السيدة فاطمة الزهراء (س)- محمد بيومي

السيدة فاطمة الزهراء (س)

محمد بيومي


[ 3 ]

في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين السيدة فاطمة الزهراء دكتور محمد بيومي مهران الاستاذ بكلية الاداب جامعة الاسكندرية

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم اسم الكتاب السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام المولف دكتور محمد بيومي مهران استاد جامعة الاسكندرية تاريخ الطبع: رمضان المبارك 1418 قمرى 1376 شمسي المطيعة: سفير اصفهان ليتوگرافى: اسلامي عدد 2000 نسخة الطبع الثاني باهتمام: سيد محمود ابن مرحوم سيد محمد مير هندي اصفهاني

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين مولانا وسيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين، انك حميد مجيد.

[ 7 ]

اهداء اليك يا ابنة رسول الله اليك يا احب الناس الى رسول الله اليك يا زوج امام الائمة اليك يا ام الحسن والحسين اليك يا ام السادة الاشراف نسل النبي اليك يا سيدة نساء المؤمنين اليك يا سيدة نساء اهل الجنة اليك يا سيدة نساء العالمين اليك يا من قال عنها رسول الله فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اغضبني اليك يا سيدتي يا قرة عين النبي اليك يا سيدتي يا فاطمة الزهراء البتول اشرف باهداء هذا الدراسة وكلي امل من ربي - جل جلاه - أن يتقبلها

[ 9 ]

تقديم انتهينا من الاجزاء الثلاثة الاولى من هذه السلسلة (في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين) من سيرة سيد الانبياء والمرسلين، سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتحدث في هذا الجزء الرابع، من السلسلة عن (السيدة فاطمة الزهراء) وهو في نفس الوقت انما يمثل الجزء الاول من الاجزاء الاربعة التي خصصناها لال البيت الطيبين الطاهرين، وقد قسمناه الى قسمين رئيسيين: الاول عن: أهل البيت كمقدمة للاجزاء الاربعة التالية: والثاني عن: السيدة فاطمة الزهراء - كجزء اول من هذه الاجزاء الاربعة. (1) والحديث عن (أهل البيت) حديث قديم جديد، فمنذ صدر الاسلام، والى يوم الناس هذا، والى ما بعد يوم الناس هذا والمورخون وأهل السير يكتبون في مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وستظل الاقدام تسطر عظمتهم، ما كان للعظمة من ذكر، فلقد استوقفت تعاليمهم الباحثين من امم مختلفة، ومذاهب متباينة، لانهم وجدوا فيها عظمد الله، وهيبة الحق، وقوة العلم، وكرامة الانسان، واحترام الحياة، وجلال الكون، فاستلهموها واتخذوا منها مقياسا للحق والفضيلة، ومصدرا للعلم والتشريع.

[ 10 ]

وبدهي أنه لا غرابة في ذلك، فأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - كما قيل فيهم - هم عيش العلم وموت الجهل، يخبرك حلمهم عن علمهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه، هم دعائم الاسلام وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين، عقل وعاية ورعاية، لاعقل سماع ورواية، فان رواة، العلم كثير، ووعاية قليل. وأهل البيت - بيت النبي صلى الله عليه وسلم - انما هم شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومنبع الرحمة، ومعدن العلم، وينابيع الحكمة، وكنوز الرحمن، ناصرهم ومحبهم ينتظر رحمة الله ونفحاته، ومبغضعن يستقبل نقمة الله وسطوته، بهم هدايتنا من الظلماء، وهم سر جدهم المصطفى، صلوات الله عليه وعليهم اجمعين. هذا وقد حاولنا في هذا الجزء من هذه الدراسة، ان نحدد من هم أهل البيت النبوي الشريف ؟ فتناقشنا الاراء المختلفة التي دارت حول هذا التحديد، وارتضينا - عن اقتناع وايمان - أن أهل البيت انما هم سادتنا الخمسة الكرام البرزة: سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن، والحسين، عليهم السلام، قال بذلك كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفيف من أهل الحديث والتفسير، فمن الصحابة أبو سعيد الخدري وانس بن مالك وواثلة بن الاسقع وام المومنين عائشة وام المومنين ام سلمة وابن ابي سلمة، ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وسعد وغيرهم، وقال به الكثيرون من أهل التفسير والحديث، قال به الفخر الرازي في التفسير الكبير والزمخشري في الكشاف والقرطبي في الجامع لاحكام القرآن، والشوكاني في فتح القدير، والطبري في جامع البيان عن تأويل اي القرآن، والسيوطي في الدر المنثور، وقال به الامام احمد في المسند وابن حجر العسقلاني في الاصابة والحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه. وقد قدمنا الكثير من الادلة على ذلك من الحديث الشريف ومن كتب التفسير، ومن إقوال اهل البيت الكرام البرزة، والحق ان لفظ (أهل البيت) إذا اطلق انما ينصرف الى علي وفاطمة والحسن والحسين، عليهم السلام، وذريتهم،

[ 11 ]

وإن لم يكن له الا شهوته فيهم لكفى. هذا وقد تحدث القرآن الكريم والحديث الشريف عن فضائل أهل البيت، ففي القرآن الكريم الكثير من الايات التي تشير الى فضل أهل البيت، لعل من أشهرها: آية الاحزاب (33) يقول تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وهذه الاية الكريمة - فيما يرى جمهور العلماء - هي منبع فضائل انزلها في حقهم، وآية الشورى (23) يقول تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربز) وروي الامام احمد والطبراني وابن ابي حاتم والواحدي عن ابن عباس انه قال: لما نزلت هذه الاية قالوا: يا رسول الله: من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وابناهما، وآية الاحزاب (56) قال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسلميا) روى البخاري في صحيحه - عن كعب بن عجزة - قال: (قيل يا رسول الله اما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة ؟ قال قالوا: اللهم صلى على محمد وآل محمد، كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد). وفي هذا دليل على ان الامر بالصلاة على آل محمد، مراد من الاية، والا لما سالوا عن الصلاة على اهل البيت عقب نزولها، ولم يجابوا بما ذكر، على أن النبي صلى الله عليه وسلم أن ينيله مولاه، عزوجل، من الرحمة المقرونة بتعظيمه بما يليق به، ومن ذلك ما يفيضه، عزوجل منه على أهل بيته، فإنه من جملد تعظيمه وتكرمه صلى الله عليه وسلم، ويؤيد ذلك ما جاء في طرق احاديث الكساء من قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم هولاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (اللهم انهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك عليهم). وأما الحديث الشريف، فلقد ورد الكثير من أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين فضل أهل البيت، وتحض المسلمين على مودتهم وموالاتهم، وتنفر من

[ 12 ]

بغضهم وكراهتهم، بل وتعلن توضوح وجلاء أن حب آل النبي صلى الله عليه وسلم من حبه، وأن بغضهم من بغضه، وأنه لا أمل لمن يكره آل النبي صلى الله عليه وسلم من رضاه صلى الله عليه وسلم في الدنيا وشفاعته في الاجرة وقد روي الامام مسلم في صحيحه - عن زيد بن ارقم - قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله واثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن ياتي رسول ربي فأجيب، وانا تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكر كم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي). ورواه الامام احمد والنسائي، وفي رواية للترمذي انى تارك فيكم ما ان تمسكنم به لن تضلوا بعدي، احدهما اكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفون فيهما، وروى ذلك ايضا أبو ذر وابو سعيد وجابر وحذيفة بن اسيد، واورده ابن تيمية في الفرقان. وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن اهل بيته ثقلين، والثقل كل نفيس خطير مصون، وهما كذلك، إذ كلا منهما معدن العلوم اللذنية، والحكم العلمية، والاحكام الشرعية، وقال الطيبي - كما في تحفة الاحوذي - لعل السر في هذه التوضية، واقتران العترة بالقرآن، أن إيجاب محبتهم لائح من معنى قوله تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) فإن الله تعالى انما جعل شكر انعامه واحسانه بالقرآن منوطا بمحبتهم على سبيل الحصر، فكأنه صلى الله عليه وسلم يوصي الامة بقيام الشكر، وقيد تلك النعمة به، ويحذرهم عن الكفران، فمن اقام بالوصية وشكر تلك الصنيعة بحسن الخلاقة فيهما لن يفترقا، فلا يفارقانه في مواطن القيامة ومشاهدها حتى يردا على الحوض، فشكر صنيعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ هو

[ 13 ]

بنفسه يكافئه، والله تعالى يجازيه الجزاء الاوفى، ومن اضاع الوصيد وكفر النعمة فحكمه على العكس، وعلى هذا التأويل حسن موقع قوله صلى الله عليه وسلم: (فانظروا كيف تخلفوني فيهما) اي تأملوا وتفكروا واستعملوا الرويد في استخلافي اياكم، هل تكونون خلف صدق أو خلف سوء). هذا وقد اختص الله تعالى اهل البيت بخصائص كثيرة، منها ان من كرامة اهل البيت عند الله تعالى، أن جعل الصلاة عليهم - كما اشرنا - انفا - مقرونة بالصلاة على جدهم العظيم، سيد الاولين والاخرين، وافضل الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في كل صلاة، وفي كل تشهد، ومنها ان الله تعالى قد امر - كما اوصى الرسول الله صلى الله عليه وسلم بحب اهل البيت، لانهم غصون هذه الدوحة المباركد، التي اصلها في الارض وفرعها في السماء والتي اصطفاها الله تعالى من بين خلقه، واصطنعها على عينه، فبلغت اوج الكمال في الروح والجسد، وفي السر والعلن، وذلك لانها بضعة اشرف الخلق واكرم الانبياء ويقول ابن كثير: ولا ننكر الوصاة باهل البيت، والامر بالاحسان إليهم واحترامهم واكرامهم، فانهم من ذرية طاهرة، من اشرف بيت وجه الارض، فخرا وحسبا ونسبا وصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول - فيما يروي مسلم في صحيحه ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. ثم لان مقام اهل البيت من مقام النبي صلى الله عليه وسلم فهم في كل عصر زمان خير الناس، وخيرهم بيوتا، لان الله تعالى اختار نبيه من خير البيوت واشرفها الله اعلم حيث يجعل رسالته) هذا فضلا عن ان حكمد لله في خلقه ورحمته بعباده، اقتضت ان تستمر باهل البيت ذرية سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم الى يوم الدين، تشع بضيائها على العالمين، وترشد بهدايتها الضالين، ومن ثم فإن التاريخ لم يعرف أهل بيت احبهم الناس من قوميات ومذاهب شتى، كاهل البيت، احبوهم احياء وأموات، فالف العلماء الكتب في منزلتهم عند الله تعالى وعند الناس، ونظم الشعراء الداوين والقصائد في مديحهم، وردد الخطباء فضائلهم على المنار وفي

[ 14 ]

المحافل، وما من مسلم في شرق الارض وغربها يصلي لله، إلا ويذكر رسول الله وآله بالصلاة والتسليم. وبدهي ان هذه ليست كلها خائص اهل البيت فهناك غيرها الكثير، من ذلك ان اهل البيت، سلالد النبي صلى الله عليه وسلم إنما هم أهل الحسب والنسب، والطهر والشرف، لا يلوثهم رجس ولا ينالهم دنس، فلقد طهرهم الله فضلا منه وكرما، ثم دعا لهم جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ان هو إلا وحي يوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما أنهم أهل البلاء والاصطفاء وجعل لهم في الغنائم حقا معلوما. وحرم عليهم الصدقة لانها اوساخ الناس، وجعل الامام الحجة منهم، وفي الحديث (ان الله يمن على اهل دينه في راس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي، يبين لهم امور دينهم) ومن ثم فقد ذهب قوم الى ان القطب في كل عصر، لا بد وان يكون من اهل البيت النبوي الشريف، وإن راى العباس المرسي - كما نقل عنه تلميذه ابن عطاء - أن القطب قد يكون من غيرهم، ولكن قطب الاقطاب لا يكون الا منهم لانهم ازكى الناس اصلا، وأوفرهم فضلا، كما ان المهدي المنتظر من آل البيت، قال صلى الله عليه وسلم: المهدي منا، يختم الدين بنا، كما فتح وقال صلى الله عليه وسلم: المهدي من عترتي من ولد فاطمة). بقيت الاشارة الى ان هذا القسم الاول (أهل البيت) انما كان مقدمة ضرورية لدراسة سير سادتنا آل النبي الطاهرين المطهرين: السيدة فاطمة الزهراء والامام علي بن ابي طالب والامام الحسن بن علي والامام الحسين بن علي. (2) وأما القسم الثاني من هذه الدراسة، والذي يحمل اسمها الاصلي (السيدة فاطمة الزهراء فانما يتحدث عن ام الذرية الطاهرة فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة، بنت النبي صلى الله عليه وسلم وزوج الامام علي، وأم السبطين، عليهم السلام. وقد ولدت الزهراء في بيت النبوة والرسالة ومهبط الوحي والتنزيل،

[ 15 ]

وهكذا تادبت الزهراء بادب ابيها النبي الذي ادبه ربه فاحسن تأديبه ومن ثم فقد كانت سيدتنا فاطمة الزهراء، المثل الاعلى من الخلق الكريم، والطبع السليم، وقد عنى بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عناية تامة، فكان يثقفها ثقافة اسلامية، ويروضها على الهدى النبوي والصراط المستقيم، ومن ثم فقد نشات الزهراء نشاة كانت المثل الاعلى من الكمال والجلال فهي انما تمثل اشرف ما في المراة من انسانية وكرامة وعفة وقداسة ورعاية الى ما كانت عليه من ذكاء وقاد، وفطنة حادة، وعلم واسع، وكفاها فخرا انها تربت في مدرسة النبوة، وتخرجت في معهد الرسالة، وتلفت عن ابيها الرسول الامين صلى الله عليه وسلم ما تلقاه عن رب العالمين. ومن البدهي ان الزهراء تعلمت في دار ابويها، ما لم تتعلمه طفلة غيرها في مكة، بل وفي الدنيا كلها، وصدقت ام المؤمنين ام سلمة، رضي الله عنها، حيث تقول (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوض امر ابنته الى فككنت اودبها وادلها، وكانت والله آدب مني واعرف بالاشياء كلها. اوليست هي - يا ام المؤمنين - بعضة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليست هي ام أبيها كما كان يسميها سيد المرسلين أو ليست هي التي اصطفاها الله لتكون التيار الذي يحمل نور النبي صلى الله عليه وسلم عبر اسلاك الزمن، ولتضاء البشرية بعد ذلك من هذا النور الفياض وصدق الاستاذ العقاد حيث يقول: (في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة، يتخشع في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الاسلام لاجرم، تتقدس صورة فاطمة البتول. وكانت الزهراء عليها السلام - فيما تروي كتب السيرة - اشبه الناس بابيها سيد الانبياء والمرسلين وكانت السيدة خديجة، رضي الله عنها، ترى في هذا الشبه بركة من بركات الله عليها وعلي آل البيت الكرام، وقد اخرج الترمذي بسنده عن عائشة ام المؤمنين قالت: ما رايت احد اشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها

[ 16 ]

قامت من مجلسها فقبلته واجلسته في مجلسها). هذا وقد اختص الله - بمنه وكرمه - الزهراء من بين اخواتها بنات النبي صلى الله عليه وسلم بالدرجة الرفيعة التي رفعها إليها، فجعلها في مقام مريم ابنة عمران، حيث وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بانها خير نساء العالمين، واختصها ايضا بان جعلها وحدها - من دون ابناء النبي وبناته - هي التي كان منها سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، ومنهما كان نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم فقد كان للزهراء - بعضة النبي وسيدة آل البيت، وام الائمة، وسيدة نساء المومنين - كثيرا من الفضائل التي انعم الله بها عليها، اكراما وتشريفا لابيها النبي الرسول، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء بعض هذه الفضائل في كتاب الله وجاء بعضها الاخر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي القرآن الكريم، تشارك الزهراء اهل البيت فيما نزل فيهم من اي الذكر الحكيم، كما في آية المباهلة (آل عمران 61) وآية التطهير (الاحزاب 33). وآية مودة القربى (الشورى 23)، وآيات سورة الانسان (7 - 12) وغيرها. وأما الحديث الشريف فقد جاء عن الزهراء الكثير وفي هذا الكثير يعلمنا سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكاند الزهراء عليها السلام ومن ذلك ما رواه البخاري وسيدة نساء المؤمنين، وما رواه الامام احمد وابو يعلي والطبراني والحاكم وابن عبد البر من انها احدى سيدات النساء اهل الجنة الاربع: مريم بنت عمران وفاطمة بنت رسول الله وخديجة بنت خويلد وآسية امراة فرعون. ويلمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اغضبني) وفي صحيح مسلم (إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما اذاها) وفي رواية الترمذي (إنما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما اذاها، وينصبني ما أنصبها) وعن مجاهد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني، وروحي التي بين

[ 17 ]

جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذي الله تعالى. وروي ابن سعد في شرف النبوة عن علي، رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فاطمة، إن الله عزوجل يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك، وروي أبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر في تاريخه وابو يعلى في مسنده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا فاطمة، إن الله ليغضب لغضبك، ويرضي لرضاك. هذا ولما أقسم أبو لبابة، عند ما ربط نفسه في المسجد (في غزوة بني قريظه) ألا يحله أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت فاطمة لتحله فأبى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما فاطمة مضغة مني، فحلته، ويقول الإمام السهيلي في (الروض الأنف) بعد ذكر الحادث، فصلى الله عليه وفاطمة، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر، وأن من صلى عليها، فقد صلى على أبيها، صلى الله عليه، وسلم. ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الزهراء احب الناس إليه فلقد اخرج الطبراني عن علي أنه قال: يا رسول الله اينا احب اليك، انا ام فاطمة، قال صلى الله عليه وسلم فاطمة احب الى منك، وانت اعز على منها) وروى ابن عبد البر: سئلت عائشة، رضي الله عنها، اي الناس كان احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فاطمة، قبل فمن الرجال، قالت: زوجها، إذ كان ما علمته صواما قواما، ومن ثم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فميا يروى الحاكم - إذا رجع من سفر أو غزاة اتى المسجد فصلى ركعتين ثم ثنى بفاطمة ثم ياتي ازواجه وعن ابن عمر بسنده انه قال ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا به فاطمة وإذا قدم من سفر كان أول الناس به عهدا فاطمة رضي الله تعالى عنها. هذا وقد اكرم الله الزهراء بأن حفظ ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم في ذريتها وأبقى عقبه في عقبها، فهي وحدها - دون بناته وبنيه - ام السلالة الطاهرة والعترة الخيرة، والصفوة المختارد من عباد الله من امته صلى الله عليه وسلم واعظم بها مفخرة وهكذا كان من ذرية الزهراء من ابتاء الحسن والحسين جميع السادة الاشراف، ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامد، ما خلا

[ 18 ]

سبي ونسبي، وكل ولد أب فإن عصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا ابوهم وعصبتهم). ولعل ختام المسك لهذا التقديم، أن الزهراء انما كانت سيدد نساء العالمين وافضلهن، روى ابن عبد البر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة: يا بنية الا ترضين انك سيدة نساء العالمين: قالت: يا ابت فاين مريم، قال: تلك سيدة نساء عالمها، ومن ثم فقد ذهب كثير من العلماء المحقيقن - ومنهم التقى السبكي والجلال السيوطي والبدر الزركشي التقى المقريزي والبلقيني والسهيلي - أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء الدنيا حتى مريم ابنة عمران، لانها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يعدل احد ببضعة رسول الله احدا، وذهب الالوسي في تفسيره الى ان فاطمة البتول افضل النساء المتقدمات والمتاخرات، من حيث انها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بقيت كلمة اخيرة، عما تردد في هذه الدراسة وغيرها من ذكرنا لعبارة عليها السلام بعد اسم السيدة فاطمة الزهراء ونحن هنا متبعون لا مبتدعون. يقول ابن قيم الجوزية في كتابه (جلاء الافهام في الصلاة والسلام على خير الانام: إن آل النبي صلى الله عليه وسلم يصلى عليهم بغير خلاف بين الامة وذلك لان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حق له ولاله دون سائر الامة، ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الامام الشافعي وغيره، ومن لا يوجبها، فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها لسائر المؤمنين أو لا يجوزها على غير النبي وآله، وأما من قال آل النبي في الصلاة كالامة، فقد ابعد غاية الابعاد، هذا الى ان النبي صلى الله عليه وسلم شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع السلام من المصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم اولا، وعلى نفسه ثانيا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثا. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في الارض والسماء وأما الصلاة، فلم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم إلا على نفسه وعلى آله فقط، فدل ذلك على أن آله هم أهله واقاربه، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه، قال: قالوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد) فالصلاة على آل

[ 19 ]

النبي صلى الله عليه وسلم هي تمام الصلاة عليه وتوابعها، لان ذلك مما تقر به عين النبي صلى الله عليه وسلم، ويزيده الله تعالى به شرفا وعلوا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما، وروى ابن حجر الهيثمي عن الامام الشافعي قوله: يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله من القرآن انزله يا اهل عظيم القدر انكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له وهناك رايان في الصلاة على النبي استقلالا، الاول: يجوز القول (اللهم صلى على آل محمد ويكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في آله فالافراد عنه وقع في اللفظ، لا في المعنى والثاني افراد واحد منهم بالذكر فيقال: اللهم صلى على علي أو على الحسن أو على الحسين أو علي فاطمة) وقد اختلف في ذلك كما اختلف في الصلاة على غير آله من الصحابة فقد كره الامام مالك ذلك وقال: لم يكن ذلك عمل من مضى وهو مذهب الامام ابي حنيفة كذلك، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة. وأما السلام فكره البعض ذلك، ان كان في معنى السلام معنى الصلاة، فلا يقال: السلام على فلان، أو فلان عليه السلام بينما فرق آخرون بينه وبين الصلاة وقالوا: السلام يشرع في حق كل مؤمن، حي أو ميت، حاضر وغائب، فإنك تقول بلغ فلانا مني السلام، وهي تحية اهل الاسلام بخلاف الصلاة، فإنها من حق الرسول وآله. وهكذا رأينا الامام البخاري مثلا، يذكر في صحيحه عبارة عليه السلام بعد اسم الامام علي وعبارة عليها السلام بعد ذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء في عدة أحاديث فأما عن السيدة فاطمة الزهراء فقد جاء في باب مناقب علي من حديث ابن ابي ليلي قال: حدثنا علي ان فاطمة عليها السلام، شكت ما تلقى من اثر الرحا... (صحيح البخاري 5 / 24) وفي باب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري 5 / 25). ومن حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة عليها السلام، أرسلت إلى ابي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري 5 / 25) وفي (باب عمرة

[ 20 ]

القضاء من حديث أنس (فتبعته ابند حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فاخذ بيدها وقال لفاطمة عليها السلام: دونك ابنة عمك... (صحيح البخاري 5 / 180) وفي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم من حديث انس قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمد عليها السلام: واكرب اباه فقال لها: ليس على ابيك كرب بعد اليوم (صحيح البخاري 6 / 18). وأما عن علي بن ابي طالب فلقد عنون البخاري بعثه على اليمن كالتالي بعث على بن ابي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه، الى اليمن قبل حجة الوداع (صحيح البخاري 5 / 206 وروى البخاري في صحيحه بسنده عن انس، رضي الله عنه اتى عبيدالله بن زياد براس الحسين عليه السلام، فجعل في طست فجعل ينكث... الحديث (صحيح البخاري 5 / 33). وبعد: فالله - جل وعلا - اساله - وهو الرحمن المنان - ان يكون في هذه الدراسة بعض النفع، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب). وصلى الله على سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين والحمد لله حمدا يليق بجلاله ويقربنا الى مرضائه سبحانه ليتفضل علينا - بمنه وكرمه - فيقبلنا عنده في امة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عباد الله فانتين وتابعين للنبي الامي الكريم، وباخلاه مقتدين بإذن الله رب العالمين، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين. دكتور محمد بيومي مهران الاستاذ بكلية الاداب - جامعة الاسكندرية وكليد الشريعة - جامعة ام القرى بمكة المكرمة الثاني عشر من ربيع الاول عام 1405 ه‍. مكة المكرمة في الرابع من ديسمبر عام 1984 م.

[ 21 ]

القسم الاول اهل البيت قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا). وقال تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة من القربى). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ايها الناس فإنما انا بشر يوشك ان ياتي رسول ربي فاجيب، وانا تارك فيكم ثقلين، اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه - ثم قال: وأهل بيتي اذكر كم الله في أهل بيتي، اذكر كم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي...) (رواه مسلم 15 / 180).

[ 23 ]

الفصل الاول اهل البيت جاء لفط أهل البيت في القرآن الكريم مرتين، الاولى في الاية 73 من سورة هود، يقول تعالى: (رحمة الله وبركاته عليكم اهل البيت إنه حميد مجيد)، ويراد بها أهل بيت سيدنا ابراهيم عليه السلام والثانية في الاية 33 من سورة الاحزاب، يقول تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والمراد بها أهل بيت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتبعا للقرآن الكريم استعمل المسلمون لفظ (أهل البيت) (وآل البيت) في أهل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقط، حتى صار اللفظ علما عليهم لا يفهم منه، غيرهم الا بالقرينة، ويقول صاحب (مجمع البيان في تفسير آية الاحزاب 33، ان الامة قد اتفقت على أن المراد بأهل البيت هنا إنما أهل بيت سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم اختلفوا في المراد به على ثلاثة آراء (1).


(1) يرى ابن قيم الجوزية في كتابه جلاء الافهام في الصلاة والسلام على خبر الانام ان هناك اربعة اقوال في آل النبي الاول: هم الذين عليهم الصدقة وهم بنو هاشم خاصة (رأى أبو حنيفة وابو القاسم صاحب مالك) أبو بنو هاشم وبنو المطلب (راى الشافعي وابن حنبل) أبو بنو هاشم ومن فوقهم الى غالب (راى اشهب صاحب مالك) والثاني هم ذرية النبي وازواجه اعتمادا على حديث (اللهم صلى على محمد وازواجه وذريته والثالث هم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم الى يوم القيامة والرابع هم الاتقياء من امته، ويرى ابن القيم ان الراس الاول هو الاصح ثم الثاني، اما الثالث والرابع فضعيفان. (*)

[ 24 ]

1 - الراى الاول روى السيوطي في الدر المنثور ان عكرمد كان يقول عن الاية الاحزاب 33، من شاء باهلته انه نزلت في ازواج النبي صلى الله عليه وسلم، غير ان هناك من يعترض على ذلك لاسباب منها (اولا) ان ابن كثير يقول في تفسيره: إذا كان المراد انهن سبب النزول فهذا صحيح، وأما إن أريد أنهن المراد دون غيرهن فهذا غير صحيح، فقد روى ابن حاتم عن العوام بن حوشب عن ابن عم له قال: دخلت مع ابي على عائشة رضي الله عنها. فسألتها عن علي رضي الله عنه فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من احب الناس الى الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت تحته ابنته واحب الناس إليه، لقد رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا رضي الله عنهم، فالقى علهيم ثوبا فقال: اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)، قالت: فدنوت منهم فقلت يا رسول الله: وأنا من أهل بيتك، فقال صلى الله عليه وسلم: تنحى فإنك على خيره (أخرجه الحافظ البزار والترمذي وابن كثير في تفسيره) ومنها (ثانيا) ان اهل البيت في آية الاحزاب 33 يراد به اهل النبوة المنحصر في بيت واحد تسكنه فاطمة عليها السلام ابنة النبي صلى الله عليه وسلم. وزوجها على وابناهما الحسن والحسين رضي الله عنهم، اما بيت الزوجية فلم يكن بيتا واحدا، وانما كان بيوتا متعددة تسكنها زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) وفي هذه الايد الاخيرة الخطاب موجه لمن في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم جميعا. ومنها (ثالثا) أن القول بأن ما قيل ان الاية (33 من الاحزاب) وما بعدها جاء في حق ازواج النبي صلى الله عليه وسلم فالرد ان هذا لا ينكر من عادة الفصحاء في كلامهم فانهم يذهبون من خطاب الى غيره ويعودون إليه، والقرآن الكريم، وكذا كلام العرب وشعرهم، في ذلك مملوء ذلك لان الكلام العربي يدخله الاستطراد والاعتراض، وهو تخلل الجملة الاجنبية بنى الكلام المنتظم المتناسب كقوله تعالى في سورة النمل: (إن الله إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة، وكذلك يفعلون واني مرسلة إليهم بهدية) فقوله: (وكذلك يفعلون) جملة معترضة من جهة الله تعالى بين كلام ملكة سبا (بلقيس) وقوله تعالى في سورة الواقعة: (فلا

[ 25 ]

اقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، إنه لقرآن كريم) اي فلا اقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم، وما بينهما اعتراض وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب، ون ثم فلم لا يجوز أن يكون قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم على هذا النهج، وعلي أي حال فلا اهمية لقول من قال بأن ازواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البيت، فلا توجد فرقة من المسلمين تدين بالولاء لاحدى ازواج النبي صلى الله عليه وسلم وتوجب الاقتداء بها. ومنها (رابعا) انه حتى الذين يجعلون ازواج النبي من اهل البيت، وأن آية الاحزاب (33) نزلت فيهم، إنما يذهبون الى ان الامام علي والسيدة الزهراء وسيدي شباب أهل الجنة، الحسن والحسين، أحق بأن يكونوا أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ابن تيمية في رسالته (فضل أهل البيت وحقوقهم): روى الامام احمد والترمذي وغيرهما عن ام سلمة: (أن هذه الاية لما نزلت ادار النبي صلى الله عليه وسلم كساءه على وعلي وفاطمة والحسن والحسين، رضي الله عنهم فقال: اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عهم الرجس وطهرهم تطهيرا) ثم يقول تيمية: وسنته صلى الله عليه وسلم تفسر كتاب الله وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، فلما قال (هؤلاء أهل بيتي) مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه، علمنا أن ازواجه وإن كن من أهل بيته كما دل عليه القرآن، فهؤلاء (اي علي وفاطمة والحسن والحسين) أحق بأن يكونوا أهل بيته، لان صلة النسب اقوى من صلة الصهر والعرب تطلق على هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص باصل الحكم، اضف الى ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة ان فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم فاخبرني انه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني فاخبرني اني اول اهل بيته اتبعه فضحك (صحيح البخاري 5 / 26). ومنها (خامسا) ما اجاب به (زيد بن ارقم) في الحديث المشهور حين سئل: من أهل بيته، اليس نساؤه من أهل بيته، فقال أهل بيته من حرام الصدقة بعده، فقد روى مسلم في صحيحه عن زيد بن ارقم: قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يوما

[ 26 ]

خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى واثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد: الا ايها الناس فانما انا بشر يوشك ان ياتيني رسول ربي فاجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين (1) اولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: (وأهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد اليس نساؤه من اهل بيته قال نساؤه من اهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم ؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة، قال: نعم، وفي رواية اخرى: عن زيد بن ارقم انه ذكر الحديث بنحو ما تقدم وفيه: فقلنا: من أهل بيته نساؤه قال: لا وايم الله ان المراة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى ابيها وقومها، أهل بيته اصليه وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده، يقول الامام النووي في شرح صحيح مسلم: والمعروف في معظم الرويات، من غير مسلم، (اي في غير صحيح مسلم) أنه قال: نساؤه لسن من اهله بيته). ومنها (سادسا) ان قوله تعالى: (ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم...) بالميم يدل على ان الاية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولو كان الخطاب خاصا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم لقال (عنكن) ويطهركن). ومنها (سابعا) ان تحريم الصدقة على ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الاصالة كبني هاشم، وإنما هو تبع لتحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم والا فالصدقة عليهن حلال قبل اتصالهن به فهن فرع من هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده ولما كان التحريم على بني هاشم اصلا استتبع ذلك مواليهم، ولما كان


(1) يقول الامام النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: وإنا تارك فيكم ثقلين، فذكر كتاب الله وأهل بيته، قال بيته، قال العلماء سميا ثقلين لعظمهما وكبير شانهما، وقيل لثقل العلم بهما، وانظر الروايات المختلفة للحديث الشريف في صحيح مسلم 15 / 179 - 181. (*)

[ 27 ]

التحريم على ازواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعا، لم يقو ذلك على استتباع مواليهم لانه فرع عن فرع. ومنها (ثامنا) ما ذهب الى صاحب مجمع البيان من أن ثبوت عصمة المعنيين بالاية 33 من الاحزاب، يدل على انها مختصة يهؤلاء الخمسة النبي وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، لان من عداهم غير مقطوع بعصمته. 2 - الراى الثاني ويذهب الى ان اهل البيت هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم وهم آل على وآل عقيل وآل جعفر ابناء ابي طالب ثم آل العباس بن عبد المطلب، يعنون ذلك بني هاشم وأن البيت هنا انما هو بيت النسب، ومن ثم يكون العباس واعمامه وبنو اعمامه صلى الله عليه وسلم منهم، وقد روى القاضي عياض في الشفا عن الشعبي ان زيد ا بن ثابت صلى على جنازة امه ثم قربت له بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فاخذ بركابه فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله فقال ابن عباس: هكذا نفعل بالعلماء فقبل زيد يد ابن عباس وقال: هكذا امرنا ان نفعل باهل بيت نبينا هذا فصلا عن حديث زيد بن ارقم الذي رواه مسلم من ان اهل بيت النبي انما هو بيته وعصبته الذين الصدقة وقد ذكرناه من قبل. 3 - الراى الثالث ويرى اهل البيت انما هم الخمسة الكرام البررة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، قال بذلك أبو سعيد الخدري وانس بن مالك وواثلة بن الاسقع وام المؤمنين عائشة وام المؤمنين ام سلمة وابن ابي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وسعد وغيرهم وقال به الكثيرون من اهل التفسير والحديث، قال به الفخر الرازي في التفسير الكبير، وقاله الزمخشري في الكشاف والقرطبي في الجامع لاحكام القرآن والشوكاني في فتح القدير، والطبري في جامع البيان عن

[ 28 ]

تأويل اي القرآن والسيوطي في الدار المثنور، وابن حجر العسقلاني في الاصابة، والحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه والامام احمد بن حنبل في المسند، ولعل هذا الراى اقرب الى الصواب، فيما نرى ونرجح لاسباب كثيرة منها (اولا) الاحاديث النبوية الشريفة التي رويت في ذلك والتي منها 1 - اخرج ابن جرير وابن ابي حاتم والطبراني عن ابي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت هذه الاية في خمسة في وفي على وحسين وحسين وفاطمة: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) 2 - واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم والطبراني وابن مردوية عن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوما على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خريرة، فقال رسول الله صلى عليه عليه وسلم: ادعلى زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم فبينما هم ياكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضله ازارة فغشاهم اياه ثم اخرج يده من الكساء واوما بها الى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالها ثلاث مرات، قالت ام سلمة رضي الله عنه عنها فادخلت راسي في الستر فقلت يا رسول الله وانا معكم، فقال: انت الى خير مرتين 3 - اخرج الطبراني عن ام سلمة قالت: جاءت فاطمة رضي الله عنها الى ابيها بثريدة لها تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: ابن ابن عمك، قالت هو في البيت، قال اذهبي فادعيه وابنيك فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد، وعلي رضي الله عنه يمشي فر اثرهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسهما في حجره، وجلس علي رضي الله عنه على يمينه، وجلست فاطمة رضي الله عنه على يساره قالت ام سملة رضي الله عنها فاخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت، 4 - واخرج الطبراني عن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم ان هولاء اهل محمد (وفي لفظ آل محمد) فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل ابراهيم انك حميد مجيد، الكساء لادخل معهم فجذبه من

[ 29 ]

يدي، وقال: انك على خير - واخرج ابن مردوية عن ام سلمة قالت: نزلت هذه الاية في بيتي (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) وفي البيت سبعة جبريل وميكائيل عليهما السلام وعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم) وانا على باب البيت قلت يا رسول الله: ألست من اهل البيت: قال إنك الى خير، انك من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم 6 - واخرج ابن مردوية والخطيب عن ابي سعيد الخدري قال: كان يوم ام سلمة رضي الله عنها ام المؤمنين فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الاية. (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجسل اهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن وحسين وفاطمة وعلي، فضمهم إليه ونشر عليهم الثوب، والحجاب على ام المؤمنين ام سلمة مضروب، ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت ام سلمة رضي الله عنها فانا منهم يا بني الله قالت: انت على مكانك وانت على خير 7 - واخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي من طرق، عن ام سلمة قالت: في بيتي نزلت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) وفي البيت على وفاطمة والحسن والحسين فجللهم رسول الله بكساء كان عليه، ثم قال: (هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) 8 - واخرج ابن أبي شيبة واحمد ومسلم وان جرير وابن ابي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر اسود، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما فادخلهما معه ثم جاء على فادخله معه ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) وفي رواية مسلم في الصحيح (15 / 194) عن عائشة انها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن بن علي فادخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم قال جاءت فاطمة فادخلها ثم جاء على فادخله ثم قال: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ويروى الواحدي في اسباب النزول بسنده عن أبي سعيد (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال: نزلت في خمسة، في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي فاطمة والحسن والحسين، عليهم السلام

[ 30 ]

9 - واخرج ابن جرير والحاكم وابن مروديه عن عامر بن سعد عن سعد قال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، فاخذ عليا وانبيه وفاطمة فادخلهم تحت ثوبه ثم قال: رب هؤلاء اهلي اهلي بيتي 10 - واخرج ابن ابي شيبة واحمد وابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم والطبراني والحاكم ولبيهقي عن واثلة، بن الاسقع قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الى فاطمة ومعه حسن وحسين على حتى دخل فادني عليا وفاطمة فاجلسهما ما بين يديه، واجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف علهيم ثوبه، وانا مستدبرهم ثم تلا الاية انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم) 11 - واخرج الترمذي عن علي بن زيد بن انس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمد عليها السلام سنة اشهر، كلما خرج الى الصلاة يقول: الصلاة أهل البيت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) 12 - واخرج ابن مردويه عن ابي سعيد الخدري قال: لما دخل على رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها جاء النبي صلى الله عليه وسلم اربعين صباحا الى بابها يقول: (السلا عليكم اهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله (انما يريد الله ليذهب عنكم اهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) انا حرب لمن حاربتم، انا سلم لمن سالمته 13 - واخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابي الحمراء قال: حفظت رسول الله ثمانية اشهر بالمدينة، ليس من مرة يخرج الى الصلاة الغداة، الى اتى الى باب علي رضي الله عنه فوضع يده على جنبي الباب ثم قال: الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا، الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات، 14 - واخرج الطبراني عن ابي الحمراء رضي الله عنه قال: رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم ياتي باب علي وفاطمة ستة اشهر يقول: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) 15 - وروي ابن جرير عن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الاسقع إذ ذكروا عليا رضي الله عنه فشتموه فلما قاموا، إجلس حتى اخيرك عن هذا الذي شتموده، اني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء علي وفاطمة وخمس وحسين فالقي عليهم كساء له ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب

[ 31 ]

عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قلت يا رسول الله وانا، قال وانت، قال فوالله انها لمن اوثق عمل عندي 16 - وروى في المسند والفضائل وابن جرير والترمذي بطرق مختلفة عن شداد ابن عمار قال دخلت على واثلة بن الاسقع وعنده قوم فذكروا عليا فشتموده فشتمته معهم، فلما قاموا قال لي: لم شتمت هذا الرجل، قلت رايت القوم شتموه فشتمته معهم، فقال الا اخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلي: فقال اتيت فاطمة اسالها عن علي فقالت توجه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست انتطره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين، اخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل فادنى عليا وفاطمة فاجلسهما بين يديه، واجلس حسنا وحسينا كل منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساء ثم تلا هذه الاية (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ثم قال اللهم هؤلاء اهل بيتي، وأهل بيي احق، 17 - واخرج الترمذي عن عمر بن ابي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الاية على النبي صلى الله عليه وسلم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) في بيت ام سلمد فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلى خلف ظهره، فجلله بكساء ثم قال: (اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) 18 - روى ابن ابي شيبة عن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، فجاءت الخادم فقالت: علي وفاطمة بالسدة، فقال: تنحى لي عن اهل بيتي، فتنحيت من ناحية البيت، فدخل علي وفاطمة وحسن وحسين فوضعها إليه واخذ عليا باحدى يديه فضمه إليه واخذ فاطمة باليد الاخرى، فضمها إليه وقبلها واغدق خميصد سوداء ثم قال: اللهم اليك، لا الى النار انا واهل بيتي، فناديه فقلت: وأنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: اثتنى بزجك وابنيك فجاءت بهم فالقى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كساء كان تحتي خيبيريا اصبناه من خيبر ثم رفع يديه فقال: اللهم ان هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما

[ 32 ]

جعلتها على آل ابراهيم، إنك حميد مجيد، فرفعت الكساء لادخل معهم، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يدي، وقال: على خير) 20 - وروى الحاكم في المستدرك عن اسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن ابي طالب عن ابيه قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الرحمة هابطة قال: ادعوا لي فقالت صفية: من يا رسول الله قال: اهل بيتي عليا وفاطمة والحسن والحسين فجئ بهم فالقى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كساء ثم قال: اللهم هؤلاء الى، فصل على محمد وعلى آل محمد وانزل الله عز وجل: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) 21 - وروى احمد في الفضائل والمحب الطبري في الذخائر: أنه ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم قضاء قضي به علي بن أبي طالب فاعجب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة اهل البيت) وهكذا كان الاجماع على ان لفظ اهل البيت إذ اطلق إنما ينصرف الى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وذريتهم وان لم يكن له الا شهرته فيهم لكفى روى الحاكم في المستدرك عن سعد قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فادخل عليا وفاطمة وابنيهما (اي الحسن والحسين) تحت ثوبه، ثم قال: اللهم هؤلاء اهلي وأهل بيتي. ومنها (ثانيا): آية المباهلة 1 - اخرج مسلم 15 / 176 في صحيحه انه لما نزل قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (آل عمران آية 61) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: (اللهم هؤلاء أهلي 2 - وروي القاضي عياض في الشفا عن سعد بن ابي وقاص قال: لما نزلت آية المباهلة، دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وحسنا وحسينا وفاطمة وقال: (اللهم هؤلاء أهلي). 3 - وذكر ابن كثير في تفسيره قال أبو بكر بن مردوية عن جابر قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب (وفد نصارى نجران) فدعاهما الى الملاعنة، فواعده على أن بلاعناه الغداة، قال فغذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذ بيد على فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بعثنى بالحق لو قالا لامط عليهم الوادي نارا) قال

[ 33 ]

جابرة وفيهم نزلت: (ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم). (رواه ابن مردويه والحاكم في المستدرك ورواه الطيالسي عن الشعبي مرسلا) 4 - انه ليس هناك من دليل اقوى من هذا على فضل اصحاب الكساء وهم علي وفاطمة والحسن والحسين لان الاية لما نزلت دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فاختضن الحسين واخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما فعلم انهم المراد بالاية، وأن اولاد فاطمة وابناءهم يسمون ابناء النبي وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والاخرة - 5 - وقال الرازي في تفسيره الكبير ان هذه الاية (آية المباهلة آل عمران 61) دالة على ان الحسين والحسين كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم ان يدعو ابناءه فدعا الحسن والحسين فوجب ان يكونا ابنيه). ويذهب محمد جواد مغنية في كتابه فضائل الامام علي أن إلى السنة والشيعة قد اتقف على أن المراد بانفسنا في الاية: النبي صلى الله عليه وسلم وعلي، وبنسائنا فاطمة وبابنائنا الحسن والحسين. ومنها (ثالثا) أن الحسن بن علي رضي الله عنه خطب في أهل العراق بعد أن استخلف فقال: يا أهل العراق: اتقوا الله فينا، فإنا امراؤكم وضيفانكم، ونحن اهل البيت الذي قال الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، قال (فما زال يقولها حتى ما بقى احد من اهل المسجد الا وهو يحن بكاءه وقال الامام الحسن ايضا نحن حزب الله المقلحون وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقربون، وأهل بيته الطاهرين الطيبون واحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني كتاب الله فيه تفصيل كل شئ لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعون عينه في كل شئ لا يخطئنا تأويله بل نتيقن حقائقه فاطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الامر مقرونة) ومنها (رابعا) وي عن السدي عن ابي الديلم قال (قال علي بن الحسين (الامام علي زين العابدين) لرجل من اهل الشام، اما قرات في الاحزاب (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال: ولانتم

[ 34 ]

هم ؟ قال: نعم). وفي رواية اخرى: انه لما جئ بعلي بن الحسين اسيرا، واقيم علي درج دمشق، قام رجل من أهل البيت فقال: (الحمد لله الذي قتلكم واستاصلكم وقطع قرن الفتنة قال له علي: اقرات القرآن قال نعم، قال قرات آل جم قال قرأت القرآن ولم اقرا (آل حم) قال ما قرات (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) قال: فانكم لاياهم ؟ قال: نعم). ومنها (خامسا) ما جاء في تفسير البيضاوي في تفسيره لقوله تعالى: (قل لاسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم، قال صلى الله عليه وسلم علي وفاطمة وابناهما). ومنها (سادسا) ما ذهب إليه ابن القيم الجوزيد من ان اولاد فاطمة رضي الله عنه إنما يدخلون في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم المطلوب لهم من الله الصلاة، لان احدا من بناته لم يعقب غيرها، فمن انتسب إليه صلى الله عليه وسلم من اولاد ابنته انما هم من جهة فاطمة رضي الله عنها خاصة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن ابن ابنته ان ابني هذا سيد) فسماه ابنه. ولما نزلت آية المباهلة، دعا النبي فاطمة وحسنا وحسينا (رضي الله عنهم) وخرج للمباهلة، كما قال الله تعالى في حق ابراهيم ومن ذريته داود وسليمان... الى آخر آيتي الانعام 84، 85 وجاء في تفسير ابن كثير: وفي ذكر عيسى في ذرية ابراهيم عليهما السلام، دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لان عيسى عليه السلام انما ينسب الى ابراهيم عليه السلام بامه مريم عليها السلام فإنه لا اب له، وروى ابن ابي حاتم ان الحجاج ارسل الى يحيى بن يعمر فقال: بلغني انك تزعم ان الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله، وقد قراته ن اوله الى آخره، فلم اجده، قال: النبي تقرا سورة الانعام (ومن ذريته داود وسليمان) حتى بلغ (ويحيى وعيسى) قال: بلى اليس عيسى من ذرية ابراهيم، وليس له آب قال: (صدقت، هذا وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: ان ابني هذا سيد) واما من قال بعدم دخولهم فحجته ان ولد البنات انما ينتسبون الى ابائهم حقيقة غير أن دخول اولاد فاطمة رضي الله عنهم في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم فلشرف هذا الاصل العظيم والوالد

[ 35 ]

الكريم الذي لا يدانيه احد من العالمين سرى ونفد الى البنات لقوته وجلالته وعظم قدره، وقال السيوطي في الخصائص الكبرى (واختص صلى الله عليه وسلم بان الاود بناته ينسبون إليه، واولاد بنات غيره لا ينسبون إليهم، في الكفاءة ولا في غيرها، وقد اخرج الحاكم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل بني ام عصبة الا ابني فاطمة ان وليهما وعصبتهما واخرج أبو يعلي والطبراني انه صلى الله عليه وسلم قال كل بني ام ينتمون الى عصبة الا اولاد فاطمة فانا وليهم وعصبتهم). وهكذا اثبت بالنص والاجماع ان اهل البيت إنما هم الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، اما النص فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بقي بعد نزول الاية 33 من الاحزاب ستة أشهر يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة رضي الله عنها، فينادي: الصلاد يا أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) وهو تفسير منه لاهل البيت بفاطمة ومن في بيتها وهو نص، وأنص منه حديث ام سلمة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم أرسل خلف علي وفاطمة وولديهما رضي الله عنهم، فجاءوا فادخلهم تحت الكساء ثم جعل يقول اللهم اليك لا الى النار انا واهل بيتي، اللهم هؤلاء اهل بيتي وخاصتي، وفي رواية وحامتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت ام مسلمة، فقلت يا رسول الله: (الست من اهلك قال انت أي خير) وهو نص في أهل البيت رواه الامام احمد وظاهر ان نساءه لسن منهم، لقوله لام سلمة انت الى خير) ولم يقل بلى انت منهم، واما الاجماع فلان الامة اتفقت على ان لفظ اهل البيت) إذا أطلق انما ينصرف الى من ذكرناه (علي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما) دون النساء ولو لم يكن فيه الا شهرته فيهم كفى. بقيت الاشارة الى عدة امور، منها (اولا) أن هناك من قسم اهل بيت النبي الى ثلاث دوائر: الدائرة الخاصة: وهم ذرية فاطمة وعلي الى يوم القيامة من الحسن والحسين وهم أهل المباهلة والكساء أو الرداء ويسمون كذلك خاصة الخاصة والدائرة الثانية هم بنو هاشم والمطلب ومن الحق بهم نصا، وهم الذين تحرم عليهم الزكاد والدائرة الثالثة وهم الزوجات الطاهرات امهات المؤمنين،

[ 36 ]

رضي الله عنهم، ومنها (ثانيا) انه مهما اختلف المسلمون في فرقهم، فإن كلمتهم واحدة في ان شجرة النسب النبوي الشريف إنما تنحصر في ابناء فاطمة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعقب الا من ولدها، واما بنو علي من غير السيدة فاطمة وبنو عقيل وجعفر والعباس فانهم من آل هشام، جدهم وجد النبي صلى الله عليه وسلم، وليسوا من آل الرسول صلى الله عليه وسلم لان نسبهم لا ينتهي إليه صلى الله عليه وسلم. ومنها (ثالثا) كثرت الاقاويل من أهل الزيغ والجهل في أهل البيت، رغم آيات القرآن الكريم واحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تبين فضلهم وتحض على مودتهم وموالاتهم وتنفر من بغضهم وكرههم، واستمر ذلك منذ العصر الاسلامي الاول، ثم ازدات طغيانا بمرور الايام، والانحراف عن الايمان فاستفحل الداء وقل الدواء حتى اصبح الحديث عن ذلك في السر والعلن مثار الخذلان من طرق كل مفتون في دينه وإيمانه، فصار الايقاع في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم شهوة لكل مخذول، سهلا من غير حياء ولا إيمان حتى اصبحت المواجهة بين سفهاء الاحلام من العامة وبين ذريته صلى الله عليه وسلم فاول ما ينكرون عليهم انتسابهم للنبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ذكرا حتى تكونوا انتم من ابنائه، وهي كلمة حق اريد بها باطل، أو يحقدون عليهم ان انعم الله عليهم، فشرفهم بالانتساب الى اشرف ولد آدم. وسيد الانبياء والمرسلين، فجعلهم من ذرية نبيه الكريم وأكرمهم بالانتساب الى رسوله العظيم فكانوا بضعة منه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليذكر هؤلاء واولئك ان بعض اهل البيت آفة في الدين، فليتب الى الله من يجد في نفسه شيئا عليهم، وليحذر على دينه الذي هو عصمة امره، حتى فيمن تظهر عليه الخطيئة منهم، وإنه فلما يطول امره منحرفا عن الصواب لان ذلك إنما هو حظ البشرية من كل مؤمن، فإذا كانت النطفة الطاهرة محفوظد غير مشوبة عما سواها فلا بد من ان ترجع الى اصلها الطيب الطاهر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا ببغضنا أهل البيت احد الا ادخله الله النار وروى عن الحسن عليه السلام انه قال لمعاوية بن خديج: يا معاوية اياك وبغضنا فإن الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يبغضنا احد ولا يحسدنا احد الا زيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار).

[ 37 ]

ومنها (رابعا) ان الشريف أو السيد هو من ينتسب من جهة ابيه الى ذرية الامام الحسن أو الامام الحسين، وقد اخطا البعض حين نسبوا هذا اللقب الكريم الى كل من ينتسب الى بني هاشم الكرام، سواء أكان حسنيا أو حسينيا أو علويا من ذرية محمد بن الحنفية وغيره من ابناء الامام علي بن ابي طالب أو جعفريا أو عباسيا، ولهذا نجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحونا في التراجم بذلك، كان يقول: الشريف العباسي أو الشريف العقيلي أو الجعفري نسبه الى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم أو عقيل أو جعفر ولدي أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صحيح ان بني هاشم هم في الذروة من قريش بنص الحديث الشريف فقد روى القاضي عياض في الشفا عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: اتاني جبريل عليه السلام فقال: قلبت الارض مشارقها ومغاربها فلم أو رجلا افضل من محمد، ولم ار بني اب افضل من بني هاشم ولكنه صحيح كذلك ان شرف الحسن والحسين مستمد من فاطمة بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم فهما بالتالي بضعة من بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى ابن شهر اشوب في مناقبه: جاء الامام أبو حنيفة ليسمع من الامام جعفر الصادق فجزع إليه جعفر يتوكا على عصا فقال له أبو حنيفة: يا ابن رسول الله لم تبلغ من السن ما تحتاج معه الى العصا قال هو كذلك ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم اردت التبرك بها، فوثب أبو حنيفة إليه وقال: اقبلها يا ابن رسول الله، فحسر أبو عبد الله (جعفر الصادق) عن ذراعيه وقال له: والله لقد علمت ان هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم وان هذا من شعره فما تقبله وتقبل العصا وهذا يعنى ان ذرية الحسن والحسين انما هو من بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف ولد آدم على الاطلاق وليس بني هاشم فحسب كما جاء في الاحاديث النبويد الشريفة وعلى اي حال، فلقد استمر لقب (الشريف) والسيد يحمله كل من ينتسب الى بني هاشم فلما ولي الفاطميون الحكم في مصر قصروه على ابناء الحسن والحسين ولدي الامام على من السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر الامر كذلك بمصر حتى الان، عرفا مطردا في مصر وفي غيرها من انحاء العالم الاسلامي.

[ 39 ]

الفصل الثاني فضائل اهل البيت 1 - في القرآن الكريم يرى العلماء ان هناك كثيرا من آيات القرآن الكريم إنما تشير الى افضل أهل البيت و (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ومن هذه الايات (اولا) آية الاحزاب 33، يقول تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم نطهيرا)، وهذا الاية، فيما يرى جمهور العلماء، انها منبع فضائل اهل البيت لاشتمالها على غرر ماثرهم واعتناء الباري عزوجل بهم حيث انزلها في حقهم ويقول العارف بالله (محيي الدين بن عربي في الباب 29 من الفتوحات: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا محضا قد طهره الله وأهل بيته تطهيرا، واذهب عنهم الرجس فلا يضاف إليهم الا مطهر، فاهل البيت الشريف هم المطهرون بل هم عين الطاهرة، وهكذا يدخل ابناء فاطمة، رضي الله عنها، كلهم الى يوم القيامة في حكم هذه الاية من الغفران، فهم المطهرون اختصاصا من الله وعناية بهم، لشرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله به، ولا يظهر حكم هذا الشرف لاهل البيت، إلا في الدار الاخرة، فإنهم يحشرون مغفورا لهم، وأما في الدنيا فمن أتى منهم حدا اقيم عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها قد اعاذها الله تعالى من ذلك. ومنها (ثانيا) آية الشورى 23، يقول تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) وروى الامام احمد

[ 40 ]

في المناقب والطبراني في الكبير وابن ابي حاتم في تفسيره والحاكم من ساقب الشافعي والواحدي في الوسيط عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الاية قالوا (يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم، قال: علي وفاطمة وابناهما)، ويشهد له ما اخرجه الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس قال: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) قال المودة لال محمد صلى الله عليه وسلم واخرج البزار والطبراني عن الحسن ابن علي عليه السلام في حديث طويل، ذكر فيه قوله: وانا من أهل البيت الذين افترض الله عزوجل موالاتهم فقال فيما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) وفي رواية (وانا من اهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم وانزل فيهم (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا واقتراف الحسنة مودتنا اهل البيت واخرج الامام احمد (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا، قال الحسنة مودة آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكان قوله تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) من المميزات التي اختص الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد قالت الرسل لاممهم (قل ما اسالتكم من اجر فهو لكم، ان اجري الا على الله) (سبا آية 47)، فتعين على امته - كما يقول الاستاذ الملطاوي - أداء ما اوجبه الله عليهم من اجر التبليغ، فوجب عليهم حب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الطاهرين، وجعله باسم (المودة) وهو الثبات على المحبة. ومنها (ثالثا) آية الاحزاب 56، قال تعالى: (ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) روى البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الاية عن كعب بن عجرة قال، قيل يا رسول الله اما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة ؟ قال، قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد) وعن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هذا التسليم، فكيف نصلى عليك، قال قولوا: اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما

[ 41 ]

باركت على ابراهيم، قال أبو صالح عن الليث: على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم وعن يزيد، وقال: (كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم). وروى ابن ابي حاتم عن كعب بن عجرة قال: (لما نزلت (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)، قال، قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك قال، قولوا: اللهم صلى على محمد وآل محمد، كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم انك حميد مجيد))، وروى مسلم وابو داود والترمذي والنسائي عن ابي مسعود الانصاري قال: (اتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد امرنا الله ان نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك، قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا انه لم يساله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ابراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم). وفي هذا دليل على ان الامر بالصلاة على آل محمد، مراد من الاية، والا لما سالوا عن الصلاة على اهل البيت عقب نزولها، ولم يجابوا بما ذكر على انه صلى الله عليه وسلم اقام اهل البيت مقام نفسه في ذلك، ذلك لان القصد من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ان ينيله مولاه عزوجل من الرحمة المقرونة بتعظيمه بما يليق به، ومن ذلك ما يفيضه عزوجل منه على اهل بيته، فانه من جملة تعظيمه وتكريمه صلى الله عليه وسلم، ويويد ذلك ما جاء من طرق احاديث الكساء من قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد)، وقد روى الامام احمد والترمذي والطبراني وابو يعلي عن ام سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: إثتني بزوجك وابينك فجاءت بهم، فالقى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كساء كان تحتي خيبريا - اصبناه من خيبر - ثم قال (اللهم هؤلاء آل محمد عليه السلام، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما جعلتها على آل ابراهيم، انك حميد

[ 42 ]

مجيد وروى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: (اللهم انهم مني وانا منهم فاجعل صلواتك وبركاتك عليهم). ومنها (رابعا) آية (103) آل عمران، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال ابن حجر الهيثمي في صواعقه، اخرج الثعلبي في تفسيره عن جعفر الصادق انه قال: نحن حبل الله الذي قال الله فيه (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ومنها (خامسا) آية النساء (59)، قال تعالى: (اطيعوا الله والرسول واولي الامر منكم)، قال ابن شهر اشوب في المناقب: دخل الحسن بن صالح بن حي على الامام جعفر الصادق فقال: يا ابن رسول الله ما تقول في قوله تعالى: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)، من اولي الامر الذين امر لله بطاعتهم، قال العلماء فلما خرجوا قال الحسن: ما صنعنا شيئا، الا سألناه: من هؤلاء العلماء فرجعوا إليه فسألوه فقال: الائمة منا أهل البيت، ومنها (سادسا) آية الصافات (130) قال تعالى: (سلام على آل ياسين) نقل جمع من الفسرين عن ابن عباس ان المراد آل محمد صلى الله عليه وسلم، واكثر المفسرين على ان المراد الياس عليه السلام، ومنها (سابعا) آية الصافات (24) قال تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون) قال الواحدي مسؤولون عن ولاية اهل البيت، ويعضده ما اخرجه الديلمي عن ابي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: (وقفوهم انهم مسؤولون) قال مسؤولون عن ولاية على واهل البيت. ومنها (ثامنا) آية النساء (54) قال تعالى: (ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) اخرج أبو الحسن المغازلي عن الامام محمد الباقر انه قال في هذه الاية ة (نحن الناس) ومنها (تاسعا) آية (82) طه: قال تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدي) قال ثابت البناني: اهتدي الى ولاية أهل البيت، كما روى ذلك عن الامام الباقر ايضا ومنها (عاشرا) آية الضحى (5)، قال تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) اخرج ان جرير في تفسيره وغيره من ابن عباس قال رضي محمد صلى الله عليه وسلم (ان لا يدخل احد من اهل بيته النار)، واخرج ابن كثير في تفسيره عن السدي عن ابن عباس من رضا محم صلى الله عليه وسلم ان لا يدخل احد من أهل بيته النار)، قال الحسن: يعني بذلك الشفاعة وهكذا قال الامام أبو

[ 43 ]

جعفر الباقر، وروي أبو بكر عن ابي شيبة عن عبد الله، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، فلسوف يعطيك ربك فترضى). وروى الامام القرطبي في (الجامع لاحكام القرآن) عن الامام علي، رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة، لاهل العراق: إنكم تقولون إن ارجى آية في كتاب الله تعالى: (قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الزمر: آية 53)، ولكنا اهل البيت نقول: ان ارجى آية في كتاب الله قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وفي الحديث: لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا لا ارضى وواحد من امتي في النار). ومنها (حادي عشر) آية الانفال (41)، قال تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) وقد اتفقت المذاهب الاسلامية على أن المراد بالقربى انما هم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لهم سهما في الغنيمة)، ومنها (ثاني عشر) آية 36 من النور قال تعالى: (في بيوت أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال)، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية، فقام إليه رجل وقال: اي بيوت هذه يا رسول الله فقال: بيوت الانبياء، فقام إليه أبو بكر وقال يا رسول الله: هذا البيت منها، وأشار الى بيت على وفاطمة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (نعم من افضلها). 2 - في الحديث الشريف ورد الكثير من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين فضل اهل البيت وتحض المسلمين على مودتهم وموالاتهم، وتنفر من بغضهم وكراهيتهم، بل وتعلن بوضوح وجلاء أن حب آل النبي صلى الله عليه وسلم من حبه، وأن يغضهم من بغضه، وأنه لا أملن لمن يكره آل النبي صلى الله عليه وسلم في رضاه في الدنيا وشفاعته في الاخرة، وان مصيره جهنم وبئس المصير، والعياذ بالله، ومن هذه الاحاديث النبوية الشريفة (اولا) قال الفحر الرازي، نقل الزمخشري في الكشاف، والقرطبي في الجامع لاحكام القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات على حب آل محمد مات شهيدا، الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا

[ 44 ]

ومن مات على حب آل محمد مومنا مستكمل الايمان، الا من مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير الا ومن مات على حب آل محمد بزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد، فتح له في قبره بابان الى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد ومات على السنة والجماعة، الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله، الا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا، الا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ألا ومن مات على بغض آل محمد فلا نصيب له في شفاعتي). ومنها (ثانيا) روى الديلمي والطبراني في المعجم الكبير، وابو الشيخ، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه من عترته، وأهلي أحب إليه من أهله، وذاتي أحب إليه من ذاته)، ومنها (ثالثا) ان عصمته صفية شكت إليه أن رجلا قال لها: إن قرابة محمد لن تغني عنك من الله شيئا، فبكت، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتها فخرج وقال صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع إن كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة الا سببي ونسبي وان رحمي موصولة في الدنيا والاخرة. وروى الديلمي عن عمار وابي هريرة قالوا: قدمت درة بنت ابي لهب المدينة مهاجرة، فنزلت في دار رافع بن المعلى، فقال لها نسوة جلسن إليها من بني زريق: ابنة أبي لهب الذي انزل الله فيه (تبت يدا أبي لهب) فما يغني هجرتك، فاتت درة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وذكرت ما قلن ها، فسكنها وقال: اجلسي ثم صلى بالناس الظهر، ثم جلس على المنبر ساعة، ثم قال: (يا ايها الناس، مالي اوذي في اهلي، فوالله ان شفاعتي تنال قرابتي، حتى ان صداء وحكم وحاء وسلهب، لتناها يوم القيامة). وروى الحاكم عن علي بن الحسين ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الى علي رضي الله عنه ام كلثوم وقال انكحنيها فقال على اني ارصدها لابن

[ 45 ]

أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر أنكحينها ما من الناس احد يرصد من امرها ما أرصده، فانكحه علي، فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنئوني، فقالوا بمن يا امير المؤمنين، فقال بأم كلثوم بنت على وابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سبي ونسبي فأحببت أن يكون بيني وبين رسول لله صلى الله عليه وسلم نسب وسبب). ومنها (رابعا) روى البخاري والا ما احمد عن ابي بكر الصديق انه قال: (ايها الناس ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته واحفظوه فيهم) وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة قالت، قال أبو بكر (والذي نفسي يده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الى ان اصل من قرابتي). ومنها (خامسا) اخرج أبو يعلي عن سلمة بن الاكواع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (النجوم أمان لاهل السماء، وأهل بيتي امان لامتي من الاختلاف وفي رواية لابن ابي شيبة ومسدد والحكيم والطبراني في الكبير وابن عساكر عن سلمة بن الاكواع: النجوم امان لاهل السماء وأهل بيتي أمان لامتي). وفي رواية للامام احمد: فإذا ذهبت النجوم ذهبت السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الارض، وفي رواية: (فإذا هلك أهل بيتي جاء اهل الارض من الايات ما كانوا يوعدون)، ويرى ابن ابي بكر الشلمي ربما كان المراد العلماء منهم الذين نهتدي بهم كما يهتدى بنجوم السماء ثم ربط بين الاية الكريمة (وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم) وان سياق الاحاديث يشير الى وجود الخير في اهل البيت، وانهم اما لاهل الارض. ومنها (سادسا) اخرج الحاكم عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وعدني ربي في اهل بيتي، من اقر منهم لله تعالى بالتوحيد، ولي بالبلاغ، ان لا يعذبهم، ومنها (سابعا) اخرج ابن عدي والديلمي عن علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اثبتكم على الصراط اشدكم حبا لاهل بيتي، ومنها (ثامنا) اخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انا حرب لمن حاربهم، سلم لم سالمهم) (يعني علي وفاطمة والحسن والحسين)، ومنها (تاسعا) اخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: غضب الله على من اذاني في عترتي، ومنها

[ 46 ]

(عاشرا) واخرج ابن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استوصوا بأهلي خيرا، فإني أخاصمكم عنهم غدا، ومن أكن خصمه أخصمه، دخل النار، ومن حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا)، ومنها (حادي عشر) اخرج ابن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا وأهل بيتي شجرة من الجنة، واغصانها في الدنيا، فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا، ومنها (ثاني عشر) اخرج الديلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أديوا أولادكم على ثلاث خصال، حب نبيكم وحب أهل بيته، وعلى قرادة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله، يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه واصفيائه). ومنها (ثالث عشر) اخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صنع إلى أهل بيتى يدا كافأته عليها يوم القيامة، وروى الديلمى عن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة، المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعى لهم في أمور دينهم عندما اضطروا إليه، والمكرم لهم بقلبه ولسانه))، ومنها (رابع عشر) أخرج الإمام أحمد والحاكم عن المسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها، وأن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وصهيري)، ومنها (خامس عشر) أخرج البزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن فاطمة احصنت فرجها فحرمها الله وذريتها على النار)، ومنها (سادس عشر) روي الامام احمد والطبراني والهيثمي والمحب الطبري عن قرة قال: سمعت أبا رجاء يقول لا تسبوا عليا ولا أهل البيت إن جارا لنا من بني الهجيم قدم من الكوفة، فقال: (ألم تروا هذا الفاسق بن القاسق إن الله قتله، يعني الحسين عليه السلام قال فرماه الله بكوكبين في عينه فطمس الله بصره). ومنها (سابع عشر) روى الامام أحمد في المسند والفضائل عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد تركت فيكم ما أن اخذتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين، واحد منهما اكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض وعترتي اهل بيتي، الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض قال: (انظروا كيف تخلفوني فيهما) وفي رواية الترمذي في السنن عن زيد بن ارقم قال

[ 47 ]

قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: (اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما اكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما). وفي رواية للقاضي عياض عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: (اني تارك فيكم ما ان اخذتم به لم تضلوا، كتاب الله وعترتي اهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما) وفي رواية للترمذي عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: يا ايها الناس، اني تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي اهل بيتي. وفي رواية صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك ان ياتيني رسول ربي فاجيب وانا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله عزوجل ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، اذكر كم الله في اهل بيتي (ثلاث مرات)، وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن وأهل بيته ثقلين، والثقل كل نفيس خطير مصون، وهما كذلك، إذ أن كلا منهما معدن العلوم اللدنية والحكم العلمية والاحكام الشرعية. ومنها (سابع عشر) اخرج الامام احمد وابن أبي عاصم والبيهقي والطبراني والحاكم وابن عساكر والسيوطي والمحب الطبري عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال لي جبريل يا محمد: قلبت الارض مشارقها ومغاربها فلم أجد ولد أب خير من بني هاشم)، وفي رواية للقاضي عياض في الشفاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتاني جبريل عليه السلام، فقال: قلبت مشارق الارض ومغاربها فلم ار رجلا افضل من محمد، ولم ار بني أب افضل من بني هاشم)، ومنها (ثامن عشر) روى الامام احمد والمحب الطبري عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ابغضنا اهل البيت فهو منافق)، ومنها (تاسع عشر) روى الاومام احمد والهيثمي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية والسيوطي والطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت. (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)، قالوا يا رسول الله: من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم، قال

[ 48 ]

علي وفاطمة وابناها عليهم السلام)، ومنها (عشرون) روى احمد والطبراني عن ابي هريرة قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام، فقال: (أنا لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)، وفي رواية لاحمد والترمذي عن زيد بن ارقم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم) ومنها (واحد وعشرون) روى الامام احمد في المسند والفضائل والترمذي عن علي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ بيد الحسن والحسين فقال: (من احبني واحب هذين واباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة)، ومنها (اثنان وعشرون) اخرج ابن عساكر عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (لا يقومن احد من مجلسه الا للحسن أو للحسين أو ذريتهما ومنها ((ثلاثة وعشرون) اخرج الطبراني عن ابي امامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقوم الرجل لاخيه من مجلسه الا بني هاشم لا يقومون لاحد) ومنها (اربع وعشرون) اخرج الترمذي في السنن عن جميع بن عمير التيمي قال: (دخلت ومعي عمتي على عائشة فسئلت: اي الناس كان احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فاطمة فقيل من الرجال، قالت زوجها، أن كان علمت صواما قواما. ومنها (خمس وعشرون) روى الطبراني في الكبير عن ابي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وعلي فاطمة والحسن والحسين يوم القيامة في قبة تحت العرش)، ومنها (ست وعشرون) روى الديلمي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول من يرد على الحوض أهل بيتي ومن أحبني من امتي)، ومنها (سبع وعشرون) روي الطبراني في الكبير عن ام سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اليك، لا الى النار أنا وأهل بيتي)، ومنها (ثمان وعشرون) روى ابن عساكر عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أهل بيتي وانا مستودعهم كل مؤمن)، ومنها (تسع وعشرون) روى الخطيب وابن عساكر عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير رجالكم علي، وخير شبابكم الحسن والحسين وخير نسائكم فاطمة)، ومنها (ثلاثون) روى ابن عساكر عن علي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا علي، ان الاسلام عريان، لباسه التقوى، ورياشه الهدى،، وزينته الحياء وعماده الورع،

[ 49 ]

وملاكه العمل الصالح، وأساس الاسلام حبي وحب أهل بيتي)، ومنها، (واحد وثلاثون) روى ابن مردوية عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة، قالوا: يا رسول الله من يسكن معك فيها، قال: (علي وفاطمة والحسن والحسين)، ومنها (اثنان وثلاثون) أخرج الحاكم عن إبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد المطلب إني سألت الله، أن يثبت قائلكم ويهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وأن يجعلكم جوداء رحماء، فلو أن رجلا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام، ثم لقى الله مبغضا لاهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم دخل النار) وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا بنى عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثا، أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء، فلو أن رجلا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقى الله وهو مبغض لاهل بيت محمد دخل النار)، ومنها (ثلاث وثلاثون) أخرج الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن علي، قال: إصطرع الحسن والحسين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي حسن، فقالت فاطمة يا رسول الله: تعين الحسن، كأنه أحب إليك من الحسين، قال: إن جبريل يعين الحسين، وأنا أحب أن أعين الحسين (رواه السيوطي في الخصائص الكبرى)، ومنها (أربع وثلاثون) روى احمد والبزار والطيالسي والطبراني وابو يعلي بطرق مختلفة عن علي أنه قال: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا نائم على المنامة، فاستسقى الحسن والحسين، قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم الى شاة لنا بكئ فحلبها فدرت، فجاء الحسن فنحاه النبي صلى الله عليه وسلم فقالت فاطمة يا رسول الله: كأنه أحبهما إليك، قال لا، ولكنه استسقى قبله، ثم قال، إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة)، ومنها (خمس وثلاثون) روى الامام احمد في الفضائل والمحب الطبري في الذخائر، قال حدثنا احمد بن إسرائيل، قال: (رأيت في كتاب أحمد بن محمد ابن حنبل رحمه الله بخط يده... قال كان الحسين بن علي يقول: من دمعتا عيناه فينا دمعة أو قطرت عيناه قطرة، أثواه الله عزوجل الجنة). ومنها (ست وثلاثون) روى الطبراني والمروياني وابن عساكر عن العباس ابن

[ 50 ]

عبد المطلب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام يتحدثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرى الايمان حتى يحبهم الله ولقرابتهم مني)، وفي رواية عن العباس قال: كنا نلقي النفر من قريش وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (والله لايدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولقرابتي وفي لفظ: ولقرابتكم مني) رواه ابن عساكر وابن النجار)، ومنها (سبع وثلاثون) ما رواه الترمذي والحاكم والبيهقي من شعب الايمان عن عائشة، رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستة لعنهم الله، وكل نبي مجاب، الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت، فيعز بذلك من أذل الله، ويذل من أعز الله والمتسحل لحرم الله والمستحل من عترتي ما حرم الله والتارك لسنتي)، ومنها (ثمانيد وثلاثون) روى الترمذي والحاكم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي)، ومنها (تسع وثلاثون) أخرج ابن سعد عن علي أنه قال: (خبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول الله: فمحبونا، قال من ورائكم)، ومنها (أربعون) وروى الحاكم في التاريخ من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من حفظهن حفظ الله له دينه ودنياه ومن ضيعهن لم يحفظ الله له شيئا: حرمة الاسلام، وحرمتي وحرمة رحمي). ومنها (واحد وأربعون) أخرج الطبراني في معجمه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي، فليوالي وليا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من امتي، القاطعين فيهم صلتي، لا انالهم الله شفاعتي). ومنها (اثنان وأربعون) اخرج الطبراني في المعجم الكبير عن واثلة رضي الله عنه قاقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إنك جعلت صلواتك ورحمتك ومغفرتك وضوانك علي إبراهيم وآل إبراهيم اللهم انهم وأنا منهم، فاجعل

[ 51 ]

صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم)، قال: يعني عليا وفاطمة وحسنا وحسينا)، ومنها (ثلاث واربعون) روى الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن ابي ليلى قال: لقيني كعب بن عجزة، فقال: ألا اهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قلت بلى، قال فأهدي الى قال: (سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت، قال: قولوا (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، انك حميد مجيد). ومنها (أربع وأربعون) روى الترمذي في السنن عن حذيفة قال: (سألتني أمي متى عهدك، تعني بالنبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني لها فقلت: دعيني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فاصلي معه المغرب، وأساله أن يستغفر لي ولك، فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء ثم انفلت فتبعته فسمع صوتي فقال، من هذا حذيفة قلت نعم، قال ما حاجتك غفر الله لك ولامك، ثم قال، (إن هذا ملك لم ينزل الارض قط قبل هذه الليلة، استاذن ربه ان يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين شيدا شباب أهل الجنة ومنها (خمس واربعون) روى ابن جرير عن ابي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك)، وفي رواية عن بي ذر: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، فمن قوم نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني اسرائيل) (رواه الطبراني في الكبير)، وفي رواية للحاكم عن حنش الكناني قال سمعت أبا ذر، وهو آخذ بباب الكعبة يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)، ومنها (ست وأربعون) أخرج الطبراني في الاوسط عن الحسن بن علي، رضي الله عنهما أنه قال: (إلزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقى الله عزوجل وهو يودنا، دخل الجنة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده، لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة

[ 52 ]

حقنا، وروى الحاكم في المستدرك تعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت احد، إلا أدخله الله النار، وروى الطبراني عن السيد الحسن رضي الله عنه لا يبغضنا احد، ولا يحسدنا احد، إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار).

[ 53 ]

الفصل الثالث من خصائص اهل البيت وانطلاقا من كل ما تقدم من شواهد من الكتاب والسنة فلقد اتفق علماء المسلمين على أن الله تعالى، المنعم الكريم، قد تفضل، سبحانه وتعالى على أهل بيت نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بخصائص اختصهم بها، وبنعم أنعمها عليهم (1)، إكراما لنبيه وحبيبه سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لعل من أهمها: 1 - الصلاة على أهل البيت كان من كرامة أهل البيت عند الله تعالى، أن جعل الصلاة عليهم مقرونة بالصلاة على جدهم العظيم، سيد الاولين والاخرين، وأفضل الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في كل صلاة، وفي كل تشهد، وقد اشرفا من قبل إلى أن الصحابي


(1) روى الطاهر بن عبد السلام أن الزمخشري قال: إن أهل البيت النبي يساوونه في سبعة أشياء: في السلام في قوله السلام عليك ايها النبي في التشهد وفي قوله تعالى: (سلام على آل ياسين) وفي ختم التشهد بالصلاة عليه وعليهم وفي قوله تعالى: (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وفي المحبة في قوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله) وفي قوله تعالى: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) وفي تحريم الصدقة، والتشريك في الخمس وفي قوله تعالى: وللرسول ولذي القربى) غير أن رواية ابن حجر الهيثمي عن الفخر الرازي أنهم يساوونه صلى الله عليه وسلم في خمسة أشياء في الصلاة عليه وعليهم في التشهد وفي السلام وفي الطهارة وفي تحريم الصدقة وفي المحبة)

[ 54 ]

الجليل بشير بن سعد الانصاري بعد نزول الاية الكريمة (ان الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) سال قائلا: يا رسول الله امرنا أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك، فقال صلى الله عليه وسلم قولوا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم). وروى البخاري عند تفسير آية الاحزاب (56) (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) عن كعب ابن عجرة قال: قيل يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة قال: قولوا: (اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل ابراهيم، إنك حميد مجيد)، وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك، فكيف نصلي عليك، قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم). وروى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الانصاري قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد، أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك ؟ قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمينا أنه لم يساله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم) (أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي) ومن هنا ذهب الامام الشافعي، كما يقول ابن كثير في تفسيره، الى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الاخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وهكذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن امر الله تعالى الى الامة بالصلاة عليه، إنما يشمل

[ 55 ]

الامر كذلك بالصلاة على أهل بيته في كل تشهد، وفي كل صلاة، وكفى بهذا تعظيما وتشريفا، وتوفيرا ذلك لان هذا يعني أن الله قد قضي بأن مقام اهل البيت انما هومن مقام جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وان شرفهم من شرفه، ومن ثم فقد اقامهم النبي صلى الله عليه وسلم مقام نفسه في التعظيم والتكريم والتشريف، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إفراده بالصلاة عليه، دون أهل بيته فقد روى ابن حجر الهيثمي في صواعقه أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تصلوا علي الصلاة، البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء قال: تقولون: (اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، وروى الشافعي في مسنده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الصلاة: (اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم، انك حميد مجيد) هذا وتاكيدا لمقام أهل البيت عند الله رسوله فلقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد بيته، اللهم صل على محمد وآله) وفي هذا المعنى يقول أبو سليمان الداراني رضي الله عنه، كما جاء في صواعق ابن حجر، من أراد أن يسال الله حاجة، فليبدا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يرد ما بينهما). ويرى ابن قيم الجوزية: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حق له ولاله دون سائر الامة ولهذا تجب عليه وعلى آله عند الشافعي وغيره، ومن لا يوجبها فلاريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها لسائر المؤمنين، أو لا يجوزها على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأما من قال إن آل النبي في الصلاة هم كالامة فقد أبعد غاية الابعاد (عن الصواب)، هذا الى ان النبي صلى الله عليه وسلم شرع في التشهد السلام والصلاة فشرع السلام من المصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم اولا وعلى نفسه ثانيا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (فإذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في الارض والسماء وأما الصلاة فلم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم إلا على نفسه وعلى آله فقط، فدل ذلك على أن آله هم أهله وأقاربه ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه

[ 56 ]

قال: قولوا (اللهم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فالصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها لان ذلك مما تقربه عين النبي صلى الله عليه وسلم ويزيده الله به شرفا وعلوا صلى الله عليه وعلى آل وسلم تسليما، وروى ابن حجر الهيثمي عن الامام الشافعي أنه قال: يا اهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن انزله كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لاصلاة له هذا وقد أجمع المسلمون على أن الحسن والحسين وذريتهما (أولاد السيدة فاطمة الزهراء من الامام علي بن ابي طالب) هم ذرية النبي صلى الله عليه وسلم المطلوب لهم من الله الصلاة والبركة، لأن أحدا من بناته لم يعقب غير الزهراء، عليها سلام، فمن انتسب تالى النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن ابن ابنته (إن ابني هذا سيد) فسماه ابنه، ولما نزل قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم وخرج للمباهلة، وهكذا انحصرت ذرية النبي صلى الله عليه وسلم في ابناء الزهراء وحدهم، وفي ذرية الحسن والحسين بوجه خاص، ومن هذه الذرية تستمر ذرية النبي صلى الله عليه وسلم الى يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة الا سببي ونسبي)، أي سببه ونسبه من الامام الحسن والامام الحسين، علهما السلام وذريتهما الطاهرة المباركة هذا ونظرا لانحصار سببه ونسبه صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين وذرتيهما، فقد جرى العرف بأن تعبير (أهل البيت) انما هو صفة لكل من يتصل نسبه بسيدنا الحسن وسيدنا الحسين، وذريتهما الى يوم القيامة. 2 - محبة اهل البيت أمر الله سبحانه وتعالى واوصى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بحب أهل البيت، لانهم غصون هذه الدوحة المباركة، التي اصلها في الارض، وفرعها في السماء،

[ 57 ]

والتي اصطفاها الله تعالى من بين خلقه، واصطنعها على عينه، فبلغت اوج الكمال في الروح والجسد، وفي السر والعلن، وذلك لانها بضعة اشرف الخلق، واكرم الانبياء الذي يقول متحدثا بنعمة الله عليه، واحسانه إليه فيما رواه مسلم في صحيحه والترمذي في الجامع الصحيح عن واثلة بن الاسقع، (ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)، ثم لان مقام اهل البيت من مقام الرسول صلى الله عليه وسلم فهم في كل عصر وزمان خير الناس وخيرهم بيوتا، لان الله اختار نبيه من خير البيوت واشرفها، هذا فضلا عن ان حكمة الله في خلقه، ورحمته بعباده، اقتضت ان تستمر باهل البيت ذرية سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم الى يوم الدين، تشع بضيائها على العالمين وترشد بهدايتها الضالين، ومن ثم فان التاريخ لم يعرف اهل بيت احبهم الناس من قوميات ومذاهب شتي كال البيت، احبوهم احياء واموات، فالف العلماء الكتب في منزلتهم عند الله والناس، ونظم الشعراء الداوين والقصائد في مديحهم، وردد الخطباء فضائلهم على المنابر وفي المحافل، وما ومن مسلم في شرق الارض أو غربها يصلي لله، الا وبذكر رسول الله وآله بالصلاة والتسليم ناهيك بهذه الاسماء الشائعة بين الناس: محمد وعلى وفاطمة وحسن وحسين فإن الباعث على التسمية بها لم يكن الا للتبرك والتيمن باسماء آل البيت الكرام، الذين احبهم الناس من كل جنس ولون، ومن كل الطبقات، في كل زمان ومكان (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم). وقد روى الترمذي والحاكم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحبوا الله لما يعذوكم به من نعمه، واحبوني بحب الله، واحبوا اهل بيتي لحبي)، وروى الامام احمد والترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم احذ بيد الحسن والحسين وقال (من احبني واحب هذين واباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة)، واخرج الديلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ادبوا اولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وعلى قراءة القرآن) واخرج ابن عدي والديلمي عن علي النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اثبتكم على الصراط، اشدكم حبا لاهل بيتي واصحابي، وفي نفس الوقت

[ 58 ]

فلقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من بغض اهل البيت فقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (لا يبغضنا اهل البيت رجل إلا ادخله الله النار)، وقال صلى الله عليه وسلم، لو ان رجلا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقى الله وهو مبغض لال محمد صلى الله عليه وسلم دخل النار). هذا وتمثلي وكتب السيرة الشريفة بالامثلة التي لاتعد ولا تحصى على محبة النبي صلى الله عليه وسلم لاهل البيت ويدهي ان نفس النبي الزكية التي وسعت الرحمة للقريب والبعيد، انما كانت اكثر رحمة وعطفا على اهل بيته واعز الناس عليه، وخاصة فاطمة البتول، البقية الباقيد من ابنائه وينائه فلقد روى ان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا، فاخر بيت يخرج منه بيت فاطمة وإذا رجع من سفره فاول بيت يدخله بيتها يجلس فيه ويضع الحسن على فخذه الايمن، والحسين على فخذه الايسر، يقبل هذه مرة، وذاك مرد ويجلس عليا وفاطمة بين يديه، كما كان من عادته صلى الله عليه وسلم ان بيت عندهم حينا بعد حين، ويتولى خدمة الاطفال بنفسه وابواهما قاعدان وقد روى ان الحسين قد ركب على ظهر جده النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد في الصلاة فرفعه النبي صلى الله عليه وسلم رفعا خفيفا، ولما فرغ من الصلاة وضعه في حجره، فكان يدخل اصابعه في لحيته والنبي صلى الله عليه وسلم يضمه ويقبله ويقول: (اللهم اني احبه فاحبه)، وسار النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يحمل الحسين، فقابله رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ونعم الراكب هو) وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما من بيت عائشة قمر ببيت فاطمة فسمع الحسين يبكي فمس بكاؤه شفاف قلبه صلى الله عليه وسلم فهرع الى فاطمة وقال لها: الم تعلمني ان بكاءه يوذبني وفي ذات يوم بينما كان البني صلى الله عليه وسلم يخطب ويعظ المسلمين في مسجده الشريف، جاء الحسن والحسين الى جدهما، وعليهما قميصان احمران يعثران ويقومان، فلم يتمالك النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وترك الوعظ ونزل اليهما فاخذهما وعاد الى المنبر، وهو يضمهما ويشمهما ثم وضعهما في حجره، وقال صدق الله العظيم: (انما اموالكم واولادكم قتنة). وهكذا كان من البدهي ان يكون حب اهل البيت كما يقول الاستاذ حسين يوسف، جزاء لا يتجزا من الحب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الحب لله تعالى ولا

[ 59 ]

يعقل ان يرغم زاعم انه يحب الله تعالى ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم وهو في نفس الوقت لا يكن لاهل البيت الشريف الذين هم منه صلى الله عليه وسلم منهم نفس الحب ونفس الاجلال والتقدير والتعظيم، ولهذا فقد كان حب اهل البيت دلالة على سلامة العقيدة وصدق الايمان بالله ورسوله، كما ان كراهية اهل البيت دلالة قاطعة على فساد العقيدة ومرض القلب، والبعد عن الله ورسوله ويؤكد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني بقوله الشريف، فيما يروى ابن عساكر من حديث ابن عمر: لا يحب اهل البيت الا مؤمن، ولا يبغضهم الا منافق)، وليس من شك في ان من هذا الحديث الشريف بشرى من سيد الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وشهادة منه صلى الله عليه وسلم بالايمان لمحبي اهل البيت، وفيه في نفس الوقت حكم قاطع بالنفاق على مبغضيهم، فهم المحجوبون بظلمات بعضها فوق بعض، المحرمون من هداية الله ونوره (ومن لم يجعل الله له نورا)، فما له من نور) وقد كتب الله عليهم الشقاوة، وجعلهم من اصحاب الجحيم، فلقد روى الحاكم عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله صل الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبغضنا اهل البيت احد، إلا ادخله الله النار). ويزيد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بياتا ووضوحا، فقال، محذرا من إيذاء أهل البيت أو ظلمهم أو الاستخفاف بحقهم حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة الى احد من ولد عبد المطلب، ولم يجازه عليها، فانا اجازيه عليها غدا، لقيني يوم القيامة)، ثم يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم تأكيدا قاطعا صلة الايمان بحب اهل البيت الطاهرين المطهرين فيقول كما جاء في نور الابصار في مناقب ال بيت النبي المختار، (والذي نفسي بيده لايدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ورسوله)، فضلا عن ان حب اهل البيت انما هو السبيل لرعاية الله تعالى لصاحبه، والكفيل بحفظه في الدين والدنيا، وثباته يوم الدين على الصراط، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يقول صلى الله عليه وسلم (ثلاث من حفظهن حفظ الله له دينه ودنياه، ومن ضيعهن لم يحفظ الله له شيئا، حرمة الاسلام وحرمتي وحرمة رحمي وقال صلى الله عليه وسلم: اثبتكم على الصراط اشدكم حبا لاهل بيتي)، وقال صلى الله عليه وسلم (شفاعتي لامتي من احب اهل بيتي).

[ 60 ]

وهكذا اكثر السلف الصالح من محبة اهل البيت وتوفيرهم، ففي البخاري عن ابي ابكر لصديق رضي الله عنه أنه قال: ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في اهل بيته، والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم احب الي من قرابتي)، وروي البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها عن ابي بكر الصديق انه قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم احب الى ان اصل من قرابتي)، وهكذا كان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الخليفة الاول من التعظيم والاكبار ما لم يكن لاحد غيرهم، فالصديق يقسم بالله، وهو صادق، ان قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم احب إليه من قرابته، وان يحب ان يصلهم اكثر مما يصل قرابته. وكان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوثرهم على جميع المسلمين، بل على اقربائه الاذنين ومن اقواله في قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة واخرج الدار قطني عن ابن الخطاب انه قال: تجبوا الى الاشراف وتوددوا، واتقوا على اعراضكم من السفلة، واعملوا انه لا يتم شرف الا بولاية علي بن ابي طالب)، وفي رواية: (ايها الناس ان الفضل والشرف والمنزلة، الولاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته فلا تذهبن بكم الاباطيل) وروى الحاكم في المستدرك عن عمر رضي الله عنه انه دخل على فاطمة، رضي الله عنها، فقال: (يا فاطمة، والله ما رايت احدا احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، والله ما كان احد من الناس بعد ابيك صل الله عليه وسلم احب الى منك). وفي فتح مكة، وقد اتي العباس - عم النبي صلى الله عليه وسلم - بابي سفيان بن حرب، ليسلم قبل ان تدخل جيوش الاسلام مكة، فما ان راه الفاروق عمر حتى قال: أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي امكن منك بغير عقد ولا عهد ثم اسرع العباس بابي سفيان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحق بهما الفاروق فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد امكن الله منه بغير عقدولا عهد، فدعني اضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله اني قد اجرته، فلما اكثر عمر في شانه، قال العباس مهلا يا عمر، فوالله ان لو كان من رجال بني عدي (رهط عمر) ما قلت هذا ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال عمر: مهلا يا عباس، فوالله لاسلامك يوم أسلمت كان احب الى من إسلام الخطاب لو اسلم وما بي الا اني قد عرفت أن

[ 61 ]

إسلامك كان أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اسلام الخطاب. وكان الفاروق يجل الامام على كل الاجلال، ويستثيره في كثير من المشاكل والقضايا الفقيهة ومن كلماته المأثورة في الامام علي قوله المشهور (لولا علي لهلك عمر) (واعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ويقدم لنا الفاروق صورة جلية لحبه وتعظيمه وتوقيره لاهل البيت، ورغبته الصادقة في ان يرتبط بهم بنسب ومصاهرة، يروى الائمة احمد وابن سعد والبيهقي والحاكم والطبراني والدار قطني وابن راهويه وابن حجر الهيثمي وابو نعيم بسند من اكابر اهل اليت وغيرهم، ان عمر بن الخطاب تقدم الى على كرم الله وجهه طالبا الزواج من ابنته ام كلثوم، بنت فاطمة الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجابه على بانه حبس بناته لولد اخيه جعفر، قال له عمر إنه والله ما على وجه الارض من يرصد من حسن صحبتها ما ارصد فوافق علي، بعد ان استثار الحسن والحسين، وقد بلغ الفرح بعمر رضي الله عنه انه اتي المهاجرين والانصار فقال: الا تهنئوني فقالوا بمن يا امير المؤمنين، فقال بام كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة، الا ما كان من سببي ونسبي) فاحببت ان يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب وفي رواية اخرى للامام احمد: ان عمر بن الخطاب خطب الى علي بن ابي طالب ام كلثوم فاعتل علي بصغرها، فقال: إني لم ارد الباه، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، كل ولد اب فإن عصبتهم لابيهم ما خلا ولد فاطمة فاني انا ابوهم وعصبتهم)، وقد ثم الزواج ورزق الفاروق من حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم بولد دعاه زيدا عاش حتى صار رجلا ومات وقد اخرج الدارقطني عن ابي حنيفة انه قال: سمعت ابا جعفر محمد الباقر يذكر تزويج علي ابنته من عمر ويقول: (لو لم يكن لها اهلا لما زوجه اياها)، هذا وقد روى انه قيل لعمر بن الخطاب: إنك تصنع بعلي شيئا (يعني من العتظيم) لا تصنعه لاحد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انه مولاي (1).


(1) لعل الفاروق يقصد حديث غدير خم وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم =

[ 62 ]

هذا وكان الفاروق عمر، لا يساوي احدا باهل البيت، روى البلاذري في فتوح البلدان عدة روايات عن العطاء في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، منها ما رواه ابن سعد عن الواقدي بسنده عن جيبر بن الحويرث بن نقيذ أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: استثار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي بن ابي طالب رضي الله عنه: تقسم كل سنة ما اجتمع اليك من مال، ولا تمسك منه شيئا، وقال عثمان رضي الله عنه: ارى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من اخذ ممن لم ياخذ حسبت، ان بنشر الامر، فقال الوليد بن هشام بن المغيرة: قد جئت الشام فرايت ملوكها قد دونوا ديوانا، وجندوا جندا، فدون ديوانا وجند جندا، فاخذ بقوله فدعا عقيل بن ابي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من لسان قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبداوا ببني هاشم (رهط النبي صلى الله عليه وسلم) أتبعوهم ابا بكر وقومه ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر إليه عمر قال: وودت والله انه هكذا، ولكن ابدؤا بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الاقرب فالاقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى.... فجاءت بنو عدي (رهط عمر) فقالوا: أنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة ابي بكر، وابو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم الذين كتبوا، قال: بخ بخ بني عدي اردتم الاكل علي ظهري، وان اهب حسناتي لكم، لا والله حتى تأتيكم الدعوة وان يطيق عليكم الدفتر، يعني ولو تكتبوا اخر الناس ان لي صاحبين سلكا طريقا فان خالفتهما خولف ابي، والله ما ادركنا الفضل في الدنيا وما نرجو الثواب على عملنا الا بحمد صلى الله عليه وسلم فهو شرفنا، وقومه اشرف العرب، ثم الاقرب فالاقرب...). ومنها ما روي عن الشعبي قال: لما هم عمربن الخطاب في سنة عشرين بتدوين الدواوين، دعا بمخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، فامرهما ان يكتبا الناس على منازلهم، فكتبوا بني هاشم ثم اتبعوهم ابا بكر وقومه، ثم عمر وقومه، فلما


(1) = وال من والاه، وعاد من عاداه) فلقيه عمر فقال: (هنيا لك يا ابن ابي طالب اصبحت وامسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة).

[ 63 ]

نظر عمر في الكتاب قال: وددت اني في القرابة برسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ابداوا بالاقرب فالاقرب، ثم ضعوا عمر بحيث وضعه الله تعالى، فشكره العباس بن عبد المطلب على ذلك، وقال: وصلتك رحم)، وروى عن محمد بن عجلان قال: لما ذون عمر الداوين، قالوا: بمن نبدا: بنفسك، قال: (لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم امامنا، فبرهطه نبدا، ثم بالاقرب والاقرب)، وروي عن سفيان الثوري عن جعفر الصادق عن أبيه قال: لما وضع عمر الديوان استثار الناس بمن يبدا، فقالوا: إبدا بنفسك، قال: لا، ولكن ابدا بالاقرب فالاقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدا بهم). ومنها ما روي عن ابن سعد عن الواقدي بسنده عن الزهري عن سعيد عن قومن آخرين قالوا: لما اجمع عمر علي تدوين الديوان وذلك في المحرم سنة عشرين، بدا يبني هاشم، ثم الاقرب فالاقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان القوم إذا استووا في القرابة قدم اهل السابقة، ثم انتهى الى الانصار فقالوا: بمن نبدا فقال: إبدأوا برهط سعد بن معاذ من الاوس ثم الاقرب فالاقرب لسعد، وفرض عمر لاهل الديوان، فقدم أهل السوابق والمشاهد من الفرائض وكان أبو بكر قد سوى بين الناس في القسم فقيل لعمر في ذلك فقال: لا اجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه، فبدا بمن شهد بدرا من المهاجرين والانصار، وفرضض لكل رجل منهم خمسة الاف درهم في كل سنة حليفهم ومولاهم معهم بالسواء وفرض لمن كان له اسلام كاسلام أهل بدر ومن مهاجرد الحبشة ممن شهدوا احد اربعة الاف درهم، وفرض لابناء البدريين الفين الفين الا الحسن والحسين فإنه الحقهما بفريضة ابيهما لقرابتهما برسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض لكل واحد منهما خمسة الاف وفرض للعباس خمسة الاف لقرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن للخليفة الثالث، عثمان بن عفان رضي لله عنه، باقل حبا لال البيت من صاحبيه، فهو من بني عبد مناف، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتيه ومن ثم فقد سمى بذي النورين غير أن الاحداث سرعان ما باعدت بينه وبين علي، بسبب وشايا بطاننه من بني امة، وإن ظل الحب والاحترام متبادلا

[ 64 ]

بين عثمان وآل البيت وآية ذلك ان الامام علي ارسل ولديه الحسن والحسين، للدفاع عن عثمان وقد اصب الحسن بسهم فخضبه الدم، وشج قنبر مولى علي، وعلي اي حال فحين انتقل الحكم من الخلفاء الراشدين الى الامويين، اعداء آل النبي صلى الله عليه وسلم قلبوا لهم ظهر المجن، وفعلوا بعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يقبله خلق أو دين، وما لا يرضاه مسلم بل ما لا يرضاه إنسان، اي إسنان، من اية ملة كان، والي اي جنس ينتمي وباي مذهب سياسي يدين، وكانت كارثة الكوارث مذبحة كربلاء، الامر الذي سناقشه في كتابنا عن مولانا الامام الحسين، عليه السلام، ومع ذلك فقد كان من بني امية هؤلاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، الذي اشتهر بحب آل البيت، والذي قال لعبد الله بن الحسن المثنى، حفيد الامام علي، (والله ما على ظهر الارض اهل بيت احب الى منكم ولانتم احب الى من أهل بيتي)، وحين ذكر الزهاد عنده قال: (أزهد الناس في الدنيا علي بن ابي طالب)، ثم سرعان ما ابطل تلك الفعلة الدنيئة التي جرى عليها الامويون مند ايام معاوية، من سب الامام علي، كرم الله وجهه ورضي الله عنه، على منابر المسلمين ولعنه، والعياذ بالله، وجعل مكانها الاية 10 من الحشر (ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا انك رؤوف رحيم). وقيل بل جعل مكانها الاية 9 من النحل (إن الله يامر بالعدل والاحسان وايتاه ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، وقيل بل جعلهما جميعا فاستعمل الناس ذلك في الخطبة الى يومنا هذا، هذا ويروى ان عبد الله ابن الحسن ذهب الى عمر بن عبد العزيز في حاجة له، فلما قضى حاجته قال له: إذا كانت لك حاجة فارسل الى احضر، أو اكتب لي ورقة فاني استحي من الله ان يراك على بابي)، وروى أبو الفرج الاصبهاني الاموي عن سعيد بن ابان القرشي ان عبد الله بن الحسن دخل على عمر بن عبد العزيز، وهو حديث السن له وفرة، فرفع مجلسه واقبل عليه وقضى حوائجه ثم اخذ عكنة من عكنه فغمزها حتى اوجه، وقال اذكره عندك للشفاعة، فلما خرج لامه قومه وقالوا فعلت هذا بغلام حدث فقال ان الثقة حدثني حتى كاني اسمعه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما فاطمد بضعة مني يسرني ما يسرها)، وانا اعلم ان فاطمة لو كانت حية لسرها ما

[ 65 ]

فعلت بابنها قالوا: فما معنى غمزك بطنة، وقولك ما قلت، قال: (إنه لس احد من بني هاشم الا وله شفاعة، فرجوت ان اكون في شفاعة هذا)، وقيل انه كتب بعد ذلك الى عامله بالمدينة ان اقسم في ولد علي من فاطمة، رضوان الله عليهم، عشرة الاف دينار، فطالما تخطتهم حقوقهم). وهناك، غير عمر بن عبد العزيز، نفر قليل جدا من الامويين كانوا يحبون آل البيت فهناك أبو الفرج الاصفهاني صاحب كتاب (مقاتل الطالبين) وكان امويا محبا لال بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهناك الشاعر عبد الله أبو عدي المعروف بالعبلي، وكان يكره ما يجري عليه بنو امية من سبب الامام علي، ويظهر الانكار فشرده الامويون، وهناك معاويد بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان، وقد نقل عنه الدميري (في حياة الحيوان) انه لما بويع بالخلافة، بعد ابيه يزيد، صعد المنبر فخطب خطبة طويلة جاء فيها (ان جدي معاوية قد نازع في هذا الامر من كان اولى به منه ومن غيره، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظيم فضله وسابقته، اعظم المهاجرين قدرا، واشجعهم قلبا واكثرهم علما، واولهم ايمانا، واشرفهم منزلة واقدمهم صحبة، ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم واخوه، وصهره وزوج ابنته، وابو سبطية الحسن والحسين، سيدي شباب اهل الجنة، وافضل الامة من الشجرة الطيبة الزكية، فركب جدي معاوية معه ما تعلمون، وركبتهم معه ما لا تجهلون، ثم انتقلت الخلافة الى ابي يزيد، فتقلد امركم لهوى ابيه، وكان غير خليق بالخلاقة على امة محمد صلى الله عليه وسلم فركب هواه، وتجرا على الله بما استحل من حرمة اولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت مدته وانقطع اثره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته رهين خطيئته ثم قال: فشانكم امركم فخذوه ومن رضيتم فولوه، فلقد خلعت بيعتي من اعناقكم، والسلام)، ولما نزل من على المنبر وبخه أقار به، وقالت له امه: ليتك كنت حيضته ولم اسمع بخبرك، فقال: وددت والله ذلك)، وقال الامويون لمعلمه ومودبه (عمر المقصوص أنت علمته حب علي وأولاده، وأخذوه فدفنوه حيا، ثم دسوا السم لمعاوية فمات. وانتقل الحكم إلى العباسيين الذين فاقوا الامويين تنكيلا بأهل البيت وشيعتهم، وإن كان بعضهم أخف عليهم من بعض، بينهما هناك من كان في

[ 66 ]

جانب آل البيت، وقليل ما هم، غير أن المسلمين لم يكونوا على دين ملوكهم في بغض العترة الطاهرة، وإنما كانوا، والحمد لله، على دين نبيهم في حب آل البيت وتقديسهم، حتى الذين قاتلوا الامام الحسين في كربلاء، كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، بل حتى الولاة والموظفون عند الخليفة كانوا يؤمنون في قرارة انفسهم بحق ابناء الزهراء البتول ويتشيعون لهم، ومن أمثلة ذلك أن الطاهرين في خراسان كانوا يحكمون باسم الخليفة المأمون وقلوبهم مع آل البيت ومنها أن الخليفة المتوكل كان قد كلف (ابن السكيت) بتاديب ولده المعتز بالله وكان ابن السكيت يكتم تشيعه لان المتوكل معروف باغراقه في العداوة للامام على واولاده، وفي ذات يوم قال له المتوكل: أيهما احب اليك، ابناي هذان (المعتز والمؤيد) ام الحسن والحسين فلم يتمالك ابن السكيت نفسه ان قال له (والله ابن قنبر خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك، فامر المتوكل ان يخرجوا لسانه من قفاه، ففعلوا ومات. وكان أئمة المذاهب الاربعة من اكثر الناس حبا لال بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد اشتهر الامام أبو حنيفة النعمان بحب آل البيت وبذل الاموال الطائلة لهم، حتي نقل أنه بعث الى بعض المستترين منه اثني عشر الف درهم دفعة واحدة، وكان يامر اصحابه برعاية احوالهم واقتضاء آثارهم والاقتداء بانوارهم وكان الامام مالك من محبي آل البيت، وقيل إنه افتى بخلع المنصور لان القوم بايعوه كرها ولا بيعة لمكرة (1) هذا وقد كان الامامان أبو حنيفة ومالك من تلامذة الامام جعفر الصادق، فيما يرى الكثيرون من امثال ابن حجر الهيثمي في الصواعق وابو نعيم في حلية الاولياء، وابن الصباغ في الفصول، والشبلنجي في


(1) يرى ابن مغنية في كتابه (أهل البيت) أن أبا حنيفة افتى بنصرة زيد بن علي زين العابدين، وحمل الاموال إليه كما افتى بالخروج مع ابراهيم بن عبد الله الحسن لحرب المنصور، فضرب بالسياط وحبس وعذب واخيرا سقاه المنصور السم فمات ويذهب الى ان ضرب ابي حنيفة بسبب رفضه تولى منصب القضاء قول غير مقبول، ذلك لان طلبهم إياه للقضاء يدل على التعظيم، وضربه بالسياط يدل على التحقير، فكيف يمكن التوفيق بينهما، وربما عرض الخلفاء عليه القضاء ليسكت وينصرف عن حب آل البيت فلما ابي نكلوا به فالتنكيل إذن لغاية سياسية وهي صرفه عن حب آل البيت الذين كانوا يمثلون الحزب المعارض وليس من أجل امتناعه عن القضاء.

[ 67 ]

نور الابصار والشيخ سليمان في الينابيع وغيرهم، واما الامام الشافعي فحبه لاهل البيت أشهر من أن يذكر، وقد أغرق في هذا الحب حتى نسبه الخوارج إلى الرفض، ومن شعره في آل البيت الطاهرين: 1 - قال: يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن انزله كفاكم من عظيم القدر انكم من لا يصلي عليكم لا صلاة له 2 - وقال: يا راكبا قف بالمحصب من منى واهتف بقاعد خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج الى منى فيضا كملتطم الفرات الفائض ان كان رفضا حب آل محمد فلشهد الثقلان اني رافضي 3 - وقال: قالوا ترفضت قلت كلا ما الفرفض ديني ولا اعتمادي لكن توليت غير شك حب امام وخير هادي إذ كان حب الولي رفضا فانبي ارفض العباد 4 - وقال إذ في مجلس ذكروا عليا وشبيلة وفاطمة الزكية يقال تجاوزوا يا قوم هذا فهذا من حديث الرافضية هربت الى المهيمن من اناس يرون الفرض حب الفاطمية على آل الرسول صلاة ربي ولعنته لتلك الجاهلية وسئل الشعافعي عن الامام علي فقال: ماذا اقوال في رجل، اسر اولياوه مناقبة خوفا، وكتمها اعداوه حنقا، ومع ذلك شاع منها ما ملا الخافقين. واما الامام احمد بن حنبل، فكتابه ((مسند احمد) مشحون بفضائل علي، اما كتا به (فضائل الصحابة) فلا شك ان فضائل اهل البيت تمثل الجزء الاكثر

[ 68 ]

منه، وخا صة فضائل الامام التي تشغل ما ئتي صفحة (528 - 728) تنضمن 565 حديثا (من رقم 878 الى 1247 في طبعة جامعة ام القرى عام 1983 م) الى جانب ما يقرب من ما ئة وعشرين صفحة عن السيدة فاطمة الزهراء والامام الحسن والامام الحسين وجدتهما خديجة الكبرى والعباس وولده عبد الله رضي الله عنهم، ويقال انه الف كتابا كبيرا في فضائل اهل البيت، وان نسخة منه كانت في خزانة مشهد الامام بالنجف، ونقل انه تتلمذ على يد الامام موسى الكاظم، وقد ورد عن الامام احمد انه قال: ما جاء لاحد من الفضائل ما جاء لعلي)، هذا وقد الف الامام الحافظ النسائي كتابا سماه (خصائص امير المومنين علي بن ابي طالب). وخلاصه الامر ان حب آل البيت عند المسلمين ومنزلتهم تاتي بعد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فاصل، وقد يتغاضى المسلم عمن يشتم اباه وامه، اما إذا مس مقام الرسول أو احد اهل بيته، فانه يثور ويضحي بالنفس والنفيس، وإذا التمسنا تفسيرا لذلك لوجدنا ه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، شرف الانتساب إليه فحسب، وانما ورثوا علومه وشمائله، واحب الخلق عند المسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم من احبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو حفظ شيئا من علومه أو عمل باوامره أو اتصف ببعض صفاته، فكيف باقرب الناس إليه، واحبهم لديه، بل بضعته الشريفة صلى الله عليه وسلم، ووارثي علومه واخلاقه، وامنائه على دينه وشريعته، ومن ثم فقد قال القرطبي، ان الاحاديث الشريفة انما تقضى بوجوب احترام آل النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفرائض التي لا عذر لاحد في التخلف عنها، وقد صرح الائمة البيهقي والبغوي والشافعي ان محبة آل البيت من فرائض الدين، وهكذا كان من حق اهل البيت على المسلمين ان يحبوهم، ولو كانوا على غير قدم الاستقامة، لانهم بيقين يحبون الله ورسوله، ومن احب الله ورسوله لا يجوز بغضه، والى هذا المعنى ذهب العلامة الشعراني في (المنن الكبرى)، واستدل عليه بان (نعيما) تكررت اقامة الحد عليه كلما شرب الخمر، فصار بعض الناس يلعنه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوا نعيما، فانه يحب الله ورسوله)، فعلم من ذلك انه لا يلزم من اقامة الحد على احد الاشرف ان

[ 69 ]

نبغهم، بل اقامة الحد عليه انما هو محبة وتطهير له، وانطقلاقا من كل هذا، وعلى كر السنين ومر الاعوام، نرى اجماعا من اهل الحق والايمان على توقير اهل البيت واستشعار محبتهم واعلان فضيلتهم، لا يشذ عن ذلك الا جاهل أو محروم، ولا يجادل في ذلك الا شقي اثيم، يقول العلامة الشعراني في (المنن الكبرى): سمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه يقول: من حق الشريف عليتا ان نفديه بارواحنا لسريان لحم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودمه الكر يمين فيه بضعتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وللبعض في الاجلال والتعظيم والتوقير ما للكل، وحرمة جزئه صلى الله عليه وسلم كحرمة جزئه حياعلى حد سواء). ويقول الامام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية): ومن اصول اهل السنة والجماعة انهم يحبون اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم (غدير خم): اذكر كم الله في اهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتى، اذكركم الله في اهل بيتي (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم للعباس عمه - وقد اشتكى إليه ان بعض قريش يجفو بني هاشم - (والذى نفسي بيده لا يومنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، وقال صلى الله عليه وسلم (ان الله اصطفى بنى اسماعيل، واصطفى من بني اسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قر يشا، واصطفى من قر يش بنى هاشم). وقال ابن تيمية في الفتاوي - وهم في الوصية الكبرى - مانصه (آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يحبب رعايتها، فان الله جعل لهم حقا في الخمس والفئ، وامر بالصلاة عليهم، مع الصلاة على رسول الله هفقال لنا: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد) - وآل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي واحمد بن حنبل وغيرها من العلماء رحمهم الله، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان الصدقة لا تحل لمحمد ولا لال محمد)، وقد قال الله في كتابه (انما يريد الله ليذهب عنكمم الرجس ويطهركم تطهيرا)، وحرم الله عليهم الصدقة لانها اوساخ الناس، وفي المسانيد والسنن ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس - لماشكا إليه جفوة قوم لهم - (والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من اجلي).

[ 70 ]

واورد ابن تيمية في (درجات اليقين) قوله صلى الله عليه وسلم (احبوا الله لما يغذوكم من نعمه، واحبوني لحب الله، واحبوا اهل بيتي لحبي)، وقال في اقتضاء الصراط: ان الحجة قائمة بالحديث، ثم قال: وانظرو الى عمر ابن الخطاب حين وضع الديوان، فبدا باهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في رسالة (راس الحسين)، عقب حديث: (والذى نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، فإذا كانوا افضل الخلق، فلا ريب ان اعمالهم افضل الاعمال، وقال في رسالة (فضل اهل البيت وحقوقهم) في الحث عن الاخذ عن العالم العادل الذي يقول الحق، ولا يتبع الا اياه: (ولهذا من يتبع النقول الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه واصحابه، وائمة اهل بيته، مثل الامام علي بن الحسين زين العابدين، قرة عين الاسلام، وابنه الامام ابي جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه الامام ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، شيخ علماء الامة)، الي غير ذلك من اقوال حكيمة تدل بوضوح على حب الامام ابن تيمية لاهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيرهم واجلالهم. ويقول ابن كثير في التفسير: ولا ننكر الوصاة باهل البيت، والامر بالاحسان إليهم واحترامهم واكرامهم، فانهم من ذرية طاهرة، من اشرف بيت وجد على وجه الارض، فخرا وحسبا ونسبا، ولا سيمااذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة، كما كان عليهم سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي واهل بيته وذر يته، رضي الله عنهم اجمعين (وانظر: شرف بيت النبوة في جلاء الافهام لابن قيم الجوزية، وذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى، للمحب الطبري). بقيت الاشارة الى الجدل الذي يثيره بعض اهل العلم حول (تو قير اهل البيت)، وقد انقسموا الى فرق ثلاث ففرقة: تحب اهل البيت بلا جدال، وتعتقد ان هذا الحب حق لهم على غيرهم، ولا يكمل ايمان المسلم الا به، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم (والله لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولقرابتكم مني)، وهذه الفرقة هي الفرقة الموفقة، وقليل ما هم، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون والائمة المجتهدون، وقد قال الامام الشافعي في اهل البيت معربا ومعبرا عن حبه لهم (انا

[ 71 ]

من شيعة اهل البيت حتى قيل كيت وكيت)، واما الفر قة الثانية فهي التي ادعت لنفسها النسب الشريف، ووضعت نفسها بين اهله، وتخلصت من عب ءالحب لاهله، فهي لا ترى لاحدهم فضلا يزيد على فضلها، وشرفا زائدا على شر فها، والفرقة الثالثة: هم المتنصلون المتأولون الذين اولوا الايات والاحاديث الواردة في حق اهل البيت، فمثلا آية (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)، يرون انه لا شاهد فيها على حب اهل البيت ومودتهم، ولو كان ذلك كذلك، لكان من جنس الاجر على الرسالة، وكان آخر الاية ينا قض اولها، فانتقت بذلك دلالتها على حبهم ومودتهم وموالا تهم، كما اولوا الاحاديث الواردة في حب آل النبي باحد امرين: الواحد، ان يتهم الحديث بانه من خلفات الشيعة، وهذا النوع محكوم عليه بالوضع وبالتالي لا يدخل فيما يسمى بالحديث، وفي معناه الحديث الضعيف عندهم، ومن ثم لا تقوم به حجة، وبالتالي فلا يلزمهم اعتباره والعمل بمقتضاه، علما بان العلماء ذهبوا الى ان الحديث الضعيف يعمل بمقتضاه في المناقب وفضائل الاعمال بشروط خمسة، منها ان يعتقد صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ان يكون له اصل يعضده بان يكون مندرجا تحت اصل عام، ومنها الا يشتد ضعفه حتى يلحق بالموضوعات ومها لا يعارضه حديث خاص، ومنها ان يعمل به في المناقب وفضائل الاعمل، ولا ريب في ان حب اهل البيت منقبة عظيمة، والحديث الضعيف صالح للدلالة عليها، واما الامر الثاني: إذا ورد عليهم حديث صحيح مسلم، قالوا خير الاحاد ولا يلزم العمل به، والحديث الذي تقوم به الحجة هو المتواتر، وهكذا يتنصلون بهذه التأويلات من موالاة اهل البيت، وبالتالي يسلبون انفسهم حلاوة الايمان، ويصبحون في تا ويلاتهم اشبه بعلماء بني اسرائيل). هذا وقد ذهب العلماء المجتهدون الى ان حب اهل البيت من قضائل الايمان، بل يتجاوزها الى حدود الواجب كما يدل على ذلك صريح كثير من الاحاديث الشريفة، التي سبقت الاشا رة إليها، واما غلاة المتنصلين فيذهبون الى انه ان كان حب اهل البيت امرا مشروعا، فهذه عبادة لهم، اشبه بالعبادة الوثنبة، وقد حرم القرآن عبادة غير الله، فلا يستحق احد منهم، فيما يزعمون، حقا على

[ 72 ]

غيره، ويجعلون الحي والميت من اهل البيت في ذلك سواء، سيما وهم يشددون النكير على الاولياء الاموات من اهل البيت وغيرهم، ويصورون ذلك للسذج من النعامة من ان زيارة القبور كعبادة الوثنية، ملبسين عليهم وغير مفرقين في ذلك بين الز يارة الشرعية والبدعية، وحجتهم في ذلك يقيمونها لهم من انفسهم هي انهم يقاطعون زيارة كل ولي، مع التنفير من زيارته، ومن عجب ان بعضهم اعتمد على ابن تيمية في را يهم هذا، مع ان ابن تيمية يقول في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) ما خلاصته: ان زيار ة قبور المسلمين على وجهين شر عية وبد عية، والشرعية ما قصد منها الدء للميت، لما يقصد بالصلاة على جنازة الدعاء له، فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، وكان النبي صل الله عليه وسلم يصلي على جنابر المسلمين ويقف على قبورهم، ومن ثم كان الصلاة على الموتى والقيام على قبورهم في السنبة المتواتر ة تشريعا منه صلى الله عليه وسلم لامته، كما كان صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرجل من امته يقف على قبره ويقول: سلوا له التثبت فانه الان يسال)، هذا فضلا عن زياراته لاهل البقيع بالمدينة وشهداء احد، وفي صحيح مسلم عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مومنين، وانا ان شاء الله بكم لا حقوق)، وهكذا يبدو واضحا ان كلام ابن تيمية لم يقل بمقاطعة زيارة اولياء الله من المسلمين والدعاء لهم، وانما اولئك الغلاة الذين يشدون النكير على من يزور اولياء الله من غير ان يبينوا لهم الوجه المشروع من غيره في زيارة اولياء الله وغيرهم من المسلمين، بل لبسوا عليهم وكر هوا لهم كل من يتر ددالى زيارة قبور المسلمين وصوروهم لهم بانهم عبدة اوثان وحرموهم من اجر سنة صحيحة متواتر ة عن النبي صلى الله عليه وسلم. 3 - طهار ة اهل البيت اوصى النبي صلى الله عليه وسلم امته باهل بيته وساواهم بالقرآن، ففي الحديث (اني تارك فيكم الثقلين، اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، ثم قال واهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي.. ثلاثا)، وذلك لان اهل البيت، سلاسة الحسن والحسين، ابني

[ 73 ]

الزهراء انما هم بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الانبياء الذي اصطفاه من اطهر المناقب واعرق الاصول، وتعهد نوره في الاصلاب الطاهرة الى الارحام الطاهرة، من لدن آدم حتى حملته امه، ما تشعبت شعبتان الا وكان صلى الله عليه وسلم في خيرهما شعبة، ولا افتر قت فرقتان الا وكان صلى الله عليه وسلم في اكر مهما فرقة، ومن ثم كان اهل البيت، سلالة النبي صلى الله عليه وسلم، اهل الحسب والنسب، والطهر والشرف، لا يلوثهم رجس ولا ينا لهم دنس، فلقد طهر هم الله فضلا منه وكرما ثم دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذى لا ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحي، فقال (اللهم هؤلاء اهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). ويقول العارف با لله محي الدين أبو عبد الله محمد بن عربي في الفتوحات الملكية: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا محضا قد طهره الله تعالى واهل بيته تطهيرا، واذهب عنهم الرجس، يقول تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، اهل البيت يطهركم تطهيرا)، فلا يضاف إليهم الا مطهر، ولا بد فان المضاف إليهم هو الذى يشبههم، فما يضيفون لا نفسهم الامن له حكم الطهار ة والتقديس، واهل البيت هم المطهرون، بل هم عين الطهار ة، فهذه الاية (الاحزاب 33) تدل على ان الله تعالى قد شرك اهل البيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى في سورة الفتح (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، فطهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمغرة مما هو ذنب نالسنة الينا، لو وقع منه صلى الله عليه وسلم لكان ذنبا في الصور ة، لا في المعنى، لان الذم لا يلحق به على ذلك من الله تعالى، ولا منا شرعا، فلو كان حكمه حكم الذنب من المذمة، ولم يكن يصدق قوله تعالى: (ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهر كم تطهيرا)، ومن ثم فقد دخل الشرفاء اولاد فاطمة عليهم السلام كلهم الى يوم القيامة في حكم هذه الاية من الغفران، فهم المطهرون باختصاص من الله تعالى، وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله سبحانه به، وبالتالي فينبغي لكل مسلم مومن بالله وبما انزله ان يصدق الله تعالى في قوله (ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهر كم تطهيرا) فيعتقد في جميع ما يصدر من اهل البيت، رضي الله عنهم، ان الله تعالى

[ 74 ]

قد عفا عنهم، ولا ينبغى لمسلم ان يلحق المذمة، ولا ما يشنا اعراض من قد شهد الله تعالى بتطهيرهم واذهاب الرجس عنهم، ليس ذلك بعمل عملوه، ولا بخير قدموه، بل هو سابق عناية واختصاص الهي (ذلك فضل الله يوتيه من يشاء الله ذو الفضل العظيم). على ان هذا الشرف لاهل البيت لا يظهر الا في الدار الاخرة، فانهم يحشرون مغفورا لهم، واما في الدنيا فمن اتى منهم حدا اقيم عليه لقوله صلى الله عليه وسلم (لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وقد اعاذها الله من ذلك، وطهر ها تطهيرا، ويقول المقريزي في كتابه (معرفة ما يجيب لال البيت النبوي من الحق على من عداهم) ما رواه الحاكم في المستدرك، في حديث معاو ية بن هشام عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان فاطمة احصنت فر جها فحرم الله ذريتها على النار)، وما رواه الحافظ محب الدين الطبري في (ذخا ئر العقبي في مناقب ذوي القربي)، واخرجه الملا في سيرته من حديث حصين بن عمران قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سالت ربي ان لا يدخل النار احدا من اهل بيتي فاعطانا ذلك)، وفي رواية اخرى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: (ان الله غير معذبك ولا ولدك) (رواه الطبراني والهيثمي)، وما رواه الحافظ الدمشقي من حديث علي بن ابي طالب رضى الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا فاطمة: تدرين لم سميت فاطمة ؟ قال علي رضى الله عنه، لم سميت، قال: ان الله عزوجل قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة)، وقد رواه الامام علي بن موسى الرضا)، بسنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الله فطم ابنتي فاطمة وولدها ومن احبهم من النار)، وما رواه النسائي والمحب الطبري عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان ابنتي فاطمة حوراءاذا تحض ولم تطمث، وانما سماها فاطمة لان الله عروجل فطمها ومحبيها من النار). ويقول المقريزي، نقلا عن العلامة نجم الدين سليمان الطوفي في (الارشادات الالهية في المباحث الاصولية)، ان الشيعة قد احتجت بقوله تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) على ان اهل

[ 75 ]

البيت معصومون، ثم على ان اجماعهم حجة، اما انهم معصومون، فلانهم طهورا، واذهب الرجس عنهم. كل من كان كذلك فهو معصوم، اما الاملي فلنص الاية (الاحزاب 33)، واما الثانية فلان الرجس اسم جامع لكل شر ونقص، والخطا وعدم العصمة بالجملة شر ونقص، يندرج تحت عموم الرجس الذاهب عنهم بنص الاية وبالتالي تكون لهم الاصابة في القول الفعل والاعتقاد، والعصمة بالجملة ثابتة لهم، فضلا عن ان الله الله طهركم واكد تطهيرهم بصيغة المصدر، فقال (ويطهر كم تطهيرا)، ثم اكد عصمتهم من الكتاب والسنة، في الامام علي وحده، وفي فاطمة عليها السلام وحدها، وفيهم جميعا، اما دليل العصمة من الامام علي، فقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم لما ارسله الى المن قاضيا، قال (يا رسول الله: كيف تبعثني قاضيا ولا علم لي بالقضاء، قال: اذهب فان الله سيهدي قلبك ويسدد لسانك، ثم ضرب صدره وقال (اللهم اهدقلبه وسدد لسانه)، قالوا: قد دعا له بهداية القلب وسدد اللسان، واخبره بانه سيكونان له، ودعاوه مستجاب، وخبره حق وصدق، ونحن لا نعني بالعصمة لا هداية القلب للحق، ونطق اللسان بالصدق، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا اوما يلازمه فليذكره. واما دليل العصمة في فاطمة عليها السلام، فقوله صلى الله عليه وسلم (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويوذيني ما اذاها) (اخرجه البخاري ومسلم)، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم، فبضعته، اي جزوه، والقطعتة منه يجب ان تكون معصومة، واما دليل العصمة فيهم جميعا (علي وفاطمة والحسن والحسين) فقوله صلى الله عليه وسلم (اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله، عتر تي اهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) (رواه التر مذي) ووجه دلالته انه لازم بين اهل بيته والقرآن المعصوم، وما لازم المعصوم فهو معصوم، قالوا: وإذا ثبت عصمة اهل البيت وجب ان يكون اجماعهم حجة لامتناع الخطا والرجس عليهم بشهادة السمع المعصوم، والالزم وقوع الخطافيه، وانه محال، واعترض الجمهور بان قالوا: لا نسلم ان اهل البيت في الاية من ذكرتم، بل هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، واما ما اكدتم به عصمتهم من السنة فاخبار آحاد لا تقولون بها، مع ان دلالتها ضعيفة، واجاب الشيعة بان الدليل على

[ 76 ]

ان اهل البيت في الاية من ذكرنا (علي وفاطمة وولداهما) فثابت بالنص والاجماع (وقد ذكرنا ذلك من قبل عند تحديدنا لاهل البيت) واما خبر الاحاد فقال الشيعة عنه: اننا اكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة لكم، فنحن اوردنا ها الزامالا استدلالا، على ان الراي عند (الطوفي) ان اية الاحزاب 33 (آية التطهير) ليست نصا ولا قاطعا في عصمة آل البيت، وانما قصا راها انها ظاهرة في ذلك بطريق الاستدلال الذي حكيناه عنهم. ولعل من الاهمية بمكان الاشارة الى اننا سق ان اشرنا من قبل الى دخول ابناء فاطمة البتول في حكم آية التطهير (الاحزاب 33) من الغفران، فهم المطهرون اختصاصا من الله، وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله به، ويذهب بعض العارفين الى ان حكم هذه النسبة لاهل البيت تكون في الدار الاخرة فانهم يحشرون مغفورا لهم، قال تعالى: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم (الرعد 24) قال سعيد بن جبير: يدخل الرجل الجنة فيقول ابن ابي اين امي اين زوجي، فيقال لهم لم يعولوا مثل عملك، فيقول كنت اعمل لي ولهم، فيقال لهم ادخلوا الجنة)، ويقول ابن عباس: ان الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في اهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هولاء، فدل على عنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل، ولا فائده للتبشير والواعد الا بهذا، إذ كل مصلح في عمله قد وعد دخول الجنة، وبدهي انه إذا جاز ان يكرم الله تعالى عباده المومنين بالذين عملوا بطاعته، ونهوا انفسهم عن مخالفته بان يدخل معهم الجتة من اهاليهم وذوي قربا هم من كان مومنا قد قصر في عبادة ربه، وخالف بعض ما نهى عنه، بطريق التبعية لهم، لا انهم قد استحقوا تلك المنازل بما اسلفوا من الطا عات في الدنيا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المر سلين وامام المتقين، لولي بهذه الكرامة ان يدخل الله تعالى عصاة ذر يته الجنة، تبعا له، ويرضى عنهم برضاه عنه صلى الله عليه وسلم. وروى ابن جرير في تفسيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الله ليرفع ذرية المومن إليه في در جته، وان كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرا (والذين آمنوا واتبعنا هممم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذرياتهم

[ 77 ]

وما التناهم من عملهم من شئ) (الطور 21) قال: ما انقصنا الاباء بما اعطيناه للبنين). ويستخلص المقريزي من ذلك بان الله تعالى إذا اكرم المومن لا يمانه، فجعل ذريته الذين لم يستحقوا در جته معه في الجنته لتقصيرهم، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم اكرم على ربه تبارك وتعالى من ان يهين ذر يته بادخالهم النار في الاخرة، وهو عزوجل يقول في آل عمران (آية 192) (انك من تدخل النار فقد اخزيته)، بل من كمال شرفه صلى الله عليه وسلم ورفيع قدره وعظيم منزلته عند الله عز وجل ان يقر الله عينه بالعفو عن جرائم ذر يته، والتجاوز معا صيهم، ومغفرة ذنوبهم، وان يدخلهم الحنة من غير عذاب، كما يستخلص المقريزى كذلك من قوله تعالى في الاية 82 من الكهف (واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا)، انه إذا صح ان الله سبحانه وتعالى قد حفظ غلامين بصلاح ابويهما وما ذكر عنهما صلاحا، رغم ان بينهما سبعتة أو تسعة آباء، فيكون قد حفظ الاعقاب برعاية الاسلاف، وان طالت الاحقاب، ومن ذلك ما جاء في الاثر من ان حمام الحرم من حمامتين عششتا على فم الغار الذي اختفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك حرم حمام الحرم، فانا ذلك كذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم احرى واولى واحق واجدر، ان يحفظ الله تعالى ذريته، فانه امام الصلحاء، وما اصلح الله فساد خلقه الا به، ومن جملة حفظ الله تعالى لاولاد فاطمة ان لا يدخلهم النار، وقد روى الامام احمد والطيالسي عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال (ما بال اقوام يزعمون ان رحمي لا تنفع، والذي نفسي بيده ان رحمي لموصولة في الدنيا والاخرة). 4 - تحريم الصدقة على اهل البيت بلغت كرامة اهل البيت عند الله ان حرم عليهم الصدقات، وان احل لهم الهدايا، شانهم في ذلك شان جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، لان الصدقات اردان الناس واوزارهم، وهم، رضي الله عنهم، الطارهمن المطهرون، وقد اورد

[ 78 ]

السيوطي في الخصائص الكبرى عدة احاديث في هذا المعنى، منها ما اخر جه مسلم واحمد عن المطلب ان ربيعة ين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ان هذه الصدقات انما هي اوساخ الناس، وانها لا تحل لمحمد ولا آل محمد)، واخرج ابن سعد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (ان الله حرم علي الصدقة وعلى اهل بيتي)، واخرج الطبراني عن ابن عباس قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الارقم الزهري على السعاية (جمع الصدقات) فاستتبع ابا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا ابا رافع ان الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد) (اخرجه احمد وابو داود من حديث ابي رافع، وفيه قال: ان الصدقة لا تحل لنا، وان مولى القوم من انفسهم)، واخرج ابن سعد عن عبد الملك بن المغيرة قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا بني عبد المطلب: ان الصدقة اوساخ الناس فلا تأكلوها ولا تعملوا عليها)، واخرخ مسلم وابن سعد عن المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: (جئت انا والفضل بن العباس، فقلنا يا رسول الله: جئنا لتومرنا على هذه الصدقات، فسكت ورفع راسه الى سقف البيت حتى اردنا ان نكلمه، فاشارت الينا زينب من وراء حجابها كأنها تنهانا عن كلامه واقبل فقال: ان الصدقة لا تحل لمحمد ولالال محمد، انما هي اوساخ الناس)، وروى احمد في مسنده عن الحسن بن علي قال: اخذت تمرة من تمر الصدقة فتركتها في فمي، فنزعها صلى الله عليه وسلم بلعابها، وقال: (انا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)، وفي رواية اخرى عن ابي هريرة انه صلى الله عليه وسلم قال: كخ كخ.. ارم بها، (اما شعرت انا لا ناكل الصدقة). وهكذا يحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذين الحديثين الاخيرين على تو جيه الحسن الى التسامي بنفسه، كما حرص في الاحاديث السا بقة على توجيه آل بيته، الى المكانة اللائقتة باهل البيت الذين يذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فتكون ايديهم هي العليا، يعطون ولا يا خذون، ويتصدقون ولا يتصدق عليهم، لان مقام اهل البيت با لنسبة الى غيرهم، مقام النجوم في السماء من اهل الارض، ولا يليق باهل البيت ان ياكلوا من الصدقات لا نها ملوثة بذنوب الناس. بها يتطهرون من هذه الذنوب، قال تعالى في الاية (103) من التوبة (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).

[ 79 ]

هذا ويقول العلماء لما كانت الصدقة اوساخ الناس، فقد نزه منصبه الشريف عن ذلك على آله صلى الله عليه وسلم بسببه، هذا الى ان الصدقة انما تعطى على سبيل الترحم المبني على ذل الاخذ، ومن ثم فقد ابدلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز والشرف المبني عن عجز الاخذ، وذل اماخوذ منه. هذا ويجمع العلماء على ان الزكاة وصدقة التطوع لا تحل له صلى الله عليه وسلم، واما اهل البيت فتحرم عليهم الزكاة، وتحل لهم صدقة التطوع، وان راى بعض الملائكة انها تحرم تحرم عليهم كذلك، وهو الاصح فيما نرى، ويذهب (الثوري) الى ان الصدقة لا تحل لال محمد، فرضها ونقلها، وكذا مواليهم لا ن موالي القوم منهم، وقال (مالك) تحل لمواليهم، وقال أبو يوسف، صاحب ابي حنيفة، لا تحل لال محمد صدقة غيرهم، وتحل لهم صدقة بعضهم على بعض، هذا وقد ذهب الامام احمد الى تحريم الصدقة على ازواج النبي، دون مواليهم، ولكنها تحرم على موالي آل محمد، لقوله صلى الله عليه وسلم (مولى القوم منهم)، ذلك لان تحريم الصدقة على ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الاصالة، كال النبي، وانما حرمت عليهم تبعا لتحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم، والتحريم على المولى فرع التحريم سيده، ولما كان التحريم على اهل البيت اصلا، استتبع ذلك التحريم على مواليهم، ولما كان التحريم على ازواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعا، لم تحرم على مواليهم لانه فرع عن فرع، وقد ثبت في الصحيح ان (بريرة) مولاة عائشة رضي الله عنها قد تصدق عليها بلحم فا كلته، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم عليها، بينما حرم صلى الله عليه وسلم الصدقة على مولاه ابي رافع، وقال له: (ان الصدقة لا تحل لنا، وان مولى القوم منهم). 5 حق اهل البيت في الغنائم خص الله سبحانه وتعالى اهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بسهم في الغنية، قال تعالى في الاية (41) من الانفال (واعلموا انما غنمتم من شئ فان الله خمسه ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) وقد اتفقت المذاهب الاسلامية على ان المراد بالقربى انما هي قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وان اختلفوا فيمن ياخذه من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فذهب فريق الى انه للامام علي وفاطمة الزهراء وولديهما الحديث ابن

[ 80 ]

عباس قال قيل يا رسول الله: (من قرا بتك الذين امرنا بمودتهم، فقال: علي وفاطمة وابناهما)، وقد جاء في تفسير البيضاوي مثل ذلك، على ان هناك من يرى ان سهم ذي القربى انما يصرف لكل بني هاشم، وكذا بني المطلب، الذين آزر وابني هاشم في الجاهلية وفي اول الاسلام، ودخلوا معهم في شعب ابي طالب، غضبا لرسول الله وحماية طالب عم له، فعل ذلك مسلمهم طاعتة لله ولرسوله، وفعله كافرهم حمية للعشرة، وطاعتة لابي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، واما بنو عبد شمس ونوفل، وان كانوا بنبي عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك بل حاربوهم ونابذوهم، وقال جبير بن مطعم بن عدي: مشيت انا وعثمان بن عفان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يارسول الله: عطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة (اي جمعيعهم ابناء عبد مناف) فقال صلى الله عليه وسلم (انما بنو هاشم وبنوا المطلب شئ واحده)، رواه مسلم، وفي بعض روايات هذا الحديث (انهم لم يفارقونا في جاهلية ولا اسلام، وفي رواية البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: ان جبير بن معطم اخبره قال: مشيت انا وعثمان بن عفان الى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: اعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتر كتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك، فقال: (انما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد، قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا) وهذا قول جمهور العلماء: انهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقال ابن جرير وآخرون انما هم بنو هاشم، وروى عن مجاهد انه قال: علم الله ان في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة وفي رواية عنه انه قال: هم قراية رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة وروى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبت لكم عن غسالة الايدي لان لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم). هذا وقد اختلف العلماء في الغنيمة فهي عند السنة ما اخذه المسملون من المشركين بالحرب والقتال وهي عند الشيعة الامامية ما اخذه المسلمون من المشركين بالحرب والقتال والاغازة على بلاد الشرك، بل ويلحق بها المعادن التي يجدها الانسان في ارضه والكنز المدفون لم يعرف صاحبه وما يستخرج من البحر

[ 81 ]

وكل ما يفضل عن مؤنة الانسان سواء اكتسبه بالصناعة أو الزراعة أو التجارة كل ذلك يجب فيه الخمس عند الشيعة، هذا وقد ذهب اهل السنة الى ان المراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من الناس من بني هاشم أو غيرهم وقال الشيعة تقتصر على الهاشميين وذهب الشافعي وابن حنبل الى ان الغنيمة تقسم الى خمسة اسهم، سهم للرسول صلى الله عليه وسلم ويصر على مصالح المسلمين وسهم يعطي لذوي القربي أغنياء كانوا ام فقراء والبافي لليتامى والمساكين وابن السبيل وذهب أبو حنيفة الى ان سهم الرسول سقط بموته صلى الله عليه وسلم اما ذو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم واما مالك فالراي عند ان يرجع امر الخمس الى الامام يقسمه حسب ما يراه من المصلحة واما الراي عند الشيعة فان الاسهم الثلاثة (سهم الله والرسول وذو القربى) فيفوض امرها الى الامام أو نائبه يضعها حسب ما يراه من المصلحة واما الاسهم الثلاثة الباقية فتعطى لايتام بني هاشم ومساكينهم وابناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم. 6 - الامام الحجة من اهل البيت يقول عبد الرحمن بن الجوزي في صيد الخاطر ان الله لا يخلى الارض من قائم له بالجنة جامع بين العلم والعمل عارف بحقوق الله تعالى خائف منه فذلك فطب الدنيا ومتى مات اخلف الله عوضه، وربما لم يمت حتى يرى من يصلح للنيابة عنه في كل نائبه، ومثل هذا لا تخلوا الارض منه فهو بمقام النبي صلى الله عليه وسلم في الامامة وهذا الذي اصفه يكون قائما بالاصول، حافظا للحدود ولما كان اهل البيت ورثة لانبياء الله ورسله على مر القرون وكر العصور في الدفاع عن شريعة الله والحفاظ على ملته من اعدائه الضالين المضلين يردون كل ضلالة، ويمحقون كل بدعة ينادون الناس الى السنن التي اندثرت ويدعونهم الى الاداب والفضائل التي هجرت ويحفظون للاسلام قدسيته فلقد اخرج الملا في سيرته وابن حجر في صواعقه انه صلى الله عليه وسلم قال: في كل خلف من امتى عدول من اهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين الا وان ائمتكم وفدكم الى الله عزوجل فانظروا من تفدون هذا وقد اوصى النبي صلى الله عليه وسلم

[ 82 ]

بملازمة الهداة المهتدين من أئمة أهل البيت، والاقتداء بهم، والاخذ عنهم، لانهم بحكم فطرتهم السليمة كما يقول الاستاذ حسين يوسف، وسريان دم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دمائهم، وروحه في أرواحهم، أقرب إلى التوفيق والسداد، وأبعد عن الغرض والهوى، ولذلك نهى الرسول عن إغفالهم أو التقدم عليهم، لانهم الاعلى مقاما، والاصفى إسلاما وإيمانا، وفي نفس الوقت حذر من التخلف عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني تاريك فيكم أمرين، لن تضلوا إن اتبعتتموهما، وهما كتاب الله، وأهل بيتي عترتي، إني سألت ذلك لهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم "، وقوله صلى اللهع ليه وآله وسلم " لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " إشارة إلى أنهم بفطرتهم هداة مهتدون، بموجب كونهم الاطهر حسبا ونسبا، والاتقى روحا وقلبا، والله تعالى يقول: (واتقوا الله ويعلمكم). وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله يقبض في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي يعلم أمتي الدين "، وأخرج أبو إسماعيل الهروي من طريق حميد بن زنجوية قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمور دينهم "، ويقول الحافظ السيوطي إن الوراية المقيدة بقوله " من أهل بيتي "، وإن كانت غير معروفة السند، فإن أحمد أوردها بغير إسناد ولم يوقف على إسنادهما في شئ من الكتب ولا الاجزاء الحديثية، غير أنه في غاية الظهور من حيث المعنى، فإن القائم بهذا المنصف الشريف جدير بأن يكون من أهل في العبادة الظاهرة، وأحسن أخلاقا وأزكى نفسا، وقد ذهب البعض إلى أن آل البيت محفوظون من الكبائر بعناية الله، فقد فطرهم على حبه وحب طاعته، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام. وذهب قوم إلى أن القطب في كل عصر، لابد وأن يكون من أهل البيت النبوي الشريف، وإن رأى أبو العباس، كما نقل عنه تلميذه ابن عطاء، أن

[ 83 ]

القطب قد يكون من غيرهم، ولكن قطب الاقطاب لا يكون إلا منهم، لانهم أزكى الناس أصلا، وأوفرهم فضلا، غير أن القطب من شأنه غالبا الخفاء وعدم الظهور، فإذ لم يوجد في الظاهر من أهل البيت من يصلح للاتصاف بالقطبية، حمل على أنه قام بذلك رجل منهم في الباطن، وأما القائم بتجديد الدين فلا بد أن يكون ظاهرا حتى يسير علمه في الافاق، وينتشر في الاقطار، وهنا يفترض " ابن أبي بكر الشلي " في كتابه " المشرع الروي " أن المناصب الثلاثة، وهي: الخلافة الظاهرة وهي القيام بأمر الامامة، ثم الخلافة الباطنة وهي القطبية، ثم منصب تجديد الدين على رأس كل مائة سنة، لا يقوم بها إلا رجل من أهل البيت، ولكن ما المراد بأهل البيت هنا، يجيب ابن أبي بكر، بأنه إن أراد صلى الله عليه وسلم بقوله " رجل من أهل بيتي " أي من سائر قريش، كما هوا لمراد بالخلافة الظاهرة، اتسع الامر، وربما أراد صلى الله عليه وسلم بذلك ما هو أعم من أهل البيت بالنسب، فقد صح أن مولى القوم منهم، غير أن هناك من اشترط أن يكون القطب من ذرية الامام الحسين على وجه الخصوص، وهنا ربما كان رأى أبي العباس المرسي من أن القطب قد يكون من غير آل البيت، على أن يكون قطب الاقطاب منهم، ربما كان مقبولا إلى حد ما، وإن رجح ابن أبي بكر الشلي الاكتفاء بمطلق أهل البيت في القطبية أو أن يكون من أهل البيت من جهة الام. 7 - أهل البيت: أهل البلاء والاصطفاء كرم الله أهل البيت وطهرهم من الرجس والاهواء والمطامع، ومن ثم فقد اصطفاهم لحماية دينه ونشر هداتيته، وفي نفس الوقف فقد ارتضاهم محلا لبلائه وهدفا لقدره وقضائه ليضرب بهم للناس أروع المثل في التضحية، والناس معادن، " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا " وأهل البيت، رضوان الله عليهم، بحكم صلتهم بأشرف خلق الله، هم أصدق الناس إيمانا، وأرسخهم يقينا، وأعرقهم أصلا، وأشرفهم حسبا ونسبا، ومن ثم فهم أؤلى الناس بمواقف الشرف والبلاء، والبطولة والفداء، وأجدرهم بالصدق عند اللقاء، والصبر في البأساء والضراء، ولهذا كانوا أقرب الناس إلى البلاء، تخليدا لذكراهم، وإعلاء

[ 84 ]

لشأنهم وتلك السنة سنة الله في خلقه، روى البخاري وأحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل، يبتلى المرء على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الارض وما عليه خطيئة ". ومن ثم فقد كان تاريخ آل النبي الكرام البررة يفيض بالمآسي والالام بما تتفطر له القلوب وترتجف له الاحلام، غير أن ذلك لم يزدهم إلا مكانة عند الله، وحبا عند الناس، حتى أصبح ذلك الحب هو الفطرة التي فطر الله عليها عباده المؤمنين، لانه حب في الله، ولله الذي بعث جدهم صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وبعثه للناس كافة هاديا ومبشرا ونذيرا، فأحبه المسلمون وأحبوا أهل بيته، عملا بوصيته صلى الله عليه وسلم، فلقد أخرج ابن سعد والملا في سيرته والمحب الطبري في الدخائر " استوصوا أهل بيتي خيرا، فإني أخاصمهك عنهم غدا وومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار "، وأخري الخطيب في التاريخ عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: شفاعتي لامتي من أحب أهل بيتي "، وروى الديلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أثبتكم على الصراط، أشدكم حبا لاهل بيتي "، وفي نفس الوقت حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من كراهية أهل بيته وإيذائهم، فلقد أخري ج الديلمي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إشتد غضب الله على من آذاني في عترتي "، وروى أحمد والطبراني عن أبي هريرة قال: نظر رسول الله صلى الله عليه إلى علي والحسن والحسين وفاطمة، صلوات الله عليهم، فقال: " أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم "، وأخرج الامام أحمد مرفوعا: " من أبغض أهل البيت فهو منافق "، وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحب أهل البيت إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق " وأخرج الحاكم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه " لا يبغضنا أهل البيت أحد، إلا أدخله الله النار "، وأخرج القاضي عياض في الشفاء ما حاصله " من سب أبا أحد من ذريته صلى الله عليه وسلم ولم تقم قرينة على إخراجه صلى الله عليه وسلم قتل ".

[ 85 ]

وروى أن الامام الحسن رضي الله عنه خطب في أيامه في أحد مقاماته فقال، كما جاء في تاريخ المسعودي، " نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني: كتاب الله فيه تفصيل كل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمعول عليه في كل شئ، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإن طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولى الامر مقرونة (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول.. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، وأحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم (لا غالب لكم اليوم من الناس فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لاترون " فتلقون للرماح أزرا، وللسيوف جزرا، وللعمد خطأ، وللسهام غرضا، ثم لا ينفع نسفا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، والله أعلم ". وروى أن الامم علي، كرم الله وجهه في الجنة، اعتل فأمر ابنه الحسن رضي الله عنه أن يصلي بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا اختار له نقيبا ورهطا وبيتا، فوالدي بعث محمدا بالحق نبيا لا ينتقص من حقنا أحد، إلا نقصه الله من عمله مثله، ولا تكون علينا دولة، إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين ". ومع ذلك كله وغيره، فإن كتب التاريه إنما تمتلئ بقصص محن أهل البيت التي بدأت في أعقاب عهد الخلافة الراشدة، ومنذ بداية عهد الامويين، ويحدثنا المؤرخون وأصحاب السير، أنه في أثناء حكم معاوية وولده يزيد، وف ولاية الحجاج على العراق، كان سبيل من يتهم بحب آل البيت القتل أو الضرب أو السجن أو التشريد، حتى أتى على الناس حين من الدهر، يقال فيه للرجل إنه زنديق أو كافر، أحب إلى من أن يقال له شيعي، ورغم ذلك فقد ازداد الناس إيمانا وتمسكا بحبهم وولائهم للعترة الطاهرة، ويحكي المؤرخون أن معاوية بن أبي سفيان قتل خلقا كثيرا ممن أبى أن يلعن الامام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، أو يبترأ

[ 86 ]

منه أو عارض مبدأ اللعن والبراءة نفسه، وأكبر الظن أن الامام علي كان على علم بما يلحق شيعته بعد وفاته، فقال لهم: ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني، فلا تتبرأوا مني، فإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآلسه وسلم ". ومع ذلك فقد فضل جماعة القتل على سب الامام والبراءة منه، بل فضلوا القتل على سماع المس بمقام الامام، منهم عمرو بن الحمق الصحابي الجليل، فقتله معاوية وبعث برأسه إلى امرأته فوضعت الرأس في حجرها، وقالت لرسول معاوية سترتموه عني طويلا، وأهديتموه لي قتيلا، فأهلا وسهلا من هدية غير قالية ولا بمقلية وروى اليعقوبي في تاريخ أن الصحابي الجليل عمرو بن الحمق الخزاعي كان من أصحاب حجر بن عدي الذين لا يسكتون على سب الامام علي على منبر الكوفة، فأمر معاوية عامله زياد بن أبيه أن يقبض عليهم ويشخصهم إليه في دمشق، فهرب عمرو بن الحمق وعدة معه إلى الموصل، وبلغ عبد الرحمن بن أم الحكم، وكان عامل معاوية على الموصل، مكان عمرو بن الحمق الخزاعي، ورفاعة بن شداد، فوجه في طلبهما، فخرجا هاربين، وعمرو بن الحمق شديد العلة، فلما كان في بعض الطريق لدغت عمرا حية، فقال: الله أكبر، قال لي رسول اله صلى الله عليه وسلم يا عمرو، ليشترك في قتلك الجن والانس، ثم قال لرفاعة: إمض لشأنك فإني مأخوذ ومقتول، ولحقته رسل عبد الرحمن بنأما لحكم فأخذوه وضرت عنقه، ونصبت رأسه على رمح، وطيف به، فك، ان أول رأس طيف به في الاسلام، وقد كان معاوية حبس امرأته بدمشق، فلما أتي رأسه بعث به، فوضع في حجراه، فقالت للرسول: أبلغ معاوية ما أقول: طالبه الله بدمه، وعجل له الويل من نقمه، فقد أتى أمرا فيا، وقتل برا نقيا، وكان أول من حبس النساء بجرائر الرجال. ومنهم " حجر بن عدي " أو " حجر الخير "، كما كان يدعي، وكان صحابيا جليلا، كثير الصلاة والصيام، زاهدا محبا لال بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ساءه أن يشتم والي الكوفة الامام علي على المنبر فكان يرد عليه، فقبض عليه زياد وأرسله إلى معاوية، وهناك في مرج عذراء، على مبعدة 20 كيلا من دمشق، وصل رسول معاوية،

[ 87 ]

وكان أعورا، فقال لحجر: " إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لابي تراب (وهو لقب أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي، وكان أحب الاسماء إلى علي) وقتل أصحابك، إلا أن ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم (أي الامام علي) (1) وتتبرأوا منه، فقال حجر وجماعة من أصحابه: إن الصبر على حد السيف لا يسر علينا مما تدعونا إليه، ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيه، أحب إلينا من دخول النار، وأجاب نصف أصحابه إلى البراءة من علي، وقتل حجر وألحق به من وافقه على قوله من أصحابه " وكان حجر أول من قتل صبرا في الاسلام، وقد هال قتل حجر بن عدي الكثير منا لناس، وعلى رأسهم السيدة عائشة رضي الله عنها وحين اجتمعت بمعاوية قالت له: يا معاوية 6 أقتلت حجرا وأصحابه فأين غرب حلمك عنهم، أما أني سمعت رسسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات "، وكان محمد بن سيرين المسلمين كانوا يرون في حجر: المسلم الصادق الامر بالمعروف والناهي عن المنكر، قضى شهيدا في سبيل الجهر ما خلع طاعة وما فارق جماعة، وإنما أنكر على الولاة لعنهم خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روي أن حجرا أوصى عند قتله " لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما، فإني الاقي معاوية غدا على الجادة " وقيل إن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول " يومي منك يا حجر طويل " (ثلاث مرات)، ولكن الناس على الاساء يحيون، فإذا ما ماتوا انتبهوا، وقيل إن الناس كانوا يقولون: إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي، وقتل حجر بن عدي، ودعوة زياد، وروى عن الحسن البصري أنه قال، فيما يروى الطبري، " أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه منهن واحدة، لكانت موبقة: إنتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة


(1) روى الامام أحمد في المسند والفضائل والحاكم في المستدرك والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الثلاثة وأبو يعلى والنسائي في الخصائص عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم، فقلت سبحان الله أو معاذ الله، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سب عليا فقد سبني ". (*)

[ 88 ]

وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجرا، ويلاله من حجر، ويلا له من حجر ". ويروى ابن أبي الحديد في أول الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة ما ملخصه: أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى عماله: " برئت الذمة ممن يروي شيئا في فضائل علي وأهل بيته، وأن لا يجيزوا لاحد من الشيعة شهادة، وأن يمحو كل شيعي من ديوان العطاء وينكلوا به ويهدموا داره، وامتثل العمال أمر سيدهم فقتلوا الشيعة وشردوهم وقطعوا الايدي والارجل وسملوا الاعين وصلبوهم على جذوع النخل "، ولعل من أقس ولاة معاوية زياد ابن أبيه، وعامله على البصرة سمرة ابن جندب، والذي يروي المؤرخون كالطبري وابن الاثير أنه قتل أكثر من مثمانية الالف، ولما سأله زياد: أخاف أن تكون قتلت بريئا ؟ فقال: لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت وقال أبو السوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن ". واستمر معاوية حتى آخر أيامه يحاول جاهدا طمس فضائل آل البيت بعامة، والامام علي بخاصة، فقد روي أن معاوية قال لعبد الله بن عباس - حبر الامة وترجمان القرآن وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم - قد كتبنا إلا الافاق عن ذكر مناقب علي، فكف لسانك، فقال ابن عباس: أتنهانا يا معاوية أن نقرأ القرآن، قال معاوية: لا، قال ابن عباس: أتنهانا عن تأويله (أي تفسيره)، قال معاوية نعم، قال ابن عباس: أنقرأه ولا نسأله عما أراد الله بكلامه، وأيهما أؤجب علينا، قراءه القرآن أو العمل به، فقال معاوية: العمبل به، قال ابن عباس: ك يف نعمل به ونحن لا نعلم ما عني الله، قال معاوية: سل عن تفسيره غيرك وغير آل بيتك، قال ابن عباس: نزل القرآن على أهل بيتي، فنسأل عنه آل أبي سفيان، أتنهانا يا معاوية أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام، إن الامة إذا لم تسأل عن القرآن وتعمل به هلكت، قال معاوية: إقرأوا القرآن وفسروه، ولكن لا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك، قال ابن عباس: إن الله يقول (يريدون أن يطفئوا

[ 89 ]

نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) قال معاوية: " يا ابن عباس إربع على نفسك، وكف لسانك وإن كنت لا بد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية "، ثم رجع معاوية إلى بيته وبعث إلى ابن عباس بمائة ألف درهم، ونادى مناديه " أن برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته ". وزاد الطين بلة، أن ابتدع معاوية بدعة خسيسة دنيئة، حيث أقام هو وخلفاؤه من بعده من بني أمية منابر يتناوب عليها الخطباء في سب سيدنا الامام علي، كرم الله وجهه في الجنة، وآل البيت الطاهرين المطهرين، وفي افتراء الاباطيل للنيل من الامام والزراية عليه، وظلوا على ذلك طيلة عهد دولتهم، إلا أيام عمر بن عبد العزيز، فلما نالوا من ذلك منالا، ولا حولوا أحدا من حب الامام علي وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، على تعاقب الزمان واختلاف العصور، يقول أبو جعفر الاسكفاي في " نقض رسائل العثمانية للجاحظ "، فكان الامويون لا يألون جهدا في طول ملكهم أن يخمدوا ذكر علي، عليه السلام، وولده، ويطفئوا نورهم، ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم، ويحملون الناس على سبهم ولعنهم على المنابر، والعياذ بالله، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، فكانوا بين قتيل وأسير وشريد وهارب ومستخف، وخائف مرتقب، حتى أن الفقيه والمحدث والقاص والمتكلم، ليتقدم إليه، ويتوعد بغاية الابعاد وأشد العقوبة، ألا يذكر شيئا من خصائصهم، ولا يرخصوا لاحد أن يطيف بهم، وحتى بلغ من تقية المحدث إذا ذكر حديثا عن علي بن أبي طالب عليه السلام، كنى عن ذكره فقال: قال رجل من قريش، وفعل رجل من قريش، ولا يذكر عليا عليه السلام، ولا يتفوه باسمه. ومن ذلك - مثلا - ما يرويه الحاكم في المستدرك عن مالك بن بن دينار قال: سألت سعيد بن جبير فقلت: يا أبا عبد الله من كان حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال فنظر إلي وقال: كأنك رخي البال، فغضبت وشكوته لاخوانه من القراء، فقلت ألا تعجبون من سعيد: إني سألته من كان حامل رأية رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر

[ 90 ]

إلي وقال: إنك لرخي البال، قالوا: إنك سألته وهو خائف من الحجاج، وقد لاذ بالبيت فسله الان، فسألته فقال: كان حاملها علي رضي الله عنه، هكذا سمعته من عبد الله بن عباس. ويبدو لي في أكبر الظن، أن معاوية لم يعد يأبه بأحد في تطاوله على الامام علي وأهل البيت الطاهرين، حتى أعرف الناس به والامام علي من أكابر الصحابة، روي أن معاوية حج فمر بالمدينة فدعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - أحد العشرة المبشرين بالجنة وبقية أصحاب الشورى، وكان قد اعتزل الفتنة، ولم يبايع عليا - وأخذا بأطراف الحديث، وغر معاوية إقبال سعد عليه، فشرع في سب الامام علي، وقال لسعد: ما يمنعك أن تسب أبا تراب، فبان الغضب في وجه سعد، وقال في حدة: أجلستني على سريرك وشرعت في سب علي، والله لان يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، والله لان أكون صهرا للنبي صلى الله عليه وسلم لي من الولد ما لعلي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، والله لان يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لي ما قال له يوم خيبر: لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، ليس بفرار بفتح الله على يديه، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، والله لان يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لي ما قاله يوم غزوة تبوك: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي "، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، لا أدخل عليك دارا بعد اليوم، ثم نقض سعد رداءه وخرج ". وروى الامام مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب (يعني الامام علي) فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسوله الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لان تكون لي واحدة منهم أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يارسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه

[ 91 ]

لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال فتطاول لها، فقا: ادعوا لي عليا، فأتى به رمد فبصق في عينه، ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما نلت هذه الاية: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ". وزاد الضغط أضعافا بعد معاوية، حيث حدثت في عهد ولده يزيد كارثة كربلاء، فكانت كارثة الكوارث، ووصمة العار الابدية في جبين الامة الاسلامية، وقتل فيها من أهل البيت الطاهر المطهر ثمانية عشر شابا، بخلا سيد الاشباب أهل الجنة وسبط الرسول صلى الله عليه وسلم، سيدنا ومولانا الامام الحسين، عليه السلام وكلهم من أبناء فاطمة الزهراء، بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما على وجه الارض يومئذ لهم شبيه، وكاد نسل النبي صلى الله عليه وسلم في ذرية الحسين يستأصل، لولا نجاة الامام على زين العابدين، من القتل، غير أن عدالة السماء اقتضت أن ترد كيد ابن معوية في نحره، فانقرضت ذرية يزيد، ولم يبق له عقب، رغم أنه كان له من البنين خمسة عشر، ومن البنات خمس، ومن المؤلفم أنه ما تكاد الكارثة المروعة تنتهي، بل ما يزال الامام الحسين سيد الشهداء بالعراء صريعا وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا، وذريته مقتلة، حتى يصعد ابن الدعي، عبيد الله بن زياد منبر الكوفة فخطب فقال " الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب بن الكذاب، الحسين بن علي، وشيعته، فلم يفرغ من كلمته هذا حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الازدي، فقال له: يا ابن مرجانة، إن الكذاب بن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه، يا ابن مرجانة، أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين فقال عبيد الله: من المتكلم، قال ابن عفيف: أنا يا عدو الله، أتقتون الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وتزعم أنك علي دين الاسلام، واغوثاه، أين أولاد المهاجرين والانصار ينتقمون من هذا اللعين بن اللعين، فقال ابن زياد للشرطة: علي به، غير أن قومه حالوا بينه وبين الشرطة وأوصلوه إلى داره، ولكن الشرطة اقتحمت عليه داره، ولم يكن فيها إلا

[ 92 ]

الرجل وابنته الصغيرة، فلما أحست بهم صاحت: يا أباه أتاك القوم، فقال لها 6 ناوليني سيفي، وكان قدفقد عينيه مع الامام علي، الواحدة يوم الجمل، والاخرى يوم صفين، فأخذ السيف يذب به عن نفسه ويهوي به بقوة على الحركة، حتى قبض عليه وأخذ إلى ابن زياد الذي سأله: ما تقول في عثمان، فقال له: ما أنت وعثمان، سلني عنك وعن أبيك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: لتذوقن الموت غصة غصة فقال: الحمد لله الذي رزقني الشهادة على يد ألعن خلقه بعد ما يئست منها ". وأرسل ابن زياد بالرؤوس والسبايا من آل محمد صلى الله عليه وسلم من النساء والاطفال بغير وطاء في ذل وانكسار والرؤوس على الرماح، إلى يزيد بن معاوية في دمشق، وروى أنهم لما دخلوا دمشق برأس الامام الحسين أخرجت زينب بنت الحسين رأسها من الخباء، وهي تقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنت آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم ولما دخلوا على يزيد، أقبل قاتل الحسين، ووضع الرأس الشريف بين يدي يزيد في طست فجعل ينكثه على ثناياه بالقضيب، روى أن ابن زياد قد فعل ذلك في الكوفة، وسواء فعل ذلك أحدهما أو كلامهما، فكلا الرجلين أسوأ من الاخر، وكل منهما يفوق الاخر في جريمته النكراء، وأن يوم كربلاء، العاشر من محرم عام 61 ه‍ (10 أكتوبر 680 م) سوف يظل يوما أسودا لا في تاريخ الدولة الاموية فحسب، بل في تاريخ المسلمين قاطبة، وأن نتائجه كانت أخطر مما تصور المعاصرون، وقد حدث أثناء لقاء يزيد بالسبايا من آل البيت ما يدلنا إلى أي درك أسفل من الانحطاط والجهالة بالدين وصل القوم ذلك أن رجلا لئيما من جلساء يزيد عندما رأى السيدة فاطمة بنت الامام علي قام إلى يزيد فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه، وكانت ذات جمال وجلال، فأرعدت السيدة فاطمة، وظنت أن ذلك جائز له، وأخذت بثياب أختها العقيلة الطاهرة السيدة زينب، وكانت من العقل والفقه ما تعلم أن ذلك لا يجوز شرعا، فقالت: " كذبت والله ولؤمت، ما ذلك

[ 93 ]

لك وله، فغضب يزيد، وقال إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت، قالت كلا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالت زينب، بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي، إهتديت أنت وأبوك وجدك، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت أنت أمير مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك "، وهكذا يبدو واضحا مدى علم من وضعته الاقدار على رأس المسلمين بسلطانك "، وهذكا يبدون واضحا مديعلم من وضعته الاقدار على رأس المسلمين وبطانته، فهما لا يعلمان أن طلبهما لا يقره الاسلام، ويزيد خليفة المسلمين يكفر الامام علي والامام الحسين والاول بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة مرات، والثاني سيد شباب أهل الجنة، ثم تأخذه العزة بالاثم فيتطاول على العقيلة الطاهرة ويصفها بالكذب وبأنها عدوة الله، وهي بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة بنته فاطمة الزهراء التي فطمها الله وولدها ومن أحبهم من النار، ولكن ما ذا نقول وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. هذا ويكاد كثير من الباحثين يجمعون على أن الامويين قد نكلوا بآل البيت أخذا بثارات بدر وأحد، لان الامام علي قتل في هاتين الغزوتين شيوخ بني أمية وساداتهم، ويستشهدون على ذلك بقول يزيد عندما قتل الامام الحسين ووضع رأسه الشريف بين يديه: ليت أشياخي ببدر شهدوا جذع الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل وليس ببعيد أن يتذكر يزيد الحفائظ والحروب القديمة بين الرسول صلى الله عليه وسلم جد الحسين، وجده أبي سفيان وبين الامام علي أبي الحسين وبين أبيه معاوية، وأن ينطق بكلمة التشفي والحقد، ولكن الباعث الاول على الفجيعة هو نظام الجور وعهد الاب للابن بالخلافة وجعلها حقا موروثا، فها هو ذا معاوية لا يكتفي باغتصاب الخلافة، ثم لا يرغب، وهو على وشك لقاء ربه في التكفير عن خطئه، تاركا أمر المسلمين للمسلمين، بل يمعن في تحول الاسلام إلى ملك غضوض وإلى

[ 94 ]

مزرعة أموية، فيأخذ البيعة ليزيد بالذهب والسيف، قال بعض من ندبه معاوية لهذا الامر: أيها الناس، أمير المؤمنين هذا (مشيرا إلى معاوية) فإن مات فهذا (مشيرا إلى يزيد) فمن أبى فهذا (مشيرا إلى السيف)، وهكذا يتربع يزيد على عرش أبيه بعد وفاته، فيهمل أمر المسلمين ويعكف على اللهو بفهوده وقرود حتى يقلب " يزيد القرود " ثم يسلط من قواده ورجاله من ينزلون بالعباد والبلاد، من الهول ما يخجل الشيطان نفسه من اقترافه، فابن زياد في الكوفة والبصرة يحز رأس كل من تسول له نفسه أن يقول " لم " ثم يقتل أبناء الرسول وأحفاده وآل بيته في كربلا قتلا تناهى في البشاعة والرجس، فضلا عن الخسة والدناءة، ومسلم بن عقبة مبعوث يزيد إلى المدينة المنورة، دار الهجرة، ووطن الانصار، وعاصمة الاسلام يصنع بها وبأهلها من الوحشية والجريمة ما يتعاظم كل وصف، فقتل من الصحابة ومن غيرهم خلق كثير، ونهبت المدينة واستبيحت ثلاثة أيام، وافتضت فيها ألف عذراء فيما يقولون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (رواه مسلم)، وحتى مكة بمسجدها الحرام يرسل إليها " يزيد القرود " من يستبيحها، ويستبيح البيت الحرام، ثم حين يختفي بيت أبي سفيان بموت يزيد، ويسطو على الخلافة بين مروان، وهو شعبة أخرى، وامتداد آخر للامويين، يظهر الحجاج لبشر الخراب والدمار والقتل في كل مكان باسم الامويين، وفي سبيل دعم ملكهم. وهكذا قتل الحجاج على حب أهل البيت ألوف الرجال، وفيهم الصحابي والتابعي والفقيه والزاهد والمحدث، منهم على سبيل المثال الفقهية الزاهد سعيد بن جبير، فلقد قال له الحجاج يوما: أعلي في الجنة أم في النار ؟ فلم يجب سعيد بغير البكاء، فأمر الحجاج بإحضار الذهب والفضة وقال لسعيد: أتحب أن لك شيئا منه، قال سعيد: لا أحب ما لا يحبه الله، ولما يئس الحجاج من أن يستمله بالمال أمر بقتله، فقال سعيد: أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال الحجاج أقتلوه، فضحك سعيد، فقال الحجاج ما يضحكك، قال: جرأتك على الله وحلمه عليك، ولما قتل سعيد، قال الحسن البصري: والله لو اشترك أهل

[ 95 ]

المشرق والمغرب في قتله لاكبهم الله على وجوههم في النار، وكان الحجاج يرى سعيد في المقام قابضا على تلابيبه ويقول يا وعد الله، فيما قتلتني، فيستيقظ مذعورا ويصيح مالي ولسعيد) ويروى الشعبي انه كان بواسط فحضر صلاة العيد مع الحجاج فدعاه وقال له: هذا يوم اضحى وقد اردت ان اصحى يرجل من العراق واحب ان تسمع لقوله لتعلم اني اصيب الرأى فيما افعل، فقلت ايها الامير كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضحى بكبش فاستن انت بسنته، قال: إذا سمعت ما يقول صوبت رأيي فلما احضروه فإذا هو (يحيى بن يعمر) فاغتممت غما شديدا ثم قال له الحجاج: انت فقيه اهل العراق، قال يحيى انا من فقائهم قال الحجاج كيف زعمت ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يحيى: ما انا بزاعم ذلك، بل قائله بحق، قال الحجاج واي حق، قال يحيى: كتاب الله نطق بذلك قال لعلك تريد قوله: (فمن حاجك من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (آية المباهلة) وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج للمباهلة ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة، قال يحيى وانها والله لحجة بليغة، ولكني مع ذلك لا احتج بها قال ان جئت بغيرها من كتاب الله فلك عشرة الاف درهم، والا قتلتك وكنت في حل من دمك، قال يحيى نعم وتلا الاية 84 - 85 من الانعام (ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى.... والياس كل من الصالحين) فترك كلمة (وعيسى) فقال الحجاج (ومن عجب انه كان حافظا للقرآن) واين تركت (عيسى) قال يحيى: ومن اين كان عيسى من ذرية ابراهيم ولا اب له، قال الحجاج من قبل امه مريم، قال يحيى: ايكون عيسى من ذرية ابراهيم بواسطة امه مريم، وبينها وبينه ما تعلم من الاجداد (ما يقرب من عشرين قرنا فيما نرى) ولايكون الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة امهما فاطمة وهي ابنته بلا واسطة، وكانما القم الحجاج حجرا، فقال: اعطوه عشرة الاف درهم لا بارك الله له فيها. وهناك ورواية اخرى للقصة، روى الحاكم في المستدرك عن عاصم بن بهدلة

[ 96 ]

قال: اجتمعوا عند الحجاج فذكر الحسين بن علي، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وعنده (يحيى بن يعمر) فقال له: كذبت ايها الامير، فقال: لتاتيني على ما قلت ببينة ومصداق من كتاب الله عزوجل أو لاقتلنك قتلا، فقال (ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى... الى قوله تعالى عزوجل: (وزكريا ويحيى وعيسى والياس) (الانعام آية 84 - 85)، فاخبر الله عزوجل ان عيسى من ذرية آدم بامه، والحسين بن علي من ذرية محمد صلى الله عليه وسلم بامه، قال: صدقت، قال فما حملك على تكذيبي في مجلسي، قال: ما اخد الله على الانبياء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال الله عزوجل: (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا)، فنفاه الى خراسان). ولتعرف أي نوع من الناس كان ينال الحظوة عند امرا المسلمين من عمال بني امية، فلنقراقصة الحجاج مع عبد الله بن هانئ، وهومن اود، حي من اليمن - كما رواها المسعودي - شهد مع الحجاج كل حروبه حتى تحريقه البيت الحرام، وكان من انصاره وشيعته، فاراد الحجاج ان يكافاه فزوجه من بنت اسماء بن خارجة الفزاري وبنت سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية، رغم انف ابويهما، فقال له الحجاج (يا عبد الله قد زوجتك بنت سيد بني فزارة وبنت سيد همدان وعظيم كهلان، وما اود هنالك، فقال عبد الله: لا تقل اصلح الله الامير ذلك، فان لنا مناقب ماهي لاحد من العرب، قال وماهي: قال: ماسب امير المومنين عثمان في نادلنا قط، قال والله هذه منقبة (ونحن نقول ذلك) وشهد منا صفين مع امير المومنين معاوية سبعون رجلا، وما شهدها مع ابي تراب الا رجل واحد، وكان والله ما علمته امر اسوء، قال وهذه والله منقبة، قال ومنا رجل تزوج امراة تحب ابا تراب ولا تتولاه، قال والله هذه منقبة، قال وما منا امراة الا نذرت ان قتل الحسين ان تنحر عشر جزائر لها ففعلت، قال هذه والله منقبة، قال وما منا رجل عرض عليه شتم ابي تراب ولعنه الافعل، وقال وازيدكم ابنيه الحسن والحسين وامهما فاطمة، قال وهذه والله منقبة، وقال وما احد من العرب له من الملاحة والصباحة مالنا ثم ضحك وكان دمياشديد الادمة مجدورافي راسه اعجرمائل

[ 97 ]

الشدق احول قبيح الوجه وحش المنظر)، هذا وقد استمر الحجاج في ايذاء اهل البيت والتنكيل بمحبيهم حتى كتب له عبد الملك بن مروان (جنبني دماء آل ابي طالب، فاني رايت الملك استوحش من آل حرب (معاوية وولده) حين سفكوا دماءهم)، فكان الحجاج يتجنبها خوفا من زوال الملك عنهم، لاخوفا من الخالق عزوجل. ويروي المسعودي في قتل الامويين لال البيت ان بنات مروان بن محمد (آخر خلفاء بني امية) دخلن على (صالح بن علي العباسي) يطلبن العفو عنهن، فقال صالح: انالن نستبقي منكم احدا رجلا ولا امراة، الم يقتل ابوكن بالامس ابن اخي ابراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في محبسه في حران، الم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وصلبه في كناسة الكوفة، وقتل امراة زيد بالحيرة، على يدي يوسف بن عمر الثقفي، الم يقتل الوليدبن يزيد بن عبد الملك، يحيى بن زيد وصلبه في خراسان، الم يقتل عبيدالله بن زياد الدعي، مسلم بن عقيل بن ابي طالب، بالكوفة، الم يقتل يزيد بن معاوية بن ابي سفيان، الحسن بن علي ابي طالب، على يدي عمربن سعد مع قتل بين يديه من اهل بيته، الم يخرج محرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حتى ورد بهن على يزيد بن معاوية، وقبل مقدمهن بعث إليه براس الحسين بن علي، قد ثقب دماغه على راس رمح يطاف به كور الشام ومدائنها حتى قدموا به على يزيد في دمشق، كانما بعث إليه براس رجل من المشركين، ثم اوقف حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف السبي يتصفحهن جنود اهل الشام الجفاة الطغام، ويطلبون منه ان يهب لهم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم استخفافا بحقه صلى الله عليه وسلم وجراة على الله عزوجل، وكفرا لانعمه، فما الذي استبقيتم منا اهل البيت، لو عدلتم فيه علينا). ومن عجب فان العباسيين لم يكونوا اقل قسوة وتنكيلا بال البيت من ولد الحسن والحسين من الامويين، فلقد لقي ابناء علي بن ابي طالب من بني عمومتهم العباسيين امرا نكرا، وان كان بعضهم كانوا على غيرذلك كالمأمون والمطيع، كما ان بني العباس، وهم من بني هاشم، لم ينزلوا الى الدرك الاسفل الذي نزل إليه

[ 98 ]

بنوامية حين لعنوا الامام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، ولعنوا بنيه الطاهرين المطهرين بني الزهراء، بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الامر الذي فعله الامويون جميعا، حاشا عمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. ويروي ابن الاثير قصة ترك عمربن عبد العزيز سب الامام في الجزء الخامس من الكامل فيقول: كان بنوامية يسبون امير المومنين علي بن ابي طالب، عليه السلام، الى ان ولي عمربن العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب الى العمال في الافاق بتركه، وكان سبب محبته عليا انه قال: كنت بالمدينة اتعلم العلم، وكنت الزم عبيدالله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، فبلغه عني شئ من ذلك، فاتيته يوماو هو يصلي، فاطال الصلاة، فقعدت انتظر فراغه، فلما فرغ من صلاته التفت الى فقال لي: متى علمت ان الله غضب على اهل بدر وبيعة الرضوان، بعد ان رضى عنهم، قلت: لم اسمع ذلك، قال: فما الذي بلغني عنك من علي، فقلت معذرة الى الله واليك، وتركت ماكنت عليه، وكان ابي إذا خطب فنال من علي، رضي الله عنه، تلجلج، فقلت: يا ابه انك تمضي في خطبتك، فإذا اتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا، قال: أو فطنت لذلك، قلت نعم، فقال: يا بني ان الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم، تفرقوا عنا الى اولاد، فلما ولي عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الامر العظيم لاجلها، فترك ذلك، وكتب بتركه، وقرا عوضه (ان الله يامر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، فحل هذا الفعل عند الناس محلا حسنا، واكثروا مدحه بسببه، فمن ذلك قول كثيرعزة: وليت فلم تشتم عليا ولم تخف بريا ولم تتبع مقالة مجرم تكلمت بالحق المبين وانما تبين آيات الهدي بالتكلم وصدقت معروف الذي قلت بالذي فعلت فاضحي راضيا كل مسلم الا انما يكفي الفتى بعد زيغه من اولاد البادي ثقاف المقوم فقال عمر، حين انشد هذا الشعر: افلحنا إذا.

[ 99 ]

8 - المهدي المنتظر من آل البيت شاءت ارادة الله سبحانه وتعالى، انه كما كانت نجاة العالم من ظلمات الجهلية على يد سيد أهل البيت سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وجود اهل البيت في الامة امانالهم من الخسف والنسف، فان صلاح العالم في آخر الزمان انما سيكون باذن الله على يد (المهدي) الذى يصطفيه الله من اهل البيت النبي الطاهرين المطهرين، والذي تواترت الاحاديث واستفاضت عن خروجه في آخر الزمان، ليملا الارض عدلا، كما ملئت ظلما وجورا، قال صلى الله عليه وسلم: (المهدي منا، يختم الدين بنا، كمافتح بنا) (رواه المحب الطبري في الصواعق المحرقة عن الطبراني) وقال: صلى الله عليه وسلم (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) (رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث ام المومنين ام سلمة) وروى عن الامام علي بن ابي طالب، كرم الله وجهه في الجنة، انه قال: (المهدي من ولد ابني هذا)، واشار الى الحسن. وروى الحافظ الذهبي في المنتقى عن المهدي: وعن علي انه نظرالى الحسن. فقال: سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملا الارض قسطا). ويقول الامام ابن تيمية: وقول امير المومنين (الامام علي، كرم الله وجهه في الجنة) في انه حسني، لاحسيني صريح، ذلك لان الحسن والحسين مشبهان من بعض باسماعيل واسحاق، وان لم يكونا نبيين ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (اعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ويقول: (ان ابراهيم كان يعوذ بهما اسماعيل واسحاق)، وكان اسماعيل هو الاكبر والاحلم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب على المنبر، والحسن معه على المنبر: (ان ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين)، فكما ان غالب الانبياء كانوا من ذرية اسحاق، فهكذا كان غالب السادة الائمة من ذرية الحسين، وكما ان خاتم الانبياء، الذي طبق امره مشارق الارض ومغاربها، كان من ذرية اسماعيل، فكذلك الخليفة الراشد المهدي، الذي هو آخر الخلفاء، يكون من ذرية الحسن. هذا ويقول اين تيمية في رسالة (فضل اهل البيت وحقوقهم): فاما المهدي

[ 100 ]

الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد رواه اهل العلم العالمون باخبار النبي صلى الله عليه وسلم، الحافظون لها، الباحثون عنها وعن رواتها، مثل ابي داود والترمذي وغيرهما، ورواه الامام احمد في مسنده، فعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث الله رجلا من اهل بيتي، يوطئ اسمه اسمي، واسم ابيه اسم ابي، يملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا) (اخرجه أبو داود، ومثله عنده، وعند الامام احمد عن الامام علي)، وعن ابي سعيد قال قال صلى الله عليه وسلم: (المهدي مني، اجلى الجبهة، اقني الانف، يملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين) (عون المعبود بشرح سنن ابي داود). وعن ابي سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون في امتي المهدي، ان قصر فسبع، والا فتسع، فتنعم فيه امتي نعمة لم ينعموا مثلها قط، توتي اكلها ولا تترك منه شيئا، والمال يومئذ كدوس (اي مجموع كثير) يقوم الرجل فيقول: يا مهدي اعطني، فيقول: خذ) (رواه ابن ماجة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثوا) (رواه احمد ومسلم عن جابر وابي سعيد). 9 حفظ ذرية النبي صلى الله عليه وسلم في اهل البيت اقتضت حكمة الله تعالى في خلقه، ورحمته بعباده، كما يقول الاستاذ حسين يوسف، ان تستمر باهل البيت ذرية سيد الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم الى يوم الدين، تشع بضيائها على العالمين، وترشد بهدايتها الضالين، روى ابن عساكر من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (كل نسب وصهر وينقطع يوم القيامة الا نسبي وصهري)، هذا وكما كانت بعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، بهداية الطائعين الى سواء السبيل، واثابتهم على ذلك، وتاخير العقاب عن العصاة والمكذبين، فكذلك، فان بقاء اهل البيت الطاهرين المطهرين رحمة للعالمين، لان نورهم من نوره صلى الله عليه وسلم وبركتهم من بركته، وكما ان الله تعالى قداختص رسوله صلى الله عليه وسلم بان لا يعذب امته ما دام فيهم، فقال تعالى في الانفال (وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم)، فكذلك فان الله تعالى، ببركة اهل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم لن يعذب الامة الاسلامية عذاب

[ 101 ]

الاستئصال، مادام فيهم اهل البيت، فهم المشوع المنبرة في الظلمات، والحصون التي يركن إليها في الملمات يجيرون كل من لاذ بحماهم، ويكرمون كل من نزل بساحتهم، وقد جاء في تفسير القرطبي عن ابن عباس انه قال: (لم يعذب اهل قرية حتى يخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون، ويلحقوا بحيث امروا)، فإذا كان وجود المومنين بقرية ما سبب رحمة لها، فكيف بوجود اهل البيت، وهم من خاصة المومنين وخيارهم، واقربهم الى الله ورسوله، وقد قال صلى الله عليه وسلم، فيما يروى الطبراني وابو يعلى من حديث سلمة ابن الاكوع، (النجوم امان لاهل السماء، واهل بيتي امان لامتي). هذا وقد اجمع المسلمون على ان الامامين الحسن والحسين، ابناء السيدة فاطمة من الامام علي، وذريتهما، رضي الله عنهم اجمعين، انما هم، كما يقول ابن قيم الجوزية في جلاء الافهام، ذرية النبي صلى الله عليه وسلم المطلوب لهم من الله الصلاة وذلك لان احدا من بناته لم يعقب غيرها، فمن انتسب الى النبي صلى الله عليه وسلم من اولاد بناته انما هم من اولاد السيدة فاطمة الزهراء، وهكذا اكرم الله تعالى الزهراء، عليها السلام، بان حفظ ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم في ذريتها، وابقى عقبه في عقبها، فهي وحدها دون بناته وبنيه، ام السلالة الطاهرة، والعترة الخيرة، والصفوة المختارة من عباد الله من امته صلى الله عليه وسلم، ذلك لان ابناء النبي الذكور ماتوا جميعا، وهم اطفال لم يشبوا عن الطوق، ولم يبلغوا الحلم بعد، واما بناته صلى الله عليه وسلم فلم يتركن وراءهن اطفالا، ما عدا السيدة زينب، رضي الله عنها، التي لم تنجب سوى علي الذي مات صغيرا، وامامة التي تزوجها الامام علي بعد الزهراء، بوصية منها، ولكنها لم تنجب له اولادا، ولم يبق من بناته الطاهرات غير الزهراء البتول، قد انجبت من الامام علي، الحسن والحسين (ومحسن الذى مات صغيرا) وام كلثوم وزينب الكبرى، الشهيرة بعقيلة بني هاشم، رضي الله عنهم اجمعين، ولم يكن لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب الا من الزهراء، واعظم بها مفخرة، وهكذا كان من ذرية الزهراء، من ابناء الحسن والحسين، جميع السادة الاشراف، ذرية سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 102 ]

وروى الطبراني والخطيب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم يبعث الله نبيا قط، الا جعل ذريته من صلبه غيري، فان الله جعل ذريتي من صلب علي، رضي الله عنه)، وروى الامام احمد والطبراني وابو يعلى والمحب الطبري ان عمربن الخطاب رضي الله عنه خطب الى علي بن ابي طالب رضي الله عنه ام كلثوم، فاعتل علي بصغرها، فقال: اني لم ارد الباه، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، ماخلا سببي ونسبي، وكل ولد اب فان عصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة، فانا ابوهم وعصبتهم)، واخرج الطبراني عن عمربن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني انثى فان عصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة، فاني عصبتهم، وانا ابوهم)، وعن فاطمة السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل بني انثى عصبة ينتمون إليه، الا ولد فاطمة، فانا وليهم وانا عصبتهم)، وروى الحاكم عن جابرانه صلى الله عليه وسلم قال: لكل بني ام عصبة، الا ابني فاطمة، فانا وليهم وعصبتهم). وعن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الناس من اشجار شتى، وخلقت انا وعلي بن ابي طالب من شجرة واحدة، فما قولكم في شجرة انا اصلها، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا اوراقها، فمن تعلق بغصن من اغصانها ساقه الى الجنة، ومن تركها هوى الى النار)، وفي رواية: (انا شجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، فالشجرة اصلها في جنة عدن، والاصل والفرع واللقاح والثمر والورق في الجنة)، وهكذا كان نسل فاطمة وعلي نسلا مباركا للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم انما كان يدعو الحسن والحسين ابنيه، فيقول صلى الله عليه وسلم في الحسن: (ان ابني هذا سيد)، واخرج الترمذي عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لفاطمة: (ادعي ابني فيشمهما ويضمهما إليه)، وروى الامام احمد والحاكم وابو نعيم والطبراني ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسين مني، وانا من حسين، احب الله من احب حسينا، حسين سبط من الاسباط)، هذا فضلا عن انه لما

[ 103 ]

نزلت آية المباهلة (آل عمران 61) دعاالنبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين وخرج للمباهلة، وقد اشرنا من قبل الى قصة الفقيه (يحيى بن يعمر) مع الحجاج الثقفي، كما جاءت عن الشعبي، وكما رواها الحاكم في المستدرك عن عاصم بن بهدلة، وكيف اثبت يحيى للحجاج من الايتين الكريمتين 84، 85 من الانعام، ان الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق امهما فاطمة الزهراء، كما ان عيسى بن مريم من ذرية ابراهيم، عن طريق امه مريم ابنة عمران، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.

[ 105 ]

القسم الثاني اليسدة فاطمة الزهراء قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة اهل نساء أهل الجنة (رواه البخاري) وقال صلى الله عليه وسلم (لفاطمة): اما ترضين ان تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المومنين. (رواه البخاري) وقال صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اغضبني (رواه البخاري).

[ 107 ]

الفصل الاول في رجاب النبي صلى الله عليه وسلم 1 - مولد الزهراء رزق النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه الطاهرة خديجة رضي الله عنها في مكة المكرمة بالزهراء في يوم الجمعة العشرين من جمادي الاخرة، وقريش تبني الكعبة، وذلك قبل البعثة بخمس سنين، فيما يرى كبار كتاب السيرة من امثال ابن اسحاق وابن هشام والطبري، وهي اصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت قريش قداعادت بناء الكعبة حوالي عام 606 م، فهذا يعني ان الزهراء قد ولدت عام 606 م (18 قبل الهجرة)، على ان هناك من يرى انها ولدت قبل البعثة بستة اشهر، وهناك وجه آخر للنظر يذهب الى ان الزهراء انما ولدت على ايام النبوة، وليس قبلها، فلقد روى الحاكم في المستدرك وابن عبد البر في الاستيعاب انها ولدت سنة احدى واربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، اي بعد البعثة بسنة (عام 611 / 612 م)، بل ان الشيخ الطوسي انما يذهب في مصباح المتهجد الى انها ولدت بعد المبعث بسنتين، بل ان هناك رواية تنسب الى الامام الباقر، تذهب الى ان مولد الزهراء عليها السلام، انما كان في العام الخامس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم (عام 614 / 615 م)، وهكذا اختلف العلماء في مولد الزهراء، وبالتالي فقد اختلفوا في سنهايوم زفت الى الامام علي، وفي سنهايوم ان انتقلت الى الرفيق الا على في الثالث من رمضان عام 11 ه‍ (اخريات عام 632 م)، على ان اكثر العلماء من اهل البيت يرون انها

[ 108 ]

ولدت قبل البعثة بخمس سنين، وقد روى ان العباس دخل على علي وفاطمة، رضي الله عنهم، واحدهما يقول للاخر: اينا اكبر، فقال العباس: ولدت يا علي قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت انت يا فاطمة، وقريش تبني البيت. وهكذا كان مولد الزهراء، عليها السلام، بشير سلام وامن لقريش جميعا، ذلك لان مولدها انما وافق اجتماع قريش لبناء الكعبة، ويحدثنا التاريخ ان القوم كادوا يقتتلون على من يحوز شرف اعادة الحجر الاسود الى مكانه، لولا حكمة سيد الاولين والاخرين، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بان وضع الحجر في ثوب، ثم امربان تأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم رفعوه جميعا، فلما بلغوا موضعه، وضعه بيده الشريفة ثم بنى عليه، وهكذا استبشر النبي صلى الله عليه وسلم بمولد الزهراء، إذ اقترن مولدها باقامة البيت الحرم وتجديده، دون ان تختصم قريش، ودون ان تتفرق كلمتها، وانما جمع الله شملها على يد ابي الزهراء في ايام مولد الزهراء، هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بمولدها قبل ان تولد، روى انه صلى الله عليه وسلم قال لزوجه خديجة: (يا خديجة هذا جبريل يبشرني انها انثى، وانها النسمة الطاهرة الميمونة، وان الله سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها ائمة من الامة، ويجعلهم خلفاء في ارضه)، ووضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهرة، فلما سقطت الى الارض اشرق منها نور حتى دخل بيوت مكة، ولم يبق من شرق الارض ولا غربها موضع الا اشرق فيه ذلك النور، وما ان عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بولادتها حتى سجد شكرا لله تعالى وقد الهم بانه سيكون منها سلالته وعترته فكانت احب ولده إليه، واقرهم لعينه. 2 - اسماء الزهراء حملت فاطمة الزهراء، عليها السلام تسعة اسماء هن: فاطمة والصديقة ولمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء كما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقبها ب‍ (ام ابيها) لحنانها عليه وحبها الدائم، واما اسمها الاول (فاطمة) فهو اسم لم يكن غريبا عند العرب فقد كانت زوج ابي طالب وام الامام

[ 109 ]

علي تسمى فاطمة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يناديها (يا اماه) وهناك فاطمة بنت حمزة سيد الشهداء، واسد الله ورسوله وهناك فاطمة بنت عتبة وغيرهن غير ان اسم فاطمة للزهراء انما كان له معنى خاصا، روى المحب الطبري في (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربي) فقال: اخرج الحافظ الدمشقي عن الامام علي، كرم الله وجهه في الجنة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: يا فاطمة، اتدرين لم سميت فاطمة ؟ قال علي: يا رسول الله لم سميت فاطمة ؟ قال ان الله عزوجل قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة)، وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان ابنتي فاطمة حوراء إذ لم تحض ولم تطمث، وانما سماها فاطمة لان الله عزوجل فطمها ومحبيها من النار). واما لقب (الزهراء) فلانها، كما يقول الاستاذ أبو علم، بيضاء اللون، وروى عن الامام جعفر الصادق عن ابيه الامام محمد الباقر عن ابيه الامام علي زين العادين قال: (سالت ابا عبد الله عليه السلام (اي مولانا الامام الحسين) عن فاطمة، لم سميت الزهراء ؟ فقال: لانها كانت إذا قامت في محرابها يزهو نورها لاهل السماء كما يزهو نور الكواكب لاهل الارض)، وروى انها، عليها السلام سميت الزهراء لان الله عزوجل خلقها من نور عظمته، وقيل انها حين وضعتها السيدة خديجة، رضي الله عنها، حدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم، وبذلك لقبت بالزهراء، وقل انها سميت الزهراء، لانها كانت لا تحيض، وكانت إذا ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها صلاة. واما لقب المحدثة فلان الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها، كما كانت تنادي مريم ابنة عمران، عليها السلام، ويحدثها روح القدس، واما القاب الصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية، فهي آيات على ما اتسمت به الزهراء، رضي الله عنها، من الصدق والبركة والطهارة والرضى والطمانينة. واما لقب (البتول) فذلك لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا، وقيل لانقطاعها عن الدنيا الى الله تعالى، وفي تاج العروس للزبيدي، لقبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبتول تشبيها لها بمريم في المنزلة عند الله تعالى، واما ثعلب

[ 110 ]

فالراي عنده انها سميت بالبتول لا نقطاعها عن نساء زمانها، وعن نساء الامة، فضلا ودينا، وحسبا وعفافا، وهي سيدة نساء العالمين، وقيل البتول من النساء المنقطة عن الدنيا الى الله تعالى، وبه لقبت فاطمة، رضي الله عنها، وعن عمر بن علي رضي الله عنهما، ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتول، وقد قيل له: سمعناك يا رسول الله تقول: مريم بتول، وفاطمة بتول، فماذاك فقال صلى الله عليه وسلم: (البتول التي لم ترحمرة قط) اي لم تحض، فان الحيض مكروه في بنات الانبياء، عليهم الصلاة. السلام، وفي الواقع فلقد كانت فاطمة الزهراء، عليها السلام، الى جانب انسانيتها، تحمل صفات الملائكة وصفات الحور العين، كانت انسانة، وكانت حوراء، أو هي (حوراء انسية). 3 - حياة الزهراء في مكة المكرمة ولدت الزهراء ونشات في بيت ربه محمد، وربته خديجة، واي اب في تاريخ الانسانية كلها، اعظم وانبل، واكرم واشرف من محمد صلى الله عليه وسلم، واي ام ارفق واحن. واشفق من خديجة رضي الله عنه، ثم سرعان ما اصبح هذا البيت، بيت النبوة والرسالة، ومهبط الوحي والتنزيل، وهكذا تأديب الزهراء بادب ابيها النبي الذي ادبه ربه فاحسن تأديبه، ومن ثم فقد كانت سيدتنا فاطمة الزهراء، المثل الاعلى في الخلق الكريم والطبع والسليم، وقدعني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عناية تامة، فكان يثقفها ثقافة اسلامية، ويروضها على الهدي النبوي، والصراط المستقيم، ومن ثم فقد نشات الزهراء نشاة كانت المثل الاعلى في الكمال والجلال، فهي انما تمثل اشرف ما في المراة من انسانية وكرامة وعفة وقداسة ورعاية الى ما كانت عليه من ذكاء وقاد، وفطنة حادة، وعلم واسمع، وكفاها فخرا انها تربت في مدرسة النبوة، وتخرجت في معهد الرسالة، وتلقت عن ابيها الرسول الامين صلى اله عليه وسلم ما تلقاه عن رب العالمين، وبدهي ان الزهراء تعلمت في دار ابويها، ما لم تتعلمه طفلة غيرها في مكة، بل وفي الدنيا كلها، وصدقت ام المومنين ام سلمة حيث تقول (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوض امر ابنته الي، فكنت اودبها وادلها، وكانت والله آدب مني، واعرف بالاشياء كلها)، اوليست هي يا ام المومنين بضعة رسول الله

[ 111 ]

اوليست هي (ام ابيها) كما كان يسميها سيد المرسلين، اوليست هي التي اصطفاها الله لتكون التيار الذي يحمل نور النبي صلى الله عليه وسلم عبر اسلاك الزمن، ولتضاء البشرية بعد ذلك من هذا النور الفياض، وصدق الاستذ العقاد، حيث يقول (في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة، يتخشع بتقديسها المؤمنون، كانماهي آية الله فيما خلق من ذكر وانثي، فإذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الاسلام، لا جرم، تتقدس صورة فاطمة البتول). كانت الزهراء، عليها السلام، اصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فما ان انتقلت السيدة خديجة، رضي الله عنها الى جوار ربها الكريم، راضية مرضية، حتى اصبحت الطفلة الصغيرة، فاطمة الزهراء، مسوولة عن رعاية ابيها والسهر عليه، ولكنه لم يكن ابا عاديا، وانما هو رسول الله الذي ارسله للناس كافة، ومن ثم فقد كان على الزهراء، وهي ما تزال صغيرة لا تكاد تتحمل مسوولية بيت ورعاية اسرة، فضلا عن ان يكون هذا البيت وتلك الاسرة، بيت محمد صلى الله عليه وسلم، تاخد نصيبها من من اعباء الدعوة، واثقال الرسالة، وسوف يكون لها ولزوجها، ولا بنائها وبناتها من بعدها، النصيب الاوفر، فلقد اخذت حتى الان نصيبها من الحصار الرهيب في شعب ابي طالب، حيث حصر اهلها من بني هاشم، ولمدة سنوات ثلاث، الا ان يسلموا اباها فتقتله قريش، وسوف تأخذ نصيبها من احداث الهجرة، وتنال حظها من خطوب (احد) والاحزاب، وسوف تشارك اباها كل ما يلاقيه من اذى قريش، وتقاسمه كل همومه، بقدر ما نالته من الحظوة عنده، والمكانة لديه. 4 - حياة الزهراء في المدينة المنورة هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ثم تبعته الزهراء وام كلثوم، وهناك روايتان عن هجرتهما، تذهب الاولى الى ان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث زيد بن حارثه وابا رافع، واعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم الى مكة، فقدما عليه بفاطمة وام كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجته، واسامة بن زيد، وامه ام ايمن، وتذهب الرواية الثانية

[ 112 ]

الى ان النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر الى المدينة نزل الى المدينة نزل في بني عمرو بن عوف في قباء، ومن هناك كتب الى على رضي الله عنه، مع ابي واقد الليثي، يامره بالقدوم إليه، فخرج علي بالفواطم (فاطمة الزهراء وفاطمة بنت اسد ام علي، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب) وام كلثوم، ومعه ايمن ابن ام ايمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو واقد الليثي، وسار الركب، وعلى راسه فتى الاسلام علي بن ابي طالب، حتى إذا ما كانوا على مقربة من (ضحنان) (وهي حرة بمكة على مبعدة 54 كيلا في طريق المدينة تعرف اليوم بحرة المحسنية) ادركهم الطلب، وهم ثمانية فرسان ملثمون، ومعهم مولى لحرب بن امية يدعى جناح، فقال علي لايمن وابي واقد: انيخا الابل واعقلاها، وتقدم فانزل النسوة ودنا القوم فاستقبلهم الامام، فقالوا: ظننت انك يا عذرا ناج بالنسوة، ارجع لا ابالك، قال علي: فان لم افعل، قالوا لترجعن راغما، أو لترجعن باكثرك شعرا (اي راسك) واهون بك من هالك ودنا الفوارس من المطايا ليثيروها، فحال علي بينهم وبينها، فاهوى له جناح بسيفه، فراغ علي عن ضربته، وضربه ضربة على عاتقه فقده نصفين حتى وصل السيف الى كتف فرسه، وشد على اصحابه، وهو على قدميه، فتفرقوا، ثم سار ظافرا حتى نزل منزلا بعد ضحنان، فبات فيه يومه وليله، ولحق به نفر من المستضعفين من المومنين، فيهم ام ايمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ساروا في طريقهم نحو المدينة حتى وصلوها بعد ايام، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصول اهل بيته، وانزل الزهراء وام كلثوم معه منزلا كريما على ام ايوب الانصارية الخزرجية امراة ابي ايوب الانصاري (خالد بن زيد النجاري) وهو ممن شهد العقبة وبدرا واحد والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مع الامام علي، ومن خاصته، وشهد معه الجمل وصفين وكان على مقدمته يوم النهروان. وبقيت الزهراء مع ابيها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت ابي ايوب، حتى اذاما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة القريشة بعد خديجة، واتخذ لها دارا بالمدينة، فانتقلوا جميعا الى تلك الدار، فكانت سودة تتولى الزهراء وتقوم بحاجتها، ثم تزوج نبي الله ام سلمة بنت امية المخزومية، فانتقلت الزهراء الى بيت ام سلمة رضي الله

[ 113 ]

عنها وهي صاحبة القول المشهور (تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوض الي امر ابنته فاطمة، فكنت اودبها وادلها، وكانت والله آدب مني، واعرف بالاشياء كلها)، الى ان بني بها علي رضي الله عنه فانتقل بها الى بيت مستقل في في موضع الزور، فخرج رسول الله صلى الله عله وسلم، وقد كان السلف الصالح ومن اقتدى بهم لا ينسون حظهم من الصلاة الى الاسطوانة التي خلف الاسطوانة المواجهة للزور، فانها كانت باب فاطمة التي كان يدخل إليها علي منها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ياتيه وياخذ بعضادتي الباب، ويقول (السلام عليكم اهل البيت، الصلاة الصلاة (ثلاث مرات) ثم يقرا (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا 5 - مشابهة الزهراء للنبي صلى الله عليه وسلم روى الحاكم في المستدرك بسنده عن انس بن مالك انه قال: سالت امي عن صفة فاطمة، رضي الله عنها فقالت: (كانت اشد الناس شبها برسول الله صلى الله عليه وسلم بيضاء مشربة بحمرة، لها شعر اسود يتعفر لها)) واخرج الامام احمد في مسنده عن انس بن مالك قال: (لم يكن احد اشبه برسول اللصلى الله عليه وسلم من الحسن ابن علي، وفاطمة، صلوات الله عليهم اجمعين). واخرج الترمذي عن عائشة ام المومنين قالت: (ما رايت احداشبه سمتاودلا هديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى عليه وسلم قالت: وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها واجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته في مجلسها)، واخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى عن ام سلمة قالت: كانت فاطمة بنت رسوالله صلى الله عيليه وسلم اشبه الناس وجها برسول الله صلى الله عليه وسلم وروى انها عندما وضعتها السيدة خديجة ورات في وليدتها الزهراء انها صورة من ابيها النبي الاعظم، سرها ذلك الشبه، وراته بركة من بركات الله عليها وعلى آل البيت الكرام. وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة، رضي الله عنها، قالت

[ 114 ]

(اقبلت فاطمة تمشي كان مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرحبا بابنتي، ثم اجلسها عن يمينه أو شماله... الحديث) وروى الامام مسلم في صحيحه بسنده عن عائشة قالت: (كن ازواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فاقبلت فاطمة تمشي ما تحطئ مشيتهامن مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا بابنتي، ثم اجلسها عن يمينه أو شماله... الحديث).

[ 115 ]

الفصل الثاني مع الامام علي 1 - زواج الزهراء بالامام علي يروي ان ابا بكر وعمر، رضي الله عنها، خطبا الزهراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لكل منهما: انتظر بها القضاء، أو قال: انها صغيرة، كما جاء في سنن النسائي عن بريدة رضي الله عنها قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انها صغيرة، فخطبها علي فزوجها منه)، وروى ابن الاثير في (اسد الغابة) ان الرسول صلى الله عليه وسلم لما رفض زواجها لابي بكر وعمر، قال عمر: انت لها يا علي، قال علي: فقمت اجر ردائي فرحا بما نبهت إليه، حتى اتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: تزوجني فاطمة، قال: أو عندك شئ، قلت: فرسي وبدني اي درعه، قال: اما فرسك فلا بد منها، واما بدنك فبعها، فبعتها لعثمان بن عفان باربعمائه درهم وثمانين، قال الزرقاني ثم ان عثمان رد الدرع الى علي فجاء بالدرع والدراهم الى المصطفى صلى الله صلى الله عليه وسلم فدعا لعثمان بدعوات، ولما جاء علي، بالدراهم الى النبي صلى الله عليه وسلم وضعها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقبض منها قبضة فقال: اي بلال، ابتغ لنا طيبا، وامرهم ان يجهزوها، وفي رواية اخرى عن الامام احمد عن عكرمة: ان عليا خطب فاطمة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها، قال: ما عندي ما اصدقها، قال: فاين درعك الحطمية التي كنت منحتك، قال: عندي، قال اصدقها اياها، قال: فاصدقها وتزوجها وجاء في انساب الاشراف للبلاذري: فباع بعيرا ومتاعا فبلغ من ذلك

[ 116 ]

اربعمائة وثمانين، يقال اربعمائة درهم، فأمره ان يجعل ثلثها في الطيب، وثلثها في المتاع، ففعل. وروى ابن عساكر عن انس انه قال: خطب علي فاطمة، بعد ان خطبها أبو بكر وعمر، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: (قد امرني ربي ان ازوجها منك)، وروى الطبراني مرفوعا برجال ثقات: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الله امرني ان ازوج فاطمة، من علي)، في طبقات ابن سعد: ان ابا بكر وعمر لما خطبا فاطمة، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هي للك يا علي لست بدجال) يعني لست بكذاب، لانه كان قد وعد عليا بها قبل ان يخطبها. وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيه الوحي، فلما افاق قال لي: يا انس اتدري ما جاء جبريل عليه السلام من صاحب العرش عز وجل، قلت بابي انت وامي، ما جاء به جبريل قال، قال لي: ان الله تبارك وتعالى يامرك ان تزوج فاطمة من علي) ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: انطلق وادع لي ابا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وبعدتهم من الانصار قال فانطلقت فدعوتهم، فلما اخذوا مجالسهم، قال صلى الله عليه وسلم بعد ان حمد الله واثنى عليه (ان الله جعل المصاهرة سببا لاحقا، وامرا مفترضا، اوشج به الارحام، والزم الانام، فقال عز من قائل: (هو الذي جعل من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربك قديرا)، فامر الله تعالى يجري الى قضائه، وقضاوه يجري الى قدره، ولكل قدراجل، ولكل اجل كتاب (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)، ثم ان الله تعالى امرني ان ازوج فاطمة بنت خديجة من علي بن ابي طالب، فاشهدوا علي اني زوجته على اربعمائة مثقال فضة، ان رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما وبارك لهما واطال نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة وامن الامة، اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم). قال انس: وكان علي، عليه السلام، غائبا في حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه فيها، ثم امر لنا بطبق فيه تمر، فوضع في ايدينا، فقال صلى الله عليه وسلم: انتبهوا، فبينما نحن كذلك، إذ اقبل علي، فتبسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا علي، ان الله امرني ان

[ 117 ]

ازوجك فاطمة، واني زوجتكما على اربعمائة مثقال فضة، فقال علي: رضيت يا رسول الله، ثم ان عليا خر ساجدا شكرا الله، فلما رفع راسه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((بارك الله لكما وعليكما، واسعد جدكما، واخرج منكما الكثير الطيب)، قال انس (ووالله لقد اخرج منهما الكثير الطيب، وروى الطبراني والخطيب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم يبعث الله نبيا قط، الا جعل ذريته من صلبه غيري فان الله جعل ذريتي من صلب علي رضي الله عنه) وارجع الاقوال ان هذا الزواج كان بعد الهجرة وقيل غزوة بدر، كان في رمضان (وربما في محرم أو صفر أو رجب) من السنة الثانية للهجرة، ومضى على هذا القران شهور ثلاثة، حتى إذ كانوا ذو الحجة من السنة نفسها، دخل علي بها وكان جهاز فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سريرامن الخوص مشدودا بالحبال ووسادتين حشوهما ليف، وبساط صوف، وجلد كبش يقلب على صوفه فيصير فراشا، واناء به سمن جاف يطبخ به، وقرية للماء، وجرة وكوزا، ورملا مبسوطا ورحاء أو رحاءين، وخفت بعض نساء الانصار الثريات فاهدين الزهراء ردائين جميلين للزفاف، وبعض حقاق من الطيب والعطور، واقرضنها بعض الحلي. ويروي ابن شهاب الزهري في المغاري ان رسول ا لله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: اني زوجت ابنتي ابن عمي، وانا احب ان يكون من سنة امتي اطعام الطعام عند النكاح، فات الغنم، فخذ شاة واربعة امداد أو خمسة فاجعل لي قصعة لعلي اجمع المهاجرين والانصار، وفي رواية اخرى ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يا علي، انه لا بد للعروس من وليمة) فقال احد اغنياء الانصار: عندي كبش، فاعده صاحبه، ودعا علي رهطا من المهاجرين والانصار واحضروا الطيب والزبيب والتمر فطعموا، ويروي الاستاذ أبو علم انه في ليلة الزفاف هذه، اتى الرسول صلى الله الله عليه وسلم ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة، وقال لفاطمة: اركبي فاركبها، وامر سلمان ان يقود بها، ومشى صلى الله عليه وسلم خلفها ومعه حمزه وبنو هاشم مشهرين سيوفهم وامر بنات عبد المطلب ونساء الهاجرين والانصاران يمضين في صحبة فاطمة، وان يفرحن ويرجزن ويكبرن ويحمدن، ولا يقلن مالا يرضي الله ونساء النبي صلى الله عليه وسلم معها، حتى

[ 118 ]

أو صلنهاالى بيت علي. واوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، الا يحدث شيئا حتى ياتيه، ثم جاءت العروس الطاهرة البتول، مع ام ايمن بركة الحبشة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقعدت فاطمة في جانب من البيت، وقعد علي في الجانب الاخر، ثم جاء ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اها هنا اخي، فقالت ام ايمن: بابي انت وامي يا رسول الله، اخوك، قال: علي بن ابي طالب، قالت وكيف يكون اخاك وقد زوجته ابنتك، قال: هو ذاك يا ام ايمن، وفي رواية قال نعم، اي هو كاخي في المنزلة والمواخاة، فلا يمتنع علي تزويجي اياه ابنتي)، هذا وكانت النساء قد انصرفن بعد الوليمة، غير ان النبي صلى الله عليه وسلم وجد امراة مع الزهراء، فسألها الرسول صلى الله عليه وسلم عمها يبقيها، قالت: انا التي احرس ابنتك، ان الفتاة ليلة بنائها (زفافها) لا بد لها من امراة قريبة منها، ان عرضت لها حاجة أو ارادت امرا افضت إليها بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم للمراة، وهي اسماء بنت عميس، فاني اسال الهي ان يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان الرجيم)، ثم دعارسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فغسل فيه يديه، ثم دعاعليا فجلس بين يديه فنضح على صدره من ذلك الماء وبين كتفيه، ثم دعا فاطمة فجاءت بغير خمار تعثر في ثوبها، ثم نضح عليها من ذلك الماء، ثم قال: ادخل باهلك باسم الله والبركة، وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم توضأ في اناء ثم افرغه على علي وفاطمة، ثم قال: اللهم بارك فيهما، وبارك لهما في شملهما، وفي رواية، وفي شبليهما، والشبل ولد الاسد، فيكون ذلك كشفا واطلاعا منه صلى الله عليه وسلم على ان الزهراء تلد الحسن والحسين، فاطلق عليهما شبلين. هذا وقد روى ان السيدة الزهراء بكت تلك الليلة، ربما لعلها تذكرت امها الراحلة السيدة الطاهرة ام المومنين خديجة، رضي الله عنها، فتمنت لو انها كانت معها في تلك الليلة الفريدة من العمر، واراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يطيب خاطرها، فاقسم لها انه لم يال جهدا ليختار لها اصلح الازواج، وما اختار لها الا خير فتيان بني هاشم، واضاف (والذي نفسي بيده قد روجتك فتى سعيدا في الدنيا، وانه في الاخرة لمن الصالحين) وفي رواية للحاكم في المستدرك: فقد انكحتك احب اهل

[ 119 ]

بيتي الي)، وفي رواية ثالثة (لقد زوجتك سيدا في الدنيا والاخرة، وانه لاول اصحابي اسلاما، واكثرهم علما، واعظمهم حلما) وعن ابن عباس قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اقبلت فاطمة وهي تبكي، فقال صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا فاطمة، قالت: يا رسول الله، عيرتني نساء قريش آنفا، زعمن انك زوجتني رجلا معدما، لا مال له، قال صلى الله عليه وسلم (لا تبكي يا فاطمة، فو الله ما زوجتك حتى زوجك الله تعالى من فوق عرشه، واشهد على ذلك جبريل وميكائيل)، وعن بلال بن حمامة قال: (طلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر، فقام عبد الرحمن ابن عوف فقال يا رسول الله: ما هذا النور، فقال صلى الله عليه وسلم بشارة اتتني من ربي في اخي وابن عمي وابنتي، فان الله زوج عليا من فاطمة، وامر رضوان خازن الجنان، فهز شجرة طوبى فحملت رقاعا، يعني صكاكا، بعدد محبي اهل بيتي، وانشا تحتها ملائكة من نور، ودفع الى كل ملك صكا، فإذا استوت القيامة باهلها، نادت الملائكة في الخلائق، فلا تلقى محبا لنا اهل البيت، الا دفعت له صكا فيه فكاكه من النار، فاخي وابن عمي وابنتي بهم فكاك رقاب رجال ونساء من امتي من النار). ولعل سائلا يتساءل: ما في هذا الزواج من الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص به الامام وحده، دون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودون غيره ممن تزوجوا من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ؟ من البدهي ان الصهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرف عظيم، وقد تزوج عثمان ابن عفان رضي الله عنه بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم (رقية وام كلثوم) فاكتسب بذلك لقب (ذي النورين)، كما تزوج أبو العاص بن الربيع من زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم غير ان الزواج من الزهراء امر آخر، ذلك لان الزهراء قد اخنصت من بين اخواتها بهذه الدرجة التي رفعها الله إليها، فوصفها رسول الله بانها (سيدة نساء المومنين)، وبانها (سيدة نساة اهل الجنة)، وبانها (سيدة نساء العالمين)، هذا فضلا عن ان فاطمة وحدها من دون بنات النبي وابنائه، هي التي كان منها سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، وهما ابنا علي، وهكذا يصبح النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى له ولدا غير ولد فاطمة

[ 120 ]

وعلي، ولا نسا متصلا الا من كان من فاطمة وعلي، فاذاما تذكرنا كذلك، انه ما من امر كان يعني النبي صلى الله عليه وسلم في شخصه، وفي خاصة نفسه، الا وكان الامام علي هو الذي يندب للقيام بهذا الامر، وليحل محل الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، ولياخذ مكانه الذي تركه وراءه، فمبيت علي في برد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى فراشه ليلة الهجرة، وقراءته ما نزل من سورة براءة على اهل الموسم من المسلمين والمشركين، وخلافته للرسول على آل البيت من غزوة تبوك، افلا يسوغ لنا ذلك كله، كما يقول الاستاذ الخطيب، ان نذكر معه، خلافة علي بن ابي طالب للرسول صلى اله عليه وسلم في ان يكون منه نسل النبي، وان يكون ولد علي وفاطمة نسلا مباركا للنبي ولعلي معا، صلوات الله وسلامه عليم اجمعين، ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوا الحسن والحسين ابنيه فيقول صلى الله عليه وسلم في الحسن (ان ابني هذا سيد) وانه صلى الله عليه وسلم يقول في الحسين: (حسين مني وانا من حسين)، واخرج الترمذي عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لفاطمة: ادعي ابني فيشمهما ونصمهما اله) بقيب الاشارة الى سن الزهراء وقت الزواج، وفي الواقع ان هذا متوقف على معرفة تاريخ ميلادها، وهو امر قد اختلف فيه المؤرخون، بين ان يكون قبيل البعثة أو بعيدها، ومن ثم فهناك من راى ان الزهراء قد تزوجت، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، بينما ذهب آخرون الى انها كانت في الخامسة عشرة وخمسة اشهر أو ستة، بل اننا لو اخذنا بوجهة النظر التي ذهبت الى انها قد ولدت بعد البعثة بخمس سنين، لكان عمرها يوم زواجها في السنة الثانية من الهجرة، لا يعدو سنوات عشر، على ان ارجع الاراء ان الزهراء كانت فيما بين الخامش عشرة والثامنة عشرة من عمرها يوم زفت الى الامام علي. ومن عجب ان يزعم المستشرق اليسوعي الاب هنري لامانس، ان الزهراء لم تتزوج قبل الثامنة عشرة لانها كانت محرومة من الجمال، ولم تصدق ان احدا يخطبها بعد تلك السن، وعندما خطبها علي سكتت هنيهة، ثم تكلمت فشكت من ان يخطبها رجل فقير، وفي الواقع ماكنا نظن ان ينزلق الاب هنري، وهو رجل دين وعلم، الى هذا المستوى في كراهيته للاسلام ونبي الاسلام وآل بيته الكرام،

[ 121 ]

وكنا نحب له ان يقرا النصوص جيدا، وان يقارن بينها، لا ان ياخذ منها ما يتفق وهواه، ثم يفسر هذا الذي اخذه بهواه، مرة اخرى فتضيع منه الحقائق بين هواه وهواه، ولو كان السند الذي استند إليه هذا المستشرق، كما يقول الاستاذ العقاد، واضحا ملزما، لقلنا انها امانة العلم، ولا حيلة للعالم في الامانة العلمية، لكن السند كله قائم على ان الزهراء قد تزوجت في الثامنة عشرة من عمرها، وتقابله اسانيد اخرى تنقضه، وتتراءى للمستشرق حيثما نظر حوله، ولكنه لا يحب ان يراها، لانه يحب ان يرى ما يعيب، ولا يحب ان يرى مالا عيب فيه. وعلى حال، فان تقويض راي لامنس سهل لاسباب كثيرة، منها (اولا) ان المشهور المتواتر، كما رأينا من قبل، ان السيدة فاطمة الزهراء ولدت لابوين جميلين، وان اخواتها تزوجن من ذوي غنى وجاه، كابي العاص من الربيع وعثمان بن عفان، وليس المألوف ان يكون الابوان والاخوات موصوفين بالجمال، وان تحرم منه احدى البنات ومنها (ثانيا) ان السيدة ازهراء، كما هو مشهور، قد بلغت سن الزواج، والدعوة المحمدية في ابانها، المسلمون بين مهاجر أو مقيم غير آمن، والحال قد تبدلت بعد الدعوة المحمدية فاصبحت خطبة المسلمين مقصورة على المسلمين، وهم قلة منهم المتزوج ومنهم من لا طاقة له بالزواج، ومنها (ثالثا) ما اشرنا من ان هناك الكثير من الاراء التي لا تجعل الزهراء تبلغ الثامنة عشرة، يوم بنيت بالامام، ومنها (رابعا) اننا لا نستطيع ان نستبعد ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص بها ربيبه وابن عمه علي بن ابي طالب (وهو ارجح الاسباب في رأينا) وينتظر بها يوم البيت في هذا الامر، وذلك حين تهدا الحال، ويستعد ابن عمه للزواج، ولعل مما يعضد هذه الفكرة ما رويناه من قبل، من ان الصديق والفاروق قد خطبا الزهراء قبل الامام علي، وان رد النبي صلى الله عليه وسلم عليهما قوله لكل منهما (انتظر بها القضاء) أو قال (انها صغيرة). ومنها (خامسا) ان الاب لا مانس تجاهل كثيرا من النصوص التي تشير الى ان السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، انما كانت تتمتع بقسط وافرمن الجمال، من ذلك ما رواه انس بن مالك عن امه: ان فاطمة كانت كأنها القمر ليلة البدر، ومنها

[ 122 ]

ما رواه الحاكم في المستدرك بسنده عن انس بن مالك قال: سالت امي عن صفة فاطمة، رضي الله عنها، فقالت كانت اشد الناس شبها برسول الله صلى الله عليه وسلم، بيضاء مشربة بحمرة، لها شعر اسود يتعفر لها)، وان الروايات كلها مجمعة على ان السيدة الزهراء كانت اشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في كتب السيرة، وقد قراها لامانس، وكلها تشير بوضوح الى ما كان يتمتع به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمال الخليفة والخلق، ومنها (سادسا) ان السيدات اللواتي لا يبكرن الى الزواج في المجتمع الاسلامي انما هن من اللواتي يتنعمن بالجمال الرائع، والحذق البارع، والذكاء الحاد، وشرف المحتد، وشغف الوالدين بهن والضن بهن، وكان هذا امر الزهراء الى حد كبير، هذا إذا افترضنا جدلا ان الزواج في سن الثامنة عشرة، انما هو سن متاخرة لزواج الفتاة، فما بالك إذا لم يكن الامر كذلك، فضلا عن ان كثيرا من الروايات تحدد سن الزهراء يوم زواجها بالخامسة عشرة، وروايات اخرى تنزل بها الى سن اقل من ذلك. ومنها (سابعا) ما تذهب إليه الدكتورة عائشة عبد الرحمن في كتابها (بنات النبي) من ان تأخر زواجها انما كان عن تهيب لها، فلقد بعث ابوها صلى الله عليه وسلم، وهي وحدها التي لم تتزوج، إذ كان عمرها خمس سنوات والناس بعد البعث احد رجلين اما كافر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهيهات ان يفكر في مصاهرته واما مسلم يومن بنيوة محمد صلى الله عليه وسلم ويصدق برسالته وقد عرفنا موقف السلمين من نبيهم والى اي مدى كانوا يجلونه ويعظمونه ويفتدونه بالمهج والارواح، فغير مستغرب الا يروا انفسهم كفئا لمصاهرته، وان يغضوا الطرف عن (ام ابيها، الزهراء)، اجلا لا وتهيبا، ولا يرد على هذا بان (عثمان بن عفان) راي في نفسه كفئا لرقية، فلقد قل في اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم - بل في قريش بعامة - مثل عثمان ثراء وشرفا وجاها، وهو بعد قد طمع من الزواج من بنت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان طلقها ابن ابي لهب كيدا وحقدا، وليس الامر كذلك مع الزهراء، ونحن - حتى يومنا هذا - نرى بنات الاسر الكريمة يتاخر زواجهن في انتظار الاكفاء، وهم عادة القلة، إذ القاعدة المطردة هي انه كلما تميزت الفتاة لعلمها أو ثرائها أو عزتها، قل اكفاوها.

[ 123 ]

ومع ذلك فلم يكن (علي) اول من طمح في الزواج من (فاطمة)، بعد تهيب وتردد. وفقد تسامى الى ذلك الشرف قبله، صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر، على ما روي البلاذري في (انساب الاشراف) فردهما ابوها ردا كريما 2 - بيت الزهراء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الزهراء ويحنو عليها حنوا كبيرا، وما يكاد يطيق فراقها فلما زفت الى الامام علي، وتحولت الى بيته، لم تمض سوى ايام معدودة، حتى ذهب النبي صلى الله عليه وسلم الى الزهراء فقال لها: اني اريد ان احولك الي، فقالت: فكلم حارثة بن النعمان ان يتحول عني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحول حارثة ابن النعمان عنا حتى استحييت منه، فلبع ذلك حارثة، وجاء النبي فقال: يارسول الله انه بلغني انك تحول فاطمة اليك، وهذه منازلي، وهي اسبق بيوت بني النجار اليك، وانما انا ومالي لله ولرسوله، والله يا رسول الله، للمال الذي تأخذ مني احب الي من المال الذي تدع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت، بارك الله عليك، فحولها رسول الله الى بيت حارثه، وهكذا اتخذ النبي صلى الله وسلم للزهراء والامام بيتاوسط بيوته وكانا يسكنانه كل ايام علي وفاطمة، ثم كل ايام الامام علي في المدينة، ثم سكنه من بعده اولاده واحفاده الى ايام عبد الملك بن مروان، فاغتاظ من وجوده واراد هدمه بحجة توسع المسجد، وكان يسكنه الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب فطلبوا منه ان يخرج فرفض وقال لا اخرج ولا امكن من هدمه فضرب بالسياط، واخرج قهراوهدم الدار وزيد في المسجد هذا ويذهب السمهودي في (وفاء الوفا باخبار دار المصطفى) الى ان بيت فاطمة، رضي الله عنها انما هو في الزور الذي القبر، بينه وبين بيت النبي صلى الله عليه وسلم خوخة، وكانت فيه كوة أي بيت عائشة رضي الله عنها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام اطلع من الكوة الى فاطمة فعلم خبرهم، وان فاطمة، رضي الله عنها، قالت لعلي يوما ان ابني امسيا عليلين، فلو نضلرت لنا ادما نستصبح به، فخرج علي الى السوق فاشترى لهم ادما، وجاء به الى فاطمة فاستصبحت به فابصرت عائشة

[ 124 ]

المصباح عندهم في جوف الليل وذكر كلاما وقع بينهما، فلما اصبحوا سالت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم ان يسد الكوة، فسدها)، هنا وقد روى السمهودي ان بيت فاطمة على زمانه (844 - 911 ه‍) كان حوله مقصورة، وفيه محراب خلف حجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى ابة حال فالثابت الموكد ان بيت الزهراء والامام علي انما كان اوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، روى البخاري في صحيحه عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل الى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذاك يسوءك قال: نعم، قال فارغم الله بانفك، ثم ساله عن علي فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك بيته اوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: لعل ذاك يسوءك، قال اجل، قال: فارغم الله بانفك، انطلق فاجهد على جهدك). ولعل من الاهمية بمكان الاشارة الى ان النبي صلى الله عليه وسلم قد امر بسد الابواب الشارعة في المسجد، الا باب علي وفاطمة، روى النسائي عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم امر بابواب المسجد فسدت الا باب علي، رضي الله عنه)، وفي رواية (وسد ابواب المسجد غير باب علي، رضي الله عنه، فكان يدخل المسجد وهو جنب، وهو طريقه ليس له طريق غيره)، وروى ابن عساكر عن ام سلمة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه حتى انتهى الى صرحة المسجد فنادى باعلى صوته: انه لا يحل المسجد الجنب ولا لحائض، الا لمحمد وازواجه، وعلي وفاطمة بنت محمد، الا هل بينت لكم الاسماء ان تضلوا)، واخرج الترمذي والبيهقي والبزار عن ابي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: لا يحل لاحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك) وروي الطبراني في الكبير عن ام سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا ان هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض، الا للنبي وازواجه، وفاطمة بنت محمد وعلي الا بينت لكم ان تضلوا)، واخرج أبو يعلي عن عمربن الخطاب قال لقد اعطى علي ثلاث خصال، لان تكون لي خصلة منها احب الي من ان اعطي حمر النعم، تزويجه فاطمة، وسكناه المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر. واخرج الزبير بن بكار في اخبار المدينة عن ابي حازم

[ 125 ]

الا شجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله امر موسى ان يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه الا هو وهارون، وان الله امرني ان ابني مسجدا طاهرا لا يسكنه الا انا وعلي، وابنا علي)، وروى النسائي عن ابراهيم بن سعد بن ابي وقاص عن ابيه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده قوم جلوس، فدخل علي كرم الله وجهه، فلما دخل خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا فقالوا: والله ما اخرجنا إذ ادخله، فرجعوا فدخلوا فقال: والله ما انا ادخلته واخرجتكم، بل الله ادخله واخرجكم) (وذكره الهيثمي في مجمعه وقال: رواه البزار ورجاله ثقات). هذا وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرا (في بيوت اذن الله ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح فيها بالغدو والاصال) فقام إليه رجل وقال: اي بيوت هذه يا رسول الله، فقال: بيوت النبياء، فقام إليه أبو بكر وقال: يا رسول الله هذا البيت منها وأشار إلى بيت علي وفاطمة، فقال الرسول: نعم من افضلها). 3 - حياة الزهراء الزوجية عاشت الزهراء في كنف النبي صلى الله عليه وسلم وتحت رعايته، يختصها هي وزوجها وولدها بمحبة، ويصطفيهم بمودته، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم ان يبيت عندهم حينا بعد حين، ويتولى خدمة الاطفال بنفسه، وابواهم قاعدان، وفي احدى هذه الليالي سمع الحسن يستسقي، فقام صلى الله عليه وسلم الى قربة فجعل يعصرها في القدح ثم جعل يعبعبه، فتناول الحسين فمنعه وبدا بالحسن، فقالت فاطمة كانه احب اليك، قال انما استسقى اولا، وكان احيانا يلفهم جميعا في برد واحد، ويقول لهم (انا وانتم يوم القيامة في مكان واحد)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر الناس عهدا به فاطمة، وإذا قدم من سفر كان اول الناس عهدا به فاطمة، رضي الله تعالى عنها، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابي ثعلبة الخشبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رجع من سفر أو غزاة المسجد فصلى فيه ركعتين ثم ثني بفاطمة، ثم ياتي ازواجه). وفي ظل الرسول صلى الله عليه وسلم انتظمت حياة الامام والزهراء عيشة كفاف، وخدمة

[ 126 ]

يتعاون عليها رب البيت وربته فقد كان رزق الامام من وظيفة الجندي وعطائه من فئ الجهاد، لكنه، رغم ذلك، لم يكن بقادر على ان يستاجر للزهراء خادما تعينها أو تقوم عنها بالعمل الشاق، فكان الامام هو الذي يعينها، روي ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها البيت كعادته فوجد عليا وفاطمة يطحنان، فقال ايكما اعيا (تعب) فقال علي: فاطمة يا رسول الله، فقال لها: قومي يا بنية، فقامت، وجلس يطحن مع علي، وهكذا كانا يعيشان عيشة الكفاف، وكثيرا ما كان يجن الليل فيرقدان على فراشهما الخشن، ويجاولان النوم فلا يجدان إليه سبيلا، لفرط ما يشعران به من البرد، ويقبل عليهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد انكمشا في غطائهما مقرورين، إذا غطيا راسيهما بدت اقدامها، وإذا غطيا اقدامها انكشفت راساهما، روى المتقي الهندي في كنز العمال عن جابر، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم راى على فاطمة سلام الله عليها كساء من اوبار الابل، وهي تطحن، فبكي وقال: يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الاخرة غدا، ونزلت (ولسوف يعطيك ربك فترضي. (قال: اخرجه ابن لال وابن مردوية وابن النجار والديلمي، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وقال: اخرجه العسكري في المواعظ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصحهما بقوله (كلمات علمنيهن جبريل، تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا وتكبران عشرا وإذا آويتما الى فراشكما تسبحان ثلاثا وثلاثين وتحمدان ثلاثا وثلاثين وتكبران ثلاثا وثلاثين)، ويقول الامام علي (والله ما تركتهن منذ علمنهين). وروي الامام البخاري في صحيحة بسنده عن الحكم، سمعت ابن ابي ليلى قال: حدثنا علي ان فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى من اثر الرحا، فاني النبي صلى الله عليه وسلم سبى، فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فاخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم اخبرته عائشة بمجي فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم الينا، وقد اخذنا مضا جعنا، فذهب لاقوم، فقال، علي مكانكما، فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: الا اعلمكما خيرا مما سألتماني، إذا اخذتما مضاجعكما، تكبرا اربعا وثلاثين، وتسبحا ثلاثا وثلاثين، وتحمدا ثلاثا وثلاثين فهو خير لكمامن خادم). وروى أبو داود بسنده عن ابي الورد بن ثمامة، قال علي عليه السلام لابن

[ 127 ]

اعبد: الا احدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت احب اهله إليه، وكانت عندي، فجرت بالرحى حتى اثرت بيدها، واستقت بالقربة حتى اثرت في نحرها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها، واوقدت القدر حتى دكنت ثيابها واصابها من ذلك ضر، فسمعنا ان رقيقا اتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: لو اتيت اباك فسألتيه خادما يكفيك فاتته فوجدت حداثا فاستحيت فرجعت، فغدا علينا ونحن في لفاعنا (الملحفة أو الكساء) فجلس عند راسها، فادخلت راسها في اللفاع حياء من ابيها، فقال: ما كان حاجتك امس الى آل محمد، فسكنت مرتين، فقلت: انا والله احدثك يا رسول الله ان هذه جرت عندي بالرحى حتى اثرت في يدها واستقت بالقربة حتى اثرت في نحرها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وبلغنا انه اتاك رقيق أو خدم فقلت لها: سليه خادما، قال أبو داود: فذكر معنى حديث حكم، ويعني بحديث حكم ما تقدم آنفا عن البخاري مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: الا اعلمكما خيرا مما سألتماني - الى آخره (ورواه ايضا أبو نعيم في حلية الاولياء). على ان البيت سرعان ما سعد بالذرية الصالحة، فلقد رزق الابوان نصيبا طيبا طاهرا من البنين والبنات، الحسن والحسين ومحسن وزينب وام كلثوم، وقد دعاالنبي لكل منهما عند مولده (الهم اني اعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم)، وعق عن كل منهما بكبش، وامر بحلق شعره والتصدق بوزنه فضة، ثم ختنهما لسبعة ايام من المولد)، وقد عاشورا جميعا، ما عدا محسن فقد مات صغيرا. وبدهي ان حياة هذه الاسرة الطاهرة المطهرة لم تخل من ساعات خلاف، وما خلت حياة آدمي قط من ساعات خلاف، وساعات شكاية، وكان الاب الاكبر يتولى صلحهما، وربما ترك صلى الله عليه وسلم مجلسه بين اصحابه ليدخل الى الزوجين المتخاصمين فيرفع ما بينهما من جفاء، والصحابة الذين يتتبعون في وجه النبي كل خلجة من خوالج نفسه، ويتيحون لانفسهم ان يسالوه، لانه لا يملك من ضميره ما يضمن به على المتعلم والمتصبر، يجرون معه على عاداتهم كلما دخل البيت مهموما، وخرج منه منطلق الاسارير، فيسألونه فيجيب، ولم لا، وقد اصلحت بين احب الناس الي)، يروى انه صلى الله عليه وسلم روي ذات مساء وهو يسعى الى دار فاطمة بادي الهم والقلق،

[ 128 ]

فامضى وقتا هناك، ثم خرج ووجهه الكريم يفيض بشرا، فقال قائل من الصحابة: يارسول الله دخلت وانت على حال، وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك، فأجاب صلى الله عليه وسلم (ولم لا، وقد اصلحت بين احب الناس الي)، واخرج ابن سعد في الطبقات عن حبيب بن ابي ثابت قال: كان بين علي وفاطمة كلام، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقى إليه مثالا فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة فاضطجعت من جانب وجاء علي فاضطجع من جانب، فاخذ رسول الله بيد علي فوضعها على سرته، واخذ بيد فاطمة فوضعها على سرته، ولم يزل حتى اصلح بينهما، ثم خرج قال فقيل له: (دخلت وانت على حال، وخرجت ونحن نري البشر في وجهك، فقال: وما يمنعني، وقد اصلحت بين احب اثنين الي)، واخرج ابن سعد في في الطبقات عن عمروابن سعد قال: كان في علي شده على فاطمة فقالت: والله لاشكونك رسول الله فانطلقت وانطلق علي باثرها فقام حيت يسمع كلامها فشكت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلظ علي وشدته عليها، فقال: يا بنية اسمعي واستمعي واعقلي، انه لا امراة بامراة لا تاتي هوى زوجها، وهو ساكت، فقال علي: فكففت عما كنت اصنع وقلت والله لا آتي شئا تكرهينه ابدا). على ان هناك ساعات خلاف كانت جد شديدة، شكايات، لا شك انها انما كانت اكثر من شكاية بالنسبة للمراة حتى وان كانت بنت المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثم فقد بلغ العتاب بين الزوجين ما يبلغه من خصومة بين زوجين وذلك حين نما الى الزهراء ان الامام يهم بخطبة (جويرية بنت عمر وبن هشام بن المغيرة، المعروف بابي جهل، وفي حسبان الامام علي انه يجري على مألوف عادة قومه في الجمع بين زوجتين واكثر، ويفعل ما اباحه له الاسلام من تعدد الزوجات، بدون ان يخطر بباله ان هذا ما تنكره بنت نبي الاسلام، وربما كانت هذه الخطبة غضبة من غضبات الامام، على انفة من انفات الزهراء، أو لعلها نازعة من نوازع النفس البشرية لم يكن في الدين ما ياباها وان اباها العرف في حالة المودة والصفاء، ومن ناحية اخرى، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم حق علي في الزواج، ولكن الرسول في ابوته الرحيمة يوذيه ان تروع احب بناته بضرة، ويشفق عليها من تجربة قاسية

[ 129 ]

كهذه يعلم انها لا قبل لها باحتمالها ثم ان عليا اراد ان يتزوج بنت ابي جهل، فهل يرضي الله ان يجمع بيت الامام علي بين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين بنت عدوالله ورسوله، وكتب السيرة مليئة بمواقفه المخزية ضد الاسلام ورسول الاسلام، ولعل هذا هو السبب الذي من اجله ثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه من غير المعقول ان تكون ابنة هذا الرجل بالذات، ضرة للزهراء بنت نبي الله ورسوله، ولم يكن من المعقول، بل من المستحيل على وجه اليقين، ان يستبدل برسول الله صلى الله عليه وسلم ابا جهل بن هشام صهرا، وليس علي بالذات هو الذي يوذي نبيه واباه وابن عمه في احب يناته إليه. هذا ويروى عن يحيى بن سعيد القطان قال: ذاكرت عبد الله بن داود الحريثي قول النبي صلى الله عليه وسلم (ولا آذن الا ان يحب علي بن ابي طالب ان يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، قال ابن داود: حرم الله على علي ان ينكح على فاطمة في حياتها لقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)، فلما قال النبي: لا آذن، لم يكن يحل لعلي ان ينكح على فاطمة، الا ان ياذن رسول الله، قال وسمعت عمر بن داود يقول: لما قال الرسول فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويوذيني ما آذاها، حرم الله على علي ان ينكح على فاطمة، إذ انه بنكاحه عليها يوذي الرسول، والله تعالى يقول: (وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله)، واضاف الشيخ دحلان في السيرة والحق بعضهم اخواتها بها، وان راى احتمال اختصاص الزهراء بذلك، وهذا ما نرجحه ونميل الى الاخذ به، والله اعلم. واما قصة تلك الخطبة، فقد روى ابن اسحاق في السيرة، ان علي بن ابي طالب خطب ابنة ابي جهل من عمها الحارث، واستامر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (عن اي شانها تسألني، عن حسبها، قال: لا، ولكن تأمرني بها، فقال صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني، ولا احب ان تجزع، فقال علي: لا آتي شيئا تكرهه)، واخرج الامام احمد عن الشعبي قال: (خطب علي، عليه السلام، بنت ابي جهل الى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فقال: اعن حسبها تسألني، قال علي: قد اعلم ما حسبها، ولكن اتامرني بها، فقال: لا، فاطمة مضعة مني، ولا

[ 130 ]

احب ان تحزن أو تجزع، فقال علي عليه السلام، لا آتي شيئا تكرهه)، وروى البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة قال: ان عليا خطب بنت ابي جهل فسمعت بذلك فاطمة فاتبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك انك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح علي بنت ابي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول (اما بعد، انكحت ابا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وان فاطمة بضعة مني، واني اكره ان يسوء ها والله لا يجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك علي الخطبة) وفي رواية للشيخين عن المسور ايضا: فان ابنتي بضعة مني يريبني مارابها، ويوذيني ما اذاها)، وفي رواية جاءت في منهاج السنة لابن تيمية، والمنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي: انه صلى الله عليه وسلم قال: ان بني هاشم بن المغيرة استاذنوني ان ينكحوا ابنتهم علي بن ابي طالب واني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، ثم لا آذن، انما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويوذيني ما آذاها، الا ان يريد ابن ابي طالب ان يطلق ابنتي وينكح ابنتهم)، وفي رواية (اني اخاف ان تفتن في دينها... واني لست احل حراما، ولا احرم حلالا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عود الله عند رجل واحدابدا). وروى مسلم في صحيحه بسنده عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدولي ان ابن شهاب حدثه ان علي بن الحسين حدثه: انهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، لقيه المسور بن مخرمة فقال له هل لك الي من حاجة تأمرني بها، قال فقلت له لا، قال له هل انت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاني اخاف ان يغلبك القوم عليه وايم الله لئن اعطيتنيه لا يخلص إليه ابدا حتى تبلغ نفسي ان علي بن ابي طالب خطب بنت ابي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وانا يومئذ محتلم فقال: ان فاطمة مني واني اتخوف ان تفتن في دينها، قال ثم ذكر صهرا له من بني عبدشمس، فاثني عليه في مصاهرته اياه فاحسن قال حدثني فصدقني ووعدني فاوفى لي، واني لست احرم حلالا، ولا احل حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله، مكانا واحدا ابدا) وقال النووي

[ 131 ]

في شرح صحيح مسلم قال العلماء: في هذا الحديث تحريم ايذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال، وعلى كل وجه، وان تولد الايذاء مما كان اصله مباحا، وهو حي، وهذا بخلاف غيره، قالوا: وقد اعلم صلى الله عليه وسلم باباحة نكاح بنت ابي جهل لعلي، بقوله صلى الله عليه وسلم: لست احرم حلالا، ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين احداهما ان ذلك يودي الى اذى فاطمة، فيتاذى حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم فيهلك من اذاه، فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي، وعلى فاطمة، والثانية خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، وقيل ليس المراد به النهي عن جمعهما بل معناه اعلم من فضل الله انهما لا تجتمعان كما قال انس: والله لا تكسرثنية الربيع ويحتمل ان المراد تحريم جمعهما، ويكون معنى: لا احرم حلالا، اي لا اقول شيئا يخالف حكم الله فإذا احل شيئا لم احرمه وإذا حرمه لم احلله ولم اسكت عن تحريمه، لان سكوتي تحليل له ويكون من جملة محرمات النكاح، الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدوالله. على ان هناك وجها آخر للنظر، ينكر قصة الخطبة من اساس، ويروى انها رواية لم يعرفها المؤرخون، وان الامام علي بالذات لا يمكن ان يقف من النبي صلى الله عليه وسلم ومن بضعته الزهراء، هذا الموقف، ويروى الاستاذ أبو علم، نقلا عن الاستاذ محمد صادق الصدر، ان ما نقله المسور عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن ان يصدر منه، كما ان الاقدام على الخطبة من الامام، امر مستحيل لا يمكن تصوره، والزهراء على قيد الحياة، ثم ان سيرة المسور كما في الاستيعاب والاصابة، تشير الى انه لم يكن من اصحاب الامام، وان الخوارج كانت تغشاه وانه كان من انصار الزبير. غيران قصة الخطبة انما جاءت في اكثر من كتاب كم كتب الحديث واخرجها اكثر من واحد، كما انها رويت من غير المسور بن محرمة، كما في رواية للامام احمد عن عبد الله بن بن الزبير وعلى اية حال فلقد حدثت في اغلب الظن في مستهل حياة الامام والزهراء الزوجية، حيث لم تكن الزهراء قد الفت بعد شدة الامام وصرامته، ولم يروض وهو نفسه باحتمال ما كانت تجد من حزن لفقدامها وشجو لفراق بيتها الاول، ومن ثم فربما كانت الحادثة في العام الثاني من الهجرة، وقبل ان ياتيهما العام الثالث باولى الثمرات المباركة للزوج، واعنى

[ 132 ]

به، الامام الحسن، رضي الله عنه وعلى اية حال، فلقد انقشعت السحابة التي ظللت افق الزهراء حينا من الدهر، لا نستطع تحديده على وجه ايفين وعاد البيت اصفى جوامما كان قبل ان يمتحن بتلك التجربة القاسية ومضت الحياة تسير بالزوجين الكريمين على ما يرجوان من تعاون ومودة. 4 - الزهراء ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم لقد احبت الزهراء اباها النبي حباجما، فقد كان بالنسبة لها النبع المتدفق لا بعد وفاة امها الاب الشفوق والام الرووف ثم كان لها بعد البعثة ابا ونبيا، والدا ورسولا فكانت تحبه حب البنت البارة با بيها وحب المسلمة الصادقة لنبيها فهو الاب وهو النبي ومن ثم فقد بكته، حين انتقل الى الرفيق الاعلى بقدر حبه لها وحزنت عليه بقدر تعلقها به، وزرفت عليه من الدموع الحارة على قدر ما كان يهديها من حب ابوي صادق وحنان ملائكي رحيم، حتى ان الزهراء عليها السلام لم تضحك قط بعد وفاة ابيها النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن الباقر انه قال: (ما روئت فاطمة ضاحكة قط، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضت)، وفي الواقع لولا ان الاب النبي صلى الله عليه وسلم اخبرها بموته وهو حي، لقضت نحبها حزنا عليه، ولصدمتها الفاجعة المروعة، والكارثة الموجعة، والخطب الاليم، فقد كانت الزهراء تظن، وكان اباها لا يموت، أو لا يموت وهي على قيد الحياة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدرك مكانته عندها، ويعلم منزلته في قلبها، ويحس مبلغ ما سوف تقاسيه عند فقده، ومن ثم فقده، اخبرها بموته وهو حي، وعزاها عن فراقه وهو موجود، وبشرها بلقائه القريب في رحاب الله، روي البخاري عن عائشة قالت: دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيه، فسارها بشئ فبكت، ثم دعاها فسارها فضحكت، قالت فسألتها عن ذلك، فقالت: (سارني النبي صلى الله عليه وسلم فاخبرني انه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فاخبرني اني اول اهل بيته اتبعه فضحكت) (اخرج مثله مسلم واحمد وابن

[ 133 ]

سعد وابن ماجة وابن راهوية) واخذت الزهراء تهدئ من روعها، وتسمح دموعها، حتى لا يراها والدها النبي صلى الله عليه وسلم فيحزنه جزعها، ولكن انى لها ذلك، وهي امام هول عظيم، فهذا ابوها وجيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثقل عليه مرضه، وفتحت له ابواب السماء، واقبلت عليه ملائكة الله عز وجل بروح من الله ورضوانه، تبشره بلقاء ربه عز وجل، وما اعدله من الوسيلة والدرجة العظيمة والمقام المحمود، وما يلقاه في الخلد من نعيم مقيم، فلم يلبث ان صعدت روحه الكريمة الطاهرة المطهرة الراضية المرضية الى ملئها الاعلى، والى جوار رب العالمين، فبكت الزهراء، عليها السلام، وتغشاها الاسى والاكتئاب، ولذعها الجوى، وتولتها غصة وفجيعة اخرج البخاري عن انس قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة، عليها السلام، واكرب ابه فقال لها: ليس على ابيك كرم بعد اليوم فنما مات قالت: يا ابتاه، اجاب ربه دعاه، يا ابتاه، من جنة الفردوس ماواه، يا ابتاه الى جبريل ننعاه فلما دفن، قالت فاطمة، عليها السلام، يا انس: اطابت انفسكم ان تحثوعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب، والخرج الامام احمد عن انس قال: لما قالت فاطمة ذلك، يعني، لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: واكرباه، قال رسول الله (يا بنيه انه قد حضر بابيك الله بتبارك منه احد الموافاة يوم القيامة)، وروي ان الزهراء اخذت قبضة من تراب القير الشريف فجعلتها على عينها ووجهها ثم نشات تقول: ماذا على من شم تن احمد الا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب نو انها صبت على الايام عدن لياليا وقالت على قبره الشريف انا فقدناك كان فقد الارض وابنها وغاب مذ غب عنا الوحي والكتب فليت قبلك كان الموت صدفنا لما نعيت وحالت دونك الكتب وروى ابن حجرفي فتح الباري عن الطبراني انه روى عن عائشة ان رسول

[ 134 ]

الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: ان جبريل اخبرني انه ليس امراة من نساء المسلمين اعظم رزية منك، فلا تكوني ادنى امراة منهن صبرا. وروي انه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع بلال عن الاذان وقال: لا اوذن لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وان فاطمة، رضي الله عنها، قالت ذات يوم: اشتهي ان اسمع صوت موذن ابي بالاذان، فبلغ ذلك بلالا رضي الله عنه فاخذ يوذن، فلما قال: الله اكبر الله اكبر، ذكرت اباها وايامه، فلم تتمالك نفسها من البكاء، فلما بلغ قوله (واشهد ان محمدا رسول الله) شهقت فاطمة رضي الله عنها، وسقطت لوجهها، وغشي عليها، فقيل لبلال: امسك قد فارقت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياة الدنيا، وظنوا انها قد ماتت، فلم يتم الا ذان فافاقت، فسألته اتمامه، فلم يفعل وقال لها يا سيدة النساء: اني اخشى عليك مما تنزليه بنفسك إذا سمعت صوتي بالاذان، فاعفته من ذلك)، وعن الامام علي قال: (غسلت النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه فكانت فاطمة رضي الله عنها تقول: ارني القميص، فإذا شمته غشى عليها، فلما رايت ذالك منهما غيبته). هذا وقد اعتادت الزهراء، رضي الله عنها، ان تزور الروضة الشريفة، كما اعتادات ان تزور قبر والدتها السيدة خديجة رضي الله عنها، في مكة، وروي عن الباقر، رضي الله عنه، انه قال: ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر حمزة، رضي الله عنه ترمه وتصلحه، وقد علمته بحجر، وعن رزين قال الامام أبو جعفر محمد الباقر، رضي الله عنه، ان فاطمة رضي الله عنها كانت تزور قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة، فتصلي هناك وتدعو وتبكي، وروى الحاكم في المستدرك عن علي رضي الله عنه قال: ان فاطمة كانت تزور قبر عمها خمزة كل جمعة، فتصلي وتبكي عنده).

[ 135 ]

الفصل الثالث موقف الزهراء من الخلافة وميراث الرسول صلى الله عليه وسلم 1 - الزهراء والخلافة من المعروف ان الامام علي وآل البيت الكرام قد انشغلوا بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الاعلى، مباشرة، بتجهيزة صلى الله عليه وسلم وكان علي، وهو مشغول بالجهاز، تفيض دموعه على وجهه في صمت وهو يتمتم (بابي انت وامي يا رسول الله، طيب حيا وميتا، ولولا انك امرت بالصبر ونهبت عن الجرع، بابي انت وامي، ان الصبر لجميل الا عنك، وان الجزع لقبيح الا عليك، اذكرنا عند ربك، واجعلنا من همك)، وفي هذه الاثناء، وقبل ان تشيع جنازة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما يزال بعد مسجى في فراشه، وقد اغلق اهله دونه الباب، حدث امر جد خطير، فلقد اجتمع الخزرج بقيادة سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، وخف إليهم رجال الاوس، ليختاروا من بينهم رجلا يكون على راس المسلمين، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد اعتقد الانصار انهم اولى بهذا الامر، بعد ان آوى الاسلام إليهم واذن الله لرسوله بالهجرة إليهم، ليتخذ مدينتهم موطنا له، ومنطلقا لرسالته فاتي الخبر ابا بكر، فاسرع ومعه عمر، ثم لقيا ابا عبيدة، فانطلقوا جميعا الى سقيفة بني ساعدة، وبعد جدال طال ولم ويستطل، انتهى المجتمعون الى اختيار الصديق خليفة للمسلمين. وكان الامام علي في تلك الساعات العصيبة بجوار الجثمان الطاهر المسجى

[ 136 ]

في حجرته، ومن ثم فلم يحضر هو وبنو هاشم هذا الاجتماع، ولو شهد الامام علي اجتماع السقيفة هذا، لكان له فيه مقال، ولربما اخذت الامور في هذا اليوم اتجاها آخر، غير اتجاهها الذي سارت فيه، وعندما علمت الزهراء، عليها السلام، بما حدث في اجتماع سقيفة بني ساعدة، وابوها سيد المرسلين لم يدفن بعد، بكت بكاء جارا، حتى انه لما جاءها بعض الصحابة، وفيهم أبو بكر وعمر وابو عبيدة، معزين، قالت (تركتم رسول الله طى الله وسلم جنازة بين ايدينا وقطعتم امركم بينكم ولم تستامرونا) فبكى أبو بكر حتى علا نشيجه وبكى من كان قي الدارمن الهاجرين الذين كانوا يساعدون عليا في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم سلمان وابو ذر والمقداد والزبير وعمار، ومن ثم فقد خاصمت ابا بكر وعمر لانهما اخذا البيعة لابي بكر في وقت انشغال زوجها بتجهيز ابها المتوفي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فقد استاخرت يمين الامام علي عن البيعة للصديق، وتذهب الروايات في تفسير ذلك مذاهب شتى، لسنا الان بصدد منا قشتها، فمجال ذلك ان شاء الله، كتابا عن (الامام علي بن ابي طالب)، وان كان هذا لا يمنعنا من الاشارة الى ان الامام علي انما كان يعتقد انه ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعهد بالخلافة الى احد بذاته، فان البيت الذي اختارته السماء ليكون منه النبي المصطفى، هو البيت الذي يختار المسلمون منه خليفتهم، ما دام في هذا البيت من يتمتع با لكفاية الكاملة لشغل منصف الخلافة أو كما قال الامام في حواره مع الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر، (انكم تدفعون آل محمد عن مقامه ومقامهم في الناس، اما والله لنحن احق منكم بالامر، ما دام فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله المضطلع بامر الرعية، القاسم بينهم بالسوية) هذا وقد كانت الزهراء عليها السلام، ترى ان زوجها الامام علي، كرم الله وجهه في الجنة، احق الناس بالخلافة، فهو ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمه وزوج ابنته، وابو سبطيه الحسن والحسين، واول الناس اسلاما، واطولهم في الجهاد باعا، وهو فتى قريش شجاعة وعلما وفضلا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه اشد الحب، ويوثره اعظم الايثار، استخلفه حين هاجر على ما كان عنده من الودائع ختى ردها

[ 137 ]

الى اصحابها، وامره فنام في مضجعه ليلة ائتمرت قريش بقتله، فكان اول من شرى نفسه في سبيل الله، ثم هاجر حتى بالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فآخى النبي بينه وبين نفسه، ثم شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشاهده كلها، وكان صاحب رايته في ايام الباس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر (لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فتطلع إليها كبار الصحابة، غير النبي صلى الله عليه وسلم دفعها الى علي، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم يوم استخلفه على المدينة وعلى اهله، عندما سار الى غزوة تبوك (انت مني بمنزلة هارون من موسى، الا انه لا نبي بعدي)، واعطاه سورة براءة ليقراها على اهل الموسم، فلما قيل له لو بعث بها لابي بكر، قال (لا يود عني الا رجل من اهل بيتي)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين وهوفي طريقه الى المدينة بعد حجة الوداع (من كنت مولاه، فعلي مولاه، وعاد من عاداه). وهكذا كانت الزهراء، كما كان بنو هاشم جميعا، وجمهرة من اهل المدينة، يرون ان الامام علي احق الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فقد خرج الامام يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلا، في مجالس الانصار، تسألهم النصزة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو ان زوجك وابن عمك سبق الينا قبل ابي بكر، ما عدلنا به، فيقول علي، كرم الله وجهه في الجنة، (اكنت ادع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ادفنه، واخرج انازع الناس سلطانه، فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن الا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه)، هذا وقد روي ان ابا بكر قام على المنبر يخطب، فما هو الا ان حمدالله، واخذ في خطبته، حتى سمع وسمع الحاضرون صوتا نحيلا يهتف (ليس هذا منير ابيك، انزل عن منبر ابي)، والتفتوا فإذا بالصائح هو الحسن بن علي، ولما يبلغ الثامنة، فابتسم الصديق، وقال، والحنو يشع في نفسه، (ابن بنت رسول الله صدقت والله، ما كان لابي منير، وانه لمنبر ابيك)، فلما سمع الامام بالخبر ارسل الى ابي بكر يقول له (اغفر ما كان من الغلام فانه حدث ولم نامره)، فقال أبو بكر (اني اعلم، وما اتهمت يا ابا الحسن)، وظلت الزهراء متمسكة برايها، وما كانت، رضي الله عنها، لتتزحزح عن

[ 138 ]

راي اقتنعت به، وراته صوابا، وكان رأيها الذي لا تحيد عنه ان عليا احق بالخلافة من غيره ومن هنا ذهب البعض الى ان الامام توقف عن البيعة للصديق مجاملة للزهراء، فلما انتقلت الى جوار ربها، راضية مرضيا عنها، بايع الامام الصديق، وذهب آخرون ان تلك البيعة لم تكن الاولى، انما كانت تجديدا لها، غير ان ما قاله الامام للصديق تدل على انها الاولى، حيث استدعاه في بيته وحوله بنو هاشم ثم قال له (يا ابا بكر انه لم يمنعنا ان نبايعك انكارا لفضلك، ولا نفاسة عليك لخير ساقه الله اليك، ولكنا كنا نرى ان لنا في هذا الامر حقا اخذ تموه)، وهكذا بايع الامام الصديق، وفاءت نفسه الى الرضا، خاصة وقد سار أبو بكر في خلافته تلك السيرة ال، راشدة وقام في المسلمين هذا المقام المحمود، متاسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم متبعا هديه، مقتفيا اثره، ما استطاع الى ذلك سبيلا. 2 - الزهراء وميراث الرسول صلى الله عليه وسلم كان ميراث الزهراء في الرسول صلى الله عليه وسلم يتضمن ميراثها فيما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فدك التي نحلها اياها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نصيبها في سهم ذوي القربى، اما الميراث فلقد طلب الزهراء ميراثها من ابيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (نحن معاشر الانبياء لانورت ما تركناه صدقة واني والله لا واخرج الترمذي عن ابى هريزه قال جاءت فاطمه الى ابي بكر فقالت من يرثك، قال: اهلي وولدي، قالت فما لي لا ارث ابي، فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا نورث، ولكني اعول من كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يعوله، وانفق على من كان رسول صلي الله عليه وسلم ينفق عليه). وروى البلاذري في فتوح البلدان بسنده عن ام هانئ، ان فاطمه بنت رسول الله صلى لله عليه وسلم اتت ابا بكر، رضى الله عنه فقالت، (من يرثك إذا مت، قال: ولدي واهلي، قالت: فما بالت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم دوننا، فقال: يا بنت رسول الله، والله ما ورثت اباك ذهبا ولافضه ولا كذا ولا وكذا فقالت: سهمنا بخيبر،

[ 139 ]

وصدقتنا فدك، فقال: يا بنت الرسول، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انما هي طعمة اطعمنيها الله عزوجل حياتي، فإذا مت فهي بين المسلمين)، واخرج البخاري عن عائشة، ان فاطمة سالت ابا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما افاء الله عليه، فقال لها أبو بكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نوروث ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت ابا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة اشهر، قالت: وكانت فاطمة تسال ابا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة فابى أبو بكر عليها ذلك وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به الا عملت به، فاني اخشى ان تركت شيئا من امره ان ازيع، فاما صدقته بالمدينة فدفعها عمر الى علي والعباس، واما فدك وخيبر فامسكها عمر، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه وامرهما الى من ولي الامر، قال: فهما على ذلك الى اليوم). واما (فدك) فهي ارض يهودية في شمال الحجاز، فلما كانت السنة السابعة من الهجرة، وحدثت غزوة خيبر، قذف الله في قلوب اهل فدك الرعب، فصالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف منها، وروى انه صالحهم عليها كلها، ومن هنا بدا تاريخها الاسلامي فكانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لانها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ثم غرس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض النخيل، ثم وهبها لابنته الزهراء وبقيت عندها حتى توفي الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت هي التي تتصرف فيها، وكانت تتصدق بكل خراجها، بعد ان تستبقي ما يسد حاجة الامام، وراى أبو بكر ان تكون فدك بيد ولي الامر، اي بيده هو، يوزع خراجها على الناس، واحتج أبو بكر لرايه بانه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (انا معشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، وافتي الامام علي بان الانبياء يورثون، واستشهد بقوله تعالى (وورث داود سليمان، وقوله تعالى على لسان زكريا (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) واحتج علي بان الحديث الشريف الذي يرويه أبو بكر هو من احاديث الا حاد التي ينفرد بروايتها واحد فحسب من الصحابة، واحاديث الاحاد لاتقيد

[ 140 ]

حكما اطلقه القرآن، ولوان رسول الله صلى الله عليه وسلم اراد ان يختص أو يقيد هذا الحكم القرآني، لاخبر ورثته انهم لن يرثوه). ثم ان الزهراء قالت ان اباها صلى الله عليه وسلم وهبها ارض فدك، فهي ان لم تكن ارثا فهي هبة روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور (5 / 273 - 274) اخرج البزار وابو يعلى وابن ابي حاتم وابن حاتم وابن مردوية عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه لما نزلت هذه الاية (وآت ذا القربى حقه) (الاسراء آية 26) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فاعطاها فدك. واخرج ابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت (وآت ذا القربى حقه) اقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فدكا)، وروى الهيمثي في مجمعه عن ابي سعيد قال: لما نزلت (وآت ذي القربى حقه)، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فاعطاها فدكا، قال: رواه الطبراني، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال، وصححه المتقي في كنز العمال عن ابي سعيد قال: لما انزلت (وات ذي القربى حقه) قال النبي صلى الله عليه وسلم يا فاطمة لك فدك، قال اخرجه الحاكم في تاريخه وابن النجار (وانظر: فضائل الخمسة 3 / 136). ومن هذا المنطلق الاخير طلبت الزهراء فدك من الصديق، على انها هبة لها من ابيها صلى الله عليه وسلم، فلقد جاء في شرح ابن ابي الحديد على نهج البلاغة ان الزهراء قالت لابي بكر: ان فدك وهبا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فمن يشهد بذلك، فجاء علي ابن ابي طالب فشهد بذلك، وجاءت ام ايمن فشهدت ايضا، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهداان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسمها، فقال أبو بكر: صدقت يا ابنة رسول الله وصدق علي، وصدقت ام ايمن، وصدق عمر وصدق عبد الرحمن وذلك ان مالك لابيك، كان رسول الله ياخذ من فدك قوتكم ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله، فما تصنعين بها، قالت: اصنع بهاكما كان يصنع بها ابي قال: فلك علي ان اصنع كما كان يصنع ابوك، قالت: الله لتفعلن، قال: الله لافعلن، قالت: اللهم فاشهد)، على ان رواية اخرى تذهب الى ان فاطمة طلبت نحلتها من رسول صلى الله عليه وسلم، وقالت انه نحلها فدك، فطلب منها البينة،

[ 141 ]

فشهد لها علي وام ايمن رضي الله عنهم، فقال أبو بكر رضي الله قد علمت يا بنت رسول الله، انه لا يجوز الا شهادة رجلين أو رجل وامراتين، وافتى الامام علي بان الشهادة تصح برجل وامراة واحدة، مع حلف اليمين، بل بشهادة واحد ويمين، ولكن ابه بكر رد هذا الراي، ونزع فدك من تحت يدي فاطمة، واستشار في ذلك عمر فايده واما اعتمادنا في فتوى الامام علي فكان على ما رواه الامام احمد من الفضائل والترمذي في الجامع الصحيح وابن ماجة والبيهقي والدار قطني في السنن عن جابر ابن عبد الله: ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد مع اليمين في الحجاز، وقضى علي في الكوفة). ولم تذعن الزهراء لراي الصديق، وبقيت مصرة قي طلب الميراث والنحلة، اخرج مسلم في صحيحه عن عائشة، ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسلت الى ابي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما افاه الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نورث ما تركناه صدقة، انما ياكل آل محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المال، واني والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عملن فيها بما عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فابي أبو بكر ان يدفع الى فاطمة شيئا، فوجدت (غضبت) فاطمة على ابي بكر في ذلك، قال: فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد * هامش * (ا) قال القاضي عياض في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في هذه الاحاديث انها صارت إليه بثلاثة حقوق، احدها، ما وهب له صلى الله عليه وسلم وذلك وصية مخيريق اليهودي بعد اسلامه يوم احد، وكانت سبعة حوائط في بني النضير، وما اعطاه الانصار من ارضهم، لهامش * (1) وهوما يبلغه الماء، وكان هذا ملكا له صلى الله عليه وسلم، والثاني: حقه من الفئ في ارض بني النضير حين اجلائهم، كانت له خاصة، لانها لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، واما منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الابل غير السلاح، كما صالحهم ثم قسم الباقي على المسلمين، وكان خالصا له، وكذلك ثلث ارض وادي القرى اخذ في الصلح حين صالح اهلها اليهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر، وهما الوطيح والسلالم اخذها صلحا، والثالث: سهمه من خمس خيبر، وما افتتح فيها عنوة فكانت هذه كلها ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لاحق فيها لاحد غيره، لكنه صلى الله عليه وسلم كان يستاثر بها، بل ينفقها على اهله، والمسلمين وللمصالح العامة،. وكل هذه صدقات محرمات التملك بعده. (2) وفي احدي الروايات ان الذي شهدام ايمن ورباح مولى النبي صلى الله عليه وسلم كما في فتوح البلدان.

[ 142 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة اشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن ابي طالب ليلا، ولم يوذن بها ابا بكر، وصلى عليها علي). وروي الامام زيد بن علي العابدين بن الحسين عن آبائه قالوا: لما بلغ فاطمة، رضي الله عنها، اجماع ابي بكر على منعها فدكا، وانصراف عاملها منها، اقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطا اذيالها، ودخلت على ابي بكر رضي الله عنه، وقد حفل حوله المهاجرون والانصار، فنيطت دونها ملاءة، فانت انة اجهش لها القوم بالبكاء ثم امهلت حتى هدات فورتهم، وسكنت روعتهم، ثم افتتحت الكلام، فحمدت الله وشهدت ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، وقالت كلاما طويلا، ذكرت فيه الصديق ومن حوله من المهاجرين والانصار بنفسها وبابيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطبقا لرواية الامام أبو الفضل احمد بن طاهر في كتاب (بلاغات النساء)، ثم قالت، عليها السلام، (ايها الناس، اعلموا اني فاطمة، وابي محمد صلى الله عليه وسلم، اقول عودا وبداء، ولا يقول ما يقول غلطا، ولا يفعل ما افعل شططلا (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، فان تعزوه وتعرفوه تجدوه ابي دون نسائكم، واخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزى إليه، فبلغ الرسالة، صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا بتجهم، آخذا بكظمهم، داعيا الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الاصنام، وينكث الهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، واسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين وخرست شقائق الشيطان، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقدة الكفر والشقاق، وفهم بكلمة الاخلاص، في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، تقتاتون القد، اذلة خاسئين، تخافون ان يتخطفكم الناس من حولكم، فانقذكم الله تبارك وتعالى بابي محمد صلى الله عليه وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد ان مني بهم الرجال وذوبان العرب، ومردة اهل الكتاب (كلما اوقدوا نارا للحرب اطفاها الله). ثم قالت (هذا كتاب الله بين اظهركم، اموره ظاهرة، واحكامه زاهزة،

[ 143 ]

واعلامه باهرة، وزواجره لا ئحة، واوامره واضحة، قد خلفتموه وراءكم ظهريا، ارغبة عنه تدبرون، ام بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلا، ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين)، وانتم الان تزعمون ان لا ارث لي (افحكم الجا هلية يبغون، ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون)، افلا تعلمون، بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية اني ابنته، ايها المسلمين، ااغلب على ارثي يا ابن ابي قحافة، افي كتاب الله ان ترك اباك، ولا ارث ابي، لقد جئت شيئا فريا، افعلى عمد تركتم كتاب الله وونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول (وورث سليمان داود)، وقال فيما اختص من خبر يحيى بن زكريا، عليها السلام، (رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) وقال (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثين) وقال (ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين با لمعروف حقا على المتقين)، وزعمتم الا حظوة لي، ولا ارث من ابي، ولا رحم بيننا، افخصكم الله باية اخرج ابي صلى الله عليه وسلم ام تقولون اهل ملتين لا يتوارثان، اولست انا وابي من اهل ملة واحدة، ام انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه، من ابي وامي وعمي، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون (لكل نبا مستقر وسوف تعلمون من ياتيه عذا ب يحزيه ويحل عليه عذاب مقيم)، (فان تكفروا انتم ومن في الارض جميعا، فان الله لغني حميد)، الا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس وبثة الصدر، ونفثة الغيظ، تقدمة الحجة، فدونكموها فاستبقوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الابد، موصلة بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة فبعين الله ما تفعلون (وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)، وانا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، (فاعملوا انا عاملون، وانتظروا انا منتظرون). وعندما انتهت الزهراء عليها السلام، من كلامها، قام الصديق، رضي

[ 144 ]

الله عنه، فحمد الله اثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال (يا خيرة النساء، وابنة خير الاباء، والله ما عدوت راي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عملت الا بامره، وان الرائد لا يكذب اهله، وقد قلت فابلغت، واغلظت فاهجرت، فغفر الله لنا ولك، اما بعد، فقد دفعت آلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودابته وحذاءه الى علي، رضي الله عنه، واما ما سوى ذلك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انا معاشر الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا ارضا ولا عقارا ولا دارا، ولكنا نورث الايمان والحكمة والعلم والسنة)، فقد عملت بما امرني، ونصحت له، وما توفيقي الا بالله عليه وتوكلت واليه انيب). ولم تات المناقشات بين الصديق والزهراء بنتيجة، وكفت السيدة فاطمة عن طلبها عزوفة، ولم تشتد السيدة الزهراء في طلبها الا لا عتقادها بانها على حق، وما كانت لتضر للصديق الا الخير، وان اختلفت معه في وجهة نظرها، وقد هدات ثائرتها، وقد ثبت في نفس ذريتها الا يكون في نفس واحد منهم بالنسبة لابي بكر شئ، واخذت الزهراء على نفسها الا تكلم الصديق في ذلك المال أو تطلب ما طلبة وتركت لقاءه في مدتها القصيرة التي اشتغلت فيها بحزنها بمرضها، والحق ان كلا من الزهراء والصديق انما كان مجتهدا فيما يراه صوابا، وما اصدق الاستاذ العقاد حيث يقول (ان الزهراء اجل من ان تطلب ما ليس لها بحق، وان لصدق اجل من ان يسلبها حقها الذي تقوم البينة عليه)، بل ان الشيخ أبو زهرة انما يرى ان الخلاف على تركة النبي في فدك كان على ادارتها، ولم يكن صوره بعض المؤرخين على ملكيتها، ثم صرفها في مصارفها، فكانت الزهراء ترى ادارتها بيت علي، ورفض الصديق ذلك ثم وافق عمر في خلافته على ان تكون الادارة بين علي والعباس، واما ميراث النبي الحقيقي فهو شريعته، وان كانت النصوص لا تعضد وجهة الشيخ الفاضل. ويروى الحافظ ابن كثير ان ابا بكر ترضي فاطمة في مرضها فرضيت، وإذا لم يكن مثل ابي بكر يتودد آل البيت الطاهر وبالاخص فاطمة، فلا يرجى من غيره ذلك، فان فضل الزهراء لا ينكر واخرج ابن سعد في الطبقات عن عمر قال جاء أبو بكرالى فاطمة حين مرضت فاستاذن فقال علي: هذا أبو بكر الباب

[ 145 ]

فان شئت ان تأذني له، قالت: وذلك احب اليك، قال: نعم، فدخل إليها واعتذر إليها، وكلمها فرضيت عنه) وفي رواية للبيهقي باسناد صحيح الى الشعبي مرسلا، ان ابا بكر عاد فاطمة فقال لها علي: هذا أبو بكر يستاذن عليك قالت اتحب ان آذن له قال نعم فاذنت له فدخل عليها فرضاها حتى رضيت عليه على ان رواية اخرى تذهب الى ان عمر قال الابي بكر، رضي الله عنهما انطلق بنا الى فاطمة فانا قد اغضبناها، فانطلقا جميعا، فاستاذنا على فاطمة فلم تأذن لهما، فاتيا عليها فكلماه فادخلهما عليها، فلما قابلاها حولت وجهها الى الحائط، فسلما عليها، فردت عليها السلام بصوت خافت فقال أبو بكر: يا حبيبة رسول الله، والله ان قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم احب الى من قرابتي، وانك لاحب الي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات ابوك اني مت، ولا ابقى بعده، فتراني اعرفك واعرف فضلك وشرفك، وامنعك حقك وميراثك من رسول الله، الا اني سمعت اباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن الانبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا، وانما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة وما تركناه فهو صدقة) فقالت فاطمة لابي بكر وعمر: ارايتكما ان حدثتكما خديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتعلمان به، قالا نعم، فقالت نشدتكما الله الم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن احب فاطمة ابنتي فقد احبني، ومن ارضى فاطمة ابنتي فقد ارضاني، ومن اسخط فاطمة فقد اسخطني)، قالا نعم سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت (فاني اشهد الله وملائكة انكما اسخطتماني وما ارضيتماني، ولئن لقيت النبي لا شكونكما إليه)، فقال أبو بكر: انا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، فقالت لابي بكر: والله لا اكلمك ابدا، قال: والله لا اهجرك ابدا، والله ما اجد اعز علي منك فقرا، ولا احب الي منك غنى، ولكني سمعت رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يقول: انا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة). وهناك في صحيح البخاري ما يشير الى ان الزهراء، عليه السلام، قد ظلت على هجرها للصديق، رضي الله عنه، ولم تكلمه حتى انتقلت الى الرفيق

[ 146 ]

الاعلى راضية مرضيا عنها، فلقد روى البخاري في (باب غزوة خيبر) بسنده عن ابن شهاب عن عروة عائشة، ان فاطمة عليه السلام، بنت النبي صلى الله عليه وسلام ارسلت الى ابي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما افاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة انما ياكل آل محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المال، واني والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فابى أبو بكر ان يدفع الى فاطمة، فوجدت فاطمة على ابى بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد البني صلى الله عليه وسلم ستة اشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا، ولم يوذن بها ابا بكر، وصلى عليها)، وروى البخاري في صحيحه (في باب الفرائض) بسنده عن الزهري عن عروة عن عائشة، ان فاطمة والعباس، عليها السلام اتيا ابا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حينئذ يطلبان ارضهما من فدك، وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركنا صدقة انما ياكل آل محمد من هذا المال، قال أبو بكر والله لا ادع امرا رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه الا صنعته، قال: فهجرته فاطمة، فلم تكمله حتى ماتت)، وروى البخاري ايضا في صحيحه (في الخمس) ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبت على ابي بكر، فهجرته قال فلم تزل مهاجرته حتى توفيت). ثم خرج أبو بكر باكيا ومعه عمر مطرقا فذهبا الى المسجد فاجتمعا بالناس فقال أبو بكر (ايها الناس اقيلوني، يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته، مسرورا باهله وتركتموني وما انا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم)، فقال له الناس ان هذا الامر لا يستقيم، وانت اعلمنا بذلك، انه ان كان هذا لم يقم الله دين، قال: والله لولا ذلك وما اخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة، بعد ما سمعت ورايت من فاطمه تلك قصه فدك وغيرها من ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم بين الزهرا والصديق، ولكن الاقدار كتبت لفدك مصيرا آخر على يد بني امية، لا يرعى للدين حقه، ولا

[ 147 ]

يعيد لال البيت ميراث جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ان قد اصبحت من مصادر المالية العامة في عهد الصديق، ثم دفعها عمر، فيما يرى البعض الى ورثه الرسول صلى الله عليه وسلم وكما جاء في طبقات ابن سعد، فلقد ادى اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ولى الخلافة، وفتحت الفتوح واتسعت على المسلمين، ان يردها الى ورثته رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقيت على آل الرسول صلى الله عليه وسلم الى ان تولي الخلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فاقطعها مروان بن الحكم، فيما قيل، وقد ذهب الحافظ ابن حجر الى ان عثمان قد تأول ان الذي يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم هو الخليفة، فاستغنى عثمان عنها بامواله، فوصل بها بعض قرابته (مروان)، ورغم عدم اطمئناننا الى هذه الرواية من اساس، فان هناك من يذهب الى ان الامام علي قد انتزعها من مروان، على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان، على ان ارجع الروايات والكثرها قبولا انما تنسب ذلك العمل الى معاوية بن ابي سفيان، ذلك انه لما ولى نفسه الخلافة اكثر من الاستخفاف بالحق المظلوم، ذلك ان الصديق، كما رأينا، بصفته ولي الامر، جعل امرها له، يلي فيها ما كان يليه رسول الله صلى الله وسلم فلما كانت ايام معاوية وكان قد جعل اموال المسلمين وكانها ملكه الخاص، فكان يقول (ان جميع ما تحت يدى لي، فما اعطيته قربى الى الله، وما امسك فلا جناح علي فيه) ومن هذا المنطلق اقطع معاوية ابن عمه مروان بن الحكم، والذي سوف يرث هو وابناوه دولة، معاوية، اقطعه ثلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، ويزيد ابنه ثلثها الاخر، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم، ايام ملكه. على ان هناك رواية اخرى تذهب الى انه في سنة اربعين ولي معاوية مروان ابن حكم المدينة، فكتب الى معاوية يطلب إليه فدك فاعطاه اياها فكانت بيد مروان يبيع ثمرها بعشرة الاف دينار كل سنة، ثم نزع مروان عن المدينة وغضب عليه معاوية فقبضها منه فكانت بيد وكيله بالمدينة، وطلبها الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ثم سعيد بن العاص، فابى معاوية ان يعطيها لاحدهما، فلما ولى معاوية مروان المدينة المرة الاخيرة ردها عليه بغير طلب من مروان، ورد عليه غلتها فيما مضى، فاعطى مروان ولده عبد الملك نصفها واعطى ولده الاخرة عبد العزيز

[ 148 ]

نصفها الاخر، وفي رواية اليعقوبي ان معاوية وهب فدكا لمروان ليغيظ بذلك آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويروي ابن عبد ربه في العقد الفريد، والبلاذري في فتوح البلدان انه: لما ولى عمربن العزيز قال: ان فدك كانت مما افاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يصنع فيها حيث امره الله، ثم أبو بكر وعمر وعثمان، كانوا يضعونها المواضيع التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ولي معاوية فاقطعها مروان، ووهبها مروان لعبد الملك وعبد العزيز، فقسمناها بيننا اثلاثا، انا والوليد وسليمان فلما ولى الوليد سألته نصيبه فوهبه لي، وما كان لي مال احب الي منها، وانا اشهدكم انني قد رددتها الى ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وزاد السمهودي في وفاء الوفاء باخبار دار المصطفى، قوله (اوردها الى ولد فاطمة)، والى هذا ذهب (الفيروز ابادي) في المغانم المطابة، وغيره، ومن ثم فهناك رواية تذهب الى انه كتب الى واليه على المدينة ابي بكر بن عمر بن حزم يامره بردها الى ولد فاطمة عليها السلام، فكتب إليه ان فاطمة عليها السلام قد ولدت من آل عثمان وآل فلان وفلان، فعلى من ارد منهم فكتب إليه، اما بعد، فاني لو كتبت اليك آمرك ان تذبح بقرة لسالتني ما لونها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة من علي، عليه السلام، فنقمت بنوامية ذلك على عمر بن عبد العزيز، وعاتبوه فيه، وقالوا له: هجنت فعل الشيخين). ولما ولي يزيد بن عبد الملك انتزعها من اولاد فاطمة، عليها السلام، فصارت في يني مروان ختى انقرضت دولتهم، فلما قام أبو العباس السفاح بالامر، وتقلد الخلافة، ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب، فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، ثم اعادها ولده المهدي إليهم ثم قبضها موسى بن المهدي، ثم اعادها المأمون الى بني فاطمة وعلي من عام 220 ه‍، وكتب بذلك الى قثم بن جعفر عامله على المدينة اما بعد فان امير المومنين بمكانه من دين الله وخلافة رسول الله صلى اله عليه وسلم، والقرابة به، اولى من استن بسنته، وسلم لم منحه وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق

[ 149 ]

امير المومنين وعصمته، واليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطى فدكا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصديق بها عليها، وكان ذلك امرا ظاهرا معروفا، لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تدع منه ما هو اولى به من صدق عليه، فراى امير المومنين ان يردها الى ورثتها، ويسلمها إليهم تقربا الى الله تعالى باقامة حقه وعدله، والى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ امره وصدقته، فامر باثبات ذلك في دواوينه، والكتاب الى عماله، فلئن كان ينادي في كل موسم بعدان قبض نبيه صلى الله عليه وسلم ان يذكر كل من كانت له صدقة اوهبة أو وعدة ذلك فيقبل قوله وتنفذ عدته، ان فاطمة، رضي الله عنها، لاولى بان يصدق قولها فيما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وقد كتب امير المومنين الى المبارك الطبري مولى امير المومنين يامره بردفدك الى ورثة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها الى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب لتولية امير المومنين اياهما القيام بها لاهلها، فاعلم ذلك من راى امير المومنين، وما الهمه الله من طاعته، ووفقه له من التقرب إليه والى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيي ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري واعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها وفور غلاتها ان شاء الله، والسلام) وكتب يوم الاربعاء لليتلين خلتامن ذي القعدة سنة عشر ومائتين (انظر البلاذري: فتوح البلدان 46 - 47، بيروت 1983). ولما بويع المتوكل انتزعها من الفاطميين واقطعها عبد الله بن عمر البازيار، وكان فيها احدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة، فوجه عبد الله البازيار رجلا يقال له بشران بن ابي امية الثقفي الى المدينة، فصرم تلك النخيل ثم عاد قلعج، وينتهي عهد ابناء الزهراء بفدك بخلافة المتوكل ومنحه اياها عبد الله بن عمر البازيار، وهكذا كانت فدك مع ملوك بني امية طوال ايام دولتهم، ما عدا ايام عمر بن عبد العزيز، ثم كانت على ايام العباسيين طبقا لاهواء الملوك والحكام، يعطونها لاهل البيت، ان ارادوا، ويقبضونها عنهم متى شاءوا.

[ 151 ]

الفصل الرابع فضائل الزهراء اختص الله الزهراء من بين اخواتها بنات النبي بالدرجة الرفيعة التي رفعها إليها، فجعلها في مقام مريم ابنة عمران، حيث وصفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بانهما خير نساء العالمين، واختص الله الزهراء كذلك، بان كانت وحدها، من دون ابناء النبي وبناته، هي التي كان منها سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسن والحسين، ومنهما كان نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فقد كان للزهراء - بضعة رسول الله، وسيدة آل البيت، وام الائمة، وسيدة نساء المومنين - كثيرا من الفضائل التي انعم الله بها عليها، اكراما لابيها النبي الرسول، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الفضائل ما جاء في القرآن الكريم، ومنها ما جاء في الحديث الشريف: اولا - في القرآن الكريم ليست هناك آيات خاصة في القرآن الكريم بالسيدة فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، وانما تشترك هي فيما نزل من كتاب الله خاصابآل البيت الطاهرين المطهرين، ومن ذلك آية المباهلة (آل عمران 61) روى مسلم، لما نزلت آية (قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين، رضي الله عنهم، وقال: (اللهم هولاء اهلي)، وآية المباهلة هذه باجماع المسلمين

[ 152 ]

على اختلاف مذاهبهم، انما نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنته الزهراء وابن عمه الامام علي، وسبطيه الحين والحسين. ومنها آية التطهير (الاحزاب 33)، اخرج ابن جرير وابن ابي حاتم الطبراني عن ابي سعيد الخذري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الاية في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة، (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)، ومنها آية مودة القربى (الشورى 23) روى البيضاوي في تفسيره لقوله تعالى: (قال لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى)، قيل يا رسول الله من قرابتك هولاء الذين وجبت علينا مودتهم قال صلى الله عليه وسلم (علي وفاطمة وابناهما)، وروى الامام احمد والهيثمي والطبراني والسيوطي وابن المنذر وابنه ابي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت: (قال لا اسالكم عليه اجر الا المودة في القربى)، قالوايا رسول الله من قرابتك هولاء الذين وجبت علينا مودتهم، قال: (علي وفاطمة وابناها، عليهم السلام) (اللفظ لاحمد). ومنها آيات سورة الانسان (7 - 12) قال تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا...) الى قوله تعالى: (جنة وحريرا)، اخرج ابن مردويه عن ابن عباس ان الايات نزلت في علي بن ابي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الواحدي في تفسيره البسيط والزمخشري في تفسيره الكشاف، والبيضاوي في تفسيره، والفخر الرازي في التفسير الكبير: ان ابن عباس روى (ان الحسن والحسين، عليها السلام، مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في اناس معه فقالوا يا ابا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ان شفاهما الله تعالى ان يصوموا ثلاثة ايام فشفيا وما معهم شئ فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة اصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة اقراص على عددهم ووضعوها بين ايديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: اللام عليكم اهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة فاثروه، وباتوا ولم يذوقوا الا الماء، واصبحوا

[ 153 ]

صائمين، فلما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم فاثروه وجاءهم اسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلما اصبحوا اخذ علي، عليه السلام، بيد الحسن والحسين، ودخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما اشدما يسوءني ما ارى بكم، وقام فانطلق معهم، فراى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبريل عليه السلام، وقال: خذها يا محمد هناك، الله في اهل بيتك فاقراها السورة). وروى المحب الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا) قال اجر على نفسه يسقي نخلا بشئ من شعير ليلة، فلما اصبح قبض الشعير فطحن منه، فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له (الخريرة) (دقيق بلادهن) فلما تم انضاجه اتى مسكينا فسال فاطعموه اياه، ثم وصنعوا الثلث، الثاني، فلما تم انضاجه اتى مسكين فسال فاطعموه اياه ثم وضعوا الثلث الثالث، فلما تم انضاجه اتى اسير من المشركين فاطعموه اياه وطووا يومهم فنزلت الاية. ثانيا - في الحديث الشريف 1 - الزهراء سيدة نساء المومنين يروي اهل السير الحديث عن عائشة قالت: انا كنا ازواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده جميعا لم تغادر منا واحدة، فاقبلت فاطمة، عليها السلام، تمشي، لا والله ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صل الله عليه وسلم فلما رآها رحب، قال مرحبا بابنتي، ثم اجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاءا شديدا، فلما راى حزنها سارها الثانية فاذاهي تضحك فقلت لها انا من بين نسائه: خصك رسول الله صلى الله عله وسلم بالسر من بيننا، ثم انت تبكين، فلما رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: عم سارك، قالت: ما كنت لافشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره، فلما توفي قلت لها: عزمت عليك بما لي

[ 154 ]

عليك من الحق لما اخبر تني، قالت: اما الان فنعم، فاخبرتني، قالت امامن ساراني في الامر الاول فانه اخبرني ان جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وانه قد عارضني به العام مرتين، ولا ارى الاجل الا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فاني نعم السلف انا لك، قالت فبكيت بكائي الذي رايت، فلما رأى جزعي سارني الثانية قال: يا فاطمة، الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المومنين، أو سيدة نساء هذه الامة). وفي رواية صحصح البخاري عن عائشة قالت: اقبلت فاطمة تمشي كان مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مرحبا بابنتي ثم اجلسها عن يمينه اوعن شماله ثم اسر إليها حديثا فبكت فقلت لها لم تبكين، ثم اسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رايت فرحا اقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: (اسر الي ان جبريل كان يعارضنى القرآن كل سنة مرة، انه عارضني العام مرتين، ولا اراه الا حضر اجلي، وانك اول اهلي لحاقا بي فبكيت، فقال: اما ترضين ان تكون سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المومنين، فضحك لذلك). وفي رواية صحيح مسلم عن عائشة قالت: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يغادر منهن امراة، فجاءت فاطمة تمشي كان مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بابنتي فاجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم انه اسر إليها حديثا فبكت فاطمة ثم انه سارها فضحكت ايضه فقلت لها ما يبكيك فقالت ما كنت لافشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما رايت كاليوم فرحا اقرب من حزن، فقلت لها حين بكت اخصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه دوننا ثم تبكين وسالتها عما قال فقالت: ما كنت لافشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قبض سألتها فقالت انه كان حدثني ان جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة وانه عارضه به في العام مرتين ولا اراني الا قد حضر أجلي، وانك اول اهلي لحوقا بي، ونعم السلف انا لك فبكيت لذلك، ثم انه سارني فقال: (الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المومنين أو سيدة نساء هذه الامة، فضحكت لذلك). وفي الحليلة عن عائشة... قال صلى الله عليه وسلم (يا فطمة: اما ترضين ان تكوني سيدة

[ 155 ]

نساء العالمين، أو سيدة نساء هذه الامة)، وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان ملكا من السماء لم يكن زارني، فاستاذن ربي في زيارتي، فبشرني واخبرني ان فاطمة سيدة نساء امتي). وروى الخطيب وابن عساكر عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير رجالكم علي، وخير شبابكم الحسن والحسين وخير نسائكم فاطمة). وفي كنز العمال: ان اول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومثلها في هذه الامة مثل مريم في بني اسرائيل (وروى مثله الذهبي في ميزان الاعتدال). 2 - الزهراء سيدة نساء اهل الجنة اخرج الامام الترمذي عن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فاطمة يوم الفتح فناجها فبكت، ثم حدثها فضحكت، قالت فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها عن بكائها وضحكها قالت اخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم انه يموت فبكيت، ثم اخبرني اني سيدة نساء اهل الجنة الا مريم بنت عمران، فضحكت. وروى السيوطي في الجامع الكبير عن ابن عساكر عن حذيفة بن النعمان رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتاني ملك فسلم علي نزل من السماء لم ينزل قبلها، فبشرني ان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة، وان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة)، وفي رواية اخرى عن الترمذي عن حذيفة (هذا ملك لم ينزل الارض قط قبل هذه الليلة استاذن ربي ان يسلم علي ويبشرني ان فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة). وفي رواية للامام احمد في مسنده ابن حبان في صحيحه عن حذيفة قال صلى الله عليه وسلم: (اما رايت العارض الذى عرض لى قبيل، هو ملك من الملائكة لم يهبط الى الارض قط قبل هذه الليلة، استاذن ربه عزوجل ان يسلم على ويبشرني ان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنتة، وان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة) وروى البخاري في صحيحه (باب مناقب فاطمة عليها السلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فاطمة سيدة نساء اهل الجنة).

[ 156 ]

واخرج الامام احمد وابو يعلى والطبراني وابن عبد البر عن ابن عباس قال حط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الارض اربعة خطوط، قال ما تدرون ما هذا، فقالوا: (الله ورسوله اعلم فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم افضل نساء اهل الجنة خديخة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امراة فرعون، ومريم ابنة عمران) وفي رواية الحاكم في المستدرك خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الارض اربعة خطوط، ثم قال: (اتدرون ما هذا، قالوا: الله ورسوله اعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افضل نساء الجنة اربعة، خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم)، وروى الحكام عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسبك من نساء العالمين اربع: مريم بنت عمران وآسية امراة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)، واخرج الامام احمد في الفضائل، والحاكم في المستدرك ان عائشة قالت لفاطمة بنت رسول الله صلى اله عليه وسلم الا ابشرك اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيدات نساء أهل الجنة اربع، مريم بنت عمران وفاطمة بنت رسول الله وخديجة بنت خويلد وآسية امراة فرعون)، وروى الامام احمد عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسبك من نساء العالمين، مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امراة فرعون)، وروى ابن حجر في الاصابة عن عائشة قولها (ما رايت قط احدا افضل من فاطمة غير ابيها). 3 - مشابهة الزهراء للنبي صلى الله عليه وسلم اخرج الامام احمد في المسند عن انس بن مالك قال: لم يكن احد اشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي وفاطمة، صلوات الله عليهم اجمعين) وروى أبو داود في سننه عن عائشة قالت: ما رايت احدا اشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها واجلسها في مجلسه)، وفي رواية الحاكم في المستدرك عن عائشة: ما رايت احدا اشبه كلاما وحديثا من فاطمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت إذا دخلت عليه رجب بها وقام إليها، فاخذ بيدها فقبلها واجلسها في مجلسه). وفي رواية اخري (للحاكم ايضا) زيادة (وكانت هي إذا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 157 ]

قامت إليه مستقبلة. وقبلت يده). وروى البخاري والترمذي عن عائشة انها قالت (ما رايت احدا من الناس كان اشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاما، ولا حديثا ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها اقبلت رحب بها ثم إليها فقبلها، ثم اخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا اتاها النبي صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته). 4 - الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج الامام مسلم في صحيحه عن المسور بن مخرمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما فاطمة بضعة مني، يوذيني ما اذاها)، وفي رواية عن الامام احمد من حديث المسور بن مخرمة (فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها)، وفي صحيح البخاري (فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اغضبني)، وروى الحاكم في المستدرك عن السور بن مخرمة انه بعث إليه بن حسن يخطب ابنته فقال له: قل له فليلقاني في العتمة قال: فلقيه فحمد الله السور واثنى عليه ثم قال: اما بعد ايم الله ما من نسب ولا سبب ولا صهر احب الي من نسبكم وسببكم وصهركم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فاطمة بضعة مني يقبضني ما يبقضها، ويبسطني ما يبسطها، وان الانساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري، وعندك ابنتها، ولو زوجتك لقبضها ذلك، فانطلق عاذرا له)، وفي رواية للامام احمد (فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وان الانساب تنقطع يوم القيامة، غير نسبي وسببي وصهري). واخرج مسلم في صحيحه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويوذيني ما اذاها، وروى الترمذي في الجامع الصحيح (انما فاطمة بضعة مني، يوذيني ما اذاها، وينصبني ما انصبها)، وعن مجاهد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد فاطمة، فقال: من عرف هذه عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني، وهي قلبي، وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى)، هذا ولما اقسم (أبو لبابة))

[ 158 ]

عندما ربط نفسه في المسجد، الا يحله احد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت فاطمة لتحله فابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما فاطمة مضعة مني، فحلته. يقول السهيلي في الروض الانف بعد ذلك، فصلى الله عليه، وعلى فاطمة، فهذا حديث يدل ان من سبها فقد كفر، وان من صلى عليها، فقد صلى على ابيها، صلى الله عليه وسلم. 5 - الزهراء احب الناس الى النبي صلى الله عليه وسلم اخرج الطبراني في الاوسط عن ابي هريرة قال، قال علي: (يا رسول الله، اينا احب اليك، انا ام فاطمة، قال صلى الله عليه وسلم فاطمة احب الى منك، وانت اعز علي منها)، وروى ابن عبد البر في الاستيعاب سئلت عائشة، رضي الله عنها، اي الناس كان احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (فاطمة، قيل فمن الرجال، قالت زوجها إذ كان ما علمة، صواما قواما)، وروى الحاكم في في المستدرك، وصححه بسنده عن جميع بن عمير، قال: دخلت مع امي على عائشة، فسمعتها من وراء الحجاب، وهي تسألها عن علي، فقالت: (تسالينني عن رجل، والله ما اعلم رجلا كان احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من علي، ولا في الارض امراة كانت احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة) وروى الحاكم في المستدرك عن عمر رضي الله عنه انه دخل على فاطمة، رضي الله عنها، فقال: (يا فاطمة والله ما رايت احدا احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، والله ماكان احد من الناس بعد ابيك صلى الله عليه وسلم احب الى منك). وروى عن عائشة، رضي الله عنها، قالت، قلت يا رسول الله، مالك إذا قبلت فاطمة جعلت لسانك في فيها مانك تريد ان تلعقها عسلا، فقال صلى الله عليه وسلم: انه لما اسرى بي ادخلني جبريل الجنة فناولني تفاحة فاكلتها، فكلما اشتقت الى تلك القفاحة قبلت فاطمة فاصبت من رائحتها رائحة تلك التفاحة)، وروى المحب الطبري في (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى) عن اسامة بن زيد عن علي قال قلت: يا رسول الله، اي اهلك احب اليك، قال صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت محمد)، وروى ابن عساكر عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (احب اهلي الي فاطمة).

[ 159 ]

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابي ثعلبة الخشني قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفراو غزاة، اتى المسجد فصلى ركعتين، ثم ثنى بفاطمة، ثم ياتي ازواجه)، وعن ابن عمر بسنده انه قال (ان النبي صلى الله عيه وسلم كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا به فاطمة، وإذا قدم من سفر كان اول من الناس به عهدا فاطمة، رضي الله تعالى عنها، وروى المحب الطبري في الذخائر عن ثوبان انه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر، آخر عهده اتيان فاطمة، واول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة، عليها السلام). وروى الطبراني والهيثمي عن ابن عباس قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي وفاطمة وهما يضحكان فلما رايا النبي سكتا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم مالكما، كنتما تضحكان فلما رأيتماني سكتا، فبادرت فاطمة فقالت: بابي انت يا رسول الله، قال هذا (مشيرة الى علي) انا احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فقلت: بل انا احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا بنية رقة الولد، وعلي اعز علي منك). 6 - تنكيس الرووس لمرور الزهراء يوم القيامة روى الحاكم قي المستدرك، والسيوطي في الجامع الصغير عن علي بن ابي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجب: (يا اهل الجمع غضوا ابصاركم عن فاطمة بنت محمد حتى تمر)، وفي رواية اخرى للسيوطي عن ابي ايوب: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: (يا اهل الجمع، نكسوار ووسكم، وغضوا ابصاركم، حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط فتمر مع سبعين الف جارية من الحور العين كمرالبرق) (روا أبو بكر في الغيلانيات) وروى الامام احمد في الفضائل والحاكم في الستدرك والطبراني في الكبير والاوسط والهيثمي في جمع الزوائد وابو بكر في الغيلانيات (من طرق مختلفة) عن النبي صلى الله وعليه وسلم انه قال: إذا كان يوم القيامة قيل: (يا اهل الجمع غضوا ابصاركم

[ 160 ]

حتى تمر فاطمة بنت رسول الله فتمر، وعليها ربطتان خضراوان)، وعن ابي ابوب الانصاري (في رواية) قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة جمع الله الاولين والاخرين في صعيد واحد، ثم ينادي مناد من بطنان العرش، ان الجليل جل جلاله يقول: (نكسوا رؤوسكم، وغضوا ابصاركم، فان هذه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد ان تمر على الصراط، فتمر ومعها سبعون الفا من الحور العين)) وروى الحاكم في الستدرك بسنده عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تبعث الانبياء يوم القيامة على الدواب ليوافوا بالومنين من قومهم المحشر، ويبعث صالح على ناقته، وابعث على البراق، خطوها عند اقصى طرفها، تبعث فاطمة امامى) - قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وفي كنز العمال: يبعث الله الانبياء يوم القيامة على الدواب، ويبعث صالحا على ناقته كيما يوافي بالومنين من اصحابه المحشر، وتبعث فاطمة والحسن والحسين عليم السلام على ناقتين من نوق الجنة، وعلي بن ابي طالب عليه السلام على ناقتي وانا على البراق ويبعت بلالا على ناقته فينادي بالا ذان (الحديث) قال اخرجه الطبراني وابو الشيخ وابن عساكر عن ابي هريرة - يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم 7 - تحريم الزهراء. ذريتها على النار روى المحب الطبري في ذخائر العقبى، اخرج الحافظ الدمشقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: يا فاطمة تدرين لم سميت فاطمة، قال علي: يا رسول الله، لم سميت فاطمة، قال صلى الله عليه وسلم (ان الله عز وجل قد فطمها وذريتها عن النار يوم القيامة)، وقد رواه الامام علي بن موسى الرضا مسنده: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله عز وجل فطم ابنتي فاطمة وولدها ومن احبهم من النار، فلذلك سميت فاطمة). ورو الحاكم في المستدرك من حديث معاوية بن هشام عن عبد الله ابن مسعود، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان فاطمة احصنت فرجها فحرمها الله وذريتها

[ 161 ]

على النار) (رواه ايضا عن ابن مسعود البزار وابو يعلى والطبراني في الكبير)، وروى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان فاطمة حصنت فرجها، وان الله ادخلها باحصان فرجها وذريتها الجنة)، وروى الطبراني والهيثمي عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها، (ان الله غير معذبك ولا ولدك). 8 - مرور النبي صلى الله عليه وسلم ببات فاطمة في صلاة الصبح روى الامام احمد عن علي بن زيد عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر ببات فاطمة ستة اشهر، إذا خرج الى صلاة الصبح ويقول: الصلاة الصلاة (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)، وفي رواية اخرى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ياتي ببات فاطمة ستة اشهر إذا خرج من صلاة الفجر، يقول: (يا اهل البيت، الصلاة الصلاة يا اهل البيت) (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) واخرج ابن مردوية وابن جرير عن ابي الحمراء قال: (حفظت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية اشهر بالمدينة، ليس من مرة يخرج الى صلاة الغداة، الا اتى الى باب علي رضي الله عنه فوضع يده على جنبي الباب ثم قال الصلاة الصلاة، (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)، الصلاة، رحمكم الله، كل يوم خمس مرات)، واخرج الطبراني عن ابي الحمراء قال: رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم ياتي باب علي وفاطمة ستة اشهر فيقول: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) واخرج الترمذي عن علي بن يزيد عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمة، عليها السلام، ستة اشهر، كلما خرج الى الصلاة فيقول: الصلاة اهل البيت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)، واخرج ابن مردوية عن ابي سعيد الخذري قال: لما دخل علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها جاء النبي صلى الله عليه وسلم اربعين صباحا الى بابها يقول: السلام عليكم اهل

[ 162 ]

البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم، تطهيرا، انا حرب لمن حاربتم، وانا سلم لمن سالمتم). 9 - غضب الله تعالى لغضب الزهراء روى ابن سعيد في شرف النبوة، عن علي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه ووسلم (يا فاطمة، ان الله عز وجل يغضب لغضبك، ويرضي لرضاك)، وروى أبو نعيم في قضائل الصحابة وابن عساكر وابو يعلى في مسنده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (يا فاطمة، ان الله ليغضب لغضبك، ويرضي لرضاك) وروى الديلميي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله عز وجل ليغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها)، وروى ابن ابي شبية عن محمد بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (انما فاطمة بضعة مني، فمن اغضبها فقد اعضبني). 10 - طهارة الزهراء من الحيض عن اسماء بنت عميس قالت (قبلت، اي ولدت، فاطمة بالحسن، فلم ار لها دما فقلت يا رسول الله: اني لم ار لها دما في حيض ولا نفاس، فقال صلى الله عليه وسلم اما علمت ان ابنتي طاهرة مطهرة لا يرى لها دما في طمث ولا ولادة)، وروى النسائي والمحب الطبري عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان ابنتي فاطمة حوراء إذ لم تحض ولم تطمث، وانما سماها فاطمة لان الله عز وجل فطمها ومحبيها عن النار) وفي رواية الخطيب: ابنتي فاطمة خوراء آدمية لم تحض ولم تطمث وانما سماها الله فاطمة لان الله تعالى فطمها ومحبيها من النار) وفي رواية الديلمي عن ابي هريرة: (انما سميت فاطمة لان الله فطمها ومحبيها من النار) وقال الامام أبو جعفر محمد الباقر رضي الله عنه لما ولدت فاطمة عليه السلام اوحى الله الى ملك فانطلق الله به لسان محمد صلى الله عليه وسلم فسماها فاطمة ثم قال صلى الله عليه وسلم، (ان الله تعالى فطمك عن الطمث).

[ 163 ]

وقد قال ابوها العظيم صلى الله عليه وسلم: (خلق الله نور فاطمة قبل ان يخلق الارض والسماء، فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي انسية فقال صلى الله عليه وسلم فاطمة حوارء انسية)، ومن علامات الحور العين انها لا تطمث، فقد قال تعالى: (لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان)، وكذلك الزهراء فانها كانت طاهرة من الحيض والنفاس، وقد اجمع المسلمون على انها لم ترحيضا ولا نفسا، وهذه ميزة فريدة امتازت بها الزهراء، عليها السلام، على بنات حواء. 11 - اجرى اله تعالى الزهراء مجرى مريم عن ابي سعيد الخذري رضي الله عنه قال: سال علي فاطمة ذات يوم، هل عندك شئ تغذينيه، قالت لا، والذي اكرم ابي بالنبوة، ما اصبح عندي شئ اغذيكه، ولا اكلنا بعد شيئا، ولا كان لنا شئ بعدك منذ يومين اوثرك به على بطني وعلى ابني هذين، قال يا فاطمة، الا اعلمتني حتى ابغيكم شيئا، قالت: اني استحي من الله ان اكلفك ما لا تقدر عليه، فخرج من عندها واثقا بالله، حسن الظن به، فاستقرض دينارا، فبينما الدينار في يده اراد ان يبتاع لهم ما يصلح لهم إذ عرض له المقداد في يوم شديد الحر، قد لوحته الشمس من فوقه وآذته من تحته فلما رآه انكره، فقال يا مقداد، ما ازعجك من رحلك هذه الساعة، قال يا ابا الحسن: خل سبيلي، ولا تسألني عما ورائي، قال: يا ابن اخي انه لا يحل لك ان تكتمني حالك، قال: اما إذا ابيت فوالله الذي اكرم محمدا بالنبوة ما ازعجني من رحلي الا الجهد، ولقد تركت اهلي يبكون جوعا، فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الارض فخرجت مغموما راكبا راسي، فهذه حالتي وقصتي فهملت عينا علي بالبكاء حتى بلت دموعه لحيته، ثم قال احلف بالذي حلفت به، ما ازعجني غير الذي ازعجك، ولقد اقترضت دينار فهاك، واوثرك به على نفسي، فدفع له الدينار ورجع حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر والعصر والمغرب. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب مر بعلي في الصف الاول فغمزه برجله فسار خلف النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحقه عند باب المسجد، ثم قال صلى الله عليه وسلم يا ابا الحسن: هل

[ 164 ]

عندك شئ تغشينابه، فاطرق علي لا يحير جوابا حياء من النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف الحال التي خرج عليها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اما ان تقول لا فنصرف عنك أو نعم فنجئ معك، فقال له: حبا وتكريما، اذهب بنا، وكان الله سبحانه وتعالى قد اوحي الى نبيه صلى الله عليه وسلم ان تعش عندهم، فاخذ الرسول بيده فانطلقا حتى دخلا على فاطمة، عليها السلام، في مصلاها، وخلفها جفنة تفور دخانا، فلما سمعت كلام النبي صلى الله عليه وسلم خرجت من المصلى فسلمت عليه، وكانت اعز الناس عليه، فرد عليها السلام، ومسح بيده على راسها، وقال: كيف امسيت، عشينا غفر الله لك وقد فعل فاخذت الجفنة فوضعتها بين يديه، فلما نظر علي ذلك وشم ريحه، رمى فاطمة ببصره رميا شميما، فقالت: ما اشخ نظرك واشهده، سبحان الله، هل اذنبت فيما بيني وبينك ما استوجب به السخطة، قال: واي ذنب اعظم من ذنب اصبته اليوم، اليس عهدي بك اليوم، وانت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاما يومين فنظرت الى السماء فقالت: الهي يعلم ما في سمائه، ويعلم ما في ارضه، اني لم اقل الا حقا، قال: فاني لك هذا الذي لم ار مثله، ولم اشم رائحة، ولم آكل اطيب منه، فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم كفه المباركة بين كتفي علي، ثم هزه، وقال: يا علي هذا ثواب الدينار، وهذا جزاء الدينار، هذا من عند الله يرزق من يشاء بغير حساب، ثم استعبر النبي صلى الله عليه وسلم باكيا، وقال: الحمد لله الذي لم يحز جكما من الدنيا حتي يجريك يا علي من المجرى الذي فيه زكريا، ويجريك يا فاطمة في المجرى الذي فيه مريم، (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم اني لك هذا). وروى الزمخشري في الكشاف عند قصة زكريا ومريم، عليها السلام، عن النبي صلى الله عليه وسلم انه جاع في زمن قحط، فاهدت له فاطمة رغيفين وبغعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية وكشف عن الطبق، فإذا هو مملوء خبزا ولحما، فبهتت، وعملت انها نزلت من الله سبحانه وتعالى، فقال لها: اني لك هذا، قالت: هو من عند الله، ان الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: الحمد لله الذي جعلك شبيهة (مريم) سيدة نساء بني اسرائيل، ثم جمع صلى الله عليه وسلم علي بن ابي

[ 165 ]

طالب والحسن والحسين وجميع اهل بيته، رضي الله عنهم، حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو واوسعت فاطمة جيرانها 12 - حفظ ذرية النبي صلى الله عليه وسلم في ذرية الزهراء الله لقد اكرم الله سبحانه وتعالى الزهراء بان حفظ ذرية نبية صلى الله عليه وسلم قي ذريتها وابقي عقبه في عقبها، فهي وحدها، دون بناته وبنيه، ام السلالة الطاهرة والعترة الخيرة، والصفوة المختار ة من عباد الله من امته لان ابناء النبي الذكور ماتوا جميعا وهم اطفال لم يشبوا عن الطوق، ولم يبلغوا الحلم بعد، واما بناته صلى الله عليه وسلم فلم يتركن وراءهن اطفالا، ما عدا السيدة زينب، رضي الله عنه،، التي لم تنجب سوى علي الذي مات صغيرا، و (امامة) التي تزوجها الامام علي بعد الزهراء، بوصية منها، ولكنها لم تنجب له اولادا ولم يبق من بناته الطاهرات الا الزهراء، البتول، وقد ولدت للامام علي الحسن والحسين (ومحسن الذي مات صغيرا) وام كلثوم وزينب الكبرى الشهيرة بعقيلة بني هاشم، رضي الله عنهم اجمعين، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم عقب الا من فاطمة الزهراء، واعظم بها مفخرة، وهكذا كان من ذرية الزهراء، من ابناء الحسن والحسين جميع السادة الاشراف، ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الطبراني والخطيب عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، لم يبعث الله نبيا قط، الا جعل ذريته من صلبه غيري فان الله جعل ذريتي من ضلب علي، رضي الله عنه)، وروى الامام احمد والطبراني وابو يعلى والمحب الطبري ان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خطب الى علي بن ابي طالب ام كلثوم فاعتل عليه بصغرها، فقال اني لم ارد الباه ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكل ولد اب فان عصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة، فاني انا ابوهم وعصبتهم) واخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني انثى فان عصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة، فاني انا عصبتهم، وانا ابوهم)، وعن فاطمة عليها السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل بني انثى عصبة ينتمون إليه الا ولد فاطمة فانا وليهم وانا عصبتهم)،

[ 166 ]

وروى الطبراني وابو نعيم في فضائل الصحابة عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (والله ما من نبي الا وولد الانبياء غيري، وان ابنيك سيدا شباب اهل الجنة، الا ابني الخالة يحيى وعيسى). وعن ابن عباس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خلق الناس من اشجار شتى، وخلقت انا وعلي بن ابي طالب من شجرة واحدة، فما قولكم من شجرة انا اصلها، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا اوراقها، فمن تعلق بعصن من اغصانها ساقه الى الجنة، ومن تركها هوى الى النار)، وفي رواية (انا شجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا ورقها، فالشجرة اصلها في جنة عدن، والاصل والفرع واللقاح والثمر والورق في الجنة) وهكذا كان نسل علي وفاطمة نسلا مباركا للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم انما كان يدعو الحسن والحسين ابنيه، فيقول صلى الله عليه وسلم في الحسن (ان ابني هذا سيد)، واخرج الترمذي عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لفاطمة: (ادعي ابني فيشمهما ويضمهما إليه)، اضف الى ذلك انه لما نزلت آية المباهلة (آل عمران 61) دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين وخرج للمباهلة واخرج الحاكم عن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لكل بني ام عصبة، الا ابني فاطمة، فانا وليهم عصبتهم). 13 - الزهراء سيدة النساء العالمين وافضلهن روى ابن عبد البر في الا ستيعاب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: لفاطمة: يا بنية الا ترضين انك سيدة نساء العالمين، قالت: يا ابت فاين مريم، قال: تلك سيدة نساء عالمها فإذا احتج البعض بقوللله تعالى في آل عمران (قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) قلنا على نساء عالم زمانها، وذلك كقوله تعالى لموسى (اني اصطفيتك على الناس)، وكقوله تعالى عن بني اسرائيل (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) وقال تعالى (يا بني اسرائيل

[ 167 ]

اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين) ومعلوم، كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية، ان ابراهيم عليه والسلام افضل من موسى، وان محمدا صلى الله عليه وسلم افضل منهما، وكذلك هذه الامة افضل من سائر الامم قبلها، واكثر عددا وافضل علما وازكي عملا من بني اسرائيل وغيرهم. وروى الامام احمد في المسند عن حذيفة بن اليمان قال: دخلت على امي يوما فسألتني: هل رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لها: منذ كذا وكذا، لم اره، فنالت مني ونهرتني، فلما رايتها غضبى قلت لها: دعيني فاني ذاهب البه، وساصلي معه المغرب ثم لا ادعه حتى يستغفر لي، قال حذيفة فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب والعشاء ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وفتبعته، وبينما نحن في طريقنا عرض النبي صلى الله عليه وسلم عارض فناجاه، ثم ذهب فتبعته ايضا فسمع مشيتي خلفه فالتقت الى وقال من هذا قلت خذيفة بن اليمان يا رسول الله فقال: ذلك ملك من الملائكة لم يهبط الى الارض قط قبل هذه الليلة، وقد استاذن ربي في ان يسلم علي ويبشرني ان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة، وان فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين). وروى الصادق في الامالي بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في فاطمة (وانها لسيدة نساء العالمين)، فقيل يا رسول الله: اهي سيدة نساء عالمها ؟، فقالت تلك مريم ابنة عمران، فاما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين)، وعن عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال وهوفي مرضه الذي توفي فيه، يا فاطمة، الا ترضين ان تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الامة، وسيدة نساء المومنين) وفي رواية الحاكم في المستدرك: (يا فاطمة الا ترضين ان تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الامة) وعن عمران بن حصين ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (اما ترضين ان تكوني سيدة نساء العالمين، قالت: فاين مريم ابنة عمران، قال لها: اي بنية، تلك سيدة نساء عالمها، وانت سيدة نساء

[ 168 ]

العالمين)، واخرج الطبراني باسناد على شرط الشيخين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رايت احدا قط افضل من فاطمة غير ابيها). وهكذا ذهب كثير من العلماء المحققين، ومنهم التقي السبكي والجلال السيوطي والبدر الزركشي والتقي المقريزي والبلقيني والسهيلي، ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم افضل نساء الدنيا، حتى مريم ابنة عمران، وعبارة السبكي حين سئل عن ذلك، فقال: الذي نختاره ان فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم افضل، وسئل عن ذلك ابن داود، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (فاطمة بضعة مني، ولا اعدل ببضعة رسول الله احد) ويقول السهيلي: وهذا استقراء حسن ويشهد لصحة هذا الاستقراء ان ابا لبابة، حين ربط نفسه في المسجد، وخلف ان لا يحله الا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت فاطمة لتحله فابي من اجل قسمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما فاطمة مضعة مني، فحلته. هذا وقد ذهب الالوسي في تفسيره (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسع المثاني) الى ان فاطمة البتول افضل النساء المتقدمات والمتاخرات من حيث انها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على افضليتها على عائشة رغم من احتج بفضل عائشة بحديث (خذو اثلثي دينكم عن الحميراء) وحديث (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام)، والقول بان عائشة، يوم القيامة في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاطمة مع زوجها على ابي طالب، وفرق عظيم بين مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام على، وكل ذلك لا يدل على فضل عائشة على الزهراء لاسباب كثيرة، منها (اولا) ان قصارى ما في الحديث الاول، على تقدير ثبوته، انما يدل على ان السيدة عائشة كانت عالمة وهذا لا يدل على نفي العلم المماثل لعلمها عند الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلمه صلى الله عليه وسلم ان الزهراء لا تبقى بعده طويلا اي زمنا معتدا به يمكن اخذ الدين عنها فيه، ولهذا لم يقل فيها ما قاله في عائشة ولو علم لربما قال (خذوا كل دينكم عن الزهراء)، وعدم هذا القول على من دل العقل والنقل عن علمه، لا يدل على مفضوليته، والا لكانت عائشة افضل من ابيها الصديق رضي الله عنه لانه لم يرو عنه في الدين الا قليل، لقلة لبثه بعد رسول

[ 169 ]

الله صلى الله عليه وسلم ومنها (ثانيا) قوالنبي صلى الله عليه وسلم: (اني تركت فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي لا يفترقان حتى يراد على الحوض)، يقوم ذلك الخبر وزيادة، كما لا يخفى، كيف لا، وفاطمة (رضي الله عنها) سيدة تلك العترة. ومنها (ثالثا) ان حديث (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام) معارض لقوله صلى الله عليه وسلم (فضلت خديجة على نساء امتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين)، بل ان هذا الحديث الا خبر اظهر في الافضلية، واكمل في المدح عند من انجاب عن عين بصيرته عين التعصب والتعسف، لان ذلك الخبر، وان كان ظاهرا من الافضلية، ولكنه قيل، ولو على بعد، ان (ال) في النساء، فيه للعهد والمراد بها الازواج الطاهرات الموجودات حين الاخبار، ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث (حديث فضل خديجة)، ومنها (رابعا) ان القول بان عائشة ستكون في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وان فاطمة ستكون مع زوجها االامام علي، وفرق كبير بين مقام النبي صلى الله عليه وسلم وعلي، قساس مع الفارق يستدعي ان تكون سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم افضل من سائر الانبياء والمرسلين، عليهم الصلاة والسلام، لان مقاهم بلا ريب، ليس كمقام صاحب المقام المحمود سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كانت الشركة في المنزل مستدعية للافضلية لزم ذلك قطعا، وهذا ما لم يقل به احد. ومنها (خامسا) الاحاديث الشريفة المذكورة هنا في اول هذا البند من فضائل الزهراء (رقم 13) وانها سيدة نساء العالمين، وهي احاديث تقول بلسان عربي مبين لمن لا يريد ان يتجاهل فضل الزهراء، ان فاطمة سيدة نساء العامين، وهناك حديث متفق عليه، عن عائشة نفسها، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (الا ترضين ان تكوني سيدة نساء اهل الجنة أو نساء المومنين) (رواه البخاري ومسلم واحمد وابن سعد) ولم يات لمريم ذكر، وهكذا فضلت فاطمة لانها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن ان يعدل مسلم ببضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم احدا، ومنها (سادسا) انه لما اقسم أبو لبانة عندما ربط نفسه في المسجد الا يحله احدالا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت فاطمة لتحله فابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما فاطمة بضعة مني) فحلته. ومنها (سابعا) قال

[ 170 ]

المحب الطبري في الرياض النضرة: روى ابو سعيد في شرف النبوة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: (اوتيت ثلاثا لم يوتهن احد، ولا انا، اوتيت صهرا مثلي، ولم اوت انا مثلي، واوتيت زوجة صديقة مثل البنتي ولم اوت مثلها زوجة، واوتيت الحسن والحسين من صلبك، ولم اوت من صلبي مثلها، ولكنكم مني، وانا منكم). ويذهب الالوسي الى ان افضل النساء فاطمة ثم خديجة ثم عائشة، بل انه لا يرى باسا في قول من يقول: ان سائر بنات النبي صلى الله عليه وسلم افضل من عائشة، واما فضل فاطمة على اخواتها فلانها ولدت الحسن سيد هذه الامة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (ان ابني هذا سيد)، ثم انه خليفة كما ان زوجها الامام علي خليفة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: (هي خير بناتي، انها اصيبت بي)، فحق لمن كانت هذه حالها ان تسود نساء اه الجنة، كما قال ابوها صلى الله عليه وسلم، وان تسود نساء العالمين كذلك، ومنها ان المهدي المبشر به آخر الزمان من ذريتها، فهي مخصوصة بهذا كله وانطلاقا من كل هذا، فالراي عندي ان سيدة نساء العالمين وافضلهن انما هي فاطمة الزهراء، فهي سيدة النساء بنص حديث ابيها صلى الله عليه وسلم، وهي سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء المومنين، وسيدة نساء هذه الامة، وسيدة نساء أهل الجنة، كل ذلك باحاديث صحيحة متفق عليها من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ام سيدي شباب اهل الجنة، وريحانتي النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، وهي زوج الامام علي، ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمه، ثم هي التي حفظ الله بها ذرية النبي صلى الله عليه وسلم فهي ام السادة الاشراف جميعا. واما فضل السيدة خديجة على السيدة عائشة، رضي الله عنها، فقد ذهب (ابن العماد) الى ان خديجة افضل من عائشة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، حين قالت له: قد رزقك الله خيرا منها)، فقال لهاصلى الله عليه وسلم: لا والله ما رزقني الله خيرا منها، آمنت بي حين كذبني الناس، واعطتني ما لها حين حرمني الناس) وروى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: استاذنت هالة بنت خويلد،

[ 171 ]

اخت خديجة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال (اللهم هالة، قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد ابدلك الله خيرا منها، وتذهب بعض الروايات الى ان الرسول صلى الله عليه وسلم رد عليها بقوله الشريف (والله ما ابدلني الله خيرا منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء)، وايد هذا بان عائشة اقراها النبي السلام من جبريل، واقرا خديجة السلام من الله عن طريق جبريل، روى الامام احمد والبخاري وابن سعد والنسائي عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (هذا جبريل وهو يقرا عليك السلام، فقالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا نرى)، وروى البخاري ومسلم والحاكم واحمد (واللفظ لاحمد) عن ابي زرعة قال سمعت ابا هريرة بقول: اتى جبريل السلام الى النبيي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، هذه خديجة قد اتتك ومعها انا فيه ادام أو طعام أو شراب، فاذاهي اتتك فاقرا عليها السلام من ربها غروجل، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لاصخب فيه ولانصب)،) (1)، وفي رواية: اتى جبريل رسول صلى الله عليه وسلم فقال اقرا خديجة السلام من ربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خديجة: هذا جبريل يقرئك السلام من ربك، فقالت خديجة: الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام) وعند النسائي زيادة: وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته)، قال ابن حجرفي فتح الباري، قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها لا نها لم تقل: عليه السلام، كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد: السلام على الله، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ان الله هو السلام، فقولوا التحيات لله: فعرفت خديجة لصحة فهمها ان الله لا يرد عليه السلام، كما يرد على المخلوقين). ثم هناك الاحاديث الشريفة التي تبين فضائل خديجة، ومنها الحديث الذي * هامش * (1) يقول السهيلي: انما بشرها ببيت في الجنة من قصب، يعني اللولو، لانها حازت قصب السبق الى الايمان، ولا صخب فيه ولا نصب، لانها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تتعبه في الدهر، فلم تصخب عليه يوما، ولا اذته ابدا.

[ 172 ]

رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي واحمد (واللفظ لاحمد) عن هشام بن عروة عن ابيه عن عبد الله بن جعفر، حدثه انه سمع عليا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة)، وفي رواية (خير نسائها خديجة، وخير نسائها مريم، عليها السلام)، واخرج الحاكم والامام احمد عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امراة فرعون)، وفي رواية ثالثة (خير نساء العالمين اربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويل، وفاطمة بين محمد)، واخرج الامام احمد وابو يعلي والطبراني والحاكم وابن عبد البر عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الارض اربعة خطوط، قال ما تدرون ما هذا، فقالوا: الله ورسوله اعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افضل نساء اهل الجنة، خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امراة فرعون، ومريم ابنة عمران). 14 - وفاة الزهراء لم تكن حياة الزهراء هنية بعد انتقال ابيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الاعلى، ذلك انها فجعت بوفاة ابيها صلى الله عليه وسلم، وفوجئت بمنع الصديق رضي الله عنه اياها حقها في فدك، فتاثرت لذلك اشد الاثر واعظمه فغدت شاكية لا ترى الا هي معصوبة الراس، وطبقا لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، الصادقة فسرعان ما لحقت به، فكانت اسرع اهله لحوقا به، وقد اختلف العلماء في مدة بقائها بعد ابيها صلى الله عليه وسلم، فقيل اربعون يوما، وقيل خمسة واربعون، وربماكان ذلك اشتباها بمدة مرضها، وروى الحاكم بسنده عن عائشة انها شهران، وروى ابن عبد البر في الاستيعاب انها سبعون يوما، وذهب ابو الفرج الاصفهاني الى انها ثلاثة اشهر، لكن المشهور ان الزهراء عليها السلام، ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة اشهر، وطبقا لرواية الامام الباقر وعروة بن الزبير، وان وفاتها كانت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة احدى عشرة للهجرة (20 نوفمبر 632 م) وبوليدها الحسن والحسين سيدي شباب اهل الجنة، حفظت العترة المحمدية.

[ 173 ]

وروي عن الامام جعفر الصادق رضي الله عنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك الا الثقلين، كتاب الله عزوجل، وعترته اهل بيته، وكان قد اسر الى فاطمة رضي الله عنها، انها لاحقة به، وانها اول اهل بيته لحوقا به، فقالت رضي الله عنها (بينما انا نائمة بعد وفاة ابي بايام، إذ رايت كان ابي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشرف علي، فلما رايته لم املك نفسي ان ناديت: يا ابتاه، انقطع عنا خبر السماء فبينما انا كذلك إذ اتتني الملائكة صفوفا يقدمها ملكان حتى اخذا بي فصعدا بي الى السماء، فرفعت راسي، فإذا انا بقصور مشيدة وبساتين وانهار، تطرد قصرا بعد قصر وبستانا بعد بستان، وإذا قد طلع علي من تلك القصور جوار كانهن الدمى مستبشرات يضحكن الي ويقلن: مرحبا بمن خلقت لها الجنة، وخلقنا نحن من اجل ابيها، ولم تزل الملائكة تصعد بي حتى ادخلوني الى دار فيها قصور، وفي كل قصر بيوت فيها ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها من السندس والاستبرق، وعلى الاسرة الكثير منها، وعليها الا لحفة من الحرير والديباج بالوان شتى، ومن اواني الذهب والفضة ما ياخذ بالابصار، وعليها الوان الطعام، وفي تلك الجنان نهرا شد بياضا من اللبن، واحلى مذاقا من العسل، واطيب رائحة من المسك، فقلت لمن هذه الدار، وما هذه الانهار، فقالوا هذه الدار هي الفدوس الاعلى الذي ليس بعده جنة، وهي دار ابيك ومن معه من النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، ومن احب الله عزوجل من الشهداء والصديقين، وهذا هو نهر الكوثر الذي وعد الله تبارك وتعالى اباك صلى الله عليه وسلم ان يعطيه اياه، قلت: فاين ابي، قالوا: الساعة يدخل عليك، فبينما انا كذلك إذ برزت لي قصور اشد بياضا من تلك القصور، وفرش هي احسن من تلك الفرش، وإذا انا بفرش مرتفعة على اسرة، وإذا ابي جالس على تلك الفرش ومعه جماعة، فاخذني وضمني وقبل ما بين عيني، وقال: مرحبا بابنتي، واقعدني في حجرة، ثم قال: يا حبيبتي، اما ترين ما اعد الله لك وما تقدمين عليه، واراني قصورا مشرفات فيها الوان الطرائف والحلى والحلل، وقال: هذا مسكنك ومسكن زوجك وولديك ومن احبك واحبهم، فطيبي نفسا، فانك قادمة علي بعد ايام، قالت: فطار قلبي، واشتد شوقي، فانتهبت مرعوبة).

[ 174 ]

واخرج ابن سعد في الطبقات والهيثمي في مجمع الزوائد والامام احمد في المسند والفضائل عن عبد الله بن ابي رافع عن ابيه عن امه سلمى قالت: اشتكت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرضتها فاصبخت يوما كامثل ما كانت، فخرج علي بن ابي طالب، فقالت يا امتاه، اسكني لي ماء غسلا، فسكبت لها فقامت فاغتسلت كاحسن ما كانت تغتسل، ثم قالت هاتي ثيابي الجدد فاعطيتها فلبستها ثم جاءت الى البيت الذي كانت فيه فقالت: قدمي الفراش الى وسط البيت، فقدمته فاضطجعت واستقبلت القبلة فقالت: يا امتاه: اني مقبوضة الان، واني قد اغتسلت فلا يكشفني احد وقبضت، فجاء علي بن ابي طالب فاخبرته فقال: (والله لا يكشفها احد، ثم حملها بغسلها ذلك فدفنها) وفي رواية الامام احمد بن حنبل في المسندعن ام سلمى قالت: اشتكت فاطمة سلام الله عليها شكواها التي قبضت فيه فكنت امرضها، فاصبحت يوما كامثل ما رايتها في شكواها تلك، قالت: وخرج علي عليه السلام لبعض حاجته، فقالت: يا امة اسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كاحسن ما رايتها تغسل ثم قالت: يا امة اعطني ثيابي الجدد فاعطيتها فلبستها، ثم قالت: يا امة قدمي لي فراشي وسط البيت، ففعلت واضطجعت واستقبلت القبلة، وجعلت يدها تحت خدها، ثم قالت: يا امة اني مقبوضة الان، وقد تطهرت، فلا يكشفني احد، فقبضت مكانها، قالت: فجاء علي فاخبرته). على ان هناك من يثير جدلا حول هذا الحديث، فيقول الدار قطني بعد اخراجه: وكيف يكون صحيحا، والغسل انما شرع لحدث الموت، فكيف يقع مثله ولو قدرنا حقا هذا عن فاطمة، افكان يخفي على علي عليه السلام، ثم ان احمد والشافعي يحتجان في غسل الزوج زوجته ان عليا غسل فاطمة عليها السلام، فلقد روى ابن سعد في الطبقات عن محمد بن موسى ان علي بن ابي طالب غسل فاطمة كما ان هناك رواية عن اسماء بنت عميس قالت فيها: غسلت انا وعلي ابن ابي طالب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية اخرى ان ذلك كان بوصية من الزهراء نفسها ان تغسلها اسماء وعلي، فغسلاها.

[ 175 ]

وهناك رواية تذهب الى ان اعرابيا جاء من الشام، وابن عباس كان في المسجد الحرام يفتي الناس، فسأله عن ابناء رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناته، فاخبره ان ابناءه كانوا خمسة: القاسم والطاهر والمطهر والطيب، وهم من خديجة، رضي الله عنها، وابراهيم من مارية، وبناته كن اربعا: زينب ورقية وام كلثوم وفاطمة، وكن ايضا من خديجة وكلهم مات في حياته صلوات الله عليه، الا فاطمة فانها بقيت اربعين يوما بعده، ولما جاء اجل فاطمة لم تحم ولم تصدع، ولكن اخذت بيد الحسن والحسين فذهب بهما الى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجلستهما عنده ثم وقفت، فصلت بين المنبر والقبر ركعتين ثم ضمتهما الى صدرها والتزمتهما، وقالت يا ولدي اجلسا عند ابيكما ساعته، والامام علي، عليه السلام، يصلي في المسجد، ثم رجعت نحو المنزل فحملت ما فضل من حنوط النبي صلى الله عليه وسلم فاغتسلت به ولبست فضل كفنه ثم نادت يا اسماء فقالت لها: لبيك يا بنت رسول الله، فقالت تعاهديني، فاني ادخل هذا البيت فاضع جنبي ساعتة فإذا مضت ساعة ولم اخرج فناديني ثلاثا فان اجبتك، والا فاعلمي اني لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قامت مقام الرسول صلى الله عليه وسلم في بيتها، فصلت ركعتين، ثم جللت وجهه بطرف ردائها وقصت نجبها، وقيل بل ماتت في سجدتها. فلما مضت ساعة اقبلت اسما فنادت يا فاطمة الزهراء، يا ام الحسن والحسين، يا بنت رسول الله، يا سيدة نساء العالمين، فلم تجب فدخلت فاذاهي ميته، فقال الاعرابي: كيف علمت وقت وفاتها يا ابن عباس، قال: اعلمها ابوها، ثم شقت اسماء جيبها، وقالت كيف اجترئ فاخبر ابني رسول الله بوفاتك، ثم خرجت فتلقاها الحسن والحسين فقالا: اين امنا فسكتت فدخلا البيت فاذاهي ممتدة فحركها الحسين فاذاهي ميتة فقال: يا آخاه آجرك الله في امنا، وصاح اهل الدينة لاعلموا بخبر وفاتها واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة تتزعزع منها وهن يقلن: يا سيدتاه، يا حبيبتاه، يا بنت رسول الله، واقيل الناس الى علي وهو جالس، والحسن والحسين، رضي الله عنهم اجمعين بين يديه يبكيان فبكى لبكائهما، واجتمع الناس فجلسوا وهم يسترجعون وينتظرون ان تخرج الجنازة فيصلوا عليها، فخرج ابو ذر الغفاري وقال: انصرفوا فان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اخر اخراجها هذه

[ 176 ]

العشيعة فقام الناس وانصرفوا. هذا وهناك ما يشير الى ان الزهراء قد اوصت الامام بثلاث: اولها: ان يتزوج بامامة بنت اختها زينب من ابي العاص بن الربيع، وذلك لانها كما قالت الزهراء: انها بنت اختي وتحنوا على ولدي (أو) انها في حنوى ورومتي وثانيها: ان يتخذ لها نعشا وصفته له وعن ابن عباس: ان فاطمة اول من جعل لها النعش عملته لها اسماء بنت عميس، وكانت قد راته بارض الحبشة (وذلك بان دعت بسرير فاكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدتها على قوائمه وجعلت عليه نعشاثم جللته ثوبا، فقالت فاطمة رضي الله عنها اصنعي لي مثله، استريني سترك الله،) وثالثها: (الا يشهد احد جنازتها ممن كانت غاضبة عليهم وان تدفن ليلا وان تحنط بفاضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم وان يغسلها في قميصه ولا يكشف عنها)، وهكذا تنفيذا لوصية الزهراء دفنت ليلا وصلى عليها الامام علي ونزل في قبرها، ولم يكن معه سوى بنو هاشم والصفوة من اصحابه تنفيذا لوصيتها روى ابن سعد عن الامام علي زين العابدين بن الامام الحسين قال: سالت ابن عباس، متى دفنتم فاطمة، فقال دفناها بليل بعد هداة، قال قلت: فمن صلى عليها قال: علي، وعن الزهري وعروة بن الزبيران عليا صلى على فاطمة، ودفنها ليلا. وروى المسهودي في وفاء الوفا عن جعفر الصادق عن ابيه ان عليا دفن فاطمة عليها السلام ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد، المواجه دار اسماء بنت حسين بن عبد الله (في وقته) وهو الباب الذي كان في شامي باب النساء في المشرق وهناك رواية اخرى ان الزهراء دفنت في البقيع وسوى علي حول قبرها قبورا مزورة حتى لا يعرف احد موضعه (ولست ادري لماذا، ومن ثم فهوراي غير مقبول) ويستدلون على ذلك بان الامام الحسين قال (ادفنوني في المقبرة الى جنب امي)، على ان هناك رواية توكدان الزهراء دفنت في بيتها الذي ادخله عمر بن عبد العزيز في المسجد، وان عبد العزيز بن مروان كان يقول انها دفنت في بيتها، وصنع بهاما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم وانها دفنت في موضع

[ 177 ]

فراشها ويحتج بانها دفنت ليلا، ولم يعرف بها كثير من الناس (وهذا ما احسن انا شخصيا به زياراتي التي اشرف بالمثول فيها امام سيدي ومولاي وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكاد رجلاي تقف هناك عند المكان الذي قيل لي انه بيت الزهراء) هذا وقد حزن الامام علي اشد الحزن واقساه على زوجه الزهراء البتول وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم له، فيما روى الامام احمد عن جابر بن عبد الله الانصار ي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن ابي طالب (سلام عليك ابا الريحانتين من الدنيا، فعن قليل يذهب ركناك، والله خليفتي عليك، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال علي: هذا اخد الركنين الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ماتت فاطمة، قال هو الركن الاخر، الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى الى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (السلام عليك يا رسول شخصيا به زياراتي التي اشرف بالمثول فيها امام سيدي ومولاي وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكاد رجلاي تقف هناك عند المكان الذي قيل لي انه بيت الزهراء) هذا وقد حزن الامام علي اشد الحزن واقساه على زوجه الزهراء البتول وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم له، فيما روى الامام احمد عن جابر بن عبد الله الانصار ي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن ابي طالب (سلام عليك ابا الريحانتين من الدنيا، فعن قليل يذهب ركناك، والله خليفتي عليك، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال علي: هذا اخد الركنين الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ماتت فاطمة، قال هو الركن الاخر، الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى الى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك وزائرتك، والمختار لها سرعة اللحاق بك قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وقل عنها تجلدي، الا ان لي التأسي بسنتك وفي فرقتك موضع تعز، وانا لله وانا اليه راجعون، قد استرجعت الوديعة واخذت الرهينة فما اقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله اما حزني فسرمد واما ليلي فمسهد ولا يبرح ذلك من قلبي حتى يختار الله لي دارك انت بها مقيم، كمد مبرح وهم مهيج، سرعان ما قرق بيتنا يا رسول الله فبعين الله تدفن ابنتك سرا، ويهتضم حقها قهرا، ويمنع ارثها جهرا، ولم يطل منك العهد، ولم يخلق منك الذكر، فالى الله المشتكى، وفيك اجمل العزاء، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته). هذا وقد روي ان الامام كان يزور قبر الزهراء كل يوم. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

مكتبة شبكة أمل الثقافية