عصر الظهور- الشيخ علي الكوراني العاملي

عصر الظهور

الشيخ علي الكوراني العاملي


[ 1 ]

عصر الظهور تأليف علي كوراني

[ 2 ]

الناشر: مركز النشر مكتب الاعلام الاسلامي الطبعة: الاولى تاريخ النشر: شعبان 1408

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ونريد ان من على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمه ونجعلهم الوارثين

[ 13 ]

مقدمة بعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران ارتفع مؤشر الاهتمام بعقيدة المهدي المنتظر عليه السلام في شعوب العالم الاسلامي.. بالسؤال عنه، والحديث حوله، والقراءة، والتأليف. بل وفي غير المسلمين أيضا، حتى شاع الطريفة التي تقول إن وكالة المخابرات الامريكية قد نظمت ملفا فيه كل المعلومات اللازمة عن الامام المهدي، ولم يبق أمامها إلا أن تحصل على صورته فقط ! ولعل أكبر حدث سياسي يتعلق بعقيدة المهدي في هذه الفترة ثورة الحرم المكي الشريف في مطلع عام 1400 ه‍ بقيادة محمد عبد الله القرشي، حيث سيطر أنصاره على الحرم، وأذاع معاونه جهيمان من داخله بيانا دعا فيه المسلمين إلى بيعة القرشي، وباعتباره المهدي المنتظر الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله. وقد استمر احتلالهم للحرم ومقاومتهم القوية عدة أيام، ولم تستطع الحكومة السعودية أن تتغلب عليهم إلا بعد أن استدعت فرقة كوماندوس خاصة من فرنسا ! كما أن أكبر عمل اعلامي يتعلق بعقيدة المهدي مباشرة، صدر عن أعدائنا في هذه المدة، فيلم " نوشتر آداموس " الذي بثته شبكات التلفزيون الامريكية قبل أربع سنوات، على مدى ثلاثة أشهر متواصلة.. وهو فيلم عن قصة حياة المنجم والطبيب الفرنسي " ميشيل نوستر آداموس " الذي عاش قال نحو 500 سنة وكتب نبوءاته عن المستقبل، وأهمها نبوءته بظهور حفيد

[ 14 ]

للنبي صلى الله عليه وآله من مكة، يوحد المسلمين تحت رايته، وينتصر على الاوربيين، ويدمر المدينة أو المدن العظيمة في الارض الجديدة.. ويبدو أن " اللوبي " الصهيوني والمخابرات الامريكية كانتا وراء صناعة هذا الفيلم، وأن هدفهم منه تعبئة الشعب الامريكي والشعوب الاوربية ضد ايران والمسلمين، باعتبارهم الخطر الذي يهدد الغرب وحضارته، خاصة إذا لاحظنا الاضافة التي زادوها على نبوءة نوستر آداموس، وهي أن أمريكا - بعد هزيمة أوربا على يد الامام المهدي عليه السلام، وتدمير صواريخه الضخمة لواشنطن وغيرها من مدنها - تتوصل إلى اتفاق مع روسيا لمواجهته، وتتمكنان بالنتيجة من تحقيق الانتصار عليه ! ومع أن القيمة العلمية للكتاب ومؤلفه موضع بحث ومناقشة، فهو مجموعة تنبوءات كتبها بلغة فرنسية قديمة، وأسلوب رمزي مبهم، يقبل تفسيرات مختلفة. ومن المرجح عندي أن يكون كاتبها اطلع على بعض مصادرنا الاسلامية عن المهدي المنتظر عليه السلام، أو التقى بعض علمائنا، خاصة أنه عاش فترة من عمره في ايطاليا وجنوب فرنسا، وربما في الاندلس. ولكن كتابه سرعان ما انتشر بعد انتصاره الثورة الاسلامية، وظهرت طبعاته بشروح وتفاسير عديدة، بمئات آلاف النسخ، وقيل بالملايين، ثم تحول إلى فيلم سينمائي جرى عرضه في شبكات التلفزيون على ملايين المشاهدين الامريكيين والاوربيين. المسألة عند الغربيين ليست اعتقادهم بالمسيح أو المهدي عليهما السلام، ولا اعتقادهم بصحة تنبوءات نوسترآداموس أو غيره من المنجمين. بل اعتقادهم بخطر البعث الاسلامي وحضارته الربانية التي تهدد حضارتهم المادية وتسلطهم الظالم على شعوب العالم. ولدا تراهم يتلقفون أي مادة اعلامية ليقرعوا بها أجراس الخطر في مسامع شعوبهم، ويشدوا أنظارها إلى الموج الجديد الاتي من ايران من ومكة ومصر وبلاد المسلمين. لكي يضمنوا موافقه شعوبهم وتأييدها لجيمع اجراءاتهم وخططهم الاستعمارية التي ينفدونها فعلا، أو قد ينفذونها مستقبلا، لضرب حركة الثورة الاسلامية في هذا البلد أو ذاك.

[ 15 ]

والمسألة عند اليهود أن يصعدوا درجة مخاوف الغربيين من خطر البعث الاسلامي مهما استطاعوا، ليدفعوا بذلك خطره عن أنفسهم، ويقولوا بذلك للغربيين إنما المستهدف حضارتكم الغربية، وانما اسرائيل خط دفاعكم الاول. فأعداؤنا إذن، مضطرون بحسب اعتقادهم " للدعاية " للامام المهدي عليه السلام، وصناعة الافلام حوله ! وسوف يزداد اضطرارهم إلى ذلك لمواجهة هذا المد الاسلامي المتطلع إلى قائده الموعود، ومواجهة هذا القائد إذا كان أمره صحيحا وظهر. وهم بذلك يمهدون له عليه السلام برعبهم منه، ويبعثون فينا التحفز والشوق إلى حفيد النبي صلى الله عليه وآله الطالع من عند الكعبة، ويبلغ المسلم غاية شوقه وتحفزه عندما يرى في فيلم نوستر آداموس الامام المهدي عليه السلام يدير معركته مع أئمة الكفر العالمي من غرفة عملياته مع كبار جنرالاته على حد تعبير الفيلم، فتنطلق صورايخه العملاقة من قلب صحراء الحجاز، لتدك معاقل الكفر والاستعمار في أمريكا وأوربا. ولكن هذه الانعكاسات لعقيدة المنتظر أرواحنا فداه، انما هي الصدى. أما الصوت والعمل الاكبر لقضيته، فهو هذه الثورة الكاسحة التي قامت بها ايران بإسمه، ومن أجل تهيئة المنطقة والعالم لظهوره السعيد. ثم أخذت شرارتها تنقدح هنا وهناك في بلادنا الاسلامية. في ايران تشعر أن حضور المهدي المنتظر عليه السلام، هو الحضور الاكبر من كل قادة الثورة وعلمائها. فهو القائد الحقيقي للثورة والدولة، وانما الامام الخميني وكيله ونائبه الذي يذكر إسمه باحترام عظيم وتقديس فيقول: أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، ويقول انما البلد بلده، وغاية ما نرجوه أن نكون أمناء ونسلم البلد إلى صاحبه الاصلي عليه السلام. وفي ضمائر الناس في ايران، وفي شعاراتهم، وأسماء أبنائهم، ومؤسساتهم، وشوارعهم، ومحالهم التجارية. الامام المهدي هو السيد الحاضر بقدسية. وفي ضمير المقاتلين، الذين يذبون إليه شوقا ودموعا، ويرونه في منامهم، ويرون

[ 16 ]

ملائكته في يقظتهم، ويستشرفون بأرواحهم التشرف بلقائه في طريق القدس. إن مخزون الشوق والحب والتقديس الذي يملكه الامام المهدي أرواحنا فداه في قلوب الشيعة، وقلوب عامة المسلمين، لا تملكه اليوم شخصية على وجه الارض. وسوف تزداد هذه الشعبية والاهتمام بأمره، حتى ينجز الله تعالى وعده، ويظهر به دينه على الدين كله. قبل بضع سنوات كتبت كتاب " الممهدون للمهدي " وكان محوره الاحاديث الواردة في مصادر السنة والشيعة عن الحركة الاسلامية الموعودة في بلاد المشرق، على يد الفرس، وقوم سلمان، وأهل خراسان، ودورها في التمهيد للمهدي المنتطر عليه السلام. ومع أن الكتاب لاقى قبولا، وطبع في أكثر من بلد، ولكنه لا يكفي ولا يروي عطش المسلمين للتعرف على الامام المهدي، وعصر ظهوره، وحركته المقدسة. فجمهورنا المسلم يريد أن نقدم له صورة شاملة عن قضية المهدي، بأسلوب مسلسل ميسر، بعيد عن الاختصار المخل، والتطويل والبحث العلمي الممل. وهي مسؤولية على عاتق العلماء الافاضل من الشيعة والسنة، ليكون بين أيدي المسلمين عدة تصورات من اجتهادات علمائهم عن المهدي عليه السلام، تتفاعل في أذهانهم ووجد انهم، وتتبلور مع تطور حركة الاسلام وصحوته. والى جانب هذا النوع من الكتابة عن الامام المهدي عليه السلام، نحتاج إلى الدراسات والبحوث العلمية التحقيقية لاحاديثه وموضوعاته المعتددة. ومقدمة ذلك عمل معجم مفهرس لاحاديثه المبثوثة في نحو خمسين مصدرا من مصادر الدرجة الاولى بين مخطوط ومطبوع، سوى مصادر الدرجة الثانية من مؤلفات العلماء في القرون المتوسطة والمتأخرة. فإن من شأن هذا المعجم أن يسهل على الطلاب والعلماء الرجوع إلى النصوص الاسلامية في المهدي، وتقديم بحوثهم وموضوعاتهم إلى العلماء والى جماهير الامة. وقد تقبلت

[ 17 ]

القيام بهذا العمل " مؤسسة المعارف الاسلامية " في قم المشرفة، وتم استخراج الاحاديث من أكثر من مئة مصدر، ويشمل المعجم أحاديث الامام المهدي عليه السلام مع ذكر مصادرها، ثم معجم موضوعات الامام المهدي، ثم معجم ألفاظ الاحاديث، ومعجم الاعلام والامكنة. ان شاء الله تعالى. إن الهدف من هذا الكتاب، تقديم صورة عن عصر الامام المهدي عليه السلام وحركته المقدسة، مستفادة من الايات والاحاديث الشريفة. وقد حرصت على مراجعة نصوصها من مصادرها مباشرة بعد أن تفاجأت بكتاب طبع في لبنان وانتشر بين الناس لكثرة ما جمع من أحاديث، عندما راجعت عشرات الموارد من مصادره التي يذكرها المؤلف في الهامش، فوجدت العجب العجاب ليس في نسبة الاحاديث إلى مصادرها وحسب، بل في متونها التي أجاز المؤلف لنفسه أن يقطعها ويوصلها ويغير بعض ألفاظها ! وقد اكتفيت غالبا بذكر مصدر أو اثنين للحديث الشريف، لان غرض الكتاب عرض الصورة العامة عن عصر الظهور وحركته، وليس التحقيق في مصادر الاحاديث وصحتها. آمل أن يكون هذا الكتاب " عصر الظهور " خدمة للاسلام، وجماهيره المباركة، المتعطشة إلى التعرف على قائدها الموعود على لسان نبيها وآله، صلى الله عليه وآله، وأن يتقبله الله تعالى في أعمال التمهيد لحجته ووليه أرواحنا فداه. قم المشرفة 24 شوال 1407 علي الكوراني

[ 19 ]

صورة عامة لعصر الظهور مع أن القرآن الكريم هو معجزة نبينا صلى الله عليه وآله الخالدة المتجددة في كل عصر وجيل. فإن من معجزاته المتجددة أيضا ما أخبر به صلى الله عليه وآله عن مستقبل الحياة ومسيرة الاسلام فيها. إلى ان يجئ عصره الموعود، فيظهره الله على الدين كله، ولو كره المشركون ولو كره الكافرون وعصر ظهور الاسلام هذا، هو موضوع هذا الكتاب. وهو نفسه عصر ظهور الامام المهدي الموعود عليه السلام، لا فرق بينهما في أحاديث البشارة النبوية التي تبلغ مئات الاحاديث، والتي رواها الصحابة والتابعون وأصحاب الصحاح والمجاميع على اختلاف مذاهبهم. بل هي تزيد على الالف حديث إذا أضفنا إليها أحاديث الائمة من أهل البيت عليهم السلام، وان لم يسندوها دائما إلى النبي صلى الله عليه وآله لانهم صرحوا مرارا بأن ما يحدثون به فهو عن آبائهم الطاهرين، عن جدهم خاتم النبيين، صلى الله عليه وآله وسلم. والصورة التي ترسمها هذه الاحاديث الشريفة لوضع العالم في عصر الظهور، وخاصة لوضع منطقة الظهور، التي تشمل اليمن والحجاز وايران

[ 20 ]

والعراق وبلاد الشام وفلسطين ومصر والمغرب. صورة شاملة، فيها الكثير من الاحداث الكبرى، والعديد من التفاصيل، وأسماء الامكنة، والاشخاص. وقد سعيت أن أستخلصها من النصوص بأكثر ما يمكن من الوضوح والتسلسل والدقة، لتكون في متناول جماهيرنا المسلمة المباركة. وفي هذا الفصل أعرض خلاصة عنها لتكون صورة عامة لعصر الظهور، قبل الدخول في تفاصيله. تذكر الاحاديث الشريفة أن حركة ظهور الامام المهدي أرواحنا فداه تبدأ في مكة المكرمة بعد تمهيدات عالمية واقليمية. فعلى الصعيد العالمي يكون صراع بين الروم (الغربيين) وبين الترك أو إخوان الترك كما تسميهم الاحاديث، والذين يظهر أنهم الروس، حتى يصل الامر بينهم إلى حرب عالمية. على صعيد المنطقة، تقوم دولتان مواليتان للمهدي عليه السلام في ايران واليمن. أما أنصاره الايرانيون فتقوم دولتهم قبله بمدة، ويخوضون حربا طويلة وينتصرون فيها. ثم يظهر فيهم قبيل ظهوره عليه السلام شخصيتان هما السيد الخراساني القائد السياسي، وشعيب بن صالح القائد العسكري، ويكون للايرانيين بقيادتهما دور هام في حركة ظهوره عليه السلام. واما أنصاره اليمانيون فتكون ثورتهم قبل ظهوره عليه السلام ببضعة أشهر. ويبدو أنهم يساعدون في مل ء الفراغ السياسي الذي يحدث في الحجاز، كما يساعدون في حركة ظهوره عليه السلام. وسبب هذا الفراغ السياسي في الحجاز أنه يقتل ملك سفيه من آل فلان اسمه " عبد الله " فيكون آخر ملوك الحجاز، ويختلفون بعده على

[ 21 ]

خليفته، ويستمر اختلافهم إلى ظهور المهدي عليه السلام " اما إنه إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد، ولم يتناه هذا الامر دون صاحبكم إنشاء الله، ويذهب ملك السنين، ويكون ملك الشهور والايام. قال أبو بصير فقلت: يطول ذلك ؟ قال: كلا ". ويتحول الخلاف بعد مقتل هذا الملك إلى صراع بين قبائل الحجاز " إن من علامات الفرج حدثا يكون بين الحرمين. قلت وأي شئ يكون الحدث ؟ فقال: عصبية تكون بين الحرمين، ويقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا " أي يقتل شخص خمسة عشر زعيما أو شخصية، من القبيلة المعادية له، أو من أبناء زعيم معروف معادين له. في هذه الاثناء تبدأ آيات ظهور المهدي عليه السلام، ولعل أعظمها النداء من السماء باسمه في الثالث والعشرين من شهر رمضان " قال سيف بن عميرة: كنت عند أبي جعفر المنصور فقال ابتداء: يا سيف بن عميرة لابد من مناد ينادي من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب. فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين، تروي هذا ؟ قال: إي والدي نفسي بيده، لسماع أذني له. فقلت له: يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعته قبل وقتي هذا ! قال ياسيف، إنه لحق، فإذا كان ذلك فنحن أول من يجيب، أما إنه نداء إلى رجل من بني عمنا. فقلت: رجل من ولد فاطمة عليها السلام ؟ قال: نعم يا سيف، لولا اني سمعته من أبي جعفر محمد بن علي ولو يحدثني به أهل الارض كلهم ما قبلته منهم، ولكنه محمد بن علي ". بعد هذا لنداء السماوي يبدأ المهدي عليه السلام بالاتصال ببعض حوارييه وأنصاره، ولكن بشكل سري، ويكثر الحديث منه في العالم ويلهج الناس بذكره " ويشربون حبه " كما تذكر الاحاديث، ويتخوف أعداؤه من

[ 22 ]

ظهوره فينشطون في البحث عنه. ويشيع عند الناس أنه يسكن المدينة المنورة، فتستدعي حكومة الحجاز أو القوى الخارجية جيش السفياني من سورية، من أجل ضبط الوضع الداخلي في الحجاز، وإنهاء صراع القبائل فيه على السلطة. ويدخل هذا الجيش إلى المدينة المنورة فيلقي القبض على كل هاشمي تصل يده إليه، ويقتل الكثير منهم ومن شيعتهم، ويحبس الباقين " ويبعث (اي السفياني) بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا، ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صغيرهم وكبيرهم لا يترك منهم أحد إلا أخذ وحبس. ويخرج الجيش في طلب الرجلين، ويخرج المهدي منها على سنة موسى عليه السلام خائفا يترقب، حتى يقدم مكة ". وفي مكة يواصل المهدي عليه السلام اتصالاته ببعض انصاره. حتى يبدأ حركته المقدسة من الحرم الشريف في ليلة العاشر من محرم بعد صلاة العشاء، حيث يلقي بيانه الاول على أهل مكة، فيحاول أعداؤه قتله، ولكن أنصاره يحيطون به ويدفعونهم عنه، ويسيطرون على المسجد، ثم يسيطرون على مكة. وفي صبيحة اليوم العاشر من محرم يوجه الامام المهدي عليه السلام بيانه إلى شعوب العالم بلغاتهم المختلفة، ويدعوهم إلى نصرته. ويعلن أنه سيبقى في مكة حتى تحدث المعجزة التي وعد بها جده المصطفى صلى الله عليه وآله، وهي الخسف بالجيش الذي يتوجه إلى مكة للقضاء على حركته. وبالفعل تقع المعجزة الموعودة بعد فترة قصيرة حيث يتوجه جيش السفياني إلى مكة " حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به. وذلك قول الله عز وجل " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت واخذوا من مكان قريب " " حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فيرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم ما أصابهم. ويلحق بهم من خلفهم لينظر ما فعلوه فيصيبهم ما أصابهم ".

[ 23 ]

وبعد معجزة الخسف هذه، يتوجه الامام المهدي عليه السلام من مكة، بجيشه المكون من بضعة عشر ألفا، إلى المدينة المنورة فيحررها بعد معركة مع القوات المعادية التي تكون فيها. وبتحرير الحرمين يتم له فتح الحجاز والسيطرة عليه. وتذكر بعض الروايات أنه يتوجه بعد فتح الحجاز إلى جنوب ايران، حيث يلتقي بجيش الايرانيين وجمهورهم بقيادة الخراساني وشعيب بن صالح، فيبايعونه، ويخوض معهم عند البصرة معركة مع قوات معادية ينتصرون فيها نصرا مبينا. ويدخل الامام بعد ذلك إلى العراق، ويصفي أوضاعه الداخلية، فيقاتل بقايا قوات السفياني ويهزما، ويقاتل فئات الخوارج المتعددة ويقتلهم، ويتخذ العراق مركز دولته، والكوفة عاصمته. ويكون ذلك قد وحد اليمن والحجاز وايران والعراق وبلاد الخليج تحت حكمه. وتذكر الاحاديث أن أول حرب يخوضها الامام المهدي عليه السلام بعد فتحه العراق تكون مع الترك " أول لواء يعقده يبعثه إلى الترك فيهزمهم " والظاهر أن المقصود بالترك الروس، حيث يكونون خرجوا ضعفاء من الحرب العالمية مع الروم أي الغربيين. ثم يعد الامام المهدي عليه السلام جيشه الكبير ويزحف به نحو القدس، فيتراجع أمامه السفياني حتى ينزل جيش المهدي في " مرج عذراء " قرب دمشق، وتجري المفاوضات بينه وبين السفياني فيكون موقف السفياني أمامه ضعيفا، خاصة وان التيار الشعبي العام يكون إلى جانب الامام المهدي عليه السلام، ويكاد السفياني ان يسلم الامر إليه، كما تذكر الروايات، ولكن الذين وراءه من اليهود والروم ووزرائه يوبخونه،

[ 24 ]

يعبئون قواتهم يخوضون المعركة الكبرى مع الامام المهدي وجيشه، والتي تمتد محاورها من عكا في فلسطين إلى أنطاكية في تركيا ساحليا، ومن طبرية إلى دمشق والقدس داخليا. وينزل فيها الغضب الالهي على قوات السفياني واليهود والروم، فيقتلهم المسلمون حتى لو اختبأ أحدهم وراء حجر لقال الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله. وينزل النصر الالهي على الامام المهدي والمسلمين فيدخلون القدس فاتحين. ويتفاجأ الغرب المسيحي بهزيمة اليهود وهزيمة قواته المساعدة لهم، على يد المهدي عليه السلام، فيستشيط غضبا ويعلن الحرب على الامام المهدي، ولكنه يتفاجأ بنزول المسيح عليه السلام من السماء في القدس، وببيانه الذي يوجهه إلى العالم والمسيحيين خاصة، ويكون نزوله عليه السلام آية للعالم يفرح بها المسلمون والشعوب المسيحية. ويبدو أن المسيح عليه السلام هو الذي يقوم بالوساطة بين المهدي عليه السلام والغربيين، فيتفقون على عقد هدنة سلام مدتها سبع سنوات " بينكم وبين الروم أربع هدن، تتم الرابعة على يد رجل من أهل (آل) هرقل، تدوم سبع سنن. فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستوربن غيلان: يا رسول الله، من إمام الناس يومئذ ؟ قال: المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب دري، في خده الايمن خال، عليه عباءتان قطوانيتان، كانه من رجال بني اسرائيل. يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك ". ولعل السبب في أن الغربيين ينقضون هذه الهدنة بعد سنتين كما تذكر بعض الروايات، هو تخوفهم من التيار الشعبي الذي يحدثه المسيح عليه السلام في شعوبهم، فيدخل الكثيرون في الاسلام، ويظهر الكثيرون تأييدهم للامام المهدي عليه السلام. فيقوم الروم بهجوم مباغت على منطقة بلاد الشام وفلسطين بنحو مليون جندي " ثم يغدرونكم فيأتونكم تحت

[ 25 ]

ثمانين راية كل راية اثنا عشر ألفا " وتواجههم قوات المسلمين، ويعلن المسيح موقفه إلى جانب الامام المهدي عليهما السلام، ويصلي خلفه في القدس. وتدور المعركة معهم على نفس محاور معركة فتح القدس تقريبا، من عكا إلى انطاكية، ومن دمشق إلى القدس ومرج دابق، وتكون الهزيمة الساحقة على الروم، والنصر المبين للمسلمين. وبعد هذه المعركة ينفتح الباب أمام المهدي عليه السلام لفتح أوروبا والغرب المسيحي. ويبدو أن كثيرا من بلادها يتم فتحها بثورات شعوبها، حيث تقوم الشعوب بإسقاط حكوماتها المعادية للمسيح والمهدي عليهما السلام، وتقيم فيها حكومات موالية للمهدي عليه السلام. وبعد فتح المهدي الغرب ودخوله تحت حكمه. واسلام أكثر أهله، يتوفى المسيح عليه السلام فيصلي عليه الامام المهدي والمسلمون، ويقيم الامام المهدي عليه السلام مراسم دفنه دفنه والصلاة عليه بشكل علني على مرأي من الناس ومسمع، كما تذكر الروايات الشريفة، حتى لا يقول الناس فيه كما قالوا أول مرة، ويكفنه بثوب من نسج أمه الصديقة مريم عليها السلام، ويدفنه إلى جانب قبرها الشريف في القدس. وبعد فتحه العالم، وتوحيده في دولة اسلامية واحدة. يعمل الامام المهدي عليه السلام في تحقيق الاهداف الالهية في شعوب الارض، في المجالات المختلفة. فيقوم بتطوير الحياة المادية وتحقيق الغنى والرفاهية لجميع الناس. وبتعميم الثقافة ورفع مستوى الوعي الديني والدنيوي. وتذكر بعض الاحاديث أن نسبة ما يضيفه إلى معلومات الناس في العلوم نسبة خمس وعشرين إلى اثنين، حيث يضيف الخمس وعشرين جزءا من العلم ويضمها إلى الاثنين ويبثها في الناس سبعا وعشرين.

[ 26 ]

كما يتحقق في عصره انفتاح سكان الارض على سكان الكواكب الاخرى. بل تبدأ مرحلة انفتاح عالم الغيب على عالمنا عالم الشهادة، فيأتي أناس من الجنة إلى الارض ويكونون آية للناس. ويرجع عدد من الانبياء والائمة عليهم السلام إلى الارض في زمن المهدي عليه السلام وبعده، ويحكمون إلى ما شاء الله من الزمان. ويكون ذلك من علامات القيامة ومقدماتها. ويبدو أن حركة الدجال الملعون وفتنته، تكون حركة استثمار منحرفة لتطور العلوم، وحالة الرفاهية التي يصل إليها المجتمع البشري في عصر المهدي عليه السلام، فيستعمل الدجال أساليب متطورة من الشعوذة لاغراء المراهقين والمراهقات والنساء الذين يكونون أكثر أتباعه كما تذكر الاحاديث، ويحدث بذلك في العالم تيارا في الفتنة والتصديق بالاعيبه، ولكن الامام المهدي عليه السلام يكشف زيفه، ويقضي عليه وعلى أتباعه. هذه صورة عامة عن حركة المهدي الموعود عليه السلام وثورته العالمية. أما العصر الذي تحدث فيه، فهذه أبرز معالمه وأحداثه كما تذكرها الاحاديث الشريفة. من ذلك، الفتنة التي تذكر الاحاديث أنها تحدث على الامة الاسلامية وتصفها بأنها تكون آخر الفتن التي تمر عليها وأصعبها، حتى تنجلي بظهور المهدي المنتظر عليه السلام. من الملفت حقا أن الاوصاف الكلية والتفصيلية لهذه الفتنة تنطبق على فتنة الغربيين وسيطرتهم على بلاد المسلمين في مطلع هذا القرن، وعلى حلفائهم الشرقيين أيضا. فهي فتنة تشمل كل بلاد المسلمين وكل عائلة

[ 27 ]

فيها " حتى لا يبقى بيت إلا دخلته ولا مسلم ال صكته " وتتداعي فيها الامم الكافرة على بلاد المسلمين كما يتزاحم الجائعون النهمون على مائدة دسمة " وعندها يأتي قوم من المغرب وقوم من المشرق فيلون أمرا أمتي " أي يحكمون بلاد المسلمين. وهي فتنة تبدأ من بلاد الشام، التي بدأ أعداؤنا منها مدهم الاستعماري المظلم، وسموها مركز الاشعاع الحضاري. وتنتج عنها فتنة تسميها الاحاديث الشريفة باسمها " فتنة فلسطين " وتصفها بأنها تمخض بلاد الشام مخض الماء في القربة " إذا ثارت فتنة فلسطين تردد في بلاد الشام تردد الماء في القربة، ثم تنجلي حين تنجلي وأنتم قليل نادمون " أي قليلون لكثرة ما يقتل منكم، بيد أعدائكم وبيد أنفسكم. وتصف الاحاديث أجيال أبناء المسلمين الذين ينشؤون على ثقافة هذه الفتنة حتى لا يكادون يعرفون غيرها. وتصف الحكام الجبابرة الذين يحكمون شعوب المسلمين بأحكام الكفر والاهواء، ويسومونهم سوء العذاب. وتسمي الروم أصحاب هذه الفتنة، وإخوان الترك الذين يرجح أن يكون المقصود بهم الروس، وأنهم عندما تتفاقم الاحداث في سنة ظهور المهدي عليه السلام، ينزلون قواتهم في الرملة بفلسطين وفي أنطاكية على الساحل التركي السوري، وفي الجزيرة عند الحدود السورية العراقية التركية " فإذا استثارت عليكم الروم والترك. ويتخالف الترك والروم وتكثر الحروب في الارض " " ستقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة، وستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة " وتذكر الاحاديث الشريفة أن بداية أمر ظهور المهدي عليه السلام يكون من ايران " يكون مبدؤه من قبل المشرق، وإذا كان ذلك خرج السفياني "

[ 28 ]

أي مبدأ التمهيد له عليه السلام على يد قوم سلمان أصحاب الرايات السود، وأن حركتهم تكون على يد " رجل من قم يدعو الناس إلى الحق. يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، لا يملون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون. والعاقبة للمتقين " وأنهم بعد خروجهم وثورتهم يطلبون من أعدائهم (الدول الكبرى) أن يتركوهم وشأنهم فلا يتركونهم " يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم (اي المهدي عليه السلام) قتلاهم شهداء " وتذكر الاحاديث أنهم ينتصرون في حربهم الطويلة، ويظهر فيهم شخصيتان موعودتان يسمى أحدهما الخراساني وهو فقيه مرجع أو قائد سياسي، والثاني شعيب بن صالح وهو قائد عسكري، شاب أسمر خفيف اللحية من أهل الري، وأنهما يسلمان الراية إلى الامام المهدي عليه السلام، ويشاركان مع جيشهما في حركة ظهوره، ويكون شعيب بن صالح القائد العام لقواته عليه السلام. وتصف الاحاديث حركة في سوريا يقوم بها " عثمان السفياني " الموالي للروم والمتحالف مع اليهود، وأنه يوحد سوريا والاردن تحت حكمه " السفياني من المحتوم، وخروجه من أوله إلى آخره خمسة عشر شهرا. ستة أشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر ولم يزد عليها يوما " والكور الخمس تشمل بالاضافة إلى سوريا، الاردن كما تدل الاحاديث، ويحتمل أن تشمل لبنان. ولكن هذه الوحدة التي يحققها السفياني لبلاد الشام تكون وحدة غير مباركة، لان الغرض منها أن تكون خط دفاع (عربي) عن اسرائيل، وقاعدة مواجهة للايرانيين الممهدين للمهدي عليه السلام. ولذلك يقوم السفياني

[ 29 ]

باحتلال العراق فتدخله قواته " ويبعث مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة، وينزلون الروحاء والفاروق. فيسير منها ستون ألفا حتى ينزلوا الكوفة، موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة " " كأني بالسفياني (أو بصاحب السفياني) قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة علي فله ألف درهم. فيثب الجار على جار ويقول هذا منهم ". ثم يكلفونه أن يملا الفراغ السياسي الذي يحدث في الحجاز، ويساعد حكومته الضعيفة للقضاء على حركة المهدي التي يلهج الناس بها، ويتوقعون بدايتها في مكة. فيرسل السفياني جيشه إلى الحجاز، ويدخل المدينة المنورة ويعيث فيها فسادا، ثم يقصد مكة المكرمة حيث يكون الامام المهدي عليه السلام قد بدأ حركته، فتقع المعجزة الموعودة على لسان النبي صلى الله عليه وآله في جيش السفياني فيخسف به قبل وصوله إلى مكة " يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه جيش، حتى إذا كانوا بالبيداء بيداء المدينة خسف بهم ". ثم يتراجع السفياني بعد هزيمته في العراق على يد الايرانيين واليمانيين، وهزيمته في الحجاز بالمعجزة على يد المهدي عليه السلام، ويجمع قواته داخل بلاد الشام لمواجهة زحف الامام المهدي عليه السلام بجيشه نحو دمشق والقدس. وتصف الروايات هذه المعركة بأنها ملحمة كبرى، تمتد من عكا إلى صور إلى أنطاكية في الساحل، ومن دمشق إلى طبرية والقدس في الداخل، وأن الغضب الالهي ينزل على السفياني وحلفائه اليهود والروم فيهزمون هزيمة ساحقة، ويؤخذ السفياني أسيرا ويقتل. ويدخل الامام المهدي عليه السلام والمسلمون القدس. كما تذكر الاحاديث حركة أخرى ممهدة للمهدي عليه السلام تحدث

[ 30 ]

في اليمن. وتمدح قائدها " اليماني " وتوجب على المسلمين نصرته " وليس في الرايات أهدى من راية اليماني. فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس. وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى. ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لانه يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم ". وتذكر دخول القوات اليمانية إلى العراق لمساعدة الايرانيين في مواجهة قوات السفياني. كما يبدو أن لهذا اليماني وقواته دورا هاما في الحجاز، في نصرة الامام المهدي عليه السلام. وفي مصر تذكر الاحاديث الشريفة حركة ثورة لرجل مصري، قبل خروج اليماني والسفياني، وتحركا لقائد الجيش المصري. وتحركا للاقباط في أطراف مصر. ثم تذكر دخول قوات غربية أو مغربية إلى مصر، وأنه على أثرها يكون خروج السفياني في بلاد الشام. وتذكر ان الامام المهدي عليه السلام يجعل لمصر مكانة إعلامية خاصة في العالم، ويتخذها منبرا له. وتصف دخوله مع أصحابه إلى مصر " ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره فيخطب الناس، فتستبشر الارض بالعدل. وتعطي السماء قطرها، والشجر ثمارها، والارض نباتها، وتتزين لاهلها، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرف (طرق) الارض كالانعام. ويقذف في قلوب المؤمنين العلم فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم فيومئذ تأويل هذه الاية " يغني الله كلا من سعته ". أما المغرب الاسلامي فتذكر الاحاديث أن قوات منه تدخل بلاد الشام، وربما مصر، وتذكر أن بعضها تدخل العراق. ومهماتها التي تذكرها الاحاديث شبيهة بمهمة قوات الردع العربية أو الدولية، وهي

[ 31 ]

ليست لمصلحة الاسلام والمسلمين. فهي في الشام تواجه قوات الايرانيين الممهدين وتشتبك معهم، ثم تنسحب إلى الاردن. ثم تنسحب بقيتها بعد خروج السفياني أو تنضم إليه. وهي في مصر لمساعدة حكومتها في مواجهة حركة الشعب المصري، أو مساعدة القوات الغربية التي تدخل مصر، قبيل قيام حركة السفياني في سوريا. وتذكر الاحاديث عصر الظهور ان اليهود في آخر الزمان يفسدون في الارض ويعلون علوا كبيرا، كما وصف الله تعالى في كتابه. وأن تدمير علوهم يكون على يد رايات تخرج " من خراسان فلا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء " أي في القدس. وان الايرانيين هم القوم الذين سيبعثهم الله تعالى هذه المرة على اليهود " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ". ولا تحدد الاحاديث هل يكون هذا التدمير الموعود مرحلة واحدة، أم على مراحل قبل ظهور المهدي عليه السلام وبعده. ولكنها تصف المرحلة النهائية منه، وأنها تكون على يد المهدي عليه السلام وجيشه الذي يكون أكثره من الايرانيين، وذلك في معركة كبرى يكون فيها عثمان السفياني حاكم بلاد الشام واجهة اليهود الروم، وخطهم الدفاعي المباشر. وتذكر ان الامام المهدي عليه السلام ويستخرج أسفار التوراة الاصلية من غار بأنطاكية، ومن جبل بفلسطين، ومن بحيرة طبرية، ويحتج بها على اليهود، ويظهر لهم الايات والمعجزات، فيسلم له بعض من بقي منهم بعد معركة فتح القدس. ثم يخرج من لم يسلم منهم من بلاد العرب. كما تصف الاحاديث الشريفة حربا عالمية تكون قبيل ظهور المهدي، يكون سببها من المشرق. وتكون بين الروم والترك، أي الغربيين والروس.

[ 32 ]

ويفهم من بعض أحاديثها أنها تكون على شكل حروب اقليمية " وتكثر الحروب في الارض " أي في سنة ظهوره على السلام. وأن خسائرها تتركز على أمريكا وأوروبا " وتشب نار في الحطب الجزل في غربي الارض " يختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة، ويلقى الناس جهدا شديدا مما يمر بهم من الخوف ". وتذكر ان خسائرها مع الطاعون الذي يكون قبلها وبعدها تبلغ ثلثي سكان العالم، ولا تصل إلى المسلمين الا بشكل ثانوي " لا يكون هذا الامر حتى يذهب ثلثا الناس. فقلنا: إذ ذهب ثلثا الناس فمن يبقى ؟ قال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي ؟ ". وتشير بعض الرويات إلى ان هذه الحرب تكون على مراحل، وان آخر مراحلها تكون بعد ظهور المهدي عليه السلام وتحريره الحجاز ودخوله العراق. وأن سببها يكوله له ارتباط بالفراغ السياسي وأزمة الحكم في الحجاز.. وفي الفصول التالية تفاصيل ذلك.

[ 33 ]

الفتنة الغربية والشرقية على المسلمين وردت كلمة (الفتنة) في القرآن الكريم والسنة الشريفة بمعنى عام، ومعنى خاص. فالمعنى العالم: كل امتحان وابتلاء يتعرض له الانسان، سواء كان من نفسه أو من الشيطان أو الناس، فينجح فيه وينجو من الفتنة، أو يسقط فيها. والمعنى الخاص: الاحداث والاوضاع التي تؤدي إلى افتتان المسلمين وانحرافهم عن دينهم. وهذا هو المعنى المقصود بالفتن الداخلية والخارجية التي أنذر منها النبي صلى الله عليه وآله. وقد روى الصحابة والتابعون على اختلاف مذاهبهم أحاديث عديدة حذر فيها النبي صلى الله عليه وآله من الفتن من بعده، وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه معروفا بين الصحابة بأنه خبير بأحاديث الفتن، لانه كان يهتم بسؤال النبي صلى الله عليه وآله عنها ويحفظ ما يقوله. ولذا نجد كثيرا من أحاديث الفتن في المصادر مسندا إلى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله أو عن أمير المؤمنين علي (ع) حيث كان حذيفة من خاصة أصحابه أيضا. وكان يقول رحمه الله كما روي عنه " ما من صاحب فتنة يبلغون ثلاث مئة انسان إلا لو شئت أن أسميه باسمه واسم أبيه ومسكنه إلى يوم القيامة. كل ذلك مما علمنيه رسول الله صلى الله عليه وآله ". ويقول

[ 34 ]

" لو حدثتكم بكل ما أعلم ما رقبتم بي الليل " مخطوطة ابن حماد ص 1 - 2، أي لقتلتموني فورا وما انتظرتم بي إلى الليل. وقد بلغ من اهتمام المسلمين بأخبار الفتن أنها غلبت عند بعضهم أحيانا على أخبار المهدي عليه السلام وظهوره، فعقد لها أصحاب الموسوعات الحديثية أبوابا وفصولا بعنوان " الفتن " أو " الملاحم والفتن " ومعنى الملاحم المعارك أو الاحداث المهمة التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله بوقوعها. كما ألف عدد من الرواة والعلماء مؤلفات خاصة باسم الفتن، والملاحم، وما شابه، جمعوا فيها الاحاديث الواردة فيها. وتتفاوت الاحاديث الشريفة في تعداد الفتن التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وحذر الامة منها، فيذكر عدد منها أنها خمس فتن، ويذكر بعضها أنها أربع أو ست أو سبع وأكثر. ولعل السبب في اختلاف الرواة أو الروايات في عددها أن النبي صلى الله عليه وآله كان في بعض المقامات يعدد الفتن الداخلية ويصفها، وفي بعضها يعدد الفتن الخارجية ويصفها. أو كان يذكر الفتن بحسب أنواعها وتأثيرها على المسلمين. والذي يهمنا هنا ليس البحث في تعدادها وبدايتها وتطبيقها على تاريخ المسلمين، بل معرفة الفتنة الاخيرة منها، التي يتفق الجميع على أنها تنجلي بظهور المهدي عليه السلام، والتي تنطبق أوصافها وأحداثها الواردة في الاحاديث الشريفة على الفتنة الغربية التي عظم بلاؤها واشتدت وطأتها على شعوب الامة في مطلع هذا القرن، حيث غزانا الغربيون في عقر ديارنا، وسيطروا على ثرواتنا ومقدراتنا وكل شؤوننا، وشاركهم الاعداء الشرقيون فغزوا قسما من بلادنا، وأزالوا منها كيان الاسلام ومعالمه، وضموها إلى دولتهم. وهذه نماذج من الاحاديث الشريفة.

[ 35 ]

عن النبي صلى الله عليه وآله قال " لتائين على امتي أربع فتن: الاولى تستحل فيها الدماء. والثانية تستحل فيها الدماء والاموال. والثالثة تستحل فيها الدماء والاموال والفروج. والرابعة صماء عمياء مطبقة، تمور مور السفينة في البحر، حتى لا يجد أحد من الناس ملجأ. تطير بالشام، وتغشى العراق، وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها. يعرك الانام فيها البلاء عرك الاديم، لايستطيع أحد أن يقول فيها مه مه ! لا ترفعونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى " الملاحم والفتن ص 17 وغيره. وفي رواية " إذا ثارت فتنة فلسطين تردد في الشام تردد الماء في القربة، ثم تنجلي حين تنجلي وأنتم قليل نادمون " ابن حماد ص 63، وسنذكره في دور اليهود في عصر الظهور. وفي رواية " تطيف بالشام، وتغشى العراق، وتعرك الجزيرة " ابن حماد - ص 9، وفي رواية أخرى " ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت، حتى لا يبقى بيت إلا دخلته، ولا مسلم لا صكته، حتى يخرج رجل من أهل بيتي " ابن حماد - ص 10. نلاحظ في هذا الحديث الشريف والاحاديث الكثيرة المشابهة له عدة صفات لهذه الفتنة، التي هي الرابعة بحسب هذه الرواية والاخيرة بحسب كل الروايات: أولا: أن أخبارها بلغت حد التواتر الاجمالي في مصادر الشيعة أو السنة، بمعنى أنه قد رواها رواة عديدون بالمعنى وإن اختلفت ألفاظ رواياتهم، بحيث يحصل العلم للمتأمل أن مضمون هذه الاخبار قد صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته (ع). ثانيا: أنها فتنة عامة شاملة لكل أوضاع المسلمين الامنية والثقافية والاقتصادية، حيث تستحل فيها المحارم كلها كما في حديث آخر أيضا، وحيث أنها " صماء عمياء " أي لا تسمع حتى تدفع بالكلام، ولا ترى فتميز بين أحد وآخر، بل تشمل الجميع وتطبق عليهم، وتدخل كل بيت وتصك

[ 36 ]

بضربتها شخصية كل مسلم، وتموج بمجتمع المسلمين موجا شديدا كمور السفينة في البحر المضطرب، ولا يجد أحد ملجأ من خطرها على دينه ودين أسرته، ولا ملجأ من ظلم حكام الجور ومن معهم من الغربيين والشرقيين الذين يأتون ويتولون أمور الامة كما ورد في حديث سيأتي ذكره " عندها يجئ قوم من المشرق وقوم من المغرب يلون أمتي ". ثالثا: أن شرها وبداية موجها يتركز على بلاد الشام " تطير بالشام " أي تبدأ من بلاد الشام، ولذا سماها أعداؤنا منطقة (الاشعاع الحضاري) فكيف إذا أضفنا إلى ذلك زرع اسرائيل في بلاد الشام، وفي رواية " تطيف بالشام " أي تحيط ببلاد الشام، ثم تمتد إلى بقية بلاد العرب والمسلمين. بل أطلقت احدى الروايات الشريفة عليها اسم " فتنة فلسطين " وأن موجها يتركز على أهل بلاد الشام أكثر من غيرهم. رابعا: أن هذه الفتنة تتمادى زمنا طويلا ولا ينفع معها أنصاف الحلول، لانها فتنة حضارية أعمق من حلول الترقيع والصلح، ولان موج المقاومة في الامة وموج عداوة العدو يفتق الحلول من ناحية أخرى " لا ترفعونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى " وفي رواية " لا ترتقونها من جانب إلا انفتقت أو جاشت من جانب آخر " والمعنى واحد، لان حلها يكون فقط بحركة التمهيد للمهدي في الامة، ثم بظهوره المبارك أرواحنا فداه. وقد صرحت العديد من رواياتها بأنها متصلة بظهور المهدي عليه السلام وأنها آخر الفتن، وبعض رواياتها وان وردت مطلقة لم يصرح فيها بأنها الفتنة التي قبل ظهور المهدي، ولكنها ذكرت أنها الفتنة الاخيرة، ووصفتها بنفس الصفات. فتكون هي المقصودة لا محالة للمطلق على المقيد. إن هذه الصفات الاساسية في هذه الفتنة، وصفات أخرى وردت في أحاديث أخرى سنذكر بعضها، لا يمكن تطبيقها على أي فتنة داخلية أو

[ 37 ]

خارجية تعرضت لها الامة الاسلامية من صدر الاسلام إلى عصرنا هذا، سوى الفتنة الغربية. فهي لا تنطبق على الفتن الداخلية في صدر الاسلام وبعده، ولا على فتنة الغزو المغولي، ولا على فتنة الغزو الصليبي في مراحل حملاته التاريخية التي بدأت قبل نحو تسع مئة سنة، وكانت في مد وجزر متباعدين. وانما تنطبق فقط على مرحلته الاخيرة حيث تمكن الغربيون من غزو الامة غزوا كاملا، ودخلت جيوشهم كل بلادها وأسقطوها صريعة في فتنتهم، وزرعوا في قلبها قاعدة حلفائهم اليهود. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال " والذي نفسي بيده ليلين أمتي قوم، إذا تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم. ليستأثرن بفيئهم، وليطأن حرماتهم، وليسفكن دماءهم، وليملان قلوبهم دغلا ورعبا، فلا تراهم إلا وجلين خائفين مرعوبين. عندها يجئ قوم من المشرق وقوم من المغرب يلون أمتي، فالويل لضعفاء أمتي منهم، والويل لهم من الله، لا يرحمون صغيرا، ولا يوقرون كبيرا، ولا يتجافون من شئ. جثثهم جثث الادميين، وقلوبهم قلوب الشياطين " بشارة الاسلام - ص 25، عن روضة الواعظين. وهذا الحديث الشريف يكشف عن الترابط بين الظلم الداخلي والاستعمار الخارجي، ويجعل السبب في سيطرة الكفار الشرقيين والغربيين على الامة جور حكامها وظلمهم لشعوبهم المسلمة، وارهابهم وخنقهم لحرياتهم. لان ذلك يجعل الناس ناقمين على حكامهم مشغولين بمصيبتهم بهم عن دفع العدو الخارجي، فيستغل العدو ذلك ويغزو بلادهم بحجة إنقاذهم من ظلم الحكام، كما فعل نابليون في عزوه لمصر، فقد وجه رسالة إلى المصريين عندما اقتربت سفنه من الساحل المصري، يمدح فيها الاسلام ويظهر حبه له وأنه إنما جاء لينقذ المصريين من ظلم المماليك ! ثم واصل

[ 38 ]

هذه الساسة الماكرة بعد احتلاله مصر، حتى أنه لبس الزي المصري وأعلن إسلامه، واحتفل بعيد المولد النبوي ! ثم استعملت بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا أساليب مشابهة، مدعية أنها جاءت لتحرير شعوب المسلمين، وما زالت تستعملها، من أجل استمرار سيطرتها على بلاد المسلمين وتدخلها في شؤونهم. ومن الملاحظ أن هذه الصفات الست التي ذكرها الحديث الشريف تنطبق بدقة على جيل الحكام الذين مهدوا لسيطرة الغربيين والشرقيين، كما تنطبق على حكام اليوم الذين يمهدون لاستمرار هذه السيطرة. والصفات هي: 1 - خنق حرية التعبير عن الرأي والقتل على الكلمة " إذا تكلموا قتلوهم " 2 - " وإن سكنوا استباحوهم " لان سياستهم قائمة على استباحة المسلمين حتى لو سكتوا عنهم. 3 - " ليستأثرن بفيئهم " والاستثئار بثروات البلاد من أصول سياسة حكامنا، حتى كأنها ملك موروث لهم ولا سرهم، وللمنافقين المقربين منهم. 4 - " وليطأن حرماتهم " وهو يشمل اعتداءهم على حرمة الدماء والكرامات والحريات وحرمة الاموال والاعراض. 5 - " وليسفكن دماءهم " ويشمل ذلك دماء الذين يتكلمون ضدهم ويقولون ربنا الله، وغيرهم. 6 - وليملان قلوبهم دغلا ورعبا " لعل معنى الدغل هنا الحقد على الحاكم الجائر، أو أن الظلم والجور يربي المسلمين على دغل نفوسهم على بعضهم.

[ 39 ]

أما هؤلاء الشرقيون والغربيون الذين قال عنهم صلى الله عليه وآله " عندها يجئ قوم من المشرق وقوم من المغرب يلون أمتي " فلا ينطبق أمرهم الا على الروس والغربيين الذين استغلوا ظلم الحكام وغزوا بلاد المسلمين وتولوا أمورهم، وما زالوا. قد يقال يمكنم أن يكون المقصود بالقوم الذين يجيئون من المشرق والمغرب، حركة العباسيين التي جاءت من مشرق الدولة الاسلامية، وحركة الفاطميين التي جاءت من مغربها، وكان ذلك على أثر ظلم الحكام الامويين. أو يقال: يمكن أن يكون المقصود بهم الغزو المغولي الذي جاء من المشرق، والحملات الصليبية التي جاءت من المغرب، على أثر ظلم الحكام العباسيين. ولكن الظاهر من تعبير الحديث الشريف أنهم قوم من غير المسلمين يتسلطون على أمور المسلمين، فلا ينطبق أمرهم على العباسيين والفاطميين. كما أنه لا ينطبق على المغول والحملات الصليبية السبابقة، لان الغربيين لم يتولوا أمور الامة الاسلامية بسبب حملاتهم تلك، وانما أسسوا إمارات صغيرة على سواحل بلاد الشام وكانوا محاصرين فيها، ولان المغول تولوا أمرها لمدة قصيرة ثم أسلم من بقي منهم في بلادنا، وذابوا في الامة. والاهم من ذلك أن تسلط المغول والحملات الصليبية التاريخية لم ينتهيا بظهور المهدي عليه السلام، بينما تنتهي سيطرة هؤلاء الشرقيين والغربيين وفتنتهم بظهور المهدي كما تصرح الاحاديث الاخرى. فينحصر انطباق أمرهم على الشرقيين والغربيين الفعليين من الروس والاروبيين والامريكيين خاصة بملاحظة الصفات الدقيقة في آخر الحديث لشخصياتهم وسياساتهم.

[ 40 ]

وعلى أي حال، فهم ورثة المغول الشرقين، والصليبيين الغربيين، لان الروس على الارجح هم المعبر عنهم بالترك في أحاديث الظهور، والغربيين هم الروم، كما ستعرف ان شاء الله تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال " لا يزال بكم الامر حتى يولد في الفتنة والجور من لا يعرف غيرها، حتى تملا الارض جورا فلا يقدر أحد يقول: الله. ثم يبعث الله عز وجل رجلا مني ومن عترتي فيملا الارض عدلا كما ملاها من كان قبله جورا " البحار ج 51 ص 68. وهذا الحديث الشريف يدل على أن الفتنة الاخيرة تستمر أجيالا حتى يولد فيها الجيل من أبناء المسلمين لايعرف فكرا غير فكر الانحراف عن الدين، ولا سياسة غير سياسة الظلم والجور. وهو تعبير دقيق عن أجواء الثقافة الغربية وسياسة حكوماتها المسيطرة على بلادنا، التي ينشأ الطفل المسلم في ظلها وهو لا يعرف شيئا عن أجواء الاسلام وثقافته وعدله، إلا من هيأ الله تعالى له أسباب الهداية والعصمة. ومعنى قوله صلى الله عليه وآله " حتى تملا الارض جورا فلا يقدر أحد يقول، الله " أن قوانين الظلم والجور وسياسات الظالمين الجائرين تشمل كل مرافق الحياة ومناطقها. وهذا ما حدث بعد غزو الغربيين. فقبل سيطرتهم كانت توجد بعض المناطق والمجالات في حياة المسلمين لا يشملها الظلم والجور، أما بعد غزوهم وسيطرة فتنتهم وحكام الجور الجدد من قبلهم، فقد عمت سياسات ظلمهم جميع البلاد والمرافق، وخنقوا أصواب المسلمين حتى لا يقدر أحد يقول: نحن مسلمون ربنا الله تعالى، ونريد تطبيق أحكام الاسلام. أو يقول: إن الله تعالى يأمرنا برفض الظلم والجور والثورة عليه. أو يقول: إن حكم الله تعالى في شأن هذا الحاكم أنه يجب قتله أو عزله، وفي هذا

[ 41 ]

القانون أنه يجب مقاومته تغييره. الخ. وليس معناه كما يتصور بعضهم أنه لا يقدر أحد أن يذكر اسم الله تعالى مطلقا، فإن الذي يثير الكفار والجبابرة والظالمين وحتى الملحدين، انما هو ذكر اسمه تعالى عندما يمس بكفرهم وظلمهم وتسلطهم. وفي رواية " حتى لا يقدر أحد أن يقول لاإله إلا الله " وهي أوضح في أن المقصود أنه لا يقدر أحد أن يعلن توحيد الله تعالى بالحاكمية، ورفض حاكمية الكفار والظالمين الذين لا يحكمون بشريعته عزوجل. وعن أمير المؤمنين (ع) قال " إن دولة إهل بيت نبيكم في آخر الزمان، ولها إمارات. فإذا استثارت عليكم والترك، وجهزت الجيوش. ويتخالف الترك والروم، وتكثر الحروب في الارض " البحار ج 52 ص 208. وكلامه عليه السلام واضح في أن فتنة الروم والترك وتحركهم لغزو بلادنا من امارات ظهور المهدي عليه السلام. وتعبير " استثارت " تعبير دقيق، أي تحركت ذاتيا على بلادنا الاسلامية من أجل التسلط عليها واستثمارها. وكذلك تعبير " ويتخالف الترك والروم " وذلك في صراعهم على تقاسم النفوذ والسيطرة بعد أن كانوا متخالفين. ولكنهم يبقون في نفس والوقت متفقين في عدائهم لنا، ومتعاونين في استثارتهم ضدنا وتجهيزهم الجيوش، كما هو واقعهم. " وتكثر الحروب في الارض " كما نرى أنه لا تخلو قارة من حرب أو أكثر، ولا تهدأ حرب حتى تنفتح حرب أخرى أو أكثر، كل ذلك بسبب استثارة الروم والترك وتخالفهم، ومعهم ومن ورائهم اليهود يشعلون فتيل الحروب كلما استطاعوا وأينما استطاعوا. وسيأتي تفسير المقصود بالروم والترك.

[ 42 ]

وعن أمير المؤمنين (ع) قال " أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين جوانحي علما جما، فسلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية وتطأ في خطامها بعد موتها وحياتها (موت وحياة خ. ل) أو تشب نار بالحطب الجزل من غربي الارض، رافعة ذيلها، تدعو يا ويلها، بذحلة أو مثلها (لرحلة ومثلها خ. ل). فإذا استدار الفلك، قلتم مات أو هلك، بأي واد سلك. فيومئذ تأويل هذه لايات " ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ". ولذلك آيات وعلامات. " البحار ج 52 ص 272 - 273. فهو يتحدث عليه السلام عن دمار واسع في الغرب في (حطبه الجزل) الكثير القابل للاشتعال، وذلك بسبب فتنة في منطقة الشرق، أو بسبب إثارة الترك الشرقيين آي الروس، نار الحرب على الروم. وسيأتي ذكر الحديث في أحاديث الحرب العالمية التي نرجح أن يكون وقوعها كما تذكر الاحاديث في سنة ظهور المهدي عليه السلام. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال " ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه، حتى تضيق بهم الارض الرحبة، وحتى تملا الارض جورا وظلما حتى لا يجد المؤمن ملجأ يلجأ إليه من الظلم. حتى يبعث الله عزوجل رجلا من عترتي يملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا. يرضى عنه ساكن المساء وساكن الارض. لاتدخر الارض من بذرها شيئا إلا أخرجته، ولا السماء من قطرها إلا صبته عليهم مدرارا " بشارة الاسلام ص 28، عن عقد الدرر للسلمي. وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وآله قال " ويح هذه الامة من ملوك جبابرة كيف يقتلون ويطردون المسلمين إلا من أظهر طاعتهم. فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه. فإذا أراد الله تبارك وتعالى أن يعيد الاسلام عزيزا

[ 43 ]

قصم ظهر كل جبار عنيد، وهو القادر على ما يشاء، وأصلح الامة بعد فسادها. يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي، يظهر الاسلام، والله لا يخلف وعده، وهو على كل شئ قدير " بشارة الاسلام ص 29، عن ينابيع المودة. وعنه صلى الله عليه وآله قال " يوشك أن تداعى عليكم الامم، تداعى الاكلة على قضعتها. وأنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، من حب الدنيا وكراهية الموت " الملاحم والفتن ص 129، وهي أحاديث واضحة بليغة عليها نور النبوة، تصور حالة الامة مع حكامها الجائرين، ومع عدوها المتسلط، وتبشر بالفرج بظهور المهدي عليه السلام. وعنه صلى الله عليه وآله قال " ويل للعرب من شر قد اقترب. ألا جنحة وما الاجنحة، ريح قفا هبوبها، وريح تهيج هبوبها، وريح تراخى هبوبها، ويل لهم من قتل ذريع. وموت سريع، وجوع فظيع. يصب عليهم البلاء صبا " مخطوطة ابن حماد ص 53. ويحتمل أن يكون المقصود بهذه لاجنحة الطائرات ومجيئها كالريح سريعة وبطيئة تزرع القتل الذريع والموت السريع، أو ريح موج قنابلها القوي والضعيف. كما يحتمل أن تكون هي الاجنحة الوارد ذكرها في معركة المهدي عليه السلام مع السفياني، ومن معه من العرب المدافعين عن اليهود والروم في معركة فتح القدس، حيث ورد في مخطوطة ابن حماد ص 124 " ثم يسلط الله على الروم ريحا وطيرا تضرب وجوههم بأجنحتها فتفقأ أعينهم وتتصدع بهم الارض " وقد تكون أجنحة طيور حقيقية من قبيل طير الابابيل، أو أجنحة وسائل حرب يستعملها المهدي عليه السلام، من قبيل الطائرات، وسيأتي ذكرها

[ 44 ]

في معركة القدس الكبري في حركة الظهور. وعنه صلى الله عليه وآله قال " يستخدم المشركون المسلمين ويبيعونهم في الامصار، ولا يتحاشى لذلك برو لا فاجر. ولا يزال ذلك البلاء على أهل ذلك الزمان، حتى إذا يئسوا وقنطوا وأساؤوا الظن أن لا يفرج عنهم، إذ بعث الله رجلا من أطايب عترتي وأبرار ذريتي، عدلا مباركا زكيا، لا يغادر مثقال ذرة، يعز الله به الدين والقرآن والاسلام وأهله، ويذل به الشرك وأهله. يكون من الله على حذر، لا يغتر بقرابة، ولا يضع حجرا على حجر، ولا يقرع أحدا في ولايته بسوط إلا في حد. يمحو الله به البدع كلها، ويميت الفتن كلها. يفتح الله به باب (كل) حق، ويغلق به باب كل باطل. يرد به سبي المسلمين حيث كانوا " الملاحم والفتن ص 108. وهو حديث يصور حالة استضعاف المسلمين المؤلمة، وبيعهم وشراءهم وسبيهم في البلاد. وهي حالة لا تقتصر في عصرنا على المسلمين الذين يعملون عند المشركين خدما وموظفين محتقرين، بل تشمل بيع المشركين لشعوبنا الاسلامية وشراءها وتهجيرها وسبيها. ثم يذكر الحديث الشريف ظهور المهدي المنقذ أرواحنا فداه، فجأة في حالة اليأس والاستضعاف.

[ 45 ]

الروم ودورهم في عصر الظهور المقصود بالروم في الاحاديث الواردة عن آخر الزمان وظهور المهدي عليه السلام: الشعوب الاوربية، ومنهم امتدادهم في القرون الاخيرة في أمريكا. فهؤلاء هم أبناء الروم، وورثة أمبراطوريتهم التاريخية. قد يقال: ان الروم الذين أنزل الله تعالى فيهم سورة من كتابه العزيز وسماها باسمهم، والذين حاربهم النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون من بعده، هم غير هؤلاء. فأولئك هم البيزنطيون الذين كانت عاصمتهم مدينة روما في ايطاليا، ثم صارت مدينة القسطنطينية، حتى فتحها المسلمون أخيرا قبل نحو 500 سنة، وسموها " إسلام بول " ويلفظها الناس استنبول. والجواب: صحيح أن الروم عند نزول السورة الكريمة باسمهم، وعند صدور الاحاديث الشريفة عنهم، كانوا هم أصحاب الامبراطورية الرومية أو البيزنطية المعروفة. ولكن الغربيين الفعليين ليسوا غيرهم، بل هم امتدادهم السياسي والحضاري، بل جزء منهم. فإن الشعوب الفرنسية والبريطانية والالمانية وغيرها، كانت أجزاء حقيقية من الامبراطورية الرومية في ثقافتها وسياستها ودينها، وتسميتها بالمستعمرات الرومانية آنذاك لا يلغي هذه الحقيقة. بل إن أباطرة الروم البيزنطيين أنفسهم على مدى

[ 46 ]

الالفي سنة التي كانت عاصمتهم فيها روما وقسطنطينية لم يكونوا كلهم من أصل ايطالي، ولا من عرق واحد، بل من أصول وأعراق أوربية متعددة، وربما كان فيهم يونانيون أيضا، بعد أن أصبحت اليونان جزءا من الامبراطورية الرومانية. ولعل هذا هو السبب في أنه عندما ضعفت الامبراطورية الرومية التقليدية، وأصبحت محصورة في القسطنطينية وما حولها، ومحاصرة ببحر الشعوب الاسلامية، قام الاوربيون بادعاء وراثتها، وتسمى عدد من ملوكهم في ألمانيا وغيرها بالقياصرة. إن هذا النوع من التحول في الامبراطوريات والدول أمر طبيعي، حيث ينتقل الحكم فيها من بلد إلى بلد ومن شعب إلى شعب، ولا ينافي ذلك بقاء اسمها الاساسي وصفاتها الاساسية. وعلى هذا، فالاحاديث الشريفة التي تخبر عن مستقبل الروم أو بني الاصفر كما كان يسميهم العرب، لا تقصد خصوص الروم البيزنطيين الايطاليين، دون الشعوب والقبائل، الفرنجية وغيرها التابعة لهم. وهذا هو السبب في أن المسلمين، كما في كتب التاريخ، يعبرون عنهم بالروم الفرنجة أحيانا، ولكنهم في نفس الوقت يطلقون عليهم جميعا اسم الروم، ويجمعونها فيقولون " الاروام " مضافا إلى ذلك، فإن المفهوم من سورة الروم الشريفة، والحديث فيها عن شركهم بالله تعالى وأحزابهم وأشياعهم في الايات 31 - 32، وفي سورة الكهف الايات 12، و 21 وغيرها، أن المقصود بهم الامم والاحزاب المدعية اتباع المسيح عليه السلام. ومن الواضح أن زعامة الشعوب المسيحية كانت بيد الروم الايطاليين والقسطنطينيين، ثم ورثها منهم الغربيون.

[ 47 ]

وقد ورد ذكر الروم في أحاديث كثيرة من أحاديث عصر الظهور، منها أحاديث فتنتهم وسيطرتهم على بلاد المسلمين التي تقدم ذكرها. ومنها، أحاديث عن تحرك أساطيلهم إلى بلاد العرب، قبيل ظهور المهدي عليه السلام. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إذا رأيت الفتنة في بلاد الشام فالموت حتى يتحرك بنو الاصفر فيسيرون إلى بلاد العرب، فتكون بينهم الوقائع " الملاحم والفتن - ص 107. وفتنة الشام تطلق في أحاديث الظهور على مرحلة الصراعات التي تكون في بلاد الشام بعد فتنة السيطرة الاجنبية على الامة الاسلامية.. وهذا يعني أن الغربيين - بني الاصفر - يجدون أنفسهم مضطرين للتدخل العسكري المباشر، بعد أن يعجزوا عن السيطرة على منطقة ما حول فلسطين، بسبب مقاومة أهلها وتياراتها السياسية المتصارعة. وأن تدخلهم العسكري سوف يواجه مقاومة من مسلمي البلاد العربية. وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " وينادي مناد في شهر رمضان من ناحية المشرق عند الفجر: يا أهل الهدى اجتمعوا. وينادي مناد من قبل المغرب بعد ما يغيب الشفق: يا أهل الباطل اجتمعوا. وتقبل الروم إلى ساحل البحر عند كهف الفتية، فيبعث الله الفتية من كهفهم مع كلبهم، منهم رجل يقال له مليخا، وآخر خملاها، وهما الشاهدان المسلمان للقائم " البحار ج 52 ص 275. ولعل هذا التحرك العسكري يكون استمرارا للتحرك السابق، أو هو نفسه. ويدل الحديث على أنه يكون قريبا من حركة الظهور، لان النداء في شهر رمضان يتبعه تسلسل الاحداث إلى محرم، حيث يكون ظهور المهدي عليه السلام في ليلة العاشر ويوم العاشر منه. ويبدو أن الجيش الغربي

[ 48 ]

يقصد سواحل بلاد الشام، فينزل في عكا وصور كما في بعض الروايات، وعند كهف الفتية أصحاب الكهف، أي في انطاكية من الساحل السوري التركي، كما في هذا الحديث. وقد وردت أحاديث عن الفتية أهل الكهف، وأن الله تعالى يظهرهم في آخر الزمان ؟ يكونوا آية للناس، ويكونوا من أصحاب المهدي عليه السلام، كما سنذكره في أصحاب المهدي. والحكمة من إظهارهم عند نزول الجيوش الغربية في تلك الفترة الهامة أن يكونوا آية للمسيحيين، خاصة وأن أصحاب المهدي عليه السلام يستخرجون من غار في انطاكية النسخ الاصلية من التوراة والانجيل كما تذكر الاحاديث، ويحتجون بها على الروم واليهود. وقد يكون الغار نفس كهف الفتية أو كهفا آخر. وجاء في بعض الاحاديث ذكر مارقة الروم الذين ينزلون الرملة في سنة ظهور المهدي عليه السلام، فعن جابر الجعفي عن الامام الباقر عليه السلام قال " وستقبل ما رقة الروم حتى ينزلوا الرملة، فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية الغرب " بشارة الاسلام ص 102. وقد يكون هؤلاء المارقة مرتزقة غربيين متطوعين للحرب مع اليهود، فينزلون الرملة بفلسطين لهذا الغرض. ويبدو أن المقصود بالاختلاف المذكور في الحديث من ناحية المغرب والغرب، مغرب البلاد الاسلامية، حيث يذكر بعده أن الخراب أول ما يصيب الشام. ويمكن أن يكون المقصود خرابها بسبب الغربيين. ومما يلفت في هذا المجال ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام في تفسير مطلع سورة الروم " أ. ل. م غلبت الروم. في أدني الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله

[ 49 ]

ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " الروم 1 - 5 فقد ورد عن الامام الباقر عليه السلام أنه فسر نصر الله للمؤمنين بظهور المهدي عليه السلام وكأنه نصره على الروم - المحجة للبحراني ص 170. ومنها، أحاديث نزول عيسى عليه السلام، ودعوته إياهم إلى الاسلام واتباع المهدي عليه السلام، التي تفسر قوله تعالى: " وانه لعلم للساعة " الزخرف - 61، " وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا " 159 - النساء، أي وإنه لاية من آيات الساعة، وما من أحد من أهل الكتاب النصارى واليهود إلا وسيؤمن بعيسى عليه السلام عندما ينزله الله إلى الدنيا، فيرونه ويرون آياته، قبل أن يتوفاه الله تعالى. وقد ورد أن عيسى يحتج على الروم بالمهدي، وما يجريه الله له من آيات " وبه عيسى بن مريم يحتج على الروم " البحار ج 52 ص 226. وسوف يكون لعيسى عليه السلام بعد معجزة نزوله من السماء دور أساسي في تغيير الاوضاع السياسية، وتثوير الشعوب الغربية على حكوماتها، كما سنذكره في نزوله عليه السلام. ومنها، أحاديث الهدنة بين المسلمين والروم، وهي تدل على أنها اتفاقية عدم اعتداء يوقعها معهم الامام المهدي عليه السلام. والمرجح أنها تكون بعد معركة القدس الكبرى التي تدور في مثلث عكا - القدس - أنطاكية، بين جيش المهدي وجيوش السفياني ومن وراءه من اليهود والروم، وبعد انتصار المهدي ودخوله القدس، ونزول المسيح عليهما السلام. ومن المرجح أن يكون للمسيح دور الوساطة فيها كما سنذكره. فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " يا عوف أعدد ستة تكون بين يدي الساعة.. وفتنة لا يكون بيت

[ 50 ]

من العرب الا دخلته، وهدنة تكون بينكم وبين بني الاصفر. ثم يغدرونكم فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية إثنا عشر ألفا " بشارة الاسلام ص 235 عن عقد الدرر للسلمي، وقال أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عوف بن مالك. وعنه صلى الله عليه وآله قال " بينكم وبين الروم أربع هدن، الرابعة على يد رجل من آل هرقل، تدوم سنين (سنتين) فقال له رجل من عبد القيس يقال له السؤدد بن غيلان، من إمام الناس يومئذ، فقال: المهدي من ولدي " البحار ج 51 ص 80 وهو الحديث الثاني عشر من أربعين الحافظ أبي نعيم في المهدي. وفي بعض الاحاديث أن مدة الا تفاقية تكون سبع سنوات، ولكن الغربيين ينقضونها بعد سنتين فقط ويغدرون بالمسلمين، ويأتون تحت ثمانين غاية أي راية أو فرقة في نحو مليون جندي، فتكون المعركة معهم في سواحل فلسطين وبلاد الشام أيضا، وتكون على أثرها انطلاقة المهدي عليه السلام إلى فتح أروبا والعالم غير الاسلامي، كما يأتي في حركة ظهوره المقدس. ومنها، أحاديث علاقة السفياني بالروم، وهروب من يبقى من أصحابه بعد هزيمته إلى بلاد الروم، ثم مطالبة أصحاب المهدي بهم، واسترجاعهم. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " إذ قام القائم وبعث بجيشه إلى بني امية هربوا إلى الروم، فيقولون لهم لاندخلكم حتى تدخلوا في ديننا، فيفعلون ويدخلونهم. فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم (أي نزل جيشهم في مواجهة الروم) طلبوا الامان والصلح أصحاب القائم لانفعل حتى تدفعوا إلينا أهل ملتنا فيدفعونهم إليهم " البحار ج 51 ص 88. بل تدل أحاديث أخرى أن ثقافة السفياني غربية، وأنه يكون في بلاد

[ 51 ]

الروم ثم يأتي إلى بلاد الشام ويقوم بحركته كما سنذكره، ففي غيبة الطوسي ص 278 " يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا في عنقه صليب، وهو صاحب القوم ". ومنها، أحاديث فتح المهدي عليه السلام لبلاد الروم، ودخولهم في الاسلام على يده. والمرجح أن يكون ذلك على أثر نقضهم معاهدة الهدنة، وحملتهم العسكرية على ساحل فلسطين وبلاد الشام، التي تنتهي بهزيمتهم. كما أن المرجح أن تكون هذه أشد معارك الروم مع المهدي عليه السلام، وأن يحدث بعدها في شعوبهم تحول نحو الاسلام. وفي بعض الاحاديث " يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفا من المسلمين " بشارة الاسلام ص 297، ولا يبعد أن يكون سقوط هذه العاصمة الغربية بتظاهرات الغربيين وتكبيرهم، والتي يشاركهم فيها الامام المهدي عليه السلام وأصحابه. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " ثم تسلم الروم على يده فيبني لهم مسجدا، ويستخلف عليهم رجلا من أصحابه، ثم ينصرف " بشارة الاسلام ص 251. والمرجح أن يكون للمسيح عليه السلام التأثير الاساسي في تحول الشعوب الغربية، وأن يكون ذلك في فترة الهدنة التي تدوم بين الغربيين والمهدي عليه السلام سنتين أو ثلاث سنوات، وأن يكون عيسى عليه السلام في هذه المرحلة في الغرب، أو يكون أكثر تواجده فيه.

[ 53 ]

الترك ودورهم في عصر الظهور المرجح عندنا أن المقصود بالترك في أحاديث حركة الظهور الشريفة هم الروس ومن حولهم من شعوب أوربا الشرقية. فهم وان كانوا مسيحيين تاريخيا، ومن شعوب مستعمرات الامبراطورية الرومية، حتى أنهم ادعوا وراثتها وتسمى ملوكهم بالقياصرة، كما فعل الالمان وغيرهم. إلا أنهم أولا، من قبائل منطقة الشرق الاسيوي الاوربي المتعددة، التي تسمى جميعا في الاحاديث الشريفة وفي التاريخ الاسلامي (قبائل الترك، وأمم الترك) فهذا الاسم يشمل بالاضافة إلى ترك تركيا وايران، قبائل التتار والمغول والبلغار والروس وغيرهم. وثانيا، لان المسيحية وصلتهم متأخرة ولم تتأصل فيهم، بل ظلت قشرة سطحية وأسوأ حالا منها في شعوب أوربا الغربية، وظلت ما ديتهم الوثنية هي الغالبة. ولعل هذا هو السبب في خضوعهم لاطروحة الشيوعية المادية الالحادية، وعدم نهوضهم لمقاومتها. وثالثا، أن الاحاديث الشريفة الواردة في تحرك الترك ضد المسلمين وان كان بعضها ينطبق على تحرك الترك المغول وزحفهم المعروف على بلادنا في القرن السابع الهجري. إلا أن عددا منها يصف تحركهم الذي

[ 54 ]

تتصل أحداثه بظهور المهدي عليه السلام، وتعاونهم ضدنا مع الروم، واختلافهم معهم في نفس الوقت، وهو أمر لا ينطبق الا على الروس، أو إذا طال الامر، على ورثة دولتهم من الاقوام ذات الاصول التركية في روسيا وأوربا الشرقية. وهذه نماذج من الاحاديث التي رود فيها ذكر دورهم في عصر الظهور. فمنها، أحاديث الفتنة الاخيرة على المسلمين على يدهم ويد الروم، التي تقدم ذكرها، والتي لا يمكن تفسيرها الا بهجمة الغربيين والروس على بلاد المسلمين في مطلع هذا القرن، والتي هي مستمرة حتى يكشفها الله تعالى بحركة التمهيد للمهدي في الامة، ثم بظهوره المبارك أرواحنا فداه. ومنها، أحاديث حرب السفياني مع الترك، والمرجح أيضا أن يكون المقصود بهم الروس، لان السفياني حليف للروم واليهود، بل ورد أن حركته في منطقة سوريا والاردن تكون على أثر سيطرة الترك على سوريا، ولو صحت روايتها فهي سيطرة قصيرة لانها تكون بعد فشل ثورة العلج الاصهب " فإذا قام العلج الاصهب وعسر عليه القلب (أي العاصمة أو المركز) لم يلبث حتى يقتل، ويطلب بدمه الاكحل، فهناك يرد الملك إلى الشرك (الترك) " إلزام الناصب ج 2 ص 224 والاصهب والابقع في أحاديث الظهور هما الزعيمان المناوئان لحركة السفياني، اللذان ينتصر عليهما ويسيطر على المنطقة. ولم أحد أحاديث عن قتال السفياني للترك في دمشق أو حولها، ولكن وردت أحاديث كثيرة متواترة اجمالا عن معركته العظيمة معهم في قرقيسيا على الحدود السورية العراقية التركية، ووصفت هذه المعركة بأنها من

[ 55 ]

الملاحكم الكبرى الموعودة من قديم، وأن سببها صراع على كنز يكتشف في مجرى نهر الفرات أو قرب مجراه في تلك المنطقة. على أن من المحتمل أن يكون المقصود بالترك في هذه المعركة ترك تركيا وليس الروس، ويحتمل أن تكون روسيا وراء معركة الاتراك مع السفياني. وسيأتي ذكر حرب قرقيسيا في أحداث بلاد الشام وحركة السفياني، ان شاء الله. ومنها، أحاديث ثورة آذربيجان في مواجهة الترك. فعن الامام الصادق (ع) قال " لابد لنا من آذربيجان لا يقوم لها شئ، فإذا تحرك متحركنا فاسعوا إليه ولو حبوا على الثلج " غيبة النعماني ص 170. وقد يفهم من قوله عليه السلام " لابد لنا من آذربيجان لا يقوم لها شئ " أنها حركة هدى في آذربيجان أو من أهلها، وأنه يجب الانتظار والتريث بعدها حتى تبدأ العلامات القريبة، وقد تكون في مواجهة الروس كما يفهم من الحديث التالي عن النبي صلى الله عليه وآله قال " للترك خرجتان، خرجة فيها خراب آذربيجان، وخرجة يخرجون في الجزيرة يخيفون ذوات الحجال، فينصر الله المسلمين. فيهم ذبح الله الاعظم " الملاحم والفتن ص 32. وإذا نظرنا إلى هذا الحديث بمفرده فيحتمل أن يكون من أحاديث الاخبار بغزو الترك المغول للبلاد الاسلامية حيث وصلوا إلى آذربيجان في المرحلة الاولى وخربوها، ثم وصلوها إلى الفرات، وكان النصر عليهم للمسلمين، وكان فيهم الذبح الاعظم في عين جالوت وغيرها. ولكن بالجمع بينه وبين الحديث المتقدم وغيره يحتمل أن يكون المقصود بالترك فيه الروس، وتكون خرجتهم الاولى قبل علامات الظهور القريبة في احتلالهم لاذربيجان قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، والثانية خروجهم

[ 56 ]

إلى الجزيرة التي هي إسم لمنطقة بين العراق وسوريا قرب منطقة قرقيسيا، فيكون خروجهم إليها من أجل معركتهم مع السفياني. ويكون معنى أن النصر للمسلمين فيها النصر غير المباشر بهلاك أعدائهم الجبارين، لان معركة قرقيسيا كما ستعرف ليس في أطرافها راية هدى أو راية يكون في انتصارها نصر للمسلمين، وانما بشر بها النبي والائمة صلى الله عليه وآله لان فيها هلاك الجبابرين بسيوف بعضهم. ومنها، أحاديث نزول الترك الجزيرة والفرات. ومن المرجح أن يكون المقصود بهم الروس لانها تقارن نزولهم بنزول الروم الرملة بفلسطين والسواحل. وقد ذكرنا أن قرقيسيا على مقربة من الجزيرة التي تسمى ديار بكر وجزيرة ربيعة، وهذا هو المفهوم من لفظ الجزيرة عندما تطلق في كتب التاريخ، وليس جزيرة العرب، أو جزيرة أخرى. ولا ينافي ذلك أن الترك المغول نزلوا الجزيرة والفرات في زحفهم في القرن السابع الهجري، وقد حسبها بعضهم يومذاك من علامات الظهور القريبة، فإن العلامة القريبة هي نزولهم ثم معركتهم مع السفياني في قرقيسيا. وبالمناسبة فان أحاديث فتنة الترك المغول وغزوهم لبلاد المسلمين هي من أحاديث الملاحم ومعاجز النبي صلى الله عليه وآله التي كان يعرفها المسلمون ويتداولونها في صدر الاسلام، ثم كثرت روايتها وتداولها أثناء الغزو المغولي وبعده، ولكنها تذكر انجلاء فتنتهم وانتصار المسلمين، دون أن تذكر ظهور المهدي عليه السلام على أثرهم، كما في أحاديث الترك التي نحن بصددها. وهذه نماذج من أخبار غزو المغول: فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال

[ 57 ]

" كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة. يلبسون السرق والديباج. ويعتقبون الخيل العتاق. ويكون هناك استحرار قتل، حتى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور. فقال له بعض أصحابه: قد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك عليه السلام وقال للرجل، وكان كلبيا: يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم. وإنما علم الغيب علم الساعة وما عده الله سبحانه بقوله " إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الارحام، وما تدري نفس بأي أرض تموت. الاية " فيعلم الله سبحانه ما في الارحام من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون من النار حطبا، أو في الجنان لنبيين مرافقا. فهذا علم الغيب الذي لا يعلم أحدا إلا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطم عليه جوانحي " نهج البلاغة - الخطبة 128. ومنها، أحاديث قتال المهدي عليه السلام للترك، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " أول لواء يعقده المهدي يبعثه إلى الترك فيهزمهم، ويأخذ ما معهم من السبي والاموال، ثم يسير إلى الشام فيفتحها " بشارة الاسلام ص 185. والتعبير بأول لواء يعقده يعني أنه أول جيش يبعثه عليه السلام ولايشارك فيه شخصيا، وقد ورد في الاحاديث أنه يبعثه بعد خوله إلى العراق، وبعد أن يكون خاض عدة معارك لتحرير الحجاز والعراق. ويحتمل أن يكون المقصود بالترك هنا ترك تركيا، ولكن الاقرب أن يكونوا الروس الذين يحاربهم السفياني في معركة قرقيسيا، ثم لا يكون النصر لطرف منهم على الاخر، ثم يكون استئصالهم على يد المهدي عليه السلام، كما تذكر الاحاديث، ويكون خراب بلادهم بالصواعق.

[ 58 ]

ومنها، أحاديث أن خراب بلاد الترك بالصواعق، أي الزلازل. ويحتمل أن يقصد بها وسائل الحرب التي تصعق وتزلزل كالصورايخ مثلا. ويبدو أن ذلك يكون على أثر حربهم للمهدي عليه السلام، وأنه يكون تدميرا واسعا ينهي قوتهم، حيث لم يرد لهم ذكر بعدها في أخبار الظهور، بل وردت عبارة عنهم بعد خرجتهم الثانية تقول " فلا ترك بعدها " وهذا مما يرجح أنهم الروس، حيث لم يرد تعبير من هذا النوع في أخبار الظهور عن شعب مسلم.

[ 59 ]

اليهود ودورهم في عصر الظهور لو لم يكن عندنا عن دور اليهود في آخر الزمان وعصر ظهور المهدي عليه السلام إلا الايات الشريفة في مطلع سورة الاسراء لكان فيها الكفاية، لانها على اختصارها وحي إلهي بليغ، تبين خلاصة تاريخهم، وتسلط الضوء على مستقبلهم، بدقة واعجاز. على أنه يوجد بالاضافة إليها والى آيات القرآن الاخرى عدة أحاديث شريفة، بعضها يتعلق بتفسير الايات، وبعضها يتعلق بوضعهم في عصر ظهور المهدي عليه السلام وحركته. وسف نذكرها بعد تفسير الايات الشريفة. الوعد الالهي بتدمير اليهود " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا. إنه هو السمع العليم. وآتينا موسى الكتاب، وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا. ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا.

[ 60 ]

وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب. " لتفسدن في الارض مرتين. ولتعلن علوا كبيرا. " فإذا جاء وعد اؤلاهما، بعثنا عليكم عبادا لنا اؤلي بأس شديد. " فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. " ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيرا. " إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها. أي حكمنا في القضاء المبرم في التوراة الذي أنزلنا عليهم. أنكم سوف تنحرفون عن الصراط المستقيم، وتفسدون في المجتمع مرتين. كما أنكم سوف تستكبرون على الاخرين وتعلون عليهم علوا كبيرا. فإذا جاء وقت عقوبتكم على افسادكم الاول، أرسلنا عليكم عبادا منسوبنى الينا، أصحاب بطش ومكروه ينزلونه بكم. فتجولوا خلال بيوتكم يتعقبون بقايا مقاتليكم، وكان ذلك وعدا قطعيا حاصلا. ثم أعدنا لكم الغلبة على هؤلاء الذين بعثناكم عليكم. وأعطيناكم أموالا وأولادا، وجعلناكم أكثر منهم أنصارا يستنفرون معكم ضدهم. ثم يستمر وضعكم على هذه الحال فترة من الزمن، فان تبتم وعملتم خيرا بما أعطيناكم من

[ 61 ]

فإذا جاء وعد الاخرة، ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا " عسى ربكم أن يرحمكم ". " وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا. أموال وأولاد فهو خير لانفسكم، وان أسأتم وطغيتم وعلوتم فهو لكم أيضا. ولكنكم سوف تسيؤون ولا تحسنون فنمهلكم، حتى إذا جاء وقت العقوبة على افسادكم في المرة الثانية سلطنا عليكم العابدا المنسوبين الينا بأشد من المرة الاولى، فأنزلوا بكم مكروها يسوء وجوهكم. ودخلوا المسجد الاقصى فاتحين كما دخلوه عندما جاسوا خلال دياركم في المرة الاولى. وسحقوا علوكم وافسادكم سحقا. لعل الله أن يرحمكم بعد هذه العقوبة الثانية بالهداية. وان عدتم إلى افسادما بعد العقوبة الثانية، عدنا إلى معاقبتكم، وحصرناكم عن ذلك في الدنيا، ثم جعلنا لكم جهنم حبسا وحصرا في الاخرة.

[ 62 ]

والنتيجة الاولى من الايات الكريمة: أن تاريخ اليهود من بعد موسى عليه السلام إلى آخر حياتهم يتلخص بأنهم يفسدون في المجتمع، حتى إذا جاء وقت عقوبتهم على ذلك بعث الله تعالى عليهم قوما منسوبين إليه فيغلبونهم، ثم يجعل الله تعالى الغلبة لليهود على أولئك القوم لحكم ومصالح، ويعطي اليهود أموالا وأولادا ويجعلهم أكثر أنصارا منهم في العالم. ولكن اليهود لا يستفيدون من أموالهم وأنصارهم بل يسيئون ويفسدون مرة ثانية، وفي هذه المرة يضيفون إلى افسادهم العلو فيستكبرون ويعلون على الناس كثيرا. فإذا جاء وعد عقوبتهم على ذلك سلط الله عليهم أولئك القوم مرة ثانية فأنزلوا بهم عقابا أشد من العقاب الاول على ثلاث مراحل. والنتيجة الثانية: أن القوم الذين يبعثهم الله عليهم في المرة الاولى يغلبونهم بسهولة " فجاسوا خلال الديار " ويدخلون المسجد الاقصى وينهون قوتهم العسكرية. ثم يرسلهم الله عليهم ثانية على رغم غلبة اليهود عليهم وكثرة أنصارهم ضدهم، فينزلون بهم العقوبة على ثلاث مراحل، حيث يوجهون إليهم أولا ضربات تسوء وجوههم، ثم يدخلون المسجد فاتحين كما دخلوه أول مرة، ثم يسحقون علوهم على الشعوب سحقا. والسؤال الاساسي الذي طرحه المفسرون: هل أن هذين الافسادين - اللذين يرافق أحدهما علو كبير - قد مضيا، ووقعت العقوبتان الموعودتان عليهما، أم لا ؟ فقال بعضهم: إنهما مضيا، ووقعت العقوبة على الافساد الاول على يد نبوخذ نصر، وعلى الافساد الثاني على يد تيطس الروماني. وقال بعضهم: لم تقع العقوبتان بعد.

[ 63 ]

والرأي الصحيح: أن العقوبة الاولى على إفسادهم الاول قد وقعت في صدر الاسلام على يد المسلمين، ثم رد الله الكرة لليهود على المسلمين عندما ابتعد المسلمون عن الاسلام، وأفسد اليهود ثانية وعلوا في الارض، وسيجئ وقت العقوبة الثانية وستكون على أيدي المسلمين أيضا، عندما يعودون إلى اسلامهم مجددا. وبهذا التفسير وردت الاحاديث الشريفة عن الائمة عليهم السلام، فقد فسرت هؤلاء القوم الذين سيبعثهم الله تعالى على اليهود في المرة الثانية بأنهم المهدي عليه السلام وأصحابه، وبأنهم أهل قم، وبأنهم قوم يبعثهم الله تعالى قبل ظهور القائم عليه السلام. ففي تفسير العياشي عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال بعد أن قرأ قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ": هو القائم وأصحابه، أولو بأس شديد ". وفي تفسير نور الثقلين، عن روضة الكافي، عن الامام الصادق عليه السلام، أنه قال في تفسيرها " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم، فلا يدعون وترا لال محمد صلى الله عليه وآله إلا قتلوه ". وفي بحار الانوار ج 60 ص 216 عن الامام الصادق عليه السلام " أنه قرأ هذه الاية فقلنا: " جعلنا فداك من هؤلاء ؟ فقال ثلاث مرات: هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل قم ". والروايات الثلاث متفقة في المقصود ولا تعارض بينها، لان أهل قم بمعنى ايران هم أنصار المهدي الذين يبعثهم الله تعالى للتمهيد له، وفيهم العديد من أصحابه الخاصين عندما يظهر، كما دلت الاحاديث. مضافا إلى أن مقاومة اليهود من قبل هؤلاء القوم ومن معهم من المسلمين تكون على مراحل، حتى يظهر المهدي عليه السلام، فيكون القضاء النهائي على اليهود بقيادته وعلى يده، أرواحنا فداه. ومما يدل على أن العقوبة الثانية الموعودة لليهود ستكون على أيدي

[ 64 ]

المسلمين أن القوم الذين وعد الله تعالى أن يبعثهم عليهم في المرتين أمة واحدة، وأن الصفات التي ذكرت لهم، وصفات حربهم لليهود لا تنطبق الا على المسلمين. فملوك المصريين والبابليين واليونان والفرس والروم وغيرهم ممن تسلط على اليهود لا يوصفون بأنهم " عبادا لنا " ولاحدث أن غلبهم اليهود بعد العقوبة الاولى، كما ذكرت الايات الشريفة. بينما غلبنا اليهود بعد عقوبتنا لهم في صدر الاسلام، وأمدهم الله سبحانه بأموال وبنين وجعلهم أكثر منا أنصار في العالم، ونفيرا علينا بمساعدة الدول الكبرى. وهاهم يفسدون في الارض ويستعلون علينا وعلى الشعوب. وهاهم مجاهدونا بدؤوا يوجهون إليهم ضربات تسئ وجوههم. ومما يدل على ذلك أيضا أن مراجعة تاريخهم من بعد موسى عليه السلام تدل على أنهم قد تحقق منهم الافساد في تاريخهم وحاضرهم، ولكن علوهم الموعود لم يتحقق على أي شعيب إلا في عصرنا الحاضر، فهو العلو الوحيد الموعود الذي تأتي على أثره العقوبة الموعودة بتتبيرهم. وهو أمر واضح لكل ناظر في خلاصة تاريخهم التي سنذكرها. الوعد الالهي بالتسليط الدائم عليهم قال الله عزوجل " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم. وقطعناهم في الارض أمما. منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك. وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون " الاعراف - 167 - 168. معنى هاتين الايتين الشريفتين: أنه تعالى أعلن وقضى بأنه سيسلط على اليهود من يعاقبهم ويعذبهم إلى يوم القيامة، فهو سريع العقوبة وهو الغفور الرحيم. وأن من عقوبته تعالى لهم أن شتتهم في

[ 65 ]

الارض جماعات جماعات، منهم الصالح ومنه الطالح، وامتحنهم بالخير والشر، لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الهدى. ونجد تنفيذ هذا الوعد الالهي بمعاقبة الهيود في كل أدوار تاريخهم ما عدا فترات حكم الانبياء موسى ويوشع وداود وسليمان عليهم السلام، فقد سلط عليهم أنواعا من الاقوام والشعوب وساموهم سوء العذاب. قد يقال: نعم لقد تسلط على اليهود ملوك المصريين والبابليين واليونان والفرس والرومان وغيرهم فساموهم سوء العذاب، ولكن المسلمين لم يسوموهم سوء العذاب، بل اكتفوا بأن قضوا على قوتهم العسكرية ثم قبلوا منهم أن يعيشوا في ظل الدولة الاسلامية، ويتمتعوا بحريتهم وحقوقهم ضمن قوانين الاسلام، ويعطوا الجزية. والجواب: أن سومهم سوء العذاب لا يعني استمرار قتلهم ونفيهم وسجنهم كما كانت تفعل بهم أكثر الدول التي تسلطت عليهم قبل الاسلام. بل تعني إخضاعهم عسكريا وسياسيا لسلطة من يسلطه الله عليهم. والمسلمون وان كانوا أرحم من غيرهم في معاقبة اليهود وتعذيبهم، ولكنه يصدق عليهم أنهم تسلطوا على اليهود وساموهم سوء العذاب. وقد يقال: نعم إن تاريخ اليهود يشهد بتطبيق هذا الوعد الالهي عليهم، ولكن قد مضى عليهم في عصرنا الحاضر قرن من الزمان أو نصف قرن على الاقل، ولم يتسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، بل مضى عليهم أكثر من نصف قرن من سنة 1936 م وهم يسومون المسلمين في فلسطين وفي غيرها سوء العذاب، فكيف نفسر ذلك ؟ والجواب: أن هذه الفترة من حياة اليهود مستثناة، لانها فترة رد الكرة، والعلو الكبير الموعود لهم بقوله تعالى في سورة الاسراء " ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددنا بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيرا " فتكون خارجة تخصصا

[ 66 ]

عن عموم الوعد بالتسليط عليهم، حتى يجئ وعد العقوبة الثانية على يد المسلمين أيضا. وقد وردت الاحاديث الشريفة عن الائمة عليهم السلام بأن هذا الوعد الالهي قد انطبق عليهم أيضا على أيدي المسلمين. فقد نقل صاحب مجمع البيان في تفسير هذه الاية اجماع المفسرين على ذلك فقال " والمعني به أمة محمد صلى الله عليه وآله عند جميع المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أي الامام الباقر. ورواه القمي في تفسيره عن أبي الجارود عن الباقر عليه السلام أيضا. الوعد الالهي بإطفاء نارهم قال الله عزوجل " وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا، وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله. ويسعون في الارض فسادا، والله لا يحب المفسدين " المائدة - 64. وهو وعد الهي بإطفاء نار الحروب التي يوقدونها، سواء كانوا طرفا مباشرا فيها أو حركوا لها الاخرين. وهو وعد لااستثناء فيه لانه بلفظ " كلما أوقدوا " والتاريخ البعيد والقريب يشهد بأنهم كانوا وراء إشعال عدد كبير من الفتن والحروب، ولكن الله تعالى حقق وعده باللطف بالمسلمين والبشرية، وأبطل كيد اليهود وأحبط خططهم وأطفأ نارهم. ولعل أكبر نار وفتنة أوقدوها على المسلمين والعالم نار الحرب الفعلية التي حركوا لها الغرب والشرق، وكانوا طرفا مباشرا فيها في فلسطين، وطرفا غير مباشر في أكثر بلاد العالم. ولم يبق الا أن يتحقق الوعد الالهي بإطفائها. ويفهم

[ 67 ]

من الاية الشريفة أن عدوانهم وصراعاتهم الداخلية أحد أبواب اللطف الالهي لاطفاء نارهم، بقرينة ذكر إطفاء النار في الاية بعدها وكأنه متفرع عليها " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ". هذا، وقد تعرضنا إلى تفسير آيات هذه الوعود الثلاثة لليهود بشئ من التفصيل في كتاب " الممهدون للمهدي " عليه السلام. أما الاحاديث الشريفة عن دورهم في عصر الظهور، فمنها ما يتعلق بتجمعهم في فلسطين قبل المعركة القاضية عليهم تفسيرا لقوله تعالى " وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الارض، فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا " الاسراء - 104 أي جئنا بكم من كل ناحية، أو جميعا، كما في تفسير نور الثقلين.. فمن ذلك الحديث الشريف عن مجيئهم وغزوهم لعكا، فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " هل سمعتم بمدينة جانب منها في البحر ؟ قالوا نعم. قال لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق ". المستدرك ج 4 ص 476. وعن أمير المؤمنين عليه السلام " لابنين بمصر منبرا، ولا نقضن دمشق حجرا حجرا، ولاخرجن اليهود من كل كور العرب، ولاسوقن العرب بعصاي هذه " فقال الراوي وهو عباية الاسدي: قلت له يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيا بعد ما تموت ؟ فقال: " هيهات يا عباية ذهبت غير مذهب. يفعله رجل مني " أي المهدي عليه السلام - البحار ج 53 ص 60. وهذا يدل على أن اليهود يتسلطون أو يتواجدون في كثير من بلاد العرب. وسوف نذكر معركة المهدي عليه السلام مع السفياني ومعهم، في أحداث بلاد الشام وأحداث حركة الظهور.

[ 68 ]

ومنها، حديث كشفهم للهيكل. فقد ورد في تعداد علامات الظهور عبارة " وكشف الهيكل " الذي يبدو أنه كشف هيكل سليمان عليه السلام. فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " ولذلك آيات وعلامات: أولهن إحصار الكوفة بالرصد والقذف. وتخريق الزوايا في سكك الكوفة. وتعطيل المساجد أربعين ليلة. وكشف الهيكل. وخفق رايات تهتز حول المسجد الاكبر، القاتل والمقتول في النار " البحارص 52 ص 273. ولكن يحتمل أن يكون كشف هذا الهيكل من قبل الممهدين للمهدي عليه السلام قبيل ظهوره، لان الحديث لا يذكر من يكشفه. كما يحتمل أن يكون الهيكل أثرا تاريخيا غير هيكل سليمان عليه السلام، أو في محل آخر غير القدس. حيث ورد ذكره بصيغة " كشف الهيكل " بنحو مطلق. والفقرات الاولى من الرواية تتحدث عن حالة حرب في الكوفة التي قد يرد ذكرها في الروايات بمعنى العراق، ولكنها هنا بمعنى مدينة الكوفة وحصارها وقذفها واتخاذ المتاريس في زوايا شوارعها. أما الرايات المتصارعة حول المسجد الحرام فهي تشير إلى صراع القبائل على الحكم في الحجاز قبيل ظهور المهدي عليه السلام، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة. ومنها، الاحاديث التي تعين القوم الذين يسلطهم الله تعالى عليهم بعد إفسادهم وعلوهم في العالم. وقد تقدم بعضها في تفسير الايات الشريفة، ويأتي ذكر بعضها في الحديث عن ايران وشخصياتها في عصر الظهور، من قبيل حديث الرايات السود المتراتر " تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شئ حتى تنصب في إيلياء " وغيره. ومنها، أحاديث استخراج المهدي عليه السلام للتوراة الاصلية من غار

[ 69 ]

بأنطاكية وجبل بالشام وجبل بفلسطين وبحيرة طبرية، ومحاجته اليهود بها. فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " يستخرج التوراة والانجيل من أرض يقال لها أنطاكية " البحارج 51 ص 25. وعنه صلى الله عليه وآله قال " يستخرج تابوت السكينة من غار بأنطاكية، وأسفار التوراة من جبل بالشام يحاج بها اليهود فيسلم كثير منهم " منتخب الاثر ص 309. وعنه صلى الله عليه وآله قال " يظهر على يديه تابوت السكينة من بحيرة طبرية، يحمل فيوضع بين يديه ببيت المقدس، فإذا نظرت إليه اليهود أسلمت إلا قليلا منهم " الملاحم والفتن ص 57، وتابوت السكينة هو المذكور في قوله تعالى " وقال نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين " البقرة - 248 وقد ورد أن هذا الصندوق المقدس الذي فيه مواريث الانبياء عليهم السلام كان آية وعلامة لبني اسرائيل على أحقية من يكون عنده بالملك، وأن الملائكة جاءت به تحمله بين جموع بني اسرائيل حتى وضعته أمام طالوت عليه السلام. ثم سلمه طالوت لداود، وداود لسليمان، وسليمان لوصيه آصف بن برخيا، على نبينا وآله عليهم جميعا السلام. ثم فقده بنو اسرائيل بعد وصي سليمان (ع) عندما لم يطيعوه وأطاعوا غيره. ومعنى " فيسلم كثير منهم " أو " أسلمت الا قليلا منهم " قد يكون من الذين يرون تابوت السكينة أو الذين يحاجهم المهدي عليه السلام بنسخ التوراة الاصلية. أو من الذين يبقيهم المهدي عليه السلام في فلسطين بعد تحريرها وهزيمتهم. وفي رواية أخرى أنه يسلم له من اليهود ثلاثون ألفا، وهو عدد قليل بالنسبة إلى مجموعهم. ومنها، أحاديث معارك الممهدين للمهدي عليه السلام مع اليهود.

[ 70 ]

كالحديث الذي تقدم عن إخراج المهدي إياهم من جزيرة العرب، ولا يكون ذلك الا بالانتصار عليهم وطردهم من فلسطين. ومنها أحاديث معركة المهدي الكبرى التي يكون طرفها المباشر السفياني وخلفه اليهود والروم، والتي يمتد محورها من أنطاكية إلى عكا، أي على طول الساحل السوري اللبناني الفلسطيني، ثم إلى طبرية ودمشق والقدس. وتتحقق فيها هزيمتهم الكبرى الموعودة، حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم هذا يهودي فاقتله. وسيأتي ذكرها في أحداث حركة ظهور المهدي أرواحنا فداه. ومنها، أحاديث معركة مرج عكا، وقد تكون جزءا من المعركة الكبرى المتقدمة، ولكن المرجح أنها جزء من المعركة الثانية التي يخوضها المهدي عليه السلام مع الغربيين ومن يأتي معهم من اليهود بعد سنتين أو ثلاث من فتح فلسطين وهزيمة اليهود والغربيين. فقد ذكرت الاحاديث أن المهدي عليه السلام يعقد بعدها اتفاقية هدنة وعدم اعتداء مع الروم أي الغربيين مدتها سبع سنين، ويبدو أن عيسى عليه السلام يكون الوسيط فيها، ثم يغدرون وينقضونها بعد سنتين أو ثلاث سنوات ويأتون ثمانين فرقة كل فرقة اثنا عشر ألفا، وتكون هذه المعركة الكبرى التي يقتل فيها كثير من أعداء الله تعالى، وقد وصفت بأنها الملحمة العظمى، ومأدبة مرج عكا، أي مأدبة سباع الارض وطيور السماء من لحوم الجبارين. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفا من المسلمين يشهدون الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يبيد الظلم وأهله " - بشارة الاسلام ص 297. ومنها، أحاديث موقع عكا العسكري في عهد المهدي عليه السلام، وأنه

[ 71 ]

يجعلها قاعدة بحرية لفتح أوربا، فقد ورد أنه " يبني أربع مئة سفينة في ساحل عكا. ويتوجه إلى بلاد الروم فيفتح رومية مع أصحابه " الزام الناصب - ص 224. وسيأتي ذكر ذلك في أحداث حركة ظهوره عليه السلام. خلاصة تاريخ اليهود تتناول هذه الخلاصة الحالة السياسية العامة لليهود من زمن موسى عليه السلام إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وقد اعتمدنا فيها على كتاب " معجم الكتاب المقدس " الصادر عن مجمع الكنائس للشرق الادنى، وكتاب " تاريخ اليهود من أسفارهم " للمرحوم محمد عزت دروزة. وينقسم تاريخ اليهود في هذه المدة إلى عشرة عهود: 1 - عهد موسى ويوشع عليهما السلام 1270 ق. م 1130 ق. م 2 - عهد القضاة 1130 ق. م 1025 ق. م 3 - عهد داود وسليمان عليهما السلام 1025 ق. م 931 ق. م 4 - عهد الانقسام والصراع الداخلي 931 ق. م 859 ق. م 5 - عهد السيطرة الاشورية 859 ق. م 612 ق. م 6 - عهد السيطرة البابلية 597 ق. م 539 ق. م 7 - عهد السيطرة الفارسية 539 ق. م 331 ق. م 8 - عهد السيطرة اليونانية 331 ق. م 64 ق. م 9 - عهد السيطرة الرومانية 64 ق. م 638 م 10 - عهد السيطرة الاسلامية 638. م 1925. م

[ 72 ]

عهد موسى ويوشع عليهما السلام عاش النبي موسى عليه السلام مئة وعشرين سنة، منها نحو ثلاثين سنة أول عمره الشريف في قصر فرعون مصر. ونحو عشر سنوات عند النبي شعيب عليه السلام، في قادش برنيع الواقعة في آخر سيناء من جهة فلسطين، قرب وادي العربة. وتذكر التوراة الموجودة أن عدد بني اسرائيل الذين خرجوا معه عليه السلام " ست مئة ألف ماش من الرجال عدا الاولاد " سفر الخروج اصحاح 12: 37 وسفر العدد اصحاح 33: 36. ويقدرهم بعض الباحثين الغربيين بستة آلاف نسمة. ويرجح المؤرخون أن الخروج من مصر حدث في مطلع القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حدود 1230 ق. م على عهد الفرعون منفتاح. وفي الجبل عند قادش توفي موسى عليه السلام فدفنه وصيه يوشع بن نون عليه السلام، وأخفى قبره. وقد تحمل من بني اسرائيل أنواع الاذى في حياته وبعد مماته. تقول توراتهم عنه وعن هارون عليهما السلام: " كلم الرب موسى قائلا: مت في الجبل كما مات أخوك هارون في جبل هور. لانكما خنتماني. عند ماء برية مريبة قادش في برية سين إذ لم تقدساني. فإنك تنظر الارض من قبالتها ولكنك لا تدخل إلى هناك إلى الارض التي أنا أعطيتها لبني اسرائيل " سفر التثنية، اصحاح 32: 5 - 53 وتقول: " يوشع بن نون هو يدخل إلى هناك سفر التثنية، اصحاح 1: 38.

[ 73 ]

وتولى قيادة بني اسرائيل بعد موسى وصيه النبي يوشع عليهما السلام، فسار بهم إلى الضفة الغربية لنهر الاردن وبدأ بمدينة أريحا وفتح معها 31 " مملكة " صغيرة الواحدة منها عبارة عن مدينة أو بلدة قد يتبعها قرى زراعية. وكان السكان من الوثنيين الكنعانيين. ثم قسم المنطقة على أسباط بني اسرائيل المتحاسدين، وقد ذكرت الاصحاحات 15 إلى 19 من سفر يوشع أسماء مدن وقرى المنطقة، مئتين وستة عشر مدينة، حسب تعبيرها. وتوفي يوشع عليه السلام عن عمر قارب مئة وعشر سنوات، حوالي 1130 ق. م. عهد القضاة عهد الاضطراب وسيطرة الممالك المحلية عليهم انتقلت قيادة بني اسرائيل بعد يوشع عليه السلام إلى القضاة، وحكم منهم خمسة عشر قاضيا. وتميز عهدهم بأمرين سنراهما مرافقين لبني اسرائيل دائما هما: انحرافهم عن خط الانبياء عليهم السلام، وتسليط الله تعالى عليهم من يسومهم سوء العذاب، كما ذكر سبحانه في القرآن. يتحدث سفر القضاة في الاصحاح الثالث والخامس عن انحراف بني اسرائيل بعد يوشع عليه السلام فيقول: " سكنوا في وسط الكنعانيين والحيثيين والاموريين والفرزيين والحيويين واليبوسيين، واتخذوا بناتهم لانفسهم نساء، واعطوا لبنيهم، وعبدوا آلهتهم ". ويذكر في الاصحاح 3: 8 أن أول من تسلط عليهم وأخضعهم كوشان رشتعايم ملك آرام النهرين، مدة ثمان سنين.

[ 74 ]

ثم هاجمهم بنو عمون والعمالقة واستولوا على مدينة أريحا - قضاة، اصحاح 3: 13. ثم تسلط عليهم يابين ملك كنعان في حاصور عشر سنين - قضاة، اصحاح 4: 3. ثم استعبدهم بنو عمون والفلسطينيون ثمان عشرة سنة - قضاة، اصحاح 1: 8. ثم نكل بهم الفلسطينيون وتسلطوا عليهم مدة أربعين سنة - قضاة، اصحاح 13: 1. وقد امتد حكم القضاة من بعد يوشع عليه السلام إلى زمن النبي صموئيل عليه السلام، الذي ذكره الله تعالى في القرآن بقوله: " ألم تر إلى الملا من بني اسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم إبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، قاتلوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ؟. فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم. والله عليم بالظالمين " البقرة - 246. ويقدر المؤرخون هذه المدة بحوالي قرن، من سنة 1130 ق. م إلى عهد طالوت وداود عليه السلام 1025 ق. م بينما يفهم من سفر القضاة في التوراة أنها أكثر من ذلك. عهد داود وسليمان عليهما السلام جعلنا عهد طالوت (شاول) جزء من عهد داود وسليمان عليهما السلام، لانه كان ملكا على خط الانبياء ولم يكن نبيا. ويذكر المؤرخون أنه حكم

[ 75 ]

خمس عشرة سنة 1025 إلى 1010 قبل الميلاد، وحكم بعده داود وسليمان عليهما السلام من 1010 ق. م إلى 931 ق. م سنة وفاة سليمان. ويلاحظ أن مؤلفي التوراة الموجودة قد أكثروا من ظلمهم وافترائهم على موسى وداود وسليمان عليهم السلام، ورموهم بعظائم التهم الاخلاقية والسياسية والعقائدية، وقد تبعهم في ذلك وزاد عليهم اكثر المؤرخين النصارى الغربيين، ثم تبعهم على ذلك أصحاب الثقافة الغربية الذين يتسمون بالمسلمين. صلوات الله على أنبيائه جميعا، ونبرأ إلى الله ممن يكفر بهم، أو يرميهم بسوء. لقد أنقذ داود عليه السلام بني اسرائيل من الوثنية التي تورطوا فيها، ومن تسلط الوثنيين. ومد نفوذ دولته الالهية إلى المناطق المجاورة، وعامل الشعوب التي دخلت تحت حكمه بالحسنى كما وصف الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله. وأراد داود أن يبني مسجدا في مكان عبادة جده ابراهيم عليهما السلام في القدس على جبل (المريا) وكان المكان بيدرا للحبوب لاحد سكان القدس من اليبوسيين اسمه أرونا، فاشتراه منه بخمسين شاقلا فضة كما تذكر التوراة الموجودة (سفر صموئيل الثاني، اصحاح 24: 24 - وسفر الاخبار الاول، اصحاح 21: 22، 28) وبنى فيه مسجدا أقام فيه الصلاة، وفي جانب منه كانت تذبح الاضاحي لله تعالى. وورث سليمان ملك أبيه عليهما السلام، وبلغ مكه ما ذكره الله تعالى في قرآنه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، وبنى مسجد أبيه داود وابراهيم، بناء جديدا فخما عرف باسم هيكل سليمان. إن فترة حكم سليمان هي فترة استثنائية في تاريخ الانبياء عليهم السلام جسد الله تعالى فيها للعالم نموذجا للامكانات الهائلة المتنوعة التي يمكن أن يسخرها لحياتهم إذا هم أقاموا كيانهم السياسي بقيادة الانبياء

[ 76 ]

وأوصيائهم، ولم يستغلوها في البغي على بعضهم " ولو بسط الله الرزق للناس لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير " 27 - الشورى. وتوفي سليمان عليه السلام وهو جالس على كرسيه كما وصف القرآن. ويحدد المؤرخون ذلك بسنة 931 ق. م. وبمجرد وفاته وقع الانحراف في بني اسرائيل والانقسام في الدولة، وسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب. تقول التوراة الموجودة في سفر الملوك الاول اصحاح 11: 1 - 13 بعد أن تفتري على سليمان عليه السلام أنه ترك عبادة الله تعالى وعبد الاصنام " وقال لسليمان: من أجل أن ذلك عنذك، ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها فإني أمزق المملكة عنك تمزيقا ". عهد الانقسام والصراع الداخلي وقد وصل بهم الامر إلى أن استعانوا على بعضهم بالقوى الوثنية المتبقية حولهم، وبفراعنة مصر، وآشور وبابل. فقد اجتمع اليهود بعد موت سليمان عليه السلام في شكيم (نابلس) وبايعت اكثريتهم يربعام بن نباط الذي كان عدوا لسليمان في حياته، وهرب منه إلى فرعون مصر، فلما توفي سليمان رجع ورحب به اليهود، وأقام في الضفة الغربية، كيانا باسم دولة اسرائيل وجعل عاصمته شكيم أو السامرة، وبايعت قلة منهم رحبعام بن سليمان وجعل عاصمته القدس، وعرفت دولته باسم يهوذا. أما وصي سليمان آصف بن برخيا الذي يصفه الله تعالى بأنه " عنده علم من الكتاب " فلم يكن نصيبه من بني اسرائيل الا التكذيب !

[ 77 ]

وتذكر التوراة أن الكفر وعبادة الاصنام كان علنيا في أتباع يرى بعام وأنه " صنع عجلين من ذهب ووضع أحدهما في بيت إيل والثاني في دان وجعل عندهما مذابح وقال لهم: هذه آلهتكم التي أصعدتكم من مصر فاذبحوا عندها ولا تصعدوا إلى أورشليم، فاستجاب له الشعب ! " سفر الملوك اصحاح 12: 26 - 33. والى جانب العجلين أمر يربعام بعبادة آلهة أخرى منها عشتروت إلهة الصيدونيين وكموش إله الموآبيين، ومكلوم إله العمونيين (سفر اخبار الملوك الاول، اصحاح 12: 31 وأخبار الملوك الثاني، اصحاح 11: 13 - 15 واصحاح 13: 9). وبعد ثلاث سنوات سارت مملكة يهوذا في ذات الطريق فعبدت الاصنام (سفر اخبار الملوك الاول، اصحاح 14: 21 - 24 والملوك الثاني، اصحاح 11: 13 - 17 واصحاح 12. وقد اغتنم شيشق فرعون مصر هذه الفرصة وقام في سنة 926 ق. م بحملة لمساعدة يربعام، والقضاء على دولة ابن سليمان وجماعته، فاحتل القدس " وأخذ خزائن بيت الرب وبيت الملك، وأخذ كل شئ، وأخذ أتراس الذهب التي عملها سليمان " سفر اخبار الملوك، اصحاح 14: 25 - 26. ويبدو أن ظروف فرعون مصر لم تساعده لفرض سيطرته المستمرة أو سيطرة حليفه يربعام. فبعد انسحاب شيشق استعادت المملكة الصغيرة شيئا من كيانها، ولكن الحروب استمرت مع يربعام. كما استغل الاراميون ضعف الدولتين فهاجموا مملكة يهوذا وساقوا رؤساءهم سبايا إلى عاصمتهم دمشق، وفرضوا عليهم الجزية وذلك في عصر الملك الارامي بن هدد - 879 - 843 ق. م سفر الملوك الثاني اصحاح 13: 3 - 13.

[ 78 ]

ثم فرضوا الجزية والحماية على مملكة يربعام في زمن مملكة آخاب بن عومري 874 ق. م 853 ق. م. وتذكر التوراة أيضا غزو الفلسطينيين والعرب الذين بجانب الكوشسيين لممكلة يهوذا في زمن الملك يهورام، حيث احتلوا القدس واستولوا على الاموال الموجودة في بيت الملك، وسبوا أبناءه ونساءه (سفر الملوك الثاني، اصحاح 21: 16 - 17). وكذلك تذكر أن الجيش الارامي غزا بيت المقدس وأهلك كل الرؤساء وأخذ جميع الخزائن وقدمها إلى حزائيل ملك الاراميين (سفر الملوك الثاني، اصحاح 24: 3 واصحاح 12 - 17 - 18). وكذلك هجم يوآش ملك اسرائيل على يهوذا وهدم سورها، وأخذ كل الذهب والفضة وجميع الانية الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت الملك (سفر الملوك الثاني اصحاح 14: 11 - 14 واصحاح 25: 21 - 24. وقد استمرت هذه الحالة من الصراع فيما بينهم، وتسلط الممالك المجاورة عليهم إلى الاحتلال الاشوري. عهد السيطرة الاشورية بدأت السيطرة الاشورية على اليهود بحملة شلمنصر الثالث ملك الاشوريين 859 ق. م - 824 ق. م على مملكة الاراميين ومملكة اسرائيل حيث اخضع المنطقة لحكمه وحكم من بعده من الاشوريين، ويبدو أن مملكة يهوذا كانت محافظة على طاعة الاشوريين بعكس مملكة إسرائيل. لان التوراة تذكر طلب ملكها آحازبن يوثام من تغلث فلا سر ملك آشور القيام بحملة على مملكة اسرائيل والاراميين فاستجاب له الاخير وقام بحملة في

[ 79 ]

سنة 732 ق. م، وتابع مهمته خلفه شلمنصر الخامس ولكنه توفي أثناء حصاره لعاصمتها شكيم (السامرة) فأكمل خلفه سرجون الثاني احتلال السامرة، وقضى على هذه المملكة نهائيا. وقد ساعد الاشوريين في القضاء على مملكة اسرئيل خطة الاجلاء التي طبقوها مع اليهود، فقد سباهم تغلث فلا سر إلى بلاده، واسكن مكانهم آشوريين، كما وورد في سفر اخبار الملوك الثاني اصحاح 15: 29. وقام بعده الملك فقح بإكمال الخطة فسبى سبط منسي وغيره، كما في أخبار الايام، اصحاح 5: 29. وسرجون الثاني الذي أجلى منهم حوالي ثلاثين ألفا إلى حران وضفة الخابور وميديا، وأسكن مكانهم الاراميين - سفر الملوك الثاني اصحاح 17: 5، 6 و 18. ثم خرجت مملكة يهوذا عن طاعة الاشوريين في عهد ملكها حزقيا الذي قام على ما يبدو بالاتصال بالمصريين، فغضب عليه سنحاريب ملك آشور وقام بآخر حملة آشورية لاخضاع مملكة يهوذا حوالي سنة 701 ق. م وأخضع المنطقة واحتل القدس ودفع له حزقيا " جميع الفضة الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت الملك " سفر أخبار الملوك الثاني، اصحاح 18: 13 - 15. وتذكر التوراة الموجودة غير من تقدم من ملوك آشور: أسرحدون، وآشور بانيبال آخر ملوكهم، وأنهما نقلا أقواما من آشور وأسكنوهم في السامرة - سفر عزرا، اصحاح 4: 10. عهد السيطرة البابلية سقطت عاصمة الاشوريين نينوى على يد الماذيين والبابليين

[ 80 ]

(الكلدانيين) سنة 612 ق. م فتقاسموا ممتلكاتها، وكان العراق وبلاد الشام وفلسطين من حصة البابليين. وأشهر ملوكهم نبوخذ نصر الذي قام بحملتين لاخضا بلاد الشام وفلسطين، الاولى سنة 597 ق. م والثانية سنة 586 ق. م. في الحملة الاولى، حاصر القدس وفتحها وأخذ خزائن بيت الملك، وسبى عددا كبيرا من اليهود من جملتهم الملك يهوياكين ورجاله، وعين صدقيا عم يهوياكين على من بقي من اليهود، وأسكن المسبيين في منطقة نيبور عند نهر الخابور ببابل - أخبار الملوك الثاني، اصحاح 24: 1 - 6. وجاءت الحملة الثانية بسبب صراع النفوذ بين نبوخذ نصر وفرعون مصر خوفرا حيث قام الاخير بتحريض ملوك بلاد الشام وفلسطين ومنهم صدقيا ملك القدس على التحالف معه ضد البابليين فاستجابوا له، فوجه حملته إلى المنطقة، ولكن نبوخذ نصر سارع بإرسال حملة تمكن بها من هزيمة المصريين واحتلال كافة المنطقة، ودخل الجيش البابلي القدس ودمر الهيكل وأحرقه ونهب خزائنه، وكذلك فعل ببيوت كبار اليهود، وسبى منهم حوالي خمسين ألف شخص، وذبح أولاد صدقيا أمامه، ثم فقأ عينيه وحمله مقيدا مع الاسرى، وقضى بذلك على مملكة يهوذا - سفر الملوك الثاني، اصحاح 24: 17 - 20 و 25 وسفر الاخبار الثاني اصحاح 36: 11 - 21 وسفر أرميا، اصحاح 39: 1 - 4. عهد السيطرة الفارسية احتل كورش ملك فارس بلاد بابل وقضى على دولتها سنة 539 ق. م، ومضى في حملته ففتح بلاد الشام وفلسطين، وسمح لمن أراد من أسرى نبوخذ نصر واليهود الموجودين في بابل بالرجوع إلى القدس، وأعاد

[ 81 ]

إليهم كنوز الهيكل، وسمح لهم بإعادة بنائه، وعين زر بابل حاكما عليهم - سفر عزرا اصحاح 6: 3 - 7 واصحاح 1: 7 - 11. وبدأ الحاكم اليهودي التابع لكورش ببناء الهيكل، ولكن الاقوام المجاورة توجست من ذلك واشتكت إلى قمبيز خليفة كورش، فأمر بايقاف البناء، ثم سمح لهم دارا الاول فأتموا بناءه سنة 515 ق. م - سفر عزرا، اصحاح 6: 1 - 15. واستمرت السيطرة الفارسية على اليهود من سنة 539 ق. م - 331 ق. م حكم فيها كورش، وقمبيز، وداريوش الاول (دارا)، وأحشوريوش، وأرتحشستا المعاصر لعزير عليه السلام، وحكم بعده عدة ملوك منهم داريوس الثاني وأرتحشست الثاني، والثالث، وكان آخر ملوكهم داريوس الثالث الذي قضى عليه الاسكندر اليوناني. وأكثر هؤلاء الملوك ورد ذكرهم في التوراة الموجودة. عهد السيطرة اليونانية زحف الاسكندر المقدوني على مصر وبلاد الشام وفلسطين ففتحها، وهزم الحاميات الفارسية والقوى المحلية التي وقفت في وجهه، ودخل القدس وأخضعها فيما أخضع، ثم قضى على داريوس الثالث وجيشه في معركة أربيل الحاسمة بشمال العراق، وتابع زحفه فاحتل ايران وغيرها. ودخل اليهود بذلك تحت السيطرة اليونانية سنة 331 ق. م. وقد تنازع قادة جيش الاسكندر بعد وفاته على امبراطوريته الكبيرة، وبعد صراع دام عشرين سنة سيطر البطالسة في مصر (نسبة إلى بطليموس) على أكثر أجزاء الدولة، والسلوقيون في سوريا (نسبة إلى سلقس) على

[ 82 ]

أجزاء أخرى، ودخلت القدس تحت سيطرة البطالسة في سنة 312 ق. م حتى انتزعها منهم انطيوخوس الثالث السلوقي سنة 198 ق. م ثم غلب عليها البطالسة مرة أخرى حتى الفتح الروماني سنة 64 ق. م. وقد ذكرت التوراة الموجودة ستة من البطالسة باسم بطليموس الاول والثاني. الخ. وأن الاول دخل أورشليم يوم السبت، وسبى عددا من اليهود إلى مصر - سفر دانيال، اصحاح 11: 5. كما ذكرت خمسة من السلوقيين باسم انطيوخوس الاول والثاني. الخ. وأن الرابع منهم - 175 ق. م 163 ق. م زحف على القدس ونهب جميع النفائس من المعبد، وبعد سنتين ضربها ضربة عظيمة ونهبها وهدم بيوتها وأسوارها، وسبى نساءها وأطفالها، ونصب تمثالا لالهه زفس في الهيكل وأمر اليهود بعبادته فاستجاب له كثير منهم. بينما لجأ بعضهم إلى المخابئ والمغاور، فكان ذلك سبب ثورة اليهود المكابيين سنة 168 ق. م - سفر المكابيين، اصحاح 1: 41 - 53. وهذه الثورة التي يفتخر بها اليهود كثيرا أشبه بحرب عصابات قام بها متدينو اليهود ضد اليونانيين الوثنيين، وقد حققت انتصارات محدودة في فترات مختلفة، واستمرت حتى جاءت السيطرة الرومانية. عهد السيطرة الرومانية في سنة 64 ق. م احتل القائد الروماني بومبي سورية وضمها إلى امبراطورية روما، وفي السنة الثانية احتل القدس وجعلها تابعة لحاكم سوريا الروماني. وفي سنة 39 ق. م عين القيصر أغسطس هيرودس الادومي ملكا على

[ 83 ]

اليهود، وبدأ ببناء الهيكل بناء جديدا واسعا مزينا وتوفي سنة 4 ق. م وقد ذكره انجيل متى ص 2. كما ذكرت الاناجيل إبنه هيرودس الثاني الذي حكم من سنة 4 ق. م إلى سنة 39 م. والذي ولد في زمانه المسيح عليه السلام، والذي قتل يحيا بن زكريا عليهما السلام، وأهدى رأسه على طبق من ذهب إلى سالومة إحدى بغايا بني اسرائيل - انجيل مرقس 6: 16 - 28. وتذكر الاناجيل والمؤرخون الاضطرابات التي وقعت في القدس وفلسطين على عهد نيرون 54 م - 68 م والتي كانت بين اليهود والرومان، وبين اليهود أنفسهم، فقام القيصر فسبسيان بتعيين ابنه تيطس سنة 70 م ملكا على المنطقة، وقام تيطس بحملة على القدس فتحصن فيها اليهود حتى نفدت مؤنهم وضعفوا، واخترق تيطس السور واحتل المدينة وقتل الالوف من اليهود، ودمر بيوتهم ودمر الهيكل وأحرقه وأزاله من الوجود تماما، بحيث لم يعد يهتدي الناس إلى موضعه، وساق الاحياء الباقين إلى روما. ويذكر المسعودي في كتابه التنبيه والاشراف ص 110 أن عدد القتلى في هذه الحملة بلغ من اليهود والمسيحيين ثلاثة الاف ألف، أي ثلاثة ملايين. والظاهر أن فيه مبالغة. وقد اشتدت قبضة الرومان على اليهود بعد هذه الحوادث، ثم بلغت ذروتها عندما تبنى قسطنطين ومن بعده من القياصرة الديانة المسيحية فنكلوا باليهود، ولهذا استبشر اليهود بغزو كسرى أبرويز لبلاد الشام وفلسطين وانتصاره على الروم سنة 620 م في عهد النبي صلى الله عليه وآله، وفرح بذلك إخوانهم يهود الحجاز واستفتحوا على المسلمين، فنزل قوله تعالى " أ. ل. م. غلبت الروم. في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو

[ 84 ]

العزيز الرحيم " 1 - 5 - الروم، ويذكر المؤرخون أن اليهود اشتروا من الفرس عند انتصارهم عددا كبيرا من الاسرى النصارى بلغ تسعين ألفا، وذبحوهم. وعندما انتصر هرقل على الفرس بعد بضع سنين نكل باليهود وطرد من بقي في القدس منهم، وأصبحت القدس عند النصارى محرمة اليهود، ولذلك اشترطوا على الخليفة عمربن الخطاب أن لا يسكن فيها يعودي فأجابهم إلى طلبهم، وكتب ذلك في عهد الصلح لهم كما ذكره الطبري في تاريخه ج 3 ص 105 وكان ذلك في سنة 638 م، أي سنة 17 هجرية حيث أصبحت القدس وفلسطين جزءا من الدولة الاسلامية إلى سنة 1343 ه‍، 1925 م عندما سقطت الخلافة العثمانية بأيدي الغربيين. وهذه الخلاصة لتاريخ اليهود تكشف لنا أمورا عديدة، منها تفسير الايات الشريفة حولهم في سورة الاسراء وغيرها. وحاصل تفسيرها: أن المقصود بقوله تعالى " لتفسدن في الارض مرتين " مرة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله ومرة بعدها، فهو التقسيم الوحيد المناسب لافسادهم الكثير الملئ به تاريخهم. والمقصود بقوله تعالى: " بعثنا عليكم عبادا لنا اؤلي بأس شديد " المسلمين، حيث سلطنا الله تعالى عليهم في صدر الاسلام فجاس أسلافنا خلال ديارهم، ثم دخلوا المسجد الاقصى. ثم رد الكرة لليهود علينا عندما ابتعدنا عن الاسلام، وأمدهم بأموال وبنين، وجعلهم أكثر نفيرا وأنصارا علينا في العالم. ثم يسلطنا الله تعالى عليهم في المرة الثانية في حركة التمهيد للمهدي عليه السلام، وحركة ظهوره. ولا نجد في تاريخ اليهود قوما سلطهم الله عليهم ثم رد الكرة لليهود عليهم، غير المسلمين. أما علو اليهود الموعود على الشعوب والامم الاخرى، فهو مرة واحدة

[ 85 ]

لامرتين، وهو مقارن لافسادهم الثاني أو ناتج عنه. ولانجد شيئا من هذا العلو في أي فترة من تاريخهم إلا في حالتهم الحاضرة بعد الحرب العالمية الثانية. فاليهود اليوم إذن في مرحلة الافساد الثاني والعلو الكبير. ونحن في بداية تسليط الله تعالى لنا عليهم، في مرحلة إساءة وجوههم ومقاومتهم.. حتى يفتح الله تعالى وندخل المسجد قبل ظهور الامام المهدي عليه السلام أو معه، كما دخله أسلافنا أول مرة، ونتبر علوهم في العالم تتبيرا، أي نسحقه سحقا. أما قوله تعالى " وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " فيدل على أن اليهود يبقى منهم عدد كثير في العالم بعد إزالة اسرائيل واخرج من لم يسلم منهم من بلاد العرب على يد المهدي عليه السلام، وأنهم قد يعودون إلى الافساد وذلك في حركة الدجال الاعور كما تذكر الروايات الشريفة، ويقضي عليهم الامام المهدي عليه السلام والمسلمون. ويجعل الله تعالى جهنم حصيرا لم يقتل منهم، وحصر المسلمون من بقي منهم ويمنعونهم من التحرك والافساد.

[ 87 ]

العرب ودورهم في عصر الظهور وردت أحاديث كثيرة عن العرب وأوضاعهم وحكامهم في عصر ظهور المهدي عليه السلام، وفي حركة ظهوره. منها، أحاديث الدولة الممهدة للمهدي في اليمن، التي وردت فيها أحاديث مدح مطلقة. وسنفردها باذلكر ان شاء الله تعالى. ومنها، أحاديث تحرك المصريين التي يفهم منها مدحهم، خاصة ما ذكر منها أن من أصحاب الامام المهدي ووزرائه النجباء من مصر. وما دل منها على أن مصر تكون منبرا للمهدي عليه السلام، أي مركزا فكريا وإعلاميا عالميا للاسلام. وأحاديث دخول المهدي إلى مصر وخطبته على منبرها. لذا يمكن عد حركة المصريين في عداد الحركات الممهدة لظهور المهدي عليه السلام، والمشاركة في حركة ظهوره.. وسيأتني ذكرها مفردة أيضا. ومنها، أحاديث " عصائب أهل العراق " أي مجموعاتهم، " وأبدال أهل الشام " أي مؤمنيهم الممتازين، الذين سيأتي ذكرهم في أصحاب المهدي

[ 88 ]

عليه السلام. ومنها، أحاديث المغاربة، التي تتحدث عن أدوار متعددة لقوات عسكرية مغربية في مصر وسوريا والاردن العراق، ويفهم من الاحاديث ذم هذه القوات، والمرجح أنها تستعمل من قبل أعداء الاسلام ضد الممهدين للمهدي، وضد التحرك الاسلامي في البلاد العربية، شبيها بقوات الفصل الدولية، أو قوات الردع العربية، كما سنذكره. كما وردت في مصادر الشيعة والسنة أحاديث في ذم حكام العرب بشكل عام، منها الحديث المستفيض " ويل للعرب من شرقد اقترب، أو ويل لطغاة العرب من شرقد اقترب " فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس عللى كتاب جديد، على العرب شديد. ويل لطغاة العرب من شرقد اقترب " البحارج 52 ص 11 وفي مستدرك الحاكم ج 4 ص 239 " ويل للعرب من شرقد اقترب ". والمقصود بالكتاب الجديد: القرآن الذي يكون مهجورا فيبعثه المهدي عليه السلام من جديد. وقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام قوله " إذا قام القائم دعا الناس إلى الاسلام جديدا، وهداهم إلى أمر قد دثر فضل عنه الجمهور. وانما سمي القائم مهديا لانه يهدي إلى أمر مضلول. وسمي بالقائم لقيامه بالحق " الارشاد للمفيد ص 364، والسبب في أن الاسلام يكون صعبا شديدا على الحكام وكثير من الناس أنهم تعودوا على البعد عنه، فهم يستصعبون العودة إليه ومبايعة المهدي عليه السلام على العمل به. وقد يكون المقصود بالكتاب الجديد القرآن الجديد بترتيب سوره وآياته، فقد ورد أن نسخته محفوظة للمهدي عليه السلام مع مواريث النبي صلى الله عليه وآله

[ 89 ]

والانبياء (ع) وأنه لا يختلف عن القرآن الذي في أيدينا حتى في زيادة حرف أو نقصانه، ولكنه يختلف في ترتيب السور والايات، وأنه بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي (ع). ولا مانع أن تكون جدة القرآن بالمعنيين معا. وعن عبد الله بن أبي يعفور قال " سمعت أبا عبد الله عليه السلام - الامام الصادق - يقول: " ويل لطغاة العرب من شرقد اقترب. فقلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب ؟ قال: شئ يسير. فقلت والله إن من يصف هذا الامر منهم لكثير، فقال: لابد للناس أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا، ويخرج من الغربال خلق كثير " البحار 52 ص 214. ومنها، أحاديث الاختلافات بين العرب في عصر الظهور، التي تصل إلى الحرب بين بعضهم، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " لا يقوم القائم إلا على خوف شديد وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، ثم سيف قاطع بين العرب، واختلاف بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير في حالهم. حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء من عظيم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضا " البحار ج 52 ص 231. ومن هذا القبيل أحاديث خلع العرب أعنتها، أي الانفلات من العقائد والقيم، واخراج كل ذي صيصية صيصيته، أي اظهار كل صاحب فكرة فكرته والدعوة إليها. ومنها أحاديث الاختلاف بين العرب والعجم أي الايرانيين، أو بين امراء العرب والعجم. وأنه اختلاف لا ينتهي، بل يستمر ويتفاقم إلى ظهور المهدي عليه السلام. وإذا لاحظنا أخبار حركة الممهدين أصحاب

[ 90 ]

الرايات السود وتوجه قواتهم نحو القدس، وحركة السفياني المعادية لهم التي تكون مهمتها اعتراض طريقهم. نستنتج أن الجو العام في أمراء العرب وحكامهم سيكون معاديا لاصحاب الرايات السود، ما عدا ثورة اليماني الممهدة للمهدي عليه السلام، وما عدا الحركات الاسلامية التي تكون مؤيدة للممهدين وللمهدي عليه السلام. ومنها، أحاديث قتال المهدي عليه السلام للعرب، وقد ورد منها أحاديث قتاله لبقايا حكومة الحجاز جزئيا بعد تحرير مكة المكرمة، وفي معركة شديدة بعد تحرير المدينة المنورة وربما عند تحريرها. ثم معاركه المتعددة مع السفياني في العراق، ومعركته الكبرى معه في فلسطين. وجاء في بعضها قتاله عليه السلام للخوارج عليه في العراق، واباحته دماء سبعين عشيرة. وسيأتي ذلك في أحداث العراق وبلاد الشام. ولذلك ورد عن الامام الصادق عليه السلام " إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف " البحار ج 52 ص 355. ومنها، أحاديث الخسف والزلازل، في جزيرة العرب، وفي الشام، وفي بغداد وبابل والبصرة. وخروج نار في الحجاز أو في شرقي الحجاز، تدوم ثلاثة أيام، سبعة أيام. وهي من علامات الظهور.

[ 91 ]

بلاد الشام وحركة السفياني يطلق اسم الشام، وبلاد الشام، والشامات في مصادر التاريخ الاسلامي والحديث الشريف على المنطقة التي تشمل سوريا الفعلية ولبنان - الذي يسمى أيضا بر الشام، وجبل لبنان - وتشمل أيضا الاردن، وربما تشمل فلسطين. وان كان الغالب أن يعبر عن المنطقة كلها ببلاد الشام وفلسطين. والشام في نفس الوقت اسم لدمشق عاصمة بلاد الشام. وأحاديث بلاد الشام وأحداثها وشخصياتها في عصر الظهور كثيرة، ومحورها الاساسي حركة السفياني الذي يسيطر على بلاد الشام ويوحدها، ويكون لجيشه دور واسع قرب ظهور المهدي عليه السلام وفي حركة ظهوره، حيث يبدأ السفياني بعد تصفية خصومه في بلاد الشام بقتال الترك (الروس ؟) في معركة قرقيسيا الكبرى. ثم يخوض معاركه في العراق مع الايرانيين الممهدين للمهدي عليه السلام. كما يكون له دور في الحجاز في محاولة قواته مساعدة حكومة الحجاز في القضاء على حركة المهدي، حيث تقع فيها معجزة الخسف الموعودة، قرب مكة. وأكبر معارك السفياني على الاطلاق هي معركة فتح فلسطين الكبرى، التي تكون مع المهدي عليه السلام، ويكون وراء السفياني فيها اليهود

[ 92 ]

والروم، وتنتهي بهزيمته وقتله، وانتصار المهدي أرواحنا فداه، وفتحه فلسطين ودخوله القدس. وسنذكر هذه الاحداث بشئ من التفصيل. أحداث بلاد الشام الواقعة قبل خروج السفياني من السهل نسبيا أن نستخرج من أحاديث الظهور شريط أحداث حركة السفياني من بدايتها إلى هزيمته في معركة فتح القدس. وفي المقابل يصعب استخراج الاحداث التي تكون قبل السفياني لان الاحاديث حولها موجزة في الغالب، وفي رواياتها تقديم وتأخير في ترتيب الاحداث. ولكن الحاصل من مجموعها الامور التالية: 1 - وجود فتنة شاملة للمسلمين، وسيطرة الروم والترك عليهم (أي الغربيين والروس). 2 - وجود فتنة خاصة ببلاد الشام، تسبب في أهلها الاختلافات والضعف والضائقة الاقتصادية. 3 - صراع بين فئتين رئيسيتين في بلاد الشام. 4 - حدوث زلزلة في دمشق، تسبب هدم غربي مسجدها، وبعض ضواحيها. 5 - دخول قوات الايرانيين والمغاربة إلى بلاد الشام. 6 - صراع ثلاثة زعماء على السلطة في بلاد الشام، الابقع والاصهب والسفياني، وغلبة السفياني عليهما، وسيطرته على سوريا والاردن، وتوحيد المنطقة تحت حكمه. كما تذكرت الروايات الشريفة أحداثا أخرى قبل حركة السفياني، قد تقدم ذكرها، أو يأتي في فصولها الخاصة: مثل اختلاف الروم والترك، أي

[ 93 ]

الغربيين والروس، وتحرك قواتهم نحو المنطقة. وخروج الثائر المصري في مصر، ودخول القوات الغربية أو المغربية إلى مصر. وخروج الشيصباني في العراق، وغيرها. أما ظهور اليماني الموعود فقد ورد أنه مقارن لخروج السفياني أو متقارب معه، كما سيأتي. وأما أصحاب الرايات السود الايرانيين فهم أول الممهدين ويظهرون قبل حركة السفياني بمدة، وتكون قواتهم قبل حركته في بلاد الشام كما سيأتي، ويظهر قائدهم السيد الخراساني وقائد قواته شعيب بن صالح الموعودين كما ذكرت بعض الاحاديث مقارنا لخروج السفياني، وذكر بعضها أنهما يظهران قبله بأكثر من خمس سنوات، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى. الفتنة العامة، وفتنة بلاد الشام ذكرت الاحاديث الشريفة فتنة خاصة تكون ببلاد الشام قبل السفياني، وهي غير الغربية والشرقية العامة على المسلمين، التي تقدم الحديث عنها، والمرجح أنها فتنة متصلة بها وناتجة عنها، حيث تختلط أحيانا أحاديثهما وصف الرواة لهما. وأبرز ما في فتنة بلاد الشام أنها اختلافات وصراعات داخلية شديدة، تسبب ضعف السلطة وأهل بلاد الشام عن مقاومة عدوهم، بل حتى عن إدارة بلادهم. وقد سماها أمير المؤمنين عليه السلام فتنة اختلاف الاحزاب، المذكورة في القرآن، حيث سئل عن قوله تعالى " فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم " مريم - 37 فقال: " إنتظروا الفرج من ثلاث، فقيل يا أمير المؤمنين وما هن ؟ فقال: اختلاف أهل الشام

[ 94 ]

فيما بينهم. والرايات السود من خراسان. والفزعة في شهر رمضان. فقيل وما الفزعة في شهر رمضان ؟ فقال: أو ما سمعتم قول الله عزوجل في القرآن " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (الشعراء - 4) آية تخر الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان " البحار ج 52 ص 229، وقد تحققت اثنتان من علامات الفرج حيث بدأ اختلاف أهل الشام فيما بينهم، وظهرت الرايات السود من خراسان. ولكن لم يحدد أمير المؤمنين عليه السلام المدة من بداية اختلاف أهل الشام وظهور الرايات السود إلى صيحة شهر رمضان، فقد تكون سنين طويلة. وقد ورد أن الفزعة أو الصيحة أو النداء المساوي يكون في سنة الظهور، حيث يكون الظهور بعده في شهر محرم. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال " تكون قبل المهدي فتنة تحصر الناس حصرا، فلا تسبوا أهل الشام، بل ظلمتهم فإن الابدال منهم. وسيرسل الله سيبا من السماء فيفرقهم حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم. ثم يبعث الله المهدي في اثني عشر ألفا إن قلوا، وخمسة عشر ألفا إن كثروا، وعلامتهم أمت أمت، على ثلاث رايات، يقاتلهم أهل سبع رايات، ليس من صاحب راية إلا وهو يطمع بالملك، ثم يظهر المهدي فيرد إلى المسلمين ألفتهم ونعمتهم " بشارة الاسلام ص 183، وفي رواية " يرسل الله على أهل الشام من يفرق جماعتهم حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، وعند ذل ذلك يخرج رجل من أهل بيتي في ثلاث رايات، إلى آخر الحديث " مخطوطة ابن حماد ص 96 ومعنى " أبدال الشام " المؤمنون الممتازون. وسيأتي شرح معنى الابدال في أصحاب المهدي عليه السلام. و " سيبا من السماء " أي قضاء وقدرا من السماء. وفي رواية " سببا " ومعنى " يرسل عليهم من يفرق جماعتهم " يرسل عليهم ناسا يسبون تفريق جماعتهم والصراع بينهم. و " أمت، أمت أو يا منصور أمت " هو الشعار العسكري لاصحاب المهدي

[ 95 ]

عليه السلام بين بعضهم. و " على ثلاث رايات " أي أن أصحاب المهدي عليه السلام ثلاث فرق، ويقاتلهم أهل سبع رايات، أي أتباع سبعة زعماء متفقين على قتال المهدي وأصحابه، ولكنهم غير متفقين فيما بينهم، لان كل واحد منهم يطمع بالملك والرئاسة. وهذا لايمنع أن يكون رئيسهم جميعا السفياني، لان سلطته سرعان ما تضعف بسبب مغامراته العسكرية في العراق والحجاز وهزائم جيشه، مما يفسح المجال لطمع أصحابه ومعارضيه في السلطة، في نفس الوقت الذي يقاتلون فيه الامام المهدي عليه السلام. وتذكر أحاديث أخرى الحصار الاقتصادي الغربي لبلاد الشام والازمة التموينية التي تمر على الناس، دون أن تحدد مدتها. ومن الطبيعي أن يكون ذلك مرافقا للفتنة الخارجية والداخلية، وأن يكون وسيلة من وسائل الضغط الغز ؟ على المسلمين. وتذكر بعض الاحاديث أن الامر يبلغ مداه في الجوع والخوف في سنة الظهور، فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولامد. قلنا من أين ؟ قال: من قبل الروم. ثم سكت هنيهة ثم قال: يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عدا " البحار ج 51 ص 92، فالسبب في هذه الضائقة الاقصادية المالية والغذائية (منع الدينار والمد) يكونون الروم، أي الغربيين. وعن جابر بن يزيد الجعفي قال: " سألت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام (أي الامام الباقر) عن قوله تعالى " ولنبلوتكم بشئ من الخوف والجوع " فقال: الجوع عام وخاص. فأما الخاص من الجوع فبالكوفة، يخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم. وأما العام فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم (به) قط. أما الجوع فقبل قيام القائم، وأما الخوف فبعد قيام القائم " البحار ج 52 ص 229. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " لابد أن يكون قدام القائم سنة يجوع

[ 96 ]

فيها الناس، ويصيبهمه خوف شديد من القتل، ونقص من الاموال والانفس والثمرات، فإن ذلك في كتاب لبين، ثم تلا هذه الاية " ولنبلوتكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات، وبشر الصابرين " البحار ج 52 ص 229. وتحديد هذه الضائقة بسنة الظهور في هذه الرواية لايمنع أن تكون موجودة قبلها بمدة، ثم تكون في سنة الظهور أشد مما سبقها، ثم يكون الفرج. أما مدة هذه الفتنة على بلاد الشام، فتذكر الاحاديث أنها طويلة متمادية، كلما قالوا انقضت تمادت و " ويطلبون منها المخرج فلا يجدونه " البحار ج 52 - ص 298، وتصفها بنفس أوصاف فتنة الغربيين والشرقيين التي تدخل كل بيت من بيوت العرب، وكل بيت من بيوت المسلمين، وبأنها " كلما رتقوها من جانب انفتقت من جانب آخر، أو جاشت من جانب آخر " كما في ص 9 و 10 من مخطوطة ابن حماد، وغيرها. وهي أوصاف طبيعية لهذه الفتنة مادامت نتيجة من نتائج الفتنة الخارجية الكبرى. بل تسميها بعض الاحاديث صراحة باسم " فتنة فلسطين " كما تقدم عن مخطوطة ابن حماد ص 63. وتحدد بعض الاحاديث مدتها باثنتي عشرة سنة وثماني عشرة سنة، ويحتمل أن يكون ذلك مدة مرحلتها الاخيرة لامدته كلها. ونرجو أن يكون ذلك مدة مرحلتها من بداية الحرب الاهلية في لبنان. فعن سعيد بن المسيب قال " تكون فتنة في بلاد الشام كأن أولها لعب الصبيان، ثم لا يستقيم أمرهم على شئ ولا يكون لهم جماعة، حتى ينادي مناد من السماء عليكم بفلان، وتطلع كف تشير " مخطوطة ابن حماد ص 93، والنداء السماوي المذكور هو

[ 97 ]

النداء باسم المهدي عليه السلام، والكف التي تشير من السماء وردت أيضا في علاماته. وفي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله قال " الفتنة الرابعة ثمانية عشر عاما، تنجلي حين تنجلي، وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب، تكب عليه الامة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة " مخطوطة ابن حماد ص 92، وسيأتي ذكر معركة قرقيسيا على كنز الفرات. هزة أرضية في دمشق وما حولها وأحاديثها كثيرة واضحة. حتى أنها تحدد بعض أماكنها وأضرارها، وتحدد وقتها بأنه قيل دخول الجيش المغربي، وان كان يفهم من بعضها أن الجيش المغربي يكون موجودا في دمشق عند حدوث الهزة. وتسميها الاحاديث الشريفة أيضا " الرجفة والخسف الزلزلة " كالحديث المروي عن الامام الباقر عليه السلام (عن أمير المؤمنين) قال " إذا اختلف رمحان بالشام لم تنجل الا عن آية من آيات الله تعالى. قبل وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها مئة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا للكافرين. فإذا كان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر، تقبل من المغرب حتى تحل بالشام. وعند ذلك الجزع الاكبر والموت الاحمر. فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من قرى دمشق يقال لها حرشا (خريشا مرمرستا خ. ل) فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الاكباد من الوادي حتى يستوي على منبر دمشق. فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي البحار ج 52 ص 253. ومن المحتمل أن تكون الرجفة المذكورة في هذا الحديث وأحاديث أخرى غير الخسف في دمشق وما حولها، وأن يكون بينهما زمن طويل أو

[ 98 ]

قصير. أما لماذا تكون " رحمة للمؤمنين وعذابا للكافرين " فقد يكون سببه أن أضرارها تقع على مساكن الكافرين وأتباعهم، دون المؤمنين المستضعفين. أو أنها يحدث بسببها أو بعده تغير سياسي لصالح المؤمنين. وقد ورد في روايات أخرى تحديد موضعين يقع فيهما الخسف هما: حرستا والجابية، والظاهر أن ما في الحديث مصحف عن حرستا. كما ورد أنه يسقط الحائط الغربي من مسجد دمشق، كما سيأتي في أحاديث الجيش المغربي. والبراذين الشهب المحذوفة: وصف لخيول المغاربة ووسائل ركوبهم، بأنها شهباء الالوان، ومقطعة الاذان. وابن آكلة الاكباد: أي ابن هند زوجة أبي سفيان، لان السفياني من أولاد معاوية كما سيأتي، وفي رواية " من الوادي اليابس " وهو يقع في منطقة حوران عند أذرعات (درعا) على الحدود السورية الاردنية دخول الجيش الايراني والمغربي إلى بلاد الشام وأحاديث دخول قوات المغاربة إلى بلاد الشام واضحة، وأنه يكون على أثر صراع حاد أو حرب بين فئتين، كالحديث المتقدم آنفا " إذا اختلف رمحان بالشام لم تنجل الا عن آية من آيات الله. قيل وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها مئة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا للكافرين. فإذا كان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر، تقبل من المغرب حتى تحل بالشام " وروى ابن حماد عن أبي سحاب أنه قال في زمن هشام (بن عبد الملك) " لا ترون سفيانيا حتى يأتيكم أهل المغرب. فإن رأيته خرج حتى استوى

[ 99 ]

على منبر دمشق فليس بشئ حتى ترى أهل المغرب " ص 76، ومثل هذا الحديث يدل على أنه كان معروفا عند الرواة التابعين أنه لابد من دخول قوات مغربية إلى بلاد الشام قبل خروج السفياني. والمقصود بأهل المغرب، والمغربي، هذه النصوص مغرب الدولة الاسلامية الذي يشمل ليبيا وتونس والجزائر والمغرب حاليا. وليس المقصود بها قوات الدول الغربية، ولا خصوص دولة المغرب المعاصرة، التي كان يطلق عليها اسم مراكش. ويؤيد بذلك أن هذا الجيش المغربي سمي في بعض الروايات جيش البربر، والبربر. ويحدد حديث آخر أول وصول هذه القوات بأنه يتزامن مع الهزة الارضية والخسف، ففي مخطوطة ابن حماد بن محمد بن الحنفية قال " يدخل أوايل أهل المغرب مسجد دمشق فبينا هم ينظرون في أعاجيبه إذ زحفت الارض فانقعر غربي مسجده، ويخسف بقرية يقال لها حرستا، ثم يخرج عند ذلك السفياني " ص 71. أما لماذا تأتي هذه القوات، وما هو دورها ؟ فقد يظن أنها تأتي نجده لاهل الشام ضد عدوهم الخارجي من اليهود والروم. أو يظن أنها تجئ عونا لبعض أطراف الصراع الداخلي في بلاد الشام. ولكن يوجد بعض الاحاديث تكشف عن أنها تجئ لمواجهة قوات الخراسانيين الممهدين التي تكون قد دخلت الشام. وبما أن هدف الرايات السود بحسب كل الرويات هو إيلياء - القدس، فلابد أن يكون مجئ القوات المغربية المعارضة لها لمنعها من التقدم نحو هدفها، خاصة إذا لا حظنا الرواية التي تتحدث عن معركة بينهما عند القنطرة، التي يبدو أنها مدينة القنيطرة السورية المحتلة، فقد روى ابن حماد عن الزهري قال " يلتقي أصحاب

[ 100 ]

الريات السود وأصحاب الرايات الصفر (أي المغاربة) عند القنطرة فيقتتلون حتى يائوا فلسطين فيخرج على أهل المشرق السفياني. فإذا نزل أهل المغرب الاردن مات صاحبهم، فيفترقون ثلاث فرق: فرقة ترجع من حيث جاءت، وفرقة تحج، وفرقة تثبت. فيقاتلهم السفياني فيهزمهم، فيدخلون في طاعته " مخطوطة ص 71. وهذا النص المرسل لاحد التابعين يدل على أن فتنة الصراعات الداخلية في بلاد الشام سوف تسمح لقوات الايرانيين أن تدخل المنطقة لقتال اليهود، ولكن الروم أو غيرهم يحركون القوات المغربية لمواجهتها. ويشير مكان هذه المعركة عند القنيطرة إلى أن الايرانيين يكونون عند فلسطين، وأنهم يهزمون القوات المغربية، التي تستقر بعيد هزيمتها في الاردن فيموت صاحبهم أي رئيسهم في المغرب، أو رئيس الاردن الذي يكونون في ضيافته، فيضعف أمرهم، ثم يخضع السفياني من بقي منهم. كما تشير بعض الروايات أي انسحاب القوات الايرانية من الشام بعد خروج السفياني. ونلفت ذهن القارئ والباحث في هذا المجال إلى أن أحاديث الجيش المغربي والرايات السود تختلط في هذا المورد وغيره بحركة المغاربة الفاطمية، وحركة الرايات السود العباسية. كما تختلط أحاديث الروم بحملاتهم الصليبية، وفتنتهم الصماء الاخيرة. وطريق التمييز بين التحركات السابقة على عصر الظهور وتحركات عصر الظهور، هو وجود النص في الحديث على اتصال الحدث بخروج السفياني وظهور المهدي عليه السلام، كما في الاحاديث والنصوص التي استشهدنا بها. أو القرائن الاخرى لعصر الظهور وأحداثه، وتحركات القوى الفاعلة فيه. ولهذا، فان وجود عدد كبير بين أحاديث الظهور عن تحركات الغاربة الفاطميين، أو أهل الرايات السود العباسيين، أو تحركات الروم الصليبيين

[ 101 ]

والاستعماريين. لا يصح أن يتخذ دليلا على نفي تحركاته في عصر الظهور، ما دامت تملك النصوص والقرائن على كونها فيه. الصراع على السلطة بين الاصهب والابقع عن الامام الباقر عليه السلام قال " فتلك السنة فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب، فأول أرض تخرب الشام، يختلفون على ثلاث رايات: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني " البحار ج 52 ص 212. ويبدو أن هذا الزعيم الابقع أي المبقع الوجه، أسبق في رئاسة بلاد الشام من منافسه الاصهب أي الاصفر الوجه. لان الاحاديث تذكر أن ثورة الاصهب تكون من خارج العاصمة أو المركز، وأنه يفشل في السيطرة عليها. فقد يكون الابقع صاحب السلطة الاصلي، أو يكون صاحب ثورة تنجح إلى حدما، فينافسه الاصهب ويثور عليه من خارج العاصمة، فلا يستطيع أحدهما أن يحقق نصرا حاسما على الاخر، فيستغل السفياني هذه الفرصة ويقوم بثورته من خارج العاصمة أيضا فيكتسحهما معا. ومن المحتمل أن يكون الاصهب غير مسلم، لان بعض الاحاديث وصفته بالعلج، وهو وصف للكفار عادة. كما يبدو المرواني الذي ورد ذكره في مصادر الدرجة الاولى، مثل غيبة النعمائي، هو الابقع نفسه، وليس زعيما منافسا للسفياني. أما الاتجاه السياسي للابقع والاصهب فيظهر من أحاديث ذمها أنهما معاديان للاسلام، ومواليان لاعدائه من القوى الكافرة. وقد يفهم من الحديث التالي أن الاصهب موال للروس (الترك) " فإذا قام العلج الاصهب، وعسر عليه القلب (أي المركز أو العاصمة) لم يلبث حتى يقتل، فهناك

[ 102 ]

الملك للترك " إلزام الناصب ج 2 ص 204، وإذا صحت الرواية فتكون فترة قصيرة يغلب فيها النفوذ الروسي بسبب ضعف الابقع الموالي للغرب، وعندها يخطط الغربيون واليهود لثورة حليفهم السفياني لاعادة سيطرتهم على البلاد، كما سيأتي. وعلى هذا، يكون معنى اختلاف رمحين في بلاد الشام الوارد في الاحاديث هو اختلاف زعيمين يمثلان الروم والترك أي الغربيين والروس، الذين ورد أنه تكون بينهم حالة اختلاف وتنافس شديد على المنطقة تصل إلى إرسال قواتهما إليها، وقد تصل إلى الحرب. فقد جاء في نفس الحديث المتقدم عن الامام الباقر عليه السلام أنه قال الجابر الجعفي رحمه الله " إلزم الارض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكره لك: اختلاف بني فلان، ومناد ينادي في السماء، ويجيؤكم الصوت من ناحية دمشق بالفرج، وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية. وستقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة. وستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة. فتلك السنة فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب، فأول أرض تخرب الشام، يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني ". والمقصود باختلاف بني فلان كما ستعرف في حركة الظهور، اختلاف العائلة المالكة التي تكون حاكمة في الحجاز قبل ظهور المهدي عليه السلام. والصوت الذي يجئ من نحاحية دمشق هو صوت النداء السماوي الذي يبدو للناس كأنه صادر من ناحية الشام أو الغرب. أو أنه يبدو كذلك لاهل العراق، لان حديثه عليه السلام مع جابر الجعفي الكوفي وتعبيره " ويجيؤكم الصوت من ناحية دمشق ". ومن الملاحظ في الحديث الشريف التعبير ب‍ " إخوان الترك " و " مارقة

[ 103 ]

الروم " مما يؤيد تفسير الترك بالروس. وفي رواية أخرى في البحار ج 52 ص 237 " ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويتبعها هرج الروم. " فقد عبر عنهم من ناحية الترك. ومن الواضح لمن تدبر في أحاديث الصراع على السلطة في تلك الفترة بين الابقع والاصهب، ثم بينهما وبين السفياني، ووجود القوات المغربية والايرانية في بلاد الشام. أن كل هذه الاحداث تتصل اتصالا وثيقا بحركة القوى الكبرى وصراعاتها، والزعماء التابعين لها، وحركة الامة في مقاومتها. يبقى أن نشير إلى رواية وصفت الرايات الثلاث التي تختلف في بلاد الشام بأنها راية حسنية وراية أموية وراية قيسية، وأن السفياني يأتي فيقضي عليها. فقد رواها في البحار عن الامام الصادق عليه السلام قال " يا سدير إلزم بيتك وكن حلسا من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغ (بلغك) أن السفياني قد خرج فارحل الينا ولو على رجلك. قلت: جعلت فداك، هل قبل ذلك شئ ؟ قال: نعم، وأشار بيده بثلاث أصابعه إلى الشام وقال: ثلاث رايات، راية حسنية، وراية أموية، وراية قيسية. فبينما هم على ذلك إذ قد خرج السفياني فيحصدهم حصد الزرع، ما رأيت مثله قط ". ومن المشكل قبول هذه الرواية لانها تعارض الاحاديث الكثيرة التي تحدد الرايات الثلاث بأنها راية الابقع والاصهب والسفياني. ولان الكليني رحمه الله رواها في الكافي ج 8 ص 264 إلى قوله عليه السلام " ولو على رجلك " فقط. فيحتمل أن يكون القسم الاخير اضافة، أو تفسيرا لبعض الرواة اختلط بالاصل. الخ. وعلى فرض صحتها، لابد أن تكون الراية الحسنية مصحفة عن الحسينية التي هي راية الخراسانيين أصحاب الرايات السود، الذين تكون

[ 104 ]

قواتهم موجودة في بلاد الشام مع قوات المغاربة، كما ذكرنا. وتكون الراية الاموية نفس راية الاصهب أيضا. والراية القيسيقة. راية الابقع الذي تشير عدة روايات إلى علاقته بمصر. بل يشير بعضها إلى أنه يبدأ حركته من مصر أو هو من أهل مصر، فيكون قيسيا. كما توجد روايات تذكر أن السفياني يحكم مصر أيضا. والله العالم. كما توجد رواية في مخطوطة ابن حماد ص 75 تقول " يملك رجل من بني هاشم فيقتل بني أمية فلا يبقى منهم إلا اليسير، لا يقتل غيرهم. ثم يخرج رجل من بني أمية فيقتل بكل رجل رجلين حتى لا يبقي الا النساء. ثم يخرج المهدي " وهي لا تحدد منطقة حكم هذا الهاشمي الذي يحكم قبل السفياني، وهل هي الحجاز أم العراق. وإذا كانت تقصد بلاد الشام فلابد أن يكون قبل الابقع الذي تتفق الروايات على أن السفياني يخرج عليه وعلى الاصهب ويقتلهما، وتصفهما بأنهما من أعداء أهل البيت وشيعتهم. حركة السفياني السفياني من الشخصيات البارزة في حركة ظهور المدي عليه السلام. فهو العدو اللدود المباشر للامام الهدي، وان كان بالحقيقة واجهة للقوى الكافرة التي تقف وراءه كما ستعرف. وقد نصت الاحاديث الشريفة على أن خروجه من الوعد الالهي المحتوم، فعن الامام زين العابدين عليه السلام " إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم الا بسفياني " البحار ص 53 ص 182. وأحاديث السفياني متواترة اجمالا، وقد يكون بعضها متواترا بألفاظه

[ 105 ]

أيضا. وسنذكر جملة من ملامح شخصيته وحركته، ثم نستعرض أخباره متسلسلة كما ذكرتها الاحاديث الشريفة. إسمه ونسبه المتفق عليه بين العلماء أن تسميته بالسفياني نسبة إلى أبي سفيان لانه من ذريته. كما أنه يسمى ابن آكلة الاكباد نسبة إلى جدته هند زوجة أبي سفيان التي سميت بذلك لانها حاولت أن تأكل كبد الحمزة سيد الشهداء بعد شهادته في أحد. فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال " يخرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس. وهو رجل ربعة (أي مربوع) وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر الجدري، إذا رأيته حسبته أعور. إسمه عثمان وأبوه عيينه (عنبسة خ. ل) وهو من ولد أبي سفيان، حتى يأتي أرض قرار ومعين فيستوي على منبرها " البحار ج 52 ص 205. والمعروف بين الشيعة أنه من أولاد عنبسة بن أبي سفيان، ولعلهم لذلك اعتبروا (عيينة) في الحديث تصحيفا لعنبسة. وفي حديث آخر رواه الطوسي رحمه الله أنه من ولد عتبة بن أبي سفيان - البحار ج 52 ص 213، وأولاد أبي سفيان خمسة: عتبة ومعاوية ويزيد وعنبسة وحنظلة. ولكن ورد في احدى رسائل أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية النص على أنه من أبناء معاوية، جاء فيها " وإن رجلا من ولدك مشوم ملعون، جلف جاف، منكوس القلب، فظ غليظ، قد نزع الله من قلبه الرحمة والرأفة، أخواله كلب، كأني أنظر إليه، ولو شئت لسميته ووصفته، وابن كم هو، يبعث جيشا إلى المدينة فيدخلونها فيسرفون في القتل والفواحش، ويهرب منهم رجل زكي نقي،

[ 106 ]

الذي يملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا. واني لاعرف إسمه وابن كم هو يومئذ وعلامته ". وفي مخطوطة ابن حماد ص 75 عن الامام الباقر عليه السلام أنه " من ولد خالدين يزيد بن أبي سفيان " وقد يكون جده عنبسة أو عتبة أو عيينة أو يزيد من ذرية معاوية بن أبي سفيان، فيرتفع الالتباس. والمشهور عند علماء السنة أن اسمه عبد الله، وفي مخطوطة ابن حماد ص 74 أن اسمه " عبد الله بن يزيد " وقد ورد أن اسمه عبد الله في رواية في مصادرنا أيضا - البحار ج 53 ص 208، ولكن المشهور أن اسمه عثمان كما ذكرنا. خبثه وطغيانه ويتفق رواة الاحاديث على نفاقه وسوء سيرته، ومعاداته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وللمهدي عليه السلام. والاحاديث التي رواها الفريقان عن شخصيته وأعماله واحدة أو متقاربة. كما في مخطوطة ابن حماد عن أبي قبيل قال " السفياني شر ملك، يقتل العلماء وأهل الفضل ويفنيهم. يستعين بهم، فمن أبى عليه قتله " ص 76، وفي ص 80 عن أرطاة قال " يقتل السفياني من عصاه، وينشرهم بالمناشير، ويطبخهم بالقدور، ستة أشهر " وفي ص 84 عن ابن عباس قال " يخرج السفياني فيقاتل، حتى يبقر بطون النساء، ويغلي الاطفال في المراجل " أي القدور الكبيرة. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " إنك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس. أشقر أحمر أزرق، لم يعبد الله قط، لم ير مكة ولا المدينة. يقول يا رب ثاري والنار " البحار ج 52 ص 354.

[ 107 ]

ثقافته وولاؤه السياسي وتدل الاحاديث على أنه غربي الثقافة والتعليم، وربما تكون نشأته هناك أيضا، ففي غيبة الطوسي عن بشر بن غالب مرسلا قال " يقبل السفياني من بلاد الروم منتصرا من عنقه صليب. وهو صاحب القوم " ص 278، والظاهر أن أصلها " متنصرا " كما رواها في البحار ج 52 ص 217 أي مسيحيا بعد أن كان أصله مسلما. وتعبير " يقبل من بلاد الروم " يعني أنه يأتي من هناك إلى بلاد الشام ثم يقوم حركته. ويدل أيضا على أن ولاءه السياسي للغربيين واليهود، أنه يقاتل المهدي عليه السلام الذي هو عدو الروم أي الغربيين، ويقاتل الترك أو إخوان الترك الذين رجحنا أن يكون المقصود بهم الروس. وأنه ينقل عاصمته في أحداث الظهور أمام زحف جيش المهدي عليه السلام من دمشق إلى الرملة بفلسطين التي ورد أنه تنزل فيها مارقة الروم. بل يظهر أنه يخوض المعركة مع المهدي أصلا باعتباره خط الدفاع الامامي عن اليهود والروم، لان الاحاديث الشريفة تتحديث عن انهزام اليهود بهزيمته كما ستعرف. كما يدل على ولائه للغربيين أن جماعته بعد هزيمته وقتله، يهربون إلى الروم ثم يسترجعهم أصحاب المهدي عليه السلام ويقتلونهم. فعن ابن خليل الازدي قال " سمعت أبا جعفر يقول في قوله تعالى " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم لاندخلكم

[ 108 ]

حتى تنصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم. فإذا بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الامان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لانفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا. قال فيدفعونهم إليهم. فذلك قوله تعالى " لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ". قال: يسألهم عن الكنوز وهو أعلم بها، قال: فيقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم، حتى جعلناهم حصيدا خامدين. بالسيف " البحار ج 52 ص 377. ومعنى إذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الامان: أن أصحاب المهدي عليه السلام يحشدون قواتهم في مواجهة الروم ويهددونهم. والمقصود ببني أمية أصحاب السفياني كما نصت على ذلك أحاديث أخرى. ويبدو أنهم وزراؤه وقادة جيشه، وأن لهم أهمية سياسية كبيرة، ولذلك تصل قضيتهم إلى حد تهديد المهدي وأصحابه للروم بالحرب إذا لم يسلموهم إياهم. محاولة إعطائه الطابع الديني لحركته وهو أمر طبيعي بملاحظة المد الاسلامي الذي يتعاظم إلى ظهور المهدي عليه السلام. وبملاحظة أن حركته أصلا خطة رومية يهودية لمواجهة الرايات السود والمد الاسلامي. والمتتبع لاخبار السفياني يجد الادلة والاشارات على محاولته هذه. منها ما في مخطوطة ابن حماد ص 75 أن السفياني " شديد الصفرة به أثر العبادة " مما يعني أنه يظهر بمظهر المتدين، ولكن ذلك يكون أول أمره فقط كما يذكر حديث آخر. وقد يستشكل في وجه الجمع بين ذلك وبين كونه متنصرا يحمل الصليب في عنقه عندما يأتي من بلاد الروم، ولكن ما نراه من حالة السياسيين العملاء للغرب يرفع الاشكال، حيث يعيش بعضهم مع النصارى حتى لا يكاد يتميز عنهم، وقد

[ 109 ]

يتقرب إليهم بلبس الصليب الذهبي في عنقه أو في ساعته، وبحضور مراسمهم في الكنائس. حتى إذا زعموه على المسلمين تظاهر بالصلاة والتدين، لكي يخدع المسلمين بأنه منهم. بل يدك الحديث المتقدم عن مخطوطة ابن حماد ص 76 " يقتل العلماء وأهل الفضل ويفنيهم، ويستعين بهم، فمن أبى عليه قتله " على أنه يحرص على إعطاء الطابع الاسلامي لحركته، واعطاء الشرعية لحكمه، ويجبر العلماء على ذلك. ولعل تعبير يفنيهم مصحف عن " يفثنهم ". حقده على أهل البيت وشيعتهم وهو من أبرز صفاته التي تذكرها أحاديثه، بل يظهر منها أن دوره السياسي هو إثارة الفتنة المذهبية بين المسلمين وتحريك السنة على الشيعة تحت شعار نصرة التسنن. في نفس الوقت الذي هو موال لائمة الكفر الغربيين واليهود، وعميل لهم. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إنا وآل أبي سفيان أهل، بيتين تعدينا في الله. قلنا صدق الله وقالوا كذب الله. قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وقاتل معاوية بن أبي سفيان عليا بن أبي طالب (ع) وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن على (ع) والسفياني يقاتل القائم (ع) ". البحار ج 52 ص 190. وعنه عليه السلام قال " كأني بالسفياني (أو بصاحب السفياني) قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة علي فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم ! أما إن إمارتكم يومئذ لا تكون إلا لاولاد البغايا. وكأني أنظر إلى صاحب البرقع. قلت: من صاحب البرقع ؟ قال: رجل منكم يقول بقولكم، يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم

[ 110 ]

ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلا رجلا. أما إنه لا يكون إلا ابن بغي " البحار ج 52 ص 215. وقد رأينا في لبنان نماذج من أصحاب البراقع المقنعين من عملاء اليهود والكتائب وغيرهم، يدخلون معهم إلى مناطق المسلمين التي يسيطرون عليها وقد أخفوا وجوههم السوداء ببراقع سوداء أو غيرها، وهم يدلونهم على المؤمنين ويحوشونهم لهم، فيأخذونهم إلى السجن أو يقتلونهم ! والسفياني من تلامذة هؤلاء الاعداء. وملثموه من نوع ملثميهم. وفي مخطوطة ابن حماد ص 82 ! " وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان، فيقتلون شيعة آل محمد بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي " وسنذكر سياسته مع الشيعة في بلاد الشام في الحديث عن بداية حركته من الوادي اليابس. رايته الحمراء ذكرت ذلك بعض الاحاديث، كالذي رواه في البحار عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في حديث طويل " ولذلك آيات وعلامات. وخروج السفياني براية حمراء، أميرها رجل من بني كلب " ج 52 ص 273، وهي ترمز إلى مظهره التقدمي، وسياسته الدموية. هل السفياني واحد أو متعدد لا شك في أن السفياني الموعود رجل واحد كما تدل عليه أحاديثه في مصادر الشيعة والسنة. ولكن ورد في بضعة أحاديث في مخطوطة ابن حماد

[ 111 ]

وغيرها أنهما سفياني أول وثان. وقد يفهم من بعضها أنهم ثلاثة. وقد ذكرت أن المذموم الذي يفعل الافاعيل هو السفياني الثاني، وأن الاول يموت بعد يسيطر على بلاد الشام، ويخوض معركة قرقيسيا، ويغزو العراق وينهزم هناك أمام جيش الايرانيين أصحاب الرايات السود. فيموت في رجوعه إلى الشام من قرحة تصيبه، ويستخلف السفياني الثاني الذي يواصل مهمته. وان صحت هذه الاحاديث، فيكون السفياني الاول زعيما سيئا ممهدا للسفياني الاصلي الموعود، كما يمهد اليماني والخراسانيون أصحاب الرايات السود للمهدي عليه السلام. قال ابن حماد في مخطوطته ص 78 " قال الوليد: " يستقبل السفياني فيقاتل بني هاشم، وكل من نازعه من الرايات الثلاث وغيرها، فيظهر عليهم جميعا. ثم يسير إلى الكوفة، ويخرج بني هاشم إلى العراق. ثم يرجع من الكوفة فيموت في أدنى الشام، ويستخلف رجلا آخر من ولد أبي سفيان تكون الغلبة له، ويظهر على الناس. وهو السفياني " ويشبه ذلك في تعدد السفياني ما رواه في ص 60 و 74 وغيرها. بداية حركة السفياني ومراحلها الظروف المذكورة في الاحاديث تقتضي لحركة السفياني أن تكون عنيفة وسريعة، أو بالتعبير السياسيي المتعارف: در اماتيكية دموية. فالوضع العالمي الذي تصل فيه درجة الصراع بين الدول الكبرى إلى حد الحرب. ووضع بلاد الشام الذي تمخضه فتنة فلسطين مخض " الماء في القربة " ويعاني من الضعف والانقسام. والاهم من ذلك في نظر الروم واليهود وصول المد الاسلامي وقوات الايرانيين إلى حدود فلسطين وأبواب

[ 112 ]

القدس. ثم تزايد النفوذ الروسي في بلاد الشام والعالم الاسلامي. لذلك يبادرون إلى اختيار زعيم قوي يستطيع أن يخضع المنطقة المحيطة باسرائيل لسيطرته إخضاعا كاملا، ومن ثم يقوم بدوره الهام الذي ليس هو تقوية خط الدفاع (العربي) عن اسرائيل والغرب فقط، بل يطلقون يده في غزو العراق واحتلاله من أجل إيقاف الخطر الايراني لاصحاب الرايات السود. كما يطلقون يده في إسناد حكومة الحجاز الضعيفة والقضاء على الحركة الاصولية الجديدة التي لم تكن بالحسبان، حركة الامام المهدي عليه السلام في مكة المكرمة. هذه الاعتبارات التي تذكرها الاحاديث صراحة أو تشير إليها تساعد على فهم السرعة والعنف اللذين تتحدث عنهما روايات حركة السفياني. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " السفياني من المحتوم، وخروجه من أوله إلى آخره خمسة عشر شهرا. ستة أشهر يقاتل فيها. فإذا ملك الكور الخمس، ملك تسعة أشهر ولم يزد عليها يوما " البحار ج 52 ص 248. والكور الخمس هي دمشق والاردن وحمص وحلب وقنسرين التي كانت مراكز لحكم منطقة سوريا والاردن ولبنان. وقد نصت الاحاديث على دخول الاردن فيها، أما لبنان فقد كان جزءا من بلاد الشام وتابعا لكورها الخمس، فلا پبعد شمول حكم السفياني له. ولكن بعض الروايات تستثني من حكم السفياني طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه، كما سيأتي، قد يكون أهل لبنان منهم. وتحدد الاحاديث وقت حركته بأنه يكون في شهر رجب، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " ومن المحتوم خروج السفياني في رجب " البحار ج 52 ص 249، وهذا يعني أن خروجه يكون قبل ظهور المهدي عليه السلام بنحو ستة أشهر، لانه عليه السلام يظهر في مكة في ليلة العاشر أو

[ 113 ]

يوم العاشر من محرم من تلك (السنة). ويعني أيضا أن سيطرة السفياني على منطقة بلاد الشام تتم قبل ظهور المهدي عليه السلام، الامر الذي يمكنه من إرسال جيشه إلى العراق، ثم إلى الحجاز للقضاء بزعمه على أنصار المهدي وحركته. وعلى هذا، تكون مراحل حركة السفياني ثلاثة: مرحلة تثبيت سلطته في الستة أشهر الاولى. ثم مرحلة غزوه ومعاركه في العراق والحجاز. ثم مرحلة تراجعه عن التوسع في العراق والحجاز، ودفاعه أمام زحف جيش المهدي عما يبقى في يده من بلاد الشام، وعن اسرائيل والقدس. ومما يلاحظ في أحاديث السفياني أنها تذكر معاركه بالاجمال في الستة أشهر الاولى، وهي معارك داخلية مع الاصهب والابقع أولا، ثم مع القوى الاسلامية وغير الاسلامية المعارضة له، حتى تتم له السيطرة على بلاد الشام. ولكن الطبيعي بالنظر إلى نوع حركته أن تكون هذه الاشهر الستة مليئة بأعمال عسكرية مكثفة، حتى يحكم سيطرته ويستطيع تجنيد قوات كبيرة لمهامه ومعاركه الواسعة في التسعة أشهر التالية. وقد تكون أطراف معاركه في الستة أشهر الاولى مضافا إلى الابقع والاصهب حاكم الاردن ولبنان وغيرهما من القوى المعارضة. وتشير رواية إلى عنف معاركه مع الابقع والاصهب وأنها تسبب دمار الشام، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة. واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض، حتى تخرب الشام (وفي رواية وأول أرض تخرب الشام) ويكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها: راية الاصهب، وراية الابقع، وراية السفياني " الارشاد للمفيد ص 359. أما خراب دمشق المقصود بقول أمير المؤمنين عليه السلام " ولا نقضن

[ 114 ]

دمشق حجرا حجرا. يفعله رجل مني " فالظاهر أنه التدمير الذي يكون في معركة فتح القدس الكبرى التي يخوضها الامام المهدي عليه السلام مع السفياني واليهود والروم. أما في التسعة أشهر الاخيرة من حكم السفياني فيخوض حروبا كبيرة، أهمها حربه مع الترك (الروس ؟) وأعوانهم في قرقيسيا، ثم معاركه مع الايرانيين الممهدين في العراق، ومعهم اليماني كما في بعض الاحاديث. وقد تكون للسفياني أيضا قوات في المدينة المنورة تحارب المهدي عليه السلام إلى جانب قوات سلطة الحجاز في المعركة التي يحتمل أن يخوضها المهدي عليه السلام لتحرير المدينة المنورة. وبعد هزيمة السفياني في العراق والحجاز ينكفئ إلى الشام وفلسطين، حتى تكون له مع المهدي عليه السلام أكبر معاركه على الاطلاق: معركة فتح القدس الكبرى. من الوادي اليابس إلى دمشق تكاد تتفق الروايات على أن السفياني يبدأ حركته من خارج دمشق من منطقة حوران أو درعا على الحدود السورية الاردنية. وقد سمت الروايات منطقة خروجه بالوادي اليابس والاسود. فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " يخرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر الجدري. إذا رأيته حسبته أعور. إسمه عثمان وأبوه عنبسة (عيينة) وهو من ولد أبي سفيان. حتى يأتي أرض قرار ومعين فيستوي على منبرها " البحار ج 52 ص 205 وقد ورد في تفسير الارض ذات القرار والمعين الوارد ذكرها في القرآن الكريم أنها دمشق.

[ 115 ]

وفي مخطوطة ابن حماد عن محمد بن جعفر بن علي قال " السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار جدري، وبعينه نكته بياض. يخرج من ناحية مدينة دمشق من واد يقال له وادي اليابس. يخرج في سبعة نفر، مع رجل منهم لواء معقود " ص 75، وفي ص 74 أن بداية حركته " من قرية من غرب الشام يقال لها أندرا في سبعة ت نفر " وفي ص 79 عن أرطاة بن المنذر قال " يخرج المشوه الملعون من عند المندرون شرقي بيسان على جمل أحمر وعليه تاج " وقد أورد ابن حماد روايات عديدة عن التابعين لم يسندوها إلى النبي صلى الله عليه وآله أو أهل بيته صلى الله عليه وآله تتحدث عن أمور أشبه بالاساطير عن السفياني وبداية حركته. وأنه يؤتى في منامه فيقال له قم، وأنه يحمل بيده ثلاث قصبات لا يقرع بهن أحدا إلا مات. ابن حماد ص 75، ولكن بقطع النظر عن الاحاديث التي تتضمن مبالغات وأمورا غير عادية، فإن الاحاديث الاخرى تتفق على أن حركته سريعة وعنيفة، وأن شدة بطشه كانت أمرا معروفا للرواة الشيعة، حتى أن أحدهم يسأل الامام الصاق عما يفعله الشيعة إذا خرج، فعن (الحسن بن أبي العلاء) الحضرمي قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام - أي الامام الصادق -: كيف نصنع إذا خرج السفياني ؟ قال: تغيب الرجال وجوهها منه. وليس على العيال بأس. فإذا ظهر على الاكوار الخمس، يعني كور الشام فانفروا إلى صاحبكم " البحار ج 52 ص 272، ويبدو أن أقوى معارضيه هم الابقع وجماعته، وأنهم المقصودون ببني مروان في رواية مخطوطة ابن حماد ص 77 " فيظهر على المرواني فيقتله. ثم يقتل بني مروان ثلاثة أشهر. ثم يقبل على أهل المشرق - أي الايرانيين - حتى يدخل الكوفة ". وتدل بعض الاحاديث على أن الشيعة في منطقة الشام لا يكونون هم العدو الاساسي للسفياني عند خروجه، بل جماعة الابقع والاصهب الذين

[ 116 ]

هم أعداء للشيعة وللسفياني معا. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوكم، وهو من العلامات لكم، مع أن الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهرا أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم منه بأس، حتى يقتل خلقا كثيرا دونكم. فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك ؟ فقال: يتغيب الرجال منكم عنه فإن خيفته وشرته فإنما هي على شيعتنا، فأما النساء فليس عليهن بأس ان شاء الله تعالى. قيل إلى أين يخرج الرجال ويهربون منه ؟ قال: من أراد أن يخرج منهم إلى المدينة أو إلى مكة أو إلى بعض البلدان. ولكن عليكم بمكة فإنها مجمعكم. وانما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر، ولا يجوزها إن شاء الله تعالى " البحار ج 52 ص 141 وهذا يدل على أن حملته على الشيعة في بلاد الشام تبدأ في رمضان بعد خروجه. وتذكر الروايات أن سيطرته على المنطقة تكون قوية مطلقة حيث يتغلب على كل مصاعب الوضع الداخلي " فينقاد له أهل الشام إلا طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه " البحار ج 52 ص 252، ويفهم بعضهم من تعبير هذا الحديث أن الشيعة في لبنان وبلاد الشام سوف لا يشملهم حكم السفياني ولا ينقادون له، وهو محتمل. وأقل ما يدل عليه استثناء طوائف من أهل الشام من الانقياد له وأن الجماعات الواعية من الشيعة وغيرهم سوف يتمكنون بعصمة الله تعالى أن يمتنعوا عن المشاركة في حركته وفي أعماله العسكرية في العراق والحجاز. ولا يبعد أن يكون لهم وضع سياسي مميز عن المواطنين العاديين في دولة السفياني، يمكنهم من هذا القدر من الاستقلالية، من قبيل الوضع اللبناني الفعلي بالنسبة إلى سوريا. على كل، يتفرغ السفياني من أعمال سيطرته على المنطقة، ويبدأ مهمته الخارجية، فيعد جيشه الكبير لمواجهة الايرانيين الممهدين " فلا يكون له

[ 117 ]

همة الا الاقبال نحو العراق. ويمر جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها " البحار ج 52 ص 237. معركة قرقيسيا الكبرى تبدو معركة قرقيسيا في أحاديث السفياني - التي تقع عند الحدود السورية العراقية التركية - حدثا خارجا عن السير الطبيعي لحركة السفياني وأحداث عصر الظهور. فالهدف الاساسي للسفياني من غزوة للعراق هو السيطرة على البلد ومقاومة زحف قوات الايرانيين الممهدة للمهدي عليه السلام من التوجه عبر العراق نحو سوريا والقدس، ولكن تعترضه معركة قرقيسيا في الطريق إلى العراق اعتراضا بسبب حادث غريب وهو ظهور " كنز " في مجرى نهر الفرات أو عند مجراه، حيث تحاول عدة أطراف السيطرة عليه، وتنشب بينهم الحرب هناك فيقتل منهم أكثر من مئة ألف، ثم لا ينتصر طرف منهم نصرا حاسما، ولا يسيطر أحد منهم على الكنز، بل ينصرف الجميع عنه وينشغلون بأحداث أخرى. ! وقرقيسيا، كما ورد في معجم البلدان، مدينة صغيرة عند مصب نهر الخابور في نهر الفرات. وهي اليوم أطلال قرب مدينة دير الزور السورية. فهي قريبة اذن من الحدود السورية العراقية، وقريبة نسبيا من الحدود السورية التركية. وعلى رغم الغموض في بعض جوانب معركة قرقيسيا، في سببها، وأطرافها ما عدا السفياني، وفي نهايتها. الا أن أحاديثها تؤكد على وقوعها بلهجة حاسمة، وتصفها بأوصاف كبيرة، كالحديث التالي عن الامام الصادق عليه السلام قال " إن الله مائدة (وفي رواية مأدبة) بقرقيسيا. يطلع مطلع

[ 118 ]

من السماء فينادي يا طير السماء ويا سباع الارض هلموا (هلمي) إلى الشبع من لحوم الجبارين " البحار ج 52 ص 246. ووصفها بمائدة الله تعالى أو مأدبته، يعنى أنها من تقديراته عزوجل لاشغال الجبارين ببعضهم وإضعاف قواهم، مما يساعد على هزيمتهم على يد المهدي عليه السلام، حيث يدخل السفياني بعدها العراق وقد فقد قسما من قواته فيهزمه الايرانيون الممهدون. ثم يقاتل المهدي عليه السلام الترك، الذين يكونون طرفا في معركة قرقيسيا بعد هزيمتهم فيها. كما يشير الحديث أيضا إلى أن ساحة المعركة برية صحراوية، وأنهم لا يدفنون قتلاهم، أولا يتمكنون من دفنهم، فتشبع من لحومهم طيور السماء وسباع الارض. والى أن الجنود المقتولين جبارون أيضا لانهم جنود الجبارين، أو أنه يكون فيهم عدد كبير من الضباط والقادة الجبارين من الطرفين. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " فيلتقي السفياني بالابقع فيقتتلون، يقتله السفياني ومن معه. ويقتل الاصهب. ثم لا يكون له همة إلا الاقبال نحو العراق. ويمر جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها، فيقتل من الجبارين مئة ألف. ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة، وعدتهم سبعون ألفا " البحار ج 52 ص 237، وتذكر بعض الروايات أن عدد القتلى مئة وستين ألفا، وبعضها أكثر. وقد يكون المئة ألف من الجبارين كما تصفهم هذه الرواية، والباقون من عامة الجنود والمرتزقة والمستضعفين. أما الكنز المختلف عليه، فقد وردت فيه عدة روايات، من أوضحها ما في مخطوطة ابن حماد ص 92 عن النبي صلى الله عليه وآله قال " ينحسر الفرات عن جبل من ذهب وفضة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة. فإن أدركتموه فلا تقربوه " وفيها أيضا " الفتنة الرابعة ثمانية عشر عاما، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر الفرات عن

[ 119 ]

جبل من ذهب، تنكب عليه الامة فيقتل من كل تسعة سبعة " والمقصود بالفتنة الرابعة في هذا الحديث ان كانت فتنة سيطرة الغربيين وغيرهم من الامم على المسلمين، فهي فتنة طويلة كما نصت على ذلك الاحاديث. وقد مضى عليها إلى الان نحو قرن من الزمان. وان كان المقصود فتنة بلاد الشام الداخلية الناتجة عن الفتنة الرابعة أي فتنة فلسطين، فيحتمل أن تكون بداية الثمانية عشر سنة، الحرب اللبنانية الداخلية. ومن المحتمل أن يكون هذا الكنز مناجم ذهب وفضة تكتشف هناك وتكون موضع خلاف بين الدول الثلاث ومن وراءها، أو نفطا، أو غير ذلك من المعادن. وقد سمعت أن منطقة قرقيسيا غنية بالنفظ والمعادن الاخرى حتى اليورانيوم. وأن نتائج التنقيب والبحث فيها جارية وايجابية. فسبحان من بيده مقادير كل شئ وملكوته. أما الطرف المقابل للسفياني في هذه المعركة فأكثر الاحاديث تذكر أنهم الترك. ولكن ما هو المقصود بالترك هنا ؟ الذي يبدو أنه الاقرب إلى طبيعة الامور أن يكونوا الجيش التركي، لان النزاع على ثروة عند حدود سوريا وتركيا. وأما الطرف الثالث الذي هو العراق فيكون مشغولا بأوضاعه الداخلية وانقسامه إلى فئة مؤيدة للممهدين اليمانيين والايرانيين، وفئة مؤيدة للسفياني.. ولكن توجد مؤشرات عديدة تؤيد احتمال أن يكون المقصود بالترك هنا الروس. خاصة الاحاديث التي تذكر أنهم قبل خروج السفياني ينزلون الجزيرة التي هي جزيرة ربيعة أو ديار بكر، القريبة من قرقيسيا. والاحاديث التي تذكر أن السفياني يقاتل الترك ثم يكون استئصالهم يدل على يد المهدي عليه السلام، وأن أول لواء يعقده المهدي بعد سيطرته على العراق يبعثه إلى الترك. أي

[ 120 ]

أول جيش يرسله يكون لحرب الترك فيهزمهم. والظاهر أن المقصود بالجزيرة، التي تذكر أحاديث عديدة أن قوات الترك ينزلونها قبل السفياني، هي تلك المنطقة المسماة بهذا الاسم، والتى تفهم منه عندما يطلق غير مضاف، وليس جزيرة العرب أو غيرها. وكذا المقصود بنزول قوات الروم في الرملة هو رملة فلسطين كما يفهم من الروايات. نعم يفهم من أحاديث الكنز المتقدمة ونهي النبي (ص) المسلمين عن المشاركة في القتال عليه، وعبارة " تنكب عليه الامة " أن أطراف الصراع على الكنز مسلمون. ولكن ذلك لايمنع أن تكون دولة تركيا طرفا ويساندها الترك الروس أو إخوان الترك كما ورد التعبير عنهم في أحاديث نزول قواتهم في الجزيرة. أما الروم والمغاربة فقد وردت بعض روايات تشير إلى أنهم من أطراف حرب قرقيسيا، ولكنها إشارات قليلة وضعيفة. ويحتمل أن يكون دخولهم لمساعدة السفياني، أو غير ذلك. وأما القوى الاساسية المعادية للسفياني والمؤيدة للمهدي عليه السلام وهم اليمانيون والايرانيون فلا يدخلون في حرب قرقيسيا، لانها حرب بين أعدائهم، ولكن السبب الاهم على ما يبدو من الاحاديث هو انشغالهم بأحداث الظهور في الحجاز، والعمل على ترتيب اتصالهم وتوحيد قواتهم مع قوة الامام المهدي عليه السلام الذي تكون بدأت حركة ظهوره في مكة. وقد يكون السبب أيضا نشوب الحرب العالمية التي نرجح أن يكون وقوع مرحلة منها في هذه المرحلة كما سنذكره. روى ابن حماد في مخطوطة ص 87 عن علي عليه السلام قال " إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة، بعث في طلب أهل خراسان. ويخرج أهل

[ 121 ]

خراسان في طلب المهدي ". احتلال السفياني العراق يكون احتلال العراق هدفا ستراتيجيا عاجلا للسفياني كما تذكر الاحاديث. ولكنه يضطر لخوض حرب قرقيسيا اضطرارا، ثم يواصل بعدها تنفيذ مهمته. ولا يكون أمامه في حملته على العراق طرف معارض عالمي أو من دول المنطقة، وحتى الترك لذين يقاتلهم في قرقيسيا يكون هدفهم ثروة قرقيسيا وكنزها، ولا شأن لهم بأمور العراق. والمعارضة الوحيدة المذكورة إنما تكون من اليمانيين والخراسانيين، أي أنصار المهدي فقط. وذلك يؤكد أن غزوه العراق يكون بالاساس عملا موجها ضد المهدي عليه السلام ومؤيديه. أما الشعب العراقي فيكون منقسما إلى اتجاهين بل إلى ثلاثة اتجاهات كما تذكر الاحاديث: المؤيدين للمهدين. والمؤيدين للسفيانيين. واتجاه ثالث يتزعمه الشيصباني. فعن جابر الجعفي قال " سألت أبا جعفر عليه السلام (أي الامام الباقر) عن السفياني، فقال: " وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني، يخرج بأرض كوفان ينبع كما ينبع الماء، فيقتلف وفدكم. فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم " البحار ج 52 ص 250، والمقصود بالشيصباني في أحاديث أهل البيت عليهم السلام رجل من بني العباس أو رجل معاد لهم عليهم السلام، لانهم يعبرون عن بني العباس ببني شيصبان. فهو اسم للرجل السئ أو المغمور يستعملونه كناية عن عدوهم.

[ 122 ]

والشيصباني في اللغة اسم من اسماء الشيطان. ويبدو أن الشيصباني يخرج في العراق بعد أن يكون الحكم بيد الممهدين الخراسانيين ومؤيديهم، وذلك بملاحظة الاحاديث التي تذكر دخولهم العراق في مرحلة سابقة. على أي، يبدو أن الوضح الداخلي في العراق يكون مؤاتيا لدخول قوات السفياني، فلا يلاقي مقاومة مهمة. ويكون اليمانيون والخراسانيون مشغولين بأحداث الظهور في الحجاز فتصل قوات السفياني قبل قواتهم بمدة قليلة. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " لابد لبني فلن أن يملكوا. فإذا ملكوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم، وتشتت أمرهم. حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان: هذا من هنا، وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أما إنهما لا يبقون منهم أحدا " البحار ج 52 ص 231 - 232، والمقصود ببني فلان هنا قد يكون أسرة الشيصباني الحاكم في العراق، أو بني شيصبان آخرين. وعن الامام الصادق عليه السلام قال: " كأني بالسفياني (أو بصاحب السفياني) قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس (من) شيعة علي فله ألف درهم. فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أما إن إمارتكم لا تكون يومئذ إلا لاولاد البغايا. وكأني أنظر إلى صاحب البرقع، قلت: ومن صاحب البرقع ؟ فقال: رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمزبكم رجلا رجلا. أما إنه لا يكون إلا ابن بغي " البحار ج 52 ص 215. وفي مخطوطة ابن حماد " وتقبل خيل السفياني كالليل والسيل فلا تمر بشئ إلا أهلكته وهدمته، حتى يدخلون الكوفة فيقتلون شيعة آل محمد، ثم يطلبون أهل خراسان في كل وجه. فيخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له

[ 123 ]

وينصرونه " ص 82. وتفصل الاحاديث في ذكر الفظائع التي يرتكبها جيش السفياني في غزوه العراق، خاصة بحق شيعة أهل البيت عليهم السلام. ففي مخطوطة ابن حماد ص 83 عن ابن مسعود قال " إذا عبر السفياني الفرات وبلغ موضعا يقال له حاقرقوفا، محى الله الايمان من قلبه، فيقبل بها إلى نهر يقال له الدجيل سبعين ألفا متقلدين سيوفا محلاة، وما سواهم أكثرهم منهم، فيظهرون على بيت الذهب فيقتلون المقاتلة ويبقرون بطون النساء يقولون لعلها حبلى بغلام. ويستغيث نسوة من قريش على شط دجلة إلى المارة من أهل السفن يطلبن إليهن أن يحملوهن حتى يلقوهن إلى الناس، فلا يحملونهن بغضا لبني هاشم ". ومعنى " مقلدين سيوفا محلاة " أنهم متميزون عن غيرهم من الجنود بنوع أسلحتهم. ويبدو أن بيت الذهب المذكور الذي يسيطرون عليه يكون مركزا أو قصرا يقع على نهر دجلة أو الدجيل. والمقصود بنسوة من قريش العلويات من ذرية أهل البيت عليهم السلام. وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " ويدخل جيش السفياني إلى الكوفة، فلا يدعون أحدا إلا قتلوه وإن الرجل منهم يمر بالدرة المطروحة العظيمة (أي الجوهرة) فلاي تعرض لها، ويرى الصبي الصغير فيلحقه ويقتله " البحار ج 52 ص 219 وتذكر الرويات أسماء عدة أماكن يتمركز فيها جيش السفياني غير الاماكن المتقدمة مثل الزوراء أي بغداد، والانبار والصراة والفاروق والروحاء. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " ويبعث مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة. وينزلون الروحاء والفاروق، فيسير منها ستون ألفا حتى ينزلوا الكوفة، موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة " البحار ج 52 ص 273. وجاء في " لوائح الانوار البهية " للسفاريني الحنبلي عن السفياني " يقاتل

[ 124 ]

الترك فيظهر عليهم، ثم يفسد في الارض، ويدخل الزوراء فيقتل من أهلها ". والخلاصة أن حملة السفياني على العراق تكون حملة شرسة مدمرة، وأنها تحقق هدفها إلى حد كبير في تقتيل شيعة المهدي عليه السلام. ولا تلاقي مقاومة هامة من السلطة. ولا مقاومة تذكر من الشيعة ما عدا ما ورد عن رجل من الموالي أي غير العرب من أنه يقاوم جيش السفياني بمجموعة صغيرة غير مسلحة فيقتلونه " ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة والكوفة " البحار ج 238 52 وسنذكر قريبا رواية ابن حماد التي تنص على أنهم غير مسلحين إلا قليلا. ولكن حملة السفياني لا تحقق هدفها الثاني في تحكيم سيطرته على العراق، بل لا تمضي على قواته إلا أسابيع قليلة حتى تصاب بالذعر من خبر وصول قوات الممهدين الخراسانيين واليمانيين الذين يبادرون مسرعين إلى العراق، فتقرر قوات السفياني الانسحاب أمامهم ولا تخوض معهم إلا معارك جانبية في عدة مواضع تنهزم فيها. على أن الاحتمال الاقوى في سبب قرار السفياني أن يسحب قواته من العراق أنه يحتاج إليها أو إلى قسم كبير منها في دوره الجديد في الحجاز للقضاء على مركز الحركة في مكة بزعمه، حيث تذكر بعض الروايات أن الجيش الذي يرسله السفياني إلى الحجاز للقضاء على حركة المهدي عليه السلام يرسله من العراق، وبعضها يذكر أنه يرسله من الشام، ويمكن أن يكون قسم منه من الشام وقسم من العراق، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة وعدتهم سبعون ألفا، فيصيبون من أهل الكوفة قتلا وصلبا وسبيا. فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات سود من قبل خراسان تطوي المنازل طيا حثيثا ومعهم (فيهم) نفر من أصحاب القائم " البحار ج 52

[ 125 ]

ص 238، وفي مخطوطة ابن حماد " يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من أهلها ستين ألفا، ثم يمكث فيها ثمانية عشرة ليلة. وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون. ويخرج قوم من السواد الكوفة ليس معهم سلاح الا قليل منهم، ومنهم نفر من أهل البصرة. فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة. وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي " ص 84. وتصف الرواية التالية عن أمير المؤمنين عليه السلام جانبا من احتلال جيش السفياني للعراق، ثم دخول القوات الممهدة الخراسانية واليمانية " ويبعث مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة وينزلون الروحاء والفاروق، فيسير منها ستون ألفا حتى ينزلوا الكوفة موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة، فيهجمون إليهم (عليهم) يوم الزينة، وأمير الناس جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر، فيخرج من مدينة الزوراء إليهم أمير في خمسة آلاف من الكهنة، ويقتل على جسرها سبعين ألفا حتى تحمى الناس من الفرات ثلاثة أيام من الدماء ونتن الاجساد. ويسبي من الكوفة سبعون ألف بكر لا يكشف عنها كف ولا قناع حتى يوضعن في المحامل ويذهب بهن إلى الثوية وهي الغري. ثم يخرج من الكوفة مئة ألف مابين مشرك ومنافق حتى يقدموا دمشق، لا يصدهم عنها صاد، وهي إرم ذات العماد. وتقبل رايات من شرقي الارض غير معلمة، ليست بقطن ولا كتان ولا حرير، مختوم برأس القتاة بخاتم السيد الاكبر. يسوقها رجل من آل محمد، تظهر بالمشرق، وتوجد ريحها بالمغرب كالمسك الاذخر. يسير الرعب أمامها بشهر حتى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم. فبينماهم كذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي (فرسا) رهان شعث غبر جرد، أصلاب نواطي وأقداح، إذ نظر (ت) أخدهم برجله باطنه فيقول لاخير في مجلسنا بعد يومنا هذا. اللهم إنا التائبون. وهم الابدال الدين

[ 126 ]

وصفهم الله في كتابه العزيز " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " ونظراؤهم من آل محمد. ويخرج رجل من أهل نجران يستجيب للامام، فيكون أول النصارى إجابة فيهدم بيعته، ويدق صليبه، فيخرج بالموالي وضعفاء الناس، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى. فيكون مجمع الناس جميعا في الارض بالفاروق، فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف ألف، يقتل بعضهم بعضا. فيومئذ تأويل هذه الاية " فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالسيف " البحار ج 52 ص 273 و 274. وفي هذا الحديث تصحيف وخلل في النسخ، وقد ورد برواية أخرى تبدو أكثر ضبطا وهي في البحار ج 53 ص 82 عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " ألا أيها الناس، سلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية تطأ في خطامها بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الارض، رافعة ذيلها تدعو يا ويلها بذحلة أو مثلها. فإذا استدار الفلك، قلتم مات أو هلك، بأي واد سلك، فيومئذ تأويل هذه الاية " ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين. وجعلناكم أكثر نفيرا " ولذلك آيات وعلامات: أولهن إحصار الكوفة بالرصد والخندق، وتخريق الزوايا في سكك الكوفة، وتعطيل المساجد أربعين ليلة. وتخفق رايات ثلاث حول المسجد الاكبر يشبهن بالهدى، القاتل والمقتول في النار. وقتل كثير، وموت ذريع. وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين. والمذبوح بين الركن والمقام. وقتل الاسبغ المظفر صبرا في بيعة الاصنام، مع كثير من شياطين الانس. وخروج السفياني براية خضراء (حمراء) وصليب من ذهب، أميرها رجل من كلب. واثني عشر ألف عنان من يحمل السفياني متوجها إلى مكة والمدينة، أميرها

[ 127 ]

أحد من بني أمية يقال له خزيمة، أطمس العين الشمال، على عينه طرفة، يميل بالدنيا فلا ترد له راية حتى ينزل بالمدينة، فيجمع رجالا ونساء من آل محمد صلى الله عليه وآله فيحبسهم في دار بالمدينة يقال لها دار أبي الحسن الاموي. ويبعث خيلا في طلب رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله قد اجتمع عليه رجال من المستضعفين بمكة، أميرهم رجل من غطفان. حتى إذا توسطوا الصفائح (الصفاح) الابيض بالبيداء: يخسف بهمه فلا ينجو منهم أحد الا رجل واحد يحول الله وجهه في قفاه لينذرهم وليكون آية لمن خلفه. فيومئذ تأويل هذه الاية " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ". ويبعث السفياني مئة وثلاثين ألفا إلى الكوفة فينزلون بالروحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى (ع) بالقادسية، ويسير منهم ثمانون ألفا حتى ينزلوا الكوفة موضع قبر هود (ع) بالنخيلة فيهجموا عليه يوم زينة، وأمير الناس جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر، فيخرج من مدينة يقال لها الزوراء في خمسة آلاف من الكهنة، ويقتل على جسرها سبعين ألفا، حتى يحتمي الناس الفرات ثلاثة أيام من الدماء ونتن الاجساد. ويسبي من الكوفة أبكارا لا يكشف عنها كف ولاقناع، حتى يوضعن في المحامل يزلف بهن للثوية وهي الغريين. ثم يخرج من الكوفة مئة ألف بين مشرك ومنافق، حتى يضربون دمشق لا يصدهم عنها صاد، وهي إرم ذات العماد. وتقبل رايات (من) شرقي الارض ليست بقطن ولا كتان ولا حرير، مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيد الاكبر، يسوقها رجل من آل محمد صلى الله عليه وآله يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الاذفر، يسير الرعب أمامها شهرا. ويخلف أبناء سعد بالكوفة طالبين بدماء آبائهم، وهم أبناء الفسقة، حتى يهجم عليهم خيل الحسين يستبقان كأنهما فرسا رهان. شعث غبر أصحاب بواكي وقوارح، إذ يضرب أحدهم برجله باكية، يقول لا خير في مجلس بعد يومنا هذا، اللهم فإنا

[ 128 ]

التائبون الخاشعون الراكعون الساجدون. فهم الابدال الذين وصفهم الله عزوجل " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " والمطهرون نظر أوهم من آل محمد. ويخرج رجل من أهل نجران يستجيب الامام، فيكون أول النصارى إجابة، ويهدم صومعته ويدق صليبها، ويخرج بالموالي وضعفاء الناس والخيل، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى. فيكون مجمع الناس جميعا من الارض كلها بالفاروق، وهي محجة أمير المؤمنين، وهي ما بين البرس والفرات، فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف من اليهود والنصارى، فيقتل بعضهم بعضا. فيومئذ تأويل هذه الاية " فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالسيف، وتحت ظل السيف ". والفقرة الاولى والاخيرة من هذه الرواية تذكر حربا عالمية يتركز دمارها على الغرب، ويقتل فيها ثلاثة آلاف ألف أي ثلاثة ملايين، وسنذكر ذلك في محله. ولعل معنى " تخريق الزوايا في الكوفة " إقامة المتاريس لقتال الشوارع في حملة السفياني. وسيأتي ذكر الرايات الثلاث حول المسجد الحرام في مكة والحجاز في حركة الظهور في اختلاف القبال على السلطة قبيل ظهور المهدي عليه السلام. " وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين، وفي رواية سبعين من الصالحين " من القريب انطباقه على الشهيد السعيد السيد الصدر قدس سره، لانه استشهد مع سبعين من الصالحين. وظهر الكوفة هي النجف. " المذبوح بين الركن والمقام " هو النفس الزكية قبيل ظهور المهدي عليه السلام، وهو رسول المهدي إلى أهل مكة.

[ 129 ]

وفي الرواية عدة أسماء وكلمات لاأعرف معناها مثل الاسبغ المظفر الذي يقتل في بيعة الاصنام أي في معبد الاصنام، وشياطينه الكثيرين. وأبناء سعد السقاء، وغيرها. ويوجد بعض روايات تذكر أو تشير إلى أن مريم وعيسى عليهما السلام قد زارا العراق ونزلا القادسية، وبقيا مدة في مكان مسجد براثا قرب بغداد، والله العالم. أما موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة فهو معروف قرب النجف في وادي السلام. وأمير الناس الكاهن الساحر، قد يكون هو الشيصباني الذي ورد أنه يخرج في العراق قبل السفياني. ورايات شرقي الارض، هي رايات الخراسانيين الممهدين. وخاتم السيد الاكبر قد يكون معناه شعار (الله) الذي هو شعار الجمهورية الاسلامية الذي اختاره سيدها الاكبر الامام الخميني. وتفسير الفاروق في الرواية الثانية لابد أن يكون تعليقا من أحد الرواة دخل في أصل الرواية، ولا يمكن أن يكون من كلام أمير المؤمين عليه السلام. وقد يكون مجمع الناس هناك بمعنى أن قوات المهدي عليه السلام تتجمع هناك، ثم تكون الحرب العالمية المذكورة بين غير المسلمين. واعلم أن هذه الرواية وأمثالها عن أمير المؤمنين عليه السلام تحتاج إلى تحقيق سندها وألفاظها. والظاهر أن أكثر هذه الخطب والروايات المطولة عن علامات الظهور وحركته، انما هي خطب ومقالات لرواة وعلماء نظموا فيها عددا من الروايات الواردة عن أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام. ثم نسبت بعد ذلك إليهم عليهم السلام. وعليه فتكون قيمتها العلمية في أنها كلام رواة وعلماء اطلعوا على الاحاديث الشريفة أكثر منا، وكانوا أقرب إلى عصر صدورها. وليس هذا موضع التفصيل.

[ 130 ]

جيش السفياني الي الحجاز (جيش الخسف) سوف نتعرض في حركة الظهور المقدس إن شاء الله إلى حالة الصراع السياسي التي تخبر الاحاديث الشريفة أنها تحدث في الحجاز، على أثر مقتل حاكمه عبد الله، وعدم اتفاقهم على حاكم بعده، وصراع القبائل الحجازية على السلطة. الامر الذي يضعف حكومة الحجاز، ويسمح للمهدي عليه السلام أن يبدأ حركته في مكة ويحررها، ويحكم سيطرته عليها. في هذه المرحلة، وعندما ترى حكومة الحجاز عجزها عن القضاء على حركة المهدي عليه السلام، تقوم هي أو تقوم الدول الكبرى بتكليف السفياني بهذه المهمة، فيوجه قواته إلى المدينة المنورة ثم إلى مكة المكرمة. بينما يعلن المهدي عليه السلام للمسلمين وللعالم بأنه ينتظر المعجزة الموعودة على لسان النبي صلى الله عليه وآله وهي الخسف بجيش السفياني بالبيداء قرب مكة، وأنه بعد هذه المعجزة سيواصل حركته المقدسة. بل لا يبعد ترجيح ما تذكره بعض الاحاديث من أن استدعاء قوات السفياني إلى الحجاز، والحرمين خاصة، تكون قبل بدء حركة ظهور المهدي عليه السلام، وأن جيشه يدخل المدينة المنورة بحثا عن المهدي وأنصاره ويرتكب فيها الجرائم، وأن المهدي عليه السلام يكون عند ذاك في المدينة ثم يخرج منها إلى مكة على سنة موسى عليه السلام خائفا يترقب، ثم يأذن الله تعالى له بالظهور. وتصف الاحاديث في مصادر الشيعة والسنة دخول جيش السفياني إلى المدينة المنورة عن طريق العراق والشام بأنه دخول كاسح، لا يجد أمامه

[ 131 ]

مقاومة. وأنه يستعمل مع أنصار المهدي وشيعة أهل البيت عليهم السلام نفس طريقته في العراق في القتل والابادة للكبير والصغير والرجال والنساء ! بل يبدو من الاحاديث أن بطشه في المدينة يكون أشد، ففي مخطوطة ابن حماد عن ابن شهاب قال " يكتب السفياني إلى الذي دخل الكوفة بخيلة، بعد ما يعركها عرك الاديم، يأمره بالسير إلى الحجاز، فيسير إلى المدينة فيضع السيف في قريش، فيقتل منهم ومن الانصار أربع مائة رجل، ويبقر البطون، ويقتل الولدان، ويقتل أخوين من قريش رجل وأخته يقال لهما فاطمة ومحمد، ويصلبهما على باب مسجد المدينة " ص 88. وتذكر روايات أخرى أن هذا السيد وأخته هم ابناء عم النفس الزكية الذي يرسله الامام المهدي عليه السلام إلى مكة فيقتلونه في المسجد الحرام قبل ظهوره عليه السلام بخمسة عشر ليلة. وأنهما يكونان فارين من العراق من جيش السفياني، ويدلهم عليهما جاسوس يكون معهما من العراق. وتدل الرواية الاتية عى أن السفياني يبرر مجزرته في بني هاشم وشيعتهم في المدينة بأنها اقتصاص لمقتل جنوده في العراق على يد قوات الخراسانيين. ففي مخطوطة ابن حماد ص 89 عن أبي قبيل قال " يبعث السفياني جيش (جيشه) إلى المدينة، فيأمر بقتل كل من كان فيها من بني هاشم حتى الحبالي ! وذلك لما يصنع الهاشمي الذي يخرج على أصحابه من المشرق. يقول (أي السفياني) ماهذا البلاء كله وقتل أصحابي إلا من قبلهم، فيأمر فيقتلون حتى لايعرف منهم بالمدينة أحد. ويفترقون منها هاربين إلى البوادي والجبال والى مكة، حتى نساؤهم. يضع فيهم السيف أياما ثم يكف عنهم، فلا يظهر منهم إلا خائف حتى يظهر أمر المهدي بمكة اجتمع كل من شذ منهم إليه بمكة ". وعن الامام الباقر عليه السلام قال " ويظهر السفياني ومن معه حتى لا يكون

[ 132 ]

له همة إلا آل محمد صلى الله عليه وآله وشيعتهم. فيبعث بعثا إلى الكوفة فيصاب باناس من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله قتلا وصلبا. وتقبل راية من خراسان حتى تنزل ساحة الدجلة (دجلة) يخرج (ويخرج) رجل من الموالي ضعيف ومن تبعه فيصاب بظهر الكوفة. ويبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا، ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صغيرهم وكبيرهم لا يترك منهم أحد الا أخذ وحبس. يخرج الجيش في طلب الرجلين، ويخرج المهدي منها على سنة موسى خائفا يترقب حتى يقدم مكة " البحار ج 52 ص 222 وفي ص 252 عن السفياني أنه " يأتي المدينة بجيش جرار " وجاء في مستدرك الحاكم ج 4 ص 442 أن أهل المدينة يخرجون منها أمام حملة السفياني. ويبدو أن المنصور المذكور في الحديث الذي يخرج مع المهدي عليه السلام هو النفس الزكية محمد، وهو من أصحاب المهدي عليه السلام، ويرسله إلى المسجد الحرام ليبلغ رسالته فيقتلونه، ويحتمل أن يكون أحد أصحاب المهدي عليه السلام غير النفس الزكية. هذه نماذج من أحاديث غزو السفياني للمدينة المنورة وأفاعيله فيها. ولا تذكر الاحاديث أماكن أخرى من الحجاز تدخلها قواته غير المدينة، ثم محاولة دخولها مكة. ويبدو أن مدة احتلاله للمدينة لاتطول حتى يرسل جيشه كله أو معظمه إلى مكة فتقع فيه الاية الموعودة، ويخسف بهم جميعا تقريبا قبيل مكة. وفي بعض الروايات أن بقاء جيشه في المدينة يكون أياما فقط، ولكن يبدو أن المقصود دخوله المدينة وأفاعيله فيها، وليس مرابطة القوات فيها أو قربها.

[ 133 ]

والاحاديث في جيش الخسف كثيرة متواترة في مصادر المسلمين، ولعل أشهرها في مصادر السنة الحديث المروي عن أم سلمة قالت " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه جيش حتى إذا كانوا بالبيداء بيداء المدينة خسف بهم " مستدرك الحاكم ج 4 ص 429 وغيره. وفي البحار ج 52 ص 186. قال صاحب الكشاف في تفسر قوله تعالى " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب " سبأ - 51: " روي عن ابن عباس أنها نزلت في خسف البيداء ". وقال صاحب مجمع البيان " قال أبو حمزة الثمالي: سمعت علي بن الحسين والحسن بن الحسن بن علي عليه السلام يقولان: هو جيش البيداء يؤخذون من تحت أقدامهم " البحار ج 52 ص 186. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وآله ذكر فتنة تكون بين أهل مشرق والمغرب وقال: " فبينا هم كذلك يخرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فوره ذلك، حتى ينزل دمشق. فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق، وآخر إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل من مدينة الملعونة (يعني بغداد) فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويغصبون أكثر من مئة امرأة ويقتلون بها ثلاث مئة كبش من بني (فلان) العباس. ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها. ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى فتلحق ذلك الجيش، فيقتلونهم ولا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم. ويحل الجيش الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام بلياليها. ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبرئيل فيقول يا جبرئيل إذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة يخسف بهم عندها، ولا يفلت منهم إلا رجلان من جهينة " البحار ج 52 ص 186.

[ 134 ]

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " المهدي أقبل، جعد، بخده خال. يكون مبدؤه من قبل المشرق. فإذا كان ذلك خرج السفياني فيملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر. يخرج بالشام فينقاد له أهل الشام الا طوائف مقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه. ويأتي المدينة بجيش جرار، حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به. وذلك قول الله عزوجل " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب " غيبة النعمائي 163 والمحجة للبحراني ص 177. ومعنى قوله عليه السلام " أقبل " أي يقبل عندما يمشي بكل بدنه. و " جعد " أي في شعره جعد. وقوله " مبدؤه من قبل المشرق " أي مبدأ أمره بدولة الايرانيين الممهدين له. " فإذا كان ذلك " أي فإذا بدأ أمره وقامت دولتهم خرج السفياني. وليس في الحديث تعيين وقت خروجه، وأنه هل يكون مباشرة بعد قيام دولة الممهدين أو بعد سنين طويلة. ولكن التعبير يدل على نوع من الترتب والترابط بين دولة الايرانيين وخروج السفياني، وأن خروجه يكون عملا موجها ضدها، كما ذكرنا في أوائل الحديث عن حركته. وعن حنان بن سدير قال " سألت أبا عبد الله عليه السلام (أي الامام الصادق) عن خسف البيداء فقال " أما صهرا على البريد، على اثني عشر ميلا من البريد الذي بذات الجيش ". البحار ج 52 ص 181 وذات الجيش واد بين مكة والمدينة. وأما صهرا، موضع فيها. وفي مخطوطة ابن حماد عن محمد بن علي (أي الامام الباقر عليه السلام) قال " سيكون عائذ بمكة يبعث إليه سبعون ألفا، عليهم رجل من قيس، حتى إذا بلغوا الثنية دخل آخرهم ولم يخرج منها أولهم. نادى جبرئيل: يا بيداء يا بيداء - يسمع مشارقها ومغاربها - خذيهم فلا خير فيهم. فلا يظهر على هلاكهم أحد الا راعي غنم في الجبل، ينظر إليهم حين ساخوا فيخبر بهم. فإذا سمع العائذ بهم، خرج " ص 90. وفيها ص 91 عن أبي قبيل قال " لا يفلت منهم أحد الا بشير ونذير، فأما

[ 135 ]

البشير فانه يأتي المهدي وأصحابه فيخبرهم بما كان من أمرهم، ويكون شاهد ذلك في وجهه قد حول الله وجهه إلى قفاه، فيصدقونه لما يرون من تحويل وجهه ويعلمون أن القوم قد خسف بهم. والثاني مثل ذلك قد حول الله وجهه إلى قفاه، فيأتي السفياني فيخبره بما نزل بأصحابه فيصدقه ويعلم أنه حق لما يرى فيه من العلامة. وهما رجلان من كلب ". وفيها ص 90 عن حفصة قالت " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يأتي جيش من قبل المغرب يريدون هذا البيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فيرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم ما أصابهم، ثم يبعث الله تعالى كل امرئ على نيته " أي أن المجبور على المشاركة في جيش السفياني وان كان حسابه في الاخرة ليس كالمتطوع بإرادته، ولكنه يخسف به أيضا. وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وآله قال " عجبت لقوم مصرعهم واحد ومصادرهم شتى. فقيل كيف ذلك يارسول الله ؟ فقال: " لان فيهم المجبور والمستكره والمنتفر " أي يموتون في مكان واحد ولكن الله تعالى يحاسبهم في الاخرة على نياتهم، ومنهم المستكره خوفا على أهله وما شابه، ومنهم المساق جبرا، ومنهم المتطوع المستنفر برغبته. وفي رواية أن عدد جيش الخسف اثنا عشر ألفا، وليس سبعين ألفا. وفي رواية أخرى أنه يخسف بثلثهم، وتحول وجوه ثلثهم إلى أقفيتهم، ويبقى ثلثهم سالمين. مخطوطة ابن حماد ص 90 - 91. بداية تراجع السفياني بعد معجزة الخسف بجيشه في طريق مكة، يبدأ نجم السفياني بالنزول، بينما يأخذ نجم المهدي عليه السلام بالصعود والتلالوء.

[ 136 ]

ولا تذكر الاحاديث دورا عسكريا للسفياني في الحجاز بعد حادثة الخسف بقواته. مما يشير إلى أنها تكون القاضية على دوره في الحجاز. ولكن من المحتمل أن تبقى له قوات في المدينة المنورة تقاتل إلى جانب قوات حكومة (بني فلان) حيث ذكرت الاحاديث أن المهدي عليه السلام يتوجه بعد آية الخسف بجيشه المكون من بضعة عشر ألفا ويحررها وقد يخوض معركة مع أعدائه فيها. ومهما يكن فإن المهدي عليه السلام يفتح المدينة المنورة ويحرر الحجاز ويقضي على القوات المعادية، وينهزم جيش السفياني أمامه من الحجاز إلى العراق والشام. حيث تذكر الاحاديث معركة أو أكثر تدور في العراق بين جيش السفياني من جهة، وجيش المهدي عليه السلام وأنصاره الخراسانيين من جهة أخرى. معركة الاهواز الامر الطبيعي في العراق بعد أن تنهزم قوات السفياني على يد الممهدين الايرانيين واليمانيين أن يدخل تحت حكم المهدي عليه السلام وأنصاره، وأن تكون الهزيمة الجديدة للسفياني في الحجاز بطريق المعجزة عاملا مساعدا لتحكيم سيطرة أنصار المهدي على العراق. خاصة وأن الروايات تذكر أن قوات الممهدين تستقر في العراق بعد أن تهزم قوات السفياني وتبعث ببيعتها إلى الامام المهدي عليه السلام في الحجاز. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان (إلى) الكوفة. فإذا ظهر المهدي بعثت إليه بالبيعة ". البحار ج 52 ص 217 ورواه ابن حماد في مخطوطته ص 88 " تنزل الرايات السود التي

[ 137 ]

تقبل من خراسان الكوفة. فإذا ظهر المهدي بمكة بعثت بالبيعة إلى المهدي " ولكن مع وجود هذه العوامل التي يفترض بها أن ينهزم السفياني كليا من العراق. توجد روايات تتحدث عن معارك لقواته في العراق تخوضها هذه المرة مع القوة الموحدة للامام المهدي عليه السلام حيث يعين شعيب بن صالح قائد قوات الايرانيين قائدا عاما لقواته عليه السلام المتكونة في معظمها من قوات الايرانيين واليمانيين، والبلاد الاسلامية الاخرى. وتنفرد بعض الروايات بذكر معركة باب اصطخر، وتصفها بأنها الملحمة العظمى بين قوات السفياني وقوات المهدي عليه السلام. إصطخر مدينة قديمة في جنوب ايران في منطقة الاهواز، كانت عامرة في صدر الاسلام، وما زالت آثارها قرب مدينة " مسجد سليمان " النفطية. بل يروى أن مدينة اصطخر بناها بني الله سليمان عليه السلام، وأنه كان يقضي فيها فصل الشتاء. وأن مسجد سليمان كانت مسجدا بناه هو عليه السلام. وتحدد روايتان مكان " بيضاء إصطخر " محلا لتجمع قوات الايرانيين، وهي تعني منطقة بيضاء في اصطخر، ويبدو أنها منطقة الربوات القريبة من مسجد سليمان التي تسمى بالفارسية " كوه سفيد " أي الجبل الابيض. بل تذكر روايتان أو ثلاث أن الامام المهدي عليه السلام عندما يتوجه من المدينة المنورة إلى العراق ينزل أولا في بيضاء اصطخر فيبايعه الايرانيون ويخوضون بقيادته معركتهم من بيضاء اصطخر مع جيش السفياني ويهزمونه. وعلى أثرها يدخل الامام المهدي عليه السلام العراق " في سبع قباب من نور لا يعلم في أيها هو " كما سنذكره في حركة الظهور.

[ 138 ]

جاء في مخطوطة أن حماد ص 86 عن علي عليه السلام قال " إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب بن صالح. فيلتقي هو وأصحاب السفياني بباب إصطخر فيكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهعر الرايات السود وتهرب خيل السفياني. فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه ". ومعنى " فيلتقي هو والهاشمي " يلتقي المهدي عليه السلام والهاشمي الخراساني قائد قوات الايرانيين كما تنص الرواية الاتية. أي أن جماهير الايرانيين يخرجون في طلب المهدي عليه السلام لكي يبايعوه ويقاتلوا معه، ويتوجهون إلى جنوب ايران القريب من حدود الحجاز البرية عند البصرة، فيلتقي به قائدهم الهاشمي الخراساني وقواته. وهذا يعني أن الامام المهدي أرواحنا فداه يوافيهم إلى جنوب ايران بعد تحريره الحجاز، ثم تكون المعركة المذكورة مع قوات السفياني التي تشير الرواية إلى أنها تدخل جنوب ايران والعراق. ولعلها تدخلها هذه المرة عن طريق الخليج والبصرة، مع قوات الغربيين كما سيأتي. وتذكر رواية أخرى في مخطوطة ابن حماد ص 86 أن السفياني في غزوه العراق " يبث جنوده في الافاق " وهو اشارة إلى سعة نشر قواته في العراق وعلى الحدود العراقية الايرانية، وهو يساعد على افتراض وجود قوات بحرية للسفياني وحلفائه الروم في الخليج. وتذكر الرواية التالية مجئ المهدي عليه السلام إلى جنوب ايران، وتصف معركة باب اصطخر أو بيضاء اصطخر، ولكن في متنها اضطرابا مع الاسف " يبث السفياني جنوده في الافاق بعد دخوله الكوفة وبغداد، فيبلغه فزعة من وراء النهر من أهل خراسان، فيقبل أهل المشرق عليهم قتلا (أي على

[ 139 ]

جنود السفياني) فإذا بلغه ذلك بعث جيشا عظيما إلى إصطخر. فيلتقي هو (أي السفياني باعتبار قواته) والمهدي والهاشمي ببيضاء اصطخر فيكون بينهما ملحمة عظيمة حتى تطأ الخيل الدماء إلى أرساغها ". وتذكر الرواية الاولى التأثير الكبير الذي يكون لهزيمة جيش السفياني في معركة الاهواز هذه، في تفجير التيار الموالي للمهدي في شعوب المسلمين، حيث يتحركون للالتحاق بالمهدي عليه السلام ومبايعته " فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه ". وأيا تكن روايات معارك السفياني في العراق بعد الخسف بجيشه في الحجاز، فإن مما لاشك فيه أنه يدخل بعدها في مرحلة التراجع والهزيمة. ويصبح همه المحافظة على منطقة حكمه بلاد الشام، وتقوية الخط الدفاعي الاخير عن فلسطين والقدس، والاستعداد لمواجهة زحف قوات المهدي عليه السلام. ولا تذكر له الروايات معارك أخرى مع المهدي وأنصاره سوى معركة الفتح الكبرى، فتح القدس وتحرير فلسطين، التي يكون فيها نهايته وهزيمة حلفائه اليهود والروم. السفياني في معركة فتح القدس يظهر من أحاديث هذه المعركة العظيمة أن السفياني يعاني من عدة مشكلات والحمد لله. أولها ضعف شعبيته في بلاد الشام. فأيا كانت القوى والظروف المساندة لحكم السفياني فإن أهل بلاد الشام مسلمون. وهم يرون آيات المهدي عليه السلام وكراماته، ويرون هزائم

[ 140 ]

طاغيتهم السفياني وخدمته لاعدائهم. لذلك يقوى فيهم تيار حب المهدي والميل إليه، والتذمر من السفياني وسياساته. بل المرجح عندي أن حركة شعبية واسعة النطاق موالية للمهدي عليه السلام تقوم في سوريا والاردن ولبنان وفلسطين. لان الاحاديث الشريفة تذكر أن المهدي عليه السلام يزحف بجيشه إلى بلاد الشام حتى يعسكر في " مرج عذراء " الذي هو ضاحية من ضواحي دمشق لا يبعد عنها أكثر من ثلاثين كيلومترا. وهو يدل على الاقل على أن السفياني يعجز عن حفظ حدوده، وعن مقاومة الزحف المبارك. بل تذكر الاحاديث أن السفياني يخلي عاصمته دمشق نفسها ويتراجع إلى داخل فلسطين، ويتخذ من " وادي الرملة " عاصمة أو مقرا لقيادته، التي ورد أن قوات الروم أو مارقة الروم تنزل فيها. كما ذكرت الاحاديث أن المهدي عليه السلام يتأنى في خوض المعركة، ويبقى فترة في ضاحية دمشق حيث ينضم إليه أبدال أهل الشام ومؤمنوها من بقي منهم لم يلتحق به. وأنه عليه السلام يطلب من السفياني أن يلتقي به شخصيا للحوار، فيلتقيان فيؤثر عليه المهدي فيبايعه السفياني، وينوي أن يستقيل ويسلمه المنطقة ولكن أقاربه، ومن وراءه يوبخونه بعدها ويردونه عن عزمه ! إن هذه الظواهر وغيرها مما نقرؤه في أحاديث المهدي قبيل معركة فتح القدس وتحرير فلسطين، لا تفسير لها بالحساب الطبيعي والسياسي إلا ضعف شعبية السفياني في بلاد الشام، ووجود تيار شعبي مؤيد للمهدي عليه السلام. بل تشير بعض الروايات إلى أن الامر يصل إلى حد أن بعض قوات السفياني وقطعات جيشه يبايعون المهدي عليه السلام وينضمون إليه،

[ 141 ]

فعن الامام الباقر عليه السلام قال " ثم يأتي الكوفة (أي المهدي عليه السلام) فيطيل بها المكث ما شاء الله أن يمكث حتى يظهر عليها. ثم يأتي (مرج) العذراء هو ومن معه، وقد ألحق به ناس كثير، والسفياني يومئذ بوادي الرملة. حتى إذا التقوا وهو يوم الابدال يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد صلى الله عليه وآله إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كل ناس إلى رايتهم. وهو يوم الابدال "، البحار ج 52 ص 224. وفي مخطوطة ابن حماد عن علي عليه السلام قال " إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشا فخسف بهم بالبيداء، وبلغ أهل الشام قالوا لخليفتهم: قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته، وإلا قتلناك. فيرسل إليه بالبيعة. ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس " ص 96. وهي رواية تصور غاية ما يصل إليه التيار الشعبي الموالي للمهدي عليه السلام والمعارض للسفياني. وفي ص 97 من مخطوطة ابن حماد " فيقول (أي المهدي) أخرجوا إلى ابن عمي حتى أكلمه. فيخرج إليه فيكلمه، فيسلم إليه الامر ويبايعه ! فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمه كلب فيرجع ليستقيله فيقيله. ثم يعبئ جيوشه لقتاله، فيهزمه ويهزم الله على يديه الروم ". ومعنى " ندمه كلب أو ندمته كلب " أي جعلوه يندم على بيعته للمهدي. وكلب هم أخوال السفياني وكلب اسم عشيرتهم. والذين يجعلونه يندم في الحقيقة ويحفظون حكمه من السقوط أمام التيار الشعبي ويصرون عليه أن يخوض المعركة مع المهدي، هم من وراءه من اليهود والروم كما تشير إليه الرواية المتقدمة وغيرها. وكما سنذكره في معركة فتح القدس.

[ 142 ]

على أي حال، لا يتوفق السفياني للاستفادة من هذا الجو الشعبي، ومن الفرصة التي يمنحه إياها الامام المهدي عليه السلام، ولا يتوفق مسلموا بلاد الشام لاسقاط حكمه وجيشه. ويقوم هو وحلفاؤه بتعبئة قواتهم للمعركة الفاصلة الكبرى التي تمتد محاورها كما تذكر الروايات من عكا إلى صور إلى أنطاكية في الساحل، ومن دمشق إلى طبرية إلى القدس في الداخل. وينزل غضب الله تعالى على السفياني وحلفائه وغضب المهدي وجيشه سلام الله عليه، وتظهر آيات الله على يديه، وتدور الدائرة على السفياني ومن وراءه من اليهود والروم فينهزمون شر هزيمة. وتكون نهاية السفياني أن يقبض عليه أحد جنود الامام المهدي فيقتلونه عند بحيرة طبرية أو عند مدخل القدس كما تذكر الروايات. وينهون ذلك حياة طاغية استطاع في خمسة عشر شهرا أن يرتكب من الجرائم مالا يستطيع أن يرتكبه غيره في سنين طويلة.

[ 143 ]

اليمن ودور هافى عصر الظهور وردت في ثورة اليمن الاسلامية الممهدة للمهدي عليه السلام أحاديث متعددة عن أهل بيت عليهم السلام، منها بضعة أحاديث صحيحة السند. وهي تؤكد على حتمية حدوث هذه الثورة وتصفها بأنها راية هدى تمهد لظهور المهدي عليه السلام وتنصره. بل تصفها عدة روايات بأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الاطلاق، وتؤكد على وجوب نصرتها مثل تأكيدها على نصرة راية المشرق الايرانية وأكثر. وتحدد الاحاديث وقتها بأنه مقارن لخروج السفياني في شهر رجب، أي قبل ظهور المهدي ببضعة شهور. وأن عاصمتها صنعاء. أما قائدها المعروف في الروايات باسم " اليماني " فتذكر رواية أن اسمه " حسن " أو " حسين " وأنه من ذرية زيد بن علي عليهما السلام. ولكنها قابلة للمناقشة في متنها وسندها. وهذه أهم أحاديث ثورة اليماني: عن الامام الصادق عليه السلام قال " قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء " البحار ج 52 ص 204.

[ 144 ]

وعنه عليه السلام قال " خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا. فيكون البأس من كل وجه. ويل لمن ناواهم. وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية حق لانه يدعو إلى صاحبكم. فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس. وإذا خرج اليماني فانهض إليه فان رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لانه يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم " بشارة الاسلام ص 93 عن غيبة النعماني. وعن الامام الرضا عليه السلام قال " قبل هذا الامر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح. فيكف يقول هذا هذا " البحار ج 52 ص 233، وقال المجلسي رحمه الله " أي كيف يقول هذا الذي خرج أني القائم، يعني محمد بن ابراهيم، أو غيره " والمراد بالمرواني المذكور في الرواية قد يكون هو الابقع، أو يكون أصله الخراساني فوقع فيه التصحيف من النساخ. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى الحق " البحار ج 52 ص 210. وعن هشام بن الحكم أنه لما خرج طالب الحق قيل لابي عبد الله عليه السلام (أي الامام الصادق): " أترجو أن يكون هذا اليماني ؟ فقال: لا. اليماني يتوالى عليا، وهذا يبرأ منه " البحار ج 52 ص 75 وفيها أيضا " اليماني والسفياني كفرسي رهان " أي كفرسي السباق يسعى كل منهما أن يسبق الاخر. وجاء في بعض الروايات عن المهدي عليه السلام أنه " يخرج من اليمن من قرية يقال لها كرعة " البحار ج 52 ص 380. ولا يبعد أن يكون

[ 145 ]

المقصود به اليماني الذي يبدأ أمره من هذه القرية. لان الثابت المتواتر في الاحاديث أن المهدي عليه السلام يخرج من مكة من المسجد الحرام. وفي بشارة الاسلام ص 187 " ثم يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين أو حسن. فيذهب بخروجه غمر الفتن. يظهر مباركا زاكيا. فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء " وفيما يلي عدة ملاحظات حول ثورة اليماني: منها ما يتعلق بدورها. فمن الطبيعي لثورة ممهدة للمهدي عليه السلام في اليمن ان يكون لها دور هام في مساعدة حركته ومساندتها في الحجاز. وعدم ذكر هذا الدور لليمانيين في الاحاديث الشريفة لا ينفيه، بل قد يكون من أجل المحافظة عليه وعدم الاضرار به. وسنذكر في حركة ظهوره عليه السلام أن القوة البشرية التي تقوم عليها حركته في مكة والحجاز ويتألف منها جيشه، تتكون بشكل أساسي من أنصاره الحجازيين واليمانيين. أما دور اليمانيين الممهدين في العراق فقد ذكرت الروايات أن اليماني يدخل العراق على أثر غزو السفياني له، فتبادر القوات اليمانية والايرانية لمواجهته. ويبدو من الاحاديث أن دورها في قتال السفياني يكون دور الاسناد للقوات الايرانية، لان لهجة الاخبار تشعر بأن الطرف المواجه للسفياني هم أهل المشرق أصحاب الخراساني وشعيب. وكأن اليمانيين يرجعون بعد مساندتهم لهم إلى اليمن. أما في منطقة الخليج فمن الطبيعي ان يكون لليمانيين الدور الاساسي فيها مضافا إلى الحجاز، وان لم تذكر ذلك الروايات. بل من الطبيعي

[ 146 ]

بمنطق أحداث الظهور وجغرافية المنطقة أن يكون حكم اليمن والحجاز وبلاد الخليج بعهدة قوات اليمانيين التابعة للمهدي عليه السلام. ومنها حول السبب في أن راية اليماني أهدى من راية الخراساني. مع أن راية الخراساني ورايات أهل المشرق عامة موصوفة بأنها راية هدى، وبأن قتلاهم شهداء، وأن الله تعالى يؤيد بهم الدين. ومع أن عددا كبيرا نسبيا من الايرانيين يكونون من وزراء المهدي عليه السلام وخاصة أصحابه. ومنهم قائد قواتهم شعيب بن صالح الذي يجعله المهدي عليه السلام قائد جيشه العام. ومع أن دور الايرانيين في التمهيد للمهدي عليه السلام دور واسع وفعال على كل الاصعدة. ولهم بعد ذلك فضل السبق والتضحيات حيث يبدأ أمر المهدي عليه السلام بحركتهم. إلى آخر ما ذكرته الاحاديث الشريفة وسنذكره في دورهم في عصر الظهور. فما هو السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى من ثورة الايرانيين ورايتهم ؟ يحتمل أن يكون السبب في ذلك أن الاسلوب الاداري الذي يستعمله اليماني في قيادته السياسية وإدارة اليمن أصح وأقرب إلى النمط الاداري الاسلامي في بساطته وحسمه. بينما لا تخلو دولة الايرانيين من تعقيد الروتين وشوائبه. فيرجع الفرق بين التجربتين إلى طبيعة البساطة والقبيلة في المجتمع اليماني. وطبيعة الوراثة الحضارية والتركيب في المجتمع الايراني. ويحتمل أن تكون ثورة اليماني أهدى بسبب سياسته الحاسمة مع جهازه التنفيذي، سواء في اختياره من النوعيات المخلصة المطيعة فقط، ومحاسبته الدائمة والشديدة لهم، وهي السياسة التي يأمر الاسلام ولي الامر أن يتبعها مع عماله كما في عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عامله في مصر مالك الاشتر رضي الله عنه، وكما ورد في صفات المهدي عليه السلام أنه

[ 147 ]

" شديد على العمال رحيم بالمساكين " بينما لا يتبنى الايرانيون هذه السياسة، ولا يعاقبون المسؤول المقصر أو الخائن لمصالح المسلمين على ملا الناس، ليكون عبرة لغيره. فهم يخافون أن يؤدي ذلك إلى تضعيف الدولة الاسلامية التي هي كيان الاسلام. ويحتمل أن تكون راية اليماني أهدى في طرحها الاسلامي العالمي، وعدم مراعاتها للعناوين الثانوية الكثيرة والمفاهيم والمعادلات المعاصرة القائمة، التي تعتقد الثورة الاسلامية الايرانية أنه يجب عليها أن تراعيها. ولكن المرجح ان يكون السبب الاساسي في أن ثورة اليماني أهدى أنها تحضى بشرف التوجيه المباشر من المهدي عليه السلام، وأنها جزء مباشر من خطة حركته عليه السلام، وأن اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه. ويؤيد ذلك أن أحاديث ثورة اليمانيين تركز على مدح شخص اليماني قائد الثورة وأنه " يهدي إلى الحق " ويدعو إلى صاحبكم " وانه " لا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو إلى النار ". أما ثورة الايرانيين الممهدة فالتركيز في أحاديثها على مدح جمهورها بعنوان أصحاب الرايات السود وأهل المشرق وقوم من المشرق. أكثر من مدح قادتها كما سيأتي في أحاديثها ما عدا شعيب بن صالح الذي يفهم من أحاديثه أنه متميز عن بقية قادة الرايات السود، ويليه في المدح السيد الخراساني، ثم رجل قم. ويؤيد ذلك أيضا ان ثورة اليماني قريبة من حركة ظهوره عليه السلام بالنسبة إلى ثورة الايرانيين الممهدين، حتى لو فرضنا ان اليماني يخرج قبل السفياني أو أنه يماني آخر يمهد لليماني الموعود. بينما بداية ثورة الايرانيين على يد رجل من قم تكون مبكرة حيث يبدأ بها أمر المهدي عليه السلام. " يكون مبدؤه من المشرق " والمدة بين بدايتها وبين الخراساني وشعيب قد تكون عشرين أو خمسين سنة، أو ما شاء الله من الزمان. ومثل هذه

[ 148 ]

البداية المبكرة إنما تقوم على اجتهاد الفقهاء واجتهاد وكلائهم السياسيين، ولا تتوفر لها ظروف النقاء والنصاعة التي تتوفر لثورة اليماني الموجهة مباشرة من الامام المهدي عليه السلام. ومنها حول احتمال أن يكون اليماني متعددا، ويكون الثاني منهما هو اليماني الموعود. فقد نصت الروايات المتقدمة على أن ظهور اليماني الموعود مقارن لظهور السفياني، أي في سنة ظهور المهدي عليه السلام. ولكن توجد رواية أخرى صحيحة السند عن الامام الصادق عليه السلام تقول " يخرج قبل السفياني مصري ويماني " البحار ج 52 ص 210 عن غيبة الطوسي. وعليه فيكون هذا اليماني الاول ممهدا لليماني الموعود كما يمهد الرجل من قم وغيره من أهل المشرق للخراساني وشعيب الموعودين. أما وقت خروج هذا اليماني الاول، فقد حددت الرواية الشريفة أنه قبل السفياني فقط. وقد يكون قبله بمدة قليلة أو سنين طويلة. والله العالم. ومنها خبر " كاسر عينه بصنعاء " الذي رواه في البحار ج 52 ص 245 عن عبيد بن زرارة عن الامام الصادق عليه السلام قال " ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام السفياني فقال: أنى يخرج ذلك ولم يخرج كاسر عينه بصنعاء " وهو من الاحاديث الملفتة الواردة في مصادر الدرجة الاولى مثل غيبة النعماني ولعله صحيح السند. ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي يظهر قبل السفياني يمانيا ممهدا لليماني الموعود كما ذكرنا، ويحتمل في تفسير " كاسر عينه " عدة احتمالات أرجحها أنه وصف رمزي مقصود من الامام الصادق عليه السلام لا يتضح معناه الا في حينه.

[ 149 ]

مصر واحداثها في عصر الظهور أحاديث الملاحم التي وردت حول مصر متعددة. ابتداء من أحاديث بشارة النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين بفتحهم مصر، إلى أحاديث غلبة المغاربة على مصر في أحداث ثورة الفاطميين، إلى أحداث عصر ظهور المهدي الموعود عليه السلام. وتختلط أحداث ظهور المهدي بأحداث إقامة الدولة الفاطمية في مصادر الملاحم، لان أحاديث المهدي عليه السلام تتضمن أيضا دخول الجيش المغربي إلى مصر. وطريقة تمييزها وجود النص فيها على اتصالها بظهور المهدي عليه السلام، أو اتصالها بحدث معلوم أنه من أحداث عصر ظهوره، مثل خروج السفياني وغيره. ومع أخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار تبقى بأيدينا عدة أحاديث ذكرت أحداثا في مصر من المؤكد أنها من أحداث عصر ظهور المهدي عليه السلام، أو من المرجح أنها منها. منها أحاديث عن " قتل أهل مصر أميرهم " وقد ورد هذا الحديث بعنوان إحدى علامات ظهور المهدي، كما في بشارة الاسلام ص 175 نقلا عن الارشاد للمفيد.

[ 150 ]

ويوجد تعبير آخر كثر تذاكره على ألسنة الناس في عصرنا يقول " وقتل أهل مصر ساداتهم " و " غلبة العبيد على بلاد السادات " بشارة الاسلام ص 176، على أساس أنه ينطبق على قتل أنور السادات، ولكنه اشتباه، لان السادات في هذه النصوص بمعنى الرؤساء وليس إسم علم. ولان أمير مصر الذي يكون قتله علامة لظهور المهدي عليه السلام يتبعه كما يذكر الحديث دخول جيش أو أكثر إلى مصر، وقد يكون هو الجيش الغربي أو المغربي الذي سنذكره. بل تذكر بعض الروايات أن قتله يترافق مع قتل أهل الشام حاكمهم، ففي بشارة الاسلام ص 185 نقلا عن القول المختصر لابن حجر قال " السادس عشر: " يقتل قبله ملك الشام وملك مصر ". ومن القريب أيضا أن يكون لقتل حاكم مصر علاقة بالرواية التي تتحدث عن رجل مصري صاحب ثورة يخرج قبل السفياني، ففي البحار ج 52 ص 210 قال " يخرج قبل السفياني مصري ويماني " وهذا المصري قد يكون أميرا الامراء أي قائد الجيش الذي ذكرت بعض الروايات أنه يتحرك في مصر ويعلن حالة الحرب " وقام بمصر أمير الامراء وجهزت الجيوش ". وقد يكون هو أيضا المذكور في رواية أخرى بأنه يدعو لال محمد صلى الله عليه وآله قبل دخول القوات الغربية الاتي ذكرها ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لال محمد صلى الله عليه وآله " البحار ج 52 ص 208. وقد يكون الرجل المصري، وأمير الامراء، والذي يدعو لال محمد، ثلاثة أشخاص لاشخصا واحدا. وعلى أي حال، فأن هذه الاحاديث تدل بمجموعها على قيام تحرك في مصر وثورة اسلامية ممهدة لظهور المهدي عليه السلام، أو في الاقل على

[ 151 ]

وجود حالة إسلامية متفاقمة، وأنه يحدث في مصر تغيير داخلي يرتبط بوضع خارجي من الحرب والسلم. ومنها، حديث غلبة القبط على أطراف مصر، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في علامات ظهور المهدي عليه السلام " وغلبة القبط على أطراف مصر " بشارة الاسلام ص 42 نقلا عن المناقب لابن شهر اشوب. وقد يكون ذلك والمقصود فيما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 78 عن أبي ذر رحمه الله قال " ليخرجن من مصر الامن. قال خارجة قلت لابي ذر: فلا إمام جامع حين يخرج. قال: لا، بل تقطعت أقرانها " وما رواه عن كعب ايضا قال " لتفتن مصر فت البعرة ". والحاصل من ذلك أن أقباط مصر يثيرون فتنة فيها، ويخرجون عن سلطة دولتها، ويسيطرون على بعض أطرافها، فيسبب ذلك ضعفا في وضع مصر الامني والاقتصادي. ومن الطبيعي أن يكون ذلك بتحريك أعداء المسلمين من الخارج حيث لم يعهد لاقباط مصر في تاريخهم تحرك هام ضد المسلمين إلا بمساعدة خارجية، كما حدث في حملات الصليبيين، وكما هو الحال في عصرنا الحاضر. أما وقت ذلك فلا تشير له الروايات المذكورة وأمثالها، ولكن تقول رواية أخرى عن حذيفة رحمه الله " إن مصر أمنت من الخراب حتى تخرب البصرة " بشارة الاسلام ص 28 نقلا عن ابن عربي في كتابه " محاضرة الابرار " وفيها أيضا " وخراب مصر من جفاف النيل ". والظاهر أن خراب البصرة الموعود في عصر الظهور يقع بعد قيام دولة الممهدين الايرانيين، أو بعد احتلال السفياني للعراق في سنة ظهور المهدي عليه السلام.

[ 152 ]

ومنها، حديث دخول القوات المغربية إلى مصر، ويذكر المؤلفون هذه العلامة عادة في علامات طهور المهدي عليه السلام. والمقصود بالمغرب فيها وفي الروايات الاخرى مغرب البلاد الاسلامية، الذي يشمل دولة المغرب والجزائر وليبيا وتونس. ولكني تتبعت رواياتها إلى حدما فلم أجد رواية واضحة الدلالة على ذلك، بل وجدت العديد منها ينطبق على دخول قوات المغاربة إلى مصر في الثورة الفاطمية. ووجدت رواية في كتاب غيبة الطوسي ص 278 الذي هو من أقدم المصادر وأوثقها، ولكنها تذكر أهل الغرب وليس أهل المغرب. وكذلك نقلها عنه صاحب بحار الانوار، وصاحب بشارة الاسلام، وقد اشتبه بعضهم غيرهما فنقلها " المغرب ". وتحدد هذه الرواية وقت دخول أهل الغرب إلى مصر بأنه قبيل خروج السفياني في دمشق، وهي فقرة من رواية طويلة عن عمار بن ياسر رحمه الله قال " إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان. ولها إمارات. ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني " ولا يبعد ان تكون رواية الطوسي المتوفى سنة 460 قد سره، هي الاصل لما نقله المتأخرون عنه، وأنه وقع تصحيف الغرب بالمغرب. ولابد أن يكون دخول هذه القوات الغربية كما نرجح، أو المغربية، على أثر حدث يقع في مصر يستوجب تحركها. ويبدو أنها قوات معادية للاسلام وللمصريين وأنها تحاول دخول مصر فإذا تمكنت من دخولها كان ذلك علامة على خروج السفياني في دمشق، وسيطرته على بلاد الشام. وبما أن السفياني يخرج قبل ظهور المهدي عليه السلام ببضعة أشهر، فيكون مجئ هذه القوات في سنة الظهور أو نحوها. وقد ذكرت بعض الروايات أن السفياني يقاتل أهل مصر ويدخلها ويرتكب فيها الجرائم أربعة اشهر. والارجح أنها من روايات المبالغة في أمر

[ 153 ]

السفياني حيث لم ترد لذلك إشارة في مصادر الدرجة الاولى. كما تذكر بعض أحاديث الابقع الذي يقتله السفياني في دمشق أنه مصري، أوله علاقة بمصر، والله العالم. ومنها، حديث ان المهدي عليه السلام يجعل مصر منبرا. وقد ورد ذلك في رواية عباية الاسدي عن علي عليه السلام قال " سمعت أمير المؤمنين عليه السلام وهو مشتكي (متكي) وأنا قائم عليه قال: لابنين بمصر منبرا، ولانقضن دمشق حجرا حجرا، ولاخرجن اليهود والنصارى من كل كور العرب، ولاسوقن العرب بعصاي هذه قال، قلت: كأنك تخبر أنك تحيا بعد ما تموت ؟ فقال: هيهات يا عباية قد ذهبت في غير مذهب. يفعله رجل مني " البحار ج 53 ص 60. وعن علي عليه السلام في المهدي وأصحابه قال " ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره (منبرها)، فيخطب الناس، فتستبشر الارض بالعدل، وتعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، والارض نباتها، وتتزين لاهلها، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الارض كالانعام. ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم. فيومئذ تأويل الاية " يغني الله كلا من سعته " بشارة الاسلام ص 71. ويفهم من هاتين الروايتين أنه سيكون لمصر في دولة الاسلام العالمية على يد المهدي عليه السلام مركز علمي وإعلامي متميز في العالم. خاصة بملاحظة تعبير " لابنين بمصر منبرا " وتعبير " ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره " أي يسير المهدي وأصحابه إلى مصر، لالكي يفتحها أو يثبت أمر حكمه لها، بل لتستقبله هو وأصحابه أرواحنا فداهم، ولكي يصعد منبره الذي يكون اتخذه فيها كما وعد جده أمير المؤمنين عليهما السلام، وليوجه خطابه من هناك إلى أهل مصر والعالم. وكون مصر منبر علم المهدي عليه السلام

[ 154 ]

ومنطلق صوته إلى العالم، لا ينافي المستوى العلمي الذي دلت هذه الرواية وغيرها ان المسلمين يبلغونه في عصره، لان أمر العلم يبقى نسبيا. ومنها، أن للمهدي عليه السلام في هرمي مصر كنوزا وذخائر من العلوم وغيرها، وقد ورد خبرها في مصادر الدرجة الاولى كما في كتاب كمال الدين للصدوق قدس سره ص 5 - 564 في رواية عن أحمد بن محمد الشعراني الذي هو من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه عن محمد بن القاسم المصري أن ابن أحمد بن طولون شغل ألف عامل في البحث عن باب الهرم سنة فوجدوا صخرة مرمر وخلفها بناء لم يقدروا على نقضه وأن اسقفا من الحبشة قرأها وكان فيها عن لسان أحد الفراعنة قوله " وبنيت الاهرام والبراني، وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري " فقال ابن طولون " هذا شئ ليس لاحد فيه حيلة إلا القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله " وردت البلاطة كما كانت مكانها " وفي هذه الرواية نقاط ضعف قد تكون من اضافة بعض الرواة، ولكن فيها نقاط قوة تستوجب الالتفات. والله العالم. ومنها، حديث " أخنس مصر " الذي رواه صاحب كنز العمال في البرهان ص 200 نقلا عن تاريخ ابن عساكر عن النبي صلى الله عليه وآله قال " سيكون بمصر رجل من قريش أخنس (وفي فيض القدير للمناوي ج 2 ص 131 من بني أمية) يلى سلطانا ثم يغلب عليه أو ينزع منه، فيفر إلى الروم، فيأتي بهم إلى الاسكندرية فيقاتل أهل الاسلام بها، وذلك أؤل الملاحم " فقد يكون المقصود بالملاحم ملاحم ظهور المهدي عليه السلام، وببني أمية خطهم.

[ 155 ]

المغرب الاسلامي واحداث عصر الظهور ورد ذكر المغاربة في أحاديث متعددة من أحاديث عصر ظهور المهدي عليه السلام، وهي مختلطة كما ذكرنا بأحاديث الحركة الفاطمية التي كان المسلمون يروون أحاديثها قبل وقوعها، وكانت من أخبار الملاحم ودلائل نبوة النبي صلى الله عليه وآله. ولكن بعض أحاديث المغاربة ينص على تحرك لهم في عصر ظهور المهدي عليه السلام، ولا علاقة له بتحرك الفاطميين. أو توجد فيه أو في غيره قرائن على أنه يقع في عصر الظهور. ومن أبرز ذلك أحاديث دخول الجيش المغربي إلى سوريا والاردن قبيل حركة السفياني، كما ذكرنا في محله. وتذكر الروايات أدوارا للجيش المغربي، أو أهل المغرب، أو خيل من المغرب، أو المغربي، أو الرايات الصفر. في كل من بلاد الشام، ومعركة قرقيسيا على الحدود السورية العراقية التركية، وفي العراق. من قبيل ما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 73 " إذا اصطكت الرايات الصفر والسود في سره الشام، فالويل لساكنها من الجيش المهزوم، ثم الويل لها من الجيش الهازم. وويل لهم من المشوه الملعون " والمشوه الملعون من الاوصاف الخاصة

[ 156 ]

بالسفياني. وفي ص 71 " يلتقي أصحاب الرايات السود وأصحاب الرايات الصفر عند القنطرة فيقتتلون حتى يأتوا فلسطين، فيخرج على أهل المشرق السفياني. فإذا نزل أهل المغرب الاردن مات صاحبهم، فيفترقون ثلاث فرق، فرقة ترجع من حيث جاءت وفرقة تحج، وفرقة تثبت فيقاتلهم السفياني فيهزمهم فيدخلون في طاعته ". وفي ص 70 " إن صاحب المغرب وبني مروان وقضاعة تجتمع على الرايات السود من بطن الشام ". والذي يفهم من مجموع أخبار تحركات القوات المغربية في عصر الظهور أنها أشبه بقوات ردع عربية أو دولية تستعمل ضد تحرك الممهدين للمهدي عليه السلام. فهي في بلاد الشام تحارب رايات المشرق أي الايرانيين الممهدين، وتنهزم أمامهم وتنسحب إلى الاردن كما ذكرنا في أحداث الشام. وكذلك يكون دورها في العراق الذي تذكره بعض الروايات. أما روايات مشاركة القوات المغربية في حرب قرقيسيا فهي على إجمالها لا تدل على أن دورها لمصلحة الاسلام، سواء فرضنا أنها تكون إلى جانب الترك في مواجهة السفياني، أو إلى جانب السفياني. لان أطراف معركة قرقيسيا كلهم مذمومون وموصوفون بأنهم جبابرة. يبقى دور هذه القوات في مصر على فرص صحته، فلا دليل على أنه يكون دورا لمصلحته الاسلام ومصلحة الشعب المصري، بل المرجح أن تكون مهمتها مثلا حفظ حدود اسرائيل عندما تعجز الحكومة المصرية عن منع الشعب المصري والجيش المصري من القيام بعمليات جهادية ضد اليهود. أو تكون مهمتها المحافظة على الاقباط من ردة فعل المسلمين على تحركهم المتقدم. أو

[ 157 ]

تكون قوات ردع عربية تستقدمها الحكومة المصرية في مرحلة من مراحل ضعفها أمام تصاعد المد الاسلامي المؤيد للمهدي عليه السلام، واضطراب قواتها المسلحة المتقدم. والله أعلم.

[ 159 ]

العراق ودوره في عصر الظهور الاحاديث الواردة حول أحداث العراق وأوضاعه في عصر الظهور كثيرة، يظهر منها أن العراق يكون ساحة صراع لا تهدأ بين قوى متعددة. وأنه تمر عليه أربعة عهود أو فترات: الفترة الاولى: فترة تسلط الجبابرة على العراق مدة طويلة قبل ظهور المهدي عليه السلام، وشمول أهله قتل ذريع وخوف لايقر لهم معه قرار. إلى أن يحرره الممهدون أصحاب الرايات السود. الفترة الثانية: قيام حكم الاسلامي فيه، وصراع النفوذ فيه بين الاتجاه المؤيد للخراسانيين الممهدين، والاتجاه المؤيد للسفياني حاكم بلاد الشام. الفترة الثالثة: احتلال السفياني العراق، وتنكيله بأهله، ثم دخول جيش اليمانيين والايرانيين الممهدين، وهزيمتهم جيش السفياني وطرده من العراق. الفترة الرابعة: تحرير الامام المهدي عليه السلام العراق، وتطهيره من مؤيدي السفياني، وفئات الخوارج، وغيرهم. واتخاذه مقرا له عليه السلام وعاصمة لدولته. وقد وردت روايات عن أحداث فيه خلال هذه المراحل الاربع مثل:

[ 160 ]

خروج الشيصباني المعادي للمهدي عليه السلام قبل السفياني. وشهادة نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين. وخروج عوف السلمي من الجزيرة أو تكريت. ومنع أهل العراق من الحج ثلاث سنين. وخسف البصرة وخرابها قبيل ظهور المهدي عليه السلام، وخسف في بغداد والحلة. ودخول قوات مغربية أو غربية إلى العراق. وخروج أحد الصالحين في مجموعة قليلة لمقاومة جيش السفياني. وخروج عدة فئات من الخوارج على المهدي عليه السلام من الشيعة والسنة. ولعل أخطر فئة منهم خوارج " رميلة الدسكرة " الواقعة قرب شهربان في محافظة ديالى. وفيما يلي نستعرض هذه الفترات بشئ من التفصيل. الفترة الاولى والثانية وأبرز ما في أحاديثها شدة البلاء على أهل العراق من حكامه الجبابرة، واختلاف هؤلاء الحكام مع أصحاب الرايات السود الايرانيين. فعن جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال " يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك ؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك " البحار ج 51 ص 92. والقفيز كيل للغلات، والمعنى أنه لا يكاد يصل إليهم مواد تموينية أو مساعدات مالية، بسبب الايرانيين وحربهم معهم. وقد تكون هذه الازمة هي الجوع والخوف الموعود الذي وردت فيه رواية عن جابر الجعفي قال " سألت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام (أي الامام الباقر) عن قول الله تعالى " ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع " فقال: " يا جابر ذلك خاص وعام. فأما الخاص من الجوع فالكوفة (فبالكوفة) يخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم. وأما

[ 161 ]

العالم فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم قط. أما الجوع فقبل قيام القائم. وأما الخوف فبعد قيام القائم " البحار ج 52 ص 229، ولا أجد وجها لان يكون الجوع خاصا بأعداء أهل البيت عليهم السلام إلا أن يكون أزمة اقتصادية تعاني منها حكومة الجبابرة في العراق. وهذا الخوف المذكور في بلاد الشام بعد ظهور المهدي عليه السلام، لا ينفي وجوده قبل ظهوره، وقد نصت الرواية التالية على أنه يكون شديدا في العراق قبل الظهور، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر لهم في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها. وشمول أهل العراق خوف لا يكون معه قرار " البحار ج 52 ص 221 - 222، وليس من الضروري أن تكون هذه العلامات متسلسلة حسب ما وردت في الرواية، بل قد يكون الخوف والخسف قبل الايات السماوية. والظاهر أن نار السماء وحمرتها آية ربانية وليست نار انفجارات مثلا. وتذكر الرواية التالية عن أمير المؤمنين عليه السلام عدة أحداتث في العراق في مرحلة حكم الجبابرة قبل السفياني وظهور المهدي عليه السلام. فعن أنس بن مالك قال " لما رجع أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام من قتال أهل النهروان نزل براثا وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه الحباب، فلما سمع الراهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الارض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين عليه السلام فاستفظع ذلك ونزل مبادرا فقال: من هذا، ومن رئيس هذا العسكر ؟ فقيل له: هذا أمير المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان. فجاء الحباب مبادرا يتخطى الناس حتى وقف على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقا حقا. فقال له: وما علمك بأني أمير المؤمنين حقا حقا ؟ قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا. فقال له: يا حباب، فقال الراهب: وما علمك باسمي ؟ !

[ 162 ]

فقال: أعلمني بذلك حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له الحباب: مد يدك فأنا أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك علي بن أبي طالب وصيه. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: وأين تأوي ؟ فقال: أكون في فلاية لي هاهنا. فقال له أمير المؤمنين عليه السلم: بعد يومك هذا لا تسكن فيها، ولكن إبن هاهنا مسجدا وسمه باسم بانيه. (فبناه رجل اسمه براثا فسمي المسجد ببراثا باسم الباني له) ثم قال: ومن أين تشرب يا حباب ؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا. قال: فلم لا تحفر عينا أو بئرا ؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئرا وجدناها مالحة غير عذبة. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إحفرها هنا بئرا، فحفر، فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين عليه السلام فانقلعت عن عين أحلى من الشهد، وألذ من الزبد. فقال له: يا حباب يكون شربك من هذه العين. أما إنه يا حباب ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها، ويعظم البلاء، حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام. فإذا عظم بلاؤهم شدوا على مسجدك بفطوة ثم - وابنه بنين ثم وابنه لا يهدمه الا كافر ثم بيتا - فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين، واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلا من أهل السفح لا يدخل بلدا الا أهلكه وأهلك أهله. ثم ليعد عليهم مرة أخرى، ثم يأخذههم القحط والغلا ثلاث سنين حتى يبلغ بهم الجهد. ثم يعود عليهم، ثم يدخل البصرة فلا يدع فيها قائمة الا سخطها وأهلكها وأسخط أهلها. وذلك إذا عمرت الخربة وبني فيها مسجد جامع، فعند ذلك هلاك البصرة. ثم يدخل مدينة بناها الحجاج يقال لها واسط، فيفعل مثل ذلك، ويتوجه نحو بغداد فيدخلها عفوا، ثم يلتجئ الناس إلى الكوفة. ولا يكون بلد من الكوفة تشوش الامر له. ثم يحرج هو والذي أدخله بغداد نحو قبري لينبشه فيتلقاهما السفياني فيهزمهما، ثم يقتلهما، ويوجه جيشا نحو الكوفة فيستعبد بعض أهلها. ويجئ رجل من أهل الكوفة فيلجؤهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن. ويدخل جيش السفياني

[ 163 ]

إلى الكوفة فلا يدعون أحدا إلا قتلوه، وان الرجل منهم ليمر بالدرة المطروحة العظيمة فلاي تعرض لها، ويرى الصبي الصغير فيلحقه فيقتله. فعند ذلك يا حباب يتوقع بعدها هيهات هيهات وأمور عظام، وفتن كقطع الليل المظلم. فاحفظ عني ما أقول لك يا حباب " البحار ج 52 ص 217 - 219. والتشويش في نص هذه الرواية ظاهر، وقد قال المجلسي رحمه الله بعد نقلها " إعلم أن النسخة كانت سقيمة فأوردت الخبر كما وجدته " وأمر سندها ومتنها قابل للمناقشة، ولكن مهما يكن أمر صحتها فهي تتضمن أمورا عما يعانيه أهل العراق من حكم الجبابرة وبطشهم وردت في روايات أخرى بعضها صحيح.. وقد يكون الاحداث المذكورة فيها من هدم مسجد براثا وتفاقم الفساد في بغداد وتسلط قادة عسكريين عليها من جبال كردستان أو ايران وغيرها. قد مرت وحدثت في القرون السابقة. ولكن الاحداث المتعلقة بالسفياني لم تحدث. قال الشيخ المفيد قدس سره " قد جاءت الاثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام، وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات. فمنها خروج السفياني. وقتل الحسني. واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي. وكسوف الشمس في النصف من رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات. وخسف بالبيداء. وخسف بالمغرب. وخسف بالمشرق. وركود الشمس من عند الزوال إلى أوسط أوقات العصر. وطلوعها من المغرب. وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين. ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام. وهدم حائط مسجد الكوفة. واقبال رايات سود من قبل خراسان. وخروج اليماني. وظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات. ونزول الترك الجزيرة. ونزول الروم الرملة. وطلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر، ثم ينعطف حتى يكاد

[ 164 ]

يلتقي طرفاه. وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها. ونار تظهر بالمشرق طويلا وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام. وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد. وخروجها عن سلطان العجم. وقتل أهل مصر أميرهم. وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه. ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر. ورايات كندة إلى خراسان. وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة. واقبال رايات سود من المشرق نحوها. وبثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة. وخروج ستين كذابا كلهم يدعي النبوة. وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدعي الامامة لنفسه. واحراق رجل عظيم القدر من بني العباس بين جلولاء وخانقين. وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام. وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار. وزلزلة حتى ينخسف كثير منها. وخوف يشمل أهل العراق وبغداد، وموت ذريع فيه، ونقص من الاموال والانفس والثمرات. وجراد يظهر في أوانه وفي غير أونه، حتى يأتي على الزرع والغلات. وقلة ريع لما يزرعه الناس. واختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم. وخروج العبيد عن طاعات ساداتهم وقتلهم مواليهم. ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير. وغلبة العبيد على بلاد السادات. ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الارض، كل أهل لغة بلغتهم. ووجه وصدر يظهران للناس في عين الشمس. وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ويتزاورون. ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة، تتصل فتحيا به (بها) الارض بعد موتها، وتعرف بركاتها. ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي عليه السلام. فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه

[ 165 ]

لنصرته، كما جاءت بذلك الاخبار. ومن جملة (وجملة من) هذه الاحداث محتومة، ومنها مشروطة. والله أعلم بما يكون، وانما ذكرناها على حسب ما ثبت في الاصول، وتضمنها الاثر المنقول. وبالله نستعين " الارشاد ص 336 وفي البحار ج 52 ص 219 - 221. وما ذكره قدس سره تعداد مجمل لعلامات الظهور البعيدة والقريبة، ولا يقصد أنها متسلسلة حسب ما عددها أيضا فمنها علامات قريبة لا يفصلها عن ظهوره عليه السلام أكثر من أسبوعين، مثل قتل النفس الزكية أو الرجل الهاشمي بين الركن والمقام. بل هو في الحقيقة جزء من حركة الظهور لانه رسول المهدي عليه السلام. ومنها ما يفصله عن ظهور المهدي عليه السلام قرون عديدة مثل اختلاف بني العباس فيما بينهم، وظهور المغربي في مصر وتملكه الشامات في حركة الفاطميين. وقصده بالمحتوم والمشروط من هذه العلامات أن منها حتمي الوقوع على كل حال، كما ورد في عدة علامات النص على حتميتها، مثل السفياني واليماني وقتل النفس الزكية والنداء السماوي والخسف بجيش السفياني وغيرها. ومنها مشروط بأحداث أخرى في علم الله سبحانه ومقاديره، والله الامر من قبل ومن بعد، فيها وفي غيرها. ويبدو أن المقصود بالحسني النفس الزكية في مكة، أو الغلام الذي يقتله جيش السفياني في المدينة قرب ظهور المهدي عليه السلام. وإن كان يحتمل أنه سيد حسني صاحب حركة الاسلامية في العراق، فقد ورد في بعض الروايات " وتحرك الحسني ". أما " قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين " فلا يبعد أن ينطبق على الشهيد السعيد آية الله الصدر قدس سره والكوكبة الصالحة من العلماء

[ 166 ]

والمؤمنين الذين استشهدوا معه فقد كان عددهم سبعين رضوان الله عليهم. وظهر الكوفة هو النجف، وتسمى في الاحاديث أيضا نجف الكوفة ونجفة الكوفة أي مرتفعها وجبلها. وتسمى الغري والغريين، باسم عمودين بناهما النعمان بن المنذر ملك الحيرة وغراهما بالبياض أي صبغهما باللون الابيض. ولا يلزم أن يكون قتلهم في نفس ظهر الكوفة، ولعل الاصل " وقتل نفس زكية من ظهر الكوفة " أي أنه من أهل النجف ومقيميها، أما السبعين فلا ينص قول المفيد رحمه الله ولا الحديث الوارد فيهم على أنهم من ظهر الكوفة بل يستشهدون مع النفس الزكية الذي هو من ظهر الكوفة. وقد وردت روايات في خيل المغرب التي تنزل في فناء الحيرة، أي تستقر قرب الكوفة، وأن هذا الحدث يكون في أيام السفياني أو قربه. ولكن الملفت في نص المفيد رحمه الله قوله " وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة " وهذا يفتح الباب للتدقيق في روايتها وهل لفظها الغرب أم المغرب. ويفتح المجال لا حتمال أن تكون هذه القوات غربية تدخل العراق لمعاونة السفياني في مواجهة أصحاب الرايات السود، أو تكون قبل السفياني. بل ينبغي التحقيق في كل رواية ورد فيها ذركر الجيش المغربي وأهل المغرب، والرجوع إلى النسخ المخطوطة فقد يكون الاصل الجيش الغربي وأهل الغرب. والمقصود برايات المشرق الرايات السود الخراسانية التي تدخل مع قوات اليماني لمواجهة السفياني عندما يغزو العراق. أما بثق الفرات وفيضانه في الكوفة، فقد ورد في الاحاديث أنه يكون في سنة الظهور، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " عام (أو سنة) الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل أزفة الكوفة " البحار ج 52 ص 217. وشهادة الشيخ المفيد بأن هذه العلامات والاحداث ثبتت في الاصول

[ 167 ]

الحديثية تعطي رواياتها قيمة كبيرة بل يمكن القول بالاطمئنان إلى صحة ما صححه المفيد قدس سره لدقته وجلالة قدره، وكونه أقرب إلى المصادر والتابعين والائمة عليهم السلام، حيث توفي رحمه الله سنة 413 هجرية. أما ما يدل على قيام حكم اسلامي في العراق قبل السفياني فعمدته الاحاديث التي تدل على انتصار الممهدين الايرانيين في حربهم مع جبابرة العراق، من قبيل ما روي عن الامام الباقر عليه السلام قال " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأووا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم. قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر " البحار ج 52 ص 343. وحديث " تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء " الملاحم والفتن ص 43. والحديث المستفيض الذي رواه الفريقان وبعض أصحاب الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله قال " يخرج ناس من المشرق فيوطون للمهدي " يعني سلطانه. البحار ج 51 ص 87. فهذه الاحاديث وأمثالها وان لم تدل صراحة على قيام حكم اسلامي في العراق قبل ظهور المهدي عليه السلام ولكنها تدل على انتصار الايرانيين الممهدين انتصارا على مرحلتين كما سنذكره في محله، مما يرجح أن هدفهم في اسقاط حكم الجبابرة في العراق واقامة حكم اسلامي يتحقق. وتوجد روايات متفرقة تدل على ذلك أيضا ولكنها وردت مرسلة أو بأسانيد ضعيفة تذكر أن الايرانيين الممهدين يدخلون العراق ومدنه الهامة من جهة خانقين ومن جهة البصرة وينهون حكم الجبابرة، مثل رواية براثا

[ 168 ]

المتقدمة، ورواية خطبة البيان التي تقول " ألا يا ويل بغداد من الري، من موت وقتل وخوف يشمل أهل العراق إذا حل بهم السيف فيقتل ما شاء الله. فعند ذلك يخرج العجم على العرب ويملكون البصرة " الزام الناصب ج 2 ص 191، ووتتصل بها رواية الميرلوحي عن الامام الصادق عليه السلام التي تقول " ثم يقع التدابر والاختلاف بين أمراء العرب والعجم، فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الامر إلى رجل من ولد أبي سفيان " الزام الناصب ج 2 ص 160. كما توجد رواية " تحرك الحسني " الذي توجد قرائن على أنه يكون في العراق، والذي قد يكون قتله بعد حكمه. وفي مقابل هذه الروايات التي يفهم منها قيام حكم اسلامي. توجد رواية يفهم منها استمرار حكم الجبابرة في العراق إلى ظهور المهدي عليه السلام، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إذا هدم حائط مسجد الكوفة (مؤخره) مما يلي دار عبد الله بن مسعود فعند ذلك زوال ملك القوم (بني فلان) وعند زواله خروج القائم عليه السلام " الارشاد للمفيد ص 360 وفي رواية غيبة الطوسي ص 271 " أما إن هادمه لايبنيه " يعني أن هادمه يقتل أو يذهب قبل أن يعيد بناءه، وكأن هدمه عمل عسكري يقوم به الحاكم لمواجهة حركة تكون ضده، يتحصن أصحابها في المسجد. وقد يفهم ذلك أيضا من رواية المجزرة عند مسجد الكوفة التي وردت عن أبي بصير عن الامام الصادق عليه السلام قال " إن لولد فلان عند مسجدكم (يعني مسجد الكوفة) لوقعة في يوم عروبه، يقتل فيها أربعة آلاف من باب الفيل إلى أصحاب الصابون " الارشاد ص 360، وفي رواية أخرى " لا يذهب ملك هؤلاء حتى يستعرضوا الناس بالكوفة يوم الجمعة، فكأني انظروا إلى رؤوس تندر فيما بين (المسجد) وأصحاب الصابون " غيبة الطوسي ص 272. كما يفهم ذلك أيضا من روايات غزو السفياني للعراق أيضا التي يشير

[ 169 ]

بعضها إلى أنه يقاتل حكومة ضعيفة غير اسلامية، بل عدوة للاسلام والامام المهدي عليه السلام، كما ورد في رواية البحار التي ذكرناها في حركة السفياني ج 52 ص 273 وفيها " وأمير الناس يومئذ جبار عنيد يقال له الكاهن الساحر ". ولكن، على فرض صحة هذه الروايات، فأنها لا تعارض الروايات الاولى الدالة على قيام حكم اسلامي في العراق قبل المهدي عليه السلام، لان هذه تتحدث عن فترة لا يعلم اتصالها بظهوره عليه السلام أو عن فترة قصيرة جدا متصلة بظهوره. فقد يقوم حكم اسلامي بعد انتصار الممهدين ويدوم ما شاء الله من السنين، ثم يقع انحراف عنه وتغلب الردة إلى حكم الجبابرة قبيل الظهور أو في سنته. والله العالم. الحسني والشيصباني وعوف السلمي ورد ذكر الحسني في عدة أحاديث تشير إلى أنه يقوم بحركة في العراق ثم يقتل، ولكنها تحتاج إلى تدقيق لانها تذكر حسني المدينة، وحسني مكة، وحسني العراق، والحسيني الخراساني الذي تسميه روايات مصادر السنة وبعض مصادرنا " الحسني " والذي يدخل العراق يحيشه في سنة الظهور، فيحتمل أن يكون تحركه هو المقصود في روايات تحرك الحسني في العراق ويحتمل أن يكون تحرك حسني قبله. أما الشيصباني فقد ورد فيه حديث في غيبة النعماني الذي هو من مصادر الدرجة الاولى عن جابر بن يزيد الجعفي قال " سألت أبا جعفر عليه السلام (الامام الباقر) عن السفياني فقال: " وأنى لكم بالسفياني حتى يخرج

[ 170 ]

قبله الشيصباني يخرج بأرض كوفان، ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وقدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم عليه السلام " البحار ج 52 ص 250 عن غيبة النعمائي. ولم أجد حديثا آخر حوله، وقد تضمن عدة نقاط عن هذه الشخصية: منها، وصفه بالشيصباني نسبة إلى الشيصبان وهو وصف يعبر به الائمة عليهم السلام عن الطواغيت والاشرار، لانه بالاصل اسم للشيطان، ولذكر النمل، كما في شرح القاموس للزبيدي. ومنها، أنه يخرج قبل السفياني، ويظهر من الحديث أنه لا يكون بينه وبينه مدة طويلة، أو يكون السفياني بعده مباشرة، بدليل قوله عليه السلام " فتوقعوا بعد ذلك السفياني " ومنها، أنه يخرج في العراق الذي هو أرض كوفان، ويحتمل أن يكون في مدينة الكوفة. ويكون خروجه أي ثورته أو حكمه فجأة بنحو غير متوقع " ينبع كما ينبع الماء " وأنه يكون طاغية سفاكا يقتل المؤمنين. والظاهر أن معنى " يقتل وفدكم " أي وجهاء المؤمنين الذي يتقدمون الوفد عادة، حيث يقال وفد القبيلة ووفد المدينة بمعنى وجهائها ورهطها. ويحتمل أن يكون معناه يقتل وفودكم القاصدة إلى الحج والزيارة وما شابه ذلك. وقد رجحنا في حركة السفياني وغزوه العراق أن يكون حكم هذا الشيصباني للعراق قبيل خروج السفياني، وبعد حكم الممهدين ومؤيديهم. على أنه يحتمل أن ينطبق على صدام كما يرى بعضهم لانه مستجمع للصفات المذكورة. فإن ظهر بعده السفياني في الشام يكون هو شيصباني العراق الموعود. أما عوف السلمي فقد ورد فيه رواية في غيبة الطوسي وهو من

[ 171 ]

مصار الدرجة الاولى أيضا، عن حذلم بن بشير عن الامام زين العابدين عليه السلام قال " قلت لعلي بن الحسن عليه السلام: صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله وعلاماته فقال: يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت وقتله بمسجد دمشق. ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند. ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان. فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي، ثم يخرج بعد ذلك " البحار ج 52 ص 213، عن غيبة الطوسي. ولم أجد حديثا آخر عن عوف هذا. وما يتعلق بشعيب منه وأنه من سمرقند مخالف لما هو المشهور في مصادرنا الشيعية من أنه من أهل الري، إلا أن يفسر بأن أصله من أهل سمرقند. وكذلك أمر خروجه قبل السفياني كما ذكرنا في محله. ويبدو أن عوفا السلمي هذا يخرج على الحكومة السورية وليس العراقية، وأنه يكون قبل السفياني بمدة غير طويلة. أما الجزيرة التي هي مركز حركته فهي اسم لمنطقة عند الحدود العراقية السورية، وهو المعنى المفهوم للجزيرة عندما تطلق بدون إضافة كما نلاحظ في كتب التاريخ والحديث، وتسمى أيضا جزيرة ربيعة أو جزيرة ديار بكر، ولا يفهم منها جزيرة العرب أو جزيرة أخرى إلا بالاضافة. والظاهر أن معنى مأواه تكريت أنها تكون ملجأه قبل حركته أو بعد فشل حركته وفراره. وهي المدينة المعروفة في العراق. ويؤيد ذلك أنها قريبة من مركز حركته الجزيرة فيكون ما ورد في بعض النسخ بدلها (ومأواه بكريت أو بكويت) مصحفا عن تكريت. ويؤيد ذلك أن الموجود في البحار وغيبة الطوسي " تكريت " فقط وتشير الرواية إلى أنه بعد ذلك يقتل في مسجد دمشق أي يغتال فيه، أو يقبض عليه ويقتل عنده. وعلى هذا يكون خروجه من أحداث بلاد الشام، وله صلة بأحداث العراق.

[ 172 ]

الفترة الثالثة: غزو السفياني، وخراب البصرة وتصف أحاديثها غزو السفياني العراق واحتلاله، وتنكيله بأهله، خاصة بشيعة المهدي وأهل البيت عليهم السلام. وقد تعرضنا لها في حركة السفياني. ويفهم من مجموعها أن السلطة في العراق تكون ضعيفة إلى حد لا تستطيع أن ترد حملة السفياني لا عسكريا ولا شعبيا. ثم لا تستطيع أن تمنع دخول القوات اليمانية والايرانية التي تدخل العراق لمواجهة قوات السفياني. كما أن من المحتمل أن يكون دخول الجيش السفياني إلى العراق بطلب من حكومته الضعيفة، وأن تكون الروايات عن قتال يخوضه جيش السفياني في الدجيل وبغداد وغيرها تتحدث عن قتاله مع فئات ثائرة عليه. كما يفهم من الرويات أن القوات والايرانية يكون لها تأييد شعبي من العراقيين، وأن الناس المستضعفين يستبشرون بها ويساعدونها في تعقب قوات السفياني. أما خراب البصرة فرواياته ثلاثة أنواع: خرابها بالغرق. وخرابها بثورة الزنج. وخرابها بالخسف والغرق. وأكثر كلمات أمير المؤمنين عليه السلام الواردة في خطبه وغيرها في نهج البلاغة تقصد الخرابين الاولين اللذين وقعا في زمن العباسيين كما ذكر عامة المؤرخين. وبعضها تقصد خرابها الاخير بالخسف الذي هو من علامات ظهور المهدي عليه السلام. قال عليه السلام في الخطبة رقم 13 " كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة،

[ 173 ]

رغا فأجبتم، وعقر فهربتم. أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق. المقيم بينكم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه. كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة، وقد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها ". قال ابن أبي الحديد: " فأما إخباره عليه السلام أن البصرة تغرق ما عدا المسجد الجامع بها، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الاسود ينفجر من أرضها، فتغرق ويبقى مسجدها. والصحيح أن المخبر به قد وقع. فان البصرة غرقت مرتين، مرة في أيام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها الا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر، حسب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام. جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الان بجزيرة الفرس، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام. وخربت دورها وغرق كل ما في ضمنها. وهلك كثير من أهلها. وأحد هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم " ا. ه‍. أما خرابها بسبب ثورة الزنج التي وقعت أيضا في زمن العباسيين في منتصف القرن الرابع، فقد أخبر به أمير المؤمين عليه السلام أكثر من مرة، من قبيل الخطبة 128 التي قال فيها " يا أحنف، كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب، ولاقعقعة لجم، ولا حمحمة خيل، يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام ". قال الشريف الرضي رحمه الله: " يومئ بذلك إلى صاحب الزنج ". ثم قال عليه السلام " ويل لسكككم العامرة، والدور المزخرفة، التي لها أجنحة كأجنحة النسور. وخراطيم كخراطيم الفيلة، من أولئك الذين لا يندب قتيلهم،

[ 174 ]

ولا يفقد غائبهم ". وثورة الزنج بقيادة القرمطي مشهورة في مصادر التاريخ، وقد انطبقت عليها الاوصاف التي وصفها بها أمير المؤمنين عليه السلام بشكل دقيق فكانت ردة فعل للظلم والترف واضطهاد العبيد والمستضعفين، وكان جيشها من الزنوج العبيد الحفاة الذين لاخيل لهم. وأما خرابها الذي هو من علامات ظهور المهدي عليه السلام، فقد ورد فيه عدة روايات تذكر أن البصرة من المؤتفكات المذكورة في القرآن الكريم أي المدن المنقلبات بأهلها بالخسف والعقاب الالهي، وأن البصرة ائتفكت ثلاث مرات وبقيت الرابعة. ففي شرح النهج لابن ميثم البحراني قال " لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من أمر الحرب لاهل الجمل (من أمر أهل الجمل) أمر مناديا أن ينادي في أهل البصرة أن الصلاة جامعة لثلاثة أيام (من غد إن شاء الله) ولا عذر لمن تخلف الا من حجة أو عذر، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج عليه السلام فصلي بالناس الغداة في المسجد الجامع، فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي فخطب الناس، فحمد الله وأنثى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال: " يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة. يا جند المرأة وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم (فهربتم) أخلاقكم دقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق. بلادكم أننن بلاد الله تربة، وأبعدها من السماء، بها تسعة أعشار الشر. المختبس فيها يذنبه، والخارج منها بعفو الله. كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها الا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر.

[ 175 ]

فقام إليه الاحنف بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك ؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان، وإن بينك وبينه لقرونا، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم، لكي يبلغو إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دورا وآجامها قصورا، فالهرب الهرب فإنه لابصرة لكم يومئذ. ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الابلة ؟ فقال له المنذرين الجارود: فداك أبي وأمي: أربعة فراسخ. قال له: صدقت، فو الذي بعث محمد صلى الله عليه وآله وأكرمه بالنبوة، وخصه بالرسالة، وعجل بروحه إلى الجنة، لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال: يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الابلة أربعة فراسخ، وسيكون بالتي تسمى أبلة موضع أصحاب العشور، يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألف شهيد، هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر. فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم، فذاك أبي وأمي ؟ قال: يقتلهم اخوان وهم جيل كأنهم الشياطين، سود ألوانهم، منتنة أرواحهم، شديد كلبهم، قليل سلبهم طوبى لمن قتلوه. ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان، مجهولون في الارض، معروفون في السماء، تبكي عليهم السماء وسكانها، والارض وسكانها - ثم هملت عيناه بالبكاء - ثم قال: ويحك يا بصرة من جيش لارهج له ولاحس. فقال له المنذر: وما الذي يصيبهم من قبل (قبل) الغرق مما ذكرت ؟ فقال: هما بابان: فالويح باب الرحمة، والويل باب عذاب. يابن الجارود، نعم: ثارات عظيمة. منها عصبة يقتل بعضهم بعضا. ومنها فتنة يكون فيها إخراب منازل وخراب ديار وانتهاب أموال وسباء نساء يذبحن ذبحا، يا ويل أمرهن حديث عجيب. ومنها أن يستحل الدجال الاكبر الاعور الممسوح العين اليمنى والاخرى ممزوجة لكانها في الحمرة علقة، ناتئ الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالابلة من الشهداء، أنا جيلهم في صدورهم، يقتل من يقتل، ويهرب

[ 176 ]

من يهرب. ثم رجف، ثم قذف، ثم خسف ثم مسخ. ثم الجوع الاغبر، ثم الموت الاحمر وهو الغرق. يا منذر: ان للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في زبر الاول، لا يعلمها الا العلماء. منها الخريبة، ومنها تدمر، ومنها المؤتفكة. إلى أن قال: يا أهل البصرة: ان الله لم يجعل لاحد من أمصار المسلمين خطة شرف ولاكرم الا وقد جعل فيكم أفضل من ذلك، وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم. أنتم أقوم الناس قبلة، قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام بمكة. وقارؤكم أقرأ الناس. وزاهدكم أزهد الناس. وعابدكم أعبد الناس. وتاجركم أتجر الناس وأصدقهم في تجارته. ومتصدقكم أكرم الناس صدقة. وغنيكم أشد الناس بذلا وتواضعا. وشريفكم أكرم الناس خلقا. وأنتم أكثر الناس جوارا، وأقلهم تكلفا لما لا يعنيه، وأحرصهم على الصلاة في جماعة. ثمرتكم أكثر الثمار. وأموالكم أكثر الاموال. وصغاركم أكيس الاولاد. ونساؤكم أمنع الناس وأحسنهن تبعلا. سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم، والبحر سببا لكثرة أموالكم. فلو صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا وظلا ظليلا. غير أن حكم الله ماض، وقضاءه نافذ، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، يقول الله " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة، أو معذبوها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا ". إلى أن قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي يوما، وليس معه غيري: إن جبرئيل الروح الامين حملني على منكبه الايمن حتى أراني الارض ومن عليها، وأعطاني أقاليدها، وعلمني ما فيها، وما قد كان على ظهرها، وما يكون إلى يوم القيامة. ولم يكبر ذلك على كما لم يكبر على أبي آدم، علمه الاسماء كلها ولم تعلمها الملائكة المقربون. واني رأيت على شاطئ البحر قرية (بلدة) تسمى البصرة، فإذا هي أبعد الارض من السماء وأقربها من الماء. وانها لاسرع الارض خرابا، وأخشنها ترابا، وأشدها عذابا.

[ 177 ]

ولقد خسف بها في القرون الخالية مرارا، وليأتين عليها زمان وان لكم يا أهل البصرة وما حولكم من القرى من الماء ليوما عظيما بلاؤه. واني لاعلم موضع منفجره من قريتكم هذه. ثم أمور قبل ذلك تدهمكم، عظيمة أخفيت عنكم وعلمناها. فمن خرج عنها عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له. ومن بقي فيها غير مرابط فبذنبه. وما الله بظلام للعبيد " البحار ج 60 ص 224 - 226، وقد أضفنا لها فقرة من نهج السعاة في مستدرك نهج البلاغة ص 325، وقد روى فيها فقرة من هذه الخطبة عن عيون الاخبار لابن قتيبة عن الحسن البصري، وفيها: " غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تفتح أرض يقال لها البصرة، أقوم الارضين قبلة. قارؤها أقرأ الناس. وعابدها أعبد الناس. وعالمها أعلم الناس. ومتصدقها أعظم الناس صدقة، وتاجرها أعظم الناس تجارة. منها إلى قرية يقال لها الابلة أربعة فراسخ، يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا، الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر ". ويظهر من مصادر التاريخ أن خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في البصرة وحديثه فيها عن الملاحم قطعية ومشهورة، ولكن رواياتها المتعددة تختلف في الطول والقصر وفي بعض المضامين. وتنفرد الروايتان اللتان ذكرناهما بأنهما تذكران خرابها بالغرق بعد الخسف، وهو ما لم يحدث في غرقها في المرتين أو في ثورة الزنج. ويبدو أنه الخسف الموعود في روايات أخرى عن أهل البيت عليهم السلام على انه من علامات ظهور المهدي عليه السلام. والذي يحتمل أن يكون عند حرب أصحاب الرايات السود مع جبابرة العراق قبل احتلال السفياني له، كما يحتمل أن يكون على أثر احتلال السفياني له. كما تنفردان بذكر شهداء البصرة السبعين ألفا أو الاربعين ألفا، وأنهم في درجة شهداء بدر، وبكاء أمير المؤمنين عليه السلام عليهم، وفي رواية

[ 178 ]

بكاء النبي صلى الله عليه وآله عليهم. وتحدد الرواية الاولى مكان شهادتهم بين البصرة والابلة التي هي اليوم حي من البصرة تقع قربه محطة القطار. بينما تذكر رواية ابن قتيبة أن مكان شهادتهم عند مسجدها الجامع الذي يظهر أن المقصود به مسجد البصرة. ولابد أن تكون حادثة استشهادهم قبل ظهور المهدي عليه السلام، لانه لا جبابرة أو مستكبرون بعد ظهوره حتى يكون هؤلاء الشهداء مستضعفين أذلة عند هؤلاء المتكبرين كما وصفتهم الرواية. ولكن لا توجد اشارة على تحديد زمنهم. كما لا تحدد الرواية بوضوح من يقتلهم، ولعل كلمة " اخوان " مصحفة عن كلمة أخرى. والدجال المذكور أنه يكون بعدهم وأتباعه السبعون ألفا من النصارى أصحاب الاناجيل لا يبعد أن يكون غير الدجال الموعود أنه يظهر بعد المهدي عليه السلام. على أن رواية ابن قتيبة تقتصر على ذكر شهداء الابلة فقط ولا تذكر هذا الدجال. ولم يذكر ابن ميثم رحمه الله المصدر الذي أخذ منه الرواية. وهي تحتاج إلى مزيد من التتبع والتحقيق. والله العالم. وجاء في تفسير نور الثقلين في تفسير قوله تعالى " وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة " آية 9 - الحاقة، أن المؤتفكات هي البصرة. وفي تفسير قوله تعالى " والمؤتفكة أهوى " النجم - 53 عن الامام الصادق عليه السلام قال " هم أهل البصرة، وهي المؤتفكة ". وفي تفسير قوله تعالى " وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات " عن الامام الصادق عليه السلام " أولئك قوم لوط، ائتفكت عليهم: انقلبت عليهم ". وفيه نقلا عن " كتاب من لا يحضره الفقيه " عن جويرية بن مسهر العبدي قال " أقبلنا مع أمير المؤمنين عليه السلام من قتل الخوارج حتى إذ قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر، فنزل أمير المؤمنين عليه السلام ونزل الناس،

[ 179 ]

فقال علي عليه السلام: أيها الناس إن هذه الارض ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرات (وفي خبر آخر مرتين) وهي تتوقع الثالثة. وهي إحدى المؤتفكات ". الفترة الرابعة: فتح العراق على يد الامام المهدي وأحاديثها كثيرة جدا، عن دخول المهدي عليه السلام إلى العراق، وتحريره من بقايا قوات السفياني، ومن مجموعات الخوارج المتعددة، واتخاذه قاعدة دولته وعاصمتها. ولم أجد تحديدا دقيقا لوقت دخوله عليه السلام إلى العراق، ولكن يأتي في حركة ظهوره عليه السلام أنه يكون بعد بضعة شهور من ظهوره وبعد تحرير الحجاز، ومعركة الاهواز أو بيضاء اصطخر التي يهزم فيها مع أنصاره الايرانيين قوات السفياني هزيمة ساحقة. ثم يدخل العراق جوا بسرب من الطائرات كما قد يفهم من الحديث التالي عن الامام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى " يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والارض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان " قال: ينزل القائم يوم الرجفة بسبع قباب من نور، لا يعلم في أيها هو، حتى ينزل الكوفة ". وهذه الرواية إن صحت فهي بالاضافة إلى ما فيها من جانب إعجازي تدل على أن الوضع الامني يستوجب من الامام المهدي عليه السلام هذه الاحتياط. فبالاضافة إلى معاداة الوضع العالمي له، لا يكون قد أتم تطهير الساحة الداخلية في العراق. وتعبير " ينزل " وبعده " وحتى ينزل ظهر الكوفة " يفهم منه أنه لا ينزل الكوفة أو النجف رأسا، فقد ينزل في العاصمة أولا،

[ 180 ]

أو في قاعدة عسكرية، أو في كربلاء، كما تذكر بعض الروايات. وتذكر الاحاديث عددا كبيرا من أعماله عليه السلام في العراق ومعجزاته. وسوف نستعرضها في حركة ظهوره، ونذكر منها هنا ما يتعلق بالوضع العام في العراق، وأهم ذلك تصفيته عليه السلام لوضعه الداخلي والقضاء على القوى المضادة الكثيرة، حيث تذكر الاحاديث أنه يدخل الكوفة - أي العراق - وفيه ثلاث اتجاهات متضاربة، يبدو أنها الاتجاه المؤيد له عليه السلام، والاتجاه المؤيد للسفياني، والثالث اتجاه الخوارج. فعن عمرو بن شمر عن الامام الباقر عليه السلام قال ذكر المهدي فقال " يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له. ويدخل حتى يأتي المنبر فلا يدري الناس ما يقول من البكاء " الارشاد للمفيد ص 362. والكوفة في هذا الحديث وأمثاله تعبير عن العراق، ووجود ثلاث رايات فيه لا ينافي الاحاديث التي تدل على أن السيطرة العسكرية تكون بعد هزيمة السفياني لقوات الايرانيين الممهدين، من نوع الحديث التالي المستفيض في مصادر الشيعة والسنة عن أمير المؤمنين وعن الامام الباقر عليهما السلام قال " تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان (إلى) الكوفة. فإذا ظهر المهدي بعثت له بالبيعة " البحار ج 52 ص 217، فالسيطرة العسكرية تكون لقوات الممهدين ولكن الوضع الشعبي يكون فيه ثلاثة اتجاهات كما ذكرنا. أما إبادته للفئات المعادية ومجموعات الخوارج عليه، فيظهر من أحاديثها أن الحركات المضادة له عليه السلام تكون كثيرة سواء من جماعات الخوارج، أو جماعات السفياني، وغيرهم. وأنه عليه السلام

[ 181 ]

يستعمل سياسة الشدة والقتل لمن يقف في وجهه، تنفيذا للعهد المعهود إليه من جده رسول الله صلى الله عليه وآله. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " إن رسول الله صلى الله عليه وآله سار في أمته باللين، كان يتألف الناس. والقائم يسير بالقتل. بذلك أمر في الكتاب الذي معه، أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا. ويل لمن ناواه " البحار ج 52 ص 353، والكتاب الذي معه هو العهد المعهود إليه من رسول الله باملائه صلى الله عليه وآله وخط علي (ع) وفيه كما ورد " أقتل، ثم أقتل، ولا تستتيبن أحدا " وعن الباقر عليه السلام قال " يقوم القائم بأمر جديد، وقضاء جديد، على العرب شديد. ليس شأنه الا السيف. ولا يستتيب أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم " البحار ج 52 ص 354، والامر الجديد هو الاسلام الذي يكون قد دثره الجبابرة وابتعد عنه المسلمون، فيحييه المهدي عليه السلام ويحيي القرآن، فيكون ذلك شديدا على العرب الذين يطيعون حكامهم وطغاتهم ويعادونه ويحاربونه عليه السلام. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " إن القائم يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله، لان رسول الله أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة الخشبة المنحوتة، وان القائم يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلونه عليه " البحار ج 52 ص 363، وقد رأينا كيف تأويل الحكام وعلماء السوء التابعين لهم آيات القرآن في معاداة دولة الممهدين للمهدي وقاتلوها. وتذكر بعض الاحاديث أن بطش الامام المهدي عليه السلام يشمل المنافقين المتسترين الذين قد يكون بعضهم من حاشيته فيعرفهم بالنور الذي جعله الله تعالى في قلبه، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " بينا الرجل على رأس القائم عليه السلام بأمره وينهاه، إذ قال إديروه، فيديرونه إلى قدامه، فيأمر بضرب عنقه. فلا يبقى في الخافقين شئ إلا خافه " البحار ج 52 ص 355 ويذكر بعض الاحاديث أن الامر يصل أحيانا إلى إبادة فئة

[ 182 ]

بكاملها، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم. ثم يدخل الكوفة فيقتل كل منافق مرتاب، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عزوعلا " البحار ج 52 ص 338. وتذكر الرواية التالية أنه يقتل سبعين رجلا هم أصل الفتنة والاختلاف داخل الشيعة، ويبدو أنهم من علماء السوء المضلين، فعن مالك بن ضمرة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام " يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ؟ وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض. فقلت يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير. قال: الخير كله عند ذلك، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلا يكذبون على الله ورسوله صلى الله عليه وآله فيقتلهم. ثم يجمعهم الله على أمر واحد " البحار ج 52 ص 115. كما تدل الرواية التالية على بقاء أنصار للسفياني في العراق رغم آية الخسف التي ظهرت في جيشه بالحجاز، ورغم هزيمته في العراق، فعن الامام زين العابدين عليه قال " ثم يسير (أي المهدي) حتى ينتهي إلى القادسية، وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني " البحار ج 52 ص 387. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " ثم يتوجه إلى الكوفة فينزل بها، ويبهرج دماء سبعين قبيلة من قبائل العرب " غيبة الطوسي ص 284، أي يهدر دماء من التحق من هذه القبائل بأعدائه والخوارج عليه. وعن ابن أبي يعفور عن الامام الصادق عليه السلام أن قال له " وإنه أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تتحملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة فتقاتلونه فيقاتلكم فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون " البحار 52 ص 375.

[ 183 ]

وعن الامام الباقر عليه السلام قال " بينا صاحب هذا الامر قد حكم ببعض الاحكام وتكلم ببعض السنة، إذ خرجت خارجة من المسجد يريدون الخروج عليه، فيقول لاصحابه: إنطلقوا، فيلحقونم بالتمارين فيأتون بهم أسرى، فيأمر بهم فيذبحون. وهي آخر خارجة تخرج على قائم آل محمد صلى الله عليه وآله " البحار ج 52 ص 345، والتمارين محلة بالكوفة. ويجمع بين الروايتين بأن خوارج رميلة الدسكرة يكونون آخر خارجة مسلحة، وخارجة مسجد الكوفة يكونون آخر فئة تحاول الخروج عليه السلام. وتدل الروايات الشريفة على أن خوارج رميلة الدسكرة يكونون أخطر فئات الخوارج على المهدي عليه السلام، وأن قائدهم يكون فرعونا وشيطانا. وعن أبي بصير رحمه الله قال " ثم لا يلبث إلا قليلا حتى تخرج عليه مارقة الموالي برميلة الدسكرة، عشرة آلاف، شعارهم يا عثمان يا عثمان. فيدعو رجلا من الموالي فيقلده سيفه فيخرج إليهم فيقتلهم حتى لا يبقى منهم أحد " البحار ج 52 ص 333، وقد حددت الرواية المتقدمة رميلة الدسكرة بأنها دسكرة الملك، وهي كما في معجم البلدان قرية قرب شهرابان من قرى بعقوبة في محافظة ديالى. وقد تكون تسميتهم " مارقة الموالي " لانهم من غير العرب، أو لان قائدهم من الموالي، أي غير العرب. وتذكر بعض الروايات نوعا آخر من عمليات التصفية الكبيرة هذه، وأنه عليه السلام يدعو اثني عشر ألف رجل من جيشه من العجم والعرب فيلبسهم زيا خاصا موحدا، ويأمرهم أن يدخلوا مدينة فيقتلوا كل من لم يكن لابسا مثلهم، فيفعلون. البحار ج 52 ص 377. ولابد أن تكون تلك المدينة كلها من الكافرين أو المنافقين المعادين له عليه السلام حتى يأمر بقتل رجالها، أو يكون قد أخبر المؤمنين من أهلها أن لا يخرجوا من بيوتهم في وقت الهجوم. أو يكون أرسل إليهم ألبسة من نفس

[ 184 ]

الزي الذي ألبسه لجنوده مثلا. ولابد أن تثير هذه التصفيات الواسعة موجة رعب في داخل العراق وفي العالم، وموجة تشكيك أيضا. وقد ورد في بعض الروايات أن بعض الناس يقولون عندما يرون كثرة تقتيله وسفكه دماء أعدائه " ليس هذا من ولد فاطمة، ولو كان من ولد فاطمة لرحم ". بل ورد أن بعض أصحابه الخاصين عليه السلام يدخلهم الشك والريب من كثرة ما يرون من تقتيله لمناوئيه، فيفقد أحدهم أعصابه ويعترض على المهدي عليه السلام، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " يقبل القائم حتى يبلغ السوق، فيقول له رجل من ولد أبيه: إنك لتجفل الناس إجفال النعم، فبعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أو بماذا ؟ قال وليس في الناس رجل أشد منه بأسا، فيقوم إليه رجل من الموالي فيقول له: لتسكتن أو لاضربن عنقك. فعند ذلك يخرج القائم عليه السلام عهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله " البحار ج 52 ص 387. ومعنى من ولد أبيه أنه علوي النسب. وإجفال النعم، أي تخويف الغنم. ومعنى حتى يبلغ السوق: يبلغ محلا اسمه السوق، ويحتمل أن يكون معناه حتى يبلغ بقتله بعض الناس من أهل السوق. وقد ورد في رواية أخرى أن هذا الرجل من الموالي أي من الايرانيين الذي يأمر السيد المعترض بالسكوت هو " المولى الذي يتولى البيعة " أي المسؤول عن أخذ البيعة من الناس للامام المهدي، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " حتى إذا بلغ الثعلبية قام إليه رجل من صلب أبيه وهو من أشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الامر، فيقول: يا هذا ما تصنع ؟ فو الله إنك لتجفل الناس إجفال النعم، أفبعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أم بماذا ؟ فيقول المولى الذي ولي البيعة:

[ 185 ]

والله لتسكتن أو لاضربن الذي فيه عيناك. فيقول له القائم: أسكت يا فلان. إي والله، إن معي عهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله. هات يا فلان العيبة أو الزنفيلجة، فيأتيه بها فيقرؤه العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: جعلني الله فداك، أعطني رأسك أقبله، فيعطيه رأسه فيقبل بين عينيه، ثم يقول: جعلني الله فداك جدد لنا بيعة، فيجدد لهم بيعة " البحار ج 52 ص 343، والعيبة والزنفيلجة بمعنى الصندوق الصغير. والثعلبية مكان بالعراق من جهة الحجاز. وبهذا العرض المجمل لمن يقتلهم المهدي عليه السلام في العراق، يظهر أنهم فئات متعددة من الشيعة والسنة، ومن المؤيدين للسفياني والمعارضين له، من علماء السوء والمجموعات والاحزاب وعامة الناس. ومن الطبيعي أن يكون فيهم فئات عميلة للروم والترك أيضا، أي الغربيين والروس. ولكن بعد ذلك، يتنفس العراق الصعداء في ظل سلطة الامام المهدي عليه السلام، ويدخل حياة جديدة في مركزه العالمي بوصفه عاصمة الامام المهدي ومحط أنظار المسلمين ومقصد وفودهم. وتصبح الكوفة والسهلة والحيرة والنجف وكربلاء محلات لمدينة واحدة يتردد ذكرها على ألسنة شعوب العالم وفي قلوبهم، ويقصدها القاصدون من أقاصي المعمورة ليلة الجمعة، ويبكرون لاداء صلاة الجمعة خلف المهدي عليه السلام، في مسجده العالمي ذي الالف باب فلا يكاد الواحد أن يحصل على موضع صلاة بين عشرات الملايين القاصدة. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " دار ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة. وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين. والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها (وفي رواية أو يجئ إليها، وفي رواية أخرى أو يحن إليها والعله

[ 186 ]

الاصح) ولتصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلا، ولتجاورن قصورها قصور كربلاء وليصيرن الله كربلا، معقلا ومقاما تختلف إليه الملائكة والمؤمنون، وليكونن لها شأن من الشأن " البحار ج 53 ص 11 - 12. و " مجلس حكمه " أي مجلسه للمراجعات والحكم بين الناس، في مسجد الكوفة الفعلي، أو في مسجد الجمعة الكبير الذي يبنيه. " وموضع خلواته الذكوات البيض " أي موضع اعتكافه للعبادة الربوات البيضاء قرب النجف وهي الغري والغريين. وأربعة وخمسين ميلا: أي تصير مساحة الكوفة أو طولها نحو مئة كيلومتر. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " يبني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، وتتصل بيوت الكوفة بنهري كربلاء والحيرة، حتى يخرج الرجل على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها " الغيبة للطوسي ص 280، والسفواء الخفيفة السريعة، أي يركب وسيلة خفيفة سريعة فلا يدرك صلاة الجمعة، لانه لا يجد موقفا فارغا ومحلا للصلاة. والاحاديث عن التطور المعنوي والمادي في العراق مركز عاصمته عليه السلام كثيرة، لا يسع المجال ذكرها. وبتصفية المهدي عليه السلام العراق وضمه إلى دولته وجعله عاصمتها، تكون دولته قد شملت اليمن والحجاز وايران والعراق، ومعها بلاد الخليج. وبذلك يتفرغ لاعدائه الخارجيين، فيبدأ أولا بالترك فيرسل لهم جيشا فيهزمهم. ثم يتوجه بنفسه على رأس جيشه إلى الشام حتى ينزل " مرج عذراء " قرب دمشق استعدادا لخوض المعركة مع السفياني واليهود والروم، معركة فتح القدس الكبرى، كما سيأتي في أحداث حركة ظهوره عليه السلام.

[ 187 ]

الحرب العالمية في عصر الظهور تدل أحادث كثيرة على وقوع حرب عالمية قرب ظهور المهدي عليه السلام، وقد تبلغ حد التواتر الاجمالي. ومن المستبعد انطباقها على الحربين العالميتين الاولى والثانية القريبتين من عصرنا، لان أوصافها المذكورة في الاحاديث تختلف عن أوصافهما. خاصة في عدد خسائرها البشرية، وفي وقتها القريب من ظهوره عليه السلام، بل يظهر من بعض أحاديثها أنها تقع في سنة ظهوره، أو بعد بداية حركته المقدسة. وهذه نماذج من أحاديثها: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال " بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض. وجراد في حينه وجراد في غير حينه، كألوان الدم. فأما الموت الاحمر فالسيف. وأما الموت الابيض فالطاعون " الارشاد للمفيد ص 405 والغيبة للطوسي 277. وتدل عبارة " بين يدي القائم " على أن هذه الحرب والموت الاحمر تكون قريبة جدا من ظهور المهدي عليه السلام. ولا يعين الحديث مكان وقوعها. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " لا يقوم القائم إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، ثم سيف قاطع بين العرب، واختلاف بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير في حالهم، حتى يتمنى المتمني

[ 188 ]

الموت صباحا ومساء من عظم ما يرى من تكالب الناس وأكلهم بعضهم بعضا " كمال الدين للصدوق ص 434. وهو يدل على وقوع الطاعون قبل الخوف الشديد الذي قد يكون الحرب العامة. ولكن يصعب استفادة التسلسل في أحداثه حتى لو فرضنا أن الراوي لم يقدم ويؤخر فيها، لان جملة " سيف قاطع بين العرب " المعطوفة ب‍ " ثم " يصح عطفها على جملة " وطاعون قبل ذلك " المعترضة، فيكون اختلاف العرب هذا بعد الطاعون، ويصح عطفها على جملة " وبلاء يصيب الناس " فيكون قبل الطاعون. مضافا إلى الاجمال في هذه الحوادث. نعم يفهم منه وجود فترة شديدة على العرب والناس أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وقد تكون هي سنة الجوع الموعود في الرواية التالية عن الامام الصادق عليه السلام قال " لابد أن يكون قدام القائم سنة يجوع فيها الناس ويصيبهم خوف شديد من القتل " البحار ج 52 ص 229. ويدل الحديث التالي على أن هذه الشدة والحرب، أو حالة الحرب، تستمر حتى يكون النداء السماوي في شهر رمضان قرب ظهور المهدي عليه السلام، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " يختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة. ويلقى الناس جهدا شديدا مما يمر بهم من الخوف. فلا يزالون بتلك الحال حتى ينادي مناد من السماء. فإذا نادى فالنفر النفر " البحارج 52 ص 235، وهو يدل أيضا على أن خسائرها تقع بشكل أساسي على الامم غير الاسلامية، فعبارة " يختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة " عبارة دقيقة تشعر بأن اختلاف أهل القبلة أي المسلمين ثانوي بالنسبة إلى اختلاف الغربين والشرقيين، وكأنه ناتج عنه وتابع له. وهذا هو الامر الطبيعي في الحرب العالمية المتوقعة حيث ستكون أهدافها عواصم الدول الكبرى وقواعدها العسكرية، ولاتصل إلى المسلمين الا بشكل

[ 189 ]

غير مباشر، وقد صرخت بذلك بعض الاحاديث، فعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام (أي الامام الصادق) يقول " لا يكون هذا الامر حتى يذهب ثلثا الناس،. فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى ؟ قال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي " البحار ج 52 ص 113 ولعل أكثر النصوص تحديدا لوقت هذه الحرب وسببها الخطبة المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام التي يذكر فيها عددا من علامات ظهور المهدي عليه السلام وأحداث حركته. وقد ورد فيها فقرتان تتعلقان بالحرب العالمية. قال فيها عليه السلام " ألا أيها الناس، سلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية، تطأ في خطامها بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الارض، رافعة ذيلها تدعو يا ويلها، بذحلة أو مثلها. ويخرج رجل من أهل نجران (راهب من أهل نجران) يستجيب الامام فيكون أول النصارى إجابة، ويهدم صومعته ويدق صليبها، ويخرج بالموالي وضعفاء الناس والخيل، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى. فيكون مجمع الناس جميعا من الارض كلها بالفاروق (وهي محجة أمير المؤمنين عليه السلام بين البرس والفرات). فيقتل يومئذ مابين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف (ألف) من اليهود والنصارى، يقتل بعضهم بعضا. فيومئذ تأويل هذه الاية " فمازالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالسيف وتحت ظل السيف " البحار ج 53 ص 82 و 84 وقوله عليه السلام " قبل أن تشعر برجلها فتنة شرقية " يدل على أن بداية هذه الحرب من الشرق، أي من روسيا، أو من نزاع في منطقة الشرق. وسيأتي في حركة ظهوره عليه السلام أن الحديث عن الامام الباقر عليه السلام يشير إلى أن الفراغ السياسي والازمة السياسية الموعودة في الحجاز تكون سببا لنشوب هذا الصراع بين الشرق والغرب.

[ 190 ]

" أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الارض " يدل على أن مركز تدميرها هو البلاد الغربية، وحطبها الكثير القابل للاشتعال. أي قواعدها العسكرية وعواصمها ومراكزها الهامة. ويبدو أن معنى قوله عليه السلام " فيكون مجمع الناس جميعا من الارض كلها بالفاروق " أن الناس يأتون يومئذ من أنحاء الارض للالتحاق بالمهدي عليه السلام، ويكون مقره في العراق بين الكوفة والحلة، كما يأتيه ذلك الراهب النجراني في وفد من المستضعفين. ويظهر أن عبارة (وهي محجة أمير المؤمنين وهي مابين البرس والفرات) حاشية من الراوي أو الناسخ، دخلت في الاصل. ولعل معنى المحجة أنها مكان اجتماع قوافل الحج في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، أو أنها كانت مكانا تجتمع فيها رايات الوفود إلى معسكره أو زيارته. " فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف ألف " أي ثلاثة ملايين، وقد وضعنا كلمة (ألف) بين قوسين لانها وردت في رواية أخرى في البحار ج 52 ص 274، ولعلها سقطت من هذه الرواية. ولا يعني ذلك أن مجموع قتلى الحرب العالمية هو ثلاثة ملايين فقط، بل قد يكون قتلى ذلك اليوم أو تلك الفترة، وتكون مرحلة من مراحل الحرب العالمية، وآخر مراحلها. فقد تقدم أن مجموع خسائرها مع الطاعون الذي يكون قبلها أو بعدها يبلغ ثلثي سكان العالم، وفي رواية خمسة أسباعهم، كما عن الامام الصادق عليه السلام " قدام القائم موتان موت أحمر وموت أبيض، حتى يذهب من كل سبعة خمسة " البحار ج 52 ص 207، وفي بعضها تسعة أعشار الناس.. وقد يكون اختلاف الروايات بسبب تفاوت المناطق أو غيره من الاسباب. وعلى كل حال فخسائر هذه الحرب تكون من المسلمين قليلة، أو لاتكاد تذكر.

[ 191 ]

وخلاصة القول: أن الاحاديث الشريفة تدل على أنه يوجد خوف عالمي شامل من القتل قبيل ظهوره عليه السلام، في سنة ظهوره مثلا، وخسائر فادحة جدا في الارواح، وبشكل أساسي في غير المسلمين. وهو أمر يصح تفسيره بالحرب العامة وبوسائلها التدميرية الحديثة المخيفة لجميع أطرافها وجميع الشعوب. إذ لو كانت حربا تقليدية (كلاسيكية) لما كان خوفها بهذا الشمول الذي تصفه الروايات، ولكان منها طرف على الاقل أو مناطق لا يشملها خوف القتل. ولكن توجد عدة روايات وقرائن ترجح تفسيرها بموجة من الحروب الاقليمية خاصة التعبير الوارد عن الامام الباقر عليه السلام عن سنة الظهور " وتكثر الحروب في الارض " حيث ينص على أنها حروب متعددة في تلك السنة. وعليه يكون الجمع بينها وبين روايات الاختلاف والحرب بين أهل الشرق والغرب، أن ذلك يأخذ شكل حروب إقليمية بينهم ويتركز دمارها على غربي الارض. أما وقتها، فيفهم من الاحاديث أنه قريب جدا من ظهوره عليه السلام، في سنة ظهوره مثلا. وإذا أردنا أن نجمع بين الاحاديث المتعرضة لهذه الحرب وصفاتها، فالمرجح أنها تكون على مراحل، حيث تبدأ قبيل بداية حركة ظهوره عليه السلام ثم تكون بقية مراحلها بعد حركة ظهوره، ويكون فتحه للحجاز في أثنائها، ثم تنتهي بعد فتحه العراق. ويكون حربه للروس أو لمن بقي منهم بعدها، حيث ورد أن أول لواء يعقده أي أول جيش يبعثه يكون إلى حرب الترك فيستأصلهم. أما إذا فسرنا أحاديثها بحرب نووية شاملة، وأخذنا بما تكتبه الصحف عن الحرب النووية العالمية فإن مدتها تكون قصيرة جدا، لا تزيد عن شهر واحد كما يذكرون. والله العالم.

[ 193 ]

الايرانيون ودورهم في عصر الظهور قبل الثورة الاسلامية في ايران كانت ايران تعني في أذهان الغربيين قاعدة حيوية في وسط العالم الاسلامي، وعلى حدود روسيا. وكانت تعني في أذهان المسلمين بلدا إسلاميا عريقا يتسلط عليه " شاه " موال للغرب واسرائيل، يسخر بلده لخدمتهم. وكانت تعني للشيعي مثلي مضافا إلى ذلك بلدا فيه مشهد الامام الرضا عليه السلام، وحوزة قم العلمية، وتاريخها العريق في التشيع والعلماء ومؤلفاتهم. وعندما كنا نمر بالاحاديث التي تمدح الفرس وقوم سلمان أو نتذاكرها، نقول لبعضنا: إنها مثل الاحاديث التي تمدح أهل اليمن، أو بني خزاعة، أو تذمهم، وإن كل الاحاديث التي تمدح أو تذم أقواما أو بلدانا أو قبائل، فهي محل نظر. وإن صحت فهي أحاديث عن التاريخ تخص حالة هذه الشعوب في صدر الاسلام وقرونه الاولى. كانت هذه هي النظرة السائدة بيننا، وأن الامة اليوم كلها تعيش حالة جاهلية وتخضع لسيطرة الكفر العالمي ووكلائه، ولا أحد من شعوبها أفضل من أحد، بل قد يكون الايرانيون أسوأ حالا من غيرهم، لانهم أصحاب حضارة كافرة عريقة، وأمجاد قومية يعمل الغرب والشاه على بعثها

[ 194 ]

فيهم، وتربيتهم على الاعتزاز بها والتعصب لها... وحتى إذا فاجأت المسلمين في العالم أحداث الثورة الاسلامية في ايران، وحدث انتصارها، فرحت قلوبهم المهمومة فرحا لم تعرفه منذ قرون، وضاعف منه أنه نصر غير محتسب. وعمت أعمال التعبير عن فرحتهم، كل بلادهم. وكان منها أحاديث الناس عن فضل العجم والفرس وقوم سلمان، وكان عنوان مجلة المعرفة التونسية " الرسول يختار الفرس لقيادة الامة الاسلامية " واحدا من مئات العناوين في منشورات مغرب العالم الاسلامي ومشرقه، التي تعني أننا استعدنا ذاكرتنا عن الايرانيين، واكتشفنا أن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عنهم لم تكن تاريخا فقط، بل مستقبلا أيضا. ورجعنا إلى مصادر الحديث والتفسير نتتبع أخبار الايرانيين ونتفحصها، فإذا بها تخص المستقبل أكثر من الماضي، وإذا بها في مصادر السنة أكثر منها في مصادر الشيعة. ماذا نصنع إذا كانت أحاديث المهدي المنتظر والتمهيد لدولته فيها السهم الاوفر للايرانيين واليمانيين، الذين ينالون شرف التمهيد لدولته والمشاركة في حركته عليه السلام. وفيها نصيب للنجباء من مصر، والابدال من الشام، والعصائب من العراق. وفيها حظ لمؤمنين متفرقين من أطراف العالم الاسلامي، يكونون أيضا من خاصة أصحابه ووزارئه، أرواحنا فداه وفداهم. ونحن نستعرض الاحاديث الواردة حول الايرانيين بشكل عام. ثم حول دورهم في عصر الظهور.

[ 195 ]

الايات والاحاديث في مدح الايرانيين وردت الاحاديث حول الايرانيين وحول الآيات المفسرة بهم بتسعة عناوين: " قوم سلمان. أهل المشرق. أهل خراسان. أصحاب الرايات السود. الفرس. بني الحمراء أو الحمراء. أهل قم. أهل الطالقان " وستري أن المقصود فيها غالبا واحد. وقد تكون أحاديث أخر عبرت عنهم بعناوين أخرى أيضا. في تفسير قوله تعالى: وان تتولوا يستبدل قوما غيركم قال عزوجل " ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم " محمد - 38. قال صاحب الكشاف ج 4 ص 331 " وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: " هذا وقومه. والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس ". وقال صاحب مجمع البيان " روي عن الامام الباقر عليه السلام قال: " ان تتولوا يا معشر العرب، يستبدل قوما غيركم، يعني الموالي ". وقال صاحب الميزان ج 18 ص 250 " في الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أي حاتم، والطبراني في الاوسط، والبيهقي في الدلائل. عن أبي هريرة قال: تلا

[ 196 ]

رسول الله هذه الاية " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم. فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه. والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " وروي بطرق أخرى عن أبي هريرة مثلره. وكذا عن ابن مردويه عن جابر مثله ". وفي الحديث الشريف معنيان متفق عليهما، وهما: أن الفرس هم الخط الثاني عند الله تعالى لحمل الاسلام بعد العرب، والسبب في ذلك أنهم يصلون إلى الايمان مهما كان بعيدا عنهم، وكان طريقه صعبا. كما أن فيه ثلاثة أمور محل بحث: أولها: هل أن هذا التهديد للعرب باستبدال الفس بهم خاص بوقت نزول الاية في عصر النبي صلى الله عليه وآله أو مستمر في كل جيل، بحيث يكون معناه: إن توليتم في أي جيل يستبدل بكم الفرس ؟ والظاهر أنه مستمر، بحكم قاعدة أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، وأن آيات القرآن تجري في كل جيل مجرى الشمس والقمر، كما ورد في الحديث واتفق عليه المفسرون. وثانيها: أن الحديث الشريف يخبر أن رجالا من فارس ينالون الايمان أو العلم، ولا يخبر أنهم كلهم ينالونه. فهو مدح لافراد نابغين منهم وليس لهم جميعا. ولكن الظاهر من الاية والحديث أنهما مدح للفرس بشكل عام لانه يوجد فيهم رجال ينالون الايمان والعلم. خاصة إذا لاحظنا أن الحديث عن قوم يخلفون العرب في حمل الاسلام. فالمدح للقوم بسبب أنهم أرضية للنابغين، وأهل لاطاعتهم والاقتداء بهم. وثالثها: هل وقع إعراض العرب عن الاسلام واستبدال الفرس بهم، أم لا ؟

[ 197 ]

والجواب: أنه لا إشكال عند أحد من أهل العلم أن العرب وغيرهم من المسلمين في عصرنا قد أعرضوا وتولوا عن الاسلام. وبذلك يكون وقع فعل الشرط " إن تتولوا " ويبقى جوابه وهو الوعد الالهي باستبدال الفرس بهم. كما لا اشكال عند المنصفين أن هذا الوعد الالهي بدأ يتحقق. بل تدل الرواية التالية الواردة في تفسير نور الثقلين على أن هذا الاستبدال قد حصل في العصر الاموي عندما انصرف العرب إلى الاهتمام بالمراكز والاموال وانكب الفرس على علوم الاسلام. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " قد والله أبدل خيرا منهم، الموالي " وتعبير الموالي وان كان يشمل يومها غير الفرس أيضا من الترك والروم الذين دخلوا في الاسلام، ولكن الفرس كانوا يشكلون أكثريتهم وثقلهم، خاصة بملاحظة معرفة الامام الصادق بتفسير النبي صلى الله عليه وآله للاية بالفرس. في تفسير قوله تعالى: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال عزو جل " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وهو العزيز الحكيم " الجمعة 2 - 3. روى مسلم في صحيحة ج 4 ص 72 عن أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزلت سورة الجمعة فتلاها حتى بلغ " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " فقال له رجل: من هؤلاء الدين لم يلحقوا بنا ؟ فلم يكلمه. قال أبو هريرة: وكان سلمان الفارسي فينا فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على سلمان وقال: " والدي نفسي بيده لو كان الايمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء ". وفي تفسير علي بن ابراهيم: " وقوله: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " قال: دخلوا

[ 198 ]

الاسلام بعدهم " وقال في مجمع البيان " وهم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة " ثم قال: وقيل وهم الاعاجم ومن لا يتكلم بلغة العرب، فإن النبي صلى الله عليه وآله مبعوث إلى من شاهده والى من بعدهم من العجم والعرب. عن أبي عمر وسعيد بن جبير. وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام ". ومقتضي اطلاق " وآخرين منهم " أن يشمل كل من أسلم بعد الجيل المعاصر للنبي صلى الله عليه وآله سواء كانوا من العرب أو غيرهم. ولكن المقابلة بين الاميين والاخرين ترجح ان يكون المقصود بالاميين العرب وبالاخرين من يسلم من غيرهم، كما تقول بعض الروايات عن الائمة من أهل البيت عليهم السلام، وكما اختاره صاحب الكشاف. وعلى هذا، يكون تفسير النبي صلى الله عليه وآله الاية بالفرس تطبيقا على مصداق مهم للاخرين، أو على أهم مصاديقها. ومجرد التطبيق قد لا يدل على كبير فضل، ولكن مدح النبي صلى الله عليه وآله لهم بأنهم يصلون إلى الايمان أو العلم أو الاسلام، مهما كان بعيدا، وتعمده صلى الله عليه وآله تكرار نفس كلامه الشريف في تفسير الايتين، وضربه على منكب سلمان رضي الله عنه، يدل على ذلك. في تفسير قوله تعالى: بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد قال عزوجل " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين، ولتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا. إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم، وإن أساتم فلها، فإذا جاء وعد الاخرة ليسؤوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا " الاسراء 4 - 7

[ 199 ]

في تفسير نور الثقلين عن روضة الكافي عن الامام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " قال " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وترا لال محمد صلى الله عليه وآله إلا قتلوه ". وروى العياشي في تفسيره عن الامام الباقر عليه السلام أنه كان يقرأ قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بإس شديد " ثم قال: " وهو القائم وأصحابه، أولو بأس شديد ". وفي البحار ج 60 ص 216 عن الامام الصادق عليه السلام، " أنه قرأ هذه الاية. فقلنا جعلنا فداك، من هؤلاء ؟ فقال ثلاثا: هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل قم " وقد تقدم الكلام في تفسيرها في دور اليهود في عصر الظهور. اما الاحاديث الواردة من طرق الفريقين في مدح الايرانيين ومستقبل دورهم في حمل الاسلام، فهي كثيرة. منها: حديث: ليضربنكم على الدين عودا قال ابن ابي الحديد في شرح النهج ج 20 ص 284 " جاء الاشعث إليه (إلى امير المؤمنين) عليه السلام، فجعل يتخطى الرقاب حتى قرب منه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين غلبتتا هذه الحمراء على قربك، يعني العجم، فركض المنبر برجله حتى قال صعصعة بن صوحان: مالنا وللاشعث ! ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر. فقال عليه السلام: من عذيري من هؤلاء الضياطرة، يتمزغ أحدهم على فراشه تمزغ الحمار، ويهجر قوما للذكر ! أفتأمرني أن أطردهم ؟ ! ما كنت لاطردهم فأكون من الجاهلين. أما والدي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليضربنكم على

[ 200 ]

الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا ". والضياطرة: جمع ضيطر، الرجل الضخم الفارغ. والاشعث بن قيس رئيس قبيلة كندة الكبيرة، ومن رؤوس المنافقين. وقد شارك هو في مؤامرة قتل أمير المؤمنين عليه السلام. وقامت بنته جعدة بسم زوجها الامام الحسن عليه السلام. وشارك ابنه محمد بن الاشعث في قتل الامام الحسين عليه السلام. وتشير الرواية إلى أنه لم يجلس في آخر المصلين كما تقضي الاداب الاسلامية، بل أخذ يشق الصفوف ويتخطى الرقاب يريد الصلاة في الصف الاول، فرأى احتشاد الايرانيين عند منبر أمير المؤمنين عليه السلام، فقال بصوت مرتفع، مخاطبا أمير المؤمنين ومقاطعا خطبته: - يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك ! والعرب تسمي الاخضر أسود، ومنه تسمية العراق أرض السواد. وتسمي الابيض أحمر، ومنه تسمية العجم الحمراء وبني الحمراء. فضرب أمير المؤمنين عليه السلام المنبر برجله مكررا يقول بذلك للاشعث: ماذا قلت ! ثم أطرق عليه السلام وسكت يفكر فيما يجيبه به. أما صعصعة بن صوحان العبدي وهو من خيرة اصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، فقد أدرك خطورة ما حدث، وان الاشعث يطرح خلافة المسلمين على أنها قيمة دنيوية يملكها العرب الذين هم الاشعث وأمثاله ! وأنه لا يحق لهؤلاء المسلمين البيض الجدد أن يحيطوا بالامام ويكونوا اقرب إليه من الاشعث ! وبما أن صعصعة يعرف الموازين الاسلامية التي يؤمن بها أمير المؤمنين فقد عرف ان جوابه عليه السلام سيكون حاسما، فقال متذمرا من الاشعث " ما لنا وللاشعث " أثار هذه النعرة العشائرية القومية ضد

[ 201 ]

الفرس، وأوجب أمير المؤمنين عليه السلام ان يتكلم لمصلحتهم ضد العرب. ورفع أمير المؤمنين عليه السلام رأسه من إطراقته الطويلة، ولكن لا لينظر إلى الاشعث ويجيبه، بل أعرض عنه وخاطب المسلمين ان ينصفوه من هؤلاء الاشاعثة الضياطرة ومنطقهم: " من يعذرني من هؤلاء الضياطرة " وينصفني من ظلمهم. واحدهم فارغ الشخصية من الفكر والهدف، اللهم الا البلادة والاخلاد إلى النوم والشهوة، والتقلب على فراشه من الترف والتخمة. " يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار " ولا يكتفي بفراغ شخصيته وكسله واخلاده إلى الطين بل " يهجر قوما للذكر " ويزدريهم ويعطن عليهم لانهم تهوي افئدتهم إلى الذكر وأهله، ويلتفون حول إمامه ومنبره. " أفتأمرني أن أطردهم " كما أراد الملا من قوم نوح عندما قالوا له " ما نراك اتبعك إلا الدين هم أراذلنا " بل جوابي لك جواب نبي الله نوح عليه السلام لضياطرة قومه " ما كنت لاطردهم فأكون من الجاهلين ". ثم ختم عليه السلام كلامه بالقسم على بعض ما اخبره به النبي صلى الله عليه وآله عن مستقبل هؤلاء الملتفين حول المنبر وقومهم " أما والدي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليضربنكم على الدين عودا، كما ضربتموهم عليه بدءا " وهو يدل على أن الوعد الالهي سيتحقق في العرب فيتولوا عن الدين، ويستبدل الله تعالى بهم الفرس، ولا يكونوا أمثالهم. ويدل على ان الفتح الاسلامي في هذه المرة سيكون ابتداء من ايران في طريق القدس والتمهيد للمهدي عليه السلام. حديث: يكونون أسدا لا يفرون رواه احمد في مسنده ج 5 ص 11 عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " يوشك أن

[ 202 ]

يملا الله تبارك وتعالى أيديكم من العجم، ثم يكونون أسدا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ولا يأكلون فيأكم " ورواه أبو نعيم في كتابه " ذكر اصبهان " ص 13 بعدة طق عن حذيفة، وعن سمرة بن جندب، وعن عبد الله بن عمر، الا أنه قال فيه " ويأكلون فيأكم ". حديث الغنم السود والبيض رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه " ذكر اصبهان " ص 8 - 10 بعدة طرق، عن أبي هريرة، وعن رجل من الصحابة، وعن النعمان بن بشير، وعن مطعم بن جبير، وعن أبي بكر، وعن ابن أبي ليلى، وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله واللفظ لحذيفة " قال رسول الله صلى الله عليه وآله إني رأيت الليلة كأن غنما سودا تتبعني ثم أردفها غنم بيض حتى لم أر السود فيها. فقال أبو بكر: هذه الغنم السود العرب تتبعك، وهذه الغنم البيض هي العجم تتبعك فتكثر حتى لا ترى العرب فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا عبرها الملك ". وفي رواياته صيغ متعددة ليس فيها تعبير أبي بكر، وفي بعضها أنه صلى الله عليه وآله رأى أنه يسقي غنما سوداء فجاءته غنم كثيرة بيضاء. الخ. حديث: فارس عصبتنا أهل البيت رواه أبو نعيم ايضا في المصدر المذكور ص 11 عن ابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وذكرت عنده فارس فقال " فارس عصبتنا أهل البيت ".

[ 203 ]

حديث: لانا أوثق بهم منكم رواه أبو نعيم في المصدر المذكور ص 12 عن أبي هريرة قال " ذكرت الموالي أو الاعاجم عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال " والله لانا أوثق بهم منكم (أو من بعضكم) وروى قريبا منه الترمذي في سننه ج 5 ص 382، والاعاجم هنا أعم من العجم، وتشمل غير العرب من الفرس وغيرهم. حديث: وهل الناس الا فارس والروم رواه أبو نعيم في المصدر المذكور ص 11 عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وآله قال " لتأخذن أمتي ما أخذ (ما أخذ) الامم والقرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. قيل يا رسول الله كما فعلت فارس والروم ؟ قال صلى الله عليه وآله ومن الناس إلا أولئك ". وفي هذا الحديث اشارة إلى حقيقة حضارية هي أن الفرس والروم أي الغربيين يشكلون ثقل الحضارة البشرية في التاريخ. وها نحن نشاهد في عصرنا أنه لا يوجد شعب يشكل طرف الصراع الحضاري مع الغربيين مثل الفرس. الايرانيون وبداية التمهيد للمهدي عليه السلام تتفق مصادر الحديث الشيعية والسنية حول المهدي عليه السلام على

[ 204 ]

أنه يظهر بعد حركة تمهيدية له. وعلى أن أصحاب الرايات السود من ايران يمهدون لدولته ويوطئون له سلطانه. وتتفق أيضا على الشخصيتين الموعودتين من ايران: السيد الخراساني أو الهاشمي الخراساني، وصاحبه شعيب بن صالح. إلى آخر ما ورد من أحاديثهم في مصادر الفريقين. ولكن مصادرنا الشيعية تضيف إلى الايرانيين ممهدين آخرين لدولة المهدي عليه السلام هم اليمانيون. كما توجد في مصادرنا أحاديث عديدة تدل بنحو مطلق على أنه تقوم قبل ظهوره عليه السلام دولة أو قوة أو كيان أو حركة ثائرة مجاهدة. مثل الحديث القائل " يأتي ولله سيف مخترط " إذا صح أنه موجود حيث أورده صاحب كتاب يوم الخلاص وذكر له خمسة مصادر ولم أجده فيها، وكذلك موارد عديدة ذكر لها مصادر ! رزقنا الله الدقة والامانة في النقل. ومثل حديث أبان بن تغلب عن الامام الصادق قال " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل الشرق وأهل الغرب ! أتدري لم ذلك ؟ قلت لا. قال: للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل ظهوره " البحار ج 52 ص 63، وهو يدل على أنه أهل بيته عليه السلام من بني هاشم وأتباعهم يكونو قد أزعجوا أهل الغرب والشرق قبله، حتى إذا فاجأهم ظهور المهدي عليه السلام فقدوا أعصابهم من هذه المصيبة الجديدة. وحديث روضة الكافي المتقدم في تفسير قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " عن الامام الصادق عليه السلام قال " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم، فلا يدعون وترا لال محمد صلى الله الله عليه وآله إلا قتلوه ". إلى غير ذلك من الاحاديث التي تدل على أن التمهيد له عليه السلام يكون بقوة عسكرية واعلامية عالمية حتى " يلهج الناس بذكره " كما في بعض الاحاديث. فأحاديث التمهيد اذن ثلاث مجموعات: أحاديث دولة أصحاب

[ 205 ]

الرايات السود المتفق عليها عند الفريقين. وأحاديث دولة اليماني الواردة في مصادرنا خاصة، ويشبها ما في بعض مصادر السنة عن ظهور يماني بعد المهدي عليه السلام. والاحاديث الدالة على ظهور ممهدين قبل ظهوره عليه السلام بدون تحديدهم. وسوف ترى أنها بشكل عام تنطبق على الممهدين الايرانيين واليمانيين. وقد حددت الاحاديث الشريفة زمان قيام دولة اليمانيين الممهدين بأنه يكون في سنة ظهور المهدي عليه السلام مقارنا لخروج السفياني المعادي له في بلاد الشام، أو قريبا منه كما ستعرف. أما دولة الممهدين الايرانيين فتقسم إلى مرحلتين متميزتين: المرحلة الاولى، بداية حركتهم على يد رجل من قم، الذي تكون حركته بداية أمر المهدي عليه السلام، حيث ذكر الاحاديث أنه " يكون مبدؤه من قبل المشرق ". والمرحلة الثانية، ظهور الشخصيتين الموعودتين فيهم، السيد الخراساني وقائد قواته الشاب الاسمر المسمى في الاحاديث شعيب بن صالح. كما يمكن تقسيم دور الممهدين الايرانيين بحسب الاحداث التي ورد ذكرها في الاحاديث إلى أربع مراحل أيضا. الاولى: من بداية حركتهم على يد رجل من قم إلى دخولهم في حرب. الثانية: خوضهم حربا طويلة إلى أن يفرضوا مطالبهم على أعدائهم. الثالثة: مرحلة رفضهم لمطالبهم السابقة، وقيام ثورتهم الشاملة. الرابعة: تسليمهم الراية إلى الامام المهدي عليه السلام، ومشاركتهم في حركته المقدسة. وقد ذكرت بعض الروايات أن ظهور الخراساني وشعيب يكون في

[ 206 ]

أثناء حربهم، وأنهم يرون أن الحرب قد طالت عليهم فيأتون به على كره منه ويولونه عليهم، فيأتي بشعيب لقيادة قواته. وقد ورد في عدة روايات تحديد المرحلة الاخيرة من تمهيدهم المتصلة بظهور المهدي عليه السلام بست سنوات، وهي مرحلة الخراساني وشعيب، فعن محمد بن الحنفية قال " تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان سوداء أخرى قلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح أو صالح بن شعيب من بني تميم، يهزمون أصحاب السفياني، حتى تنزل ببيت المقدس، توطئ للمهدي سلطانه. يمد إليه ثلاث ماية من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يسلم الامر للمهدي إثنان وسبعون شهرا " مخطوطة ابن حماد ص 84، وقريب منه ص 74. وفي مقابل هذه الروايات توجد روايات تقول ان ظهور الخراساني وشعيب مقارن لظهور اليماني والسفياني. فعن الامام الصاق عليه السلام قال " خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد. وليس فيها بأهدى من راية اليماني، يهدي إلى الحق " البحار ج 52 ص 210، وعن الامام الباقر عليه السلام قال " خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد. نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا. فيكون البأس من كل وجه. ويل لمن ناواهم. وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لانه يدعو إلى صاحبكم " البحار ج 52 ص 232، ويبدو أن المقصود بأن خروج الثلاثة متتابع كنظام الخرز مع أنه في يوم واحد: أن أحداث خروجهم مترابطة سياسيا. وقد تكون بدايتها في يوم واحد ثم تتابع حركتهم واستحكام أمرهم مثل تتابع الخرز المنظوم. ومع أن روايات الاثنين وسبعين شهرا قابلة للتصديق، حيث رويت بطرق متعددة عن محمد الحنفية رضي الله عنه، الذي تذكر الاخبار أنه

[ 207 ]

كان عنده صحيفة من أبيه أمير المؤمنين عليه السلام كتبها عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيها أحداث الملاحم الكائنة بل ذكرت بعض الروايات أن فيها أسماء من يحكم المسلمين إلى يوم القيامة، وأنه ورثها منه ولده أبو هاشم وأخبر العباسين بأسماء من يحكم منهم. ولكن مع ذلك، فان المرجح في أمر الخراساني وشعيب الروايات القائلة بأن خروجهما مقارن لخروج اليماني والسفياني لانها مسندة عن الائمة المعصومين عليهم السلام وسندها أقوى، بل فيها صحيح السند مثل رواية أبي بصير عن الامام الباقر عليه السلام. وسواء كانت هذه المرحلة من دولة الممهدين الايرانيين نحو سنة قبل ظهور المهدي عليه السلام كما رجحنا، أو نحو ست سنوات كما هو محتمل، فانها المرحلة الاخيرة من دولتهم. ولكن المشكل معرفة مراحلها الاخرى قبل هذه المرحلة، وكم هي المدة بين بداية دولتهم على يد رجل من قم وبين ظهور السيد الخراساني وشعيب. ؟ فهذه هي الحلقة المفقودة تقريبا في أحاديث الايرانيين التي لم أجد تحديدا صريحا لها في الاحاديث. نعم وجدت اشارات وردت في بعض الاحاديث، سيأتي ذكرها بعد استعراض أهم أحاديث دولتهم. حديث: أن أمر المهدي يبدأ من ايران فمنها الحديث الذي ينص على أن بداية حركة المهدي عليه السلام تكون من المشرق، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " يكون مبدؤه من قبل المشرق، وإذا كان ذلك خرج السفياني " البحار ج 52 ص 252 عن أربعين الحافظ أبي نعيم.

[ 208 ]

وبما أن المتفق عليه بن العلماء والمتواتر في الاحاديث أن ظهوره عليه السلام يكون من مكة المكرمة، فلابد أن يكون المقصود بقول أمير المؤمنين " يكون مبدؤه من قبل المشرق " أن مبدأ أمره والتمهيد لظهوره يكون من المشرق، أي من ايران. وتدل الرواية أيضا على أن هذه البداية تكون قبل خروج السفياني، وتشير إلى أنه يكون بينها وبين السفياني مدة ليست قصيرة ولا طويلة كثيرا، لانها عطفت خروج السفياني عليها بالواو وليس بالفاء أو بثم " وإذا كان ذلك خرج السفياني " بل تشير أيضا إلى نوع من العلاقة السببية بين بداية التمهيد للمهدي عليه السلام من ايران وبين خروج السفياني، وقد عرفت في حركة السفياني أنها ردة فعل لمواجهة المد الاسلامي الممهد للمهدي عليه السلام. حديث: أتاح الله لامة محمد صلى الله عليه وآله برجل منا أهل البيت ومنها، حديث أبي بصير عن الامام الصادق عليه السلام قال " يا أبا محمد ليس ترى أمة محمد صلى الله عليه وآله فرجا أبدا ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم. فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لامة محمد صلى الله عليه وآله برجل منا أهل البيت يشير (يسير) بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا. والله إني لاعرفه باسمه واسم أبيه. ثم يأتينا الغليظ القصرة، ذو الخال والشامتين، القائد العادل، الحافظ لما استودع، يملؤها عدلا وقسطا كما ملاها الفجار ظلما وجورا " البحار ج 52 ص 269، وهو حديث ملفت ولكنه ناقص من آخره مع الاسف، فقد نقله صاحب البحار قدس سره عن كتاب الاقبال لابن طاووس الذي قال في الاقبال ص 599 إنه رآه في سنة اثنتين وستين وستماية في كتاب الملاحم للبطائني، ونقله منه، لكنه رحمه الله نقله ناقصا

[ 209 ]

وقال في آخره " ثم ذكر تمام الحديث " والبطائني من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، وكتابه الملاحم مفقود النسخة، وقد يكون موجودا في المخطوطات المجهولة في زوايا بلادنا الاسلامية. والحديث يدل على أنه يكون سيد من ذرية أهل البيت عليهم السلام يحكم قبل ظهور المهدي عليه السلام ويمهد لدولته، ويوجه الناس إلى التقوى " يشير بالتقى. ويعمل بالهدى " أي على حسب أحكام الاسلام. " ولا يأخذ في حكمه الرشا " أي لا يساوم ولا يقبل الرشوة. وهذا السيد من المحتمل أن يكون الامام الخميني. أما بنو فلان في قوله " مادام لولد بني فلان ملك " فلا يلزم أن يكونوا بني العباس كما فهمه المرحوم ابن طاووس، وكذا الامر في الاحاديث العديدة التي عبر فيها الائمة عليهم السلام ببني فلان وآل فلان. فأحيانا يكون مقصودهم عليهم السلام بني العباس، وأحيانا يكون مقصودهم العوائل والاسر التي تحكم قبل ظهور المهدي عليه السلام. مثلا الاحاديث المتعددة التي تذكر الاختلاف الذي يقع بين بني فلان أو آل فلان من حكام الحجاز، ثم لا يتفق رأيهم على حاكم ويقع الخلاف بين القبائل، ثم يظهر المهدي عليه السلام. لابد أن يكون المقصود ببني فلان فيها غير بني العباس، بل العائلة التي تحكم الحجاز عند ظهور المهدي عليه السلام. وكذا الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام " ألا أخبركم بآخر ملك بني فلان ؟ قلنا بلى أمير المؤمنين. قال: قتل نفس حرام في بلد حرام عن قوم من قريش. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة مالهم ملك بعده غير خمسة عشر ليلة " البحار ج 52 ص 234 وغيره من الاحاديث المتعددة التي تذكر اختلاف بني فلان أو هلاك طاغية حاكم منهم وأنه يكون بعده خروج السفياني، أو ظهور المهدي عليه السلام، أو بعض علامات وأحداث ظهوره القريبة.

[ 210 ]

فإنه لابد من تفسيرها بغير بني العباس الذين انتهى ملكهم منذ مئات السنين. بل لابد من التحقيق في الروايات التي ورد فيها ذكر بني العباس صراحة، حيث قد تكون صدرت عن الائمة عليهم السلام بتعبير " بني فلان " و " آل فلان " ورواها الراوي بلفظ بني العباس اعتقادا منه أنهم المقصودون بقول الائمة " بني فلان ". وقد يصح تفسير بني العباس الوارد في أحاديث الظهور بأن المقصود به خطهم المناهض للائمة عليهم السلام، وليس أشخاصهم وذرياتهم. ولكن نادرا ما نحتاج إلى هذا التفسير لان الغالب في روايات الظهور التعبير ببني فلان وآل فلان. وعلى أي حال، فالمقصود ببني فلان في الرواية محل الكلام " مادام لولد فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لامة محمد برجل منا أهل البيت " حكام جائرون غير بني العباس، يأتي بعدهم هذا السيد الموعود ويحكم بالعدل قبل ظهور المهدي عليه السلام. أما عبارة " ثم يأتينا الغليظ القصرة. ذو الخال والشامتين القائد العادل. " فهي تتحدث عمن يأتي بعد هذا السيد الموعود، والمفهوم منها أنه المهدي عليه السلام الذي هو ذو الخال والشامتين كما ورد في أوصافه. ولكن وصف " الغليظ القصرة " أي البدين القصير لا ينطبق على المهدي عليه السلام لان الروايات تجمع على أنه طويل القامة معتدلها. ولذا يرجح أن يكون سقط من الرواية فقرة أو أكثر باستنساخ ابن طاووس رحمه الله أو غيره من النساخ، وأن يكون هذا الرجل البدين القصير يأتي بعد السيد الموعود، وأن بعض أوصافه الاخرى سقطت. ولذا لا يمكن أن نستفيد من الرواية الاتصال بين هذا السيد الموعود وبين ظهور المهدي عليه السلام.

[ 211 ]

أحاديث قم، والرجل الموعود منها ومنها، حديث قيام رجل من قم وأصحابه، فعن الامام الكاظم عليه السلام قال " رجل من قم، يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لاتزلهم الرياح العواصف، لا يملون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين " البحار ج 60 ص 216 طبعة ايران، وكذا ما بعدها عن قم. ومن الملاحظ أنه عليه السلام عبر في الرواية ب‍ " رجل من قم " ولم يقل من أهل قم. وهو ينطبق على الامام الخميني الذي هو من أهل خمين وسكان قم. وبأنه " يدعو الناس إلى الحق " وليس أهل قم أو أهل المشرق فقط. وبأنه تواجهه وقومه رياح عواصف، وحرب أو حروب، فيقاتلون ولا يتزلزلون. ولم تذكر الرواية متى يكون هذا الرجل المبشر به وأصحابه، ولكن لم يعهد في تاريخ قم وايران رجل وقومه بهذه الصفات قبل الامام الخميني وأصحابه. ويحتمل أن تكون الرواية ناقصة وأن يكون فيها ذكر مناسبة قولها على الاقل، وقد نقلها صاحب البحار عن كتاب تاريخ قم لمؤلفه الحسن بن محمد الحسن القمي الذي ألفه قبل أكثر من ألف سنة، ولا توجد نسخته الان مع الاسف. قد يقال: نعم لم يعهد في تاريخ قم وايران ظهور هذا الرجل الموعود

[ 212 ]

وقومه ذوي الصفات العظيمة. ولكن لا دليل على انطباقها على الامام الخميني وأصحابه، فقد يكون رجلا آخر وأصحابه، يأتون في عصرنا، أو بعد زمان طويل أو قصير. والجواب، نعم لا يوجد في الرواية تحديد لزمان هذا الحدث كما ذكرنا، ولكن مجموع صفاتها، مضافا إليها ما ورد في الروايات الاخرى العديدة عن قم وايران توجب الاطمئنان بأن المقصود بها الامام الخميني وأصحابه. وليس من المنطقي إذا كان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) ينطبق على حدث أن نغمض عنه أعيننا ونقول انه سوف يأتي حدث آخر مشابه أو أكثر وضوحا وأنه سوف ينطبق عليه ما وعد به النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله. وقد وردت في قم وفضلها ومستقبلها أحاديث عن أهل البيت عليهم السلام يظهر منها أن لقم مكانة خاصة عندهم عليهم السلام بل إن قما مشروع أسسه الائمة في وسط ايران على يد الامام الباقر سنة 73 هجرية، ثم رعوها رعاية خاصة، وأخبروا بما عندهم من علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله أنها سيكون لها شأن عظيم في المستقبل، ويكون أهلها أنصار المهدي المنتظر أرواحنا فداه. وتنص بعض الاحاديث على أن تسميتها بقم جاءت متناسبة مع اسم المهدي القائم بالحق أرواحنا فداه، ومتناسبة مع قيام أهلها ومنطقتها في التمهيد له ونصرته. ووجود قرية قربية منها عند تأسيسها باسم كمندان أو كمد لا يعني أنه لم يلاحظ في تعريبها وتسميتها " قم " سوى تلك المناسبة أو التطوير للاسم الفارسي، خاصة إذا كان تأسيسها من قبل علماء ورواة حديث عن الامام الباقر والامام الصادق، وبتوجيههما عليهما السلام. فعن

[ 213 ]

عفان البصري عن أي عبد الله - أي الامام الصادق - عليه السلام قال " قال لي: أتدري لم سمي قم ؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: إنما سمي قم لان أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله عليه ويقومون معه، ويستقيمون عليه، وينصرونه " البحار ص 60 ص 216. ان هذه الرواية الشريفة وغيرها من قرائن تأسيس قم على يد عبد الله بن مالك الاشعري وأخيه الاحوص، وجماعتهما الذين هم من خاصة أصحاب الامام الباقر عليه السلام ورواة حديثه، توجب الاطمئنان بأن تأسيسها كان بأمره عليه السلام وأنه هو وضع لها هذا الاسم. وهو اسم يستعمل في روايات أهل البيت عليهم السلام مذكرا بمعنى البلد، ومؤنثا بمعنى البلدة، كما أنه يستعمل مصروفا وممنوعا من الصرف. ويظهر من بعض الروايات أن الائمة عليهم السلام أعطوا لقم مفهوما أوسع من مدينتها وتوابعها، فاستعملوا اسمها بمعنى خط قم ونهج قم في الولاء لاهل البيت عليهم السلام والقيام مع مهديهم الموعود عليه السلام. فقد روى عدة رجال من أهل الري أنهم دخلوا على أبي عبد الله الصادق عليه السلام " وقالوا: نحن من أهل الري فقال: مرحبا بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري، فقال: مرحبا بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري. فأعاد الكلام. قالوا ذلك مرارا وأجابهم بمثل ما أجاب به أولا، فقال: إن لله حرما وهو مكة. وإن للرسول (لرسوله) حرما وهو المدينة. وان لامير المؤمنين حرما وهو الكوفة. وإن لنا حرما وهو بلدة قم. وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة " قال الراوي: وكان هذا الكلام منه عليه السلام قبل أن يولد الكاظم عليه السلام " البحار ج 60 ص 216. يعني: أن قما حرم الائمة من أهل البيت إلى المهدي عليهم السلام،

[ 214 ]

أي عاصمة ولايتهم ونصرتهم. وأن أهل الري وغيرها هم من أهل قم لانهم على خطها ونهجها. ولذلك لا يبعد أن يكون المقصود بأهل قم في الروايات الشريفة، ونصرتهم للمهدي عليه السلام، كل أهل ايران الذين هم على خطهم في ولاية أهل البيت عليهم السلام والجهاد. بل يشمل غيرهم من المسلمين أيضا. ومعنى قول الراوي " وكان هذا الكلام منه عليه السلام قبل أن يولد الكاظم عليه السلام " أن الامام الصادق أخبر عن ولادة حفيدته فاطمة بنت موسى بن جعفر قبل ولادة أبيها الكاظم أي قبل سنة 128 هجرية، وأخبر أنها سوف تدفن في قم. ثم تحقق ذلك بعد أكثر من سبعين سنة. فقد " روى مشايخ قم أنه لما أخرج المأمون علي بن موسى الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو سنة مئتين خرجت فاطمة أخته في سنة وإحدى تطلبه، فلما وصلت إلى ساوة مرضت فسألت كم بيني وبين قم ؟ فقالوا: عشرة فراسخ. " لما وصل الخبر إلى آل سعد - أي سعد بن مالك الاشعري - اتفقوا وخرجوا إليها أن يطلبوا منها النزول في بلدة قم. فخرج من بينهم موسى بن خزرج فلما وصل إليها أخذ زمام ناقتها وجرها إلى قم، وأنزلها في داره. فكانت فيها ستة (سبعة) عشر يوما ثم قضت إلى رحمة الله ورضوانه، فدفنها موسى بعد التغسيل والتكفين في أرض له، وهي التي الان مدفنها، وبنى على قبرها سقفا من البواري. إلى أن بنت زينب بنت الجواد عليه السلام عليها قبة " البحار ج 60 ص 219. ويظهر من الروايات أن فاطمة هذه كانت عابدة مقدسة مباركة شبيهة جدتها فاطمة الزهراء عليها السلام، وأنها على صغر سنها كانت لها مكانة جليلة عند أهل البيت عليهم السلام. وعند كبار فقهاء قم ورواتها، حيت قصدوها إلى ساوه وخرجوا في استقبالها، ثم أقاموا على قبرها بناء بسيطا، ثم بنوا عليه قبة وجعلوه مزارا، وأوصى العديد منهم أن يدفنوا في جوارها.

[ 215 ]

وقد ورد أن عمرها رضي الله عنها كان قصيرا لم يصل إلى العشرين سنة، ولعل تسمية الايرانيين لها " معصومه فاطمة " أو " معصومه قم " بسبب صغر سنها، لان معصوم بالفارسية بمعنى البرئ ويوصف بها الطفل البرئ. ولعله لطهارتها وعصمتها عن الذنوب، فإن العصمة في مذهبنا على قسمين، عصمة واجبة وقد ثبتت للمعصومين الاربعة عشر عليهم السلام، وعصمة جائزة وقد ثبتت وتثبت لكبار أولياء الله تعالى المقدسين المطهرين عن الذنوب. ويظهر من الحديث التالي عن الامام الرضا عليه السلام أن إعداد الائمة عليهم السلام لاهل قم لنصرة المهدي المنتظر أرواحنا فداه، كان من أول تأسيسها، وأن حب القميين للمهدي كان معروفا عنهم قبل ولادته. فعن صفوان بن يحيى قال " كنت يوما عند أبي الحسن عليه السلام فجرى ذكر أهل قم وميلهم إلى المهدي عليه السلام فترحم عليهم وقال: رضي الله عنهم، ثم قال: إن للجنة ثمانية أبواب، واحد منها لاهل قم. وهم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد، خمر الله تعالى ولايتنا في طينتهم " البحار ج 60 ص 216. وقد ورد أن أبواب الجنة مقسمة لفئات الناس بحسب أعمالهم، فلا يبعد أن يكون المعنى أن أهل قم يدخلون من باب المجاهدين مع أهل البيت والمهدي عليهم السلام، أو من باب الاخيار كما ورد في صفتهم. وقوله عليه السلام " وهم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد " يدل على تفضيلهم على بقية الشيعة. ومن الملاحظة أن حب أهل قم للامام المهدي عليه السلام قد حافظ على حيويته وحرارته إلى عصرنا. بل لقد تفجر في عصرنا بثورتهم. وهو يظهر في إيمانهم وأعمالهم وشعائرهم، وفي كثرة تسمياتهم لابنائهم

[ 216 ]

ومساجدهم ومؤسساتهم بأسم المهدي، حتى لا يكاد يخلو منه بيت. وتدل بعض الروايات أن البلاء مدفوع عن أهل قم، وأن الله تعالى يقصم الجبارين الذين يقصدون بها السوء. فعن أبان بن عثمان وحماد الناب قالا " كنا عند أبي عبد الله عليه السلام (أي الامام الصادق) ونحن جماعة، إذ دخل عليه عمران بن عبد الله القمي فسأله وبره وبشه، فلما أن قام قلت لابي عبد الله: من هذا الذي بررت به هذا البر ؟ فقال: من أهل البيت النجباء، يعني أهل قم. ما أرادهم جبار من الجبابرة إلا قصمه الله " البحار ج 60 ص 211. وفي رواية " فإن البلاء مدفوع عنها " ص 214، وفي رواية " وأهلها منا ونحن منهم، لا يريدهم جبار بسوء إلا عجلت عقوبته ما لم يخونوا إخوانهم (وفي نسخة ما لم يحولوا أحوالهم) فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم جبابرة سوء. أما إنهم أنصار قائمنا ودعاة) حقنا. ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم اعصمهم من كل فتنة، ونجهم من كل هلكة " ص 218. وعن الامام الصادق عليه السلام " وإن البلايا مدفوعة عن قم وأهله، وسيأتي زمان تكون قم وأهلها حجة على الخلائق وذلك في زمان عيبة قائمنا إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها. وان الملائكة لتدفع البلايا عن قم واهله، وما قصده جبار بسوء الا قصمه قاصم الجبارين، وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو، وينسي الله الجبابرين في دولتهم ذكر قم وأهله كما نسوا ذكر الله " ص 213. ولا يعني ذلك أن البلاء والسوء لا يصيب أهل قم أبدا، فقد يصيبهم شئ منه، ولكنه تعالى يدفعه عنهم وينصرهم، بألطاف متنوعة، من أبرزها إهلاك الطغاة، أو إشغالهم عنهم، تفكيرهم بهم. وقد تحدثت روايتان عن الامام الصادق عليه السلام عن مستقبل قم

[ 217 ]

ودورها العقائدي قرب ظهور المهدي عليه السلام إلى أن يظهر، رواهما في البحار ج 60 ص 213. تقول الاولى منها " إن الله احتج بالكوفة على سائر البلاد، وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد. واحتج ببلدة قم على سائر البلاد، وبأهلها على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والانس ولم يدفع قم وأهله مستضعفا بل وفقهم وايدهم. ثم قال: إن الدين وأهله بقم ذليل، ولولا ذلك لاسرع الناس إليه فخرب قم وبطل أهله فلم يكن حجة على سائر البلاد. وإذا كان كذلك لم تستقر السماء والارض ولم ينظروا طرفة عين. وان البلايا مدفوعة عن قم وأهله. وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها. وإن الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارين، وشغله عنه بداهية أو مصيبة أو عدو. وينسي الله الجبارين في دولتهم ذكر قم وأهله، كما نسوا ذكر الله ". وتقول الثانية " ستخلا كوفة من المؤمنين، ويأزر عنها العلم كما تأزر الحية في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدنا للعلم والفضل حتى لا يبقى في الارض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا، فيجعل الله قم وأهل قائمين مقام الحجة، ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها ولم يبق في الارض حجة. فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فتتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد لم يبلغ إليه الدين والعلم. ثم يظهر القائم عليه السلام ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد، لان الله لا ينتقم من العباد، لان الله لا ينتقم من العباد إلا بعد إنكارهم حجة ". ويظهر من هذين النصين عدة أمور: أولها: أن الروايتين قد نقلتا بالمعنى. وقد يكون فيهما مضافا إلى ذلك تقديم وتأخير. ولكن المهم المعنى الذي تضمنتاه.

[ 218 ]

ثانيهما: يظهر منهما أن دور الكوفة في العلم والتشيع لاهل البيت عليهم السلام كان كبيرا، ولكنه ينتهي إلى الاضمحلال عند قرب ظهور المهدي عليه السلام. والكوفة تشمل النجف، لان اسمها بالاصل نجف الكوفة، أو نجفة الكوفة. بل قد يقصد منها العراق كما ذكرنا في محله، وأما دور قم فيستمر. ثم يتعاظم قرب ظهور المهدي عليه السلام " وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره " " وذلك عند قرب ظهور قائمنا ". وثالثها: أن دور قم العقائدي قرب ظهور المهدي عليه السلام لا يكون مختصا بايران أو بالشيعة فقط، بل يكون لكل العلم حتى غير المسلمين " وسيأتي زمان تكون قم وأهلها حجة على الخلائق " " حتى لا يبقى مستضعف في الذين " حتى لا يبقى أحد على الارض لم يبلغ إليه العلم والدين " ولا يعني ذلك أن العلم والدين يصل من قم وأهلها إلى كل فرد من شعوب العالم، بل يعني أن صوت الاسلام وطرحه يصل إلى شعوب العالم بحيث إذا أراد أحد أن يتعرف على معالم الاسلام تمكن من ذلك. ومثل هذا الدور العقائدي الاعلامي لقم يتوقف على قيام دولة وأجهزة إعلامية، بل ويتوقف على أحداث صراع مع طغاة العالم توصل صوت الاسلام من قم إلى الشعوب. ورابعها: أن هذا الدور لقم ينتج عنه معاداة طغاة العالم وأتباعهم لها، أي لطرحها الاسلامي. وهذه المعاداة تكون مبررا لانتقام الله تعالى منهم على يد المهدي عليه السلام، لان الحجة تكون قد تمت بها، وتكون مشكلة المعادين فقط العناد والمضادة للاسلام، وليست جهلهم به. ومن الملاحظ أن هذه المعاني المذكورة في النصين الشريفين قد تحققت في الكوفة والعراق، وبدأت تحقق في قم وايران، فقد صارت قم وايران حجة على الشعوب الاسلامية وشعوب العالم. وحتى لو قلنا بأن تحقق

[ 219 ]

المستوى الموعود في الروايتين في شعوب العالم يحتاج إلى عشرات السنين، فلاشك أنه قد ظهرت بدايته ودرجات منه. ولكن التعبير " عند قرب ظهور قائمنا " يدل على عدم الطول المديد بين هذا الموقع الموعود لقم في العالم، وبين ظهور المهدي عليه السلام. حديث أهل المشرق والرايات السود وقد ورد في مصادر الشيعة والسنة، ويعرف أيضا بحديث الرايات السود، وحديث أهل المشرق، وحديث ما يلقى أهل بيته صلى الله عليه وآله بعده. وقد روته المصادر المختلفة عن صحابة متعددين، مع فروق في بعض الالفاظ والفقرات. وروت بعض المصادر أجزاء منه. ونص عدد منها على أن رجاله ثقات. من أقدم المصادر السنية التي روته أو روت قسما منه ابن ماجة في سننه ج 2 ص 518 و 269، والحاكم في المستدرك ج 4 ص 464 و 553، وابن حماد في مخطوطته " الفتن " ص 84 و 85 وابن أبي شيبة في مصنفه ج 15 ص 235، والدارمي في سننه ص 93، ثم رواه عنهم أكثر المتأخرين. ولعل الحديث الذي رواه عدد من أصحاب الصحاح " يخرج ناس من المشرق يوطؤون للمهدي سلطانه " مثل أحمد وابن ماجة وغيرهم هو جزء منه وهذا نص الحديث من مستدرك الحاكم: " عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شئ الا أخبرنا به، ولا سكتنا الا ابتدأنا. حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه. فقلنا يا رسول الله، ما نزال نرى في

[ 220 ]

وجهك شيئا نكرهة ! فقال: " إنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد. حتى ترتفع رايات سود في المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون. فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيملك الارض، فيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ". أما من مصادرنا الشيعية فقد روان ابن طاووس في الملاحم والفتن ص 30 و 117، ورواه المجلسي في البحار ج 51 ص 83 عن أربعين الحافظ أبي نعيم، الحديث السابع والعشرين في مجيئه - أي المهدي - من قبل المشرق. وروى شبيها به في ج 52 ص 243 عن الامام الباقر عليه السلام قال: " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأووا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم. فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم (أي المهدي عليه السلام) قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر ". ويستفاد من هذا الحديث بصيغة المختلفة عدة أمور. الاول: أنه متواتر اجمالا، بمعنى أنه روي عن صحابة متعددين بطرق متعددة بحيث يعلم بذلك أن هذا المضمون قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعمدة مضمونه: إخباره صلى الله عليه وآله بمظلومية أهل بيته عليهم السلام من بعده، وأن إنصاف الامة لهم يكون على يد قوم من المشرق يمهدون لدولة مهديهم عليهم السلام. وأنه يظهر على أثر قيام دولة لهؤلاء القوم فيسلمونه رايتهم ويظهر الله به الاسلام على العالم، فيملا الارض قسطا وعدلا.

[ 221 ]

الثاني: أن المقصود بقوم من المشرق وبأصحاب الرايات السود، الايرانيون. وهو أمر متسالم عليه عند جيل الصحابة الذين رووا الحديث الشريف وغيره فيهم، وعند جيل التابعين الذين تلقوه منهم، ومن بعدهم من المؤلفين عبر العصور، بحيث تجده عندهم أمر مفروغا عنه، ولم يذكر أحد منهم حتى بنحو الشذوذ أن المقصود بهؤلاء القوم وبهذه الرايات أهل تركيا الفعلية مثلا، أو الهند، وأو غيرها من المناطق غير ايران. بل نص عدد من أئمة الحديث والمؤلفين على أنهم الايرانيون. بل ورد اسم الخراسانيين في عدة صيغ أو فقرات رويت من الحديث، كما سيأتي في حديث رايات خراسان. الثالث: أن حركتهم تواجه عداء من العالم وحربا ينتصرون فيها، ويكون بعدها ظهور المهدي عليه السلام. الرابع: أن نصرتهم فريضة على كل مسلم من الجيل الذي يعاصرهم، مهما كانت ظروفه صعبة وحتى لو أتاهم حبوا على الثلج. الخامس: أن رايتهم راية هدى، أي أن دولتهم كيان شرعي صحيح، وهدفهم وعملهم منسجم مع أحكام الاسلام وأهدافه، ومبرئ لذمة المسلم الذي يعمل معهم. السادس: أن الحديث من أخبار المغيبات والمستقبل، وواحدة من معجزات النبي صلى الله عليه وآله الدالة على نبوته. حيث تحقق ما أخبر به صلى الله عليه وآله من مظلومية أهل بيته وتشريدهم في البلاد على مدى العصور، وفي أربع جهات العالم الاسلامي، حتى لانجد أسرة في العالم الاسلامي بل وفي العالم، جرى عليهم التشريد والتطريد مثل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من أبناء علي وفاطمة عليهم السلام. هذا، وقد تضمنت صيغة الحديث المتقدمة عن الامام الباقر عليه

[ 222 ]

السلام وصفا دقيقا لحركتهم، ولذلك ندرس فقراته. والمرجح عندي أنه يتعلق بحديث النبي صلى الله عليه وآله المذكور أو بشبيه له، وان لم يصرح بذلك الامام الباقر عليها لسلام، فقد صرح هو والائمة من أهل البيت عليهم السلام بأن حديثهم دائما عن آبائهم عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله. " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق " يدل على أن هذا الحدث من وعد الله المقدر المحتوم، وهكذا كل ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) ب‍ " كأني بالشئ الفلاني أو الامر الفلاني قد حدث " يدل على حتميته ووضوحه في أذهانهم، ويقينهم به حتى كأنهم يرونه. بل يدل على رؤيتهم له بالبصيرة التي خصهم الله بها والمتناسبة مع مقام النبي صلى الله عليه وآله ومقام أهل بيته (ع). كما يدل على أن حركة الايرانيين هذه تكون عن طريق الثورة، لانه المفهوم من قوله " قد خرجوا " أي ثاروا. " يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلون، حتى يقوموا. ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم ". وهذا التسلسل في حركة الايرانيين، يمكن تفسيره بحركتهم في ثورة " المشروطة " قبل نحو ثمانين سنة، حيث طالبوا بأن يكون لعدد من الفقهاء حق الاشراف على القوانين، وحق النقض لما خالف منها أحكام الاسلام. فأعطوا ذلك شكليا في دستور 1096 م ولم يعطوه واقعيا. ثم طالبوا به في حركة آية الله كاشاني والدكتور مصدق 1951 م فلو يعطوه، وتمكنت أمريكا أن تهزم الثورة وتعيد الشاه الذي كان فرمن ايران كما هو معروف. فلما رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم في ثورة الامام الخميني مستعدين للتضحية، وواصلوا تظاهراتهم المليونية ومقاومتهم واصرارهم، فأعطاهم الشاه وأمريكا ما كانوا سألوا، وعرض عليهم أن يقبلوا بتطبيق ما نص عليه دستور 1906 من اشراف ستة من الفقهاء على قوانين البلاد،

[ 223 ]

على أن يبقى الشاه في الحكم، وقبل بذلك بعض العلماء، ولكن الامام الخميني وجماهير الايرانيين لم يقبلوا " قاموا " وواصلوا الثورة حتى انتصروا وأقاموا حكم الاسلام. وبقي أن يسلموا الراية إلى المهدي عليه السلام عندما يظهر. ولكن التفسير الاقوى، أنهم " يطلبون الحق " من أعدائهم أي الدول الكبرى، وهو أن لا يتدخلوا في شؤونهم ويتركوهم يحكمون ايران بالاسلام، ويقبلوا أن تكون ايران مستقلة عن دائرة نفوذهم. فلا يعطونهم ذلك، حتى يضطروهم إلى أن يضعوا سيوفهم على عواتقهم أي إلى الحرب فيحاربون وينتصرون، فيعطيهم أعداؤهم ما سألوا أول الامر وهو أن يحكموا ايران بالاسلام دون تصدير الثورة صراحة، فلا يقبلون ذلك لانه يصيرا أمرا متأخرا بعد فوات الاوان وتغير الظروف. فتبدأ ثورتهم الجديدة " حتى يقوموا " وهي ثورة الرفض لما أعطوهم والاصرار على امتداد حكم الاسلام لاوسع من ايران. ثم يتبع ذلك ظهور المهدي عليه السلام فيسلمونه الراية. والذي يرجح هذا التفسير على الاول أن مطلب الامام الخميني لم يكن مطلب ثورة المشروطة أو ثورة الكاشاني ومصدق. بل كان من الاساس مطلب الحكم الاسلامي بقيادة العلماء. وأن تعبير " وضعوا سيوفهم على عواتقهم " الاقرب أن يكون تعبيرا عن الحرب بالفعل أو عن الاستعداد التام لها، ويستبعد انطباقه على مقاومتهم لنظام الشاه في التظاهرات المليونية ضد الشاه، واستعدادهم فيها للتضحية، لانه لم يكن عندهم سيوف ليضعوها على عواتقهم، بل كانت ثورتهم سلمية بقبضات الايدي الخالية، ولم يبلغ اعتمادها على العلميات العسكرية حتى لو أضفنا إليها مرحلة سقوط الثكنات وأخذ المتظاهرين أسلحتها في الايام الاخيرة، والاشتباكات القليلة مع حرس الشاه. لم يبلغ ذلك نسبة الخمسة في المئة من مجموع فعاليات الثورة التي أدت إلى النصر.

[ 224 ]

مضافا إلى أن سياق الحديث الشريف يظهر منه أن خروجهم ومطالبهم في حركة واحدة وأحداث متتابعة، لا أنها على مراحل في نحو مئة سنة. مضافا إلى أن أكثر نصوص الحديث الكاملة، وأحاديث أخرى، قد نصت على أن رفضهم لمطالبهم الاولى تكون بعد أن يخوضوا حربا وينتصروا فيها، كالحديث المروي في البحار ج 51 ص 83 وفيه " فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلون. الخ. ". نعم يبقى على هذا التفسير نقطتان: النقطة الاولى: أنه يفهم من تكرار " يطلبون الحق فلا يعطونه " أن مطالبتهم به تكون على مرحلتين، فما هما هاتان المرحلتان ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن التكرار لبيان أنهم يؤكدون مطلبهم من أعدائهم. ولكن المدقق في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وكلام الائمة من أهل بيته (ع) يستبعد التكرار العادي التأكيدي فيها خاصة في مثل الحديث محل الكلام. أو يجاب: بأنهم يطالبون بالحق في مرحلتين من ثورتهم قبل الحرب فلا يعطونه، ثم يعطونه بعد انتصارهم في الحرب فلا يقبلونه، وهو أقوى الاجابات. أو يجاب: بأنهم يطلبون الحق في مرحلتين من حربهم فلا يعطونه، فيواصلونها وينتصرون، فيعطون ما طلبوا سابقا فلا يقبلون، وتكون ثورتهم الشاملة " حتى يقوموا " وعلى أثرها يظهر المهدي عليه السلام. والنقطة الثانية: معنى قوله عليه السلام " حتى يقوموا " فقد عبر عن ثورتهم أو الامر بالخروج وعن حركتهم بعد رفض المطالب التي تعطى لهم بالقيام. وهذا يدل على أن هذا القيام أعظم من خروجهم وثورتهم أول

[ 225 ]

الامر. ويدل على أنه مرحلة نضج وتطور لهذه الثورة يصل فيها الايرانيون إلى مرحلة النفير العام وفتوى الجهاد والقيام لله تعالى، والامتداد الثوري في المنطقة تمهيدا لظهور المهدي عليه السلام. وقد يفهم من التعبير ب‍ " حتى قوموا " وليس " فيقوموا " مثلا أنه يوجد فاصل زمني بين إعطائهم مطالبهم بعد النصر وبين قيامهم الكبير. بل قد يدل على وجود مرحلة من التأمل والتردد عندهم، بسبب وجود اتجاه في داخلهم يريد القبول بما كانوا يطالبون به فقط، أو بسبب الظروف الخارجية التي تحيط بهم، ولكن الاتجاه الاخر يغلب فيقومون من جديد قياما شاملا يتحقق فيه التمهيد للمهدي عليه السلام. " قتلاهم شهداء " وهي شهادة عظيمة من الامام الباقر عليه السلام لمن يقتل في حركتهم، سواء في خروجهم أو حروبهم أو قيامهم الكبير الاخير.. وفيه دلالة على صحة رايتهم، وشرعية قيادتهم، وسلامة خطهم الاسلامي والسياسي، لان الذين يقتلون بقيادة غير شرعية أو تحت راية ضلال لا يكونون شهداء. وقد سمي الشهيد شهيدا لانه يشهد على الفئة التي قتلته وعلى الناس، لانه يدعوهم إلى الاسلام ويدعونه إلى الضلال أو الكفر. وقد يناقش أحد في أن شهادة الامام الباقر عليه السلام بأن " قتلاهم شهداء " إنما تدل على صحة نية المقاتلين أو صحة عملهم، وعلى مظلومية غير المقاتلين الذين يقتلون منهم، ولكنها لا تدل على صحة نية قادتهم وخطهم. ولكن حتى لو سلمنا ذلك جدلا، وتجاوزنا قاعدة صحة عمل المسلم ونيته، فإن مثل هذا التفسير لا يغير من الموقف شيئا ولا يرفع تكليفا. " أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر " يخبر بذلك عن نفسه عليه السلام أنه لو أدرك حركتهم لحافظ على نفسه أن يقتل وان كان قتلاهم شهداء، لاجل أن يبقي نفسه إلى ظهور المهدي عليه السلام

[ 226 ]

ونصرته. وفي ذلك دلالة على المقام العظيم للامام المهدي ومن يكون معه، بحيث يحرص على ذلك الامام الباقر، وهو تواضع عظيم أيضا منه لولده المهدي الموعود، عليهما السلام. وفيه دلالة أيضا على أن مدة حركة الايرانيين إلى ظهور المهدي عليه السلام لا تزيد عن عمر انسان، لان ظاهر كلام الباقر عليه السلام أنه لو أدرك حركتهم لابقي نفسه لنصرة المهدي بالاسباب الطبيعية، وليس بالاسباب الاعجازية. وهي دلالة مهمة على دخولنا في عصر الظهور واتصال حركتهم به وقربها منه. أما تفسير القاعدين لهذه العبارة الشريفة بأنها دعوة إلى الحفاظ على النفس وعدم التعرض للشهادة وعدم مشاركة الايرانيين في حركتهم وحروبهم. فهو تفسير خاطئ لان الامام الباقر عليه السلام يخبر فيها عن نفسه، ويبين فيها قرب ظهور المهدي عليه السلام من حركتهم، وحبه العظيم أن يكون من أنصار. فكيف يكون قصده أن يدعو الناس إلى القعود عن نصرة هؤلاء الذين يبشر بحركتهم ويمدحهم بأن قتلاهم شهداء. خاصة بملاحظة النص على وجوب نصرتهم على كل مسلم في صيغ متعددة من الحديث الشريف. بل ومع الشك في مقصوده عليه السلام، ومجرد احتمال أن يكون مقصوده نفسه وليس الاخرين، يسقط تفسير القاعدين، لان احتمال اختصاص الامر بشخصه، يسقط امكانية التمسك به في حق غيره. ومن طريف ما سمعته من التعليق على حديث رايات المشرق وقوله صلى الله عليه وآله " فليأتهم ولو حبوا على الثلج " أن أحد كبار علماء تونس وهو عالم جليل متقدم في السن لا نريد الاضرار به بذكر اسمه حفظه الله، زار ايران في فصل الشتاء والثلج، وبينما كان خارجا من الفندق زلقت قدمه فوقع

[ 227 ]

على الثلج. قال صاحبه: بادرت لانهضه فقال لي: لا تفعل. إصبر. أريد أن أنهض أنا بنفسي. ونهض على يديه ببطء حتى إذا استوى واقفا قال: كنا عندما نقرأ هذا الحديث عن المهدي وأنصاره ونصل إلى قوله صلى الله عليه وآله " فليأتهم ولو حبوا على الثلج " نتسأل " إن المهدي يخرج من الحجاز، وأين الثلج في الحجاز أو الجزيرة حتى يأمرنا النبي صلى الله عليه وآله بهذا التعبير ؟ والان عرفت معنى قوله صلى الله عليه وآله فأردت ألمس الثلج وأنهض عنه بنفسي. وسمعت منه دامت بركاته تعليقات متعددة حول الاحاديث النبوية عن الايرانيين، تفيض بالتقوى والتصديق لرسول الله صلى الله عليه وآله والخشوع لتحقق ما أخبر به. حديث رايات خراسان إلى القدس وقد رواه عدد من علماء السنة كالترمذي في سننه ج 3 ص 362 وأحمد في مسنده، وابن كثير في نهايته، والبيهقي في دلائله، وغيرهم. وصححه الحضرمي في رسالته في الرد على ابن خلدون. ونصه " تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء ". وروت شبيها به مصادرنا الشيعية كالملاحم والفتن لابن طاووس ص 43 و 58، ويحتمل أن يكون هذا الحديث جزء من الحديث المتقدم. ومعناه واضح، فهو يتحدث عن حركة عسكرية وجيش يزحف من ايران نحو القدس التي تسمى إيلياء وبيت إيل. قال في مجمع البحرين " إيل بالكسر فالسكون، إسم من أسمائه تعالى، عبراني أو سرياني. وقولهم جبرئيل وميكائيل واسرافيل بمنزلة عبد الله وتيم الله ونحوهما. وايل هو

[ 228 ]

البيت المقدس. وقيل بيت الله لان إيل بالعبرانية الله " وقال في شرح القاموس " إيلياء بالكسر، يمد ويقصر، ويشدد فيهما. إسم مدينة القدس ". وقد نص علماء الحديث على أن هذه الرايات الموعودة ليست رايات العباسيين. قال ابن كثير في النهاية تعليقا على هذا الحديث " هذه الرايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم فاستلب بها دولة بني أمية. بل رايات سود أخرى تأتي صحبة المهدي ". بل وردت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله تميز بين رايات العباسيين التي هدفها دمشق، وبين رايات أصحاب المهدي عليه السلام التي هدفها القدس. منها ما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 84 و 85 وغيرها، عن محمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله " تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس فتمكث ما شاء الله. ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان وأصحابه، من قبل المشرق، يؤدون الطاعة للمهدي ". وقد حاول بنو العباس استغلال أحاديث الرايات السود في ثورتهم على الامويين، وعملوا لاقناع الناس بأن حركتهم ودولتهم وراياتهم مبشر بها من النبي صلى الله عليه وآله وأن المهدي الموعود منهم، وقد سمى ابو جعفر المنصور ولده المهدي، وحاول أن يشهد القضاة والرواة أن أوصاف المهدي الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله تنطبق عليه. الخ. وقصص ادعاء العباسيين للمهدية، واتخاذهم الرايات السود والثياب السود مشهورة مدونة في كتب التاريخ. وقد يكون ذلك نفعهم في أول الامر، ولكن سرعان ما كشف زيفه العلماء ورواة الحديث والائمة من أهل البيت عليهم السلام، ثم كشف زيفه الواقع حيث لم يكن أحد منهم بصفات المهدي الموعود عليه السلام، ولا تحقق على يده ما وعد به النبي صلى الله عليه وآله.

[ 229 ]

بل تذكر بعض الروايات أن الخلفاء العباسيين المتأخرين قد اعترفوا بأن قضية ادعاء آبائهم للمهدية كانت من أصلها مجعولة ومكذوبة. ويبدو أن ادعاء المهدية كان أشبه بالموجه في أواخر القرن الاول الهجري، حيث رزح المسلمون تحت وطأة التسلط الاموي، ولمسوا ظلامة أهل البيت عليهم السلام، فانتشر بينهم تداول أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عن ظلامة أهل بيته والبشارة بمهديهم. فكان ذلك أرضية لا دعاء المهدية لعديدين من بني هاشم، ومن غيرهم أيضا مثل موسى بن طلحة بن عبيد الله. ويبدو أن عبد الله بن الحسن المثنى كان أبرع من ادعاها لولده محمد، فقد خطط لذلك منذ طفولة ابنه هذا أو منذ ولادته فسماه محمدا لان المهدي عليه السلام على اسم النبي صلى الله عليه وآله ثم رباه تربية خاصة، وحجبه عن الناس وأشاع حوله الاساطير وأنه هو المهدي. قال في مقاتل الطلبيين ص 239 " لم يزل عبد الله بن الحسن منذ كان صبيا يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه ويسمى بالمهدي " وقال في ص 244 " لهجت العوام بمحمد تسميه بالمهدي " بل كان العباسيون أيضا يروجون لهذا الا دعاء قبل أن ينقلبوا على حلفائهم الحسنيين، فقد روى في ص 239 عن عمير بن الفضل الخثعمي قال " رأيت أبا جعفر المنصور يوما وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار ابنه وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود وأبو جعفر ينتظره، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بردائه حتى ركب ثم سوى ثيابه على السرج ومضى محمد، فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمدا: من هذا الذي أعظمته هذا الاعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه ؟ قال: أو ما تعرفه ؟ قلت: لا. قال: هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مهدينا أهل البيت ! ". وأكثر الظن أن العباسيين تعلموا ادعاء المهدية من هؤلاء الحسنيين حلفائهم وشركائهم في الثورة على الامويين. وليس هذا موضع التفصيل.

[ 230 ]

على أي حال، لا شك عند أهل العلم بالحديث والاطلاع على التاريخ، في أن الرايات السود الموعودة في هذا الحديث الشريف وغيره هي الرايات الممهدة للمهدي عليه السلام. حتى لو فرضنا صحة الروايات التي تخبر برايات بني العباس أيضا، لما عرفت من وجود أحاديث تميز بينهما، ولشهادة الواقع وعدم ظهور المهدي من العباسيين وغيرهم. ولما أشرنا من أن هدف رايات العباسيين دمشق، وهدف رايات أنصار المهدي عليه السلام القدس. وبالرغم من اختصار هذا الحديث الشريف في الرايات السود، الا أن فيه بشارة بوصولها إلى هدفها، مهما كانت العقبات التي تعترض طريقها إلى القدس. أما زمن هذا الحدث فغير مذكور في هذه الرواية، ولكن تذكر روايات أخرى أن قائد هذه الرايات يكون صالح بن شعيب الموعود، كما في مخطوطة ابن حماد ص 84 عن محمد بن الحنفية قال " تخرج رايات سود لبني العباس، ثم تخرج من خراسان أخرى قلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له صالح من تميم، يهزمون أصحاب السفياني، حتى ينزل ببيت المقدس فيوطئ للمهدي سلطانه " ويبدو أن المقصود بها في هذه الرواية حملة الامام المهدي عليه السلام لتحرير فلسطين والقدس. ولكن لا مانع أن تخرج هذه الرايات قبل صالح بن شعيب نحو القدس كما تقدم في أحداث بلاد الشام، وأن القوات الايرانية تكون فيها قبل السفياني. حديث الطالقان وقد وردت له رواية في مصادر السنة عن علي عليه السلام، كما في

[ 231 ]

الحاوي للسيوطي ج 2 ص 82 وكنز العمال ج 7 ص 262 تقول " ويحا للطالقان، فإن الله عزوجل بها كنورا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجالا عرفوا الله حق معرفته. وهم أنصار المهدي آخر الزمان " وفي رواية ينابيع المودة للقندوزي ص 449 " ؟ ؟ ؟ للطالقان ". وورد في مصادرنا الشيعية بلفظ آخر، كما في البحار ج 52 ص 307 عن كتاب سرور أهل الايمان لعلي بن عبد الحميد بسنده عن الامام الصادق عليه السلام قال " له كنز بالطالقان ما هو بذهب ولا فضة، وراية لم تنشر مذ طويت. ورجال كان قلوبهم زبر الحديد، لا يشوبها شك في ذات الله، أشد من الجمر، لو حملوا على الجبال لا زالوها، لا يقصدون براياتهم بلدة الا خربوها. كأن على خيولهم العقبان. يتمسحون بسرج الامام يطلبون بذلك البركة. ويحفون به يقونه بأنفسهم في الحروب. يبيتون قياما على أطرافهم. ويصبحون على خيولهم. رهبان بالليل، ليوث بالنهار. هم أطوع من الامة لسيدها. كالمصابيح، كأن في قلوبهم القناديل، وهم من خشيته مشفقون. يدعون بالشهادة ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله. شعارهم يا لثارات الحسين. إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر. يمشون إلى المولى أرسالا. بهم ينصر الله إمام الحق ". وقد كنت أرى أن المقصود بالطالقان في هذه الاحاديث المنطقة الواقعة في سلسلة جبال آلبرز، على بعد نحو مئة " كلم " شمال غرب طهران. وهي منطقة مؤلفة من عدة قرى تعرف باسم الطالقان، وليس فيها مدينة. واليها ينسب المرحوم آية الله السيد محمود الطالقاني الذي كان من شخصيات الثورة الاسلامية البارزة. وفي أهل منطقة الطالقان خصائص من الصفاء والتقوى والتعلق بالقرآن وتعليمه من قديم، حتى أن أهل شمال ايران وغيرهم يأتون إلى قرى الطالقان ليأخذوا معلمي القرآن يقيمون عندهم بشكل دائم، أو في المناسبات.

[ 232 ]

ولكن بعد التأمل ترجح عندي أن المقصود بأهل الطالقان أهل ايران، وليس خصوص منطقة الطالقان، وأن الائمة عليهم السلام سموهم باسم هذه المنطقة من بلادهم لمميزاتها الجغرافية، ولميزات أهلها. وأحاديث الطالقان تتحدث عن مجموعة من أصحاب المهدي عليه السلام وأنصاره، ولا تحدد عددهم، وهل هم جماهير المهدي وجيشه، أو أصحابه الخاصون فقط. ؟ والمفهوم من الحديث الوارد في مصادر السنة أنهم أصحابه الخاصون حيث يتركز الحديث على نوعيتهم. ولكن حديث بحار الانوار يتحدث عن الكمية أيضا وعن جيش ورايات فاتحة، مضافا إلى النوعية. كما أن أحاديث الطالقان تتركز على الايرانيين مع المهدي عليه السلام ومشاركتهم في حركته بعد ظهوره، ولا تنص على دورهم في التمهيد له قبل ظهوره. وقد تضمنت صفات عظيمة لهؤلاء الاولياء والانصار، وشهادات عالية من الائمة عليهم السلام بحقهم. بأنهم عرفاء بالله تعالى. وأهل بصائر ويقين. وأهل بطولة وبأس في الحرب. يحبون الشهادة في سبيل الله تعالى، ويدعون الله تعالى أن ينيلهم إياها. وانهم يحبون سيد الشهداء أبا عبد الله الحسين عليه السلام، وشعارهم الثأر له وتحقيق هدف وثورته. وأن اعتقادهم بالمهدي عليه السلام عميق، وحبهم له شديد. وهي صفات ظاهرة في الشعب الايراني. وقد أصبحت تيارا في شبابهم.

[ 233 ]

هل تدل أحاديث الممهدين على بدء عصر الظهور إن المتأمل في الاحاديث الواردة حول دور الايرانيين في عصر الظهور يخرج منها بنتيجتين واضحتين، الاولى: أن من المؤكد أنه صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة من أهل بيته (ع) مدح للايرانيين. وأنا مهما ناقشنا في تطبيق هذه الاحاديث على دورهم التاريخي في حمل الاسلام وخدمة علومه وحضارته، بمقاييسنا القومية، أو الشيعية، أو السنية، فلا يمكن أن نناقش في دورهم المميز الموعود الذي أخبرت عنه الاحاديث المستفيضة في التمهيد للمهدي الموعود عليه السلام. فهذه الاحاديث تخبر بوضوح بأن الظهور العالمي الموعود للاسلام في مثل قوله تعالى " ليظهره على الذين كله " يتحقق في آخر الزمان بخطين من التحرك نحو القدس: تحرك جماهيري وعسكري من منطقة ايران ذات الكثافة السكانية والولاء لاهل البيت عليهم السلام. وتحرك ثان من اليمن ومكة المكرمة والحجاز. وأن هذين التحركين يلتقيان في العراق، ثم يتجهان بقيادة الامام المهدي عليه السلام نحو القدس. والثانية: أنا قد دخلنا في عصر الظهور الذي تصفه الاحاديث الشريفة، وقد تحققت المرحلة الاولى من حركة الايرانيين الممهدين على يد الرجل الموعود من قم، وطرحت ثورتهم هدفها في الزحف نحو القدس وقتال اسرائيل، وهي الان تواجه العقبات التي وضعوها في طريقها. وهي تنتظر ظهور الرجلين الموعودين من قادتها: السيد الخراساني، وقائد قواته الشاب الاسمر من أهل الري المسمى في الاحاديث شعيب بن صالح، وفي

[ 234 ]

بعضها صالح بن شعيب، الذي ينصبه السيد الخراساني أول ما يتولى الامر قائدا لقوات الايرانيين، ثم ينصبه الامام المهدي عليه السلام قائدا لقواته كلها. وبما أن هذه النقطة جوهرية في البحث، أعنى إثبات أن عصر الظهور المهدي عليه السلام قد بدأ بحركة الثورة الاسلامية في ايران. لذا نعيد ذكر أدلته مجملا من الاحاديث المتقدمة وغيرها. فقد يقال: نعم، إن ظهور المهدي عليه السلام ثابت وقطعي، فهو عندنا من أصول مذهبنا، وهو عند الفريقين من وعد الله عزوجل على لسان نبيه الصادق الامين (ع) وأهل بيته الطاهرين (ع). كما أن من المقطوع به أيضا من مجموع الاحاديث الواردة في مصادر الفريقين أن الايرانيين يمهدون لظهوره ويوطئون له سلطانه. ولكن تمهيدهم المنصوص عليه بنحو قطعي يبدأ بظهور الشخصيتين الموعودتين فيهم: السيد الخراساني، وقائد قواته شعيب بن صالح، ووقت ظهور هذين الرجلين بحسب مصادرنا الشيعية مقارن لخروج السفياني واليماني، وبحسب المصادر السنية يكون بين ظهورهما وبين أن يسلما الراية إلى المهدي اثنان وسبعون شهرا، أي ست سنوات. أما أن تكون الثورة الفعلية على يد الامام الخميني من أحداث التمهيد الموعودة، وأنها متصلة بظهوره عليه السلام أو قريبة ولو نسبيا منه، أو من ظهور الخراساني وشعيب. فذلك أمر ظني نحبه ونتمناه، ولكن لا يستفاد من الاحاديث الشريفة الواردة حول هذه الثورة أو التي يمكن تفسيرها بها، أكثر من الظن والترجيح. وعلى هذا يبقى احتمال أن تكون المدة الفاصلة بينها وبين عصر الظهور عشرات القرون، أو مئات القرون. هذا خلاصة ما قد يستشكل به على الحكم بأن عصر ظهور المهدي عليه

[ 235 ]

السلام قد بدأ. وينبغي الالفات أولا إلى أن مقصودنا بعصر الظهور ليس سنوات محددة بعشر سنوات أو عشرين مثلا، بل المقصود أن الاحداث الموعودة والمنصوص على أنها مقدمات ظهوره المتصلة بظهوره عليه السلام قد بدأت. وبشكل خاص حدثين اثنين منها: أولهما: فتنة الغربيين والشرقيين الشاملة لكل المسلمين، وما يتولد عنها من فتنتهم في فلسطين المسماة في الاحاديث باسم " فتنة فلسطين ". وثانيهما: قيام الدولة الاسلامية في ايران. فالمقصود بعصر الظهور هو المعنى المتعارف من قولنا عصر هزيمة اسرائيل، أو عصر الثورات، أو عصر الاسلام. وإن شئت فقل قرن الظهور وجيل الظهور لان الحديث الوارد عن الامام الباقر عليه السلام يقدر المدة بين بداية ثورة الايرانيين وظهور المهدي عليه السلام بعمر إنسان ويقول " أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر ". والاحاديث التي تدل على أن عصر الظهور قد بدأ كثيرة، وهي تكفي بمجموعها لحصول الاطمئنان لمن تأمل فيها وفي تطبيقها على عصرنا وأحداثه من باب دليل التواتر الاجمالي. بل الانصاف أن بعضها بمفرده يكفي لحصول الاطمئنان ببدء عصر الظهور. فبماذا نفسر أحاديث الفتنة الاخيرة التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله أنها ستقع على أمته وتدخل كل بيت من بيوت المسلمين، ثم تنجلي بظهور المهدي عليه السلام. بغير هذه الفتنة الغربية العمياء الصماء وما تولد عنها من فتنة فلسطين، التي ورد النص عليها باسمها " إذا ثارت فتنة فلسطين تردد في بلاد الشام تردد الماء في القربة " مخطوطة ابن حماد ص 63، وأنها تتراوح على بلاد الشام بشكل خاص، أي على المنطقة المحيطة بفلسطين، حتى يمخض أهلها مخض الماء في القربة.

[ 236 ]

إن نظرة متأملة في أحاديث الفتنة الاخيرة المتواترة اجمالا، وفتنة فلسطين وبلاد الشام المتولدة منها، ونظرة إلى تاريخ الامة الاسلامية وحاضرها. توجب العلم بأن هذه الاحاديث تقصد فتنة التسلط الغربي والشرقي المعاصرة، والمنصوص على اتصالها بظهور المهدي عليه اسلام. وإن نماذج الاحاديث التي ذكرناها منها في فصل " الفتنة الغربية والشرقية " آحاد من عشرات الاحاديث. ومن أعجب ما فيها تسمية فتنة فلسطين باسمها، ووصفها بأوصافها !. وبماذا نفسر أحاديث ظهور الخراساني وشعيب التي يفهم منها بوضوح أن هذين الرجلين الموعودين يظهران في ايران بعد قيام دولة اسلامية فيها ودخولها في حرب طويلة، وأنهما يتسلمان منصبيهما ويقودان جيشهما مباشرة ويخوضان حرب التمهيد للمهدي عليه السلام في منطقة فلسطين. فهل يظهران يقودان جيشهما وشعبهما مباشرة من فراغ، دون أن يسبقهما تمهيد لهما. ؟ كلا. بل إن هذا النوع من ظهورهما المنصوص عليه يستلزم أن تكون أرضية المسلمين في ايران مهيأة وجاهزة لهما. ليس من ناحية عقائدية فقط، بل مهيأة أيضا بوجود وضع سياسي في العالم وفي المنطقة، وبداية للصراع بين الايرانيين الممهدين وأعدائهم. ولذا تذكر بعض الاحاديث أن الايرانيين يرون أن الحرب قد طالت عليهم فيولون الخراساني وهو كاره، وعندما يتولى يأتي بصاحبه شعيب بن صالح، ويجعله قائد قواته. وبماذا نفسر حديث " يطلبون الحق فلا يعطونه " الوارد في مصادرنا الشيعية عن الامام الباقر عليه السلام قال " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم. فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يقوموا. ولا يدفعونها الا إلى صاحبكم. قتلاهم

[ 237 ]

شهداء. أما اني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر " البحار ج 52 ص 243 والذي ينطبق على الثورة الاسلامية الايرانية كما مر في تفسيره في حديث أهل المشرق والروايات السود. ومر أيضا ما ورد في حديث آخر " فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلون " البحار ج 51 ص 83. وما دام ينطبق على حركة الايرانيين الحاضرة، فهل نفسره بأن النبي صلى الله عليه وآله والامام الباقر (ع) يخبران عن حركة للايرانيين سوف تكون في المستقبل ونغمض عيوننا عن انطباقه على ما حدث ويحدث ! أم هل نفسره بأنه ينطبق على حركتهم هذه وعلى حركة أخرى لهم بنفس الصفات ونفس الظروف السياسية تكون بعد قرون مثلا ! وهل يقبل هذا التفسير فكر مستقيم ؟ وبماذا نفسر أحاديث قم المتقدمة ومكانتها العالمية الموعودة على لسان الائمة من أهل البيت عليهم السلام، والمنصوص على أنها قرب ظهور المهدي عليه السلام ومتصلة بظهوره. والرجل الموعود منها وأصحابه وقومه الذين لا يملون من الحرب ولا يجبنون. ونحن نرى أن قما كانت حتى الامس مدينة مستضعفة، وحوزة علمية أكثر استضعافا. وكان تأثيرها محدودا في نطاق العالم الشيعي، بل في نطاق متديني الشيعة. وإذا باسمها وثورتها ومنهجها وطرحها يملا اسماع شعوب العالم ! ويبدأ طرحها وخطها يسري في قلوب المسلمين ومجتمعاتهم، ويبدأ العلم يفيض منها إليهم. ! وما دامت الاحاديث الشريفة عن قم وثورتها والرجل الموعود منها تنطبق على ثورة قم المعاصرة وعلى الامام الخميني وقومه، فهل من المنطقي أن نفسرها بأنها تخبر عن موقع عالمي يكون لقم في السمتقبل بعد عشرات السنين أو القرون، وعن رجل يظهر منها ويكون له ولثورته ودولته وقومه هذه الصفات. ونغمض أعيننا عن انطباقها على ما حدث ؟ !

[ 238 ]

وإذا صح ذلك في الرجل الموعود من قم، فكيف يصح في أحاديث موقع قم العالمي الموعود ؟ وماذا نصنع بالنصين على أن هذا الموقع يكون قرب الظهور ويستمر إلى الظهور " وذلك قرب ظهور قائمنا، فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجة " " وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره " البحار ج 60 ص 213. والحق أن المناقشة في انطباق عدد من الاحاديث الشريفة على ما حدث في قم وايران، ومحاولة صرف ألفاظها الواضحة عن ظواهرها، والتشكيك في دلالتها وانطباقها. ما هي الا جدل ناشئ من موقف مسبق وحالة ضعف في تصديق النبي (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع). بل الانصاف أن عدم حصول العلم والاطمئنان من التواتر الاجمالي المتحقق في عدد من الاحاديث لا يخلو من حالة الجدل والريب أيضا.. أعاذنا الله وجميع المسلمين من مثله. ظهور الخراساني وشعيب في ايران تذكر الاحاديث هاتين الشخصيتين من أصحاب المهدي عليه السلام، وأنهما يظهران في ايران قرب ظهوره ويشاركان في حركة ظهوره. وخلاصة دورهما كما يستفاد من مصادر السنة وبعض روايات مصادرنا، أن الايرانيين يكونون في حرب مع أعدائهم، وعندما يرون أن الحرب قد طالت عليهم يولون هذا الخراساني عليهم، ولايكون هو راغبا في ذلك، ولكنهم يصرون عليه. وعندما يتولى قيادة ايران يوحد قواتها المسلحة ويعين صاحبه شعيب بن صالح قائدا عاما لها.

[ 239 ]

ويدير الخراساني وشعيب الحرب على الحدود الايرانية التركية العراقية، ويسحبان قواتهما التي تكون في الشام، وفي نفس الوقت يستعدان للزحف الكبير إلى فلسطين والقدس، عبر العراق والشام. في هذه الاثناء يواجه الخراساني تطورات سياسية وعسكرية على جبهتين: جبهة العراق حيث يزداد فيه نفوذ السفياني ويتحرك جيشه لاحتلاله، وتعترضه في الطريق معركة قرقيسيا مع " الترك " كما ذكرنا في حركته. وجبهة الحجاز، حيث يظهر المهدي عليه السلام في مكة، ويحررها ويستقر فيها. بينما يكون حكم الحجاز بيد بقايا بني فلان، وقوى القبائل المحلية. ويبدو من الاحاديث أن فكرة إرسال قوات ايرانية إلى الحجاز لا تكون واردة، إما بسبب الظروف السياسية العالمية والمحلية، وإما لان المهدي عليه السلام لا يوافق على ذالك، لانه مأمور أن ينتظر في مكة حتى يقصد إليها جيش السفياني، فتحدث معجزة الخسف التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وآله، وتكون آية للمسلمين. على أن من المحتمل أن يرسل الخراساني بعض قواته إلى مكة لنصرة المهدي عليه السلام، لان الاحاديث تذكر أنه عليه السلام يخرج من مكة بعد معجزة الخسف، بجيش يبلغ بضعة عشر ألفا. من المرجح أن تتكون هذه القوات من أصحابه الخاصين والمؤمنين الذين يتوفقون للوصول إلى مكة، ومن قوات اليمانيين، والقوات التي يستطيع الخراساني أو يوصلها إلى مكة. وعلى جبهة العراق، يلاحظ في أحاديث الخراساني وصاحبه شعيب، أنه يقوم بسحب قواته من قرب معركة قرقيسيا التي تدور بين السفياني

[ 240 ]

و (الترك) ويقرر الخراساني أن لا يكون طرفا فيها. كما يلاحظ أن قوات الخراساني تتأخر عن دخول العراق مع قربه، ومعرفتهم بتحرك السفياني لاحتلاله، فتدخل قوات السفياني قبلهم بثمانية عشر يوما، وتعيث في العراق فسادا وتقتيلا. في مخطوطة ابن حماد ص 84 " يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من أهلها ستين ألفا، ثم يمكث فيها ثمانية عشرة ليلة. وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون ". وقد يكون سبب هذا التأخر انشغال قواتهم في مواجهة بعض أعدائهم في الخليج أو غيره، أو بمعالجة اضطراب داخل ايران كما تشير إليه بعض الروايات. وقد يكون سببا سياسيا، وأنهم ينتظرون المبرر السياسي لدخول العراق. ولكن الرواية التالية عن الامام الباقر عليه السلام تشير إلى أن السبب عسكري " حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني. يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان، هذا من هنا وهذا من هنا " البحار ج 52 ص 232، حيث قد يفهم منه أنه تسابق يخضع للظروف العسكرية وإعداد القوات. ولا تذكر الروايات أن الايرانيين يرسلون قواتهم لمساعدة الامام المهدي عليه السلام في تحرير المدينة المنورة أو باقي مدن الحجاز، ويبدو أنه لا تكون حاجة إلى ذلك. ولهذا تكتفي قواتهم التي تدخل العراق بإعلان ولائها وبيعتها للمهدي عليه السلام " تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان (إلى) الكوفة. فإذا ظهر المهدي بعثت إليه بالبيعة " البحار ج 52 ص 217. ومن جهة أخرى، تذكر الروايات حركة الايرانيين واحتشادهم في جنوب ايران، التي يحتمل أن تكون زحفا جماهيريا باتجاه الحجاز نحو الامام

[ 241 ]

المهدي عليه السلام " إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي " ابن حماد ص 86. وتذكر بعض الروايات أن هذا الاحتشاد يكون بقيادة الخراساني في " بيضاء إصطخر " قرب الاهواز، وإن الامام المهدي عليه السلام يتوجه بعد تحريره الحجاز إلى بيضاء اصطخر، ويلتقي بأنصاره الخراساني وجيشه، وأنهم يخوضون بقيادته معركة هناك ضد السفياني. ومن المحتمل أن تكون هذه المعركة المذكورة مع قوات بحرية من الروم إلى جانب قوات السفياني، كما سنذكر في حركة الظهور، ويؤيده أنها تكون معركة فاصلة تفتح الباب أمام المد الشعبي المؤيد للمهدي عليه السلام " فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه " ابن حماد ص 86. ومنذ ذلك الحين، يصبح الخراساني وشعيب من أصحاب الامام المهدي الخاصين، ويصبح شعيب القائد العام لجيش الامام المهدي عليه السلام، وتكون قوات الخراسانيين هي الثقل أو ثقلا في جيش المهدي، الذي يعتمد عليه في تصفية الوضع الداخلي في العراق من المعادين له والخوراج عليه، ثم في قتال الترك (الروس)، ثم في زحفه العظيم لفتح القدس وفلسطين. هذه خلاصة دور هذين الرجلين الموعودين من ايران، كما يستفاد من أحاديثهما الكثيرة في مصادر السنة، والقليلة في مصادرنا. وقد جعلتني هذه الظاهرة أعيد التتبع والتأمل في أحاديث الخراساني وشعيب في مصادرنا، آخذا بعين الاعتبار احتمال أن تكون من موضوعات العباسيين في أبي مسلم الخراساني. ولكني وجدت فيها روايات صحيحة السند تذكر الخراساني، مثل رواية أبي بصير عن الامام الصادق عليه السلام

[ 242 ]

في اليماني وغيرها. ووجدت روايات تدل على أن أمر هذا الخراساني الموعود كان معروفا عند أصحاب الائمة عليهم السلام قبل خروج أبي مسلم الخراساني، وادعاء العباسيين انطباق أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عليه وعليهم. فأمر الخراساني ثابت في مصادرنا أيضا. ودوره الذي تشير إليه الروايات قريب من دوره الذي تذكره الروايات الواردة في مصادر السنة. وكذلك في الجملة أمر صاحبه شعيب في مصادرنا، وان كانت روايات الخراساني أقوى من رواياته بكثير. والاسئلة حول شخصية الخراساني وشعيب متعددة، ومن أبرزها: هل أن المقصود ب‍ " الخراساني " في هذه الاحاديث رجل معين، أم هو تعبير عن قائد ايران الذي يكون في زمن ظهور المهدي عليه السلام ؟ أما رواياته الواردة في مصادر السنة، وكذا في مصادرنا المتأخرة، فهي تدل بوضوح على أنه رجل من ذرية الامام الحسن أو الامام الحسين عليهما السلام، وتسميه الهاشمي الخراساني، وتذكر صفاته البدنية وأنه صبيح الوجه، في خده الايمن خال، أو في يده اليمنى خال. الخ. وأما رواياته الواردة في مصادر الدرجة الاولى عندنا، مثل غيبة النعماني وغيبة الطوسي فهي تحتمل تفسيره بصاحب خراسان أو قائد أهل خراسان أو قائد جيشهم، لانها تعبر ب‍ " الخراساني " فقط، ولا تنص على أنه هاشمي أيضا. ولكن مجموعة القرائن الموجودة حوله تدل على أنه شخص معين، يكون خروجه مقارنا لخروج السفياني واليماني، وأنه يرسل قواته إلى العراق فتهزم قوات السفياني. ومنها، هل يمكن أن يكون اسم الخراساني وشعيب إسمين رمزيين

[ 243 ]

لاحقيقيين ؟ أما الخراساني فليس فيه مجال للرمزية لان الروايات لم تذكر اسمه، نعم يمكن القول إن نسبته إلى خراسان لا تعني بالضرورة أن يكون من محافظة خراسان الفعلية، فإن اسم خراسان والنسبة إليها يستعمل في صدر الاسلام بمعنى بلاد المشرق، التي تشمل ايران والمناطق الاسلامية المتصلة بها، التي هي الان تحت الاحتلال الروسي، فقد يكون هذا الخراساني من أبناء أي منطقة منها، ويصح تسميته الخراساني. كما لا يفهم من مصادر الدرجة الاولى عندنا أنه سيد حسني أو حسيني، كما تنص على ذلك المصادر عند إخواننا السنة. وأما شعيب بن صالح أو صالح بن شعيب، فتذكر الروايات أوصافه، وأنه شاب أسمر نحيل، خفيف اللحية. وأنه صاحب بصيرة ويقين، وتصميم لايلين، وأنه رجل حرب من الطراز الاول، لاترد له راية ولو استقبلته الجبال لهدها واتخذ فيها طرقا. الخ ومن المحتمل أن يكون إسمه رمزيا من أجل المحافظة عليه حتى يظهر أمر الله فيه، وأن يكون اسمه واسم أبيه مشابهين لشعيب وصالح، أو بمعناهما. وتذكر بعض الروايات أنه من أهل سمرقند التي هي الان تحت الاحتلال الروسي، ولكن أكثر الروايات تذكر أنه من أهل الري، وأن له علاقة ببني تميم، أو من تميم محروم، وهم فرع من بني تميم، أو أنه مولى لبني تميم. وإذا صح ذلك، فيمكن أن يكون أصله من جنوب ايران حيث توجد إلى الان عشائر من بني تميم. أو من بني تميم الذين استوطنوا من صدر الاسلام في محافظة خراسان، وذاب أكثرهم في الشعب الايراني، وبقي منهم إلى اليوم بضعة قرى قرب مشهد يتكلمون العربية. أو تكون له علاقة نسبية بهم. ومنها، السؤال عن وقت ظهورهما. وقد تقدم في أول هذا الفصل أن

[ 244 ]

المرجح أن يكون في سنة ظهور المهدي عليه السلام، مقارنا لخروج السفياني واليماني. وان كان من المحتمل صحة الرواية التي تقول " يكون بين خروجه " أي شعيب " وبين أن يسلم الامر للمهدي اثنان وسبعون شهرا " ابن حماد ص 84، فيكون ظهورهما قبل ظهور المهدي عليه السلام بنحوست سنوات. أما المدة الفاصلة بين بداية دولة الممهدين الايرانيين على يد رجل من قم، وبين ظهور الخراساني وشعيب، فهي غير محدودة في الروايات كما ذكرنا، ما عدا بعض الاشارات والقرائن التي تصلح أن تكون دليلا على التحديد الاجمالي. منها، ما ورد عن قم وما يحدث لها من موقع ديني وفكري عالمي، وأن ذلك يكون " قرب ظهور قائمنا " البحار ج 60 ص 213. وما ورد عن الامام الباقر عليه السلام من قوله " أما إني لو أدركت ذلك لابقيت نفسي لصاحب هذا الامر " البحار ج 52 ص 243، الذي يدل على أن المدة بين ظهوره عليه السلام وبين قيام دولة أهل المشرق ودخولهم في حرب مع أعدائهم، لا يزيد عن عمر إنسان. ومنها، الحديث الذي تقدم " أتاح الله برجل منا أهل البيت، يشير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا. والله إني لاعرفه باسمه واسم أبيه. ثم يأتينا الغليظ القصرة. ذو الخال والشامتين الحافظ لما استودع يملؤها عدلا وقسطا " البحار ج 52 ص 269، والذي يدل على بداية دولة أنصار المهدي عليه السلام أولا على يد سيد من أبناء أهل البيت عليهم السلام، ومن المرجح أن ينطبق ذلك على السيد الخميني، وأن يكون بعده قبل ظهور المهدي عليه السلام شخص أو أكثر، لان الحديث ناقص كما ذكرنا. فيكون الخراساني آخر من يحكم ايران قبل المهدي عليه السلام أو مع آخر من يحكمها.

[ 245 ]

والسؤال الاخير عن الخراساني، هل يكون مرجع تقليد وولي الامر، أم يكون قائدا سياسيا إلى جانب المرجع، كأن يكون رئيس جمهورية أو أحد كبار معاوني المرجع القائد مثلا ؟ فالذي - يبدو من أحاديثه أنه القائد الاعلى لدولة أهل المشرق، ولكن يبقى احتمال أن يكون قائدا سياسيا بإمرة المرجع والقائد الاعلى، أمرا واردا والله العالم.

[ 247 ]

حركة الظهور المقدس " يظهر في شبهة ليستبين " تدل الاحاديث الشريفة على أن حركة الامام المهدي وثورته المقدسة أرواحنا فداه، تتم في أربعة عشر شهرا. يكون في الستة أشهر الاولى منها خائفا يترقب، يوجه الاحداث سرا بواسطة أصحابه وأنصاره. وفي الثمانية أشهر التالية، يظهر في مكة ويتوجه إلى المدينة فالعراق فالقدس، ويخوض معاركه معه أعدائه، ويوحد العالم الاسلامي تحت حكمه، ثم يعقد الهدنة مع الروم، أي الغربيين. كما سيأتي. يقع حدثان قبل حركة ظهور المهدي عليه السلام بنحو ستة أشهر يكونان بمثابة الاشارة الالهية له بأن يبدأ الاعداد لحركة ظهوره المقدسة. الحدث الاول: وقوع انقلاب في بلاد الشام بقيادة عثمان السفياني. أما أكثر فيحسبون أنه واحد من تلك الانقلابات التي تعودوا على وقوعها في البلاد العربية والاسلامية. وأما أعداء الامة من اليهود والغربيين، فيرون فيه خطوة موفقة في

[ 248 ]

توحيد المنطقة المحيطة بفلسطين بيد زعامة قوية موالية لهم، تقوم بضبط أوضاعها بقوة، وتمنع العمليات العسكرية ضدهم. والاهم من ذلك أنها قوة عسكرية من المنطقة تقف في وجه تطلعات القوات الايرانية للزحف نحو القدس، وتشغلها على حدود العراق. أما الذين يعرفون أحاديث السفياني، وأن أمره موعود من لسان النبي صلى الله عليه وآله فيقولون صدق الله ورسوله. سبحان ربنا، إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويتطلعون بقلوبهم إلى ظهور المهدي الموعود أرواحنا فداه، وتكثر أحاديثهم عنه، وعن الاستعداد لنصرته. والحدث الثاني: نداء من السماء إلى شعوب العالم يسمعونه جميعا، أهل كل لغة بلغتهم، قويا عميقا رخيما، آتيا من السماء ومن كل صوب.. فلا يبقى نائم الا استيقظ، ولا قاعد الا نهض، ويفزع الناس من صيحته ويخرجون من يبوتهم لينظروا ما الخبر ! وهو يدعوهم إلى وضع حد للظلم والكفر والصراع وسفك الدماء، ويدعوهم إلى اتباع الامام المهدي عليه السلام، ويسميه باسمه واسم أبيه ! وتذكر الاحاديث الشريفة أن أعناق البشر تخضع لهذه الاية الالهية الموعودة، لانها تأويل قوله تعالى " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " ولابد أنه يعم العالم سؤال ملح يتردد على ألسنة الناس وفي وسائل الاعلام: من هو المهدي ؟ وأين هو ؟ ولكن ما أن يعرفوا أنه امام المسلمين، من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وأنه سيظهر في الحجاز، حتى يبدؤوا بالتشكيك بالنداء المعجزة، وبالتخطيط لضرب هذا المد الاسلامي الجديد، وقتل إمامه المهدي ! أما المؤمنون بالغيب، الذين سمعوا بأحاديث هذا النداء، فيعرفون أنه النداء الحق

[ 249 ]

الموعود، ويخرون للاذقان سجدا ويزيدهم خشوعا. وتكثر أحاديثهم عن المهدي عليه السلام، والبحث عنه، والاستعداد لنصرته. وأصل أحاديث هذا النداء، وأنه يدعو الناس إلى اتباع الامام المهدي عليه السلام ويسميه باسمه واسم أبيه، كثيرة في مصادر الشيعة والسنة، ولا يبعد بلوغها حد التواتر المعنوي. وقد رواها ابن حماد في مخطوطته في الصفحات 59 و 60 و 92 و 93 وغيرها. ورواها المجلسي في البحار ج 52 ص 119 و 287 و 289 و 290 و 296 و 300 وغيرها. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إنه ينادي باسم صاحب هذا الامر مناد من السماء: الامر لفلان بن فلان، ففيم القتال " البحار ج 52 ص 396. وعنه عليه السلام قال " هما صيحتان: صيحة في أول الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية. قال هشام بن سالم فقلت: كيف ذلك ؟ قال: واحدة من السماء، وواحدة من إبليس. فقلت كيف تعرف هذه من هذه ؟ قال: يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون " البحار ج 52 ص 295. وعن محمد بن مسلم قال " ينادي مناد من السماء باسم القائم فيسمع ما بين المشرق والمغرب، فلا يبقى راقد إلا قام، ولا قائم الا قعد، ولا قاعد الاقام على رجليه من ذلك الصوت، وهو صوت جبرئيل الروح الامين " البحار ج 52 ص 290. وعن عبد الله بن سنان قال " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام (أي الامام الصادق) فسمعت رجلا من همدان يقول له: إن هؤلاء العامة يعيروننا ويقولون لنا: إنكم تزعمون أن مناديا ينادي من السماء باسم صاحب هذا الامر ! وكان متكئا فغضب وجلس، ثم قال: لا تروه عني، واروه عن أبي ولا حرج عليكم في ذلك. أشهد أني سمعت أبي عليه السلام يقول: والله إن ذلك في كتاب الله عزوجل بين

[ 250 ]

حيث يقول " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " البحار ج 52 ص 292. وعن سيف بن عميرة قال " كنت عند أبي جعفر المنصور فقال ابتداء: ياسيف بن عميرة لابد من مناد ينادي من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب. فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين، تروي هذا ! قال: إي والذي نفسي بيده لسماع أذني له. فقلت: يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعته قبل وقتي هذا. قال ياسيف، إنه لحق. فإذا كان ذلك فنحن أول من يجيبه، أما إنه نداء إلى رجل من بني عمنا. فقلت: رجل من ولد فاطمة عليها السلام ؟ قال: نعم، يا سيف لولا أني سمعته من أبي جعفر محمد بن علي ولو يحدثني به أهل الارض كلهم ما قبلته منهم. ولكنه محمد بن علي ! " الارشاد للمفيد ص 404. وفي مخطوطة ابن حماد ص 92 عن سعيد بن المسيب قال " تكون فتنة كان أولها لعب الصبيان، كلما سكنت من جانب طمت من جانب، فلا تتناهى حتى ينادي مناد من السماء: ألا إن الامير فلان. وفتل ابن المسيب يديه حتى أنهما لتنتفضان فقال: ذلكم الامير حقا، ثلاث مرات ". وفيها " إذا نادى مناد من السماء أن الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويشربون حبه، ولا يكون لهم ذكر غيره ". وفيها " حدثنا سعيد عن جابر عن أبي جعفر قال: ينادي مناد من السماء ألا أن الحق في آل محمد، وينادي مناد من الارض ألا إن الحق في آل عيسى أو قال العباس، أنا أشك فيه، وانما الصوت الاسفل من الشيطان ليلبس على الناس. شك أبو عبد الله نعيم ". وفي ص 60 عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال " إذا كانت صيحة في رمضان فإنه يكون معمعة في شوال وتمييز القبائل في ذي القعدة، وسفك الدماء في ذي الحجة. والمحرم وما المحرم، يقولها ثلاثا. هيهات هيهات يقتل الناس فيها هرجا

[ 251 ]

هرجا. قال، قلنا: وما الصيحة يا رسول الله ؟ قال هده في النصف من رمضان ليلة جمعة، فتكون هدة توقظ النائم وتقعد القائم، وتخرج العواتق من خدورهن. في ليلة جمعة في سنة كثيرة الزلازل، فإذا صليتم الفجر من يوم الجمعة فادخلوا بيوتكم وأغلقوا أبوابكم وسدوا كواكم، ودثروا أنفسكم، وسدوا آذانكم. فإذا أحسستم بالصيحة فخروا لله سجدا وقولوا: سبحان القدوس، سبحان القدوس. فإنه من فعل ذلك نجا، ومن لم يفعل ذلك هلك " إلى غير ذلك من الاحاديث الواردة في مصادر الفريقين. وهذا النداء الارضي المضاد الذي تذكره الاحاديث، قد يكون نداء إبليس حقيقة كما نادى يوم أحد: قتل محمد صلى الله عليه وآله ويحتمل أن يكون نداء إبليس بواسطة أعوانه أبالسة الاعلام العالمي، حيث تقترح عبقرياتهم مواجهة الموجة الاسلامية العالمية التي يحدثها النداء بنداء مشابه مضاد. وأما القتال الذي يدعو النداء السماوي إلى وقفه، فلا يبعد أن يكون الحرب العالمية التي تقدم الحديث فيها، وذكرنا أنها قد لا تكون حربا نووية، بل على شكل حروب متعددة، وفقا لما تذكره الاحاديث من أنه في سنة الظهور تكثر الحروب في الارض. كما ينبغي الالفات إلى أنه يوجد تفاوت بين الروايات في وقت النداء. فقد ذكر بعضها أنه يكون في شهر رمضان كما رأيت، وذكر بعضها أنه يكون في رجب كما في البحار ج 52 ص 789، وذكر بعضها أنه يكون في موسم الحج كما في مخطوطة ابن حماد 92، وفي محرم وبعد قتل النفس الزكية كما في ص 93، ويفهم من بعض الروايات أنها نداءات متعددة، بل ينص بعضها على ذلك. وقد أوصل أحد العلماء النداءات الواردة في مصادرنا الشيعية إلى ثمانية، وهي تقرب من ذلك في المصادر السنية. ولكن المرجح أنها نداء سماوي واحد في شهر رمضان، وأن تصور

[ 252 ]

أنه يكون متعددا نشأ من تفاوت الروايات في توقيته، والله العالم. بعد هاتين الايتين، أي بعد خروج السفياني في رجب، والنداء السماوي في رمضان، يكون بقي لظهور المهدي عليه السلام في محرم نحو ستة أشهر. وتذكر مصادر الحديث السنية عددا من أعماله عليه السلام في هذه الفترة، تتلخص باتصاله بأنصاره في المدينة المنورة ثم في مكة المكرمة، وبالتقائه مع الذين يأتون من أقطار العالم الاسلامي على شوق وتخوف يبحثون عنه ليبايعوه. ومنهم سبعة من العلماء من بلدان شتى يلتقون في مكة على غير ميعاد، ويكون كل واحد منهم أخذ البيعة من ثلاث مئة وثلاثة عشر متدينا مخلصا في بلده، وجاء يبحث عن المهدي عليه السلام ليبايعه عن نفسه وعن جماعته، طمعا في أن يقبلهم المهدي عليه السلام، فيكونون أصحابه الموعودين على لسان النبي صلى الله عليه وآله، وسيأتي ذكر ذلك. وفي مصادرنا الشيعية، تعتبر هذه الاشهر الستة مرحلة الظهور الخفي بعد الغيبة الكبرى التامة. والظاهر أنها المقصودة بالحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام " يظهر في شبهة ليستبين، فيعلو ذكره، ويظهر أمره " البحار ج 52 ص 3، والمعنى أنه عليه السلام يظهر أولا بالتدريج، ثم يتضح أمره للناس ويستبين. ويحتمل أن يكون المعنى أنه يظهر بالتدريج لكي يختبر أمره واستجابة الناس له ويستبين ذلك. ويدل على هذه الفترة أيضا مضافا إلى الخبر المتقدم عدة أخبار أخرى فيها صحيح السند، ومن أوضحها التوقيع الصادر منه عليه السلام إلى سفيره علي بن محمد السمري رضوان الله عليه قال " وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا ومن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر،

[ 253 ]

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " البحار ج 51 ص 361، والظاهر أن المقصود بمن يدعي المشاهدة قبل هذين الحدثين: من يدعي السفارة لصاحب الامر عليه السلام، وليس مجرد التشرف برؤيته أو خدمته دون ادعاء النيابة، أو دون التحدث بذلك. فقد استفاضت الروايات برؤيته عليه السلام من قبل العديدين من العلماء والاولياء الثقاة الاصحاء. ولعل هذا سبب التعبير بنفي المشاهدة لا الرؤية. ويدل التوقيع الشريف على أن الغيبة التامة الكبرى تنتهي بخروج السفياني والصيحة. وتكون الغيبة بعدها اختفاء شبيها بالغيبة الصغرى مقدمة للظهور، أي يكون فيها الامام عليه السلام متخفيا عن أعين الظالمين وأجهزة مخابراتهم، ولكنه يتصل بأنصاره، ويتشرف العديد منهم بلقائه، وقد ينصب سفراء يكونون واسطة بينه وبين المؤمنين. بل يبدو من الرواية التالية أنه يظهر بعد خروج السفياني ثم يختفي إلى وقت ظهوره الموعود في محرم، ففي رواية حذلم بن بشير عن الامام زين العابدين عليه السلام قال " فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يظهر بعد ذلك " البحار ج 52 ص 213، ولا تفسير لها على مذهبنا الا أنه عليه السلام يظهر للناس بعد خروج السفياني في رجب، ثم يختفي إلى وقت ظهوره المحدد في محرم. ولم تحدد الرواية هل يكون هذا الظهور قبل النداء السماوي في شهر رمضان أو بعده. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " لا يقوم القائم حتى يقوم اثنا عشر رجلا كلهم يجمع على قول إنهم قد رأوه فيكذبونهم " البحار ج 52 ص 244، ويبدو أنهم رجال صادقون بقرينة تعبيره عليه السلام عن اجماعهم على رؤيته، وتعجبه من تكذيب الناس لهم، أي عامة الناس. ويظهر أن رؤيتهم له عليه السلام تكون في تلك الفترة التي يظهر فيها في خفاء

[ 254 ]

ليستبين، فيعلو ذكره ويظهر أمره. وعلى هذا، فمن المرجح أنه يقوم عليه السلام في تلك الفترة بدوره القيادي بشكل شبه كامل، ويصدر توجيهاته في تلك الظروف الحساسة إلى دولة الممهدين اليمانيين ودولة الممهدين الايرانيين، ويتصل بأنصاره أولياء الله تعالى في شتى بلاد المسلمين. ومن أجل أن نتصور عمله في فترة الظهور الصغرى هذه، نتعرض باختصار لعمله في غيبته. فقد ذكرت بعض الروايات أنه روحي فداه يسكن المدينة المنورة، ويلتقي بثلاثين، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " لابد لصاحب هذا الامر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة. ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة " البحار ج 52 ص 157. وتدل روايات أخرى على أنه يعيش مع الخضر عليهما السلام فعن الامام الرضا عليه السلام قال " إن الخضر شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور، وإنه ليأتينا فيسلم علينا فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنه ليحضر حيث ذكر، فمن ذكره منكم فليسلم عليه. وانه ليحضر المواسم فيقضي جميع المناسك ويقف في عرفة فيؤمن على دعاء المؤمنين. وسيؤنس الله به وحشة قائمنا عليه السلام ويصل به وحدته ". البحار ج 52 ص 152. ويبدو من الرواية المتقدمة وغيرها أن هؤلاء الثلاثين من أصحاب المهدي عليه السلام يتجددون دائما، فكلما توفي منهم واحد حل محله آخر. وان كان يحتمل أن يمد الله تعالى في عمر بعضهم كما مد في عمر الخضر والمهدي عليهما السلام. ولعلهم الابدال المقصودون بالفقرة الواردة عن الامام الصادق عليه السلام في دعاء النصف من رجب، بعد الصلاة على النبي واله صلى الله عليه وآله " اللهم صل على الابدال والاوتاد، والسياح والعباد، والمخلصين

[ 255 ]

والزهاد، وأهل الجد والاجتهاد " مفتاح الجنات ج 3 ص 50. ومن المرجح أن يكون لهؤلاء الاولياء الثلاثين وأكثر، دور في الاعمال التي يقوم بها المهدي عليه السلام في غيبته. فقد دلت الاخبار المتعددة على أنه يقوم بنشاط واسع، ويتحرك في البلاد المختلفة، ويدخل الدور والقصور، ويمشي في الاسواق، ويحضر موسم الحج في كل عام. وأن سر غيبته لا ينكشف الا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة في أعمال الخضر الا بعد أن كشفها لموسى عليهما السلم. فعن عبد الله بن الفضل قال " سمعت جعفر بن محمد عليه السلام (الامام الصادق) يقول: " إن لصاحب هذا الامر غيبة لا بد منها يرتاب فيها كل مبطل. فقلت له: ولم جعلت فداك ؟ قال: لامر لم يؤذن لنا في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غييته ؟ فقال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره. إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلا وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إن هذا أمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله. ومتى علمنا أنه عزوجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف لنا ". البحار ج 52 ص 91. عن محمد بن عثمان العمري رضوان الله عليه قال " والله إن صاحب هذا الامر ليحضر الموسم كل سنة. يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه " البحار ج 51 ص 250. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " وما تنكر هذه الامة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف ؟ أن يكون ؟ ؟ في أسواقهم، ويطأ بسطهم، وهم لا يعرفونه. حتى يأذن الله عزوجل أن يعرفهم نفسه، كما أذن ليوسف حين قال " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون. قالوا أئنك لانت يوسف ؟ ! قال أنا

[ 256 ]

يوسف وهذا أخي " البحار ج 51 ص 142. وبناء على هذه الروايات وأمثالها، فإن حالته عليه السلام في غيبته تشبه حالة يوسف عليه السلام، ونوع عمله فيها من نوع عمل الخضر عليه السلام الذي كشف لنا القرآن بعض عجائبه. بل يظهر منها أنهما يعيشان معا ويعملان معا عليهما السلام. والمرجح أن يكون كثير من أعماله بواسطة أصحابه الابدال وتلاميذهم، الذين تطوى لهم الارض والمسافات، ويهديهم ربهم بإيمانهم، وبتعليمات المهدي عليهم السلام. بل وردت الاحاديث الشريفة والقصص الموثوقة بطي الارض والمشي على الماء، وغيرها من الكرامات، لمن هم أقل منهم درجة ومقاما، من أولياء الله وعباده الصالحين نعم، لقد أجرى الله سبحانه الامور والاحداث بأسبابها، من أكبر حدث في هذا العالم إلى أصغره. ولكنه سبحانه يهيمن على هذه الاسباب ويتصرف بها كيف يشاء، بما يشاء، وعلى يد من يشاء من ملائكته وعباده. وان كثيرا من الاحداث والامور التي يبدو لنا أنها حدثت أو تحدث بأسباب طبيعية، لو انكشف لنا الواقع لرأينا فيها يد الغيب الالهي. فعندما أراد شرطة الملك أن يأخذوا السفينة التي خرقها الخضر عليه السلام فوجدوها معيوبة وتركوها، لم يلتفتوا إلى أن في الامر فعلا غيبيا. وكذلك عندما عاش أبوا الغلام حياتهما بالايمان، وقاما بما أراد الله تعالى منهما، لم يعرف أن ابنهما لو بقي حيا لا رهقهما طغيانا وكفرا. وعندما كبر اليتيمان ووجدا كنزهما محفوظا تحت الجدار واستخرجاه، لم يعرف أن الخضر عليه السلام لو لم يبن الجدار لانكشف الكنز، أوضاع مكانه. وإذا كانت هذه الاحداث الثلاثة التي كشف الله تعالى عنها في كتابه، قد صدرت من الخضر في مرافقته القصيرة لموسى عليهما السلام،

[ 257 ]

فلنا أن نتصور أعماله الكثيرة التي يقوم بها في أيامه الحافلة وعمره المديد. وقد ورد في الحديث عن النبي (ص) وعن أهل بيته (ع) قوله " رحم الله (أخي) موسى، عجل على العالم. أما إنه لو صبر لرأى منه من العجائب ما لم ير " البحار ج 13 ص 301. ولنا أن نتصور عمل الامام المهدي عليه السلام في غيبته، وهو أعظم مقاما من الخضر عليه السلام برواية جميع المسلمين، لانه أحد سبعة روي إنهم سادات أهل الجنة وخيرة الاولين والاخرين، فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " نحن سبعة ولد عند المطلب سادة أهل الجنة: أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي " البحار ج 51 ص 65 والصواعق المحرقة ص 158 وغير هما من مصادر الفريقين. فالله يعلم بما يقوم به المهدي ووزيره الخضر وأصحابه الابدال، وتلاميذهم أولياء الله، عليهم السلام، من أعمال في طول العالم وعرضه، وفي أحداثه الكبيرة والصغيرة. ومن الطبيعي أن لا ينكشف وجه الحكمة في غيابهم وعملهم عليهم السلام، الا بعد ظهورهم، واطلاعنا على ما كانوا يقومون به من عمل، في عصرنا والعصور السابقة، أو على جزء يسير منه. وقد يكون أحدنا مدينا لهم بعمل أو أكثر قاموا له به في حياته، فضلا عن مسار التاريخ وأحداثه الكبرى. وينبغي الالفات إلى أن هذه العقيدة بغيب الله تعالى وعمل الامام المهدي والخضر والابدال عليهم السلم تختلف عن نظريات المتصوفة وعقائدهم في القطب والابدال، وان كانت تشبهها من بعض الوجوه. بل يحاول بعضهم أن يطبقها على المهدي وأصحابه عليهم السلام. قال الكفعمي رحمه الله في حاشية مصباحه، كما في سفينة البحار مادة - قطب " قيل إن الارض لا تخلو من القطب، وأربعة أوتاد، وأربعين بدلا، وسبعين نجيبا،

[ 258 ]

وثلاث مئة وستين صالحا. فالقطب هو المهدي صلوات الله عليه، ولا تكون الاوتاد أقل من أربعة، لان الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود، وتلك الاربعة أطناب. وقد يكون الاوتاد أكثر من أربعة، والابدال أكثر من أربعين، والنجباء أكثر من سبعين، والصالحون أكثر من ثلاث مئة وستين. والظاهر أن الخضر وإلياس عليهما السلام من الاوتاد، فهما ملاصقان لدائرة القطب. وأما صفة الاوتاد، فهم لا يغفلون عن الله طرفة عين، ولا يجمعون من الدنيا إلا البلاغ، ولاتصدر منهم هفوات البشر، ولا يشترط فيهم العصمة. وشرط ذلك في القطب. وأما الابدال، فدون هؤلاء في المرتبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكر، ولا يتعمدون ذنبا. وأما الصالحون، فهم المتقون الموصوفون بالعدالة، وقد يصدر عنهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار والندم، قال الله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، فإذا هم مبصرون ". ثم ذكر رحمه الله أنه إذا نقص واحد من احدى المراتب المذكورة، حل محله آخر من المرتبة الادنى. وإذا نقص من الصالحين، حل محله آخر من سائر الناس ". وما ذكره رحمه الله عن نبي الله إلياس عليه السلام، وأنه من الاحياء الذين مد الله في عمرهم لحكمة يعلمها، مطابق لما ذهب إليه عدد من المفسرين في تفسير الايات الواردة فيه عليه السلام. وقد وردت عدة روايات عن أهل البيت عليهم السلام في أمره، وأنه حي قد مد الله في عمره كالخضر عليهما السلام، وأنهما يجتمعان في عرفات كل سنة، وفي غيرها.

[ 259 ]

وأيا كان، فالذي يفهم من الروايات الشريفة أن فترة الستة أشهر، أي من خروج السفياني والنداء إلى ظهوره عليه السلام في محرم، تكون حافلة بنشاطه ونشاط أصحابه عليهم السلام، وتظهر للناس الكرامات والايات على أيديهم وأيدي من يتصل بهم، وأن ذلك سيكون حدثا عالميا يشغل الناس والدول على السواء. أما الشعوب الاسلامية والمستضعفة فتعمها موجة الحديث عن المهدي عليه السلام وكراماته واقتراب ظهوره. وتكون هذه الموجة تمهيدا شعبيا مناسبا لظهوره. ولكنها تكون في نفس الوقت أرضية خصبة للكذابين والمشعوذين لادعاء المهدية ومحاولة تضليل الناس. فقد ورد أن اثنتي عشرة راية تدعي المهدية ترفع قبل ظهوره عليه السلام، وأن اثني عشر شخصا من آل أبي طالب يرفع كل منهم راية ويدعو إلى نفسه، وجميعها رايات ضلال، محاولات دنيوية لاستغلال موجة تطلع المسلمين وشعوب العالم إلى ظهوره عليه السلام. فعن المفضل بن عمرو الجعفي عن الامام الصادق عليه السلام قال سمعته يقول: " إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن إمامكم سنينا (سبتا) من دهركم، وليمحص (ولتمحصن) حتى يقال مات أو هلك، بأي واد سلك. ولتدمعن عليه عيون المؤمنين. ولتكفؤن كما تكفأ السفن أمواج البحر، فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الايمان، وأيده بروح منه. ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أي من أي !. قال المفضل: فبكيت، فقال (لي) ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ فقلت: كيف لا أبكي وأنت تقول ترفع اثنتا عشرة راية لا يدرى أي من أي، فكيف نصنع ؟ قال، فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، فقال: يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس ؟ قلت: نعم. قال: والله لامرنا أبين من هذه الشمس " البحار ج 52 ص 281، أي لا تخشوا أن يشتبه عليكم أمر المهدي عليه السلام بأمر من يدعي المهدية، لان أمره أوضح

[ 260 ]

من الشمس، بآياته التي تكون قبله ومعه، وشخصيته التي لا تقاس بالمدعين والكذابين. ومن ناحية أخرى، ستأخذ الدولتان الممهدتان له عليه السلام، اليمانية والايرانية، موقعا سياسيا هاما في أحداث العالم وتطلعات شعوبه. وتكونان بحاجة أكبر إلى توجهاته عليه السلام. على أنه يفهم من الروايات ومن منطق الامور أن رد الفعل السياسي الاكبر على هذه الموجة الشعبية للمهدي عليه السلام، سيكون من أعدائه أئمة الكفر العالمي، وصاحبهم السفياني، وسيتركز عملهم كما تذكر الروايات، على معالجة وضع العراق والحجاز، باعتبارهما نقطة الضعف في المنطقة. أما العراق فالنفوذ الممهدين الايرانيين فيه وضعف حكومته. وأما الحجاز فللفراغ السياسي فيه، وصراع القبائل على السلطة، ونفوذ الممهدين اليمانيين فيه. والامر الاهم في الحجاز أن أنظار المسلمين تتوجه نحوه، وتنتظر ظهور المهدي منه، حيث ينتشر بين الناس أنه عليه السلام يسكن المدينة، وأن حركته ستكون من مكة، ولهذا يتركز فعلهم السياسي والعسكري المضاد للمهدي عليه السلام على الحرمين، ويبدأ السفياني حملته العسكرية على المدينة، ويقوم باعتقال واسع لبني هاشم على أمل أن يكون المهدي من بينهم، ويقتل عددا منهم كما مر. ولابد أن يرافق غزو السفياني للعراق والحجاز تحرك عسكري من الغربيين والشرقيين في الخليج والبحر المتوسط، لاهمية المنطقة الستراتيجية. والمرجح أن يكون نزول قوات الروم في الرملة، ونزول قوات الترك في الجزيرة المذكورين في الروايات المتعددة - أن يكون في تلك الفترة، أو قريبا منها.

[ 261 ]

أزمة الحكم في الحجاز تتفق الاحاديث في مصادر الشيعة والسنة، على أن مقدمة ظهور المهدي عليه السلام في الحجاز، حدوث فراغ سياسي فيه، وصراع على السلطة بين قبائله. ويحدث ذلك على أثر موت ملك أو خليفة، يكون عند موته الفرج كل الفرج. وتسميه بعض الروايات " عبد الله " ويحدد بعضها إعلان خبر موته في يوم عرفة، ثم تتلا حق الاحداث في الحجاز بعد موته إلى.. خروج السفياني، والنداء السماوي، واستدعاء الجيش السوري إلى الحجاز، ثم ظهور المهدي عليه السلام. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم. ثم قال: " إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعدة على أحد، ولم يتناه هذا الامر دون صاحبكم إن شاء الله. ويذهب ملك السنين، ويصير ملك الشهور والايام. فقلت: يطول ذلك ؟ قال: كلا " البحار ج 52 ص 210. وعنه عليه السلام قال " بينا الناس وقوفا بعرفات، إذ أتاهم راكب على ناقة ذعلبة، ويخبرهم بموت خليفة، عند موته فرج آل محمد وفرج الناس جميعا " البحار ج 52 ص 240. ومعنى الناقة الذعلبة: الخفيفة السريعة. وهو كناية عن الاسراع في إيصال الخبر وتبشير الحجاج به. والظاهر أن أسلوب إيصال الخبر مقصود في الرواية، وورد في رواية أخرى أنهم يقتلون هذا الرجل صاحب الناقة الذعلبة، الذي ينشر الخبر بين الحجاج في عرفات.

[ 262 ]

ويبدو أن هذا الخليفة الذي يعلن خبر موته أو قتله يوم عرفة، هو عبد الله المذكور في الرواية السابقة. ومعنى " يذهب ملك السنين، ويصير ملك الشهور والايام " أنهم كلما نصبوا بعده ملكا لا يبقى سنة كاملة، ولا تمضي شهور أو أيام، حتى ينصبوا غيره. حتى ينتهي الامر إلى ظهور المهدي عليه السلام. وتذكر بعض الروايات أن سبب قتله قضية أخلاقية وأن الذي يقتله أحد خدمه، وتشير إلى أنه يهرب إلى خارج الحجاز فيذهب بعض جماعة الملك في البحث عنه، فيحدث الصراع على السلطة قبل أن يعودوا، فعن الامام الباقر عليه السلام " يكون سبب موته أنه ينكح خصيا له فيقوم فيذبحه ويكتم موته أربعين يوما، فإذا سارت الركبان في طلب الخصي لم يرجع أول من يخرج (إلى آخر من يخرج) حتى يذهب ملكهم " كمال الدين للصدوق ص 655. والاحاديث التي تصف الصراع على السلطة في الحجاز بعد قتل هذا الملك كثيرة، وهذه نماذج منها: عن البزنطي عن الامام الرضا عليه السلام قال " إن من علامات الفرج حدثا يكون بين الحرمين. قلت وأي شئ يكون الحدث ؟ قال عصبية (عضبة) تكون بين الحرمين، ويقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا " البحار ص 52 ص 210، أي يقتل أحد الملوك أو الزعماء خمسة عشر شخصية من ذرية ملك أو زعيم معروف. وعن أبي بصير قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لقائم آل محمد غيبتان، إحداهما أطول من الاخرى. فقال: نعم، ولايكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل يلجؤون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله " البحار ج 52 ص 157، وهذه الرواية تشير إلى أن أصل الصراع يكون بين القبيلة الحاكمة نفسها.

[ 263 ]

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال ". ولذلك آيات وعلامات، أولهن إحصار الكوفة بالرصد والخندق. وخفق رايات حول المسجد الاكبر تهتز، القاتل والمقتول في النار " البحار ج 52 ص 273، والظاهر أن المقصود بالمسجد الاكبر المسجد الحرام لا مسجد الكوفة. وأن الرايات المتصارعة تتنازع حول مكة، أو في الحجاز وتتقاتل، وليس فيها راية حق. وروى ابن حماد في مخطوطته أكثر من عشرين حديثا عن الازمة السياسية الحجازية، وصراع القبائل على السلطة في سنة ظهور المهدي عليه السلام. منها عن سعيد بن المسيب قال " يأتي زمان على المسلمين يكون منه (فيه) صوت في رمضان، وفي شوال تكون مهمهمة، وفي ذي القعدة تنحاز (فيها) القبائل إلى قبائلها. وذو الحجة ينهب فيه الحاج. والمحرم وما المحرم " ص 59. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال " إذا كانت صيحة في رمضان فإنه تكون معمعة في شوال، وتمييز القبائل في ذي القعدة. وسفك الدماء في ذي الحجة. والمحرم وما المحرم يقولها ثلاثا ". ص 60 2 وعن عبد الله بن عمر قال " يحج الناس معا ويعرفون معا على غير إمام، فبينا هم نزول بمنى إذ أخذهم كالكلب فسارت القبائل إلى بعض فاقتتلوا حتى تسيل العقبة دما " ص 60، أي أخذتهم حالة مثل داء الكلب المعروف، وجاشت حالة العداء فيهم بعد مناسك الحج دفعة واحدة، فاقتتلوا حتى جرت دماؤهم عند جمرة العقبة !. وروايات ابن حماد تتحدث عن الصراع السياسي في الحجاز بعد الصيحة والنداء السماوي. ولكن يوجد روايات أخرى تدل على أمرين هامين في هذه الازمة السياسية: أولهما، أنها تحدث قبل خروج السفياني، وقد أشرنا إلى ذلك، وثانيهما، أنه يكون لها علاقة باختلاف أهل الشرق والغرب، أي بالحرب العالمية الموعودة. فعن ابن أبي يعفور قال: قال لي أبو

[ 264 ]

عبد الله عليه السلام (الامام الصادق): " أمسك بيدك: هلاك الفلاني، وخروج السفياني، وقتل النفس. إلى أن قال: الفرج كله عند هلاك الفلاني " البحار ج 52 ص 234، وقد يناقش في كون ترتيب هذه الاحداث زمنيا كما جاء في الرواية، ولكن عددا من الروايات، منها ما تقدم هنا، تدل على أن هلاك الفلاني وصراعهم من بعده يكون قبل خروج السفياني. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " يقوم القائم في سنة وتر من السنين: تسع، واحدة، ثلاث، خمس. وقال.. ثم يملك بنو العباس (بنو فلان) فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم (فإذا اختلفوا) ذهب ملكهم واختلف أهل الشرق وأهل الغرب، نعم وأهل القبلة، ويلقى الناس جهدا شديدا مما يمر بهم من الخوف. فلا يزالون بتلك إلى الحال حتى ينادي المنادي من السماء فإذا نادي فالنفر النفر " البحار ج 52 ص 235، والملاحظ في هذه الرواية أنها تربط بين اختلاف آل فلان وذهاب ملكهم، وبين اختلاف أهل الشرق وأهل الغرب، وشمول خلافهم لاهل القبلة أي المسلمين، وكأن هذا الصراع العالمي مرتبط أو مترتب على الازمة السياسية التي تحدث في الحجاز. والمقصود ببني العباس الذين يقع الخلاف بينهم قبيل ظهور المهدي عليه السلام، آل فلان الذين ذكرت عدة روايات أنهم آخر من يحكم الحجاز قبل المهدي عليه السلام. والحاصل من مجموع الروايات أن تسلسل الاحداث التي هي مقدمات الظهور في الحجاز، يبدأ بنار عظيمة صفراء حمراء تظهر في الحجاز أو في شرقية وتبقى أياما، ثم يقتل آخر ملوك بني فلان، ويختلفون على من يخلفه، ويمتد هذا الخلاف إلى القوى السياسية الحجازية، وعمدتها القبائل. الامر الذي يسبب أزمة سياسية في الحكم، يكون لها تأثير على الصراع العالمي

[ 265 ]

بين أهل الشرق والغرب. ثم يكون خروج السفياني، والنداء السماوي، ثم دخول الجيش السوري السفياني إلى الحجاز وأحداث المدينة، ثم أحداث مكة. إلى حركة ظهوره المقدس عليه السلام. ونار الحجاز هذه وردت فيها عدة أحاديث في مصادر السنة، تذكر أنها من علامات الساعة، منها ما في صحيح مسلم ج 8 ص 180 " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضئ لها أعناق الابل ببصرى " أي يصل نورها إلى مدينة بصرى في سورية. ومنها عدة أحاديث في مستدرك الحاكم ج 4 ص 442، و 443 تذكر أنها تخرج من جبل الوراق أو حبس سيل أو وادي حسيل. وحبس سيل مكان قرب المدينة المنورة، وقد يكون تصحيفا عن وادي حسيل. ويذكر بعضها أنها تظهر من عدن بحضر موت، وأنها تسوق الناس إلى المحشر أو إلى المغرب. ورواية صحيح مسلم كما ترى لاتنص على أنهم من علامات الساعة، بل تذكر حتمية وقوعها في المستقبل. والمرجح عندي أن النار التي هي من علامات الساعة والقيامة هي نار عدن أو حضر موت، الوارد ذكرها في مصادر السنة والشيعة. أما نار الحجاز الوارد أنها في المدينة المنورة فقد تكون مجرد إخبار إعجازي من النبي صلى الله عليه وآله عن وقوعها دون أن تكون علامة لشئ. وقد حدث ذلك ونقل المؤرخون ظهور بركان ناري قرب المدينة في القرن الاول، بقي أياما. أما النار التي هي من علامات الظهور، فقد ورد في الاحاديث تسميتها بنار المشرق، وفي بعضها نار في شرقي الحجاز، ففي مخطوطة ابن حماد عن ابن معدان قال " إذا رأيتم عمودا من نار من قبل المشرق في شهر رمضان في السماء فأعدوا ما استطعتم من الطعام، فإنها سنة جوع " ص 61. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " إذا رأيتم نارا عظيمة من قبل

[ 266 ]

المشرق تطلع ليال فعندها فرج الناس. وهي قدام القائم بقليل " البحار ج 52 ص 240. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " إذا رأيتم نارا من المشرق شبه الهردي العظيم، تطلع ثلاثة أيام أو سبعة، فتوقعوا فرج آل محمد صلى الله عليه وآله إن شاء الله عزوجل، ان الله عزيز حكيم " البحار ج 52 ص 230، والهردي: الثوب المصبوغ بالاخضر والاحمر. ويحتمل أن تكون هذه النار آية ربانية، أو بركانا طبيعيا، أو انفجارا نفطيا كبيرا. كما يحتمل أن تكون هي الاية الربانية التي تكون من علامات ظهور المهدي عليه السلام، فعن الامام الباقر عليه السلام قال " يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر لهم في السماء، وحمرة تجلل السماء " البحار ج 52 ص 221، ويبدو من الاحاديث أن هذه النار تكون قبل الازمة السياسية الحجازية، أو في أثنائها. والله العالم. فخرج منها خائفا يترقب ذكرت الاحاديث الشريفة أن جيش السفياني يسيطر على المدينة المنورة سيطرة تامة، ويستبيحها ثلاثة أيام، ويعتقل كل من تصل إليه يده من بني هاشم، ويقتل العديد منهم. كل ذلك بحثا عن الامام المهدي عليه السلام. ففي مخطوطة ابن حماد " فيسير إلى المدينة فيضع السيف في قريش، فيقتل منهم ومن الانصار أربع ماية رجل، ويبقر البطون، ويقتل الولدان. ويقتل أخوين من قريش، رجل وأخته يقال لهما محمد وفاطمة، ويصلبهما على باب المسجد في المدينة " ص 88 وفي نفس الصفحة عن أبي رومان قال " يبعث بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد صلى الله عليه وسلم، ويقتل من بني

[ 267 ]

هاشم رجال ونساء. فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض من المدينة إلى مكة فيبعث في طلبهما، وقد لحقا بحرم الله وأمنه ". وفي مستدرك الحاكم ج 4 ص 442 أن أهل المدينة يخرجون منها بسبب بطش السفياني وأفاعيله. وعن الامام الباقر عليه السلام في حديث جابر بن يزيد الجعفي قال " ويبعث (أي السفياني) بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا، ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صلى الله عليه وآله صغيرهم وكبيرهم، ولا يترك منهم أحد إلا حبس. ويخرج الجيش في طلب الرجلين " البحار ج 52 ص 223. وهذا الرجل الذي يقتله جيش السفياني غير الغلام الذي ورد أنه يقتل في المدينة، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " يا زرارة لابد من قتل غلام بالمدينة. قلت: جعلت فداك، أليس يقتله جيش السفياني ؟ قال: لا، ولكن يقتله جيش بني فلان، يخرج حتى يدخل المدينة فلا يدري الناس في أي شئ دخل، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلما لم يمهلهم الله عزوجل. فعند ذلك فتوقعوا الفرج " البحار ج 52 ص 147، وتسمي بعض الروايات هذا الغلام النفس الزكية، وهو غير النفس الزكية الذي يقتل في مكة قبيل ظهور المهدي عليه السلام. ويظهر من هذه الاحاديث وغيرها أن سلطة الحجاز الضعيفة تنشط في تتبع بني هاشم وشيعتهم في الحجاز، وفي المدينة خاصة، وتقتل هذا الغلام النفس الزكية، اما لمجرد أن اسمه محمد بن الحسن، الذي يصبح معروفا عند الناس أنه اسم المهدي عليه السلام، واما لانه يكون من الابدال المتصلين بالمهدي عليه السلام. ثم يدخل جيش السفياني فيتابع نفس السياسة ولكن بإرهاب وبطش أشد، فيعتقل كل من ينتمي إلى بني هاشم، وكل من يحتمل أن يكون له

[ 268 ]

علاقة بهم. ويقتل الرجل الذي اسمه محمد وأخته فاطمة، ربما لمجرد أن اسمه محمد واسم أبيه حسن أيضا ! وفي هذه الظروف الملتهبة يخرج الامام المهدي روحي فداه من المدينة خائفا يترقب، على سنة موسى عليه السلام كما تذكر الروايات، يرافقه أحد أصحابه التي تسميه الرواية المتدقمة المنصور وفي رواية أخرى المنتصر، ولعل اسم المبيض الذي ورد في الرواية المتقدمة تصحيف المنتصر. وذكرت رواية أخرى أنه يخرج من المدينة بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله وفيه سيفه، ودرعه، ورايته، وعمامته، وبردته. ولم أجد في مصادرنا الشيعية تحديدا لوقت خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة، ولكن المنطقي أن يكون ذلك بعد النداء السماوي في رمضان، أي في موسم الحج. وأذكر أني رأيت في رواية أن دخول جيش السفياني إلى المدينة يكون في شهر رمضان. وفي رواية المفضل بن عمرو الطويلة عن الامام الصادق عليه السلام قال " والله يا مفضل كأني أنظر إليه دخل مكة، وعلى رأسه عمامة صفراء، وفي رجليه نعل رسول الله صلى الله عليه وآله المخصوصة (المخصوفة) وفي يده هراوته. يسوق بين يديه أعنزا عجافا حتى يصل بها نحو البيت. ليس ثم أحد يعرفه " بشارة الاسلام ص 267 نقلا عن البحار. ومع ضعف سند هذه الرواية، إلا أن استنفار أجهزة الاعداء في البحث عنه عليه السلام، وكونه في غيبة واختفاء يشبه الغيبة الصغرى واختفاءها. يجعل أمر هذه الرواية وأمثالها معقولا. ومن الطبيعي أن يكون موسم الحج في سنة الظهور حيويا ساخنا. فما تذكره الاحاديث الشريفة عن وضع الصراع العالمي، وأوضاع البلاد

[ 269 ]

الاسلامية، وتوتر الوضع في الحجاز، وإعلان حالة الطوارئ فيه بدخول جيش السفياني. كلها تجعل موسم الحج على الحكام عبئا مخيفا. فلا بد أنهم سيعملون لتخفيض عدد الحجاج إلى أقل عدد ممكن، ويحشدون في مكة والمدينة، من القوات والاجهزة الامنية، أضعاف ما يحشدونه في السنين العادية. ولكن ذلك لايمنع الشعوب الاسلامية أن تركز أنظارها على مكة المقدسة، تنتظر ظهور المهدي منها، فيتحمس مئات الالوف، وربما الملايين من المسلمين، لان يحجوا في ذلك العام، ويتمكن عدد كبير منهم أن يصل إلى مكة، رغم العقبات التي تضعها أمامهم دولهم ودولة الحجاز. وسيكون السؤال المحبب بين الحجاج: ماذا سمعت عن أمر المهدي ؟ ولكنه يكون سؤالا خطيرا أيضا، ولذلك يطرحه الحجاج بينهم سرا، ويتناقلون آخر الاخبار والشائعات حوله همسا، وآخر إجراءات حكومة الحجاز وجيش السفياني أيضا. إن الرواية التالية تصور حالة المسلمين في العالم، وحالة الحجاج، في انشغالهم بأمر المهدي عليه السلام وبحثهم عنه. ففي مخطوطة ابن حماد ص 95 قال " حدثنا أبو عمر، عن ابن أبي لهيعة، عن عبد الوهاب بن حسين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث بن عبد الله، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " إذا انقطعت التجارات والطرق وكثرت الفتن، خرج سبعة رجال علماء من أفق شتى على غير ميعاد، يبايع لكل رجل منهم ثلاثماية وبضعة عشر رجلا، حتى يجتمعوا بمكة، فيلتقي السبعة فيقول بعضهم لبعض: ما جاء بكم ؟ فيقولون جئنا في طلب هذا الرجل ينبغي أن تهدأ على يديه هذه الفتن، ويفتح الله له القسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه وحليته. فيتفق السبعة على ذلك فيطلبونه بمكة، فيقولون له: أنت فلان بن فلان ؟ فيقول: لا، بل أنا رجل من

[ 270 ]

لانصار، حتى يفلت منهم. فيصفونه لاهل الخبرة والمعرفة به، فيقال هو صاحبكم الذي تطلبونه وقد لحق بالمدينة. فيطلبونه بالمدينة، فيخالفهم إلى مكة. فيطلبونه بمكة فيصيبونه فيقولون: أنت فلان بن فلان: وأمك فلانة بنت فلان، وفيك آية كذا وكذا، وقد أفلت منا مرة فمد يدك نبايعك. فيقول: لست بصاحبكم، أنا فلان بن فلان الانصاري. مروا بنا أدلكم على صاحبكم، فيفلت منهم فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم إلى مكة فيصيبونه بمكة عن الركن، فيقولون: إثمنا عليك ودماؤنا في عنقك إن لم تمد يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا، عليهم رجل من حرام. فيجلس بين الركن والمقام، فيمد يديه فيبايع له. ويلقي الله في صدور الناس، فيسير مع قوم أسد بالنهار رهبان بالليل ". وفي هذه الرواية نقاط ضعف في سندها ومتنها. من ذلك قضية فتح القسطنطينية التي بقيت عدة قرون عقدة عسكرية وسياسية أمام المسلمين، ومصدر تهديد لجرء من الدولة الاسلامية، حتى فتحها السلطان محمد الفاتح قبل نحو 500 سنة. وقد روى المسلمون عن النبي صلى الله عليه وآله روايات تبشر بفتحها، تحتاج إلى تحقيق في صحتها وسقمها. وما يخص موضوعنا منها الروايات التي تذكر أن فتحها يكون على يد المهدي عليه السلام، ومنها الفقرة الواردة في هذه الرواية. وخلاصة القول في هذه الروايات أن فيها احتمالين: الاول أن يكون فتح القسطنطينية على يد المهدي عليه السلام من اضافة بعض الرواة في أحاديثه، باعتبار أنه عليه السلام يحل مشكلات المسلمين الكبرى، وقد كانت القسطنطينية كما ذكرنا من مشكلاتهم الكبرى مدة قرون، وعاصمة أعدائهم المجاورة، المؤذية، المستعصية. والاحتمال الثاني، أن يكون المقصود بالقسطنطينية الواردة في أحاديث المهدي، عاصمة الروم التي تكون في زمان ظهوره عليه السلام، والمعبر عنها في بعض الروايات بالمدينة الرومية الكبيرة، والتي ورد أنه عليه السلام

[ 271 ]

وأصحابه يحاصرونها ويفتحونها بالتكبير. ولكن، مهما يكن أمر هذه الرواية، وحتى لو افترضنا أنها موضوعة، فهي نص لمؤلف معروف كتبه قبل نحو ألف ومئتي سنة، لان وفاة ابن حماد سنة 227، وقد نقله عن تابعين قبله. فهو يكشف على الاقل عن تصور رواته للحالة السياسية العامة في سنة ظهور المهدي عليه السلام، وعن انتشار خبره عند المسلمين، وتطلعهم إليه، وبحثهم عنه. على أن أكثر مضامينها وردت في روايات أخرى، أو هي نتيجة منطقية لاحداث نصت عليها روايات أخرى. ومجئ هؤلاء العلماء السبعة إلى مكة في تلك الظروف يدل على شدة تطلع المسلمين إلى ظهوره عليه السلام من مكة، وتوافد ممثليهم إليها للبحث عنه. وأخذ كل واحد منهم البيعة من ثلاث مئة وثلاثة عشر من المؤمنين بالمهدي في بلده، المستعدين للتضحية معه، يدل على الموجة الشعبية في المسلمين، وحماسهم لان يكونوا أنصاره وأصحابه الموعودين، على عدة أهل بدر. وأما ما تذكره الرواية من إفلاته عليه السلام منهم مرة بعد أخرى، فلا يخلو من ضعف، ولعل أصله ما ورد في مصادر الشيعة والسنة من أنه عليه السلام يبايع وهو كاره، حتى أن أحد كبار أصحاب الامام الصادق عليه السلام كان في نفسه شئ من هذه البيعة على اكراه، الواردة في حديث النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله حتى فسر له الامام الصادق عليه السلام معنى الا كراه، فاطمأنت نفسه. هذا عما يتعلق بحال المسلمين وتطلعهم إلى المهدي عليه السلام. أما عن مجريات عمله عليه السلام في مكة، ومبايعة أصحابه له، فتدل الروايات على أنها تكون بنحو آخر، يختلف عما ورد في هذه الرواية.

[ 272 ]

تجميع الاصحاب ينبغي أن نلفت إلى عدة أمور في أصحاب الامام المهدي عليه السلام. منها، أن عددهم الوارد في مصادر الفريقين أنه بعدد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في بدر، ثلاث مئة وثلاثة عشر، يدل على الشباهة الكبيرة بين بعث الاسلام مجددا على يده عليه السلام، وبعثه الاول على يد جده رسول الله صلى الله عليه وآله. بل ورد أن أصحاب المهدي تجري فيهم عدة سنن جرت على أصحاب الانبياء الاوائل صلوات الله عليهم، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إن أصحاب موسى ابتلو بنهر، وهو قول الله عزوجل " إن الله متليكم بنهر " وإن أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك " البحار ج 52 ص 332. ومنها، أن المقصود بهؤلاء الاصحاب خاصة أصحابه عليه السلام وخيارهم، وحكام العالم الجديد الذي يقوده الامام المهدي. ولكنهم ليسوا وحدهم أنصاره وأصحابه، فقد ورد أن عدد جيشه الذي يخرج به من مكة عشر آلاف أو بضعة عشر ألفا، وجيشه الذي يدخل فيه العراق ويفتح فيه القدس قد يبلغ مئات الالوف. فهؤلاء كلهم أصحابه وأنصاره، بل وملايين المخلصين له في عصره، من شعوب العالم الاسلامي. ومنها: أنهم من حيث التنوع، من أقطار العالم الاسلامي، ومن أقاصي الارض، ومن آفاق شتى، ومن ضمنهم النجباء من مصر والابدال من

[ 273 ]

الشام والاخيار من العراق وكنوز الطالقان وقم، كما تذكر الروايات. وقال ابن عربي في الفتوحات المكية " وهم من الاعاجم ما فيهم عربي، لكن لا يتكلمون إلا بالعربية " ولكن الاحاديث المتعددة ومنها الحديث المشهور " فيهم النجباء من أهل مصر، والابدال من أهل الشام، والاخيار من أهل العراق " البحار ج 52 ص 334، ويشبهه ما في مخطوطة ابن حماد ص 95 وغيره من المصادر تدل على أن فيهم العديد من العرب. كما تدل روايات أيضا على أن فيهم العديد من العم، وأن عمدة جيشه عليه السلام من إيران. وتذكر بعض الروايات أن من بينهم خمسين امرأة كما ورد عن الامام الباقر عليه السلام - البحار ج 52 ص 223 وفي رواية ثلاث عشرة امرأة يداوين الجرحى. وفي ذلك دلالة على المكانة المقدسة والدور العظيم للمرأة في الاسلام وحضارته، التي يقيمها الامام المهدي عليه السلام. وهو دور معتدل مبرا من الخشونة البدوية في النظرة إلى المرأة ومعاملتها، والتي ما زالت موجودة في بلادنا الاسلامية. ومبرأ من إهانة المرأة وابتذالها في الحضارة الغربية. وذكرت بعض الروايات أن أكثرية أصحابه عليه السلام شباب، بل يذكر بعضها أن الكهول فيهم قليلون جدا مثل الملح في الزاد، كالحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال " أصحاب المهدي شباب لا كهول فيهم الامثل كحل العين والملح في الزاد، وأقل الزاد الملح " البحار ج 52 ص 334. ومنها، أنه وردت أحاديث كثيرة في مصادر الفريقين في مدحهم، وبيان مقامهم العظيم، وكراماتهم، وأنه يكون مع المهدي عليه السلام صحيفة فيها عددهم وأسماؤهم وصفاتهم، وأنهم تطوى لهم الارض، ويذلل لهم كل صعب، وأنهم جيش الغضب لله تعالى، وأولو البأس الشديد

[ 274 ]

الذين وعد الله تعالى أن يسلطهم على اليهود في قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " والامة المعدودة في قوله تعالى " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه. ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم " وأنهم خيار الامة مع أبرار العترة، وأنهم الفقهاء والقضاة والحكام، وأن الله يؤلف بين قلوبهم فلا يستوحشون من أحد، ولا يفرحون بأحد دخل فيهم، أي لا تزيدهم كثرة الناس حولهم أنسا وايمانا. وأنهم أينما كانوا في الارض يرون المهدي عليه السلام وهو في مكانه ويكلمونه، وأن أحدهم يعطى قوة ثلاث مئة رجل. إلى آخر ما ذكرت الاحاديث الشريفة من خصائصهم وكراماتهم. وذكرت بعض الروايات أن أهل الكهف يبعثون ويكونون منهم، وأن منهم الخضر وإلياس عليهما السلام. وذكرت روايات أخرى أن بعض الاموات يحيون بأمر الله تعالى ويكونون منهم. ومنها، أن الروايات تدل على أنهم يكونون قرب ظهوره عليه السلام ثلاث مجموعات أو فئات: فئة تدخل معه مكة، أو تصل إليها قبل الاخرين. وفئة يسيرون إليه في السحاب أو الهواء. وفئة يبيتون ذات ليلة في بيوتهم في بلادهم فلا يشعرون الا وهم في مكة. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " يكون لصاحب هذا الامر غيبة في بعض هذه الاشعاب، وأشار إلى ناحية ذي طوى (وهي من شعاب مكة ومداخلها) حتى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض أصحابه فيقول: كم أنتم هاهنا ؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلا. فيقول: كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم ؟ فيقولون: والله لو يأوي الجبال لاوينا معه. ثم يأتيهم من القابلة فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشرة. فيشيرون له إليهم، فينطلق بهم حتى يأتون (يأتوا) صاحبهم، ويعدهم إلى الليلة التي تليها " البحار ج 52 ص 341، والظاهر أن منظور الرواية

[ 275 ]

غيبته في الفترة القصيرة التي تسبق ظهوره. وأن هؤلاء الاصحاب غير الابدال الذين يكونون معه، أو على صلة به. وغير الاثني عشر الذين يجمع كل منهم على أنه قد رآه فيكذبونهم. بل يكونون من الاخيار الباحثين عنه من أمثال العلماء السبعة الذين تقدم ذكرهم. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " يقبل القائم عليه السلام في خمسة وأربعين رجلا من تسعة أحياء: من حي رجل، ومن حي رجلان، ومن حي ثلاثة، ومن حي أربعة، ومن حي خمسة، ومن حي ستة، ومن حي سبعة، ومن حي ثمانية، ومن حي تسعة. ولا يزال كذلك حتى يجتمع له العدد " البحار ج 52 ص 309، والمقصود أنه يقبل في مقدمات ظهوره، أو يقبل إلى مكة، ولا يبعد أن تكون المجموعتان المذكورتان في الروايتين مجموعة واحدة، وهي التي تصل إلى مكة قبل بقية الاصحاب. ويبدو أن أصحابه المفقودين عن أفرشتهم، الذين ينقلون من بلادهم إلى مكة بغمضة عين بقدرة الله عزوجل، أفضل من الذين يصلون قبلهم. أما الذين يسيرون إليه نهارا في السحاب كما تذكر الروايات، ويكونون معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم، أي يأتون إلى مكة بشكل طبيعي لا يثير الناس. فهم أفضل أصحابه على الاطلاق. ولا يبعد أن يكونوا هم الابدال الذين يعيشون معه، أو يقومون بأعماله في أنحاء العالم، ويعرفون موعد ظهوره بالتحديد، فيصلون في الموعد. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إن صاحب هذا الامر محفوظ (محفوظة) له أصحابه، لو ذهب الناس جميعا أتى الله بأصحابه. وهم الذين قال لهم (فيهم) الله عزوجل " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " وهم الذين قال الله فيهم " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين،

[ 276 ]

أعزة على الكافرين " البحار ج 52 ص 370. وعن الامام الباقر عليه السلام قال ". منهم من يفقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكة. ومنهم من يرى يسير في السحاب نهارا، يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه. قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيمانا ؟ قال: الذي يسير في السحاب نهارا " البحار ج 52 ص 368، ومعنى سيرهم في السحاب نهارا أن الله تعالى ينقلهم إلى مكة بواسطة السحاب على نحو الكرامة والاعجاز، كما يحتمل أن يكون معناه مجيؤهم بواسطة الطائرات كسائر المسافرين، بجوازات سفر بأسمائهم وأسماء آبائهم، وتكون الاحاديث الشريفة عبرت بذلك لان الطائرات لم تكن موجودة. ولعل السبب في أن هؤلاء أفضل من المفقودين عن فرشهم ليلا، أنهم الابدال الذين يعملون معه عليه السلام كما أشرنا، أو أصحاب اتصل بهم قبل غيرهم في تلك الفترة وكلفهم بأعمال، بينما المفقودون عن فرشهم يبيتون تلك الليلة وواحدهم لا يعلم أنه عند الله تعالى أحد أصحاب الامام المهدي عليه السلام، ولكن مستوى تقواهم وعقلهم ووعيهم يؤهلهم لهذا المقام العظيم، فيصطفيهم الله تعالى، وينقلهم ليلا إلى مكة المكرمة، ويتشرفون بخدمة المهدي عليه السلام. وقد ورد في بعض الروايات أنهم بينما يكونون نائمين على أسطح منازلهم إذ يفتقدهم ذو وهم وينقلهم الله إلى مكة. وفيها اشارة إلى أن ظهوره عليه السلام يكون في فصل الصيف أو بين الصيف والخريف كما سنشير إليه، واشارة إلى أن عددا من هؤلاء المفتقدين عن فرشهم يكونون من أهل المناطق الحارة التي ينام أهلها على سطوح منازلهم أو في ساحاتها. وقد ورد أن اجتماعهم في مكة يكون في ليلة جمعة ليلة التاسع من شهر محرم، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " يجمعهم الله في ليلة جمعة،

[ 277 ]

فيوافوه (نه) صبيحتها إلى المسجد الحرام ولا يتخلف منهم رجل واحد " بشارة الاسلام ص 210 عن دلائل الامامة للطبري. وهو ينسجم مع ما ورد في مصادر الفريقين من أن الله تعالى يصلح أمر المهدي عليه السلام في ليلة واحدة، فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " المهدي منا أهل البيت يصلح الله أمره في ليلة. وفي رواية أخرى: " يصلحه الله في ليلة " البحار ج 52 ص 280، لان تجميع أصحابه من جملة ألطاف الله تعالى في إصلاح أمر وليه. وينسجم أيضا مع الروايات المتعددة التي تحدد بداية ظهوره في مساء يوم الجمعة التاسع من محرم، ثم في يوم السبت العاشر من محرم. الحركة الاختبارية - قتل النفس الزكية تكون القوى الفاعلة في مكة عند ظهور المهدي عليه السلام كما تذكر الروايات، ويدل منطق الامور، كما يلي: الحكومة الحجازية، التي تجمع قواها رغم ضعفها لمواجهة احتمال ظهوره، الذي يتطلع إليه السملمون من مكة، وتنشط له فعالياتهم في موسم الحج. ومخابرات الدول الكبرى، التي تعمل في مساعدة حكومة الحجاز وقوات السفياني، أو بشكل مستقل، لرصد الوضع في الحجاز، وفي مكة خاصة. ومخابرات السفياني التي تتعقب الفارين من قبضتها من المدينة، وتستطلع الوضع لدخول جيش السفياني عندما يقتضي الامر، لضرب أي حركة مهدية من مكة. وفي المقابل: لابد أن يكون لليمانيين دور في الحجاز وفي مكة، خاصة

[ 278 ]

وأن دولتهم الممهدة تكون قامت قبل بضعة شهور. كما لابد أن يكون لانصاره الايرانيين وجود في مكة أيضا. بل لابد أن يكون له أنصار أيضا من الحجازيين والمكيين، بل ومن عباد الله الصالحين في قوات حكومة الحجاز. في مثل هذا الجو المعادي والمؤيد، يضع الامام المهدي أرواحنا فداه خطة إعلان حركته من الحرم الشريف، وسيطرته على مكة. ومن الطبيعي أن لاتذكر الروايات تفاصيل عن هذه الخطة، عدا تلك التي تنفع في إنجاح الثورة المقدسة، أو لا تضر بها. وأبرز ما تذكره أنه عليه السلام يرسل شابا من أصحابه وأرحامه في الرابع والعشرين أو الثالث والعشرين من ذي الحجة، أي قبل ظهوره بخمسة عشر ليلة لكي يلقي بيانه على أهل مكة. ولكنه ما أن يقف في الحرم بعد الصلاة، ويقرأ عليهم رسالة الامام المهدي عليه السلام، أو فقرات منها، حتى يثبوا إليه ويقتلوه بوحشية، داخل المسجد الحرام، بين الركن والمقام. ويكون لشهادته المفجعة أثر في الارض وفي السماء. تكون هذه الحادثة حركة اختبارية ذات فوائد متعددة. فهي تكشف للمسلمين وحشية السلطة الحجازية، ومن ورائها القوى الكافرة. وتمهد بظلامتها وتأثيرها لحركة المهدي عليه السلام، التي لا تتأخر عنها أكثر من أسبوعين. كما أنت تبعث الندم والتراخي في أجهزة السلطة، بسبب هذا الاقدام الوحشي السريع. وأخبار شهادة هذا الشاب الزكي في مكة، متعددة في مصادر الفريقين، وكثيرة في مصادرنا الشيعية. وهي تسميه الغلام، والنفس الزكية، ويذكر بعضها أن اسمه محمد بن الحسن. فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " ألا أخبركم بآخر ملك بني فلان ؟ قلنا:

[ 279 ]

بلى يا أمير المؤمنين. قال: قتل نفس حرام، في بلد حرام، عن قوم من قريش. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة مالهم ملك بعده غير خمسة عشر ليلة. قلنا: هل قبل هذا من شئ أو بعده ؟ فقال صيحة في شهر رمضان، تفزع اليقطان، وتوقظ النائم، وتخرج الفتاة من خدرها " البحار ج 52 ص 234، والظاهر أن عبارة " قوم من قريش " مصحفة، حيث لا يستقيم لها معنى. وفي رواية طويلة مرفوعة إلى أبي ابصير عن الامام الباقر عليه السلام قال " يقول القائم لاصحابه: يا قوم إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لاحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم. فيدعو رجلا من أصحابه فيقول له: إمض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة، أنا رسول فلان اليكم، وهو يقول لكم: إنا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلالة النبيين، وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقهرنا، وابتز منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلم الفتى بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكية. فإذا بلغ ذلك الامام قال لاصحابه: ألا (أما) أخبرتكم أن أهل مكة لا يردوننا. فلا يدعونه حتى يخرج، فيهبط من عقبة طوى في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا، عدة أهل بدر، حتى يأتي المسجد الحرام فيصلي عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الاسود، ثم يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبي صلى الله عليه وآله ويصلي عليه، ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس " البحار ج 52 ص 307. والرواية مرفوعة كما ذكرنا. وطوى المذكورة فيها: أحد جبال مكة ومداخلها. وما ورد فيها عن النفس الزكية قوي في نفسه. ولكن المرجح في كيفية ظهوره عليه السلام أنه وأصحابه يدخلون المسجد فرادى كما يأتي. وقد أورد ابن حماد في مخطوطته عداة أحاديث حول النفس الزكية الذي يقتل في المدينة، والنفس الزكية الذي يقتل في مكة ص 89 و 91 و 93 و

[ 280 ]

منها عن عمار بن ياسر قال " إذا قتل النفس الزكية وأخوه، يقتل بمكة ضيعة نادى مناد من السماء: إن أميركم فلان، وذلك المهدي الذي يملا الارض حقا وعدلا " ص 91. وفي كتاب يوم الخلاص نقلا عن فتاوى السيوطي ج 2 ص 135 عن النبي صلى الله عليه وآله قال " إن المهدي لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية، فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الارض. فأتي الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها " وكنت رأيت هذا الحديث في مخطوطة ابن حماد على ما أتذكر، ثم لم أعثر عليه. وقل جاء الحق وزهق الباطل تتفاوت الروايات بعض الشئ في كيفية بداية حركة الظهور المبارك، وفي وقته. ولكن المرجح أنه عليه السلام يظهر أولا في أصحابه الخاصين الثلاث مئة وثلاثة عشر، ويدخلون المسجد فرادى مساء التاسع من محرم، ويبدأ حركته المقدسة بعد صلاة العشاء، بتوجيه بيانه إلى أهل مكة. ثم يسيطر أصحابه وبقية أنصاره في تلك الليلة على الحرم وعلى مكة. وفي اليوم الثاني العاشر من محرم يوجه بيانه إلى شعوب العالم بلغاتها. ثم يبقى في مكة إلى ما بعد آية الخسف بجيش السفياني. ثم يتوجه إلى المدينة المنورة بجيشه البالغ عشر آلاف أو بضعة عشر ألفا. وينبغي الالفات إلى أن الاحاديث الشريفة تسمي حركته عليه السلام من أولها في مكة: " ظهورا، وخروجا، وقياما " ويبدو أنها تعابير مترادفة. ولكن بعض الروايات تفرق بين الظهور والخروج، فتسمي حركته عليه السلام في مكة " ظهورا " وتحركه منها إلى المدينة " خروجا " وتذكر أن ظهوره في مكة يكون بأصحابه الخاصين، وخروجه منها إلى المدينة يكون بعد أن يكمل

[ 281 ]

له عشرة آلاف من أنصاره، وبعد أن يخسف بجيش السفياني. فعن عبد العظيم الحسني رضوان الله عليه قال " قلت لمحمد بن علي بن موسى عليه السلام (أي الامام الجواد) إني لارجو أن تكون أنت القائم من أهل بيت محمد الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. فقال: يا أبا القاسم، ما منا الا قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله. ولست القائم الذي يطهر الله به الارض من أهل الكفر والجحود ويملؤها عدلا وقسطا. وهو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيه، وهو الذي تطوى له الارض، ويذل له كل صعب. يجتمع إليه من أصحابه عدد أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الارض، وذلك قول الله عزوجل " أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير " فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الارض أظهر أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف خرج بإذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله تبارك وتعالى. قال عبد العظيم، قلت له: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي، قال: يلقي الله في قلبه الرحمة " البحار ج 51 ص 157. وعن الاعمش عن أبي وائل أن أمير المؤمنين عليه السلام نظر إلى ابنه الحسين عليه السلام فقال " إن ابني هذا سيد، كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله سيدا. وسيخرج الله من صلبه رجلا باسم نبيكم فيشبهه في الخلق والخلق. يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة من الحق، واظهار نم الجور. والله لو لم يخرج لضرب عنقه. يفرح لخروجه أهل السماء وسكانها، يملا الارض عدلا كما ملئت جورا وظلما " البحار ج 51 ص 120. وقوله عليه السلام " لو لم يخرج لضرب عنقه " يدل على أن أجهزة الاعداء قبيل ظهوره تكشف أمره، وتكاد تكشف خطته، بحيث يكون مهددا بالقتل لو لم يخرج.

[ 282 ]

وعن ابراهيم الجريري عن أبيه قال " النفس الزكية غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن، يقتل بلا جرم ولا ذنب، فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الارض. فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد في عصبة لهم أدق في أعين الناس من الكحل، فإذا خرجوا بكى لهم الناس، لا يرون إلا أنهم يختطفون يفتح الله لهم مشارق الارض ومغاربها. ألا وهم المؤمنون حقا. ألا إن خير الجهاد في آخر الزمان " البحار ج 52 ص 217، وهذا يؤيد أن ظهوره عليه السلام يكون في أول الامر في عدد قليل من أصحابه بحيث يشفق عليهم الناس ويتصورون أنهم سوف يقبض عليهم ويقتلون. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " إن القائم يهبط من ثنية ذي طوى في عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، حتى يسند ظهره إلى الحجر الاسود، ويهز الراية المغلبة. قال علي بن أبي حمزة: فذكرت ذلك لابي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام فقال: وكتاب منشور " البحار ج 52 ص 306، ولا يعني ذلك أنه يعلن ظهوره من ذي طوى مع أصحابه قبل دخوله المجسد، بل يعني أن مجيئهم إلى مكة من ذي طوى، أو بداية حركتهم إلى المسجد من هناك. والراية المغلبة هي راية النبي (ص) التي ذكرت الروايات أنها تكون معه عليه السلام، وأنها لم تنشر بعد حرب الجمل، حتى ينشرها المهدي عليه السلام وذكرت الروايات أن معه أيضا مواريث النبي صلى الله عليه وآله ومواريث الانبياء صلى الله عليه وآله. ومعنى قول الامام الكاظم عليه السلام في تعليقه على الحديث " وكتاب منشور " أنه يخرج الناس كتابا منشورا أيضا، ولعله العهد المعهود له بإملاء النبي صلى الله عليه وآله وخط أمير المؤمنين (ع) كما تشير إليه الرواية في نفس المصدر. وعن الامام زين العابدين عليه السلام قال " فيهبط من عقبة طوى في ثلاثماية وثلاثة عشر رجلا، عدة أهل بدر، حتى يأتي المسجد الحرام. فيصلي فيه

[ 283 ]

عند مقام ابراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الاسود، ثم يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبي ويصلي عليه، ثم يتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس. فيكون أول من يضرب على يده ويبايعه جبرئيل وميكائيل " البحار ج 52 م ص 307. وقد ذكرت الروايات فقرات من خطبته عليه السلام، أو بيانه الاول الذى يلقيه على أهل مكة، وبيانه الثاني الذي يوجهه إلى المسلمين والعالم. من ذلك ما في مخطوطة ابن حماد عن أبي جعفر قال " ثم يظهر المهدي عند العشاء، ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقميصه وسيفه، وعلامات ونور وبيان. فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم. فقد اتخذ الحجة وبعث الانبياء. وأنزل الكتاب. وأمركم أن لا تشركوا به شيئا. وأن تحافظوا على طاعة الله وطاعة رسوله. وأن تحيوا ما أحيا القرآن وتميتوا ما أمات. وتكونوا أعوانا على الهدى. ووزرا على التقوى. فإن الدنيا قددنا فناؤها وزوالها وآذنت بوداع. فإني أدعوكم إلى الله والى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، واحياء سنته. فيظهر في ثلاثماية وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر، على غير ميعاد، قزعا كقزع الخريف، رهبان بالليل، أسد بالنهار، فيفتح الله للمهدي أرض الحجاز، ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم. وتنزل الرايات السود الكوفة، فتبعث بالبيعة إلى المهدي. ويبعث المهدي جنوده في الافاق. ويميت الجور وأهله. وتستقيم له البلدان " ص 95. وقزع الخريف: غيوم الخريف التي تكون متفرقة منتشره في السماء ثم تجتمع. وأول من شبه تجمع أصحاب المهدي عليه السلام بذلك أمير المؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة خطبة رقم 166 وغريب كلامه عليه السلام رقم 1، ولعله أخذ ذلك من النبي صلى الله عليه وآله ومن المحتمل أن يكون ظهور المهدي عليه السلام وتجمع أصحابه في مكة في فصل الخريف،

[ 284 ]

أو آخر الصيف كما أشرنا. وعن أبي خالد الكابلي قال " قال أبو جعفر عليه السلام (الامام الباقر): " والله لكأني أنظر إلى القائم وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثم ينشد الله حقه، ثم يقول: يا أيها الناس: من يحاجني في الله، فأنا أولى الناس بالله. أيها الناس: من يحاجني في آدم، فأنا أولى الناس بآدم. أيها الناس: من يحاجني في نوح، فأنا أولى الناس بنوح. أيها الناس: من يحاجني في إبراهيم، فأنا أولى الناس بإبراهيم. أيها الناس: من يحاجني في موسى، فأنا أولى الناس بموسى. أيها الناس: من يحاجني في عيسى، فأنا أولى الناس بعيسى. أيها الناس: من يحاجني في محمد، فأنا أولى الناس بمحمد. أيها الناس: من يحاجني في كتاب الله، فأنا أولى الناس بكتاب الله. ثم ينتهي إلى المقام فيصلي ركعتين " البحار ج 52 ص 315. وجاء في روايات أخرى بعض الاضافات. منها أنه يقول " يا أيها الناس: إنا نستنصر الله ومن أجابنا من الناس. وإنا أهل بيت نبيكم محمد صلى الله عليه وآله، ونحن أولى الناس بمحمد. فأنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمد. ألا ومن حاجني من سنة رسول الله، فأنا أولى الناس بسنة رسول الله. فيجمع الله عليه أصحابه، ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويجمعهم على غير ميعاد. فيبايعونه بين الركن والمقام. ومعه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله قد توارثته الابناء عن الاباء " البحار ج 52 ص 238 - 239. وتذكر بعض الروايات أن رجلا من أصحابه عليه السلام يقف أولا في المسجد الحرام فيعرفه الناس، ويدعوهم إلى الاستماع إليه وإجابته، ثم يقف هو عليه السلام ويلقي خطبته. فعن الامام زين العابدين عليه السلام

[ 285 ]

قال " فيقوم رجل منه فينادي: يا أيها الناس. هذا طلبتكم قد جاء كم، يدعوكم إلى ما دعاكم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله. قال فيقومون فيقوم هو بنفسه فيقول: أيها الناس، أنا فلان بن فلان ابن نبي الله صلى الله عليه وآله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي الله. فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلاث مئة ونيف (وينيف على الثلاثمائة) فيمنعونه " البحار ج 52 ص 306. ومعنى رجل منه: أي من نسبه. ومعنى فيقومون: فيقفون ليروا المهدي عليه السلام الذي يهلج الناس بذكره وينتظرونه. ويحتمل أن يكون معناه فيقفون ويأخذون بالانصراف خوفا من السلطة. والذين يقومون إليه ليقتلوه لابد أنهم من سلطة الحجاز. والرواية بدقتها تصور حالة المسلمين في التشوق إلى الامام المهدي وطلبهم له وبحثهم عنه. وحالة ارهاب السلطة وبطشها في نفس الوقت. وينبغي الالفات إلى أنه من المستبعد أن يكفي أصحابه الخاصون عليه السلام لتحرير الحرم ومكة في مثل ذلك الجو الارهابي الذي تذكره الاحاديث الشريفة، والذي يكفي أن نعرف منه حادثة قتل النفس الزكية قبل الظهور بأسبوعين بذلك النحو الوحشي، لمجرد أنه يقول أنا رسول المهدي ويبلغهم عنه كلمات. لذلك لابد أن يكون الامام المهدي عليه السلام مضافا إلى ما أعطاه الله تعالى من أسباب غيبية، قد أعد العدة بالاسباب الطبيعية لكي يتمكن من إلقاء خطبته كاملة، ثم ليسيطر أصحابه على الحرم الشريف، ثم على مكة. وذلك بواسطة المئات أو الالوف من أنصاره اليمانيين والايرانيين والحجازيين، بل من المكيين أنفسهم الذين ذكرت الروايات أنه يبايعه عدد منهم. فهؤلاء يكونون القوة البشرية والعسكرية الذين يقومون بالاعمال والمهام المتعددة الضرورية لانجاح حركته المقدسة، والامساك بزمام الامر في مكة، وتحويل

[ 286 ]

التيار الشعبي المؤيد له إلى حالة ثورية متكاملة. ويكون دور أصحابه الخاصين الثلاث مئة وثلاثة عشر دور القادة والموجهين لفعاليات الانصار. ولا يعني ذلك أن حركة ظهوره عليه السلام تكون حركة دموية، فان الروايات لاتذكر حدوث أي معركة أو قتل في المسجد الحرام، ولا في مكة. وقد كنت سمعت من بعض العلماء أن أصحاب المهدي عليه السلام يقتلون امام المسجد الحرام في تلك الليلة، ولكني لم أجد رواية فيه. وغاية ما وجدته ما نقله صاحب الزام الناصب رحمه الله في ج 2 ص 166 نقلا عن بعض العلماء قال " وفي اليوم العاشر من المحرم يخرج الحجة، يدخل المسجد الحرام يسوق أمامه عنيزات ثمان عجاف (ثماني عجافا) ويقتل خطيبهم، فإذا قتل الخطيب غاب عن الناس في الكعبة، فإذا جنة الليل ليلة السبت صعد سطح الكعبة ونادى أصحابه الثلاثة مائة وثلاثة عشرة (عشر) فيجتمعون عنده من مشرق الارض ومغربها، فيصبح يوم السبت ويدعو الناس إلى بيعته " ولكن هذا النص ليس رواية. مضافا إلى ضعف متنه الذي أشرنا إلى بعضه. لهذا، فان المرجح أن حركة ظهوره عليه السلام تكون حركة بيضاء لا تسفك فيها دماء، بسبب الامداد الغيبي للامام المهدي عليه السلام، وإلقاء الرعب في قلوب أعدائه. وبسبب التيار الشعبي الباحث عنه والمتشوق لظهوره. وثالثا بسبب الخطة المتقنة للسيطرة على الحرم وعلى مراكز السلطة والمواقع الهامة في مكة بدون سفك دماء. ولا يبعد أن يكون ذلك مقصودا بعناية منه عليه السلام، لكي يحفظ حرمة المسجد الحرام ومكة المكرمة وقدسيتها.. وفي تلك الليلة تتنفس مكة الصعداء، وترف عليها راية المهدي

[ 287 ]

عليه السلام، وتشع منها أنواره. بينما يبذل الاعداء وإعلامهم العالمي جهدهم لكي يعتموا على نجاح حركته المقدسة، أو يصوروها إذا تسرب خبرها بأنها حركة واحد من المتطرفين المدعين للمهدية، الذي سبق أن قضي على عدد منهم في مكة وغيرها. وينشطون في تحريك عناصرهم داخل مكة، لجمع المعلومات عن قائد الحركة وقواته، واكتشاف نقاط الضعف المناسبة، وتقديمها إلى قوات السفياني، التي يصدر إليها الامر بالتحرك إلى مكة بأسرع وقت ممكن. وفي يوم عاشوراء، ويكون يوم سبت كما تذكر الروايات، يدخل الامام المهدي عليه السلام المسجد الحرام ليؤكد عالمية حركته، ويخاطب شعوب المسلمين كلها وشعوب العالم بلغاتها، ويطلب منهم النصرة على الكافرين والظالمين. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " يخرج القائم يوم السبت يوم عاشوراء، اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام " البحار ج 52 ص 285، وقد تقدمت الرواية بأنه يخرج يوم الجمعة بعد صلاة العشاء، ووجه الجمع بينهما ما رجحناه من أن ظهوره عليه السلام يكون على مرحلتين، وأن سيطرته على الحرم ومكة ليلة العاشر من محرم تكون مقدمة لاعلان ظهوره للعالم يوم السبت يوم عاشوراء. ولابد أن يكون لذلك وقع على دول العالم، ودوي كبير في الشعوب الاسلامية. خاصة عندما يخبرهم عليه السلام بأن المعجزة الموعودة على لسان جده المصطفى صلى الله عليه وآله سوف تقع ويخسف بالجيش السوري السفياني الذي يتوجه إلى مكة للقضاء على حركته. والروايات عن مدة بقائه في مكة وأعماله فيها قليلة، تقول احداها " فيقيم في مكة ما شاء الله أن يقيم " البحار ج 52 ص 334، وتذكر أخرى أنه

[ 288 ]

يقيم الحد على سراق الكعبة الشريفة، وقد يكون المقصود بهم حكام الحجاز قبله. ولابد أن يكون من أعماله عليه السلام مخاطباته للعشوب الاسلامية، واعلان خطه السياسي العالمي. وتذكر الروايات أنه يخرج من مكة إلا بعد أن تحصل معجزة الخسف بجيش السفياني، ولكن هذا الجيش على ما يبدو سرعان ما يتوجه إلى مكة بعد اعلان حركته عليه السلام للقضاء عليها، فيخسف الله به قبل أن يصل إلى مكة. نعم تذكر الروايات ردة الفعل الشديدة عند أئمة الكفر الغربيين والشرقيين على نجاح حركته عليه السلام، وأن ذلك سوف يغيظهم كثيرا ويفقدهم أعصابهم، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل الشرق وأهل الغرب. قلت له: مم ذلك ؟ قال: مما يلقون من بني هاشم " البحار ج 52 ص 363، وفي رواية " مما يلقونه من أهل بيته قبله " وهذا يدل على أنه يكون قبله عليه السلام عدة حركات ممهدة يقودها في الغالب سادة من بني هاشم، وأن الكفر العالمي يلاقي منها ومن تيارها الاسلامي متاعب كثيرة. ثم يتوجه الامام المهدي عليه السلام من مكة إلى المدينة بجيشه المؤلف من عشرة آلاف أو بضعة عشر ألفا كما تذكر الروايات، بعد أن يعين واليا على مكة. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " يبايع القائم بمكة على كتاب الله وسنة رسوله. ويستعمل على مكة، ثم يسير نحو المدينة، فيبلغه أن عامله قتل. فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة ولا يزيد على ذلك " البحار ج 52 ص 308. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " يدعوهم بالحكمة والموعظة

[ 289 ]

الحسنة (أي اهل مكة) فيطيعونه، ويستخلف عليهم رجلا من أهل بيته، ويخرج يريد المدينة. فإذا سار منها وثبوا عليه فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين مقنعي رؤوسهم، يبكون ويتضرعون ويقولون: يا مهدي آل محمد التوبة التوبة. فيعظهم وينذرهم ويحذرهم، ويستخلف عليهم منهم خليفة ويسير " البحار ج 53 ص 11، وهذه الرواية لا تشير إلى وجود حركة مقاتلة في وجهه في مكة. وقد يكون المقصود بأنه يقتل مقاتلتهم في الرواية الاولى الافراد الذين قتلوا واليه على مكة. وفي طريقه إلى المدينة، يمر على مكان الخسف بجيش السفياني كما تذكر رواية تفسير العياشي عن الامام الباقر عليه السلام " فإذا خرج رجل منهم (من آل محمد) معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، عامدا إلى المدينة، حتى يقول (فيقول) هذا مكان القوم الدين يخسف (خسف) الله بهم، وهي الاية التي قال الله عزوجل " أفأمن الذين يمكرون السيآت أن يخسف الله بهم الارض، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون. أو يأخذهم في تقلبهم فماهم بمعجزين ". تحرير المدينة المنورة والحجاز تذكر بعض الروايات أن الامام المهدي عليه السلام يخوض معركة أو أكثر في المدينة المنوره، على عكس الامر في مكة. فعن الامام الباقر عليه السلام قال في حديث طويل " يدخل المدينة فيغيب عنهم (عنها) عند ذلك قريش، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام: والله لودت قريش (أن لي) عندها موقفا واحد جزر جزور، بكل ما ملكته وكل ما طلعت عليه الشمس. ثم يحدث حدثا، فإذا هو فعل ذلك قالت قريش: أخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فو الله لو كان محمديا ما فعل، ولو كان علويا ما فعل، ولو كان فاطميا ما فعل. فيمنحه الله أكتافهم، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية، ثم ينطلق

[ 290 ]

حتى ينزل الشقرة فيبلغه أنهم قد قتلوا عامله، فيرجع إليهم فيقتلهم مقتله ليس قتل الحرة إليها بشئ. ثم ينطلق يدعو الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه. " البحار ج 52 ص 342 عن تفسير العياشي. فهذه الرواية تذكر معركتين في المدينة: الاولى، بعد الحدث الذي يحدثه المهدي عليه السلام فيها فتنكره قريش وغيرها، ويبدو أنه يتعلق بهدم مسجد النبي صلى الله عليه وآله وقبره الشريف وإعادة بنائهما كما تذكر روايات أخرى، فيتخذ أعداؤه ذلك ذريعة لتحريك الناس عليه وقتاله، فيقاتلهم ويقتل منهم مئات كما في رواية أخرى. وعندها يتمنى القرشيون، أي المنتسبون إلى قبائل قريش لو أن أمير المؤمنين عليه السلام كان حاضرا ولو بمقدار جزر جزور، أي بمقدار ذبح ناقة، لكي يخلصهم من انتقام المهدي، لان سياسة أمير المؤمنين فيهم كانت الحلم والعفو. والمعركة الثانية، بعد أن يقضي عليه السلام على هذه الحركة المضادة، ويعين على المدينة حاكما من قبله، ويخرج متوجها إلى العراق أو ايران، وينزل في منطقة الشقرة أو الشقرات وهي منطقة في الحجاز باتجاه العراق وايران، وقد تكون محل معسكر جيشه، فيقوم أهل المدينة مرة أخرى بحركة مضادة ويقتلون الوالي الذي عينه عليهم. فيرجع إليهم ويقتل منهم أكثر مما قتل منهم الجيش الاموي في وقعة الحرة المشهورة، ويخضع المدينة مجددا لسلطته. وعدد قتلى الحرة كما تذكر مصادر التاريخ أكثر من سبع مئة شيهد رضوان الله عليهم، وقد كانت ثورتهم على يزيد بن معاوية بعد ثورة الامام الحسين عليه السلام، وهي ثورة مشروعة بعكس ثورة أهل المدينة هذه على الامام المهدي عليه السلام. وتشبيه فعل جيشه عليه السلام بأهل المدينة بفعل جيش يزيد إنما هو من حيث كثرة القتلى فقط. وقد أورد صاحب كتاب يوم الخلاص ص 265 جزءا من رواية

[ 291 ]

العياشي المتقدمة يفهم منه أن المهدي عليه السلام يخوض حربا في المدينة عند دخولها. ولكنها كما ترى تذكر معركتين بعد دخوله المدينة، وروايات كتاب يوم الخلاص جميعها تحتاج إلى تدقيق في نسبتها إلى مصادرها، كما أن صاحب الكتاب غفر الله له أجاز لنفسه أن يقطع الروايات ويضم أجزاء من بعضها إلى بعض آخر، ثم ينسبها إلى مصدر فيه جزء مما ذكره، أو جزء شبيه به ! ومن المحتمل أن يلاقي الامام المهدي عليه السلام مقاومة عندما يأتي بجيشه إلى المدينة من بقية قوات السلطة أو قوات السفياني، وأن يخوض معهم معركة وينتصر عليهم. ولكني لم أجد رواية تدل على ذلك، ووجدت رواية تشير إلى رضا أهل المدينة به عليه السلام وعدم مقاومتهم له، ففي الكافي ج 8 ص 224 عن الامام الصادق عليه السلام قال في حديث طويل " ويهرب يومئذ من كان بالمدينة من ولد علي عليه السلام إلى مكة فيلحقون بصاحب هذا الامر. ويقبل صاحب هذا الامر نحو العراق، ويبعث جيشا إلى المدينة فيأمن أهلها، ويرجعون إليها " ويساعد على مضمون هذا الحديث ما كان لاقاه أهل المدينة من جيش السفياني، ومعجزة الخسف به، وضعف حكومة الحجاز، وربما انهيارها بعد حادثة الخسف بجيش السفياني. والتيار العالم المؤيد للمهدي عليه السلام. يضاف إلى كل ذلك شعور أهل المدينة بأنه عليه السلام منهم. وهذه الرواية كما ترى تشير إلى أنه عليه السلام لا يأتي هو إلى المدينة في تلك الفترة رأسا، بل يرسل جيشا إليها. وهو احتمال قريب بل راجح. كما أن الحركة المضادة التي يقتل فيها عامله أي الحاكم من قبله على المدينة قد تكون بعد فترة غير قصيرة من سيطرته على المدينة والحجاز. أما حدث إعادة بناء قير النبي صلى الله عليه وآله ومسجده، واعادة بناء الكعبة الشريفة والمسجد الحرام فالمرجح انها تكون بعد فترة الثمانية أشهر التي تتواصل فيها

[ 292 ]

معاركه وفتحه للبلاد، وقد تكون بعد فتحه القدس ودخول كافة البلاد الاسلامية تحت حكمه. مهما يكن، فان الروايات تذكر أن الله تعالى يفتح له الحجاز، ويعني ذلك سقوط بقايا حكومة الحجاز الضعيفة، وانسحاب بقايا قوات السفياني. وقد يكون فتح الحجاز ومبايعة أهله له بعد سيطرته عليه السلام على مكة ومعجزة الخسف بجيش السعياني. وبدخول الحجاز تحت حكم الامام المهدي عليه السلام، تشمل دولته اليمن والحجاز وايران والعراق، على رغم وجود فئات معارضة له في العراق. ومن المرجح أن يكون اليمن الجنوبي قد دخل تحت حكمه أيضا، وقد يكون ذلك عند ثورة أنصاره اليمانيين. وأن دويلات الخليج أيضا دخلت تحت حكمه أيضا، بحكم سيطرته على الحجاز، أو بمساعدة شعوبها ومساعدة أنصاره اليمانيين والايرانيين. ومن الطبيعي أن يكون لقيام دولة واحدة لهذه السعة بقيادة الامام المهدي عليه السلام ردة فعل كبيرة عند الغرب والشرق، لانها تمثل خطرا ستراتيجيا واقتصاديا بسيطرتها على مضيق باب المندب وهرمز الخليج. والاهم من ذلك خطرها الحضاري ومدها الاسلامي الذي ترتعد له فرائض الغرب والشرق واليهود. وقد تقدمت الرواية عن الامام الصادق عليه السلام بأن أهل الشرق والغرب يلعنون راية المهدي عليه السلام، أي ثورته ودولته. كما أن من المرجح أن يحركوا أساطيلهم البحرية في الخليج والبحار القريبة، بعد أن يفقدوا كل أنواع نفوذهم في المنطقة المحررة فلا يبقى أمامهم الا المرابطة في البحار، والتهديد بقواتهم البحرية والجوية. وأن يكونوا هم وراء معركة البصرة وبيضاء اصطخر الاتي ذكرهما.

[ 293 ]

الامام المهدي عليه السلام في ايران والعراق يوجد تفاوت في الروايات الشريفة حول تحرك الامام المهدي عليه السلام من الحجاز. فروايات مصادرنا الشيعية بشكل عام تذكر أنه يتوجه مباشرة من الحجاز إلى العراق. وبعضها يذكر أنه يتوجه إليه مباشرة من مكة، وهي تؤيد رواية روضة الكافي المتقدمة بأنه يرسل جيشا إلى المدينة المنورة. وروايات مصادر السنة بشكل عام تذكر أنه يتوجه من مكة إلى الشام والقدس. وبعضها يذكر أنه يتوجه إلى العراق ثم إلى الشام والقدس. وتنفرد رواية أو اثنتان في مخطوطة ابن حماد بأنه عليه السلام يأتي أولا إلى جنوب ايران، حيث يبايعه الايرانيون وقائدهم الخراساني وقائد جيشه شعيب بن صالح، ثم يخوض بهم معركة ضد السفياني في منطقة البصرة، ثم يدخل العراق. فالامر المجمع عليه بين الروايات أن منطلق حركة ظهوره عليه السلام هو مكة وهدفها القدس. وأنه فيما بين ذلك يشتغل فترة في ترتيب أوضاع دولته الجديدة، خاصة العراق، وفي إعداد جيشه للزحف إلى القدس. ومن الطبيعي أن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله والائمة والصحابة والتابعين ليست في صدد بيان كل تحركاته وتنقلاته عليه السلام. بل بصدد بيان الاحداث الاساسية التي لا تضر بخطة حركته، وتبعث الامل في نفوس المسلمين، ثم تكون اعجازا ربانيا يقوي إيمان المسلمين عند ظهوره، ويدفعهم إلى نصرته وتأييده. ومن المرجح أنه عليه السلام يتنقل في هذه الفترة بين الحجاز وايران والعراق واليمن حسب ما تقتضيه المصلحة، وأنه

[ 294 ]

عليه السلام لا يشارك شخصيا في معارك جيشه، إلا عندما يوجب الامر ذلك. وقد رجحنا في فصل ايران رواية مجيئه عليه السلام إلى جنوب ايران، لاعتبارات متعددة، منها، أن روايات مصادر الفريقين تذكر معركة البصرة بعد تحريره الحجاز، وأنها تكون معركة كبيرة وحاسمة. ومنها، أن عمدة جيشه وجمهوره في تلك المرحلة على الاقل هم الايرانيون فمن الطبيعي أن يأتي إلى ايران من أجل الاعداد لمعركة البصرة والخليج. قال ابن حماد في ص 86 من مخطوطته " حدثنا الوليدبن مسلم ورشد بن سعد، عن أبي رومان، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال " إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب بن صالح، فيلتقي هو وأصحاب السفياني بباب إصطخر، فيكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني. فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه ". وقال " حدثنا سعيد أبو عثمان عن جابر عن أبي جعفر قال " يبث السفياني جنوده في الافاق بعد دخوله الكوفة وبغداد، فيبلغه فزعة من وراء النهر من أهل خراسان، فيقبل أهل المشرق عليهم قتلا، ويذهب بحبهم (كذا) فإذا بلغه ذلك بعث جيشا عظيما إلى إصطخر، عليهم رجل من بني أمية فيكون لهم وقعة بقومس، ووقعة بدولات الري، ووقعة بتخوم زرع، فعند ذلك يأمر السفياني بقتل أهل الكوفة وأهل المدينة. وعند ذلك تقبل الرايات السود من خراسان على جميع الناس شاب من بني هاشم بكفه اليمنى خال، يسهل الله أمره وطريقه. ثم تكون له وقعة بتخوم خراسان، ويسير الهاشمي في طريق الري فيسرح رجل (رجلا) من بني تميم من الموالي يقال له شعيب بن صالح ابن إصطخر إلى الاموي، فيلتقي هو والمهدي والهاشمي ببيضاء إصطخر فتكون بينهما ملحمة عظيمة حتى تطأ الخيل الدماء إلى أرصاغها (أرساغها) ثم تأتيه

[ 295 ]

جنود من سجستان عظيمة عليهم رجل من بني عدي فيظهر الله أنصاره وجنوده، ثم تكون وقعة بالمدائن بعد وقعتي الري، وفي عاقرقوفا وقعة صيلمية يخبر عنها كل ناج، ثم يكون بعدها ذبح عظيم بباكل، ووقعة في أرض نصيبين، ثم يخرج على الاخوص قوم من سوادهم، هم العصب، عامتهم من الكوفة والبصرة، حتى يستنقذوا ما في يديه من سبي كوفان ". وعلى رغم الضعف في هاتين الروايتين، في سندهما، وفي اضطراب متنهما، وذكر الثانية منهما أحداثا ومعارك متعددة لم ترد إلا في روايات ضعيفة. ولكنهما تؤيدان ما ورد عن معركة البصرة في فصل العراق. كما أن روايات ردة فعل أهل الشرق والغرب العنيفة على نجاح ثورة المهدي عليه السلام تؤيد ما ورد في بعض روايات حرب البصرة من أن الطرف المقابل للمهدي وأنصاره يكونون الغربيين أهل الاناجيل، وترجح أن يكون جيش السفياني المذكور في رواية ابن حماد واجهة للقوات الغربية. فعن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة طويلة عن البصرة " فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالابلة من الشهداء، أناجيلهم في صدورهم " شرح النهج لابن ميثم البحراني - الخطبة 128 وإذا صح أن هذه الرواية تقصد معركة البصرة والخليج التي تقصدها رواية ابن حماد في حركة الظهور، فإنها ستكون من الضخامة والاهمية بحيث يتضح بعدها للناس أن ميزان القوة أصبح لمصلحة المهدي عليه السلام " فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه " كما ذكرت رواية ابن حماد. وتذكر رواية لم أجدها في المصادر الاساسية أن الامام المهدي عليه السلام يدخل العراق في سبع قباب من نور، فعن الامام الباقر عليه السلام في تفسيره قوله تعالى " يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار

[ 296 ]

السماوات والارض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان " قال: ينزل القائم يوم الرجفة بسبع قباب من نور، لا يعلم في أيها هو، حتى ينزل الكوفة " يوم الخلاص ص 267 بدون مصدر. وقد تكون هذه الحادثة كرامة ربانية للامام المهدي عليه السلام، وقد تكون تعبيرا عن دخوله العراق في سرب من الطائرات أو وسائل مشابهة عبرت عنها الروايات بقباب من نور، ويساعد عليه ذكرها تفسيرا للاية الشريفة. والروايات عن أعماله عليه السلام في العراق كثيرة، ذكرنا بعضها في فصل العراق، ونجمل ما بقي منها هنا. فمنها الروايات الكثيرة التي تذكر تصفيته لاوضاع العراق الداخلية وقتله فئات الخوراج عليه، وقد تقدم أكثرها في محله. ومنها، دخوله الكوفة والنجف وكربلاء، وأنه يتخذ الكوفة عاصمة له، ويبني قربها مسجد الجمعة العالمي الذي يكون له ألف باب كما تذكر الروايات. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " إن قائمنا إذا قام أشرقت الارض بنور ربها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس. ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر، لا يولد فيهم أنثى. يبني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، وتتصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة، حتى يخرج يوم الجمعة على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها " البحار ج 52 ص 330، وفي ص 331 عن الامام الباقر عليه السلام قال " فإذا كانت الجمعة الثانية قال الناس: يا ابن رسول الله، الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، والمسجد لا يسعنا، فيخط مسجدا له ألف باب يسع الناس عليه أصيص " أي بناء محكم. وقد يكون ذكر الالف باب لبيان سعة المسجد، الذي يبدو أنه مسجد الجمعة الذي يقصده الناس من أنحاء العالم لصلاة الجمعة خلف الامام المهدي عليه السلام وقد تشمل مساحته مع مطاره ومواقف السيارات مثلا المساحة الواقعة بين

[ 297 ]

الكوفة وكربلاء البالغ طولها نحو ثمانين كيلومترا. ومنها، إظهاره لمكانة كربلاء وكرامة جده سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام، واعطاء كربلاء مكانتها العالمية، وقد ورد ذلك في الروايات فعن الامام الصادق عليه السلام " وليصبرن الله كربلاء معقلا ومقاما، تختلف إليه الملائكة والمؤمنون، وليكونن لها شأن من الشأن " البحار ج 53 ص 12. ومنها، الاية التي تظهر منه في نجف الكوفة، حيث يلبس درع جده النبي صلى الله عليه وآله ويركب مركبا خاصا يضئ للعالم فيراه الناس في بلادهم وهو في مكانه. فعن الامام الصادق عليه السلام قال " كأني بالقائم عليه السلام على ظهر النجف لابسا درع رسول الله صلى الله عليه وآله فيتقلص عليه، ثم ينتفض بها فتستدير عليه، ثم يغشي الدرع بثوب إستبرق، ثم يركب فرسا له أبلق بين عينيه شمراخ، ينتفض به، لا يبقى أهل بلد إلا أتاهم نور ذلك الشمراخ حتى يكون آية له. ثم ينشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله إذا (فإذا) نشرها أضاء لها ما بين المشرق والمغرب " البحار ج 52 ص 391، وفيها عن أمير المؤمنين عليه السلام قال " كأنني به قد عبر من وادي السلام إلى مسيل السهلة على فرس محجل له شمراخ يزهر يدعو ويقول في دعائه " لا إله إلا الله حقا حقا، لا اله إلا الله تعبدا ورقا. اللهم معز كل مؤمن وحيد، ومذل كل جبار عنيد. أنت كنفي حين تعييني المذاهب، وتضيق علي الارض بما رحبت. اللهم خلقتني وكنت غنيا عن خلقي، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين. يا منشر الرحمة من مواضعها، ومخرج البركات من معادنها، ويا من خص نفسه بشموخ الرفعة فأولياؤه بعزه يتعززون. يامن وضعت له الملوك نير المذلة على أعناقهم، فهم من سطوته خائفون. الخ " وسوف نشير إلى ما يظهره الله تعالى على يده من واد غيبي وكرامات ومعجزات، ونذكر تطور العلوم الذي تدل عليه الروايات في عصره. ومنها، أنه يتخذ السهلة مسكنا له ولعيا له، وهي قرب الكوفة من جهة

[ 298 ]

كربلاء، وقد وردت بذلك عدة روايات. ومنها، أنه عليه السلام يطيل المكث في العراق قبل توجهه إلى القدس " ثم يأتي الكوفة فيطيل المكث بها ما شاء الله أن يمكث " البحار ج 52 ص 224، ويبدو أن السبب في ذلك مضافا إلى تثبيت الوضع داخل العراق واتخاذه مركزا لحكمه أنه يجمع نخبة معاونيه وأنصاره من العالم في العراق، ويعد قواته العسكرية ويبعثها إلى البلاد من العراق. ثم يتوجه بجيشه إلى فتح القدس. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " إذا دخل القائم الكوفة لم يبق مؤمن إلا وهو بها أو يجئ (يحن) إليها، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام. ويقول لاصحابه سيروا بنا إلى هذا الطاغية " البحار ج 52 ص 330، وعنه عليه السلام قال " كأني بالقائم على نجف الكوفة وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد " البحار ج 52 ص 337، وفي رواية " وشعيب بن صالح على مقدمته " وهو قائد جيشه. وتذكر بعض الروايات أن أول جيش يبعثه عليه السلام يبعثه إلى قتال الترك، ففي مخطوطة ابن حماد ص 58 عن أرطاة قال " يقاتل السفياني الترك ثم يكون استيصاله (استئصالهم) على يد المهدي و (هو) أول لواء يعقده المهدي يبعثه إلى الترك " وقريب منه في الملاحم والفتن لابن طاووس ص 52، وقد نقل رحمه الله في كتابه من كتاب ابن حماد سبعين صفحة أو أكثر. وقد رجحنا في فصل الترك أن يكون المقصود بهم في هذه الروايات الترك الكفار وليس الترك المسلمين كما تدل عليه قرائن كثيرة منها أن بعض الروايات عبرت عنهم بإخوان الترك وقوم من قبل الترك، وأن المرجح أن يكون المقصود بهم الروس. وتذكر بعض الروايات أنه يبعث جيشا إلى القسطنطينية والى جبال

[ 299 ]

الديلم والصين. ويبدو من مجموع الروايات أنه عليه السلام يقوم في العراق بعدة أعمال أساسية تتعلق بترتيب أوضاع دولته الجديدة وترسيخ حكمه فيها، وتأمين حدودها الشرقية من جهة روسيا والصين، ثم بالاعداد الشعبي والسياسي والعسكري لمعركة فتح القدس الكبرى. الزحف نحو القدس ذكرت بعض الروايات أن المهدي عليه السلام يرسل جيشا لقتال الروم عند أنطاكية، فيه بعض أصحابه، فيستخرجون تابوت السكينة من غار بأنطاكية وفيه نسخة التوراة والانجيل الاصليتين - مخطوطة ابن حماد ص 98، وقد نسبها صاحب يوم الخلاص في ص 284 إلى البحار ومنتخب الاثر ولم أجدها فيهما. ويبدو أن اظهار هذه الاية للغربيين عمل لتحييد قواتهم التي تكون مرابطة عند ساحل انطاكية عن المشاركة في معركة فتح القدس. وقد ورد أن هذه القوات تنزل هناك على أثر النداء السماوي في شهر رمضان، وأن الله تعالى يظهر لهم أهل الكهف آية، فعن أمير المؤمنين عليه السلام " وتقبل الروم إلى ساحل البحر عند كهف الفتية، فيبعث الله الفتية من كهفهم مع كلبهم، منهم رجل يقال له مليخا، وآخر خملاها، وهما الشاهدان المسلمان للقائم " البحار ج 52 ص 275، ولعل المعنى أن مليخا وخملاها يأتيان إلى المهدي ويبايعانه، أو يسلمان إليه مواريث تكون مع أهل الكهف. وعلى هذا هذا، فإن الامداد الغيبي هو الذي يجعل الغربيين يتريثون في خوض المعركة إلى جانب اليهود والسفياني ضد المهدي عليه السلام. وتكون الاية الاولى ظهور أصحاب الكهف، والاية الثانية استخراج أصحاب

[ 300 ]

المهدي عليه السلام تابوت السكينة ونسخا من التوراة والانجيل من غار بأنطاكية ومحاجتهم بها. ولذا يستبعد أن تقع بينهم وبين المهدي معركة عند أنطاكية. كما أن نزول قواتهم على الساحل التركي وليس في تركيا قد يشير إلى أن تركيا تكون خارجة عن نفوذهم، وقد يكون تم تحريرها في تلك الفترة بثورة شعبها، أو بجيش المهدي عليه السلام. ولكن قوات الروم التي تنزل الرملة على ساحل فلسطين، والتي تصفها بعض الروايات بمارقة الروم تشارك على ما يبدو في معركة القدس إلى جانب اليهود والسفياني. كما أن بعض الروايات تذكر أن المهدي عليه السلام يرسل جيشه إلى الشام لخوض معركة القدس، مما يطرح احتمال أنه لا يشارك بنفسه في المعركة، بل يدخل القدس بعد هزيمة أعدائه، ولكن أكثر الروايات تذكر أنه يسير بنفسه مع جيشه، ويعسكر في " مرج عذراء " القريب من دمشق. فعن الامام الباقر عليه السلام قال " ثم يأتي الكوفة فيطيل المكث بها ما شاء الله أن يمكث حتى يظهر عليها. ثم يسير حتى يأتي العذراء هو من معه، وقد التحق به ناس كثير، والسفياني يومئذ بوادي الرملة. حتى إذا التقوا وهو يوم الابدال، يخرج أناس كانوا مع السفياني مع شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى السفياني، فهم من شيعته، حتى يلحقوا بهم. ويخرج كل ناس إلى رايتهم، وهو يوم الابدال. قال أمير المؤمنين عليه السلام: ويقتل يومئذ السفياني ومن معهم (معه) حتى لا يدرك منهم مخبر. والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب " البحار ج 52 ص 224، وتدل هذه الرواية على عدة أمور: منها: الحالة الشعبية العامة المؤيدة للامام المهدي حيث يدخل جيشه سوريا بدون مقاومة مذكورة ويعسكر على بعد ثلاثين كيلو مترا من دمشق. إلى آخر

[ 301 ]

ما ذكرناه في حركة السفياني. وحاصل الحالة السياسية في المنطقة التي تفهم من الروايات قبيل معركة القدس: أن الروم الغربيين يكونون في حالة تخوف من مواجهة الامام المهدي عليه السلام بسبب انتصاراته المفاجئة، وانتصارات أصحابه في اليمن والحجاز والعراق، وربما انتصاره عليهم في معركة الخليج. وبسبب الموجة الشعبية العارمة له في الشعوب الاسلامية، وخاصة مسلمي المنطقة. ولابد أن الايات الربانية التي تسبق ظهوره عليه السلام وترافقه تكون ذات تأثير على الشعوب الغربية أيضا وتزيد في ارتباك حكوماتها، فلا تقوم بأكثر من إرسال قواتها إلى ساحل أنطاكية وساحل الرملة في فلسطين أو مصر، ويكون دور الغربيين في المعركة بشكل عام مساندة حلفائهم اليهود والسفياني. أما وضع اليهود فيكون أكثر قلقا ورعبا، لان المعركة مصيرية بالنسبة إليهم، ولكنهم يفضلون أن لا يواجهوا جيش المهدي مباشرة، بل بواسطة خط دفاعهم (العربي) بقيادة السفياني. وهذه قاعدة وسنة آلهية في الشعوب والحكومات المترفة الطاغية أنهم يفضلون دائما أن يجدوا شعبا أو قوة عسكرية تقاتل نيابة عنهم، وأن يبقوا هم وراءها في الخط الثاني أو الثالث، كما نشاهد اليوم في حالة الغربيين واليهود عموما. أما الحالة الشعبية في المنطقة فتبلغ من تأييدها للامام المهدي عليه السلام أنها تكاد تطيح بالسفياني وتضم بلاد الشام إلى دولته عليه السلام، لولا الاسناد الخارجي القوي للسفياني وجيشه من الروم واليهود. ولا يبعد أن يرافق تراجع السفياني من دمشق إلى الرملة بفلسطين التي تكون قوات الروم فيها، تراجع قواته العسكرية أيضا أمام زحف جيش المهدي، وأن تكون بلاد الشام ما عدا الخط المحاذي لاسرائيل في حالة فراغ عسكري،

[ 302 ]

وشبه فراغ سياسي. وقد اورد ابن حماد في مخطوطته نحو عشرين حديثا تحت عنوان " خروج المهدي من مكة إلى بيت المقدس " وورد عدد منها في مصادرنا الشيعية أيضا. منها، عن ابن وزير الغافقي أنه سمع عليا يقول " يخرج في اثني عشر ألفا إن قلوا وخمسة عشر ألفا إن كثروا. يسير الرعب بين يديه. لا يلقاه عدو إلا هزمهم بإذن الله. شعارهم أمت أمت. لا يبالون في الله لومة لائم. فيخرج إليهم سبع رايات من الشام فيهزمهم ويملك، فترجع إلى المسلمين محبتهم ونعمتهم وقاصتهم وبزارتهم، فلا يكون بعدهم الا الدجال. قلنا: وما القاصة والبزارة ؟ قال يقبض الامر حتى يتكلم الرجل بأشياء لا يخشى شيئا " ص 96، وفيها " ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس، وتنقل إليه الخزائن، وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته ". وفي ص 97 " فيقول (أي المهدي " أخروجوا إلي ابن عمي حتى أكمله، فيخرج إليه فيكلمه، فيسلم له الامر ويبايعه: فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمته كلب فيرجع ليستقيله، فيقتتل هو وجيش السفياني على سبع رايات، كل صاحب راية منهم يرجو الامر لنفسه، فيهزمهم المهدي " وفيها " فيستقيله البيعة فيقيله، ثم يعبي جيوشه لقتاله فيهزمه، ويهزم الله على يديه الروم ". والسفياني لعنه الله ابن عم الامام المهدي عليه السلام، لان أمية وهاشم كما هو معروف أخوان. وإذا صحت هذه الرواية فهي سياسة حكيمة وخلق عظيم من الامام المهدي عليه السلام، يريد بذلك أن يصرفه عن غيه إذا أمكنه ذلك، أو يقيم عليه مزيدا من الحجة، ولكن السفياني سرعان ما يندم على تأثره الموقت بشخصية الامام المهدي عليه السلام، ويندمه أقاربه بنو كلب، بل قادة جيشه السبعة الذين يكون

[ 303 ]

السفياني بالحقيقة قيادة اتحادية لهم، ومن وراء ذلك أسيادهم الروم واليهود. وفي رواية الملاحم والفتن عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف هذه المعركة قال " فيغضب الله على السفياني، ويغضب خلق الله لغضب الله تعالى، فترشقهم الطير بأجنحتها، والجبال بصخورها، والملائكة بأصواتها ! ولا تكون ساعة حتى يهلك الله أصحاب السفياني كلهم، ولا يبقى على الارض غيره وحده فيأخذه المهدي فيذبحه تحت الشجرة التي أغصانها مدلاة على بحيرة طبرية " وفي رواية الزام الناصب ج 2 ص 104 " فيلحقه قائد من قواد المهدي اسمه صياح فيأسره، فيأتي به إلى المهدي في صلاة العشاء الاخرة، فيستشير المهدي أصحابه، فيرون قتله، ثم يقودونه إلى ظل شجرة مدلاة الاغصان، ويذبح كما تذبح الشاة " ص 123. وتذكر بعض روايات هذه المعركة نوعا آخر من الامداد الغيبي للمسلمين فيها مضافا إلى ما ذكرته الرواية المتقدمة " أنه يسمع يومئذ صوت من السماء مناديا ينادي: ألا إن أولياء الله فلان، يعني المهدي. فتكون الدبرة على أصحاب السفياني، فيقتلون حتى لا يبقى منهم إلا الشريد " مخطوطة ابن حماد ص 97. والظاهر أن الاحاديث الواردة في مصادر الفريقين عن قتال المسلمين لليهود في آخر الزمان تقصد هذه المعركة، بدليل تشابه مضامينها وتعابيرها، وبدليل الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " بالامام المهدي وأصحابه، وقد تقدم ذكرها في فصل ايران. وغير ذلك من الادلة. ومن أشهر أحاديثها في مصادر السنة، الحديث الذي رواه مسلم وأحمد والترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله قال " لا يقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود

[ 304 ]

فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " التاج الجامع للاصول ج 5 ص 356 ومسند أحمد ج 2 ص 417، ويشبهه ما رواه مسلم والترمذي في كتاب الفتن، والبخاري في كتاب المناقب - 25 عن النبي صلى الله عليه وآله قال " يقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ". كما ورد في أحاديث المهدي عليه السلام من طرق الفريقين روايات عديدة عن استخراجه تابوت السكينة، وأسفارا من التوراة، ومحاجة اليهود بها. ويبدو أن ذلك يكون بعد انتصاره عليهم ودخوله القدس. ولم أجد في الروايات تحديدا لعدد القوات التي تشترك في هذه المعركة سواء قوات المسلمين مع المهدي عليه السلام، أو قوات السفياني واليهود والروم. وقد ورد في بعضها أن عدد قوات السفياني التي تنزل عند بحيرة طبرية يكون مئة وسبعين ألفا. ولكن توجد عدة مؤشرات تدل على أن عدد قوات الجانبين تكون كبيرة جدا، منها ما في الرواية المتقدمة عن الامام الباقر عليه السلام " وقد ألحق به ناس كثير " ومنها سعة جبهة المعركة التي تمتد من طبرية إلى القدس في أكثر الروايات، وبعضها تذكر مرج عكا وصور ودمشق أيضا. أما ما ورد في بعض الروايات من أن جيش المهدي عليه السلام يكون بضعة عشر ألفا فهو جيشه الذي يتوجه به من مكة، وربما اشتبه بعض الرواة بينه وبين جيشه الذي يتوجه به من العراق إلى القدس، ويكون قائده شعيب بن صالح قائد قوات الايرانيين، فهذا الجيش قد يزيد عدده على المليون جندي، لانه يكون فيه قوات الايرانيين واليمانيين والعراقيين وغيرهم من بلاد المسلمين، ثم ينضم إليه أعداد من بلاد الشام، وربما من غيرها.

[ 305 ]

ومع أن ابن حماد أورد روايات البضعة عشر ألفا في عدد جيش المهدي عليه السلام في زحفه نحو القدس في ص 95 وما بعدها، إلا أنه أورد رواية في ص 106 تذكر أن حرسه عليه السلام عندما يدخل القدس يكون اثني عشر ألفا " ينزل رجل من بني هاشم بيت المقدس يكون حرسه اثنا عشر ألفا " ورواية ثانية ص 107 تقول " حرسه ستة وثلاثون ألفا، على كل طريق لبيت المقدس اثنا عشر ألفا " وهذا يدل على ضخامة جيشه عليه السلام. كما أورد في ص 110 رواية عن بناء المهدي عليه السلام القدس تقول " ينزل خليفة من بني هاشم يملا الارض قسطا وعدلا، يبني بيت المقدس بناء لم يبن مثله ". ومن الطبيعي أن يكون لانتصار الامام المهدي عليه السلام المفاجئ والكاسح ودخوله القدس الشريفة وقع الصاعقة على الغربيين، وأن يجن جنونهم لهزيمة حلفائهم اليهود وانهيار كيانهم. وبمقتضى الحسابات السياسية، وما نعرفه من عنفوانهم الحالي، يقتضي أن يشنوا حملة عسكرية بحرية وجوية على الامام المهدي عليه السلام وجيشه، بل وأن يستعملوا الاسلحة الكيمياوية الفتاكة والاسلحة الذرية المحدودة. ولكن يفهم من الاحاديث الشريفة أن عدة عوامل مهدئة تكون موجودة، ولعل من أهمها نزول المسيح عليه السلام في القدس. ثم حالة الرعب التي تتعمق في الغربيين من مواجهة الامام المهدي عليه السلام. ويضاف إلى ذلك وسائل الامداد الغيبي التي يملكها الامام المهدي عليه السلام ويستعمل بعضها في حركة ظهوره، والتي تستحق استعراضها في فضل خاص، وان كان تأثيرها يكاد ينحصر بالشعوب الغربية، ويكون على حكوماتها ضعيفا أو معدوما. وقد يضاف إلى ذلك امتلاك المهدي عليه السلام أسلحة متطورة تكافي أسلحة الغربيين، أو تتفوق عليها.

[ 306 ]

نزول المسيح عليه السلام من السماء أجمع المسلمون على أن روح الله عيسى المسيح عليه نبينا وآله وعليه السلام ينزل من السماء إلى الارض في آخر الزمان. وبذلك فسر أكثر المفسرين قوله تعالى " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا " النساء - 159، وقد نقل ذلك صاحب مجمع البيان عن ابن عباس وأبي مالك وقتادة وابن زيد والبلخي، وقال: واختاره الطبري. وروى تفسيرها بذلك في البحار ج 14 ص 530 عن الامام الباقر عليه السلام قال " ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهله ملة يهودي ولا نصراني إلا آمن به قبل موته، ويصلي خلف المهدي ". وأحاديث نزوله في مصادر الفريقين كثيرة منها الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال " كيف بكم (أنتم) إذا نزل عيسى بن مريم فيكم، وامامكم منكم " راجع البحار ج 52 ص 383 ورواه البخاري وروى غيره في باب " نزول عيسى عليه السلام " ج 2 ص 256. وقد أورد ابن حماد في مخطوطته من ص 159 إلى ص 162 نحو ثلاثين حديثا تحت عنوان " نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وسيرته " وعنوان " قدر بقاء عيسى بن مريم عليه السلام بعد نزوله " منها الحديث المروي في الصحاح وفي البحار عن النبي صلى الله عليه وآله قال " والدي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا واماما مقسطا، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزيرة، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد " ص 162، وفيها " إن الانبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى. أولادهم بي عيسى بن مريم، ليس بيني وبينه

[ 307 ]

رسول، وإنه لنازل فيكم فاعرفوه، رجل مربوع الخلق، إلى البياض والحمرة. يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية. ولا يقبل غير الاسلام، وتكون الدعوة واحدة لله رب العالمين ". وقد ورد في عدد من روايات ابن حماد نزوله عليه السلام في القدس. وفي بعضها عند القنطرة البيضاء على باب دمشق، وفي بعضها عند المنارة التي عند باب دمشق الشرقي. وفي بعضها باب لد بفلسطين. وقد يكون نزوله أولا في القدس كما هو المشهور، ثم يأتي إلى الشام وغيرها. وقد ورد في بعضها أنه يصلي خلف المهدي عليهما السلام، وأنه يحج إلى بيت الله الحرام كل عام. وأن المسلمين يقاتلون معه اليهود، والروم، والدجال. وأنه يبقى في الارض أربعين سنة ثم يتوفاه الله تعالى ويدفنه السملمون. وورد في رواية عن أهل البيت عليهم السلام أن الامام المهدي عليه السلام يقيم مراسم دفنه على أعين الناس، حتى لا يقول فيه النصارى ما قالوه. وأنه يكفنه بثوب من نسج أمه الصديقة مريم عليها السلام، ويدفنه في القدس إلى جانب قبرها. والمرجح عندي في أمر نزوله عليه السلام بقرينة قوله تعالى " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به " الذي يدل على أن الشعوب المسيحية واليهود جميعا يؤمنون به. أن الحكمة من رفعة إلى السماء عليه السلام وتمديد عمره، أن الله تعالى قد ادخره لكي يؤدي دوره العظيم في هداية أتباعه وعباده، في مرحلة حساسة من التاريخ يظهر فيها المهدي عليه السلام ويكون النصارى أكبر قوة في العالم، وأكبر عائق أمام وصول نور الاسلام إلى شعوبهم وشعوب العالم، واقامة دولته وحضارته الالهية. ولذا، فإن من الطبيعي أن تعم العالم المسيحي تظاهرات شبعبية،

[ 308 ]

وفرحة عارمة، ويعتبرون أن نزوله عليه السلام لهم في مقابل ظهور المهدي في المسلمين. ومن الطبيعي أن يزور المسيح عليه السلام بلادهم المختلفة، ويظهر الله تعالى على يديه الايات والمعجزات، وأن يعمل لهدايتهم إلى الاسلام بالتدريج والنفس الطويل. وأن تكون أول الثمرات السياسية لنزوله تخفيف حالة العداء في الحكومات الغربية للاسلام والمسلمين وعقد اتفاقية الهدنة بينهم وبين الامام المهدي عليه السلام التي تذكرها الروايات. وقد تكون صلاته خلف المهدي عليهما السلام على أثر نقض الغربيين معاهدة الهدنة والصلح مع المهدي عليه السلام وغزوهم المنطقة بجيش جرار كما تدكر الروايات، فيتخذ المسيح عليه السلام موقفه الصريح إلى جانب المسلمين، ويأتم بإمامهم. أما كسر الصليب وقتل الخنزير فلا يبعد أن يكون بعد غزو الغربيين للمنطقة وهزيمتهم في معركتهم الكبرى مع المهدي عليه السلام. كما ينبغي أن ندخل في الحساب التيار الشعبي الغربي المؤيد للمسيح عليه السلم والذي يكون له تأثير ما على الحكومات قبل معركتهم الكبرى مع المهدي، وتأثير حاسم بعدها. وأما حركة الدجال، فالمرجح عندي من أحاديثها أنها تكون بعد مدة غير قصيرة من قيام الدولة العالمية على يد المهدي عليه السلام وعموم الرفاهية لشعوب الارض وتطور العلوم تطورا هائلا. وأنها حركة يهودية إباحية أشبه بحركة الهيپز الغربية الناتجة عن الترف والبطر. غاية الامر أن حركة الاعور الدجال تكون متطورة جدا وذات أبعاد عقيدية وسياسية واسعة، حيث يستعمل الدجال وسائل العلوم في ادعاءاته شعو ذاته،

[ 309 ]

ويتبعه اليهود الذين هم في الحقيقة وراء حركته، ويستغلون المراهقين والمراهقات والنساء، وتكون فتنته شديدة على المسلمين. وينبغي التثبت والتحقيق في الروايات التي تذكر أن المسيح عليه السلام هو الذي يقتل الدجال، لان ذلك من عقائد المسيحيين المذكورة في أناجيلهم، ولان المجمع عليه عند المسلمين أن حاكم الدولة العالمية يكون الامام المهدي عليه السلام ويكون المسيح عليه السلام معينا له ومؤيدا. وقد وردت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام بأن الذي يقتل الدجال هم المسلمون بقيادة الامام المهدي عليه السلام. اتفاقية الهدنة بين الامام المهدي والغربيين وأحاديث هذه الهدنة كثيرة، تدل على أنها اتفاقية صلح وعدم اعتداء، وتعايش سلمي. ويبدو أن غرض الامام المهدي عليه السلام منها أن يفتح المجال لعمل المسيح عليه السلام وعمله أن يأخذ مجراه الطبيعي في هداية الشعوب الغربية، لكي يحصل فيها التحول العقائدي والسياسي، وتكتشف زيف حكوماتها وحضارتها. ونلاحظ في روايات هذه الهدنة الشبه الكبير بينها وبين صلح الحديبية الذي عقده النبي صلى الله عليه وآله مع قريش على عدم الحرب لمدة عشر سنين وسماه الله تعالى الفتح المبين، حيث ما لبث جبابرة قريش أن نقضوا عهدهم مع المسلمين وكشفوا عن نواياهم، فكان ذلك دافعا للناس أن يدخلوا في الاسلام، ومبررا للقضاء على قوة المشركين وكفرهم. وكذلك لا يلبث الغربيون أن ينقضوا عهدهم مع المسلمين ويكشفوا عن طغيانهم ويغزوا المنطقة بنحو مليون جندي كما تذكر الروايات، فتكون المعركة الكبرى معهم، التي يظهر من وصف الروايات

[ 310 ]

لها أنها تكون أعظم من معركة فتح القدس. فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " بينكم وبين الروم أربع هدن، الرابعة على يد رجل من آل هرقل، تدوم سنين " سنتين " فقال له رجل من عبد القيس يقال له السؤدد بن غيلان: من إمام الناس يومئذ ؟ فقال: المهدي من ولدي " البحار ج 51 ص 80 وهو الحديث الثاني عشر من أربعين الحافظ أبي نعيم في الامام المهدي. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يكون بينكم وبين بني الاصفر هدنة، فيغدرون بكم في حمل امرأة، يأتون في ثمانين غاية في البر والبحر، كل غاية اثنا عشر ألفا، فينزلون بين يافا وعكا، فيحرق صاحب مملكتهم سفنهم، يقول لاصحابه قاتلوا عن بلادكم فيلتحم القتال. ويمد الاجناد بعضهم بعضا، حتى يمدكم من بحضر موت اليمن. فيومئذ يطعن فيهم الرحمان برمحه، ويضرب فيهم بسيفه، ويرمي فيهم بنبله، ويكون منه فيهم الذبح الاعظم " مخطوطة ابن حماد ص 141، وفي ص 142 " ترسي الروم فيما بين صور إلى عكا، فهي الملاحم " وفي ص 115 " (إن) لله ذبحين في النصارى، مضى أحدهما، وبقي الاخر ". ومعنى " يطعن فيهم الرحمان برمحه. الخ " أنه تبارك وتعالى يمد المسلمين بملائكته وإمداده الغيبي عليهم. وفي ص 124 " ثم يسلط الله على الروم ريحا وطيرا تضرب وجوههم بأجنحتها فتفقأ أعينهم، وتتصدع بهم الارض فيتلجلجوا في مهوا (كذا) بعد صواعق ورواجف تصيبهم. ويؤيد الله الصابرين ويوجب لهم الاجر كما أوجب لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتملا قلوبهم وصدورهم شجاعة وجرأة ". ويبدو أن هدفهم من إنزال قواتهم البحرية بين يافا وعكا، أو بين صور وعكا، كما في هاتين الروايتين هو استرجاع فلسطين مجددا واعطاؤها لليهود، وأن تكون القدس هدفا عسكريا مبررا لحملتهم. وقد ورد في الرواية التالية أن انزال قواتهم يشمل طول الساحل من

[ 311 ]

عريش مصر إلى أنطاكية في تركية، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال " فتح لرسول الله صلى الله عليه وآله فتح لم يفتح له مثله منذ بعثه الله تعالى فقلت له: يهنيك الفتح يا رسول الله قد وضعت الحرب أوزارها. فقال: هيهات هيهات، والذي نفسي بيده إن دونها يا حذيفة لخصالا ستا.. وذكر آخرها صلى الله عليه وآله فتنة الروم وغدرهم بالمسلمين بثمانين راية، وأنهم ينزلون ما بين أنطاكية إلى العريش " ابن حماد ص 118. وقد ورد في أحاديث نزول عيسى عليه السلام أن الحرب تضع أوزارها عند ذلك. ويؤيد ذلك واقع صراعنا وحروبنا مع الروم التي لم تضع أوزارها، ولن تضع أوزارها حتى يظهر المهدي وينزل عيسى عليهما السلام، وينصرنا الله تعالى على الروم في مرحلة طغيانهم العالمي. وفي ص 136 " في فلسطين وقعتان في الروم، تسمى إحداهما القطاف، والاخرى الحصاد " أي تكون الثانية كاسحة أكثر من الاولى. وتشير الرواية التالية إلى أن معركة المهدي عليه السلام مع الغربيين تكون غير متكافئة، وأن ميزان القوة يكون لصالحهم في الظاهر، ولذلك ينضم إليهم بعض ضعاف القلوب من العرب، ويقف آخرون على الحياد، فقد روى ابن حماد في ص 12 عن محمد بن كعب في تفسير قوله تعالى " ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " قال: الروم يوم الملحمة. وقال قد استنفر الله الاعراب في بدء الاسلام فقالت " شغلتنا أموالنا وأهلونا " فقال: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد. يوم الملحمة فيقولون كما قالوا في بدء الاسلام، فتحل بهم الاية يعذبكم عذابا أليما. وقال صفوان: حدثنا شيخنا أن من الاعراب من يرتد يومئذ كافرا، ومنهم من يولي على (عن) نصرة الاسلام وعسكره شاكا ". فالمرتدون هم الذين يقفون إلى جانب الروم، والمتولون هم الواقفون على الحياد، وعذابهم الاليم على يد المهدي عليه السلام بعد انتصاره على الروم.

[ 312 ]

وروى ابن حماد في ص 131 حديثا يوازن أجر شهداء هذه المعركة بأجر شهداء بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير قتلى تحت ظل السماء مذ خلق الله تعالى خلقه، أولهم هابيل الذي قتله قابيل اللعين ظلما. ثم قتلى الانبياء الذين قتلهم أممهم المبعوثة إليهم حين قالوا: ربنا الله ودعوا إليه. ثم مؤمن آل فرعون. ثم صاحب ياسين. ثم حمزة بن عبد المطلب. ثم قتلى بدر. ثم قتلى أحد. ثم قتلى الحديبية. ثم قتلى الاحزاب. ثم قتلى حنين. ثم قتلى تكون بعدي تقتلهم خوارج مارقة فاجرة. ثم ارجع يدك إلى ما شاء الله من المجاهدين في سبيله. حتى تكون ملحمة الروم، قتلاهم كقتلى بدر ". ولعل قتلى الحديبية المذكورة في الرواية تصحيف أو اضافة، لان مصادر السيرة لم تذكر وقوع حرب وقتلى في الحديبية. وورد في مصادرنا الشيعية عن أهل البيت عليهم السلام أن أفضل الشهداء عنه الله تعالى هم أصحاب سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام والشهداء مع الامام المهدي عليه السلام. أما وقت الحملة الغربية الاخيرة على بلادنا فتذكر الروايات أن مدة الهدنة معهم تكون سبع سنين، ولكنهم يغدرون وينقضونها بعد سنتين، وبعضها يذكر أنهم يغدرون بعد ثلاث سنين. ففي مخطوطة ابن حماد ص 142 عن أرطاه قال " يكون بين المهدي وطاغية الروم صلح بعد قتله السفياني ونهب كلب، حتى يختلف تجاركم إليهم وتجارهم إليكم، ويأخذون في صنعة سفنهم ثلاث سنين.. حتى ترسي الروم فيما بين صور إلى عكا، فهي الملاحم ". وقد تقدمت الرواية التي تذكر أنهم يغدرون في حمل امرأة، أي بعد تسعة أشهر من توقيع الهدنة، والله العالم.

[ 313 ]

الشعوب الغربية تدخل في الاسلام يكون لهزيمة الغربيين الساحقة على يد الامام المهدي عليه السلام في فلسطين وبلاد الشام آثار كبيرة على شعوب الغرب ومستقبله. ولابد أن الكلمة النافذة في الغرب تصبح للمسيح والمهدي عليهما السلام، وللتيار الشعبي المؤيد لهما في الشعوب الغربية. وأن هذا التيار يتولى حركة اسقاط الحكومات الكافرة واقامة حكومات تعلن انضمامها إلى دولة المهدي عليه السلام. وتذكر الروايات في مصادر السنة والشيعة أن الامام المهدي عليه السلام يتوجه إلى الغرب ويفتح هو وأصحابه المدينة الرومية الكبرى، أو المدن الرومية. وبعضها يذكر أنه يفتحها مع أصحابه بالتكبير. ففي بشارة الاسلام ص 258 نقلا عن الغيبة للطوسي قال " يفتح قسطنطينية ورومية وبلاد الصين " وفي الزام الناصب ج 2 ص 225 " ويتوجه إلى بلاد الروم فيفتح رومية مع أصحابه " وفي الملاحم والفتن ص 64 " رومية التي يفتحها المهدي عليه السلام هي أم بلاد الروم " وفي بشارة الاسلام ص 251 نقلا عن البحار، عن الامام الصادق عليه السلام قال " ثم تسلم الروم على يده فيبني لهم مسجدا ويستخلف عليهم رجلا من أصحابه وينصرف ". وفي مخطوطة ابن حماد ص 136 عن عكرمة وسعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى " لهم في الدنيا خزي " قال مدينة تفتح بالروم ". وفي بشارة الاسلام ص 297 نقلا عن الفتوحات المكية لابن عربي قال " يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفا من المسلمين ".

[ 315 ]

ملامح الدولة العالمية على يد الامام المهدى عليه السلام تدل الايات الشريفة المفسرة بظهور الامام المهدي عليه السلام، والاحاديث الشريفة المبشرة به، على أن مهمته ربانية ضخمة، متعددة الجوانب، جليلة الاهداف. فهي عملية تغيير شاملة للحياة الانسانية على وجه الارض، واقامة فصل جديد منها بكل معنى الكلمة. ولو لم يكن من مهمته عليه السلام الا بعث الاسلام من جديد، واقامة حضارته الربانية العادلة، وتعميم نوره على العالم، لكفى. ولكنها مع ذلك مهمة تطوير الحياة البشرية تطويرا ماديا كبيرا بحيث لا تقاس نعمة الحياة في عصره والعصور التي بعده عليه السلام، بالحياة في المراحل السابقة، مهما كانت متقدمة ومتطورة. وهي أيضا مهمة تحقيق مستوى هام من الانفتاح على الكون وعوالم السماء وسكانها، يكون مقدمة للانفتاح الاكبر والوحدة التامة التي تحدث بين عوالم الشهادة والغيب، بحدوث القيامة، وقيام الحياة الاخرة. وهذه لمحات عن بعض جوانب مهمته عليه السلام، بقدر ما يتسع لها هذا الكتاب.

[ 316 ]

تطهير الارض من الظلم والظالمين يبدو بالنظرة الاولى أن تطهير الارض من الظلم، والقضاء كليا على الطواغيت والظالمين، أمر غير ممكن، فقد تعودت الارض على أنين المظلومين وآهاتهم، حتى لا يبدو لاستغاثتهم مجيب، وتعودت على وجود الظالمين المشؤوم، حتى لا يخلو منهم عصر من العصور. فهم كالشجرة الخبيثة المستحكمة الجذور، ما أن يقلع منهم واحد حتى ينبت عشرة، وما أن يقضى عليهم في جيل حتى يفرخوا أفواجا في أجيال. ولكن الله الذي قضت حكمته أن يقيم حياة الناس على قانون صراع الحق والباطل والخير والشر، قد جعل لكل شئ حدا، ولكل أجل كتابا، وللظلم على الارض نهاية. جاء في تفسير قوله تعالى " يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام " الرحمان - 541 عن الامام الصادق عليه السلام قال " الله يعرفهم، ولكن نزلت في القائم يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسيف هو وأصحابه خبطا " غيبة النعماني - ص 127. وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " فليفرجن الله بغتة برجل منا أهل البيت، بأبي ابن خيرة الاماء. لا يعطيهم إلا السيف، هرجا هرجا (أي قتلا قتلا) موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر " شرح نهج البلاغة - ج 2 ص 178. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " إن رسول الله صلى الله عليه وآله في أمته باللين والمن وكان يتألف الناس. والقائم يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا. بذلك أمر في الكتاب الذى معه. ويل لمن ناواه " غيبة النعماني - ص 121، والكتاب الذي

[ 317 ]

معه هو العهد المعهود له من جده رسول الله عليه وآله، وفيه كما ورد " أقتل ثم اقتل ولا تستتيبن أحدا " أي لا تطلب التوبة من مجرم. وعنه عليه السلام قال " وأما شبهه في جده المصطفى صلى الله عليه وآله فخروجه بالسيف وقتله أعداء الله تعالى وأعداء رسوله، والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف والرعب، وأنه لاترد له راية " البحار ج 51 ص 218. وعن الامام الجواد عليه السلام قال " ثم لا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله. ويعلم رضا الله تعالى عنه في ذلك حين يحس الرحمة بقلبه " البحار - ج 51 ص 157، وفي رواية عبد الظيم الحسني رضي الله عنه في نفس المصدر عن الامام الجواد عليه السلام " فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف خرج باذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله تعالى. قلت، وكيف يعلم أن الله قد رضي ؟ قال: يلقي الله في قلبه الرحمة " بل جاء في الاحاديث أن بعض أصحابه عليه السلام يرتاب ويعترض عليه لكثرة ما يرى من سفكه لدماء الظالمين، فعن الامام الباقر عليه السلام " حتى إذا بلغ الثعلبية (اسم مكان في العراق) قام إليه رجل من صلب أبيه (أي من نسبه) هو أشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الامر، فيقول: يا هذا ما تصنع ؟ ! فو الله انك لتجفل الناس إجفال النعم ! (أي كما يجفل الراعي أو الذئب قطيع الماشية) أفبعهد من رسول الله، أم بماذا ؟ فيقول المولى الذي ولي البيعة (أي المسؤول عن أخذ البيعة للامام من الناس): أسكت، لتسكتن أو لاضربن الذي فيه عيناك. فيقول القائم: اسكت يا فلان، إي والله إن معي لعهدا من رسول الله صلى الله عليه وآله، هات يا فلان العيبة (أي الصندوق) فيأتيه بها، فيقرأ العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول الرجل: جعلني الله فداك: أعطني رأسك أقبله، فيعطيه رأسه، فيقبل بين عينيه، ثم يقول: جعلني الله فداك، جدد لنا بيعة، فيجدد لهم بيعة " البحار ج 53 - ص 343، ولا بد أن هناك علامات أو آية يعرف بها أصحابه أن تلك

[ 318 ]

الصحيفة هي عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما طلبهم أن يجددوا مبايعته عليه السلام فلان اعتراضهم عليه يعتبر نوعا من الاخلال بيعتهم. وقد يرى البعض في سياسة القتل والابادة للظالمين التي يعتمدها الامام المهدي عليه السلام، أنها قسوة واسراف في القتل. ولكنها في الواقع عملية جراحية ضرورية لتطهير مجتمع المسلمين ومجتمعات العالم من الطغاة والظالمين، وبدونها لا يمكن إنهاء الظلم واقامة العدل، ولا القضاء على اسباب المؤامرات الجديدة التي سيقوم بها بقاياهم فيما لو استعمل الامام معهم سياسة اللين والعفو. فالظالمون في مجتمعات العالم كالغصون اليابسة من الشجرة، بل كالغدة السرطانية، لابد من استئصالها من أجل نجاة المريض مهما كلف الامر. والامر الذي يوجب الاطمئنان عند المترددين في هذه السياسة أنها بعهد معهود من النبي صلى الله عليه وآله وأن الله تعالى يعطي الامام المهدي عليه السلام العلم بالناس وشخصياتهم، فهو ينظر إلى الشخص بنور الله تعالى فيعرف ما هو وما دواؤه، ولا يخشى أن يقتل أحدا من الذين يؤمل اهتداؤهم وصلاحهم، كما أخبر الله تعالى عن قتل الخضر عليه السلام للغلام في قصته مع موسى عليه السلام حتى لا يرهق أبويه طغيانا وكفرا. بل تدل الاحاديث على أن الخضر عليه السلام يظهر مع المهدي ويكون من أعوانه، ويبدو أنه يستعمل علمه اللدني " آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما " الكهف - 65، في تنمية بذور الخير، ودفع الشر عن المؤمنين، والقضاء على الفساد والشر وهو بذرة صغيرة قبل أن يصبح شجرة خبيثة. ومن المرجح أن يكون عمل الخضر وأعوانه في دولة المهدي عليهم السلام علنيا، وأن يكون لهم حق الولاية على الناس وحق النقض على القوانين والاوضاع

[ 319 ]

الظاهرية. وقد ورد في الاحاديث الشرية أن الامام المهدي عليه السلام يقضي بين الناس بحكم الله الواقعي الذي يريه إياه الله تعالى، فلا يطلب من أحد شاهدا أو بينة، وكذلك يستعمل علمه الواقعي في تقتيل الظالمين والفجار، وقد يسير أصحابه في القضاء بين الناس وقتل الفجار بهذه السيرة، أما في بقية الامور فقد يتعاملون مع الناس على الظاهر، ويكون للخضر وأصحابه صلاحياتهم الخاصة. بعث الاسلام مجددا وتعميمه على العالم جاء في تفسير قوله تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " التوبة - 33، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال " أظهر ذلك بعد ؟ كلا والذي نفسي بيده، حتى لا تبقى قرية إلا ونودي فيها بشهادة ألا إله الا الله وأن محمدا رسول الله بكرة وعشيا " المحجة للبحراني - ص 86. وعن ابن عباس قال " حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولاصاحب ملة إلا صار إلى الاسلام. وحتى ترفع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وهو قوله تعالى " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وذلك يكون عند قيام القائم عليه السلام " المحجة - ص 87، ومعنى ترفع الجزية أي لا يقبل من أهل الكتاب الا الاسلام. وعن أبي بصير رحمه الله قال سألت أبا عبد الله (الامام الصادق) عليه السلام عن قول الله عزوجل في كتابه " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " فقال: والله ما نزل تأويلها بعد. قلت جعلت فداك ومتى ينزل تأويلها ؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء الله تعالى، فإذا خرج القائم لم يبق كافر ولا مشرك إلا كره خروجه، حتى لو أن كافرا أو مشركا في

[ 320 ]

بطن صخرة لقالت الصخرة يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك فاقتله، فيجيئه فيقتله " المحجة ص 86. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر، تطوى له الارض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عزوجل به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الارض خراب إلا عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم عليه السلام فيصلي خلفه " البحار ج 52 ص 191. وفي تفسير العياشي عن الامام الباقر عليه السلام قال في تفسيرها " يكون أن لا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله " ج 2 ص 87. وفيه عن الامام الصادق عليه السلام قال " سئل أبي عليه السلام عن قوله تعالى " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، " حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " فقال: " لم يجئ تأويل هذه الاية، ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الاية، ويبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله ما بلغ الليل حتى لا يكون شرك على وجه الارض كما قال الله تعالى " ج 2 ص 56. وجاء في تفسير قوله تعالى " إن هؤلاء إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين " ص - 88، عن الامام الباقر عليه السلام قال " عند خروج القائم عليه السلام " روضة الكافي ص 287. وفي تفسير قوله تعالى " سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " السجدة - 53 عن الامام الباقر عليه السلام قال " يريهم في أنفسهم المسخ، ويريهم في الافاق انتفاض الافاق عليهم، فيرون قدرة الله في أنفسهم وفي الافاق. وقوله " حتى يتبين لهم أنه الحق " يعني بذلك خروج القائم هو الحق من الله عزوجل، يراه هذا الخلق، لابد منه " غيبة النعماني - ص 143، وقد وردت أحاديث بأن بعض الكافرين والمنافقين من أعداء المهدي عليه السلام

[ 321 ]

يمسخون فجأة قردة وخنازير، وأن معنى انتقاض الافاق عليهم اضطراب بلدانهم وخروج شعوبهم من تحت سلطتهم، وانتقاض آفاق السماء بآيات تظهر لهم. وجاء في تفسير قوله تعالى " وله أسلم من في السماوات والارض طوعا أو كرها " آل عمران - 83 عن الامام الكاظم (ع) قال " نزلت في القائم. إذا خرج (أمر) باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الارض وغربها فعرض عليهم السلام، فمن أسلم طوعا أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب الله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحد الله تعالى. قلت جعلت فداك، إن الخلق أكثر من ذلك. فقال: إن الله إذا أراد أمرا قلل الكثير وكثر القليل " تفسير العياشي ج 1 ص 183، وما يعطاه المهدي عليه السلام من الايات ووسائل الاتصال والسيطرة على العالم هو من تكثير القليل. وعن النبي صلى الله عليه وآله قال " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا إسمه إسمي وخلقه خلقي يكني أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام، يرد الله به الدين، ويفتح له فتوح فلا يبقى على ظهر الارض إلا من يقول لا آله الا الله، فقام سلمان الفارسي وقال: يا رسول الله من أي ولدك ؟ قال: هو من ولد ابني هذا، وضرب بيده على الحسين " البيان للشافعي - ص 129. ولكن المعتمد من الروايات عند الفريقين أن كنيته عليه السلام أبو القاسم، كنية النبي صلى الله عليه وآله. وعنه صلى الله عليه وآله قال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة، يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي " البيان ص 63، وفي رواية أخرى " يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أول الزمان " البحار - ج 51 ص 78. وعنه صلى الله عليه وآله قال " ولا يكون ملك إلا للاسلام، وتكون الارض كفاتور الفضة " الملاحم والفتن - ص 66، أي تكون الارض صافية نقية من الكفر

[ 322 ]

والنفاق، كسبيكة الفضة النقية من المواد المغشوشة. وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال " ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي. ويريهم كيف يكون عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة " شرح نهج البلاغة - ج 4 ص 36، والمعنى أن المهدي عليه السلام يتبع القرآن ولا يحرف تفسيره كما فعل المنحرفون قبله. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " كأني بدينكم هذا لا يزال موليا يفحص بدمه، ثم لا يرده عليكم الا رجل منا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين. وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله " البحار - ج 52 ص 352، وقوله عليه السلام " موليا يفحص بدمه " تصوير دقيق مؤثر لحالة الاسلام كطير مجروح يرف بجناحيه ويتخبط بدمه من ضربات الظالمين له، وتحريفهم إياه، وإبعاد المسلمين عنه، حتى ينقذه المهدي عليه السلام ويحييه ويرده إلى المسلمين. والمقصود بالعطاءين في السنة والرزقين في الشهر: العطاء المالي من بيت المال كل ستة أشهر، وتوزيع الارزاق والمواد الغذائية على الناس كل أسبوعين. وعن الامام الصادق عليه السلام " يعز الله به الاسلام بعد ذله، ويحييه بعد موته، ويضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل. " بشارة الاسلام ص 297، وعن الامام الصادق عليه السلام قال " سيميت الله به كل بدعة، ويمحو كل ضلالة، ويحيي كل سنة " الكافي ج 1 ص 412. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " ولا يبقى في الارض خراب الا قد عمر. لا يبقى في الارض معبود من دون الله تعالى من صنم ووثن وغيره إلا وقعت فيه نار فاحترق " كمال الدين - ص 331.

[ 323 ]

ومن الطبيعي أن يتعجب المرء ويت‍ سأل: كيف سيتمكن الامام المهدي عليه السلام من تعميم الاسلام على الشعوب غير المسلمة مع ما هي فيه من حياة مادية، وبعد عن الايمان والقيم الروحية، ونظرة سيئة إلى الاسلام والمسلمين. ؟ !. ولكن ينبغي الالتفات إلى عوامل كثيرة عقائدية وسياسية واقتصادية، تقدم بعضها في حركة ظهوره عليه السلام. فمن ذلك أن شعوب العالم تكون قد جربت - وقد جربت - الحياة المادية البعيدة عن الدين ولمست لمس اليد فراغها وعدم تلبيتها لفطرة الانسان وانسانيته. ومنها، أن الاسلام دين الفطرة، ولو سمح الحكام الطواغيت لنوره أن يصل إلى شعوبهم على يد علماء ومؤمنين صادقين، لانجذبوا إلى نوره ودخلوا فيه أفواجا. ومنها، الايات والمعجزات التي تظهر لشعوب العالم على يد المهدي عليه السلام، ومن أبرزها النداء السماوي كما تقدم. وهذه الايات وان كان تأثيرها على الحكام موقتا أو ضعيفا أو معدوما، ولكنها تؤثر على شعوبهم بنسب مختلفة. ولعل من أهم عوامل التأثير عليهم انتصارات الامام المهدي عليه السلام المتوالية، لان من طبع الشعوب الغربية أنها تحب القوي المنتصر وتقدسه، حتى لو كان عدوها. ومنها، نزول المسيح عليه السلام، وما يظهره الله تعالى على يده من آيات ومعجزات للشعوب الغربية وشعوب العالم، بل يبدو أن دوره الاساسي وعمله الاساسي عليه السلام يكون بينهم. ومن الطبيعي أن تفرح به الشعوب الغربية وحكامها ويؤمن به الجميع أول الامر، حتى إذا بدأ يظهر ميله إلى الامام المهدي عليه السلام والاسلام تبدأ الحكومات الغربية بالتشكيك والتشويش عليه، وتنحسر موجة تأييده العارمة، ولكنه مع ذلك

[ 324 ]

سيبقى له أنصار ومؤيدون من الشعوب الغربية، ويحدث فيهم التحول العقائدي والسياسي، حتى يكونوا تيارا في بلادهم، كما ذكرنا. ومنها العوامل الاقتصادية، حيث تتحول الرفاهية والغنى على يد الامام المهدي عليه السلام إلى العالم الاسلامي، وينعم المسلمون في زمنه نعمة لا سابقة لها في تاريخ الارض وشعوبها كما تذكر الاحاديث الشريفة، ويقابل ذلك أزمات اقتصادية وسياسية في البلاد غير الاسلامية، ومن الطبيعي أن يكون لذلك تأثير هام على تلك الشعوب. تطوير الحياة المادية وتحقيق الرفاهية من الامور البارزة في أحاديث المهدي عليه السلام الرخاء الاقتصادي والتقدم التكنولوجي في الدولة العالمية التي يقيمها. خاصة وقبل هذا بعين الاعتبار صدور هذه الاحاديث الشريفة في عصر النبوة وقبل هذا التطور الذي حدث أخيرا في علوم الطبيعة وأدخل الحياة البشرية المادية في مرحلة جديدة تختلف عما سبقها في كثير من مظاهر المعيشة اليومية، والاجتماعية، والاوضاع الدولية. ومع ذلك فإن نوع الحياة المادية التي تتحدث عنها النصوص الشريفة في عصره عليه السلام، أعظم من كل ما عرفناه في عصرنا، ومما قد يوصلنا إليه تطور العلوم بالجهود البشرية الاعتيادية. وفيما يلي بعض ما ورد في ذلك: يستخرج كنوز الارض ويقسمها على الناس والاحاديث في ذلك كثيرة، منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله قال " تخرج له

[ 325 ]

الارض أفلاذ أكبادها، ويحثو المال حثوا ولا يعده عدا " البحار ج 51 ص 68، وأفلاذ أكبادها أي كنوزها، وفي رواية " حتي يخرج منها مثل الاسطوانة ذهبا ". وحديث يحثو المال حثوا أو حثيا ولا يعده عدا، مشهور في مصادر الفريقين، وهو يدل على الرخاء الاقتصادي الذي لا سابقة له، وعلى نفسية الامام المهدى السخية والمحبة للناس. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " إذا قائم أهل البيت قسم بالسوية، وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاده فقد عصى الله. ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزوجل من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوارة بالتوراة، وبين أهل الانجيل بالانجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن. وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الارض وظهرها فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الارحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرم الله عزوجل. فيعطي شيئا لم يعطه أحد قبله، ويملا الارض عدلا وقسطا ونورا كما ملئت ظلما وجورا وشرا " البحار ج 52 ص 351. تنعم الامة في زمانه وتعمر الارض عن النبي () قال " تنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قط. ترسل السماء عليهم مدرارا، ولا تدع الارض شيئا من النبات الا أخرجته " مخطوطة ابن حماد ص 98. وعنه صلى الله عليه وآله قال " تأويل إليه أمته كما تأوي النحلة (إلى) يعسوبها، يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الاول. لا يوقظ نائما ولا يهريق دما " ابن حماد ص 99، ويبدو أن معنى " على مثل أمرهم الاول " أي في المجتمع الانساني الاول عندما كانوا أمة واحدة على صفاء فطرتهم

[ 326 ]

الانسانية، قبل أن يقع بينهم الاختلاف كما قال تعالى " كان الناس أمة واحدة " 213 - البقرة، وهذا يؤيد ما تشير إليه بعض الاحاديث من أن المجتمع يصل في عصر المهدي عليه السلام إلى مجتمع الغنى وعدم الحاجة، ثم إلى مجتمع المحبة وعدم الاختلاف وعدم الحاجة إلى المحاكم، ثم إلى مجتمع اللانقد، بحيث يعمل أفراده لخدمة بعضهم قربة إلى الله تعالى ويأخذون ما يحتاجونه من بعضهم بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وآله. وعنه صلى الله عليه وآله قال " يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض. لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته، ولا الارض من نباتها شيئا إلا أخرجته، حتى يتمنى الاحياء الاموات " ابن حماد ص 99، أي يتمنى الاحياء أن الاموات كانوا أحياء لينعموا معهم ويروا ما رأوا. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " ويظهر الله عزو جل به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى، في الارض خراب الا عمر " البحار ج 52 ص 191. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " المهدي محبوب في الخلائق، يطفئ الله به الفتنة الصماء " بشارة الاسلام ص 185، وعنه عليه السلام في تفسير قوله تعالى " مدهامتان " قال " يتصل ما بين مكة والمدينة نخلا " - البحار ج 56 ص 49، وعن سعيد بن جبير قال " إن السنة التي يقوم فيها القائم تمطر الارض أربعا وعشرين مطرة، ويرى آثارها وبركاتها " كشف الغمة ج 3 ص 250. وفي مخطوطة ابن حماد ص 98 " علامة المهدي أن يكون شديدا على العمال، جوادا بالمال، رحيما بالمساكين " وفيها " المهدي كانما يلعق المساكين الزبد ". يطور العلوم الطبيعية ووسائل المعيشة تذكر أحاديث المهدي عليه السلام عددا كثيرا من الامور غير المألوفة

[ 327 ]

للاجيال السابقة ولجيلنا المعاصر، في وسائل الاتصال التي تكون في عصره، ووسائل الرؤية، والمعرفة، ووسائل الحرب، وأساليب الاقتصاد، والحكم والقضاء، وغيرها. ويظهر أن بعضها يكون كرامات ومعجزات يجريها الله على يده وأيدي أصحابه عليهم السلام. ولكن كثيرا منها تطوير للعلوم الطبيعية واستثمار لقوانين الله تعالى ونعمه، التي أودعها فيما حولنا من مواد الارض والسماء. وتدل أحاديث متعددة وتشير، إلى أن تطويره عليه السلام لعلوم الطبيعة سيكون قفزة في تقدم الحياة الانسانية على الارض في جميع مرافقها. من ذلك الحديث المروي عن الامام الصادق عليه السلام قال " ألعلم سبعة وعشرون حرفا. فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة وعشرين حرفا فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا " البحار ج 52 ص 336. وهو وان كان ناظرا إلى علوم الانبياء والرسل عليهم السلام ولكنها تشمل مضافا إلى العلم بالله سبحانه ورسالته والاخرة، العلوم الطبيعية التي ورد أن الانبياء عليهم السلام علموا الناس بعض أصولها، ووجهوهم إليها، وفتحوا لهم جزءا من أبوابها، كما ورد عن تعليم إدريس عليه السلام الخياطة للناس، ونوح عليه السلام صناعة السفن والنجارة، وتعليم داود وسليمان صناعة الدروع وغيرها. فلا يبعد أن يكون المقصود بالعلم في الحديث أعم من علوم الدين والطبيعة، ويكون المعنى: أن نسبة ما يكون في أيدي الناس من العلوم إلى ما يعلمهم إياه الامام المهدي عليه السلام، نسبة اثنين إلى خمس وعشرين. وعن الامام الباقر عليه السلام قال " أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول، وذخر لصاحبكم الصعب. قال قلت: وما الصعب ؟ قال: ما كان فيه

[ 328 ]

رعد وصاعقة أو (و) برق فصاحبكم يركبه. أما إنه سيركب السحاب، ويرقى في الاسباب، أسباب السماوات السبع، والارضين السبع. خمس عوامر، واثنتان خرابان " البحار ج 52 ص 321. وعن الامام الصادق عليه السلام قال " إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب. وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق " البحار ج 52 ص 391. وعنه عليه السلام قال " إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى (لا) يكون بينهم وبينه بريد، يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه وهو في مكانه " البحار 52 ص 236. وعنه عليه السلام قال " إذا تناهت الامور إلى صاحب هذا الامر رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الارض، وخفض له كل مرتفع، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته. فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها " وروي أنه عليه السلام ينصب له عمود من نور من الارض إلى السماء فيرى فيه أعمال العباد، وأن له علوما مذخورة تحت بلاطة في أهرام مصر لا يصل إليها أحد قبله - كمال الدين ص 565، إلى غير ذلك من الروايات التي لا يتسع المجال لاستقصائها وتفسيرها. وبعضها يتحدث عن تطور العلوم بشكل عام، وبعضها عن تطور القدرات الذهنية والوسائل الخاصة بالمؤمنين، وبعضها عن وسائل وكرامات خاصة بالامام المهدي عليه السلام وأصحابه. من ذلك ما عن الامام الباقر عليه السلام قال " كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين، ليس شئ إلا وهو مطيع لهم، حتى سباع الارض وسباع الطير تطلب رضاهم (في) (و) كل شئ. حتى تفخر الارض على الارض وتقول: مربي اليوم رجل من أصحاب القائم " البحار ج 52 ص 327، وفي رواية عن الامام الباقر عليه السلام قال " إذا قام القائم بعث في أقاليم

[ 329 ]

الارض، في كل إقليم رجلا، يقول: عهدك في كفك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولاتعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها " غيبة النعماني ص 319، وقد نسبها في كتاب يوم الخلاص إلى عدة مصادر ولم أجدها فيها. وقد يكون ذلك على نحو الاعجاز والكرامة لهم، وقد يكون على أساس قواعد علمية أو وسائل متطورة. ملكه أعظم من ملك سليمان وذي القرنين يفهم من أحاديث الامام المهدي عليه السلام أن الدولة الاسلامية العالمية التي يقيمها أعظم من الدولة التي أقامها سليمان وذو القرنين عليهم السلام، وبعض الاحاديث تنص على ذلك، كالحديث المروي عن الامام الباقر عليه السلام " إن ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود، وسلطاننا أعظم من سلطانه " والحديث الاتي بأنه تسخر له أسباب لم تسخر لذي القرنين. والاحاديث التي تدل على أن عنده مواريث الانبياء عليهم السلام التي منها مواريث سليمان، وأن الدنيا عنده بمنزلة، راحة كفه.. فدولة سليمان عليه السلام شملت فلسطين وبلاد الشام، ولكنها لم تشمل مصر وما وراءها من أفريقيا. كما أنها لم تتجاوز اليمن إلى الهند والصين وغيرها، كما تذكر الاحاديث. بل يذكر بعضها أنها لم تتجاوز مدينة اصطخر في جنوب ايران. بينما دولة المهدي عليه السلام تشمل كل مناطق العالم، حتى لا يبقى قرية الانودي فيها بالشهادتين، ولا يبقى في الارض خراب الاعمر. كما تذكر الاحاديث الشريفة. ومن ناحية الامكانات التي تسخر للمهدي عليه السلام، فهي تشمل

[ 330 ]

الامكانات التي سخرها الله تعالى لسليمان عليه السلام وتزيد عليها. سواء ما كان منها على نحو الاعجاز والكرامة الربانية، أو ما كان تطويرا للعلوم واستثمارا لامكانات الطبيعة. ومن ناحية مدتها، فقد كانت مدة دولة سليمان عليه السلام نحو نصف قرن، ثم وقع الانحراف بعد وفاته سنة 931 قبل الميلاد، وتمزقت الدولة، ووقعت الحرب بين مملكتي القدس ونابلس. كما تذكر الاحاديث والمؤرخون. والروايات عن مدة دولة الامام المهدي عليه السلام في حياته وبعده، وإن كانت متعارضة، إلا أن المرجح عندنا أنها تستمر إلى آخر الدنيا، وأنه يحكم من بعده المهديون من أولاده، ثم تكون رجعة بعض الانبياء والائمة عليهم السلام، فيحكمون إلى آخر الدنيا. الانفتاح على عوالم السماء ويدل على ذلك عدة أحاديث وإشارات، من أوضحها الحديث الوارد عن الامام الباقر عليه السلام قال " أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قال سورة: قلت وما الصعب ؟ قال: ما كان فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه. أما إنه سيركب السحاب، ويرقى في الاسباب، أسباب السماوات السبع والارضين السبع، خمس عوامر واثنتان خرابان ". وفي رواية عن الامام الصادق عليه السلام قال " ان الله خير ذا القرنين السحابين الذلول والصعب، فاختار الذلول وهو ما ليس فيه برق ولا رعد، ولو اختار الصعب لم يكن ذلك له، لان الله ادخره للقائم عليه السلام " البحار ج 52 ص 321.

[ 331 ]

فهو ينص على أنه يستعمل الوسائل المتنوعة والاسباب الخاصة في الصعود والتنقل بين كواكب السماوات وعوالمها. سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق. يرقى في الاسباب، أسباب السماوات والارض. ويدل على أن صعوده يشمل عوالم السماوات السبع والارضين الست غير أرضنا. ولا يعني ذلك أنه يستعمل هذه المصاعد والمركبات بنفسه فقط، بل قد يصل الامر في عصره عليه السلام إلى أن يكون السفر إلى كواكب السماوات وإلى الارضين الاخرى، كالسفر في عصرنا من قارة إلى قارة. ويشير قوله عليه السلام بأن خمسا من الارضين أو منها ومن السماوات معمورة، إلى أنه سيتم الاتصال بمجتمعاتها. وقد ذكرت أحاديث شريفة متعددة أنه توجد في السماوات كواكب كثيرة عامرة بمجتمعات من مخلوقات الله تعالى، من غير نوع الانسان والملائكة والجن. وقد أورد العلامة المجلسي قدس سره مجموعة منها في بحار الانوار. وقد أشارت إلى ذلك عدة آيات قرآنية كقوله تعالى " يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أفطار السماوات والارض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان " 23 - 24 - الرحمان. وهذا يعني أن الحياة على الارض سوف تدخل في عصره عليه السلام مرحلة جديدة، تختلف عن كل ما سبقها من مراحل. ولا يتسع المجال لبسط الكلام في ذلك. الانفتاح على عالم الاخرة والجنة من أعمق أنواع الحركة التي يعيش فيها عالمنا بزمانه ومكانه وأشيائه،

[ 332 ]

حركة عالم الشهادة نحو عالم الغيب أو العكس، التي يكشف عنها القرآن والاسلام ويؤكد على الاهتمام بها والانسجام معها، ويسميها حركة رجوع الانسان إلى الله تعالى، ولقاءه به. أو ذهابه إلى الملا الاعلى والاخرة. ويسميها على مستوى العالم مجئ الساعة، والقيامة، حيث تتحقق الوحدة بين عالمنا وعوالم الغيب الواسعة المحجوبة عنا. فذروة هذه الحركة بالنسبة إلى الانسان الموت، الذي هو بمفهوم الاسلام دخول في حياة أوسع وليس فناء وعدما، كما قد نتصور. وذروتها بالنسبة إلى الكون القيامة واتحاد عالمي الشهادة والغيب. وقد ورد في القرآن والسنة أن مجئ القيامة والساعة له مقدمات وأشراط متسلسلة تحدث في الارض والسماء، ومجتمع الانسان. ويفهم من بعضها أن دولة المهدي عليه السلام من أشراط الساعة، إلا ان المتفق عليه أن أشراط الساعة تبدأ بعدها. فكيف تبدأ ؟ الذي يترجح في نظري أن الانفتاح على عوالم السماء الذي تتحدث الروايات أنه يتم في عصر الامام المهدي عليه السلام، يكون مقدمة لانفتاح أكبر على الاخرة والجنة. وأن الروايات التي تتحدث عن " الرجعة " وأن عددا من الانبياء والائمة عليهم السلام يأتون إلى الارض ويحكمون بعد المهدي، تقصد هذه المرحلة. وكذا الايات المتعددة التي ورد تفسيرها ب‍ " الرجعة ". والاعتقاد بالرجعة وإن لم يكن من ضروريات الاسلام، ولا من ضروريات مذهب التشيع، بمعنى أن عدم الاعتقاد بها لا يخرج الانسان عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، ولاعن الاسلام. ولكن أحاديثها تبلغ من الكثرة الوثاقة ما يوجب الاعتقاد بها. ويذكر بعضها أن الرجعة تبدأ بعد حكم المهدي عليه السلام وحكم

[ 333 ]

أحد عشر مهديا بعده، ففي غيبة الطوس ص 299 عن الامام الصادق عليه السلام قال: " إن منا بعد القائم أحد عشر مهديا من ولد الحسين عليه السلام ". ونكتفي هنا بذكر نموذج من أحاديث الرجعة. فعن الامام زين العابدين عليه السلام في تفسير قوله تعالى " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " قال: يرجع اليكم نبيكم صلى الله عليه وآله " البحار ص 53 ص 56. وعن أبي بصير قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام - أي الامام الباقر - ينكر أهل العراق الرجعة ؟ قلت نعم. قال: أما يقرؤون القرآن " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ". المصدر ص 40. وفي رواية أخرى أن الامام الصادق عليه السلام سئل عن الاية فقال " ما يقول الناس فيها ؟ قلت يقولون إنها في القيامة. فقال: يحشر الله في القيامة من كل أمة فوجا ويترك الباقين ! إنما ذلك في الرجعة، فأما آية القيامة فهذه " وحشرناهم فلم نغادر منهم " أحدا " إلى قوله " موعدا " المصدر ص 50. وعن زرارة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام - أي الامام الصادق - عن هذه الامور العظام من الرجعة وأشباهها فقال " إن هذا الذي تسألون عنه لم يجئ أوانه " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله " المصدر ص 40. وذكرت بعض الروايات أن رجعة النبي صلى الله عليه وآله تكون بعد رجعة الائمة عليهم السلام، وأن اول من يرجع منهم الامام الحسين عليه السلام، فعن الامام الصادق عليه السلام قال " أول من يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليه السلام فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر " المصدر ص 46. وفي رواية عنه عليه السلام قال " وان الرجعة ليست بعامة، وهي خاصة، لا يرجع إلا من محض الايمان محضا، أو محض الشرك محضا " المصدر ص 39

[ 335 ]

عقيدة الشيعه في الامام المهدى عليه السلام الاعتقاد بإمامة الائمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام، من أصول مذهبنا. بل هو محوره الذي سمي لاجله " المذهب الامامي " و " مذهب التشيع " و " مذهب أهل البيت " عليهم السلام. وسمينا لاجله " الامامية " و " الشيعة " شيعة أهل البيت. وأول الائمة الاوصياء المعصومين عندنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وخاتمهم الامام المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري عليه السلام، الذي ولد في سنة 255 هجرية في سامراء، ثم مد الله في عمره وغيبه إلى أن ينجز به وعده، ويظهره ويظهر به دينه على الدين كله، ويملا به الارض قسطا وعدلا. فالاعتقاد بأن المهدي الموعود عليه السلام هو الامام الثاني عشر، وأنه حي غائب جزء من مذهبنا. وبدونه لا يكون المسلم شيعيا اثني عشريا، بل مسلما سنيا، أو زيديا، أو إسما عيليا. ويستغرب بعض إخواننا اعتقادنا بإمامة الائمة عليهم السلام،

[ 336 ]

وبعصمتهم، وبغيية المهدي المنتظر أرواحنا فداه. ولكن الميزان في الامور الممكنة ليس هو الاستبعاد ولا الاستحسان، بل ثبوت النص عن النبي صلى الله عليه وآله، وقد ثبتت عندنا النصوص المتواترة القطعية، الدالة على إمامته وغيبته عليه السلام. ومتى ثبت النص وقام الدليل، فعلى المسلم أن يقبله ويتعبد به، وعلى الاخرين أن يعذروه أو يقنعوه. ورحم الله القائل: نحن أتباع الدليل * حيثما مال نميل وإخواننا السنة وان لم يوافقونا على انطباق المهدي الموعود على الامام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام، إلا أنهم يوافقوننا على كل ما ورد بشأنه من الاحاديث الشريفة، من البشارة به، وحركة ظهوره، وتجديد الاسلام على يده، وشموله العالم. حتى أنك تجد أحاديثه عليه السلام واحدة أو متقاربة في مصادر الفريقين، كما سترى في الفصل التالي إن شاء الله. على أن عددا من علماء السنة يوافقنا أي على أنه هو الامام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام، مثل ابن عربي والشعراني وغيرهم، ممن صرحوا بإسمه ونسبه، وثبت عندهم أنه حي غائب. وقد ذكر أسماء مجموعة منهم صاحب كتاب " المهدي الموعود " وهذا الاشتراك في عقيدة المهدي عليه السلام بين جميع المسلمين، يجب أن يستثمره العلماء والعاملون لنهضة الامة، لانه عقيدة ذات تأثير حيوي في جماهير المسلمين، من شأنها أن ترفع مستوى إيمانهم بالغيب، وبوعد الله تعالى لهم بالنصر، وترفع معنوياتهم في مقاومة أعدائهم، والتمهيد لامامهم الموعود عليه السلام. ولا يصح أن يكون عدم ثبوت انطباقه على الامام محمد بن الحسن

[ 337 ]

عليه السلام عند إخواننا السنة، موجبا لانتقاد من يعتقد بذلك، ويتقرب به إلى الله تعالى. وليس غرضنا هنا أن نطرح بحثا كلاميا في عقيدتنا في الامام المهدي عليه السلام. بل أن نعطي فكرة عن هذه الروحية الفياضة التي تيعش بها أوساطنا الشيعية عقيدة المهدي، والتي كونت في ضمير المسلم الشيعي، عبر الاجيال وتربية الاباء والامهات، مخزونا عظيما من الحب والتقديس والتطلع إلى ظهوره عليه السلام. فالامام المهدي أرواحنا فداه هو بقية الله في أرضه من أهل بيت النبوة، وخاتم الاوصياء والائمة، وأمين الله على قرآنه ووحيه، ومشكاة نوره في أرضه. ففي شخصيته تتجسد كل قيم الاسلام ومثله، وشبه النبوة وامتداد نورها. وفي غيبته تكمن معان كبيرة، من الحكم والاسرار الالهية، ومظلومية الانبياء والاولياء والمؤمنين، على يد حكام الظلم وسلاطين الجور. وفي الوعد النبوي بظهوره، تخضر آمال المؤمنين، وتنتعش قلوبهم المهمومة، وتقبض أكفهم على الراية، وإن عتت العواصف، وطال الطريق. فهم وصاحبها على ميعاد. ولئن كان الشيعة معروفين بغنى حياتهم الروحية مع النبي وآله صلى الله عليه وآله، فإن شخصية الامام المهدي أرواحنا فداه ومهمته الموعودة، بجاذبيتها الخاصة، رافد حيوي في إغناء روح الشيعي بالامل والحب والحنين. ينتقد البعض شدة احترام الشيعة لعلمائهم، بينما يعجب به آخرون

[ 338 ]

ويقدرونه. ويزداد الاعجاب أو الانتقاد إذا رأوا احترام الشيعة لمرجع التقليد نائب الامام المهدي أرواحنا فداه، وتقديسهم له وتقيدهم بفتواه. أما إذا وصل الامر إلى الائمة المعصومين عليهم السلام فيتهمنا البعض بالمبالغة والمغالاة، ويفرط بعضهم في التهمة فيقول إن الشيعة يؤلهون النبي والائمة والمراجع ويعبدونهم، والعياذ بالله. ولكن المشكلة ليست في شدة احترام الشيعة وإطاعتهم وتقديسهم لعلمائهم وأئمتهم. بل هي، في الواقع، ابتعادنا نحن المسلمين جميعا عن النظرة الاسلامية إلى الانسان والتعامل بها معه. فنحن نلاحظ في القرآن الكريم ثلاثة مذاهب في مسألة قيمة الانسان: المذاهب البدوي، الذي تذكره آيات الاعراب والمنادين من وراء الحجرات. والمذهب المادي، الذي تذكره آيات أعداء الانبياء وأصحاب الحضارات الكافرة. والمذهب الاسلامي، تذكره آيات تكريم الانسان والتوجيه إلى عالمه العقلي والروحي والعملي. وأحسبنا في عالمنا الاسلامي نعيش تأثيرات كثيرة للبداوة وللمادية الغربية في نظرتنا إلى الانبياء والائمة والاولياء والشهداء والمؤمنين. والى جمهورنا وشعوبنا الاسلامية. بل إلى أنفسنا أيضا. لقد أوجد الانحطاط الحضاري والتسلط الغربي في مجتمعاتنا ظروفا قاسية سياسية واقتصادية واجتماعية، لم تعد معها حياة الانسان المسلم في أصلها محترمة، فكيف نطمح إلى احترام أبعاد وجوده الاخرى وتقديسها ؟ ! كما حول أذهاننا إلى أذهان بدوية تنزع دائما إلى " البساطة " بمفهومها المنطقي وتعادي الجمع والتركيب. فترانا نريد الشئ ببعد واحد، ونرفض أن تكون له أبعاد متعددة في آن. ونريد في قلوبنا لونا واحدا من العاطفة، ولا نسمح لها أن تحمل ألوانا متعددة في آن. ونرى في الاولياء والائمة

[ 339 ]

والانبياء صلوات الله عليهم، ظاهر أمرهم وحالهم، ولا نرى قممهم الشامخة، وعوالمهم العقلية والروحية العالية. وإذا رأى أحد شيئا من ذلك نقول عنه مغال، وإذا جاش بذلك عقله أو قلبه، نقول مجنون أو منحرف. ويبلغ الامر أقصى خطورته عند ما نلبسه ثوبا دينيا فنقاوم تقديس الاولياء والائمة والانبياء بحجة أنه يتنافى مع تقديس الله تعالى وتوحيده. فكأن معنى أنهم بشر عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا حفنة من رمل الصحراء. وكأن الامر يدور بين رمل الصحراء والسماء، ولا ثالث. فلا رياض ولا أنهار، ولا روابي ولا قمم. وكأن مثل النور الالهي الذي حدثنا عنه الله تعالى في سورة النور " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " موجودة في غير أرضنا، ومتجسد في غير هؤلاء العظماء، صلوات الله عليهم. أعتقد أن هذه الصحوة الاسلامية المباركة، وحركة الامة نحو إسلامها ومقاومة أعدائها، هي الطريق لان نجد ذاتنا الاسلامية وإنساننا المسلم، ونجد من جديد نبينا صلى الله عليه وآله، وأئمتنا وعلماءنا، ونتعامل معهم بما يليق بغنى شخصياتهم الربانية، ومقاماتهم العالية، وتمتلئ قلوبنا مجددا بمخزون الحب والعشق المقدس لهم، الذي يهيؤنا ويفتح لنا باب الحب والعشق الاكبر لمولاهم ومولانا تبارك وتعالى. إن على من تحجبه الشجرة عن الغابة أن يعذر من يرى الشجرة والغابة معا، والجبال والسماء. وعلى من يرى أن تقديس العلماء والاولياء والائمة والانبياء، والعيش في عوالمهم، مانعا عن تقديس الله تعالى وتوحيده. أن يعذر من يرى ذلك درجات من التعظيم شرعها الاسلام، لتنتظم بها الحياة، وتفتح الطريق إلى تعظيم وتقديس وتسبيح الذي ليس كمثله شئ، تبارك وتعالى.

[ 340 ]

فإذا كن إناء عقلي محدودا، وإناء قلبي صغيرا، يمتلئ ويغص بحب عظماء المخلوقين فلا يبقى فيه لحب الخالق مجال. فعلي أن أعذر أصحاب العقول الوافرة، والقلوب الكبيرة، التي تتسع للجمع والتركيب، وفهم قمم الارض وآفاق السماء، ومعايشتها جميعا. مقام الامام المهدي عند الله تعالى ومن المناسب قبل أن نقدم مقطوعات من الاحاديث والادعية والزيارات، لتكون نماذج عن عقيدتنا بالامام المهدي أرواحنا فداه، ومشاعرنا نحوه. أن نذكر شيئا من الاحاديث التي وردت في مقامه، فقد ورد في مصادر الفريقين أن مقامه أرواحنا فداه مقام عظيم عند الله تعالى، وأنه سيد في الدنيا والاخرة، وأنه من سادة أهل الجنة، وطاووس أهل الجنة، وأن عليه من نور الله تعالى جلابيب تتوقد، وأنه ملهم مهدي من الله تعالى وان لم يكن نبيا، وأن الله تعالى يجرى على يديه كثيرا من الكرامات والايات والمعجزات. بل إن الحديث المعروف الذي روته المصادر المعتبرة عند الشيعة والسنة يدل على أنه أرواحنا فداه في مصاف الانبياء والرسل صلوات الله عليهم. فعن النبي صلى الله عليه وآله قال " نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا وحمزة وعلي والحسن والحسين والمهدي " غيبة الطوسي 13 وصواعق ابن حجر 158. وقد وردت في مصادرنا أحاديث مفصلة في فضائل الائمة الاثني عشر عليهم السلام، ومقامهم العظيم عند الله تعالى، ومنها أحاديث خاصة بالامام المهدي المنتظر أرواحنا فداه، وأنه نور الله في أرضه، وحجته على خلقه، والقائم بالحق، وخليفة الله في الارض، وشريك القرآن في وجوب الطاعة،

[ 341 ]

ومعدن علم الله تعالى ومستودع سره. إلى آخر ما فصله العلماء في كتب العقائد والتفسير والحديث. وقال أكثرهم بتفضيله على بقية الائمة بعد أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، ووردت به الرواية. وقد ورد عند السنة تفضيله على أبي بكر وعمر، فعن ابن سيرين، قيل له " المهدي خير أو أبو بكر وعمر " ؟ قال " أخير منهما ويعدل بنبي " ابن حماد ص 98. من كلمات الائمة في الامام المهدي من الملفت في هذا المجال، أن نجد أن الائمة عليهم السلام كانوا في طليعة المعبرين عن مشاعرهم وحبهم للامام المهدي عليه السلام قبل ولادته، إيمانا بوعد النبي صلى الله عليه وآله به، وتطلعا إلى ولدهم الموعود، وما سيحققه الله تعالى على يده. ونكتفي من ذلك بذكر كلمات عن الامام علي والامام الصادق، عليهما السلام. قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إن مثل آل محمد، صلى الله عليه وآله، كمثل نجوم السماء: إذا خوى نجم طلع نجم. فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون " نهج البلاغة - خطبة رقم 100. " فانظروا أهل بيت نبيكم، فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم. فليفرجن الله بغتة برجل منا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الاماء. لا يعطيهم إلا السيف، هرجا هرجا موضوعا على عاقته ثمانية أشهر، حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا. ". " يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدي على الهوى. ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي. وتخرج له الارض أفاليذ أكبادها، وتلقي

[ 342 ]

إليه سلما مقاليدها. فيريكم كيف عدل السيرة. ويحيي ميت الكتاب والسنة " خطبة 138. " قد لبس للحكمة جنتها، وأخذ بجميع أدبها، من الاقبال عليها والتفرغ لها، فهي عند نفسه ضالته التى يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها. فهو مغترب إذا اغترب الاسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الارض بجرانه. بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه ". خطبة 182. عن سدير الصير في قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب، على مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوق، بلا جيب مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلي، ذات الكبد الحري، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول: سيدي، غيبتك نفت رقادي، وضيقت علي مهادي، وأسرت مني راحة فؤادي. سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الابد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد، فما احس بدمعة ترقأ من عيني، وأنين يفتر من صدري.. قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها وتصدعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل، وظننا أنه سمة لمكروهة قارعة، أو حلت به من الدهر بائقة، فقلنا لا أبكى الله يابن خير الورى عينيك، من أي حادثه تستنزف دمعتك، وتستمطر عبرتك، وأيه حالة حتمت عليك هذا المأتم. قال: فزفز الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتد منها خوفه، وقال: " ويكم إني نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خص الله تقدس اسمه به محمدا والائمة من بعده عليه وعليهم السلام، وتأملت فيه مولد قائمنا وغيبته،

[ 343 ]

وإبطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الاسلام من أعناقهم، التي قال الله تقدس ذكره: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " يعني الولاية، فأخذتني الرقة، واستولت علي الاحزان. فقلنا: يا بن رسول الله كرمنا وشرفنا باشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم قال: إن الله تبارك وتعالى أدار في القائم منا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل، قدر مولده تقدير مولد موسى عليه السلام، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى عليه السلام، وقدر إبطاءه تقدير إبطاء نوح عليه السلام، وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر دليلا على عمره. فقلت: إكشف لنا يا بن رسول الله عن وجوه هذه المعاني. قال: أما مولد موسى فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر باحضار الكهنة، فدلوه على نسبه وأنه يكوه من بني إسرائيل، ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من (نساء) بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولد، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ الله تبارك وتعالى إياه. كذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملكهم والامراء والجبابرة منهم على يد القائم منا، ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وإبادة نسله، طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم عليه السلام، ويأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلى أن يتم نوره ولو كره المشركون. وأما غيبة عيسى عليه السلام فان اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل، وكذبهم الله عزوجل بقوله: " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " كذلك غيبة القائم عليه السلام فان الامة تنكرها لطولها.. وأما إبطاء نوح عليه السلام فانه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء، بعث الله عزوجل جبرئيل الروح الامين بسبعة (سبع) نويات فقال: يا نبي الله إن الله تبارك

[ 344 ]

وتعالى يقول لك: إن هؤلاء خلائقي وعبادي ولست ابيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فاني مثيبك عليه، واغرس هذا النوى فان لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين. فلما نبتت الاشجار وتأزرت وتسوقت وتغصنت وأثمرت وزها الثمر عليها بعد زمن طويل، استنجز من الله سبحانه وتعالى العدة، فأمره الله تبارك وتالى أن يغرس من نوى تلك الاشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به، فارتد منهم ثلاث مائة رجل وقالوا: ولو كان ما يدعيه نوح حقا لما وقع في وعد ربه خلف. ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة أن يغرسها تارة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منهم طائفة، إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا، فأوحى الله عزوجل عند ذلك إليه وقال: يا نوح الان أسفر الصبح عن الليل لعينك، حين صرح الحق عن محضه وصفي (الامر للايمان) من الكدر، بارتداد كل من كانت طينته خبيثة.. قال الصادق عليه السلام وكذلك القائم عليه السلام تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه، ويصفوا الايمان من الكدر.. " البحار ج 51 ص 219 - 222. نماذج من الادعية له وزيارته " اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصرا، ودليلا وعينا. حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا ". " اللهم وصل على ولي أمرك، القائم المؤمل، والعدل المنتظر، وحفه بملائكتك

[ 345 ]

المقربين، وأيده منك بروح القدس يا رب العالمين. اللهم اجعله الداعي إلى كتابك، والقائم بدينك. إستخلفه في الارض كما استخلفت الذين من قبله. مكن له دينه الذي ارتضيته له. أبدله من بعد خوفه أمنا يعبدك لا يشرك بك شيئا. اللهم أعزه وأعززبه، وانصره وانتصر به، وافتح له فتحا يسيرا، واجعل له من لدنك سلطانا نصيرا. أللهم أظهر به دينك وسنة نبيك حتى لا يستخفي بشي من الحق مخافة أحد من الخلق. أللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعز بها الاسلام وأهله، وتذل بها (الكفر) والنفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاء إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والاخرة. اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه. أللهم المم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثر به قلتنا، وأعززبه ذلتنا، وأغن به عائلنا، واقض به عن مغرمنا، واجبر به فقرنا، وسد به خلتنا، ويسر به عسرنا، وبيض به وجوهنا، وفك به أسرنا، وأنجح به طلبتنا، وأنجز به مواعيدنا، واستجب به دعوتنا، وأعطنا به سؤلنا، وبلغنا به من الدنيا والاخرة آمالنا، وأعطنا به فوق رغبتنا. يا خير المسؤولين وأوسع المعطين، إشف به صدورنا، وأذهب به غيظ قلوبنا، واهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وانصرنا به على عدوك وعدونا إله الحق آمين. أللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، فصل على محمد وآل محمد، وأعنا على ذلك كله بفتح منك تعجله، وضر تكشفه ونصر تعزه، وسلطان حق

[ 346 ]

تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين. ".. اللهم صلى على محمد وعليهم صلاة كثيرة دائمة طيبة، لا يحبط بها إلا أنت، ولا يسعها إلا علمك، ولا يحصيها أحد غيرك. اللهم صلى على وليك المحيى سنتك، القائم بأمرك، الداعي اليك، الدليل عليك، وحجتك على خلقك، وخليفتك في أمرك، وشاهدك على عبادك. اللهم أعز نصره، ومد عمره، وزين الارض بطول بقائه. اللهم اكفه بغي الحاسدين، وأعذه من شر الكائدين، وازجر عنه إرادة الظالمين، وخلصه من أيدي الجبارين. اللهم أعطه في نفسه، وذريته، وشيعته، ورعيته، وخاصته، وعامته، وعدوه وجميع اهل الدنيا ما تقربه عينه، وتسر به نفسه، وبلغه أفضل أمله في الدنيا والاخرة. انك على كل شئ قدير. اللهم جدد به ما محي من دينك، وأحي به ما بدل من كتابك، وأظهر به ما غير من حكمك، حتي يعود دينك به وعلى يديه غضا جديدا خالصا مخلصا، لا شك فيه ولا شبهة معه، ولا باطل عنده ولا بدعة لديه. اللهم نوره بنوره كل ظلمة، وهدبر كنه كل بدعة، واهدم بعزته كل ضلالة، واقصم به كل جبار، وأخمد بسيفه كل نار، وأهلك بعدله كل جبار، وأجر حكمه على كل حكم، واذل لسلطانه كل سلطان. اللهم أذن كل من ناواه، وأهلك كل من عاداه، وامكر بمن كاده، واستأصل من جحد حقه واستهان بأمره، وسعى في إطفاء نوره، وأراد إخماد ذكره ". ".. اللهم لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك، الذين استخلصتهم لنفسك ودينك، إذا اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم، الذى لا زوال له

[ 347 ]

ولا اضمحلال، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به، فقبلتهم وقربتهم، وقدمت لهم الذكر العلي، والثناء الجلي، وأهبطت عليهم ملائكتك، وأكرمتهم بوحيك، ورفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذرائع اليك، والوسيلة إلى رضوانك. فبعض أسكنته جنتك إلى أن أخرجته منها. وبعض حملته في فلكك ونجيته ومن آمن معه من الهلكة برحمتك. وبعض اتخذته خليلا، وسألك لسان صدق في الاخرين فأجبته، وجعلت ذلك عليا. وبعض كلمته من جشرة تكليما، وجعلت له من أخيه ردءا ووزيرا. وبعض أولدته من غير أب، وآتيته البينات، وأيدته بروح القدس. وكلا شرعت له شريعة، ونهجت له منهاجا، وتخيرت له أوصياء، مستحفظا بعد مستحفظ، من مدة إلى مدة، إقامة لدينك، وحجة على عبادك، ولئلا يزول الحق عن مقره، ويغلب الباطل على أهله، ولا يقول أحد: لو لا أرسلت الينا رسولا منذرا، واقمت لنا علما هاديا، فنتبع آياتك من قبل أن نذر ونخرى. إلى أن انتهيت بالامر إلى حبيبك ونجيبك محمد صلى الله عليه وآله فكان كما انتجبته، سيد من خلقته، وصفوة من اصطفيته، وأفضل من اجتبيته، واكرم من اعتمدته، قدمته على أنبيائك، وبعثته إلى الثقلين من عبادك، واوطأته مشارقك ومغاربك وسخرت له البراق وعرجت به إلى سمائك، واودعته علم ما كان وما يكون إلى انقضاء خلقك. " فعلى الاطائب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون، وإياهم فليندب النادبون، ولمثلهم فلتذرف الدموع، وليصرخ الصارخون، ويضج الضاجون، ويعج العاجون. أين الحسن، أين الحسين، أين أبناء الحسين، صالح بعد صالح، وصادق بعد صادق. أين السبيل بعد السبيل، أين الخيرة بعد الخيرة، أين الشموس الطالعة، أين الاقمار المنيرة، أين الانجم الزاهرة، أين أعلام الدين، وقواعد العلم.

[ 348 ]

أين بقية الله التي لا تخلو من العترة الطاهرة، أين المعد لقطع دابر الظلمة، أين المنتظر لاقامة الامت والعوج، أين المرتجى لازالة الجور والعدوان، أين المدخر لتجديد الفرائض والسنن، أين المتخير لاعادة الملة والشريعة، أين المؤمل لاحياء الكتاب وحدوده، أين محيى معالم الدين وأهله، أين قاصم شوكة المعتدين، أين هادم أبنية الشرك والنفاق. أين معز الاولياء ومذل الاعداء، أين جامع الكلم على التقوى، أين السبب المتصل بين أهل الارض والسماء، أين صاحب يوم الفتح، وناشر رايات الهدى، أين مؤلف الشمل الصلاح والرضا، اين الطالب بذحول الانبياء وأبناء الانبياء، أين الطالب بدم المقتول بكربلاء. " بأبي أنت وامي، ونفسي لك الوقاء والحمى، يابن السادة المقربين، يابن النجباء الاكرمين، يابن الهداة المهتدين يابن الخيرة المهديين. عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيسا ولا نجوى، عزيز علي أن لا تحيط بي دونك البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى. بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا، بنفسي أنت من نازح لم ينزح عنا. إلى متى أحار فيك يا مولاي والى متى. وأي خطاب أصف فيك وأي نجوى. عزيز علي ان أجاب دونك وأناغي. عزيز علي أن أبكيك ويخذلك الورى. عزيز على أن يجري عليك دونهم ما يجرى. هل من معين فأطيل معه العويل والبكا. هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا. هل قذيت عين فتسعدها عيني على القذى. هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى هل يتصل يومنا منك بغده فنحظى. ترى أترانا نحف بك وأنت توم الملا، وقد ملات الارض عدلا، وأذقت أعداءك هوانا وعقابا، واجتثثت أصول الظالمين، ونحن نقول الحمد لله رب العالمين. اللهم أنت كشاف الكرب والبلوى، واليك أستعدى فعندك العدوى، وأنت رب الاخرة والاولى.

[ 349 ]

.. اللهم ونحن عبيدك التائقون إلى وليك، المذكر بك وبنبيك، الذي خلقته لنا عصمة وملاذا، وأقمته لنا قواما ومعاذا، وجعلته للمؤمنين منا إماما، فبلغه منا تحية وسلاما... اللهم وأقم به الحق، وادحض به الباطل، وأدل به أولياءك، وأذلل به أعداءك، وصل اللهم بيننا وبينه وصلة تؤدي إلى مرافقة سلفه، واجعنا ممن يأخذ بحجزتهم، ويكمن في ظلهم، وأعنا على تأدية حقوقه إليه، والاجتهاد في طاعته، والاجتناب عن معصيته، وامنن علينا برضاه، وهب لنا رأفته ورحمته ودعاءه، وخير ما ننال به سعة من رحمتك، وفوزا عندك، واجعل صلواتنا به مقبولة، وذنوبنا به مغفورة، ودعاءنا به مستجابا، واجعل أرزاقنا به مبسوطة، وهمومنا به مكفية، وحوائجنا به مقضية، وأقبل الينا بوجهك الكريم، واقبل تقربنا إليك، وانظر إلينا نظرة رحيمة، نستكمل بها الكرامة عندك، ثم لا تصرفها عنا بجودك. واسقنا من حوض جده صلى الله عليه وآله، بكأسه وبيده، ريا رويا، سائغا هنيا، لا ظمأ بعده. يا أرحم الراحمين ". وهذا غيض من فيض، من آدابنا الشيعية وأدبنا الشيعي مع الامام المهدي الموعود أرواحنا فداه. وفي مدحه وحبه من الشعر من صدر الاسلام إلى يومنا مئات القصائد، وفيها من عيون الشعر العربي، وآيات الشعر الفارسي والتركي والاوردي. وسنختم الكتاب بمقطوعات منها، ان شاء الله.

[ 351 ]

عقيدة السنة في المهدى المنتظر يتصور البعض أن عقيدة المهدي المنتظر عقيدة خاصة بالشيعة، بينما هي عند السنة أصيلة كأصالتها عند الشيعة، لا فرق بين الجميع في ثبوت البشارة عن النبي صلى الله عليه وآله بالمهدي المنتظر (ع) ولا في مهمته العالمية، ولا في شخصيته المقدسة المتميزة، ولا في علامات ظهوره ومعالم ثورته. وقد يكون الفرق الوحيد بشأنها أننا نحن الشيعة نعتقد بأنه هو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري (ع) المولود سنة 255 ه‍. وأن الله تعالى مد في عمره كما مد في عمر الخضر (ع) فهو حي غائب حتى يأذن الله له بالظهور. بينما يرى غالبية علماء السنة أنه لم يثبت أنه مولود وغائب، بل سوف يولد ويحقق ما بشر به النبي صلى الله عليه وآله. وقليل منهم يوافقنا على ولادته وغيبته. وتظهر أصالة عقيدة المهدي عند السنة في كثرة أحاديثها في مصادرهم وأصولهم الحديثية والعقائدية، وفي فتاوى وآراء علمائهم، وفي التاريخ العلمي والسياسي لهذه العقيدة في أوساطهم عبر الاجيال. وعلى هذا الاساس، فإن الحركات المهدية في أوساط المسلمين السنة، مثل حركة المهدي السوداني في القرن الماضي، وحركة الحرم المكي

[ 352 ]

الشريف في مطلع هذا القرن، والحركات المتضمنة لافكار مهدية بشكل بارز كحركة الجهاد والهجرة في مصر، وأمثالها من الحركات. لم تنشأ من فراغ، أو من تأثر بأفكار الشيعة عن المهدي، كما يتصور بعضهم. إن عدد رواة أحاديث المهدي المنتظر من الصحابة والتابعين السنة لا يقل عن عددهم من الشيعة. وذلك من دونها منهم في الاصول والموسوعات الحديثية، ومن ألف فيها مؤلفا خاصا. ولعل أقدم مؤلف سني وصل إلينا في عقيدة المهدي هو كتاب " الفتن والملاحم " للحفاظ نعيم بن حماد المروزي المتوفى سنة 227 ه‍. وهو من شيوخ البخاري وغيره من مصنفي الصحاح. وتوجد منه نسخة في مكتبة دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الهند رقم 3187 - 83، ونسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 62 - أدب، ونسخة في مكتبة المتحف البريطاني تقع في نحو مئتي صفحة مزدوجة، وقدتم نسخها سنة 706 ه‍. ويوجد على بعض صفحاتها عبارة (وقف حسين أفندي) مما يشير إلى أنها أخذت من موقوفات تركيا. وقد سجلت في المكتبة البريطانية سنة 1924 م. وهي التي نقلنا عنها في هذا الكتاب. أما بقية المصادر الحديثية والعقائدية السنية التي تعرضت لعقيدة المهدي المنتظر أو عقدت لها فصلا فتزيد على الخمسين مصدر بما فيها كتب الصحاح. وأما المؤلفات والرسائل والبحوث الخاصة بالموضوع فهي تقارب عدد المصادر. كما أن أقدم مؤلف شيعي وصل إلينا في عقيدة المهدي أيضا كتاب " الغيبة " أو كتاب " القائم " للفضل بن شاذان الازدي النيشابوري المعاصر لنعيم بن حماد، والذي ألف كتابه قبل ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته ! وقد كانت نسخه متداولة بين علمائنا إلى أن فقدت في هذا القرن مع

[ 353 ]

الاسف، ولكن بقي منه ما رواه العلماء عن مؤلفه، وما نقلوه عن كتابه في كتبهم، خاصة ما نقله العلامة المجلسي رحمه الله في موسوعته " بحار الانوار ". وعلى مر العصور كانت عقيدة المهدي المنتظر من العقائد الثابتة المتسالم عليها عند علماء السنة وجمهورهم، فإن ظهر رأي شاد ينكرها أو يشكك فيها، تصدى له العلماء والمحققون وردوه وأنكروا عليه أن يشكك في واحدة من عقائد الاسلام ثبتت وتواترت أحاديثها عن النبي صلى الله عليه وآله. وبين أيدينا نموذجان ممن شكك في عقيدة المهدي فرد عليهما علماء السنة: الاول: ابن خلدون، من علماء القرن الثامن، صاحب التاريخ المعروف. قال في مقدمة تاريخه ص 311 طبعة دار احياء التراث العربي. " إعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الاسلام عى ممر الاعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وان عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ". ثم استعرض ابن خلدون ثمانية وعشرين حديثا وردت في المهدي وناقش في بعض رجال أسانيدها، وختم مناقشاته بقوله ص 322 " فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي وخروجه في آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والاقل منه ". ثم استعرض بعض آراء المتصوفة في المهدي المنتظر، وختم مناقشته لها بقوله ص 327 " والحق الذي ينبغى أن يتقرب لديك أنه لا تتم دعوة من

[ 354 ]

الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يظهر أمر الله فيه. وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك. وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الافاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبيين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها، وهم عصائب متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون آلافا من الكثرة. فإن صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهوره ودعوته إلا بأن يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية باظهار كلمته وحمل الناس عليها. وأما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الامر في أفق من الافاق من غير عصبية ولا شوكة إلا مجرد نسبه في أهل البيت فلا يتم ذلك ولا يمكن ". ومع ان ابن خلدون لم يجزم بنفي عقيدة المهدي المنتظر ولكنه استبعدها وناقش في عدد من أحاديثها، فقد اعتبر العلماء ذلك منه شذوذا وتكذيبا لعقيدة اسلامية استفاضت احاديثها وتواترت، وانتقدوه بأنه مؤرخ وليس من أهل الاختصاص في الحديث حتى يحق له الجرح والتعديل والاجتهاد. وأوسع ما رأيت في الرد عليه كتاب " الوهم المكنون من كلام ابن خلدون " للعالم المحدث أحمد بن الصديق المغربي في اكثر من مئة وخمسين صفحة، قدم له مقدمة وافية ذكر فيها جملة من آراء أئمة الحديث في صحة أحاديث المهدي المنتظر وتواترها، ثم فند مناقشات ابن خلدون واحدة واحدة لاسانيد الاحاديث الثمان والعشرين التي ذكرها، ثم أكمل أحاديث المهدى إلى مئة حديث. والنموذج الثاني: كتاب " لا مهدي ينتظر بعد الرسول خبر البشر " الذي

[ 355 ]

نشره مؤلفه الشيخ عبد الله محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر على أثر حركة المسجد الحرام وادعاء قائدها محمد عبد الله القرشي أنه المهدي المنتظر. فتصدى له عدد من علماء الحجاز وردوا عليه، ومنهم العالم المحدث الشيخ عبد المحسن العباد المدرس بالجامعة الاسلامية في المدينة المنورة، الذي رد عليه في بحث واف في أكثر من خمسين صفحة باسم " الرد على من كذب بالاحاديث الصحيحة الواردة في المهدي " ونشره في العدد 45 من مجلة الجامعة الاسلامية - محرم 1400 ه‍. وأشار في مقدمته إلى بحثه الذي كان نشره في نفس المجلة. قال: " وعلى أثر وقوع هذا الحادث المؤلم لقلب كل مسلم (..) حصلت بعض التساؤلات عن خروج المهدي في آخر الزمان وهل صح فيه شئ من الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح بعض العلماء في الاذاعة والصحف صحة كثيرة من الاحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس ادارة البحوث العلمية والدعوة والارشاد، فقد تحدث في الاذاعة وكتب في بعض الصحف مبينا ثبوت ذلك بالاحاديث المستفيضة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستنكرا ما قام به هؤلاء المبطلون (..) من الاعتداء على بيت الله الحرام. ومنهم فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح امام وخطيب المسجد النبوي الشريف، فقد ندد في إحدى خطب الجمعة باعتداء هذه الفئة الاثمة الظالمة (..) وبين أنهم ومن زعموه المهدي في واد والمهدي الذي جاء ذكره في الاحاديث في واد آخر. وحصل في مقابل ذلك أن أصدر فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رئيس الحاكم الشرعية في دولة قطر رسالة سماها " لا مهدي ينتظر بعد

[ 356 ]

الرسول خير البشر " نحا فيها منحى بعض الكتاب في القرن الرابع عشر ممن ليست لهم خبرة بحديث رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحه وسقيمه، وفيهم من تعويله على الشبهات العقلية، وكذب بكل ما ورد في المهدي، وقال كما قالوا: انها أحاديث خرافة، وإنها وإنها. الخ. وقد رأيت كتابة هذه السطور مبينا أخطاءه وأوهامه في هذه الرسالة وموضحا بأن القول بخروج المهدي في آخر الزمان هو الذي تدل عليه الاحاديث الصحيحة وهو ما عليه العلماء من أهل السنة والاثر في القديم والحديث، إلا من شذ. ومن المناسب أن أشير هنا إلى أنني سبق أن كتبت بحثا بعنوان " عقيدة أهل السنة والاثر في المهدي المنتظر " وقد نشر هذا البحث في العدد الثالث من السنة الاولى من مجلة الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة الصادر في شهر ذي القعدة 1388 ه‍. يشتمل هذا البحث على عشرة أمور: الاول: في ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: في ذكر أسماء الائمة الذي خرجوا الاحاديث والاثار الواردة في المهدي في كتبهم. الثالث: في ذكر العلماء الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف. الرابع: في ذكر العلماء الذي حكموا بتواتر أحاديث المهدي، وحكاية كلامهم في ذلك. الخامس: في ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الاحاديث التي لها تعلق بشأن المهدى. السادس: في ذكر بعض الاحاديث الواردة في شأن المهدي في غير الصحيحين مع الكلام على أسانيد بعضها.

[ 357 ]

السابع: في ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها، وحكاية كلامهم في ذلك. الثامن: في ذكر من وقفت عليه ممن حكي عنه إنكار الاحاديث في المهدي أو التردد فيها، مع مناقشة كلامه باختصار. التاسع: في ذكر بعض ما يظن تعارضه مع الاحاديث الواردة في المهدي، والجواب على ذلك. العاشر: كلمة ختمامية في بيان أن التصديق بخروج المهدي في آخر الزمان من الايمان بالغيب، وأن لا علاقة لعقيدة أهل السنة في المهدي بعقيدة الشيعة. والحق أن بحث ابن الصديق المغربي في الرد على ابن خلدون، وبحثي الشيخ العباد المذكورين من أغنى البحوث الحديثية العقائدية عند السنة في عقيدة المهدي المنتظر، وقد كنت أرغب في نقل بعض مقتطفات منها لولا أن الانفع نقل آراء علماء آخرين من كتاب " الامام المهدي عند أهل السنة " الذي أصدرته أخيرا مكتبة الامام أمير المؤمنين (ع) بأصفهان وجمعت فيه فصولا من كتب الحديث ورسائل مفردة وبحوثا حول المهدي المنتظر (ع) لاكثر من خمسين من أئمة السنة وعلمائهم، وقد وعدت باصدار ما بقي من المصادر المخطوطة في مجلد آخر. ابن القيم الجوزية قال في كتابه " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " بعد أن ذكر عددا من أحاديث المهدي المنتظر: " وهذه الاحاديث أربعة أقسام: صحاح،

[ 358 ]

وحسان، وغرائب، وموضوعة. وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال: أحدها، أنه المسيح بن مريم، وهو المهدي على الحقيقة. واحتج اصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم (يقصد حديث لا مهدي الا عيسى) وقد بينا حاله وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة، لان عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وبين الساعة. القول الثاني، أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه. واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في مسنده: " إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي "... وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وآله اغرورقت عيناه وتغير لونه، فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه ! قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من أهل المشرق ومعهم رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملئت جورا. فمن أدرك ذلك فليأتهم ولو حبوا على الثلج. ".. وهذا والذي قبله لو صح، لم يكن فيه دليل على ان المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين. وعمر بن عبد العزيز كان مهديا، بل هو أولى بإسم المهدي منه... فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال. وكما أن بين يدي الدجال الاكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الاكبر مهديون راشدون.

[ 359 ]

القول الثالث، أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا. واكثر الاحاديث على هذا تدل. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو ان الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة بالحق المتضمن للعدل الذي يملا الارض، وهذه سنة الله في عباده، أنه من ترك لاجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه. " الخ. المصدر ج 1 ص 289. ابن حجر الهيثمي قال في كتابه " الصواعق المحرقة ": " الاية الثانية عشرة قوله تعالى " وإنه لعلم للساعة " قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين إن هذه الاية نزلت في المهدي، وستأتي الاحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي، وحينئذ ففي الاية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي رضي الله عنهما، وأن الله ليخرج منهما كثيرا طيبا، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة. وسر ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي بمثل ذلك. وشرح ذلك كله يعلم بسياق الاحاديث الدالة عليه " المصدر ج 1 ص 420 أقول: ويمكن الجمع بين تفسيره الاية بالمهدي وتفسيرها بعيسى عليهما السلام بأن عيسى ينزل في زمن المهدي ويعاونه، وتظهر آيات الحق والساعة على يديهما معا. وقال ابن حجر بعد أن أورد جملة من أحاديث المهدي، معلقا على حديث " لا مهدي الا عيسى بن مريم ": " ثم تأويل لا مهدي الا عيسى " انما

[ 360 ]

هو على تقدير ثبوته، وإلا فقد قال الحاكم: إنما أوردته تعجبا لامحتجا به. وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد، وقال الحاكم انه مجهول، واختلف عنه في اسناده، وصرح النسائي بأنه منكر. وجزم غيره من الحفاظ بأن الاحاديث التي قبله، أي الناصة على أن المهدي من ولد فاطمطة، أصح إسنادا " ج 1 ص 433، ثم ذكر جملة أخرى من أحاديث المهدي عليه السلام. أبو الفداء ابن كثير قال في النهاية: " فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين والائمة المهديين. فقد نطقت به الاحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه يكون في آخر الدهر.. ". وقال تعقيبا على حديث " تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شئ حتى تنصب بإيلياء ": وهذه الرايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية في سنة سنتين وثلاثين ومئة، بل رايات سود أخرى تأتي صحبة المهدي، وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني رضي الله عنه، يصلحه الله في ليلة واحدة، أي يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه ويرشده، بعد أن لم يكن كذاك. ويؤيده ناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سودا أيضا، وهو زي عليه الوقار لان راية رسول الله صلى الله عليه وآله كانت سوداء يقال لها العقاب. ".. والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت، كما دل

[ 361 ]

على ذلك بعض الاحاديث. وقد أفردت في ذكر المهدي جزء على حدة ولله الحمد " المصدر ج 1 ص 296 و 301 و 302. جلال الدين السيوطي قال في كتابه " الحاوي للتفاوي ": " أخرج ابن جرير في تفسيره، عن السدي في قوله تعالى " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " قال هم الروم، كانوا ظاهروا بخت نصر في خراب بيت المقدس. وفي قوله تعالى " أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين " قال فليس في الارض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها. وفي قوله " لهم في الدنيا خزي " قال أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي " المصدر ج 1 ص 354. وقال في التعليق على حديث " لا مهدي الا عيسى بن مريم ": قال القرطبي في التذكرة: إسناده ضعيف. والاحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله في التنصيص على خروج المهدي من عترته وأنه من عترته وأنه من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه. قال أبو الحسن محمد بن الحسين بن ابراهيم بن عاصم السحري: قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وآله بمجئ المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملا الارض عدلا، وأنه يخرج معه عيسى فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الامة وعيسى يصلي خلفه، في طول من قصته وأمره " المصدر ج 1 ص 396.

[ 362 ]

ابن أبي الحديد المعتزلي قال في شرح نهج البلاغة في شرح قوله عليه السلام " وبنا يختم لا بكم ": " اشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة (ع) واصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرحوا بذكره في كتبهم واعترف به شيوخهم. إلا أنه عندنا لم يخلق بعد وسيخلق. والى هذا المذهب يذهب أصحاب الحديث أيضا " المصدر ج 1 ص 146. وقال في شرح قوله عليه السلام " لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها. وتلا عقيب ذلك: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " قال: والامامية تزعم أن ذلك وعد منه بالامام الغائب يملك الارض في آخر الزمان. وأصحابنا يقولون إنه وعد بامام يملك الارض ويستولي على الممالك، ولا يلزم من ذلك أنه لابد أن يكون موجودا. وتقول الزيدية: إنه لابد من أن يملك الارض فاطمي يتلوه جماعة من الفاطميين على مذهب زيد، وان لم يكن أحد منهم الان موجودا " المصدر ج 1 ص 174. وفي شرح قوله عليه السلام " بأبي ابن خيرة الامام " قال: " أما الامامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر وأنه ابن أمة اسمها نرجس. وأما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لام ولد وليس بموجود الان.. وأنه يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، وينتقم من الظالمين وينكل بهم أشد النكال " المصدر ج 1 ص 152، ولكن إذا كان سيولد في عصرنا مثلا فأين الاماء، وكيف يكون ابن أم ولد وابن خيرة الاماء ؟.

[ 363 ]

وقال ابن أبي الحديد، قوله عليه السلام " في سترة من الناس " هذا الكلام يدل على استتار هذا الانسان المشار إليه، وليس ذلك بنافع للامامية في مذهبهم، وان ظنوا أنه تصريح بقولهم. وذلك لانه من الجائز أن يكون هذا الامام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان، ويكون مستترا مدة وله دعاة يدعون إليه ويقررون أمره، ثم يظهر بعد ذلك الاستتار ويملك الممالك ويقهر الدول ويمهد الارض " المصدر ج 1 ص 163. العلامة المناوي صاحب فيض القدير قال في شرح حديث " المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري ": قال في المطامح: حكي أنه يكون في هذه الامة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ا. ه‍. وأخبار المهدي كثيرة شهيرة أفردها غير واحد في التأليف. قال السمهودي: ويتحصل مما ثبت في الاخبار عنه أنه من ولد فاطمة، وفي أبي داود أنه من ولد الحسن، والسر فيه ترك الحسن للخلافة لله شفقة على الامة، فجعل القائم بالخلافة الحق عند شدة الحاجة وامتلاء الارض ظلما من ولده. وهذه سنة الله في عباده أنه يعطي لمن ترك شيئا من أجله أفضل مما ترك أو ذريته. ثم قال " تنبيه: أخبار المهدي لا يعارضها خبر " لا مهدي الا عيسى بن مريم " لان المراد به كما قال القرطبي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى. (الروياني) في مسنده عن حذيفة، قال ابن الجوزي، قال ابن أحمد الرازي: حديث باطل ا. ه‍. وفيه محمد بن ابراهيم الصوري، قال: قال في الميزان عن ابن الجلاب، روى عن رواد خبرا باطلا منكرا في ذكر المهدي، ثم ساق هذا الخبر وقال، هذا باطل " المصدر ج ص 54.

[ 364 ]

العلامة خير الدين الالوسي قال في غالية المواعظ: " فمنها - أي علامات الساعة - خروج المهدي رضي الله تعالى عنه على القول الاصح عند أكثر العلماء، ولاعبرة بمن أنكر مجيئه من الفضلاء. وفئ مجئ المهدي أحاديث عديدة.. ". وقال بعد أن استعرض قسما من أحاديثه " وهذا الذي ذكرناه في أمر المهدي هو الصحيح من أقوال أهل السنة والجماعة " المصدر ج 2 ص 158 و 160. الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الازهر قال في مقال نشرته مجلة التمدن الاسلامي بعنوان " نظرة في أحاديث المهدي): " ويلحق بالاحكام العملية في صحة الاحتجاج بخبر الاحاد أشياء يخبر بها الشارع ليعلمها الناس من غير أن يتوقف صحة ايمانهم على معرفتها. ومن هذا القبيل حديث المهدي. فإذا ورد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله بأنه سيقع في آخر الزمان كذا، حصل به العلم، ووجب الوقوف عليه من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذه الحديث حتى يبلغ حد التوتر. ولم يرد في الجامع الصحيح للامام البخاري حديث في شأن المهدي، وانما ورد في صحيح مسلم حديث لم يصرح فيه باسمه، وحمله بعضهم على أن المراد منه المهدي، أو المشار فيها إلى بعض صفاته. أما بقية كتب الحديث

[ 365 ]

فرواها الامام أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والطبراني، وأبو نعيم، وابن أبي شيبه، وأبو يعلى، والدار قطني، والبيهقي، ونعيم بن حماد، وغيرهم. وجمعت هذه الاحاديث في رسائل مستقلة، مثل " العرف الوردي في حقيقة المهدي " للملا علي القاري، و " التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح " للشوكاني. وأول من اتجه إلى نقد أحاديث المهدي فيما عرفنا أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون " ". ثم اعترف ابن خلدون بأن بعض الاحاديث خالص من النقد. ونحن نقول متى ثبت حديث واحد من هذه الاحاديث وسلم من النقد كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يسوس الناس بالشرع ويحكم بالعدل ". ".. والصحابة الذين رويت من طرقهم أحاديث المهدي نحو (27) صحابيا رضي الله عنهم.. والواقع أن أحاديث المهدي بعد تنقيتها من الموضوع والضعيف القريب منه، فإن الباقي منها لايستطيع العالم الباحث على بصيرة أن يصرف نظره عنه.. وقد صرح الشوكاني في رسالته المشار إليها آنفا بأن هذه الاحاديث بلغت مبلغ التواتر، قال " والاحاديث التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك. بل يصدق وصف التواتر على ما دونها، على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول ". يقول بعض المنكرين لاحاديث المهدي جملة: ان هذه الاحاديث من وضع الشيعة لا محالة. ويرد بأن هذه الاحاديث مروية بأسانيدها، وقد تقصينا رجال سندها فوجدناهم ممن عرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهمهم أحد من رجال التعديل والجرح بتشيع، مع شهرة نقدهم للرجال " ".. وقد اتخذ مسألة المهدي كثير من القائمين لانشاء دول وسيلة إلى الوصول إلى

[ 366 ]

غاياتهم، فادعوا المهدوية ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم. فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة، إذ زعم مؤسسها عبيد الله أنه المهدي. ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة، فإن مؤسسها محمد بن تومرت أقام أمره على هذه الدعوة. وظهر في أيام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى التوزدي واجتمع حوله رؤساء صنهاجة، وقتل المصامتة. وقام رجل اسمه العباس سنة 690 ه‍. في نواحي الريف من المغرب وزعم أنه المهدي، واتبعته جماعة، وآل أمره إلى أنه قتل وانقطعت دعوته. وبعد ثورة عرابي بمصر ظهر رجل في السودان يسمى محمد أحمد، ادعى أنه المهدي واتبعه قبيلة بقارة من جهينة على أنه المهدي سنة 1300 ه‍. وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي أحد زعماء البقارة. ".. وإذا أساء الناس فهم حديث نبوي، أو لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح حتى وقعت جراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي أن يكون ذلك داعيا للشك في صحة الحديث أو المبادرة إلى إنكاره، فإن النبوة حقيقة واقعة بلا شبهة، وقد ادعاها أناس كذبا وافتراء وأضلوا بدعواهم كثيرا من الناس، مثل ما يفعله طائفة القاديانية اليوم. والالوهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء، وقد ادعاها قوم لزعمائهم على معنى أنه - جل شأنه - يحل فيهم، مثلها يفعل طائفة البهائية في هذا العهد. فليس من الصواب انكار الحق من أجل ما ألصق به من باطل ". المصدر ج 2 ص 210 - 214. الشيخ ناصر الدين الالباني قال في مقال في مجلة (التمدن الاسلامي) من مقالة بعنوان (حول المهدي):

[ 367 ]

" وأما مسألة المهدي فليعلم أن في خروجه أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة. وأنا مورد هنا أمثلة منها، ثم معقب ذلك بدفع شبهة الذين طعنوا فيها " ثم ذكر أمثلة منها ومن آراء العلماء بتواترها، ثم قال: " هذا ثم إن السيد رشيد (رضا) أو غيره لم يتتبعوا ما ورد في المهدي من الاحاديث حديثا حديثا، ولا توسعوا في طلب مالكل حديث منها من الاسانيد. ولو فعلوا لوجدوا منها ما تقوم به الحجة، حتى في الامور الغيبية التي يزعم البعض أنها لا تثبت إلا بحديث متواتر. ومما يدلك على أن السيد رشيد رحمه الله ادعى أن أسانيد لا تخلو عن شيعي، مع أن الامر ليس كذلك على اطلاقه، فالاحاديث الاربعة التي ذكرتها ليس فيها رجل معروف بالتشيع. على أنه لو صحت هذه الدعوى لم يقدح ذلك في صحة الاحاديث، لان العبرة في الصحة إنما هو الصدق والضبط، وأما الخلاف المذهبي فلا يشترط في ذلك كما هو مقرر في مصطلح علم الحديث. ولهذا روى الشيخان في صحيحيهما لكثير من الشيعة وغيرهم من الفرق المخالفة، واحتجا بأحاديث هذا النوع. وقد أعلها السيد بعلة أخرى وهي التعارض، وهذه علة مدفوعة لان التعارض شرطه التساوي في قوة الثبوت، وأما نصب التعارض بين قوي وضعيف فمما لا يسوغه عاقل منصف. والتعارض المزعوم من هذا القبيل. ".. وخلاصة القول أن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه صلى الله عليه وآله يجب الايمان بها لانها من أمور الغيب، والايمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى " آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب " وأن انكارها لا يصدر إلا عن جاهل أو مكابر. أسأل الله أن يتوفانا على الايمان بها، وبكل ما صح في الكتاب والسنة " المصدر ج 2 ص 288 - 391.

[ 368 ]

الكتاني المالكي قال في كتابه " نظم المتناثر من الحديث المتواتر) بعد أن عدد عشرين من الصحابة الذين رويت عنهم أحاديث المهدي: " وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة. والسخاوي ذكر ذلك في " فتح المغيث " ونقله عن أبي الحسين الابري، وقد تقدم نقله في أول هذه الرسالة. وفي تأليف لابي العلاء إدريس الحسيني العراقي في المهدي هذا: إن أحاديثه متواترة أو كادت، قال: وجزم بالاول غير واحد من الحفاظ النقاد ا. ه‍. وفي شرح الرسالة للشيخ جوس ما نصه " ورد خبر المهدي في أحاديث السخاوي وأنها وصلت إلى حد التواتر. ا. ه‍. وفي شرح المواهب نقلا عن أبي الحسين الابري في مناقب الشافعي قال: تواترت الاخبار أن المهدي من هذه الامة وأن عيسى يصلي خلفه. ذكر ذلك ردا لحديث ابن ماجة " لا مهدي الا عيسى " ا. ه‍. وفي " مغاني الوفا بمعاني الاكتفا " قال الشيخ أبو الحسين الابري: قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وآله بمجئ المهدي وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملا الارض عدلا ا. ه‍. وفي شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم. ثم ذكر بعض الاحاديث الواردة فيه عن جماعة من الصحابة، وقال بعدها: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم روايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم مما يفيد مجموعه العلم

[ 369 ]

القطعي. فالايمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة ا. ه‍. " المصدر ج 2 ص 194 - 195. العدوي المصري قال في كتاب مشارق الانوار: " وجاء في بعض الروايات أنه ينادي عند ظهوره فوق رأسه ملك " هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه " فيقبل عليه الناس ويشربون حبه، وأنه يملك الارض شرقها وغربها، وأن الذين يبايعونه أولا بين الركن والمقام بعدد أهل بدر ثم تأتيه أبدال الشام ونجباء مصر وعصائب أهل الشرق وأشباههم. ويبعث الله جيشا من خراسان برايات سود نصرة له، ثم يتوجه إلى الشام، وفي رواية إلى الكوفة، والجمع ممكن. وأن الله تعالى يؤيده بثلاثة آلاف من الملائكة، وأن أهل الكهف من أعوانه. قال الاستاذ السيوطي: وحينئذ فسر تأخيرهم إلى هذه المدة اكرامهم بشرفهم بدخولهم في هذه الامة، واعانتهم للخليفة الحق. وأن على مقدمة جيشه جبريل، وميكائيل على ساقته " المصدر ج 2 ص 62. سعد الدين الفتتازاني قال في شرح المقاصد: " خاتمة. مما يلحق بباب الامامة خروج المهدي ونزول عيسى صلى الله عليه وآله وهما من أشراط الساعة. وقد وردت في هذا الباب أخبار صحاح وان كانت آحادا ". ".. وعنه رضي الله عنه - أي أبي سعيد الخدري - قال " ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بلاء يصيب هذه الامة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم،

[ 370 ]

فيبعث الله رجلا من عترتي فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " فذهب العلماء إلى أنه امام عادل من ولد فاطمة رضي الله عنها يخلقه الله حين يشاء ويبعثه لنصرة دينه. وزعمت الشيعة الامامية أنه محمد بن الحسن العسكري اختفى عن الناس خوفا من الاعداء ولا استحالة في طول عمره كنوح ولقمان والخضر عليهم السلام. وأنكر ذلك سائر الفرق لانه ادعاء أمر يستبعد جدا، إذ لم يعهد في هذه الامة مثل هذه الاعمار من غير دليل ولا امارة.. " المصدر ج 1 ص 214. القرماني الدمشقي قال في كتابه أخبار الدول وآثار الاول: " واتفق العلماء على أن المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الاخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره. وستسفر ظلمة الليالي والايام بسفوره، وتنجلي برؤيته الظلم، انجلاء الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الافاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره " المصدر ج 1 ص 463. محي الدين بن عربي قال في كتابه الفتوحات المكية " إعلم أيدنا الله أن لله خليفة يخرج وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا، ولو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله من ولد فاطمة يواطي اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله. ".. يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يبيد الظلم وأهله،

[ 371 ]

يقيم الدين فينفخ الروح في الاسلام. يعز الاسلام به بعد ذلة، ويحيا بعد موته. يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل. يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه ما لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله لحكم به. يرفع المذاهب من الارض فلا يبقى الا الدين الخالص. أعداؤه مقلدة الفقهاء أهل الاجتهاد، لما يرونه من الحكم بخلاف ما حكمت به أئمتهم، فيدخلون كرها تحت حكمه خوفا من سيفه وسطوته، ورغبة فيما لديه. يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، ويبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي. له رجال إلهيون يقيمون دولته وينصرونه، هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة، ويعينونه على ما قلده الله. ".. فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه أفضل الامناء، وان الله يستوز له طائفة خبأهم له في مكنون غيبه، أطلعهم كشفا وشهودا على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده. فبمشاورتهم يفصل ما يفصل، وهم العارفون الذين عرفوا ما ثم. وأما هو نفسه فصاحب سيف حق وسياسة مدنية. يعرف من الله قدر ما تحتاج إليه مرتبته ومنزله، لانه خليفة مسدد، يفهم منطق الحيوان، يسري عدله في الانس والجان، من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له لقوله " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " وهم على أقدام (و) رجال من الصحابة، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الاعاجم ما فيهم عربي، لكن لا يتكلمون الا بالعربية. لهم حافظ ليس من جنسهم، ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء وأفضل الامناء، المصدر ج 1 ص 106 - 107

[ 372 ]

الشريف البرزنجي قال في كتابه الاشاعة في أشراط الساعة: " واعلم أن الاحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لاتكاد تنحصر، فقد قال محمد بن الحسن الدستوري في كتابه (مناقب الشافعي): قد تواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله بذكر المهدي وأنه من أهل بيته صلى الله عليه وآله ا. ه‍. ".. جاء عن ابن سيرين أن المهدي خير من أبي بكر وعمر، قيل يا أبا بكر خير من أبي بكر وعمر ! ؟ قال: قد كان يفضل على بعض الانبياء. وعنه: لا يفضل عليه أبو بكر وعمر. قال السيوطي في " العرف الوردي " هذا إسناد صحيح، وهو أخف من اللفظ الاول. قال: والاوجه عندي تأويل اللفظين على ما دل عليه حديث " بل أجر خمسين منكم " لشدة الفتن في زمان المهدي. قلت: التحقيق أن جهات التفاضل مختلفة، ولا يجوز لنا التفضيل في فرد من الافراد على الاطلاق الا إذا فضله النبي صلى الله عليه وآله كذلك، فإنه قد يوجد في المفضول مزية من جهات أخر ليست في الفاضل. وتقدم من الشيخ في الفتوحات أنه معصوم في حكمه مقتف أثر النبي صلى الله عليه وآله لا يخطئ أبدا. ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين، وأن الامور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله. فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما، وان كان لهما فضل الصحبة، والمشاهدة والوحي والسابقة، وغير ذلك، والله أعلم. قال الشيخ علي القاري في " المشرب الوردي في مذهب المهدي " ومما يدل على أفضليته أن النبي صلى الله عليه وآله سماه " خليفة الله " وأبو بكر لا يقال له الا " خليفة رسول الله ". المصدر ج 1 ص 480 - 506.

[ 373 ]

مقطوعات شعرية في مدح الامام المهدى عليه السلام قصيدة للسيد الحميري رحمه الله يخاطب بها الامام جعفر الصادق عليه السلام، بعد عدوله عن مذهب الكيسانية إلى مذهب التشيع. وقد كان الكيسانية يعتقدون أن المهدي الموعود هو محمد بن الامام علي عليه السلام، الذي اشتهر بابن الحنفية لان أمة خولة رضي الله عنها من قبيلة بني حنيفة: أيا راكبا نحو المدينة جرة * عذا فرة يطوي بها كل سبسب إذا ما هذاك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب ألا يا أمين الله وابن أمينه * أتوب إلى الرحمان ثم تأوبي إليك من الامر الذي كنت مطنبا * أحارب فيه جاهدا اكل معرب إليك رددت الامر غير مخالف * وفئت إلى الرحمان من كل مذهب سوى ما تراه يابن بنت محمد * فإن به عقدي وزلفى تقربي وما كان قولي في ابن خولة مبطنا * معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي محمد * وما كان فيما قال بالمتكذب بأن ولي الامر يفقد لا يرى * ستيرا كفعل الخائف المترقب فتقسم أموال الفقيد كأنما * تغيبه بين الصفيح المنصب فيمكث حينا ثم ينبع نبعة * كنبعة جدي من الافق كوكب يسير بنصر الله من بيت ربه * على سؤدد منه وأمر مسبب يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب

[ 374 ]

فلما روي أن ابن خولة غائب * صرفنا إليه قولنا لم نكذب وقلنا هو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب فإن قلت لا فالحق قولك والذي * أمرت فحتم غير ما متعصب وأشهد ربي أن قولك حجة * على الخلق طرا من مطيع ومذنب بأن ولي الامر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب له غيبة لابد من أن يغيبها * فصلى عليه الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر حينه * فيملا عدلا كل شرق ومغرب بذاك أدين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب (ديوان السيد الحميري ص 115) من تائية دعبل الخزاعي رحمه الله التي أنشدها بحضرة الامام الرضا عليه السلام بكيت لرسم الدار من عرفات * وأذريت دمع العين بالعبرات وفك عرى صبري وهاجت صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات لال رسول الله بالخيف من منى * وبالركن والتعريف والجمرات ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات ديار عفاها جور كل منابذ * ولم تعف للايام والسنوات فيا وارثي علم النبي، وآله * عليكم سلام دائم النفحات قفانسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات ؟ وأين الالى شطت بهم غربة النوى * أفانين في الافاق مفترقات ؟ هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا * وهم خير سادات وخير حماة مطاعيم في الاعسار، في كل مشهد * لقد شرفوا بالفضل والبركات وما الناس إلا حاسد ومكذب * ومضطغن ذو إحنة وترات

[ 375 ]

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا * وقد مات عطشانا بشط فرات إذن للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات أفاطم قومي يابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلاة قبور بكوفان وأخرى بطيبة * وأخرى بفخ نالها صلواتي وقبر بأرض الجوزجان محله * وقبر ببا خمرا، لدى الغربات وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات فأما الممضات التي لست بالغا * مبالغها مني بكنه صفات نفوس لدى النهرين من أرض كربلا * معرسهم فيها بشط فرات توفوا عطاشا بالفرات، فليتني * توفيت فيهم قبل حين وفاتي إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم * سقتني بكأس الذل والفظعات ملامك في أهل النبي، فإنهم * أحباي، ما عاشوا وأهل ثقاتي تخيرتهم رشد الامري، فإنهم * على كل حال خيرة الخيرات نبذت إليهم بالمودة صادقا * وسلمت نفسي طائعا لولاتي فيارب زدني من يقيني بصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي سأبكيهم ما حج لله راكب * وما ناح قمري على الشجرات بنفسي أنتم من كهول وفتية * لفك عناة أو لحمل ديات أحب قصي الرحم من أجل حبكم * وأهجر فيكم أسرتي وبناتي وأكتم حبيكم مخافة كاشح * عنيد لاهل الحق غير موات فياعين بكيهم، وجودي بعبرة * فقد آن للتسكاب والهملات لقد حفت الايام حولي بشرها * وإني لارجو الامن بعد وفاتي ألم ترأني من ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات بنات زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في الفلوات سأبكيهم ماذر في الارض شارق * ونادى منادي الخير بالصلوات وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات ديار رسول الله أصبحن بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات وآل رسول الله نجف جسومهم * وآل زياد غلظ القصرات

[ 376 ]

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * أكفا عن الاوتار منقبضات فلولا الذي أرجوه في اليوم أوغد * تقطع قلبي إثرهم حسرات خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري * فغير بعيد كل ما هو آت ولا تجزعي من مدة الجور، إنني * أرى قوتي قد آذنت بشتات فإن قرب الرحمن من تلك مدتي * وأخر من عمري بطول حياتي شفيت، ولم أترك لنسي رزية * ورويت منهم منصلي وقناتي فإني من الرحمن أرجو بحبهم * حياة لدى الفردوس غير بتات عسى الله أن يأوي لذا الخلق إنه * إلى كل قوم دائم اللحظات (ديوان دعبل الخزاعي ص 135) رباعيات للشيخ البهائي العاملي المتوفى 1031 ه‍. قدس سره يا كراما صبرنا عنهم محال * إن حالي من جفاكم شر حال إن أتى من حيكم ريح الشمال * صرت لا أدري يميني من شمال حبذا ريح سرى من ذي سلم * من ربى نجد وسلع والعلم أذهب الاحزان عنا والالم * والاماني أدركت والهم زال باأخلائي بحزوى والعقيق * ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق هل لمشتاق إليكم من طريق * أم سددتم عنه أبواب الوصال لا تلوموني على فرط الضجر * ليس قلبي من حديد أو حجر فات مطلوبي ومحبوبي هجر * والحشا في كل آن في اشتعال

[ 377 ]

من رأي وجدي لسكان الحجون * قال ما هذا هوى هذا جنون أيها اللوام ماذا تبتغون * قلبي المضنى وعقلي ذو اعتقال يا نزولا بين جمع والصفا * ياكرام الحي يا أهل الوفا كان لي قلب حمول للجفا * ضاع مني بين هاتيك التلال يا رعاك الله يا ريح الصبا * إن تجز يوما على وادي قبا سل أهيل الحي في تلك الربا * هجرهم هذا دلال أم ملال جيرة في هجرنا قد أسرفوا * حالنا من بعدهم لا يوصف إن جفوا أو واصلوا أتلفوا * حبهم في القلب باق لا يزال هم كرام ما عليهم من مزيد * من يمت في حبهم يمضي شهيد مثل مقتول لدى المولى لحميد * أحمدي الخلق محمود الفعال صاحب العصر الامام المنتظر * من بما يأباه لا يجري القدر حجة الله على كل البشر * خير أهل الارض في كل الخصال من إليه الكون قد ألقى القياد * مجريا أحكامه فيما أراد إن تزل عن طوعه السبع الشداد * خرمنها كل سامي السمك عال شمس أوج المجد مصباح الظلام * صفوة الرحمن من بين الانام الامام بن الامام بن الامام * قطب أفلاك المعالي والكمال فاق أهل الارض في عزوجاه * وارتقى في المجد أعلى مرتقاه لو ملوك الارض حلوا في ذراه * كان أعلى صفهم صف النعال ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباع * صير الاظلام طبعا للشعاع

[ 378 ]

وارتدى الامكان برد الامتناع * قدرة موهوبة من ذي الجلال يا أمين الله يا شمس الهدى * يا إمام الخلق يا بحر الندى عجلن عجل فقد طال المدى * واضمحل الدين استولى الضلال هاك يا مولى الورى نعم المجير * من مواليك البهائي الفقير مدحة يعنو لمعناها جرير * نظمها يزري على عقد الكلال ياولي الامر يا كهف الرجا * مسني الضر وأنت المرتجى والكريم المستجاب الملتجا غير محتاج إلى بسط السؤال قصيدة للشيخ البهائي العاملي قدس سره، وهي المسماة " وسيلة الفوز والامان في مدح صاحب الزمان " وقد شرحها الشيخ أحمد المنيني سنة 1151 ه‍. في سبعين صفحة إجابة لطلب قاضي القضاة بدمشق، وطبع شرحه في آخر " الكشكول " ومستقلا بمصر. سرى البرق من نجد فجدد تذكاري * عهودا بجزوى والعذيب وذي قار وهيج من أشواقنا كل كامن * وأجج في أحشائنا لاهب النار ألا يا لييلات الغوير وحاجر * سقيت بهام من بني المزن مدرار ويا جيرة بالمأزمين خيامهم * عليكم سلام الله من نازح الدار خليلي مالي والزمان كأنما يطالبني في كل آن بأوتار فأبعد أحبابي وأخلى مرابعي * وأبدلني من كل صفو بأكدار وعادل بي من كان أقصى مرامه * من المجد أن يسموا لى عشر معشاري ألم يدر أني لا أزال لخطبه * وأن سامني خسفا وأرخص أسعاري مقامي بفرق الفرقدين فما الذي * يؤثره مسعاه في خفض مقداري وأني امرؤلا يدرك الدهر غايتي * ولاتصل الايدي إلى سر أغواري أخالط أبناء الزمان بمقتضى * عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري وأظهر أني مثلهم تستفزني * صروف الليالي باحتلاء وإمرار

[ 379 ]

واني ضاوي القلب مستوفز النهى * أسر بيسر أو أساء بإعسار ويضجرني الخطب المهول لقاؤه * ويطربني الشادي بعود ومز ؟ ؟ وتصمي فؤادي ناهد الثدي كاعب * بأسمر خطارو أحور س ؟ ؟ وأني أسخى بالدموع لوقفة * على طلل بال ودارس أحجر وما علموا اني امرؤ لا يروعني * توالي الرزايا في عشي وإبكار إذا دك طود الصبر من وقع حادث * فطود اصطباري شامخ غير منهار وخطب يزيل الروع أيسر وقعه * كؤود كوخز بالاسنة شعار تلقيته والحتف دون لقائه * بقلب وقور في الهزاهز صبار ووجه طليق لا يمل لقاؤه * وصدر رحيب في ورود وإصدار ولم أبده كي لا يساء لوقعه * صديقي ويأسى من تعسره جاري ومعضلة دهماء لا يهتدى لها * طريق ولا يهدى إلى ضوئها الساري تشيب النواصي دون حل رموزها * ويحجم عن أغوارها كل مغوار أجلت جياد الفكر في حلباتها * ووجهت تلقاها صوائب أنظاري فأبرزت من مستورها كل غامض * وثقفت منها كل قسور سوار أأضرع للببلوى وأغضي على القذى * وأرضى بما يرضى به كل مخوار وأفرح من دهري بلذة ساعة * واقنع من عيشي بقرص وأطمار إذن لاورى زندي ولاعز جانبي * ولا بزغت في قمة المجد أقماري ولا بل كفي بالسماح ولاسرت * بطيب أحاديثي الركاب وأخباري ولا انتشرت في الخافقين فضائلي * ولا كان في المهدي رائق أشعاري خليفة رب العالمين وظله * على ساكن الغبراء من كل ديار هو العروة الوثقى الذي من بذيله * تمسك لا يخشى عظائم أوزار امام هدى لا ذالزمان بظله * وألقى إليه الدهر مقود خوار ومقتدر لو كلف الصم نطقها * بأجذارها فاهت إليه بأجذار علوم الورى في جنب أبحر علمه * كغرفة كف أو كغمسة منقار فلو زار أفلاطون أعتاب قدسه * ولم يعشه عنها سواطع أنوار رأى حكمة قدسية لا يشوبها * شوائب أنظار وأدناس أفكار بإشراقها كل العوالم أشرقت * لما لاح في الكونين من نورها الساري

[ 380 ]

إمام الورى طود النهى منبع الهدى * وصاحب سر الله في هذه الدار به العالم السفلي يسمو ويعتلي * على العالم العلوي من دون إنكار ومنه العقول العشر تبغي كما لها * وليس عليها في التعلم من عار همام لو السبع الطباق تطابقت * على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري لنكس من ابراجها كل شامخ * وسكن من افلاكها كل دوار ولا انتشرت منها الثوابت خيفة * وعاف السرى من سورها كل سيار أيا حجة الله الذي ليس جاريا * بغير الذي يرضاه سابق أقدار ويا من مقاليد الزمان بكفه وناهيك من مجد به خصه الباري أغث حوزة الايمان واعمر ربوعه * فلم يبق فيها غير دارس آثار وأنقذ كتاب الله من يد عصبة * عصوا وتمادوا في عتو وإصرار وأنعش قلوبا في انتظارك قرحت * وأضجرها الاعداء أية إضجار وخلص عباد الله من كل غاشم * وطهر بلاد الله من كل كفار وعجل فداك العالمون بأسرهم * وبادر على اسم الله من غير إنظار تجد من جنود الله خير كتائب * وأكرم أعوان وأشرف أنصار بهم من بني همدان أخلص فتية * يخوضون أغمار الوغى غير فكار بكل شديد البأس عبل شمر دل * إلى الحتف مقدام على الهول مصبار تحاذره الابطال في كل موقف * وترهبه الفرسان في كل مضمار أيا صفوة الرحمن دونك مدحة * كدر عقود في ترايب أبكار يهنا ابن هاني إن أتى بنظيرها * ويعنولها الطائي من بعد بشار اليك البهائي الحقير يزفها * كغانية مياسة القد معطار تغار إذا قيست لطافة نظمها بنفحة أزهار ونسمة أسحار إذا رددت زادت قبولا كأنها * أحاديث نجد لا تمل بتكرار وقد يستشكل على بعض المعاني التي وردت في القصيدة بأنها تنافي التوحيد أو تصل إلى الغلو أعاذنا الله، فلابد أن يكون مقصوده منها قدس سره ما ينسجم ويخضع لاصول عقائدنا الاسلامية في التوحيد والنبوة، التي لا خلاف بين مذاهب المسلمين فيها، والتي يحرص أهل البيت عليهم السلام على

[ 381 ]

سلامتها وصفائها. من قصيدتين للمرحوم السيد حيدر الحلي قدس سره مات التصبر في انتظا * رك أيها المحيي الشريعه فانهض فما أبقى التحمل * غير أحشاء جزوعه قد مزقت ثوب الاسى * وشكت لواصلها القطيعة فالسيف إن به شفاء * قلوب شيعتك الوجيعه فسواه منهم ليس ينعش * هذه النفس الصريعه طالت حبال عواتق * فمتى تكون به قطيعه كم ذا القعود ودينكم * هدمت قواعده الرفيعه تنعى الفروع أصوله * وأصوله تنعى فروعه فيه تحكم من أباح * اليوم حوزته المنيعة فاشحذ شبا عضب له * الارواح مذعنة مطيعه إن يدعها خفت لدعو * ته وإن ثقلت سريعه واطلب به بدم القتيل * بكربلا في خير شيعه ماذا يهيجك إن صبرت * لوقعة الطف الفضيعه أترى تجئ فجيعة * بأمض من تلك الفجيعه حيث الحسين على الثرى * خيل العدى طحنت ضلوعه قتلته آل أمية * ظام إلى جنب الشريعه ورضيعه بدم الوريد * مخضب فاطلب رضيعه يا غيرة الله اهتفى * بحمية الدين المنيعة وضبا انتقامك جردي * لطلا ذوي البغي التليعه ودعي جنود الله تملا * هذه الارض الوسيعة (من " رياض المديح والرثاء " ص 32)

[ 382 ]

من حامل لولي الله مألكة * تطوى على نفثات كلها ضرم يا بن الاولى يقعدون إن نهضت * بهم لدى الروع في وجه الضبا الهمم الخيل عندك ملتها مرابطها * والبيض منها عرا أغمادها السأم هذي الخدور لها الاعداء هاتكة * وذي الجباه ألا مشحوذة تسم لا تطهر الارض من رجس العدى أبدا * ما لم يسل فوقها سيل الدم العرم أعيذ سيفك أن تصدى حديدته * ولم تكن فيه تجلى هذه الغمم قد آن أن يمطر الدنيا وساكنها * دما أغر عليه النقع مرتكم وإن أعجب شئ أن أبثكها * كأن قلبك خال وهو محتدم لاصبر أو تضع الهيجاء ما حملت * بطلقة معها ماء المخاض دم لاصبر أو تضع اليهجاء ما حملت * بطلقة معها ماء المخاض دم هذا المحرم قد وافتك صارخة مما استحلوا به أيامه الحرم يملان سمعك من أصوات ناعية * في مسمع الدهر من إعوالها صمم تنعى اليك دماء غاب ناصرها * حتى أريقت ولم يرفع لكم علم مسفوحة لم تجب عند استغاثتها * إلا بأدمع ثكلى شفها الالم حنت وبين يديها فتية شربت * من نحرها نصب عينيها الضبا الخذم موسدين على الرمضاء تنظرهم * حرى القلوب على ورد الردى ازدحموا سقيا لثاوين لم تبلل مضاجعهم * إلا الدماء وإلا الادمع السجم أفناهم صبرهم تحت الضبا كرما * حتى مضوا ورداهم ملؤه كرم وخائضين غمار الموت طافحة * أمواجها البيض في الهامات تلتطم مشو إلى الحرب مشي الضاريات لها * فصارعوا الموت فيها والقنا أجم ولا غضاضة يوم الطف ان قتلوا * صبرا بهيجاء لم تثبت لها قدم فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد * ماتت بها منهم الاسياف لا الهمم أبكيهم لعوادي الخيل إن ركبت * رؤسها لم يكفكف عزمها اللجم وللسيوف إذا الموت الزؤام غدا * في حدها هو والارواح يختصم قومي الاولى عقدت قدما مئازرهم * على الحمية ما ضيموا ولا اهتظموا عهدي بهم قصر الاعمار شبأنهم * لا يهرمون وللهيابة الهرم ما بالهم لاعفت منهم رسومهم * قروا وقد حملتنا الانيق الرسم يا غاديا بمطايا العزم حملها * هما تضيق به الاضلاع والحزم

[ 383 ]

عرج على الحي من عمرو العلى فأرح * منهم بحيث اطمأن البأس والكرم وحي منهم خماة ليس بابنهم * من لا يرف عليه في الوغى العلم المشبعين قرى طير السما ولهم * بمنعة الجار فيهم يشهد الحرم والهاشمين وكل الناس قد علموا * بأن للضيف أو للسيف ما هشموا قف منهم موقفا تغلو القلوب به * من فورة العتب واسأل ما الذي بهم جفت عزائم فهر أم ترى بردت * منها الحمية أم قد ماتت الشيم أم لم تجد لذع عتبي في حشاشتها * فقد تساقط جمرا من فمي الكلم (من " رياض المدح والرثاء " ص 55) من قصيدة للسيد رضا الهندي قدس سره فيا مغذا على وجناء مرتعها * قطع الفجاج ولمع الال ما ترد حب في المسير هداك الله كل فلا * عن الهدى فيه حتى للقطار صد حتى يبوؤك الترحال ناحية * تحل من كرب اللاجي بها العقد وروضة أنجم الخضراء قد حسدت * حصباءها وعليها يحمد الحسد وأرض قدس من الاملاك طاف بها * طوائف كلما مروا بها سجدوا فأرخص الدمع من عينين قد غلتا * على لهيب جوى في القلب يتقد وقل ولم تدع الاشجان منك سوى * قلب الفريسة إذ ينتاشها الاسد يا صاحب العصر أدركنا فليس لنا * ورد هنئ ولا عيش لنا رغد طالت علينا ليالي الانتظار فهل * يابن الزكي لليل الانتظار غد فاكحل بطلعتك الغرا لنا مقلا * يكاد يأتي على إنسانها الرمد ها نحن مرمى لنبل النائبات وهل * يغني اصطبار وهى من درعه الزرد كم ذا يؤلف شمل الظالمين لكم * وشملكم بيدي أعدائكم بدد فانهض فدتك بقايا أنفس ظفرت * بها النوائب لما خانها الجلد هب أن جندك معدود فجدك قد * لاقى بسبعين جيشا ماله عدد (من " رياض المدح والرثاء " ص 91)

[ 384 ]

قصيدتان ونختم هذه المقطوعات بأبيات مختارة من قصيدتين للكميت بن زيد الاسدي المتوفى سنة 126 ه‍. وهما من قصائد " الهاشميات " الذائعة الصيت، التي يمدح فيها أهل البيت عليهم السلام، ويعرض بأبناء عبد الملك بن مروان الامويين، حكام عصره. طربت وما شوقا إلى البيض أطرب طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب ولا أنا ممن يزجر الطير همه * أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية * أمر سليم القرن أم مر أعضب ولكن إلى أهل الفضائل والنهى * وخير بني حواء والخير يطلب إلى النفر البيض الذين بحبهم * إلى الله فيما نالني أتقرب بني هاشم رهط النبي فإنني * بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب خفضت لهم مني جناحي مودة * إلى كنف عطفاه أهل ومرحب وكنت لهم من هؤلاك وهؤلا * مجنا على أني أذم وأقصب وأرمى وأرمى بالعداوة أهلها * وإني لاوذى فيهم وأونب فما ساءني قول امرئ ذي عداوة * بعوراء فيهم يجتديني فأجذب فقل للذي في ظل عمياء جونة * ترى الجور عدلا أين لا أين تذهب بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عارا علي وتحسب فمالي إلا آل أحمد شيعة * ومالي إلا مشعب الحق مشعب ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة * ومن بعدهم لامن أجل وأرجب إليكم ذوي آل النبي تطلعت * نوازع من قلبي ظماء وألبب فإني عن الامر الذي تكرهونه * بقولي وفعلي ما استطعت لاجنب

[ 385 ]

بخاتمكم غصبا تجوزا أمورهم * فلم أرغصبا مثله يتغصب وجدنا لكم في آل حاميم آية * تأولها منا تقي ومعرب وفي غيرها آيا وآياتتا بعت * لكم نصب فيها لذي الشك منصب بحقكم أمست قريش تقودنا * وبالفذ منها والرديفين نركب إذا اتضعونا كارهين لبيعة * أناخوا لاخرى والازمة تجذب ردافا علينا لم يسيموا رعية * وهمهموا أن يمتروها فيحلبوا لينتتجوها فتنة بعد فتنة * فيفتصلوا أفلاءها ثم يركبوا أقاربنا الادنون منكم لعلة * وساستنا منهم ضباع وأذؤب لنا قائد منهم عنيف وسائق * يقحمنا تلك الجراثيم متعب وقالوا ورثناها أبانا وأمنا * وما ورثتهم ذاك أم ولا أب يرون لهم حقا على الناس واجبا * سفاها وحق الهاشميين أوجب ولكن مواريث ابن آمنة الذي * به دان شرقي لكم ومغرب فدى لك موروثا أبي وأبو أبي * ونفسي ونفسي بعد بالناس أطيب بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة * فنحن بنو الاسلام ندعى وننسب حياتك كانت مجدنا وسناءنا * وموتك جذع للعرانين مرعب وأنت أمين الله في الناس كلهم * ونعتب لو كنا على الحق نعتب فبوركت مولودا وبوركت ناشيا * وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب وبورك قبر أنت فيه وبوركت * به وله أهل لذلك يثرب لقد غيبوا برا وصدقا ونائلا * عشية واراك الصفيح المنصب يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيه بكيل وأرحب وعك ولخم والسكون وحمير * وكندة الحيان بكر وتغلب ولا نتشلت عضوين منها يحابر * وكان لعبد القيس عضو مؤرب ولا نتقلت من خندف في سواهم * ولاقتدحت قيس بها ثم أثقبوا ألم ترني من حب آل محمد * أروح وأغدوا خائفا أترقب كأني جان محدث وكأنما * بهم اتقي من خشية العار أجرب على أي جرم أم بأية سيرة * أعنف في تقريظهم وأونب أناس بهم عزت قريش فأصبحوا * وفيهم خباء المكرمات المطنب

[ 386 ]

مصفون في الاحساب محضون نجرهم * هم المحض منا والصريح المهذب خضمون أشراف لها ميم سادة * مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا إذا نشأت منهم بأرض سحابة * فلا النبت محظور ولا البرق خلب وإن هاج نبت العلم في الناس لم تزل * لهم تلعة خضراء منه ومذنب محاسن من دنيا ودين كأنما * بها حلقت بالامس عنقاء مغرب فنعم طبيب الداء من امر أمة * تواكلها ذو الطب والمتطبب ونعم ولي الامر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب ومن أكبر الاحداث كانت مصيبة * علينا قتيل الادعياء الملحب قتيل بجنب الطف من آل هاشم * فيالك لحما ليس عنه مذبب ومنعفر الخدين من آل هاشم * ألا حبذا ذاك الجبين المترب قتيل كأن الوله العفر حوله * يطفن به شم العرانين ربرب مضوا سلفا لابد أن مصيرنا * إليهم فغاد نحوهم متأوب كذاك المنايا لاوضيعا رأيتها * تخطى ولا ذا هيبة تتهيب وقد غادروا فينا مصابيح أنجما * لنا ثقة أيان نخشى ونرهب فيا ساسة هاتوا لنا من حديثكم ألا هل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الاساءة مقبل وهل أمة مستيقظون لرشدهم * فيكشف عنه النعسة المتزمل فقد طال هذا الذم واستخرج الكرى * مساويهم لو كان ذا الميل يعدل وعطلت الاحكام حتى كأننا * على ملة غير التي نتنحل كلام النبيين الهداة كلامنا * وأفعال أهل الجاهلية نفعل رضينا بدنيا لا نريد فراقها * على أننا فيها نموت ونقتل ونحن بها مستمسكون كأنها * لنا جنة مما نخاف ومعقل أرانا على حب الحياة وطولها * يجد بنا في كل يوم ونهزل نعالج مرمقا من العيش فانيا * له حارك لا يحمل العب ء أجزل فتلك امور الناس أضحت كأنها * أمور مضيع آثر النوم بهل

[ 387 ]

فيا ساسة هاتوا النامن حديثكم * ففيكم لعمري ذو أفانين مقول أأهل كتاب نحن فيه وانتم * على الحق نقضي بالكتاب ونعدل فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة * فريقان شتى تسمنون ونهزل أنصلح دنيانا جميعا وديننا * على ما به ضاع السوام المؤبل فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم * فحتى م حتى م العناء المطول رضوا بفعال السوء من أمر دينهم * فقد أيتموا طورا عداء وأثكلوا تحل دماء المسلمين لديهم * ويحرم طلع النخلة المتهدل وليس لنا في الفئ حظ لديهم * وليس لنا في رحلة الناس أرحل فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى * عليهم وهل إلا عليك المعول وغاب نبي الله عنهم وفقده * على الناس رزء ما هناك مجلل فلم ار مخذولا أجل مصيبة * وأوجب منه نصرة حين يخذل يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخرا أسدى له الغي أول ألا يفزع الاقوام مما أظلهم * ولما تجبهم ذات ودقين ضئبل إلى مفزع لن ينجي الناس من عمى * ولا فتنة إلا إليه التحول إلى الهاشميين البهاليل إنهم * لخائفنا الراجي ملاذ وموئل إلى أي عدل أم لاية سيرة * سواهم يؤم الظاعن المترحل وفيهم نجوم الناس والمهتدى بهم * إذا الليل أمسى وهو بالناس أليل إذا استحكمت ظلماء أمر نجومها * غوامض لا يسري بها الناس افل وإن نزلت بالناس عمياء لم يكن * لهم بصر إلا بهم حين تشكل فيا رب عجل ما يؤمل فيهم * ليدفأ مقرور ويشبع مرمل وينفذ في راض مقر بحكمه * وفي ساخط منا الكتاب المعطل فإنهم للناس فيما ينوبهم * غيوث حيا ينفي به المحل ممحل وإنهم للناس فيما ينوبهم * أكف ندى تجدي عليهم وتفضل وإنهم للناس فيما ينوبهم * عرى ثقة حيث استقلوا وحللوا وإنهم للناس فيما ينوبهم * مصابيح تهدي من ضلال ومنزل لاهل العمى فيهم شفاء من العمى * مع النصح لو أن النصيحة تقبل لهم من هواي الصفو ما عشت خالصا * ومن شعري المخزون والمتنخل

[ 388 ]

فلا رغبتي فيهم تغيض لرهبة * ولا عقدتي من حبهم تتحلل ولا أنا عنهم محدث أجنبية * ولا أنا معتاص بهم متبدل فدونكموها يال أحمد إنها * مقللة لم يأل فيها المقلل مهذبة غراء في غب قولها * غداة غد تفسير ما قال مجمل أتتكم على هول الجنان ولم تطع * لنا ناهيا ممن يئن ويرحل إلى مفزع لن ينجي الناس من عمى * ولا فتنة إلا إليه التحول إلى الهاشميين البهاليل إنهم * لخائفنا الراجي ملاذ وموئل إلى أي عدل أم لاية سيرة * سواهم يؤم الظاعن المترحل وفيهم نجوم الناس والمهتدى بهم * إذا الليل أمسى وهو بالناس أليل إذا استحكمت ظلماء أمر نجومها * غوامض لا يسري بها الناس افل وإن نزلت بالناس عمياء لم يكن * لهم بصر إلا بهم حين تشكل فيا رب عجل ما يؤمل فيهم * ليدفأ مقرور ويشبع مرمل وينفذ في راض مقر بحكمه * وفي ساخط منا الكتاب المعطل فإنهم للناس فيما ينوبهم * غيوث حيا ينفي به المحل ممحل وإنهم للناس فيما ينوبهم * أكف ندى تجدي عليهم وتفضل وإنهم للناس فيما ينوبهم * عرى ثقة حيث استقلوا وحللوا وإنهم للناس فيما ينوبهم * مصابيح تهدي من ضلال ومنزل لاهل العمى فيهم شفاء من العمى * مع النصح لو أن النصيحة تقبل لهم من هواي الصفو ما عشت خالصا * ومن شعري المخزون والمتنخل

[ 388 ]

فلا رغبتي فيهم تغيض لرهبة * ولا عقدتي من حبهم تتحلل ولا أنا عنهم محدث أجنبية * ولا أنا معتاص بهم متبدل فدونكموها يال أحمد إنها * مقللة لم يأل فيها المقلل مهذبة غراء في غب قولها * غداة غد تفسير ما قال مجمل أتتكم على هول الجنان ولم تطع * لنا ناهيا ممن يئن ويرحل وما ضررها أن كان في الترب ثاويا * زهير وأودى ذو القروح وجرول من شرح القصائد الهاشميات، طبع مصر

مكتبة شبكة أمل الثقافية