهدف إلى معين، وهو من الظواهر الفذة العجيبة الدالة على عظمة الخالق العظيم، قال تعالى: (الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان) فما يريد أن يؤديه الانسان يتكون قبل التلفظ به في الدماغ، وهو يوحي إلى اللسان بتأديته، وذلك بعملية عجيبة ذكرها المعنيون بهذه البحوث. وذكر الامام (عليه السلام) ثواب القلب والدماغ لجسم الانسان وعقابهما له، وكلاهما يظهران على سحنات الوجه، فالفرح يغطي الوجه بانبساطه، والحزن يغمر الوجه بانقباضه، وأفاد الامام ان أصل الحزن في الطحال، وأصل الفرح في الترب والكليتين، فمن هذه الاعضاء تنبعث هذه الظواهر في جسم الانسان.
(1) في بعض النسخ واصل الفرح في الكليتين. (*)
[ 209 ]
قال (عليه السلام): " واعلم يا أمير المؤمنين أن الجسد بمنزلة الارض الطيبة متى تعوهدت بالعمارة والسقي من حيث لا يزداد في الماء فتغرق، ولا ينقص منه فتعطش دامت عمارتها، وكثر ريعها وزكى زرعها، وان تغوفل فسدت، ولم ينبت فيها العشب فالجسد بهذه المنزلة، وبالتدبير في الاغذية والاشربة يصلح، ويصلح، وتزكو العافية. فانظر يا أمير المؤمنين ما يوافقك، ويوافق معدتك، ويقوى عليه بدنك،
ويستمريه من الطعام، فقدره لنفسك، واجعله غذاءك. واعلم يا أمير المؤمنين ان كل واحدة من هذه الطبايع تحب ما يشاكلها فاغتذ ما يشاكل جسدك، ومن أخذ من الطعام زيادة لم يغذه، ومن أخذه بقدر لا زيادة عليه ولا نقص في غذائه نفعه، وارفع يديك منه، وبك إليه بعض القرم، وعندك إليه ميل فانه أصلح لمعدتك ولبدنك، وأزكى لعقلك، وأخف لجسمك... ". ووضع الامام الحكيم المنهج العام للصحة العامة، واساسها التوازن، وعدم الاسراف في الاكل والشرب، وقد اعلن القرآن هذه القاعدة في حفظ بدن الانسان ووقايته من الاصابة بالامراض قال تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا). إن الجهاز الهضمي من أهم أجهزة الانسان، واكثرها حيوية وحساسية وهو يتأثر بالاسراف في الاكل الذي تنجم منه السمنة التي هي من اعظم الآفات المدمرة لبدن الانسان. ان العناية بالتغذية خصوصا في مقتبل العمر لها تأثير كبير على الحالة الصحية في السنوات التالية كما تطيل في فترات الشباب، وهي من أحدث الوسائل في الصحة الوقائية، فما يصيب الانسان - على الاكثر - من الامراض المتنوعة انما هي من النتائج المباشرة لاسرافه في الطعام، والشراب، وعدم توازنه في حياته الجنسية وغيرها من شؤون حياته. لقد شبه الامام الحكيم بدن الانسان بالارض الخصبة، وهو تشبيه بديع للغاية، فان الانسان إذا اعتنى بارضه، وسهر على اصلاحها اثمرت واعطت اطيب الثمرات، وإذا عرض عنها، واهملها فانها تتلف وتموت ولا تعطي أي ثمار، وكذلك بدن الانسان إذا اصلحه ولم يفسده بكثرة الاكل والشرب فانه يصلح، ويتمتع بالصحة التي هي من اثمن ما يظفر به الانسان في حياته.
[ 210 ]
لقد أكد الامام (عليه السلام) على ضرورة عدم الاسراف في الطعام وان يرفع الانسان يده منه وعنده ميل إليه فان ذلك أجدي في حفظ صحته ووقايته من الاصابة بالامراض... ان الافراط في الاكل يؤدي إلى السمنة، وهي تسبب ما يلي: أ - عجز القلب. ب - ارتفاع الضغط الدموي. إلى غير ذلك من الامراض الناجمة من الافراط في تناول الطعام وللنتقل لفصل آخر من هذه الرسالة. قال (عليه السلام): " واعلم يا أمير المؤمنين كل البارد في الصيف، والحار في الشتاء المعتدل في الفصلين على قدر قوتك وشهوتك، وابدأ بأول الطعام بأخف الاغذية التي تغتذي بها بدنك بقدر مادتك، وبحسب طاقتك ونشاطك، وزمانك الذي يجب أن يكون اكلك في كل يوم عندما يمضي من النهار ثمان ساعات أكلة واحدة، أو ثلاث أكلات في يومين، تتغذى باكرا في أول يوم، ثم تتعشى، فإذا كان في اليوم الثاني عند مضي ثمان ساعات من النهار أكلت أكله واحدة، ولم تحتج إلى العشاء، كذا أمر جدي محمد (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) في كل يوم وجبة وفي غده وجبتين، وليكن ذلك بقدر لا يزيد ولا ينقص، وارفع يديك من الطعام وأنت تشتهيه، وليكن شرابك على أثر طعامك.. ". وحكى هذا المقطع تنظيم الاكل الذي تبتني عليه أسس الصحة العامة، وكان من بين ما حفل به.: أ - تناول المواد الباردة في أيام الصيف، فان تناول الاطعمة الثقيلة يعود بالاضرار الجسيمة على بدن الانسان، واما في الشتاء فبالعكس، فانه يحسن تناول الاطعمة الثقيلة التي تحتوي على السمن والسكر، فان البدن يحتاج إليها.
ب - ان يأكل الانسان من الطعام قدر طاقته، وليس له أن يجهد نفسه ويحملها رهقا اكثر من ذلك. ج - أن يتناول الانسان أخف الاغذية، وأيسرها على جهازه الهضمي، وفي نفس الوقت يلا حظ مقدار سنه، فان الانسان كلما تقدم به السن فينبغي أن يكون طعامه خفيفا قليل الملح، والسمن لانهما يؤديان إلى تصلب الشرايين خصوصا من تجاوز عمره الخميس عاما.
[ 211 ]
د - أن يقلل الانسان من وجبات الطعام فيقتصر في اليومين على ثلاث وجبات من الطعام حسبما فصل الامام (عليه السلام) ولا شبهة أن ذلك مما يوجب استقامة البدن وسلامته من الامراض. ذ - وأكد الامام على ضرورة أن لا يأكل الانسان طعاما إلا وهو يشتهيه ولا يمتلئ منه، وهذا من اثمن الوصايا الصحية.. ولنقرأ فصلا آخر من هذه الرسالة. قال (عليه السلام): " ونذكر الآن ما ينبغي ذكره من تدبير فصول السنة، وشهورها الرومية الواقعة فيها في كل فصل على حدة وما يستعمل من الاطعمة والاشربة، وما يجتنب منه، وكيفية حفظ الصحة من أقاويل القدماء... ". وهذا المقطع مقدمة تمهيدية إلى بيان ما يتناوله الانسان في فصول السنة، وما يجتنب عنه فيها. قال (عليه السلام): " اما فصل الربيع فانه من روح الزمان، وأوله: (آذار) وعدة أيامه ثلاثون يوما، وفيه يطيب الليل والنهار، وتلين الارض، وتذهب سلطان البلغم، ويهيج الدم، ويستعمل من الغذاء اللطيف واللحوم، ويتقى فيه اكل البصل والثوم
والحامض، ويستعمل فيه شرب المسهل، ويستعمل فيه الفصد والحجامة... ". عرض الامام إلى فصل الربيع وهو من أزهى فصول السنة، ومن اكثرها عائدة على الكائنات الحية، وما أروع قول الامام (عليه السلام) انه روح الزمان، ففيه يطيب الليل والنهار، وتلين الارض ويهيج الدم، وقد حذر الامام من تناول البصل والثوم والحامض لانها تسبب امراضا سوف يكشفها الطب الحديث، كما ندب الامام إلى شرب المسهل، وأخذ شئ من الدم بالفصد أو الحجامة. قال (عليه السلام): (نيسان) ثلاثون يوما يطول فيه النهار، ويقوي مزاج الفصل ويتحرك الدم، وتهب فيه الرياح الشرقية، يستعمل فيه من المآكل المشوية، وما يعمل بالخل ولحوم الصيد، وتعالج بالجماع والتمريغ بالدهن في الحمام، ويشرب الماء على الريق، ويشم الرياحين والطيب... ". عرض الامام (عليه السلام) إلى شهر نيسان، وذكر مميزاته وهي: 1 - طول النهار، وقصر الليل.
[ 212 ]
2 - قوة المزاج. 3 - تحرك الدم. 4 - هبوب الرياح الشرقية. وقد ندب الامام إلى تناول المآكل المشوية، وما يطبخ بالخل مع لحوم الصيد، فان ذلك يعود بفائدة على الجسم، كما ندب إلى دخول الحمام، وتمريغ البدن بالدهن، وأوصى بشرب الماء على الريق، ذلك لما له من الاثر في تنظيف المجاري البولية، وازالة الرمل منها. قال (عليه السلام):
(أيار) واحد وثلاثون يوما، تصفو فيه الرياح، وهو آخر فصل الربيع، وقد نهي فيه عن الملوحات واللحوم الغليظة كالرؤوس ولحوم البقر، واللبن، وينفع فيه دخول الحمام أول النهار وتكره فيه الرياضة قبل الغداء... ". أما أيار فهو على اعتاب الصيف، والجهاز الهضمي لا يتحمل الاغذية الثقيلة خصوصا إذا بلغ الانسان مرحلة الشيخوخة، فان تناول اللحوم الغليظة يؤدي إلى الاضرار الجسيمة كالاصابة بالضغط الدموي وغيره. قال (عليه السلام): " (حزيران) ثلاثون يوما يذهب فيه سلطان الدم، ويقبل زمان المرة الصفراء، وينهى فيه عن التعب، واكل اللحم دائما، والاكثار منه، وشم المسك والعنبر، وينفع فيه أكل البقول الباردة، كالهندباء، والبقلة الحمقا، واكل الخضر كالخيار والشير خشت، والفاكهة الرطبة، واستعمال المحمضات، ومن اللحوم المعز الثني، والجدي ومن الطيور الدجاج، والطيهوج، والدراج، والالبان والسمك الطري... ". أما حزيران فهو أول شهور الصيف، وتضعف فيه الابدان لانها تواجه قسوة الحر، ومرارته، وقد اكد الامام (عليه السلام) على اجتناب ما يلي: 1 - عدم التعب. 2 - عدم تناول اللحم بكثرة. 3 - أكل الخضروات، والفواكه، وذلك للطافتها، وعدم ثقلها. قال (عليه السلام): " (تموز): واحد وثلاثون يوما فيه شدة الحرارة، وتغور المياه، ويستعمل فيه
[ 213 ]
شرب الماء البارد على الريق، وتؤكل فيه الاشياء الباردة الرطبة، وتؤكل فيه الاغذية
السريعة الهضم - كما ذكر في حزيران - ويستعمل فيه من الشموم والرياحين الباردة الرطبة الطيبة الرائحة... ". أما تموز فهو من أثقل فصول السنة، واشدها قسوة على الانسان وذلك لشدة الحر الذي يسبب غور المياه، وقد اكد الامام (عليه السلام) على استعمال الاشياء الباردة، واكل الاطعمة الخفيفة السريعة الهضم حتى لا يتأثر الجهاز الهضمي بها، كما أكد الامام (عليه السلام) على شم الرياحين الباردة الطيبة الرائحة وذلك لما لها من الاثر الفعال على الجهاز العصبي. قال (عليه السلام): " (آب): واحد وثلاثون يوما، وفيه تشتد السموم، ويهيج الزكام بالليل، ويهب الشمال، ويصلح المزاج بالتربيد، والترطيب، وينفع فيه شرب اللبن الرائب، ويجتنب فيه الجماع والمسهل ويقل من الرياضة، ويشم الرياحين الباردة... ". أما شهر آب، فهو كشهر تموز في حرارته، وشدة قسوته، وفيه يشتد الزكام وذلك لضعف الابدان بسبب الحر، وقد ندب الامام إلى استعمال الاشياء الباردة لتخفف من شدة الحر. قال (عليه السلام): " (ايلول): ثلاثون يوما فيه يطيب الهواء، وتقوى سلطان المرة السوداء، ويصلح شرب المسهل، وينفع فيه أكل الحلاوات واصناف اللحوم المعتدلة، كالجداوي، والحوالي من الضأن ويجتنب لحم البقر، والاكثار من لحم الشواء، ودخول الحمام ويستعمل فيه الطيب المعتدل المزاج، ويجتنب فيه أكل البطيخ والقثاء... ". أما في أيلول فقد انكسرت فيه شدة الحر، وذهبت قسوته خصوصا في أواخره فان الهواء يطيب فيه وينفع فيه أكل أنواع الحلويات بشرط أن لا يكون الشخص يبتلى
بداء السكر أو مصابا بالسمنة، فان استعمال الحلويات مضر للغاية، كما ينفع اكل اللحوم بجميع اصنافها إلا لحم البقر فانه مضر، وحذر الامام من اكل البطيخ والخيار لانهما مضران في هذا الفصل. قال (عليه السلام):
[ 214 ]
" (تشرين الاول): واحد وثلاثون يوما، فيه تهب الرياح المختلفة، ويتنفس فيه ريح الصبا، ويجتنب فيه الفصد، وشرب الدواء، ويحمد فيه الجماع، وينفع فيه أكل اللحم بالتوابل، ويقلل فيه شرب الماء، وتحمد فيه الرياضة... ". أما تشرين الاول فهو من فصول السنة الممتازة التي انطوت فيه مرارة الحر، وهبت فيه ريح الصبا، وقد حذر الامام (عليه السلام) من الفصد، فانه يعود بالضرر على الجسم، وأمر بتقليل شرب الماء كما أمر بالرياضة لانها تنفع في حيوية الجسم، وبث النشاط فيه. قال (عليه السلام): " (تشرين الثاني): ثلاثون يوما فيه يقع المطر الوسمي، ونهي فيه عن شرب الماء بالليل، ويقلل من دخول الحمام والجماع، ويشرب بكرة كل يوم جرعة ماء حار، ويجتنب أكل البقول كالكرفس والنعنع والجرجير... ". أما تشرين الثاني فهو من أطيب فصول السنة، فان الناس يستقبلون فيه الشتاء، ويقع فيه المطر الوسمي الذي هو من مصادر الخير والرحمة للناس، فمنه تخضر الارض، وتأتي ثمراتها، وينبغي لكل انسان أن يشرب جريعة من الماء الحار في صباحه المبكر ليسلم من غائلة البرد، وقد حذر الامام من أكل الكرفس وبعض الخضروات الاخرى لما فيها من الاضرار البالغة على الانسان. قال (عليه السلام): " (كانون الاول): واحد وثلاثون يوما تقوى فيه العواصف ويشتد فيه البرد،
وينفع فيه كل ما ذكر في (تشرين الثاني) ويحذر فيه من أكل الطعام البارد، ويتقى فيه الحجامة والفصد ويستعمل فيه الاغذية الحارة بالقوة والفعل ". أما شهر كانون الاول فهو أول شهور الشتاء، ويواجه الناس فيه البرد القارص، وتقوى فيه العواصف، وقد حذر الامام (عليه السلام) من تناول الاطعمة الباردة، وذلك لانها تؤثر على الصحة، ويصاب الانسان من جرائها ببعض الامراض، كما دعا إلى تناول الاغذية الحارة وذلك لما فيها من الفوائد الصحية. قال (عليه السلام): " (كانون الثاني): واحد وثلاثون يوما يقوى فيه غلبة البلغم ينبغي أن يتجرع فيه الماء الحار بالريق، ويحمد فيه الجماع، وينفع الاحساء فيه مثل البقول الحارة كالكرفس، والجرجير، والكراث، وينفع فيه دخول الحمام، والتمريخ بدهن الخيري
[ 215 ]
وما ناسبه ويحذر فيه الحلو، وأكل السمك الطري واللبن... ". أما كانون الثاني فيواجه الناس فيه قسوة البرد وشدته، وقد ندب الامام إلى شرب الماء الحار في الصباح الباكر ليتقى فيه الانسان من مخلفات البرد، كما دعا إلى استعمال البقول الحارة، وذلك لتدفئة الجسم ووقايته من البرد، كما ندب إلى دخول الحمام لان به تنشط الدورة الدموية، وحذر من أكل السمك الطري، واللبن، والحلويات فانه تضر بالبدن. قال (عليه السلام): " (شباط): ثمانية وعشرون يوما تختلف فيه الرياح، وتكثر الامطار ويظهر العشب، ويجري فيه الماء في الغور، وينفع فيه أكل الثوم، ولحم الطير والصيود والفاكهة، ويقلل من أكل الحلاوات ويحمد فيه كثرة الحركة والرياضة... ". وبدخول شباط تنتهي قسوة البرد وشدته، وتكثر فيه الامطار ويظهر العشب،
ويجرى الماء، وندب الامام إلى اكل الثوم الذي هو من اعظم البقول عائدة على جسم الانسان فهو يقي الانسان من كثير من الامراض كارتفاع الضغط الدموي، والسكر وغيرهما.. وبهذا ينتهي حديث الامام عن فصول السنة، وما ينبغي أن يستعمله الانسان من الاغذية، وما يجتنبه منها في فصولها. قال (عليه السلام): " اعلم يا أمير المؤمنين إن قوة النفس تابعة لامزجة الابدان، وان الامزجة تابعة للهواء، وتتغير بحسب الهواء في الامكنة... ". من الموكد ان قوة الفكر وسلامته تابعة لصحة الجسم، فإذا كان مصابا ومبتلى بالامراض فتضعف القوى العقلية وفي المثل " العقل السليم في الجسم السليم " كما ان من المؤكد ان طيب الهواء وعذوبته وعدم تلوثه من العناصر الاساسية في الصحة العامة. قال (عليه السلام) في صفة الشراب الحلال، وكيفية تركيبه: " صفة الشراب الذي يحل شربه، واستعماله بعد الطعام، وقد تقدم ذكر نفعه في ابتدائنا بالقول على فصول السنة، وما يعتمد فيها من حفظ الصحة، وصفته هو أن يؤخذ من الزبيب المنقى عشرة أرطال (1) فيغسل وينقع في ماء صاف في غمرة،
(1) الرطل: وزنه قرابة 340 غراما. (*)
[ 216 ]
وزيادة عليه اربع أصابع ويترك في انائه، ذلك ثلاثة في الشتاء، وفي الصيف يوم وليلة ثم يجعل في قدر نظيف، وليكن الماء ماء السماء إن قدر عليه، وإلا فمن الماء العذب الذي ينبوعه من ناحية المشرق ماء براقا، ايضا خفيفا، وهو القابل لما يعترضه على سرعة من السخونة والبرودة وتلك دلالة على صفاء الماء، ويطبخ حتى ينتفخ الزبيب وينضج ثم يعصر ويصفى ماؤه ويبرد، ثم يرد إلى القدر ثانيا ويؤخذ مقداره بعود
ويغلى بنار لينة غليانا لينا رقيقا حتى يمضي ثلثاه، ثم يؤخذ من عسل النحل المصفى رطل فيلقى عليه، ويؤخذ مقداره مقدار الماء إلى اين كان من القدر ويغلى حتى يذهب قدر العسل، ويعود إلى حده، ويؤخذ خرقة صفيقة (1) فيجعل فيها زنجيل وزن درهم (2) ومن القرنفل نصف درهم، ومن الدراجين نصف درهم ومن الزعفران درهم، ومن سنبل الطيب نصف درهم ومن الهندباء مثله، ومن مصطكى نصف درهم بعد أن يسحق الجميع كل واحدة على حدة ويجعل في الخرقة ويشد بخيط شدا جيدا وتلقى فيه وتمرس الخرقة في الشراب بحيث تنزل قوى العقاقير التي فيها ولا يزال يعاهدها بالتحريك على نار لينة برفق حتى يذهب عنه مقدار العسل ويرفع القدر، ويبرد، ويؤخذ (3) مدة ثلاثة اشهر حتى يتداخل مزاجه بعضه ببعض، وحينئذ يستعمل، ومقدارما يشرب منه اوقية إلى اوقيتين من الماء القراح فإذا اكلت يا أمير المؤمنين مقدار ما وصفت لك من الطعام فاشرب من هذا الشراب مقدار ثلاثة أقداح بعد طعامك، فإذا فعلت ذلك فقد أمنت باذن الله يومك وليلتك من الاوجاع الباردة المزمنة كالنقرس، والرياح، وغير ذلك من أوجاع العصب والدماغ، والمعدة، وبعض اوجاع الكبد والطحال والامعاء، والاحشاء فان صادفت بعد ذلك بشهوة الماء فلتشرب منه مقدار النصف مما كان يشرب قبله، فانه أصلح لبدن أمير المؤمنين، واكثر وأشد لضبطه وحفظه. فان صلاح البدن وقوامه يكون بالطعام والشراب، وفساده يكون بهما فان اصلحتهما صلح البدن، وان افسدتهما فسد البدن.... ". وصف الامام (عليه السلام) هذا الشراب بانه الشراب الحلال الذي يعود على البدن بأهم الفوائد الصحية ويقيها من كثير من الامراض وقد ذكر مواد تركيبه
(1) صفيقة: اي خفيفة. (2) وزن الدرهم 2 / 5 غراما. (3) يؤخذ: أي يترك. (*)
[ 217 ]
وكيفية صنعه، فقد حوى على عناصر مهمة في تقوية جسم الانسان كان من بينها الزبيب، وهو يحتوي على كميات كبيرة من الفيتامينات، ومن بينها العسل، وهو غني بالفيتامينات، مضافا الى العناصر الاخرى التي تضم إلى هذا الشراب ومن الجدير بالذكران الامام (عليه السلام) اعتبر النظافة الكاملة في الزبيب كما اعتبر في الماء أن يكون من ماء السماء أو من ماء عذب، حتى لا يكون ملوثا، فيسبب بعض الامراض ويذهب بفعالية هذا الشراب يقول الدكتور صاحب زيني: لهذا الشراب الحلال قيمة غذائية كبيرة لما يحويه من عناصر مفيدة تعتبر أهم مصادر ومولدات الطاقة الحرارية التي يحتاجها الجسم دائما وبصورة مستمرة، وخاصة في الفصول الباردة، اماعن سهولة هضمه، وتمثيل عناصره فحدث عنه ولا حرج، إذ يعتبر سكر العنب (سكر الكلوكوز) من اسهل المواد هضما، ومن المواد التي يأخذها يمكن الا ستغناء عن اكثر اصناف الغذاء الاخرى لسهولة تحويله إلى مادة الكلايكوجين التي تخزن في الكبد كغذاء احتياطي يمكن استعماله في اي وقت من الاوقات. ويحوي الزبيب كميات كبيرة من الحديد، ويفيد كعنصر يولد كريات الدم الحمراء، ولعلاج مرض فقر الدم، وزيادة عما لهذا الشراب من قيم غذائية عديدة، فهو من أحسن العقاقير لمداواة حالات مرضية كثيرة كسوء الهضم، وبعض حالات التهاب المعدة وتولد الغازات في المعدة والامعاء، وبعض امراض الكبد، وحالات ركود الامعاء والامساك (1). ومما قاله الامام (عليه السلام): " واعلم يا أمير المؤمنين أن النوم سلطان الدماغ، وقوام الجسد وقوته، فإذا اردت النوم فليكن اضطجاعا أولا على شقك الايمن، ثم انقلب على الايسر، وكذلك
فقم من مضجعك، ونم على شقك الايمن كما بدأت به عند نومك، وعود نفسك القعود من الليل، وادخل الخلاء لحاجة الانسان، والبث فيه بقدر ما تقضي حاجتك، ولا تطل فيه، فان ذلك يورث داء الفيل ". النوم من العناصر الاساسية لحياة الانسان، وصحة جسده فقد خلق الله في جسم الانسان بعض الاجهزة التي يتولد منها النوم، وتقوم في نفس الوقت على اعطاء
(1) طب الرضا (ص 58 - 59). (*)
[ 218 ]
الجسد الحيوية والنشاط وتزيل عنه ما عاناه جسمه في اثناء النهار من التعب والجهد وبين الامام (عليه السلام) كيفية النوم الصحية، وهي: أن ينام الانسان على شقه الايمن، فان في ذلك راحة للقلب، وسلامة للجسم كما بين (عليه السلام) كيفية الدخول إلى المرافق، وان من الحكمة أن لا يطيل الانسان المكث فيها بعد قضاء حاجته لئلا يصاب بداء الفيل. قال (عليه السلام): " واعلم يا أمير المؤمنين ان اجود ما استكث به ليف الاراك (1) فانه يجلو الاراك، ويطيب النكهة، ويشد اللثة، وهو نافع من الحفر (2) إذا كان ذلك باعتدال، والاكثار منه يرق الاسنان، ويزعزعها ويضعف أصولها. فمن اراد حفظ الاسنان فليأخذ قرن الايل (3) محرقا وكزمازجار (4) وسعدا ووردا، وسنبل الطيب، وحب الاثل (5) جزاء سواء، وملحا اندرانيا (6) ربع جزء، فيدق الجميع ناعما ويستن به، فانه يمسك الاسنان، ويحفظ أصولها من الآفات العارضة، ومن أراد أن تبيض أسنانه فليأخذ جزءا من ملح اندراني، ومثله زبد البحر فيسحقهما ناعما، ويستن به.. " عرض الامام إلى طب الاسنان، وقد ذكر وصفتين لاصلاح الاسنان، الاولى:
السواك بعود الاراك، وهو من أجود الوصفات في اصلاح الاسنان، فقد حلل هذا العود فتبين أنه من اروع الادوية لتطهير الاسنان وصيانتها من الاصابة بالامراض، وانه اصلح بكثير من المعاجن الحديثة (7). الوصفة الثانية: هي المعجون، وقد ذكر الامام (عليه السلام) الاجزاء التي يتألف منها، وهو مما يقضي على تسوس الاسنان.
(1) ليف الاراك: اراد به غصن الاراك. (2) الحفر: داء يصيب الاسنان. (3) الايل: الوعل وهو تيس الجبل. (4) الكزمازج: ثمرة شجرة الطرفاء. (5) حب الاثل: ثمرة شجرة الطرفاء. (6) الملح الاندراني: يشبه البلور. (7) القى ذلك من دار الاذاعة البريطانية. (*)
[ 219 ]
قال: " واعلم يا أمير المؤمنين إن أحوال الانسان التي بناها الله تعالى عليها، وجعله متصرفا بها أربعة أحوال: الحالة الاولى: خمس عشرة سنة، وفيها شبابه، وحسنه وبهاؤه، وسلطان الدم في جسمه، ثم الحالة الثانية من خمس عشرة سنة إلى خمس وثلاثين سنة، وفيها سلطان المرة الصفراء، وقوة غلبتها على الشخص وهي أقوى ما يكون، ولا يزال كذلك حتى يستوفي المدة المذكورة وهي خمس وثلاثون سنة، ثم يدخل في الحالة الثالثة إلى ان تتكامل مدة العمر ستون سنة، فيكون في سلطان المرة السوداء وهي سن الحكمة والمعرفة، والدراية، وانتظام الامور وصحة في العواقب، وصدق الرأي، وثبات الجأش في التصرفات، ثم يد خل في الحالة الرابعة وهي
سلطان البلغم وهي الحالة التي يتحول عنها ما بقي إلى الهرم ونكد العيش، وذبول ونقص في القوة، وفساد في تكونه، واستنكار كل شئ كان يعرف من نفسه حتى صار ينام عند القوم ويسهر عند النوم ويتذكر ما تقدم وينسى ما يحدث في الاوقات ويذبل عوده ويتغير معهوده ويجف ماء رونقه وبهاؤه ويقل نبت شعره واظفاره ولا يزال جسمه في انعكاس وادبار ما عاش لانه في سلطان البلغم، وهو بارد وجامد، فجموده وبرده يكون فناء كل جسم تستولي عليه في الاخير القوة البلغمية... ". حكى هذا المقطع الادوار من عمر الانسان، وهي أربعة أدوار، الدور الاول يبدأ من ولادته وينتهي ببلوغه الخامسة عشرة، وهو دور الصبا، وبداية الشباب الذي هو من اروع ادوار العمر، ومن أكثر ها حيوية. الدور الثاني: ويبدأ من الخامسة عشر، وينتهي بالخامسة والثلاثين وهو من اروع فترات العمر ففيه تتكامل قوة الانسان، ونشاطه وبهاؤه. الدور الثالث: ويبدأ من الخامسة والثلاثين، وينتهي بالستين وفي هذا الدور تتكامل معرفة الانسان، وتنظم فيه أموره، وذلك من خلال تجاربه للامور، ومعرفته بالاحداث ففي هذا السن يكمل نشاطه الفكري الا ان قواه الجسمية تضعف. الدور الرابع: ويبدأ من الستين حتى يوافيه الاجل المحتوم ففي هذا السن تضعف جميع أجهزته وخلاياه، وتنحل قواه، ويكون عالة على غيره خصوصا إذا أخذ الثمانين عاما، فتكثر شكواه، وأنينه يقول الشاعر: ان الثمانين وبلغتها * قد احوجت سمعي إلى ترجمان وفي المثل ان الشيخوخة سحابة تمطر بالامراض، ان الجسم في هذه السن - كما
[ 220 ]
يقول الامام - يذبل عوده، ويجف ماء رونقه، وهو دور فنائه.
قال (عليه ا لسلام): " وقد ذكرت لامير المؤمنين جميع ما يحتاج إليه في سياسة المزاج، وأحوال جسمه، وعلاجه، وأنا اذكر ما يحتاج إلى تناوله من الاغذية والادوية وما يجب أن يفعله في أوقاته. فإذا اردت الحجامة فليكن في اثنتي عشر ليلة من الهلال إلى خمس عشرة، فانه اصلح لبدنك، فإذا نقص الشهر فلا تحتم إلا أن تكون مضطرا إلى ذلك، وهو لان الدم ينقص في نقصان الهلال، ويزيد في زيادته ولتكن الحجامة بقدر ما يمضي من السنين، فابن عشرين سنة يحتجم في كل عشرين يوما، وابن الثلاثين في كل ثلاثين يوما مرة واحدة، وكذلك من بلغ من العمر اربعين سنة يحتجم في كل اربعين يوما مرة، وما زاد فبحسب ذلك. واعلم يا أمير المؤمنين ان الحجامة انما يؤخذ دمها من صغار العروق المبثوثة في اللحم، ومصداق ذلك ما ذكرته أنها لا تضعف القوة، كما يوجد من الضعف عند الفصد، وحجامة النقرة (1) تنفع من ثقل الرأس، وحجامة الاخدعين (2) تخفف عن الرأس والوجه والعينين، وهي نافعة لوجع الاضراس، وربما ناب الفصد عن جميع ذلك، وقد يحتجم تحت الذقن لعلاج القلدع (3) في الفم، ومن فساد اللثة، وغير ذلك، من أوجاع الفم، وكذلك الحجامة بين الكتفين تنفع من الخفقان الذي يكون من الامتلاء والحرارة، والذي يوضع على الساقين قد ينقص من الامتلاء نقصانا بينا، وينفع من الاوجاع المزمنة في الكلى والمثانة والارحام، ويدر الطمث، غير انها تنهك الجسد وقد يعرض منها الغشى الشديد إلا انها تنفع ذوي البثور والدماميل. والذي يخفف من الم الحجامة تخفيف المص عند أول ما يضع المحاجم ثم يدرج المص قليلا، والثواني أزيد في المص من الاوايل، وكذلك الثوالث فصاعدا، ويتوقف عن الشرط حتى يحمر الموضع جيدا بتكرير المحاجم عليه، ويلين المشراط
على جلود لينة، ويمسح الموضع قبل شرطه بالدهن وكذلك الفصد فانه يقلل الالم،
(1) النقرة: حفرة في القفا فوق فقرات العنق باربع اصابع. (2) الاخدعان: عرقان خلف العنق من يمينه وشماله في صفحتي العنق. (3) القلاع: قرحة في جلد الفم واللسان. (*)
[ 221 ]
وكذلك يلين المشرط والمبضع عند الحجامة، وعند الفراغ منها يلين الموضع بالدهن، ويقطر على العروق إذا فصد شيئا من الدهن لكيلا يحتجب فيضر ذلك بالمفصود، وليعمد الفاصد أن يفصد من العروق ما كان في المواضع القليلة اللحم لان في قلة اللحم من فوق العروق قلة الالم، واكثر العروق الما إذا فصد حبل الذراع (1) والقيفال (2) لاتصالهما بالعضد (3) وصلابة الجلد فأما الباسليق (4) والاكحل فأنهما في الفصد أقل الما، إذا لم يكن فوقهما لحم، والواجب تكميد (5) موضع الفصد بالماء الحار ليظهر الدم وخاصة في الشتاء فانه يلين الجلد، ويقلل الالم، ويسهل الفصد، ويجب في كل ما ذكرناه من اخراج الدم اجتناب النساء قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة. ويحتجم في يوم صاح، صاف لا غيم فيه، ولا ريح شديدة، ويخرج من الدم بقدر ما يرى من تغيره، ولا تدخل يومك ذلك الحمام فانه يورث الداء، وصب على رأسك وجسدك الماء الحار، ولا تفعل ذلك من ساعتك. وإياك والحمام إذا احتجمت فان الحمى الدائمة تكون فيه، فإذا اغتسلت من الحجامة فخذ خرقة مرغزي (6) فالقها على محاجمك أو ثوبا لينا من قز أو غيره، وخذ قدر حمصة من الترياق الاكبر (7) واشربه ان كان شتاء، وان كان صيفا فاشرب السكنجين العنصلي (8)، وامزجه بالشراب المفرح المعتدل، وتناوله، أو بشراب الفاكهة، وان تعذر ذلك فشراب الاترج، فان لم تجد شيئا فتناوله - أي الاترج - بعد علكه ناعما تحت الاسنان، واشرب عليه جرع الماء الفاتر. وان كان ذلك في زمان الشتاء والبرد فاشرب عليه السكنجين العسلي فانك متى فعلت ذلك أمنت من اللقوة
والبرص والبهق والجذام باذن الله تعالى وامتص من الرمان فانه يقوي النفس ويحيى الدم ولا تأكل طعام مالحا بعد ذلك بثلاث ساعات فانه يخاف أن يعرض من
(1) حبل الذراع: الوريد الذي يمتد من الساعد إلى الاعلى. (2) القيفال: الوريد الذي يظهر عند المرفق. (3) في نسخة (بالعضل) والصحيح العضد. (4) الباسليق: الوريد الظاهر من المرفق إلى الساعد. (5) التكميد: هو لف العضو بلفاف ونحوه. (6) المرغزي: هو الزغب الذي تحت شعر العنز. (7) الترياق الاكبر: هو من الادوية القديمة. (8) العنصلي: هو البصل البري، ولعل الصحيح العسلي. (*)
[ 222 ]
ذلك الجرب، وإن شئت فكل من الطياهيج (1) إذا احتجمت، واشرب عليه من الشراب المزكى الذي ذكرته أولا، وادهن بدهن الخيري أو شئ من المسك وماء الورد، وصب منه على هامتك ساعة فراغك من الحجامة. وأما في الصيف فإذا احتجمت فكل السكباج (2) والهلام (3) والمصوص (4) والحامض، وصب على هامتك دهن البنفسج بماء الورد، وشيئا من الكافور، واشرب من ذلك الشراب الذي وصفته لك بعد طعامك، وإياك وكثرة الحركة والغضب، ومجامعة النساء ليومك.... ". عرض الامام (عليه السلام) في هذا المقطع للحجامة التي تعود على البدن باعظم الفوائد، وتعيد له نشاطه، وتنفي عنه الاسقام والامراض، فهي أعظم وصفة، واكثرها نجاحا للمصابين بارتفاع الضغط الدموي، فالدم الذي يخرج انما يخرج من صغار العروق المبثوثة في اللحم - على حد تعبير الامام - وهو لا يوجب ضعفا في البدن، وقد ذكر الامام بعض الامراض التي تعالج بالحجامة وهي:
أ - احتقان الاسنان واللثة. ب - امراض الكلى المزمنة والمثانة والرحم. ج - قلة الحيض. د - البثور والدمامل. وقد وصف الامام عملية الحجامة، واحاط بجميع جوانبها، وما ينبغي أن يستعمله الانسان بعدها، وما ينبغي له تركه من الاطعمة والاشربة. كما عرض الامام إلى الفصد، وذكر الاوردة التي تفصد كحبل الذراع والقيفال، وذكر ايضا ما ينبغي استعماله بعد الفصد من شرب بعض المشروبات المنعشة، كما منع من بعض الاطعمة التي تسبب بعض المخاطر. قال (عليه السلام): " واحذر يا أمير المؤمنين أن تجمع بين البيض والسمك في المعدة في وقت واحد
(1) الطباهيج: نوع من الطيور. (2) السكباج: حساء مع الخل. (3) الهلام: هو ا لسكباج المصفى من الدهن، أو لحم البقر والعجل والمعز يسلق بماء الملح، ثم يؤخذ اللحم المسلوق، ويوضع على البقول المسلوقة مع الخل. (4) المصوص: لحم يطبخ ويوضع في الخل أو لحم الطير خاصة. (*)
[ 223 ]
فانهما متى اجتمعا في جوف الانسان ولد عليه النقرس والقولنج والبواسير، ووجع الاضراس. واللبن والنبيذ الذي يشربه أهله إذا اجتمعا ولدا النقرس والبرص، ومداومة أكل البصل (1) يعرض منه الكلف (2) في الوجه واكل الملوحة، واللحمان المملوحة، وأكل السمك المملوح بعد الفصد والحجامة يعرض منه البهق والجرب، وأكل كلية الغنم واجواف الغنم يعكر المثانة. ودخول الحمام على البطنة يولد القولنج، والاغتسال بالماء البارد بعد أكل
السمك يورث الفالج، وأكل الاترج في الليل يقلب العين، ويوجب الحول، واتيان المرأة الحائض يورث الجذام في الولد. والجماع ؟ ؟ من غير اهراق الماء على أثره (3) يوجب الحصاة، والجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث الولد الجنون، وكثرة أكل البيض (4) وادمانه يولد. الطحال، ورياحا في رأس المعدة والامتلاء من البيض المسلوق يورث الربو والانبهار (5) واكل اللحم النئ يولد الدود في البطن، وأكل التين يقل منه الجسد إذا أدمن عليه. وشرب الماء البارد عقيب الشئ الحار والحلاوة يذهب بالاسنان، والاكثار من اكل لحوم الوحش والبقر يورث تغيير العقل، وتحير الفهم، وتبلد الذهن، وكثرة النسيان ". حذر الامام (عليه السلام) - في هذا المقطع - من الجمع بين الوان من الاطعمة في الاكل، وذلك لما تورثه من الامراض، وكان من بين ما حذر منه الجمع بين أكل السمك والبيض، وذلك لما يعقبه من الامراض التالية: 1 - داء النقرس. 2 - القولنج. 3 - البواسير.
(1) في نسخة البيض. (2) الكلف: مرض يعلو الوجه. (3) اهراق الماء: أراد به عدم البول بعد العملية الجنسية. (4) في نسخة البصل. (5) الانبهار: ضيق النفس. (*)
[ 224 ]
4 - وجع الاضراس. كما حذر من تناول الطعام المالح لانه يؤدي إلى تصلب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم. وكان من بين ما حذر منه الامام شرب الماء البارد عقيب الشئ الحار أو عقيب اكل الحلويات، فانه يوجب تدمير الاسنان كما أكد ذلك اطباء الاسنان، فقد ذكروا ان ذلك مما يوجب تدمير الاسنان. لقد حوى المقطع على فوائد صحية في غاية الاهمية لو أخذ بها الناس لاصبح الطب وقائيا، وما احتاجوا إلى عيادة الاطباء. قال (عليه السلام): " وإذا أردت دخول الحمام، وأن لا تجد في رأسك ما يؤذيك فابدأ عند دخول الحمام بخمس أكف ماء حارتصبها على رأسك فانك تسلم إن شاء الله تعالى من وجع الرأس والشقيقة. واعلم يا أمير المؤمنين ان الحمام ركب على تركيب الجسد، للحمام اربعة بيوت مثل طبايع الجسد، البيت الاول: - وهو المسلخ الذي ينزع فيه الثياب - بارد يابس، والثاني: بارد رطب، والثالث: حار رطب، والرابع: حار يابس، ومنفعة الحمام عظيمة يؤدي إلى الاعتدال، وينقي الدرن، ويلين العصب والعروق، ويقوي الاعضاء الكبار، ويذيب الفضول، ويذهب العفن. فإذا أردت أن لا يظهر في بدنك بثرة ولا غيرها فابدأ عند دخول الحمام بدهن بدنك بدهن البنفسج، وإذا أردت استعمال النورة، ولا يصيبك قرح، ولا شقاق ولا سواء فاغتسل بالماء البارد قبل أن تتنور، ومن أراد دخول الحمام للنورة، فليجتنب الجماع قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة، وهو تمام يوم، وليطرح في النورة شيئا من الصبر والاقاقيا (1) والحضض، أو يجمع ذلك ويأخذ منه اليسير إذا كان مجتمعا أو متفرقا،
ولا يلقي في النورة شيئا من ذلك حتى تماث النورة بالماء الحار الذي طبخ فيه بابونج ومرزنجوش أو ورد بنفسج يابس أو جميع ذلك اجزاء يسيرة مجموعة أو متفرقة بقدر ما يشرب الماء رائحته، وليكن الزرنيخ مثل سدس النورة، ويدلك الجسد بعد الخروج منها بشئ يقلع رائحتها كورق الخوج، وثجير العصفر، والحناء والورد، والسنبل
(1) الاقاقيا: الشوكة المصرية. (*)
[ 225 ]
مفردة أو مجتمعة. ومن أراد أن يأمن من احراق النورة فليقلل من تقليبها، وليبادر إذا عمل في غسلها، وأن يمسح البدن بشئ من دهن الورد، فان أحرقت البدن - والعياذ بالله - يؤخذ عدس مقشر، ويسحق ويداف في ماء ورد وخل ويطلى به الموضع الذي أثرت فيه النورة، فانه يبرأ بإذن الله تعالى... والذي يمنع من آثار النورة في الجسد هو أن يدلك الموضع بخل العنب الثقيف، ودهن الورد دلكا جيدا... ". الحمام ضرورة ملحة للانسان لا غنى له عنه، فيه نظافته، وسلامة بدنه من الاوساخ، والاقذار، التي تسبب الامراض الجلدية، وقد تحدث عنه سليل النبوة، ومعدن العلم والحكمة عن جميع نواحيه ووجوهه، ومنافعه التي منها اعتدال البدن، ونقايته من الدرن وذهاب العفن. إن حديث الامام (عليه السلام) عن الحمام كان حديثا مفصلا لانه من الوسائل الصحية، ومن مصادر الطهارة والنظافة التي تزيل ما ران على الجسد من الاوساخ الخارجية، وافرازات الدهن السطحية كما تحدث (عليه السلام) بصورة شاملة عن النورة التي يزال بها الشعر المتراكم في البدن، والتي يؤدي ازالته إلى انعاش البدن، ونظافته. قال (عليه السلام):
" ومن أراد أن لا يشتكي مثانته فلا يحبس البول، ولو على ظهر دابته. ومن أراد أن لا تؤذيه معدته فلا يشرب بين طعامه ماء حتى يفرغ، ومن فعل ذلك رطب بدنه، وضعفت معدته، ولم تأخذ العروق قوة الطعام فانه يصير في المعدة فجا إذا صب الماء على الطعام أولا فأولا. ومن أراد أن لا يجد الحصاة وحصر البول فلا يحبس المني عند نزول الشهوة، ولا يطل المكث عند النساء. ومن أراد أن يأمن من وجع السفل، ولا يظهر به وجع البواسير فليأكل كل ليلة سبع ثمرات برني بسمن البقر، ويدهن بين انثييه بدهن زنبق خالص. ومن أراد أن يزيد حافظته فليأكل سبع مثاقيل زبيب على الريق ومن أراد أن يقل نسيانه ويكون حافظا فليأكل كل يوم ثلاث قطع زنجبيل مربى بالعسل،
[ 226 ]
ويصطبغ (1) بالخردل مع طعامه في كل يوم، ومن أراد أن يزيد في عقله يتناول كل يوم ثلاث هيليجا بسكر ابلوج (2) ومن أراد أن لا ينشق ظفره، ولا يميل إلى الصفرة، ولا يسود حول ظفره فلا يقلم ظفره إلا يوم الخميس، ومن أراد أن لا تؤلمه أذنه فليجعل فيها عند النوم قطنة. ومن أراد ردع الزكام مدة أيام الشتاء فليأكل كل يوم ثلاث لقم من الشهد... ". عرض الامام (عليه السلام) في هذا المقطع إلى وصايا صحية بالغة الاهمية، فقد اعطى وصفات صحية للسلامة والوقاية من كثير من الامراض كان منها: 1 - سلامة الجهاز البولي. 2 - سلامة المعدة. 3 - الوقاية من الحصاة.
4 - الوقاية من البواسير. إلى غيرذلك من الوصايا التي تتضمن سلامة البدن من الاصابة بالامراض. قال (عليه السلام): " واعلم يا أمير المؤمنين أن للعسل دلائل يعرف بها نافعه من ضاره، وذلك ان منه شيئا إذا أدركه الشم عطس، ومنه شئ يسكر، وله عند الذوق حرقة شديدة فهذه الانواع من العسل قاتلة. ولا يؤخر شم النرجس فإنه يمنع الزكام في مدة أيام الشتاء، وكذلك الحبة السوداء، وإذا خاف الانسان الزكام في أيام الصيف فليأكل كل يوم خيارة، وليحذر الجلوس في الشمس. ومن خشي الشقيقة (3) والشوصة (4) فلا يؤخر أكل السمك الطري صيفا أو شتاء، ومن أراد أن يكون صالحا خفيف الجسم واللحم فليقلل من عشائه بالليل، ومن أرد أن لا يشتكي سرته فليدهنها متى دهن رأسه، ومن أراد أن لا تشقق شفتاه،
(1) مصطبخ: أي يجعله صبغا واداما. (2) سكر ابلوج: نبات. (3) الشقيقة: وجع يصيب نصف الرأس والوجه. (4) الشوصة: وجع في البطن أو ريح تعقب في الاضلاع. (*)
[ 227 ]
ولا يخرج فيها باسور (1) فليدهن حاجته من دهن رأسه، ومن أراد أن لا تسقط اذناه (2) ولهاتاه فلا يأكل حلوا حتى يتغرغر بعده بخل، ومن أراد أن لا يصيبه اليرقان فلا يدخل بيتا في الصيف أول ما يفتح بابه، ولا يخرج منه أول ما يفتح بابه في الشتاء غدوة، ومن أراد أن لا يصيبه ريح في بدنه فليأكل الثوم كل سبعة أيام مرة، ومن أراد أن لا تفسد أسنانه فلا يأكل حلوا إلا بعد كسرة خبز، ومن أراد أن يستمري طعامه فليتكئ بعد الاكل على شقه الايمن، ثم ينقلب بعد ذلك على شقه الايسر حتى ينام،
ومن أراد أن يذهب البلغم من بدنه، وينقصه فليأكل كل يوم بكرة شيئا من الجوارش (3) الحريف، ويكثر دخول الحمام ومضاجعة النساء، والجلوس في الشمس، ويجتنب كل بارد من الاغذية فانه يذهب البلغم ويحرقه، ومن أراد أن يطفئ لهب الصفراء فليأكل كل يوم شيئا رطبا باردا ويروح بدنه، ويقل الحركة، ويكثر النظر إلى من يحب. ومن أراد ان يحرق السوداء فعليه بكثرة القئ وفصد العروق، ومداومة النورة، ومن أراد أن يذهب بالريح البارد فعليه بالحقنة، والادهان اللينة على الجسد وعليه بالتكميد بالماء الحار بالابزن (4) ومن اراد أن يذهب عنه البلغم فليتناول بكرة كل يوم من الاطريفل الصغير مثقالا واحدا... ". عرض الامام (عليه السلام) في اكثر فصول هذا المقطع إلى صحة اعضاء الانسان، فوضع الوصفات الصحية لسلامتها ووقايتها من الاصابة بالامراض، فقد وضع الاسس الكفيلة للوقاية من الزكام الذي هو فاتحة الامراض وقد اعطى الوصفة في الشتاء، ووصفة أخرى في أيام الصيف. لقد أبدى الامام (عليه السلام) نصائحه الطبية لسلامة أجهزة بدن الانسان، ووضع لها الوصفات الناجحة التي تحسم الداء. قال (عليه السلام): " واعلم يا أمير المؤمنين أن المسافر ينبغي له أن يتحرز من الحر إذا سافر وهو ممتلئ من الطعام، ولا خالي الجوف، وليكن على حد الاعتدال، وليتناول من الاغذية
(1) في نسخة باثور وهو الاصح. (2) سقوط الاذن واللهاة تراخيهما ولعله يريد بالاذن اللوزيتين. (3) الجوارش الحريف: كالكمون والفلافل واشباههما. (4) الابزن: ظرف فيه ماء حار توضع فيه الادوية الخاصة لجلوس المريض فيه. (*)
[ 228 ]
الباردة مثل الغريض (1) والهلام، والخل والزيت وماء الحصرم ونحو ذلك من الاطعمة الباردة. واعلم يا أمير المؤمنين أن السير الشديد في الحر الشديد ضار بالابدان المنهوكة إذا كانت خالية من الطعام، وهو نافع بالابدان الخصبة، وأما صلاح المياه للمسافر، ودفع الاذى عنه فهو أن لا يشرب من ماء كل منزل يرده إلا بعد أن يمزجه بماء المنزل الذي قبله أو بشراب واحد غير مختلف يشوبه بالمياه على اختلافها، والواجب أن يتزود المسافر من تربة وطنه التي ربي عليها، وكل ما ورد إلى منزل طرح في انائه الذي يشرب منه الماء شيئا من الطين الذي تزوده من بلده، ويشوب الماء بالطين في الآنية بالتحريك، ويؤخر قبل شربه حتى يصفو صفاء جيدا، وخير الماء شربا لمن هو مقيم أو مسافر ما كان ينبوعه من الجهة الشرقية من الخفيف الابيض، وأفضل المياه ما كان مخرجها من مشرق الشمس الصيفي، واصحها وافضلها ما كان بهذا الوصف الذي نبع منه، وكان مجراه في جبال الطين وذلك لانها تكون في الشتاء باردة، وفي الصيف ملينة للبطن نافعة لاصحاب الحرارات. وما الماء المالح والمياه الثقيلة فانها تيبس البطن، ومياه الثلوج والجليد ردية لساير الاجساد، وهي كثيرة الضرر جدا. وأما مياه السحب فانها خفيفة عذبة صافية نافعة للاجسام إذا لم يطل خزنها وحبسها في الارض. وأما مياه الجب فانها عذبة نافعة إن دام جريها، ولم يدم حبسها في الارض، واما البطايح والسباخ فانها حارة غليظة في الصيف لركودها، ودوام طلوع الشمس عليها وقد يتولد من دوام شربها المرة الصفراوية، وتعظم به اطلحتهم... ". ووضع الامام (عليه السلام) البرامج الحية لسلامة المسافر ووقايته من الامراض فقد اوصى بعدم السفر إذا كان الشخص ممتلئ البطن فان ذلك لا يساعده
على جهد السفر وعنائه، كما ينبغي أن لا يكون خالي الجوف فانه لا يقوى على السفر، ونهى الامام عن السفر في الحر الشديد فان ذلك يعرض المسافر للخطر. كما عرض الامام (عليه السلام) إلى المياه فذكر انواعها، وما ينبغي أن يشرب
(1) الغريض: اللحم الطري. (*)
[ 229 ]
منها، وما ينبغي أن لا يشرب لانه مما يضر بالصحة العامة لقد كان وصف الامام للمياه وصفا دقيقا، لم يسبق أن عرض لها بهذه الكيفية غيره. قال (عليه السلام): " وقد وصفت لك يا أمير المؤمنين فيما تقدم من كتابي هذا ما فيه كفاية لمن أخذ به، وانما اذكر أمر الجماع، فلا تدخل النساء من أول الليل صيفا، ولا شتاء، وذلك لان المعدة والعروق تكون ممتلية، وهو غير محمود، ويتولد منه القولنج والفالج واللقوة، والنقرس، والحصاة والتقطير، والفتق، وضعف البصر، ورقنه، فإذا اردت ذلك فليكن في آخر الليل فانه أصلح للبدن، وارجى للولد وأزكى للعقل في الولد، الذي يقضي الله بينهما. ولا تجامع امرأة حتى تلاعبها، وتكثر ملاعبتها، وتغمز ثدييها فانك إذا فعلت ذلك غلبت شهوتها، واجتمع ماؤها لان ماءها يخرج من ثدييها، والشهوة تظهر من وجهها وعينيها، واشتهت منك مثل الذي تشتهيه منها، ولا تجامع النساء إلا وهي طاهرة، فإذا فعلت ذلك، فلا تقم قائما ولا تميل جالسا، ولكن تميل على يمينك، ثم انهض للبول إذا فرغت من ساعتك شيئا، فانك تأمن من الحصاة بإذن الله تعالى. ثم اغتسل واشرب من ساعتك شيئا من الموميائي بشراب العسل أو بعسل منزوع الرغوة، فانه يرد من الماء مثل الذي خرج منك. واعلم يا أمير المؤمنين أن جماعهن، والقمر في برج الحمل أو الدلو من البروج
أفضل، وخير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه شرف القمر (1). ومن عمل فيما وصفت في كتابي هذا، ودبر به جسده أمن بأذن الله تعالى من كل داء، وصح جسمه بحول الله وقوته، فان الله يعطي العافية لمن يشاء ويمنحها أياه والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا... ". وتناول الامام (عليه السلام) - في هذا المقطع - الحياة الجنسية، وقد ادلى بكثير من الجوانب المهمة التي يجهلها الناس، فقد حذر من اتيانها في أول الليل، وذلك لما يترتب عليها من الاضرار التي منها الاصابة بما يلي: أ - بالقولنج.
(1) قال المجلسي: ولعل ذكر هذه الامور - إن كان منه - لبعض المصالح موافقة لما اشتهر في ذلك الزمام عند المأمون واصحابه من العمل باراء الحكماء. (*)
[ 230 ]
ب - الفالج. ج - اللقوة. د - النقرس. ه - الحصاة. و - الفتق. ز - ضعف البصر. ودعا إلى استعمالها في الهزيع الاخير من الليل، كما نبه على كثير من الفوائد. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن هذه الرسالة الذهبية التي هي من ذخائر كتب الطب. 3 - صحيفة الرضا (عليه السلام): من مؤلفات الامام الرضا (عليه السلام) هذه الرسالة الغراء التي سميت
ب (صحيفة الرضا) وسماها فريق من الرواة ب (مسند الامام الرضا) وهذه التسمية أقرب إلى وضع الكتاب لانه حوى بعض ما يرويه من الاخبار عن جده النبي (صلى الله عليه وآله)، وعن آبائه الائمة الطاهرين (عليهم السلام)، وقد نص جمهرة من المحققين على أن هذه الرسالة من مؤلفات الامام (عليه السلام) (1). وعلى أي حال فان هذه الرسالة من ذخائر النبوة، وكنوز أهل البيت ومواريث الائمة التي بلغت من علو الاسناد ذروة الشرف، وكاهل العز - كما يقول الدكتور حسين علي محفوظ (2). ونحن ننقل بعض هذه الرسالة عن نسخة طبعت في القاهرة بمطبعة المعاهد بجوار الازهر سنة (1340 ه) وقد طبعها العلامة عبد الواسع بن يحيى الواسمي، ورتبها على عشرة أبواب، وهي:
(1) كشف الظنون 2 / 1076، هداية العارفين 1 / 668، معجم المؤلفين 7 / 250، الذريعة 15 / 17 - 18، كشف الحجب والاستار (ص 366 - 367) البحار 1 / 11، مستدرك الوسائل 3 / 344 النجاشي (ص 159) الامالي، التوحيد، العيون وغيرها. (2) صحيفة الرضا (ص 2). (*)
[ 231 ]
الباب الاول في الذكر وبعد مقدمة ذكرها الشيخ عبد الواسع تتعلق بضرورة ذكر السند، قال: أروي هذه الصحيفة بالسند الصحيح المتصل إلى الامام القاسم بن محمد (عليه السلام) عن شيخه السيد أمير الدين بن عبد الله عن السيد أحمد بن عبد الله الوزير عن الامام المطهر بن محمد بن سليمان عن الامام المهدي أحمد بن يحيى عن سليمان بن ابراهيم بن عمر العلوي عن أبيه ابراهيم عن رضاء الدين ابراهيم بن
محمد الطبري عن الامام نجم الدين التبريزي عن (الحافظ ابن عساكر) عن زاهر السنحاني عن (الحافظ البيهقي): 1 - عن أبي القاسم المفسر عن ابراهيم بن جعدة عن أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، قال: حدثني علي بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة (194 ه) قال: حدثني أبي موسى بن جعفر قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال حدثني أبي علي بن الحسين، قال، حدثني أبي الحسين بن علي، قال حدثني أبي علي بن أبى طالب سلام الله عليهم أجمعين آمين إلى يوم الدين، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يقول الله تعالى: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي... ". (1). ان هذه الكلمة المشرقة هي سر الوجود، ومصباح المتقين، ودليل العارفين فمن قالها عن معرفة وايمان دخل حصن الله الذي من دخله فاز برضوان الله تعالى وأمن من عذابه. 2 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من أنعم الله عليه بنعمة فليحمد الله عليها، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومن أحزنه أمر فليقل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.... ". إن ذكر الله تعالى، والانقطاع إليه يستوجب المزيد من نعمه، والطافه، ومن قال هذه الكلمات في هذه المواضع شملته رحمة الله، وظفر بالخير العميم.
(1) في رواية الطبرسي بشرطها وشروطها وأنا من شروطها " وسنتكلم عن هذا الحديث الشريف في بعض غضون هذا الكتاب. (*)
[ 232 ]
3 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
" الايمان اقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالاركان... ". الايمان شعلة من النور تضئ القلب، وتسري سريان الحياة في نفوس المتقين والعارفين، وتستولي على عواطفهم ومشاعرهم. 4 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله: " ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السموات، والارض من دونه فان سألني لم اعطه، وان دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي إلا ضمنت السموات والارض برزقه فان سألني اعطيته، وان دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له.... ". لقد خاب، وباء بالفشل والخسران، من يرجو غير الله تعالى الذي بيده مجريات الاحداث يقول بعض الشعراء: تربت يد سألت سواك وأجدبت * أرض بغير سحاب جودك توسم فالعز إلا من لديك محرم * والمال إلا من يديك محرم ان العبد إذا انقطع إلى الله، واعتصم به، فقد ظفر بالخير، وفاز بالنعم في دنياه وآخرته. 5 - وباسناده قال: حدثني علي بن الحسين (عليه السلام)، أن يهوديا سأل علي ابن أبي طالب (عليه السلام) قال: اخبرني عما ليس لله وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله ؟ فقال علي (عليه السلام): أما مالا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود عزير ابن الله، والله لا يعلم له، ولدا، وأما ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعبيد، وأما ما ليس لله فليس لله شريك، قال اليهودي، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله... ". ان الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله) وهو عملاق هذه الامة، ورائد نهضتها الفكرية والعلمية، ومن المقطوع به أنه
لو ثنيت له الوسادة، وتسلم قيادة الحكم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لما بقي يهودي، ولا نصراني، ولا مجوسي، الا ودخلوا في حظيرة الاسلام، وانتهلوا من نميره العذب. 6 - وباسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أفضل الاعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور، وأول من يدخل الجنة
[ 233 ]
شهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده ورجل عفيف متعفف ذو عيال، وأول من يدخل النار إمام مسلط لم يعدل، وذو ثروة من المال لم يقض حقه وفقير فخور... ". وألم هذا الحديث الشريف بأفضل الاعمال، واكثرها مثوبة وأجرا عند الله تعالى، وهو الايمان بالله تعالى الذي لا يخامره شك، والغزو الذي لا غلول فيه وانما يقصد فيه نشر كلمة الله في الارض، وحج بيت الله الحرام. كما حكى هذا الحديث الشريف أفضل الرجال عند الله تعالى، واكرمهم عليه، وهم: الشهداء في سبيل الله لا في سبيل مغنم أو شئ من متع الحياة، والعبد المملوك المؤمن بربه والناصح لسيده، والرجل العفيف ذو العيال الذي يسعى لا عاشة عياله. وحكى هذا الحديث ايضا ابغض الرجال إلى الله، والذين يستحقون نار حهنم، وأول من يدخلونها من العصاة والمجرمين: الحاكم الذي يظلم عباد الله، ولا يسير بين الناس بالحق والعدل وصاحب الثراء العريض الذي يبخل بحقوق الله، ولا يسعف الفقير، والفقير الفخور الذي يفخر بنفسه وأسرته، ويتجبر ويتكبر على خلق الله. 7 - وباسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من حفظ على أمتي
أربعين حديثا، ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما... ". إن الاحاديث النبوية شعلة من النور تهدي الحائر، وترشد الضال وتنير الطريق لانها من ينابيع الحكمة، فمن اذاعها بين المسلمين فقد ساهم في بناء الفكر الاسلامي، وقد وعده الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يبعثه الله يوم القيامة فقيها عالما. 8 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من أفتى الناس بغير علم لعنته السموات والارض.... ". ان من اكثر الجرائم بشاعة، واكثرها اثما فتوى الناس بغير علم فانه تضليل للناس، واشاعة للكذب، وافتراء على الله. 9 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " التوكل، والتوحيد نصف الدين، واستنزلوا الرزق من عند الله بالصدقة... ".
[ 234 ]
ان التوكل على الله، والاقرار له بالتوحيد انما هو من صميم الدين، وعنصر أساس في كيانه.... وحث الامام على الصدقة لان بها اسعافا للفقراء والمحرومين، ووعد المتصدق بان الله تعالى يمنحه الرزق والعطاء. 10 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ان موسى بن عمران سأل ربه فقال: بعيد أنت يا رب فأناديك أم قريب فأناجيك، فأوحى الله إليه يا موسى أنا جليس من ذكرني.. ". إن الله تعالى قريب لكل من يناجيه، ويدعوه، وينجب ؟ إليه فيشمله برحمته، ولطفه. 11 - وباسناده قال (عليه السلا م): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " دعاء أطفال أمتي مستجاب، ما لم يقارفوا الذنوب... ". إن دعاء اطفال المؤمنين مستجاب، فلا يرد الله لهم دعوة، ولكن إذا لم يقترفوا
الجرائم والذنوب. 12 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من مر على المقابر، وقرأ قل هو الله احدى عشرة مرة ثم وهب أجره للاموات اعطي له من الاجر بعدد الاموات... ". ان قراءة سورة التوحيد للاموات المسلمين له الاجر المضاعف عند الله، والثواب الجزيل. 13 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والارض فعليكم بالدعاء، واخلصوا النية.. ". وحكى هذا الحديث أهمية الدعاء، فهو سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والارض، وقد حاز بذلك اسمى مكانة عند الله تعالى. 14 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا أراد أحدكم حاجة فليباكر في طلبها يوم الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله آخر آل عمران، وآية الكرسي، وإنا انزلناه في ليلة القدر وأم الكتاب فان فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة... ". وحوى هذا الحديث المنهاج لقضاء الحوائج، فقد حدد الزمان، وحدد ما يقرأ.
[ 235 ]
فيه من الآيات والسور من كتاب الله العزيز. 15 - وبا سناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ستة من المروءة: ثلاثة منها في الحضر: وثلاثة في السفر: أما التي في الحضر: فتلاوة القرآن، وعمارة المساجد، واتخاذ الاخوان في الله، وأما التي في السفر فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله.. ".
ان هذه الخصال السته تحكي شرف الانسان، ومروءته، وحسن طويته. 16 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات: قيل: يا رسول الله من خلفاؤك ؟ قال: الذين يأتون من بعدي، ويروون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس من بعدي... ". ان الذين يروون أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) ويذيعونها بين الناس، ويعلمونهم معالم الدين، واحكام الشريعة هم خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله) واقرب الناس إليه. 17 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إن هذا العلم خزائن الله، ومفاتيحه السؤال فاسألوا يرحمكم الله فانه يؤجر فيه اربعة السائل والمعلم، والمستمع، والمجيب.. ". حث النبي (صلى الله عليه وآله) الجاهل على السؤال عما لا يعلمه من شؤون دينه وغيره فان في ذلك اذاعة للعلم، ونشرا له. 18 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من قرأ إذا زلزلت الارض اربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله.. ". ان قراءة هذه السورة الكريمة اربع مرات يترتب عليها هذا الاثر العظيم، وهو قراءة القرآن كله. 19 - وباسناده قال، حدثني أبي محمد بن علي (عليهما السلام) قال: قال (عليه السلام): خمسة لو دخلتم فيهن ما قدرتم على مثلهن لا يخاف عبد إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي الجاهل إذا سئل عما لم يعلم أن يقول: الله ورسوله أعلم، ولا يستحي الذي لا يعلم أن يتعلم، والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا ايمان لمن لا صبر له... ". وتجسدت الحكمة في هذه الامور، التي يسمو بها الانسان لو أخذ بها، ويكون
[ 236 ]
مثلا أعلى للفضيلة والادب. 19 - وباسناده قال: حدثني الحسين بن علي (عليهما السلام)، قال: " وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن مكتوب فيه أنا الله لا إله إلا أنا، ومحمد نبيي، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ؟ ! وعجبت لمن اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها ؟ ! وعجبت لمن ايقن بالحساب كيف يذنب ؟ ! وحوى هذا اللوح موعظة جليلة لو تأملها الانسان لابتعد عن كل دنب، وعمل كل ما يقربه إلى الله زلفى. 20 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أتاني ملك، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهبا، قال فرفع رأسه إلى السماء، فقال: يا رب أشبع يوما فأحمدك، واجوع يوما فأسألك... ". لقد زهد النبي (صلى الله عليه وآله) في الدنيا، وأعرض عن زخارفها، واتجه صوب الله تعالى، وكان ذلك من خصائصه التي امتاز بها على سائر النبيين. الباب الثاني في الاذان 21 - وباسناده قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): لما بدأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتعليم الاذان أتى جبريل بالبراق فاستصعب عليه، ثم أتاه بدابة يقال لها براقة فاستصعبت عليه فقال لها جبريل اسكني فما ركبك أحد أكرم على الله منه فسكنت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فركبتها حتى انتهت إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى فخرج ملك من وراء الحجاب فقال: الله
اكبر، الله اكبر، قال: فقلت: يا جبريل من هذا الملك، قال: والله الذي اكرمك بالنبوة ما رأيت هذا الملك قبل ساعتي هذه، فقال: الله اكبر، الله اكبر، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر، أنا اكبر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقال الملك أشهد أن لا إله إلا الله، اشهد أن لا إله إلا الله، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقال الملك: أشهد أن محمد ا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله فنودي من وراء الحجاب
[ 237 ]
صدق عبدي أنا أرسلت محمدا رسولا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقال الملك: حي على الصلاة، حي على الصلاة، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال الملك: حي على الفلاح، حي على الفلاح، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، وقد افلح من واظب عليها (1) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكمل الله لي الشرف على الاولين والآخرين... ". لقد أجمعت الشيعة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي شرع الاذان بهذه الكيفية التي ذكرت في هذا الحديث أو بما يقرب منها في حين أن ابناء السنة والجماعة ذكروا أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة صعب على الناس معرفة أوقات صلاته فتشاوروا في أن ينصبوا علامة يعرفون وقت صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) كيلا تفوتهم الجماعة فأشار بعضهم بالناقوس فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هو للنصارى، وأشار بعضهم بالبوق فقال: هو لليهود، وأشار بعضهم بالدف فقال: هو للروم، وأشار بعضهم بايقاد النار، فقال: ذلك للمجوس، وأشار بعضهم بنصب راية، فإذا رآها الناس أعلم بعضهم بعضا فلم يعجبه (صلى الله عليه وآله) ذلك، فقام (صلى الله عليه وآله) مهتما، فبات عبد الله بن زيد مهتما باهتمام
رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرأى في نومه ملكا علمه الاذان والاقامة، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك، وقد وافقت الرؤيا الوحي، فامر بهما النبي (صلى الله عليه وآله) (2) وهذا بعيد جدا لان الاذان والاقامة من مقدمات الصلاة، شأنهما شأن بقية المقدمات من الطهارة واستقبال القبلة واباحة المكان، وجميع هذه المقدمات، مع بيان الصلاة قد نزل بها الوحي، ثم لماذا رأى عبد الله بن زيد الملك، ولم يره بقية الصحابة ممن هم أجل شأنا منه. الباب لثالث في الحث على الصلوات الخمس وصفة صلاة الجنائز. 22 - وباسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا يزال الشيطان
(1) اورد الحديث في تأريخ الخميس بلفظه مع زيادة (حي على خير العمل) ونصت مصادر الحديث والفقه عند الشيعة على ذلك. (2) الفقه على المذاهب الاربعة 1 / 311. (*)
[ 238 ]
ذاعرا (1) من ابن آدم ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه، وأوقعه في العظائم.. ". ان الله تعالى شرف الانسان وكرمه، بالصلاة والمثول بين يديه في الصلوات الخمس، وان الشيطان الرجيم ليعبث بالانسان، ويجهد على أن يحرمه من هذه الفضيلة والمنزلة الكريمة. 23 - وباسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من أدى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة... ". ان اداء الفريضة سواء أكانت صلاة أم صوما أم حجا أم غيرها، فان لها من الاجر عند الله تعالى أن يستجيب له دعوة.
24 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا تزال امتي بخير ما تحابوا، وأدوا الامانة واجتنبوا الحرام، واقروا الضيف، واقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فان لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالسنين والقحط.... ". دعا النبي (صلى الله عليه وآله) أمته إلى المحافطة على هذه الخصال الكريمة، ووعدهم أن يكونوا بخير ما داموا يؤدونها، فإذا أهملوها فان الله تعالى يصيبهم ببلاء عظيم. 25 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائما صلى جالسا، فان لم يستطع أن يصلي جالسا فليصل مستلقيا على قفاه رجليه حيال القبلة يومي ايماء... ". من أهم الفرائض الاسلامية الصلاة، ولا تسقط عن المكلف بحال من الاحوال، فإذا كان قادرا صلى من قيام، وإذا كان عاجزا صلى من جلوس، وهكذا حيث ما ذكر في الرواية. 26 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " حافظوا على الصلوات الخمس، فان الله عزوجل إذا كان يوم القيامة يدعو العبد فأول شئ يسأل عنه الصلاة، فإذا جاء بها تامة، وإلا زج في النار... ". إن أول ما يسأل عنه المكلف في حشره ونشره هي الصلاة فإذا جاء بها تامة فقد
(1) ذاعرا: اي فزعا. (*)
[ 239 ]
سلم من عقاب الله تعالى، وإذا لم يأت بها أو كانت فاقدة لبعض شروطها فانه يزج في النار. 27 - وباسناده قال (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاصحابه: " لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشر مع قارون وفرعون
وهامان، وكان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين والويل لمن لم يحافظ على صلاته وأداء سنة نبيه... ". لقد اهتم الاسلام بالصلاة اهتماما بالغا، وميزها على بقية العبادات فمن أداها كان مسلما، ومن انكرها مات ميتة جاهلية، وحشر مع الظالمين والكافرين. 27 - وباسناده قال: قال علي صلوات الله عليه: صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة السفر فقرأ في الاولى الحمد، وقل يا أيها الكافرون، وفي الاخرى الحمد، وقل هو الله أحد، ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن وربعه.. ". وتقصر الصلاة الرباعية في السفر، وقد قرأ النبي (صلى الله عليه وآله) في الركعة الاولى بعد الفاتحة سورة (قل يا أيها الكافرون) وفي الركعة الثانية قرأ بعد الفاتحة سورة التوحيد، وبين (صلى الله عليه وآله) ثواب ذلك بأنه قد قرأ ثلث القرآن في الركعة الاولى، وربع القرآن الكريم في الركعة الثانية. 28 - وباسناده قال: سئل محمد بن علي (عليه السلام) عن الصلاة فزعم أن أباه كان يقصر الصلاة في السفر... ". أما تقصير الصلاة في السفر فانها من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. 29 - وباسناده قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) كبر على عمه حمزة (عليه السلام) خمس تكبيرات، وكبر على الشهداء بعده خمس تكبيرات، فلحق بحمزة سبعون تكبيرة... ". أما الصلاة على الاموات فهي من الواجبات الكفائية فإذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، أما كيفيتها فهي: أن يأتي بخمس تكبيرات يأتي بالشهادتين بعد الاولى، والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الثانية، والدعاء للمؤمنين
[ 240 ]
والمؤمنات بعد الثالثة، والدعاء للميت بعد الرابعة، ثم يكبر الخامسة وينصرف (1) وقد تضافرت بذلك الاخبار عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (2) أما أهل السنة فانهم ذهبوا إلى أن التكبيرات اربع، وينصرف المصلي بعد الرابعة (3). 30 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي إذا صليت على جنازة فقل: اللهم إن هذا عبدك، وابن امتك ماض في حكمك، ولم يكن شيئا مذكورا، زارك، وأنت خير مزور، اللهم لقنه حجته، وألحقه بنبيك، ونور له في قبره، ووسع عليه في مدخله، وثبته في القول الثابت، فانه افتقر اليك، واستغنيت عنه، وكان يشهد أن لا إله إلا أنت فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. يا علي إذا صليت على امرأة فقل: اللهم أنت خلقتها، وأنت أحييتها، وأنت أمتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئناك شفعاء لها، فاغفر لها، اللهم لا تحرمنا أجرها، ولا تفتنا بعدها. يا علي إذا صليت على طفل، فقل اللهم اجعله لابويه سلفا وذخرا واجعله فرطا، واجعله لهما نورا ورشدا، واعقب والديه الجنة، انك على كل شئ قدير... ". أما كيفية الصلاة على الاموات فقد ذكرناها. وأما هذا الدعاء فهو بعد التكبيرة الرابعة، واما الصلاة على الطفل فان كان قد توفي وسنه ست سنين فيصلى عليه صلاة الجنائز، وجوبا وإذا لم يبلغ هذه السن فيستحب عليه الصلاة. الباب الرابع. في فضل أهل البيت وهو على ثلاقة أقسام القسم الاول: في فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام): 31 - وباسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي أنا سيد
المرسلين، وأنت يعسوب المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين... " أما الامام امير المؤمنين (عليه السلام) فهو رائد الفكر والحكمة في الاسلام،
(1) العروة الوثقى 1 / 170 (2) وسائل الشيعة أبواب صلاة الجنازة. (3) الفقه على المذاهب الاربعة 1 / 519. (*)
[ 241 ]
وهو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه، ووصيه من بعده، وقد أشاد النبي (صلى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه، ووصيه من بعده، وقد أشاد النبي (صلى الله عليه وآله) بسمو منزلته، وعظيم مكانته، ولم يؤثر عنه (صلى الله عليه وآله) أنه أشاد باحد من اصحابه كما اشاد بالامام امير المؤمنين (عليه السلام) والغرض من ذلك هو التدليل على خلافته من بعده. 32 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لما أسري بي إلى السماء أخذ جبرئيل بيدي، واقعدني على درنوك (1) من درانيك الجنة، ثم ناولني سفر جلة منها، وهي معدة بما فيها للامام علي (عليه السلام) ". ان الله تعالى أعد لعلي (عليه السلام) في الدار الآخرة جميع ما فيها من نعم، وبوأه الفردوس الاعلى يتبوأ منه حيثما يشاء. 33 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي أني سألت ربي فيك خمس خصال فأعطاني أما اولهن فسألت ربي أن تنشق عني الارض، وانفض التراب عن رأسي وأنت معي، فاعطاني، وأما الثانية فسألت ربي أن يوقفني عند كفة الميزان وأنت معي فأعطاني، وأما الثالثة فسألت ربي أن يجعلك حامل اللواء وهو لواء الله الاكبر تحته المفلحون الفائزون في الجنة فاعطاني، وأما الرابعة فسألت ربي أن تسقي أمتي من حوضي فأعطاني، وأما الخامسة فسألت ربي أن يجعلك قائد أمتي إلى الجنة فأعطاني، ربي، والحمد لله الذي من علي بذلك... ".
لقد خص الله الامام امير المؤمنين (عليه السلام) بكل مكرمة وحباه بكل فضيلة، وقد استجاب دعاء نبيه فيه أن يمنحه هذه الخصال الكريمة. 34 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا كان يوم القيامة اخذت بحجزة الله، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذت شيعة ولدك بحجزتهم (1) فترى أين يؤم بنا... ". إن للامام امير المؤمنين (عليه السلام) منزلة كريمة عند الله تعالى يسمو بها على
(1) الدرنوك: بساط من بسط الجنة. (1) قال أبو القاسم الطائي: سألت أبا العباس بن ثعلب عن الحجزة ؟ قال: هي السبب، وسألت ابن نفطوية النحوي فقال هي السبب. (*)
[ 242 ]
جميع الصالحين والمتقين، ويتميز بها هو وابناؤه وشيعته يوم حشر الناس وبعثهم. 35 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي إنك قسيم الجنة والنار، وانك تقرع باب الجنة فتد خلها بلا حساب.... ". وهذا الحديث رواه جمهور العلماء من الشيعة والسنة، وهو يحكي فضل الامام امير المؤمنين (عليه السلام)، وعظيم شأنه عند الله، وانه بلغ منزلة من الله لم يبلغها أي أحد من الناس سوى النبي (صلى الله عليه وآله). 36 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي إذا كان يوم القيامة كنت أنت وولدك على خيل بلق متوجون بالدر والياقوت فيأمر الله بكم إلى الجنة، والناس ينظرون... ". ما أعظم منزلة الامام وابنائه الطيبين عند الله، فقد خصهم بكل مكر مة، وميزهم على جميع خلقه. 37 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا
كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش نعم الاب أبوك ابراهيم، ونعم الاخ أخوك علي بن أبي طالب.. ". وخص الله نبيه العظيم (صلى الله عليه وآله) بجميع الوان الفضل التي منه أنه من ذرية ابراهيم خليل الله، وان اخاه الامام امير المؤمنين (عليه السلام) المنافح عن كلمة التوحيد، والذاب عن قيم الاسلام ومبادئه. 38 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الله أمرني بحب أربعة: علي، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد بن الاسود... ". إن هؤلاء الاربعة قد ساهموا في بناء الاسلام، ورفعوا مشعل التوحيد، وقد أمر الله تعالى نبيه بحبهم لانهم من عناصر التقوى والصلاح. 39 - قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي ان الله قد غفر لك، ولذريتك، ولشيعتك، ولمحبي شيعتك، ولمحبي محبي شيعتك، فابشر فانك الانزع البطين منزوع من الشرك، مبطون من العلم.... ". ولعظيم اتصال الامام (عليه السلام) بالله تعالى، فقد منحه هذه الفضيلة الكبرى بان غفر له ولابنائه وشيعته ومن يتعلق بهم.
[ 243 ]
40 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من كنت مولا ه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره... ". اعلن النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الكلمات المشرقة التي هي من أغلى الاوسمة التي منحها للامام يوم غدير خم، وهو من أهم اعياد المسلمين، فقد نصب الامام خليفة من بعده، وأمر المسلمين بمبايعته، وقد بايعته حتى نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وبذلك اليوم الخالد تمت النعمة الكبرى على المسلمين، ونزلت فيه الآية
الكريمة: (اليوم أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا). 41 - وباسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي لولاك ما عرف المؤمنون بعدي... ". إن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المحك الذي يعرف به المؤمن من الفاسق فمن احبه كان مؤمنا، ومن عاداه فهو فاسق، تقول عائشة: إذا ما التبر حك على محك * تبين غشه من غير شك وفينا الغش والذهب المصفى * علي بيننا شبه المحك (1) 42 - وباسناده قال: حدثني علي بن ابي طالب (عليه السلام) قال: ورثت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتابين: كتاب الله تعالى، وكتابا في قراب سيفي، قيل يا أمير المؤمنين: وما الكتاب في قراب سيفك ؟ قال: من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه فعليه لعنة الله... ". لقد ورث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) جميع صفات الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقوماته، والتي منها ما ذكره (عليه السلام): 43 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا علي انك أعطيت ثلاثا ما أعطيت أنا مثلهن، قلت: فداك أبي وأمي ما أعطيت ؟ قال (صلى الله عليه وآله): أعطيت صهرا مثلي، وأعطيت مثل زوجتك فاطمة سلام الله عليها، وأعطيت مثل ولديك الحسن والحسين ". لقد خص الله تعالى الامام امير المؤمنين بهذه الخصال الثلاث التي ما حبي أحد بمثلهن.
(1) نور الابصار للشبلنجي. (*)
[ 244 ]
44 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ليس في القيامة راكب غيرنا، ونحن اربعة، فقام إليه رجل من الانصار، فقال له:
يارسول الله من هم ؟ فقال: أنا على دابة البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرت، وعمي حمزة على ناقتي العضباء، وأخي علي بن أبي طالب (عليه السلام) على ناقة من نوق الجنة وبيده لواء الحمد، ينادي لا إله إلا الله، محمد رسول الله (ص) فيقول الآدميون: ما هذا إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل أو حامل عرش، فيجيبهم ملك من بطنان العرش، يا معشر الآدميين، ليس ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ولا حامل عرش هذا علي بن أبي طالب... ". إن الله تعالى ليظهر يوم القيامة مكانة وليه الامام امير المؤمنين (عليه السلام) وسمو منزلته عنده، حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا خلق غير ذلك إلا عرفهم مدى أهمية الامام (عليه السلام) عنده. 45 - وباسناده قال: قال علي (عليه السلام): " من أحبني وجدني عند مماته بحيث ما يحب، ومن ابغضني وجدني عند مماته بحيث يكره... ". وقد تضافرت الاخبار بأن الامام امير المؤمنين (عليه السلام) ليحضر عند ممات كل أحد مؤمنا كان أو كافرا، فان كان مؤمنا أوصى ملك الموت بالرفق به، وإن كان كافرا أوصى بالشدة به. القسم الثاني في فضل فاطمة عليها السلام 46 - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " انما سميت فاطمة لان الله تعالى فطمها وفطم من أحبها من النار.. " يعرض هذا القسم إلى ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله) في فضل بضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها، والتي منها هذا الحديث الشريف، وقد اعلن أن الله تعالى قد فطم سيدة نساء العالمين من النار كما فطم شيعتها ومحبيها من النار. 47 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ان الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها... ".
وهذا الحديث مجمع عليه، وهو يدل على سمو منزلة بضعة الرسول وريحانته
[ 245 ]
عند الله، وانها قد احتلت عنده تعالى مكانة متميزة لم يحتاجها غيرها من المؤمنات. 48 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة، ومعها ثياب مصبوغة بدم الحسين فتعلق بقائمة من قوائم العرش، فتقول: يا رب احكم بيني وبين قاتل ولدي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فيحكم لابنتي ورب الكعبة.... ". إن فاجعة سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اهتز لهولها العالم بأسره، وان من اعظم المصابين بكارثته ورزيته سيدة النساء، وبضعة الرسول، وانها سوف ترفع قميصه ملطخا بدمائه الزكية امام الله تعالى شاكية ما جرى على ولدها من عظم الرزايا. يقول الشاعر: لا بد أن ترد القيامة فاطم * وقميصها بدم الحسين ملطخ ويقول أبو العلاء: ثبتا في قميصه ليجئ الحشر * مستعديا إلى الرحمن 49 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " تحشر ابنتي فاطمة، وعليها حلة الكرامة، وقد عجنت بماء لحياة فينظر إليها الخلائق فيتعجبون، ثم تكسى أيضا حلتين من حلل الجنة مكتوب على كل حلة بخط أخضر: ادخلوا بنت محمد الجنة، مكتوبا على أحسن الصورة، واحسن الكرامة، وأحسن المنظر، فتزف إلى الجنة كما تزف العروس، ويوكل بها سبعون الف جارية... ". ان الله تعالى سيظهر يوم القيامة فضل سيدة النساء التي جاهدت كاعظم ما يكون الجهاد في سبيل الاسلام، التي أقامت التشيع بخطبها الخالدة، ومواقفها
البطولية التي لم يقفها أحد غيرها. 50 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش، يا معشر الخلايق غضوا ابصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله).... ". وهذا من مواطن التكريم والتعظيم لسيدة النساء سلام الله عليها يوم حشر الناس أمام رب العالمين. 51 - وباسناده قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): كنا مع النبي (صلى الله
[ 246 ]
عليه وآله) في حفر الخندق إذ جاءت فاطمة (عليها السلام) ومعها كسيرة من خبز فدفعتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال (صلى الله عليه وآله): ما هذه الكسيرة ؟ قالت: قرص خبز شعير خبزته للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة، فقال (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أما أنه أول طعام دخل في أبيك منذ ثلاثة أيام... ". ويكشف هذا الحديث عن مواساة أهل البيت (عليهم السلام) بعضهم لبعض، والايثار فيما بينهم كما يكشف عن زهدهم، واعراضهم عن زخارف الحياة. 51 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أتاني ملك فقال: يا محمد إن الله عزوجل يقرؤك السلام، ويقول: قد زوجت فاطمة من علي، فزوجها منه، وأمرت شجرة طوبي أن تحمل الدر والمرجان واليواقيت، وان أهل السماء قد فرحوا بذلك، وسيولد لهما ولدان سيدا شباب أهل الجنة، وبهما تزين أهل الجنة فابشر يا محمد فأنت خير الاولين والآخرين... ". وتضافر ت الاخبار أن زواج سيدة النساء وبضعة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالامام أمير المؤمنين (عليه السلام) انما كان بأمر من الله تعالى ليعطي بذلك مثلا أعلى
للقران في الاسلام، وانه مبني على الكرامة والفضيلة، ولا شأن فيه بأي حال من الاحوال للاعتبارات المادية التي مالها إلى الزوال، فقد زوج الرسول (صلى الله عليه وآله) سيدة النساء من الامام امير المؤمنين في حين أنه كان افقر المسلمين، ولم يكن عنده من متع الحياة سوى درعه وسيفه، فباع درعه، وجعله صداقا لسيدة النساء، واشترى بثمنه جهازا أزهد جهاز في ذلك العصر، ولكنه انفس واغلى جهاز في الاسلام لانه قائم على الفضيلة والشرف، وسمو الذات... فسلام الله على أهل البيت الذين مثلوا جوهر الاسلام في جميع شؤونهم وأحوالهم. 52 - وباسناده قال (عليه السلام): حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثتني اسماء بنت عميس قالت: كنت عند جدتك فاطمة (عليها السلام) إذ دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي عنقها قلادة من ذهب كان علي بن أبي طالب اشتراها من فئ له، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): لا يغرنك الناس أن يقولوا: بنت محمد (صلى الله عليه وآله) وعليك لبس الجبابرة فقطعتها فباعتها، واشترت رقبة واعتقتها فسر النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك... ". لقد أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) أن تكون سيدة النساء قدوة حسنة،
[ 247 ]
ومثلا أعلى للفضيلة، ونكران الذات، وان تشارك البائسات من النساء المسلمين في فقرهن، ولا يكون لها أي امتياز عليهن القسم الثالث في فضل الحسنين، وولادتهما، وأهل البيت عليهم السلام عموما 52 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما... ". إن سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيدا شباب أهل الجنة، وسراجان
لهما فسلام الله عليهما وعلى أبيهما سيد العترة الطاهرة. 53 - قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الولد ريحانة، وريحانتاي الحسن والحسين.. ". إن الامامين الزكيين ريحانتا رسول الله (صلى ا لله عليه وآله) ووديعتاه في أمته، وقد اخلص لهما النبي (صلى الله عليه وآله) كأعظم ما يكون الاخلاص. 54 - قال (عليه السلام): " حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن الحسن والحسين كانا يلعبان عند النبي (صلى الله عليه وآله) حتى مضى عامة الليل ثم قال (صلى الله عليه وآله): انصرفا إلى امكما فبرقت برقة فما زالت تضئ لهما حتى دخلا على فاطمة، والنبي (صلى الله عليه وآله) ينظر إلى البرقة، فقال: الحمدلله الذي أكرمنا أهل البيت ". لقد خص الله تعالى السبطين (عليهما السلام) بكل مكرمة، وحباهما بالمزيد من ألطافه، واصطفاهما من بقية خلقه. 55 - وباسناده قال (عليه السلام): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " النجوم أمان لاهل السماء، وأهل بيتي وأولادي أمان لامتي " أن أهل البيت (عليهم السلام) أمان لاهل الارض بهم يستدفع البلاء، وتنزل الرحمة، ويعم الخير. 56 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي، وقاتلهم، والمعين عليهم، ومن سبهم اولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم
[ 248 ]
الويل كل الويل لمن جحد ولاية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وسن ظلامتهم، والويل لمن ظلمهم، وناهضهم، فقد حرم من الجنة وباء بغضب من الله
ورسوله. 57 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليها، والمحب بقلبه ولسانه ". إن من يحب أهل البيت (عليهم السلام) وقام بتكريمهم وتعظيمهم فقد ظفر بالخير العميم، ونال شفاعة جدهم سيد المرسلين. 58 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وأمرنا باسباغ الوضوء، وان لا ننزي حمارا على عتيقة ". لقد حرمت الصدقة الواجبة كالزكاة على أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك على من انتسب إليهم من العلويين زادهم الله شرفا. 59 - وباسناده قال (عليه السلام): من سب نبيا قتل ومن سب صاحب نبي جلد. 60 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها زج في النار. إن أهل البيت (عليهم السلام) سفن النجاة وأمن العباد، من تبعهم فقد نجا ومن تخلف عنهم فقد غرق، وقد شبههم النبي (ص) بهذا الحديث - المجمع على صحته - بسفينة نوح (عليه السلام) التي كانت نجاة للمؤمنين من أصحابه حينما احاطت بهم أمواج من الماء غرق فيها كل من زاغ عن الحق، ونجا من كان على سفينة نوح من المؤمنين، فكذلك أهل بيت النبوة سلام الله عليهم فمن اقر بولايتهم فقد فاز، ومن كذبهم وظلمهم فقد هوى إلى أسفل درك من النار.
61 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الويل لظالمي أهل بيتي عذابهم مع المنافقين في الدرك الاسفل من النار ".
[ 249 ]
الويل كل الويل لمن ظلم وأعتدى على أهل بيت النبوة الذين هم مصدر الوعي والفكر لا لهذه الامة فحسب، وانما للناس اجمعين، ان مصير الظالمين لهم هو العذاب الدائم في الدار الآخرة، وان الله تعالى لا يغفر لهم، ولا ينجيهم من العذاب الاليم. 62 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كأني قد دعيت فأجبت، واني تاركم فيكم الثقلين: أحدهما اكبر من الآخر، كتاب الله عزوجل، حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ ". لقد قرن النبي (صلى الله عليه وآله) بين كتاب الله العظيم، وبين العترة الطاهرة، فلو لم يكونوا أهل بيته معصومين من الخطأ لما صحت المقارنة بين القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين العترة الطاهرة، وكما ان التمسك بالكتاب سبب النجاة فكذلك التمسك بأهل البيت (عليهم السلام): 63 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اشتد غضب الله، وغضب رسوله على من أهرق دم ذريتي، أو اذاني في عترتي ". لقد اسشف النبي (صلى الله عليه وآله) من وراء الغيب على ما يجري على ذريته من الظلم والاعتداء من خصوم الاسلام واعدائه فقد اراقو دماءهم وصبوا عليهم من الظلم والجور ما لم يشاهد مثله في جميع أدوار التاريخ. 64 - وباسناده قال: جعفر بن محمد (عليهما السلام): السبت لنا والاحد لشيعتنا، والاثنين لبني أمية، والثلاثاء لشيعتهم، والاربعاء لبني العباس، والخميس
لشيعتهم، والجمعة لله وليس فيه سفر قال الله تعالى: (فأذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله). قسم الامام (عليه السلام) أيام الاسبوع إلى هذه الاقسام، وخص يوم الجمعة بالمزيد من الفضل وجعله الله تعالى، ومن خصوصياته أنه يكره السفر فيه قبل الزوال حتى يؤدي المكلف صلاة الجمعة. 65 - وباسناده قال: " حدثني أبي موسى بن جعفر - يعني الامام الصادق (عليه السلام) - قال: كان على خاتم محمد بن على ظني بالله حسن، وبالنبي المؤتمن، وبالوصي ذي المنن، وبالخيرين الحسين والحسن ".
[ 250 ]
وتتجلى مظاهر العبودية والطاعة لله تعالى، في كل مظهر من مظاهر حياة الائمة الطاهرين سلام الله عليهم، والتي منها ما كانوا يكتبونه من كلمات التوحيد على الاحجار التي يتختمون بها. 66 - وباسناده قال (عليه السلام): " قال علي بن الحسين (عليه السلام): " سادات الناس في الدنيا الاسخياء، وسادات الناس في الآخرة الاتقياء ". 67 - وباسناده قال (عليه السلام): قال علي بن الحسين (عليه السلام): " العافية ملك خفي... ". إن من نعم الله الكبرى على الانسان هي العافية، فهي اعظم نعمة على الانسان وكلما يتمتع به الانسان من النعم لا أثر له إذا كان فاقدا للصحة. 68 - وباسناده قال (عليه السلام): قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم: " من اصطنع صنيعه إلى واحد من اولاد عبد المطلب، ولم يجازه عليها فأنا أجازيه غدا إذا لقيته يوم القيامة ".
69 - وباسناده قال علي بن الحسين (عليه السلام): إن النبي (صلى الله عليه وآله) أذن في اذن الحسن والحسين بالصلاة - أي بأذان الصلاة - يوم ولدا ". لقد اجرى النبي (صلى الله عليه وآله) على سبطيه وريحانتيه يوم ولدا المراسم الشرعية التي منها انه اذن في الاذن اليمنى وأقام في اليسرى، وقد صار ذلك سنة شرعية تجري على كل مولود مسلم. 70 - وباسناده قال حدثني أبي علي بن الحسين (عليه السلام) قال: حدثتني اسماء بنت عميس، قالت: قبلت جدتك فاطمة بالحسن والحسين (عليهما السلام)، فلما ولد الحسن (عليه السلام) جاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا اسماء هاتي ابني فدعته في خرقة صفراء فرمى بها النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا اسماء الم أعهد إليك أن لا تلفي المولود في خرقة صفراء فلففته في خرقة بيضاء، فدفعته إليه فاذن في أذنه اليمني، وأقام في أذنه اليسرى ثم قال (صلى الله عليه وآله): بأي شئ سميت ابني هذا يا علي ؟ قال (عليه السلام): ما كنت لاسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت أحب أن أسميه حربا، فقال (صلى الله عليه وآله) إني لا أسبق باسمه ربي عزوجل، ثم هبط جبريل (عليه السلام)، فقال: يا محمد العلي
[ 251 ]
الاعلى يقرئك اسلام، ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك، فسم ابنك هذا باسم ابن هارون، فقال (صلى الله عليه وآله): ما اسم ابن هارون يا جبريل ؟ فقال: شبر فقال (صلى الله عليه وآله) لساني عربي، فقال: سمه الحسن، فقالت اسماء فسماه الحسن فلما كان يوم سابعه عق عنه النبي (صلى الله عليه وآله) بكبشين أملحين فأعطى القابلة فخذ كبش، وحلق رأسه، وتصدق بوزن الشعر ورقا، وطلى رأسه بالخلوق (1) ثم قال: يا اسماء الدم فعل الجاهلية (2) فقالت اسماء: فلما كان بعد حول من مولد الحسن (عليه السلام) ولد الحسين (عليه السلام) فجاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال يا اسماء هلمي ابني، فدفعته
إليه في خرقة بيضاء فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعته في حجره، فبكى، فقالت اسماء: فداك أبي وأمي ! مم بكاؤك ؟ فقال (صلى الله عليه وآله) من ابني هذا، قلت إنه ولد الساعة، فقال (صلى الله عليه وآله): تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنا لهم الله شفاعتي. ثم قال (صلى الله عليه وآله): لا تخبري فاطمة فانها حديثة عهد بولادته ثم قال (صلى الله عليه وآله) لعلي: بأي شئ سميت ابني هذا ؟ قال (عليه السلام): ما كنت لاسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت أحب أن اسميه حربا، فقال (صلى الله عليه وآله): ما كنت لا سبق باسمه ربي فأتاه جبريل (عليه السلام) فقال: الجبار يقرئك السلام، ويقول: سمه باسم ابن هارون، فقال (صلى الله عليه وآله): وما اسم ابن هارون ؟ فقال: شبير، فقال (صلى الله عليه وآله): لساني عربي، فقال: سمه الحسين، فسماه، ثم عق عنه النبي (صلى الله عليه وآله) يوم السابع بكبشين املحين، وحلق رأسه وتصدق بوزن شعره ورقا، وطلى رأسه بالخلوق، وقال: الدم فعل الجاهلية، واعطى القابلة فخذ كبش ". والدي نراه ان بعض الفقرات من هذا الحديث من الموضوعات، وهي رغبة الامام امير المؤمنين (عليه السلام) في تسمية السبطين باسم (حرب) وهذا اللفظ لا يحمل أي طابع من الجمال، وهو اسم لجد الاسرة الاموية التي حاربت الاسلام
(1) الخلوق: نوع من الطيب. (2) من عادة الجاهلية ان المولود منهم يطلونه بالدم، والاسلام قد نهى عن ذلك، وجعل مكانه ان يطلى بالطيب. (*)
[ 252 ]
وجهدت على اطفاء نور الله، بالاضافة إلى أن الاسلام دين السلام، وهو تحية المسلمين فيما بينهم، وقد نصت كتب الفقه الامامي على كراهة تسمية المولود باسم
حرب. 71 - وباسناده، قال: " حدثني أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) إنه سمى حسنا يوم سابعه، واشتق من اسم الحسن الحسين، وذكر أنه لم يكن بينهما إلا الحمل ". ان أغلب مراسم الولادة الشرعية انما تجري على المولود في اليوم السابع من عمره والتي منها تسميته. 72 - وباسناده قال: " حدثني أبي علي بن الحسن (عليهما السلام) ان فاطمة (عليها السلام) عقت عن الحسن، والحسين فأعطت القابلة فخذ شاة ودينارا ". 73 - وباسناده قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): " كأني بالقصور، وقد شيدت حول قبر الحسين، وكأني بالاسواق وقد حفت حول قبره، ولا تذهب الايام والليالي حتى يسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع بني مروان ". لقد تحقق ما تنبأ به الامام (عليه السلام) فقد شيدت القصور والاسواق في كربلا مدينة الشرف والاباء، وصار قبر الامام الشهيد العظيم مزارا ومقصدا لكل مسلم ولكل انسان يؤمن بانسانيته، فهو أقدس مزار في جميع آفاق الكون. 74 - وباسناده قال: " سئل جعفر بن محمد (عليه السلام) عن زيارة قبر الحسين (عليه السلام) قال: اخبرني أبي قال: من زار قبر الحسين بن علي عارفا بحقه كتبه الله في أعلى عليين، ثم قال: إن حول قبره لسبعين الف ملك شعثا غبرا يبكون عليه إلى أن تقوم الساعة ". لقد تضافرت الاخبار عن أئمة أهل الهدى (عليهم السلام) في الحث على زيارة سيد الشهداء وصانع الكرامة الانسانية الامام الحسين (عليه السلام)، فان في زيارته صلة للرسول الاعظم وتكريما لهذا الامام الذي رفع مشعل التوحيد، ولولا تضحيته لقضى الامويون على الاسلام، ومحوا جميع أحكامه.
75 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن قاتل الحسين في تابوت من النار، عليه نصف عذاب أهل النار وقد شدت يداه ورجلا ه بسلاسل من نار فينكس في النار حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ
[ 253 ]
أهل ا لنار إلى ربهم من شدة نتنه، وهو فيها خالد، ذائق العذاب الاليم، كلما نضجت جلودهم بدل الله الجلود ليذوقوا العذاب الاليم، لا يفتر عنهم ساعة، ويسقون من حميم جهنم، فالويل لهم من عذاب الله عزوجل ". الويل لكل أثيم مجرم حارب سيد شباب أهل الجنة الذي ثار من أجل حقوق المظلومين والمضطهدين، وانقاذهم من الحكم الاموي الارهابي الذي استهان بارواح الناس وكرامتهم إن الله تعالى اعد العذاب الاليم، والعقاب الشديد الذي لم يعاقب بمثله المجرمون لكل من اشترك في حرب ريحانة رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة. 76 - وباسناده قال: " حدثني أبو القاسم الطائي، قال: حدثنى علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال: حدثنى أبي علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن موسى بن عمران رفع يديه، وقال: يا رب إن أخي هارون قد مات فاغفر له فأوحى الله تعالى إليه يا موسى لو سألتني في الاولين والآخرين لاجبتك ما خلا قاتل الحسين فاني لا اغفر له، وانتقم من قاتله ". ان الله تعالى الذي وسعت رحمته جميع عباده فانها لا تشمل قاتل الامام الحسين (عليه السلام) الذي انتهكت في قتله جميع حرمات الله، وحرمات رسوله. الباب الخامس
في فضل المؤمن، وحسن الخلق وفضل من أسمه محمد وأحمد 77 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " مثل المؤمن عند الله كمثل ملك مقرب، وان المؤمن عند الله أفضل من ملك مقرب، وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة ". إن المؤمن من له الكرامة، والمنزلة الرفيعة ما ليست لاحد من خلقه فقد يسمو المؤمن بمثله فيكون أسمى من الملائكة، واقرب إلى الله تعالى منهم. 78 - وباسناده، قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ان المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل في أهله، وولده، وانه اكرم عند ه
[ 254 ]
من ملك مقرب... ". 79 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أ تاني جبريل عن ربه، وهو يقول، ربي عزوجل يقرئك السلام ويقول: يا محمد بشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويؤمنون بك، ويحبون أ هل بيتك بالجنة فان لهم عندي جزاء الحسنى وسيد خلون الجنة ". إن المؤمنين الذين يتصفون بهذه الصفات لهم المنزلة الكريمة في الفردوس الاعلى يتبوأون فيه حيثما شاؤوا. 80 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من عامل الناس ولم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو مؤمن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت محبته، وحرمت غيبته ". ان هذه الصفات الكريمة إذا تحلى بها الانسان فانه يكون كامل الايمان والمروءة والعدالة، وعلى الناس أن يخلصوا له، ويجتنبوا غيبته. 81 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله). " من بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله على تل (1) من نار
حتى يخرج مما قال فيه ". ان للمؤمن حرمة عند الله، وقد الزم تعالى بصيانته، فليس لاحد أن ينال من كرامته، ويطعن في شخصيته. 82 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من كرامة المؤمن على الله أن لا يجعل لاجله وقتا معلوما حتى يهم ببائقة قبضه الله رأفة ". ومعنى هذا الحديث ان الله تعالى يمد بعمر المؤمن لكنه إذا اقترف ذنبا قصر عمره، وقد قال الامام الرضا (عليه السلام) اجتنبوا البوائق يمد الله لكم في الاعمار. 83 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " عليكم بحسن الخلق، فان حسن الخلق في الجنة لا محالة ".
(1) التل: هو المجتمع من التراب أو الرمل كما في القاموس. (*)
[ 255 ]
ومن أهم المبادئ الاسلامية العليا حسن الاخلاق، وهي من أجمل وأكمل صفات النبي (صلى الله عليه وآله) التي امتاز بها على سائر النبيين وقد اكد الاسلام على ضرورة الاتصاف بهذه الصفة الكريمة، وحث الامم في حال بداوتها فتما يز فيما بينها بالقوة البدنية فإذا ارتقت تمايزت بالعلم، فإذا بلغت من الارتقاء غايته تمايزت بالاخلاق. 84 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لو يعلم العبد ما له من حسن الخلق لعلم أن ما يحتاج إلا أن يكون له حسن الخلق ". وفي هذا الحديث الدعوة إلى التحلي بحسن الخلق، وان الله تعالى اعد الثواب الجزيل لمن يتصف بهذه الصفة الكريمة.
85 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا كان يوم القيامة تجلى الله لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنبا، ذنبا، ثم يغفر الله له، ولا يطلع الله على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، وستر عليه ما يكره ان يقف عليه أحد، ثم يقول لسيآته كن حسنات.... ". وحكى هذا الحديث رحمة الله الواسعة، وعفوه الشامل لعباده المؤمنين وأنه تعالى سيمنحهم بلطفه، ويغفر للمسيئين منهم نسأله تعالى ان يشملنا برحمته. 86 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره، وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم يفضحه... ". من الذنوب التي يعاقب الله عليها اذلال المؤمن واهانته وتحقيره، فان الله تعالى قد رفع شأنه وأعلى منزلته فمن استهان به فقد استهان بالله تعالى. 87 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ان العبد ينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم... ". لقد اكد النبي (صلى الله عليه وآله) على ضرورة الاتصاف بهذه الصفة الكريمة ليسمو المسلم، ويتميز على غيره.
[ 256 ]
88 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما من شئ اثقل في الميزان من حسن الخلق ". 89 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله).: " الخلق السئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ". لقد حذر النبي (صلى الله عليه وآله) من الاخلاق السيئة التي تلقي الناس في
شرعظيم، بالاضافة إلى انها تفسد ما يعمله الانسان من الاعمال الصالحة. 90 - وباسناده قال (عليه السلام): حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) " من كنوز البر اخفاء العمل، والصبر على الرزايا، وكتمان المصائب ". أن من أميز صفات الانسان هذه الصفات الكريمة التي هي من كنوز البر وتدلل على سمو الشخص. 91 - وباسناده قال (عليه السلام) حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام): " حسن الخلق خير قرين، قال: اكملكم ايمانا أحسنكم اخلاقا ". إن حسن الخلق خير قرين، وخير حارس، فهو يقي الانسان من كثير من المشاكل والمصاعب، وفي نفس الوقت دليل على كمال ايمان الشخص. 92 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " عنوان صحيفة المسلم حسن الخلق ". ان السمت البارز في شخصية المسلم - كما يريد النبي (صلى الله عليه وآله) من أمته - هو حسن الخلق. 93 - وباسناده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " سئل رسول الله ما اكثر من يدخل الجنة ؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن اكثر ما يدخل النار ؟ قال: الاجوفان: البطن والفرج... ". ان تقوى الله، والتجنب عن معاصيه والاتصاف بحسن الخلق من أوثق الاسباب التي يفوز بها الانسان في مرضاة الله، ويدخل الجنة كما ان عدم المبالاة في اكل الحرام، والعملية الجنسية الغير مشروعة مما توجب دخول النار. 94 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أقربكم مني مجلسا يوم القيامة، احسنكم خلقا، وخيركم خيركم لاهله ".
[ 257 ]
ان من تزين بحسن الخلق فهو من الصق الناس وأقربهم إلى الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة، كما ان أقرب الناس إلى رسول الله (ص) من كان خيرا لاهله رؤوفا بهم، عطوفا عليهم، قائما بشؤونهم. 95 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أحسن الناس ايمانا أحسنهم خلقا، والطفهم بأهله، وأنا الطفكم بأهلي ". وهذا الحديث يؤكد على حسن الاخلاق، والبر بالاهل والاحسان إليهم، وان ذلك من صفات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله). 96 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه، وأو سعوا له المجلس، ولا تقبحوا له وجها ". لقد ندب الاسلام إلى تسمية المولود من المسلمين باسم النبي (محمد) (صلى الله عليه وآله)، وان من سمي بهذا الاسم فيستحق التكريم والتبجيل، ويوسع له في المجلس، ولا يستقبل بالاعراض. 97 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من أسمه محمد أو احمد فادخلوه في المشورة إلا خير لهم ". وفي هذا الحديث دعوة إلى تسمية المسلمين ابنائهم باسم النبي العظيم (صلى الله عليه وآله)، وان يبجلوا ويكرموا من سمي بهذا الاسم المبارك. 98 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " مامن مائدة وضعت فقعد عليها من أسمه محمد أو أحمد إلا قدس الله ذلك المنزل في كل يوم مرتين ". الباب السادس
في ذكر الاطعمة، والفواكه والادهان 99 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " سيد طعام الدنيا والآخرة اللحم، وسيد شراب الدنيا والآخرة الماء، وأنا سيد
[ 258 ]
ولد آدم، ولا فخر، والفقر فخري ". إن سيد الاطعمة هي اللحوم، وذلك لما فيها من الفيتامينات التي هي ضرورة لحفظ البدن، كما ان سيد الشراب هو الماء القراح. واعرب النبي (صلى الله عليه وآله) - في هذا الحديث - أنه سيد ولد آدم، وأن الفقر فخر له، فقد توفي (صلى الله عليه وآله) ولم يخلف من متاع الدنيا شيئا. 100 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " سيد طعام الدنيا والآخرة اللحم والارز ".. حكى هذا الحديث فضل اللحم والارز، وانهما من سادات الاطعمة وخيارها، وذلك لما فيها من الفوائد التي تنمي الجسم. 101 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا طبختم فأكثروا القرع فانه يشد قلب الحزين ". 102 - وباسناده قال (عليه السلام): حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: " عليكم في القرع فانه يزيد في الدماغ ". وحث هذا الحديث وما قبله على أكل اليقطين، وذلك لما فيه من الفوائد الغذائية فهو، يحتوي على فيتامين (آ) وعلى الحديد والكلس، وغيرهما كما ان تناول بذوره يطرد الدودة الوحيدة من الامعاء.
103 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا أكلتم الثريد فكملوا من جوانبه فإن الذروة - أي اعلاها - فيها بركة ". ومع هذا الحديث عوة إلى آداب الاكل، وان من يأكل الثريد فليتناول من جوانب الاناء لا من اعلاه. 104 - وباسناده قال (عليه السلام): حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من أراد البقاء، ولا بقاء فليباكر الغذاء، ويجيد الحذاء، ويخفف الرداء، ويقل غشيان النساء ". وحكى هذا الحديث بعض الوصايا الصحيحة التي تمد في عمر الانسان وهي: أ - التبكير في الغذاء.
[ 259 ]
ب - المحافظة على لبس الحذاء. ج - تخفيف الرداء. د - التقليل من العملية الجنسية. 105 - وباسناده قال (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اكل طعاما قال: " اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا قال: اللهم بارك فيه وارزقنا منه خيرا ". وحفل هذا الحديث بدعاء النبي (ص) عند تناوله للطعام وعند شربه للبن، وهو من الآداب الشرعية التي تربط الانسان دوما بخالقه العظيم. 106 - وباسناده قال (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا شرب لبنا مضض فاه وقال: إن له دسما.
لقد كره النبي (صلى الله عليه وآله) من أن يبقى في فمه الشريف أثرا من آثار الدسم الذي في الحليب وذلك لاضراره بالصحة. 107 - وباسناده قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): أوتي النبي (صلى الله عليه وآله) بطعام فادخل اصبعه فإذا هو حار، فقال (صلى الله عليه وآله): " دعوه حتى يبرد فانه اعظم بركة، فان الله تعالى لم يطعمنا الحار ". لقد كره النبي (صلى الله عليه وآله) تناول الطعام الحار، وذلك لانه مضر ضررا شديدا بالصحة خصوصا على الاسنان والفم، وغيرها من الاجهزة الهضمية. 108 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " عليكم باللحم فإنه ينبت اللحم، ومن ترك اللحم اربعين يوما ساء خلقه ". أما اللحم فهو من انفع الاغذية للجسم، وذلك لما يحويه من المواد الزلالية، والاملاح المعدنية، والكلس، والبروتايين وغيرهما من المواد التي هي ضرورة لبناء الجسم واستقامته خصوصا إذا استعمل معه الخضروات فانه يحقق للانسان تغذية. كاملة. 109 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " عليكم بالعدس فانه مبارك، مقدس، يرق القلب ويكثر الدمعة، وانه قد
[ 260 ]
بارك فمه سبعون نبيا آخرهم عيسى بن مريم (عليه السلام) ". أما العدس فهو من أغنى الاغذية بما يحوي من القيم الغذائية فهو معادل للحم من حيث الغذاء، ويحتوي على الكالسيوم والحديد والفوسفور، وفيتامين (ب) ونسبة البروتيئين، تفوق بكثير سائر البقول، فهو مبارك (1) ومن ثمراته رقة القلب، وتكثير الدمع. 110 - وباسناده قال (عليه السلام): " من بدأ بالملح اذهب الله عنه سبعين
داء أولها الجذام ". تختلف حاجة الانسان إلى الملح باختلاف المناطق التي يعيش فيها فسكان المناطق الاستوائية الحارة يحتاجون إلى الملح باعتبار ان ما يخرج من اجسامهم من العرق يطرح منها جانبا كبيرا مما يتناولونه من الطعام التي فيها ملح، ولعل الحديث ناظر إليهم، وأما في المناطق الباردة كسيبر يا فان سكانها لا يحتاجون إلى الملح بل يمجونه. 111 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ليس شئ ابغض إلى الله من بطن ملان ". ان الامتلاء من الطعام والاكثار منه يعود بالاضرار الجسيمة على الانسان، والتي منها أنه يصبح عرضة للاصابة بضفط الدم، وتصلب الشرايين، والسكر وغيرها، فلهذا نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عنه. 112 - وباسناده قال (عليه السلام): " حدثني أبي على بن أبي طالب (عليه السلام) قال ابو جحيفة: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنا اتجشأ فقال لي: يا أبا جحيفة اكفف جشاك فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة، قال فما ملا أبو جحيفة بطنه من طعام حتى لقي الله تعالى ". وفي هذا الحديث الشريف التحذير من الاكثار في الطعام الذي هو آفة مدمرة للجسم. 113 - وباسناده قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا تسترضعوا الحمقاء، ولا العمشاء فإن اللبن يتعدى ".