ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ج 3

ينابيع المودة لذوي القربى

القندوزي ج 3


[ 1 ]

ينابيع المودة لذوي القربى - 3 -

[ 3 ]

ينابيع المودة لذوى القربى للشيخ سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي " 1220 - 1294 ه‍ " تحقيق سيد علي جمال اشرف الحسيني المجلد الثالث

[ 4 ]

ينابيع المودة لذوي القربى (ج 3) تأليف: سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي تحقيق:. سيد علي جمال اشرف الحسيني الناشر: دار الاسوة للطباعة والنشر المطبعة: اسوه. الطبعة: الاولى تاريخ النشر: 1416 ه‍. ق عدد المطبوع: 2000 دورة ثمن الدورة: 4500 تومان جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 7 ]

الباب الستون في الاحاديث الواردة في شهادة الحسين صلوات الله ورحمته وبركاته وسلامه عليه وعلى أهل بيته ومن معه دائما سرمدا [ 1 ] في المشكاة: عن أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس (رضي الله عنهما) إنها دخلت على رسول الله (ص) فقالت: يارسول الله، إني رأيت حلما منكرا الليلة. قال: ما هو ؟ (قالت: انه شرير. قال: وما هو ؟). قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك المبارك (1) قطعت ووضعت في حجري. فقال (ع): رأيت خيرا، تلد فاطمة - إن شاء الله تعالى - غلاما يكون في حجرك. قالت: فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري، فأرضعته بلبن قثم (2)، فدخلت يوما على النبي (ص) فوضعته في حجره، ثم حانت (3) مني التفاتة فإذا عينا رسول الله (ص) تهريقان الدموع.


[ 1 ] مشكاة المصابيح 3 / 1741 حديث 6171 (مناقب أهل البيت). مستدرك الصححين 3 / 176. (1) لا يوجد في المصدر: " المبارك ". في المصدر: (كما قال رسول الله (ص) " بدل: " فأرضعته بلبن قثم ". في المصدر: " كانت " بدل " حانت ". (*)

[ 8 ]

(قالت) فقلت: يا رسول الله بأبي وأمي مالك ؟ قال: أتاني جبرائيل (ع) فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا ؟ قال: نعم. وأتاني بتربة (من تربته) حمراء (رواه البيهقي) (1). [ 2 ] وفي حمع الفوائد: عائشة رفعته: إن جبرائيل أخبرني أن ابني حسينا مقتول في أرض الطف، وإن أمتي ستفتن بعدي (للكبير). [ 3 ] وفي الاصابة: أنس بن الحارث (2) بن نبيه: قال البخاري في تاريخه، والبغوي، وابن السكين، وغيرهما: عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن أنس بن الحارث (3)، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها " كربلاء " فمن شهد ذلك منكم فلينصره. فخرج أنس بن الحارث (4) الى كربلا فقتل بها مع الحسين (رضي الله عنه وعمن معه). (5)


(1) لا يوجد في المصدر: " رواه البيهقي ". [ 2 ] جمع الفوائد 2 / 218 (مناقب الحسن والحسين (ع). مجمع الزوائد 9 / 187. [ 3 ] الاصابة 1 / 68. (2) في المصدر: " الحرث ". (3) في المصدر: " الحرث ". (4) في المصدر: " الحرث ". (5) لا يوجد في المصدر: " رضي الله عنه وعمن معه ". (*)

[ 9 ]

[ 4 ] في جمع الفوائد: ابن عباس قال (1): إستأذنني الحسين في الخروج فقلت: لولا أن يزري ب أو بك لشبكت بيدي على (2) رأسك. فقال: لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن يستحل بي حرم الله ورسوله. فذلك الذي سلى بنفسي عنه. [ 5 ] وفي الاصابة: إمرئ القيس بن عدي بن عوس بن جابر بن كعب بن عليم الكلبي، كان أميرا على قضاعة الشام. قال له علي بن أبي طالب: هذان ابناي وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا بناتك. فقال: قد أنكحتك يا علي الحياة ابنتي. وأنكحتك يا حسن سلمى ابنتي وأنكحتك يا حسين الرباب ابنتي، وهي أم سكينة وفيها يقول الحسين شعرا: لعمرك إنني لاحب داراا * تحل بها سكينة والرباب وهي التي أقامت على الروضة المكرمة للحسين في كربلا حولا ثم أنشدت هذا البيت: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد عذر وفي كتاب مودة القربى: عن الحسين (ع) قال: قال لي جدي (ص): يا بني إنك لكبدي، طوبى لمن أحبك وأحب ذريتك،


[ 4 ] جمع الفوائد 2 / 218. (1) لا يوجد في المصدر: " قال ". (2) في المصدر: " في ". [ 5 ] الاصابة 1 / 113 ترجمة 487. [ 6 ] مودة القربى: 34 المودة 12. (*)

[ 10 ]

فالويل لقاتلك يوم الجزاء. [ 7 ] وفي البخاري: عن ابن أبي نعم البجلي قال (1): سمعت (عبد الله) بن عمر (و) سأله عن المحرم - قال شعبة أحسبه - يقتل الذباب. فقال: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله (ص) وقال النبي (ص): هما ريحانتاي من الدنيا. [ 8 ] وفي جمع الفوائد: أنس قال: كنت عند ابن زياد فجئ برأس الحسين (ع) فجعل يضرب بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا. فقلت: أما إنه كان أشبههم برسول الله (ص) (للبخاري والترمذي بلفظه). ولنورد ما في " الصواعق المحرقة " للشيخ ابن حجر الهيثمي الشافعي المكي عمدة علماء الشافعية وسندهم: [ 9 ] أخرج ابن سعد والطبراني: عن أم المؤمنين (2) عائشة (رضي الله عنها) رفعته: أخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني (3) أن فيها مضجعه.


[ 7 ] صحيح البخاري 4 / 217. سنن الترمذي 2 / 325 حديث 3859. (1) لا يوجد في المصدر: " البجلي قال ". [ 8 ] جمع الفوائد 2 / 217. صحيح البخاري 4 / 216. سنن الترمذي 5 / 325 حديث 3867. [ 9 ] الصواعق المحرقة: 192 حديث 28. (2) لا يوجد في المصدر: " أم المؤمنين ". (3) في المصدر: " فأخبرني ". (*)

[ 11 ]

[ 10 ] أخرج أبو داود والحاكم: عن أم النضل زوجة العباس - كانت مرضعة الحسين بلبن قثم - (1) رفعته: أتاني جبرائيل وأخبرني (2) أن أمتي ستقتل ابني هذا (يعني الحسين) وأتاني من تربة حمراء. [ 11 ] أخرج أحمد مرفوعا: دخل علي ملك لم يدخل علي قبل فقال لي: إن ابنك حسينا مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الارض التي يقتل بها، فأخرج تربة حمراء. [ 12 ] وأخرج البغوي في معجمه، وأبو حاتم في صحيحه، وأحمد وابن أحمد، وعبد ابن حميد وابنه أحمد: عن أنس: إن النبي (ص) قال: إستأذن ملك (القطر) ربه أن يزورني فأذن له، وكان يوم أم سلمة، فقال: (رسول الله (ص)) يا أم سلمة إحفظي (علينا) الباب لا يدخل أحد، فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين (فاقتحم) فوثب على حجر جده (3) (ص) ف‍ (جعل رسول الله (ص) يلثمه ويقبله. فقال اله) الملك: ا أتحبه ؟ قال: نعم. قال:) إن أئتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به.


[ 10 ] الصواعق المحرقة: 192 حديث 29. (1) لا يوجد في المصدر: " زوجة العباس - كانت مرضعة الحسين بلبن قثم - " وبدله " أم الفضل لنت الحرث ". (2) في المصدر: " فاخبرني ". [ 11 ] الصواعق المحرقة: 192. المناقب لاحمد 2 / 770 حديث 1357. [ 12 ] الصواعق المحرقة: 192. (3) في المصدر: " على رسول الله ". (*)

[ 12 ]

فأراه فجاءه بسهلة وتراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلا. وزاد أبو حاتم: إنه (ص) شمها وقال: ريح كربلا (1). والسهلة: رمل خشن، [ 13 ] وفي رواية الملا وابن أحمد: قال (ص): يا أم سلمة، فمتى صار دما فاعلمي أنه قد قتل. قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة فرأيته يوم قتل الحسين قد صار دما. وقالت: لما كانت ليلة قتله سمعت قائلا يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا * فابشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وحامل الانجيل فبكيت وفتحت القارورة فإذا صار دما. [ 14 ] أخرج ابن سعد: عن الشعبي قال: مر علي (كرم الله وجهه) بكربلا عند مسيره الى صفين... فبكى حتى بل الارض من دموعه. فقال (2): دخلت على رسول الله (ص) وهو يبكي فقلت: يا رسول الله بأبي وأمي (3) ما يبكيك ؟ قال: كان عندي جبرائيل آنفا وأخبرني أن ولدي الحسين يقتل بشاطئ


(1) في المصدر: " كرب " وبلاء ". [ 13 ] الصواعق المحرقة: 192 - 193 (باختصار). [ 14 ] الصواعق المحرقة: 193. (2) في المصدر: " ثم قال ". (3) لا يوجد في المصدر: " يارسول الله بأبي وأمي ". (*)

[ 13 ]

الفرات بموضع يقال له " كربلا " ثم قبض جبرائيل قبضة من ترابه (1) وشممني إياها (2)، فلم أملك عيني أن فاضتا. أيضا رواه أحمد نحوه. [ 15 ] وروى الملا: إن عليا (كرم الله وجهه) (3) مر بكربلا فقال: هذا (4) مناخ ركابهم، وهاهنا موضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد، يقتلون بهذه العرصة، تبكي عليهم السماء والارض. [ 16 ] وأخرج الترمذي: عن سلمى - إمرأة من الانصار - قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك ؟ قالت: رأيت رسول الله (ص) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله ؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا (5). وكذلك رآه ابن عباس في المنام، نصف النهار، أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله فقال: دم الحسين وأصحابه، فلم يزل يتردد الخبر فوجد أن الحسين قد قتل (6) في ذلك اليوم... يوم الجمعة عاشر المحرم سنة إحدى


(1) في المصدر: " تراب ". (2) في المصدر: " إياه ". [ 15 ] الصواعق المحرقة: 193. (3) لا يوجد في المصدر: " كرم الله وجهه ". في المصدر: " ها هنا ". الصواعق ا لمحرقة: 193. لفظ المصدر هكذا: " وأخرج الترمذي: ان أم سلمة رأت النبي (ص) باكيا وبرأسه ولحيته التراب فسألته فقال: قتل الحسين آنفا ". في المصدر: (لم أزل أتتبعه منذ اليوم فنظروا فوجدوه قد قتل ". (*)

[ 14 ]

وستين، وله ست وخمسون سنة وأشهر. [ 17 ] قالت أم سلمة: ما سمعت نوحة الجن منذ قبض رسول الله (ص) إلا ليلة التي قتل قبلها الحسين (1). أيها القاتلون جهلا حسينا * فابشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى (2) وحامل الانجيل وسمعت صوت جن أخرى يقول: مسح النبي جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش * وجده خير الجدود وناحت أخرى: أتقى حسين هبلا * كان حسين جبلا وناحت جن أخرى: ألا يا عين فاحتفلي بجهد * فمن يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا * الى متجبر في الملك وغد الوغد: رجل ليس له نسب صحيح (3). ولما (قتلوه) بعثوا برأسه الشريف (4) الى يزيد الظالم (5) فنزلوا أول مرحلة


[ 17 ] الصواعق المحرقة: 193. (1) في المصدر: " فلما كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلا يقول: ". (2) في (أ): " وعيسى ". (3) لا يوجد في المصدر: " وسمعت صوت جن أخرى يقول " الى " الوغد: رجل ليس له نسب صحيح ". (4) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (5) لا يوجد في المصدر: " الظالم ". (*)

[ 15 ]

فجعلوا يشربون النبيذ (1)، فبينا هم [ كذلك ] إذ خرجت (عليهم) يد من الحائط (2) معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم: أترجو أ l ة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس الشريف (3). (أخرجه منصور بن عمار) (4). وذكر غيره أيضا: أن هذا البيت وجد بحجر مكتوب فيه هذا البيت (5) قبل مبعثه (ص) بثلاثمائة سنة، وإن هذا البيت مكتوب في كنيسة بأرض (6) الروم لا يدري من كتبه (7). [ 18 ] وذكر أبو نعيم الحافظ في كتابه " دلائل النبوة ": عن نصرة الازدية: أنها قالت: لما قتل الحسين أمطرت السماء دما، فأصبحنا فإذا رحائنا (8) وجرارنا مملوءة دما. (19) وفي أحاديث غيرها (9) (ومما ظهر يوم قتله من الآيات أيضا): إن السماء اسودت (اسودادا عظيما) حتى رؤيت النجوم نهارا، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط.


(1) في المصدر: " بالرأس " بدل " النبيذ ". (2) في المصدر: " خرجت عليهم من الحايط يد.... ". (3) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (4) الصواعق المحرقة: 194. (5) لا يوجد في المصدر: " مكتوب فيه هذا البيت ". (6) في المصدر:، " من أرض ". (7) المصدر السابق. (18) المصدر السابق. (8) في المصدر: " وجنابنا " بدل " (فإذا رحائنا ". (19) المصدر السابق. (9) في المصدر:، (غير هذه ". (*)

[ 16 ]

(20) أخرج أبو الشيخ: إن الورس الذي كان في عسكرهم تحول رمادا وكان في قافلة من اليمن تريد العراق فوافقهم (1). ولنورد ما في جمع الفوائد: (21) الليث بن سعد: لما قتل الحسين وأصحابه انطلقوا بعلي بن الحسين في غل، وفاطمة وسكينة بنتا الحسين إلى ابن زياد، فبعث بهم الى يزيد، فأمر بسكينة أن يجعلها خلف الظهر لئلا ترى رأس أبيها ! حتى جاءوا عند يزيد فقال يزيد: نفلق هاما من رجال أعزة علينا * وهم كانوا أعق وأظلما ثم أرسلهم إلى المدينة. (22) الشعبي: رأيت (في النوم كأن) رجالا من السماء نزلوا (2) معهم حراب يتبعون (3)


(20) الصواعق المحرقة: 194. (1) في المصدر: " فوافتهم حين قتله ". (21) جمع الفوائد: 2 / 218 ولفظه في المصدر هكذا: الليث بن سعد: قال أبى الحسين ان يستأسر فقاتلوه فقتلوه وقتلوا ابنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه وانطلق بعلي بن الحسين وفاطمة وسكينة بنتي حسين الى ابن زياد فبعث بهم الى يزيد فأمر بسكينة فجعلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها وعلي بن حسين في غل وهو غلام فوضع رأس الحسين وقال يزيد: تعلق هاما (البيت) وقال علي بن الحسين: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أن ذلك على الله يسير "، فقال يزيد: بل بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير فقال علي: أما والله لو رآنا رسول الله (ص) مغلولين لاحب أن يقربنا قال: صدقت فقربوهم فجعلت فاطمة وسكينة تتطاولان لتريان رأس أبيهما وجعل يزيد يستطاول في مجلسه ليستر الرأس ! ! ثم أمر بهم فجهزوا وأصلح إليهم واخرجوا إلى المدينة. ومتى كان يزيد الفاسق الفاجر يفكر ببنات الرسالة ويهمه أمرهن ويخشى عليهن الاذى... أين يزيد من العواطف الانسانية والنبل ؟ ! ! (22) المصدر السالق. (2) في المصدر: " نزلوا من السماء ". (3) في المصدر: " يتتبعون ". (*)

[ 17 ]

قتلة الحسين، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم. (23) الزهري: (قال) ما رفع بالشام حجر (يوم قتل الحسين) إلا وجد تحته (1) دم. و (في رواية): لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط. (24) أبو قبيل: لما قتل الحسين انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب... (25) الليث بن سعد: (انه) قتل مع الحسين العباس (بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين عامرة) وجعفر وعبد الله وعثمان وأبو بكر، هم (2) بنو علي بن أبي طالب، (وأم أبي بكر ليلى بنت مسعود نهشلية) وعلي الاكبر بن الحسين (3)، وأمه ليلى الثقفية (4)، وعبد الله بن الحسين، وأمه الرباب من بني كلب (5)، وهو رضيع (6)، وأبو بكر بن الحسن وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر (بن أبي طالب)، ومسلم وجعفر (7) ابنا عقيل (بن أبي طالب)، وسليمان مولى الحسين (وعبد الله رضيع الحسين). (26) محمد بن الحنفية قال (8): قتل مع الحسين سبعة عشر كلهم اتصل (9) في رحم


(23) جمع الفوائد 2 / 218. (1) في المصدر: " الا عن دم ". (24) المصدر السابق. (25) المصدر للسابق. (2) لا يوجد في المصدر: " هم ". (3) في المصدر: " وعلي بن الحسين الاكبر ". (4) في المصدر: " ثقفية ". (5) في المصدر: " كلبية ". (6) لا يوجد في المصدر: " وهو رضيع ". (7) في المصدر: " وجعفر ومسلم ". (26) المصدر السابق. (8) لا يوجد في المصدر: " قال ". (9) في المصدر: " ارتكض ". (*)

[ 18 ]

فاطمة (رضي الله عنها وعنهم). (27) أبو قبيل: لما (قتل الحسين احتزوا رأسه و) قعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ فخرج قلم من حديد من حائط فكتب بدم: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا فتركوا (1) الرأس الشريف المبارك (2)، ثم رجعوا (هؤلاء الاحاديث اخرجها الطبراني في الكبير) (3). (28) عمارة بن عمير قال: لما جئ برأس (عبيد الله) بن زياد وأصحابه نضدت في المسجد في الرحبة فانتهيت إلى الناس (4) وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية (قد) جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخر (عبيد الله) بن زياد، فمكثت (هنيئة) ثم خرجت فذهبت (حتى تغيبت) ثم (قالوا: قد) جاءت، (قد جاءت) ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا (للترمذي). (29) أبو طالوت: إن أبا برزة الاسلمي دخل على عبيد الله بن زياد، فلما رآه قال: إن محمديكم هذا لدحداح. ففهمها الشيخ، فقال: ما كنت أحسب أن أبقى في قوم يعيروني بصحبة محمد (ص).


(27) جمع الفوائد 2 / 218. (1) في المصدر: " وتركوا ". (2) لا يوجد في المصدر: " الريف المبارك ". (3) لا يوجد في المصدر: " هؤلاء الاحاديث أخرجها الطبراني في الكبير ". (28) جمع الفوائد 2 / 217. (4) في المصدر: " إليهم ". (29) سنن أبي داود 4 / 423 حديث 3749 باب 26. (*)

[ 19 ]

فقال له ابن زياد: إن صحبة محمد لكم زين غير شين، إنما بعثت اليك لاسألك عن الحوض، هل سمعت محمدا يذكر فيه شيئا ؟ قال: أبو برزة: نعم سمعناه لا مرة ولا خمسا، فن كذب به فلا سقاه الله منه. ثم خرج مغضبا (لابي داود) (انتهى جمع الفوائد). ثم نذكر ما في الصواعق: (30) وحكى سفيان بن عيينة: عن حربة (1): إن رجلا (2) (ممن) انقلب ورسه رمادا أخبر بانقلاب ورسه بالرماد، وأخبر أنهم (3) نحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل الغيران، فطبخوها فصارت مثل العلقم وأخبر (4) أن السماء احمرت (لقتله) وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، (وظن الناس أن القيامة قد قامت)، ولم يرفع حجر (في الشام) إلا رؤي تحته دم عبيط. (31) أخرج عثمان بن أبي شيبة: إن السماء بكت (5) سبعة أيام فصارت حمراء (6)، وترى على الحيطان كأنها معصفرة من شدة حمرة السماء (7).


(30) الصواعق المحرقة: 194. (1) في المصدر: " جدته ". (2) في المصدر: " جمالا ". (3) في المصدر: (... أخبرها بذلك ونحروا ناقة... ". (4) لا يوجد في المصدر: " أخبر ". (31) المصدر السابق. (5) في المصدر: " مكثت بعد قتله ". (6) لا يوجد في المصدر: " فصارت حمراء ". (7) في المصدر: " حمرتها ". (*)

[ 20 ]

(32) وروى (1) ابن الجوزي: عن ابن سيرين: ان الدنيا اظلمت ثلاثة أيام و (2) ظهرت الحمرة في السماء. (33) وقال أبو سعيد الخدري: ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط، ولقد أمطرت (3) السماء دما بقي أثره في الثياب حتى تقطعت. (34) أخرج الثعلبي وأبو نعيم: أنه امطرت السماء دما (4). زاد أبو نعيم: فأصبحنا رحائنا (5) وجرارنا مملوءة دما. (35) وفي رواية: إن السماء أمطرت الدم على البيوت والجدران (6) بخراسان والشام والعراق (7)، و (إنه). لما جئ برأس الحسين (ض) الى دار ابن زياد صار لون حيطانها دما. (36) أخرج الثعلي: إن السماء بكت وبكاؤها حمرتها. وقال غيره: احمرت آفاق السماء ستة أشهر - بعد قتل الحسين (ض) (8) ثم لا


(32) الصواعق المحرقة: 194. (1) في المصدر: " ونقل ". (2) في المصدر: " ثم ". (33) المصدر السابق. (3) في المصدر: " مطرت ". (34) المصدر السابق. (4) في المصدر: " ما مر من أنهم مطروا دما ". (5) في المصدر: " وجبابنا ". (35) المصدر السابق. (6) في المصدر: " والجدر ". (7) في المصدر: " والكوفة ". (36) الصواعق المحرقة: 194 - 195. (8) في المصدر: " بعد قتله ". (*)

[ 21 ]

زالت الحمرة ترى بعد ذلك. وإن ابن سرين قال: إن الحمرة التي مع الشفق لم تكن حتى (1) قتل الحسين (ض) (2). وذكر ابن سعد: إن (هذه) الحمرة لم تر في السماء قبل تقله (ض) (3). قال ابن الجوزي: وحكمته: إن غضبنا يؤثر حمرة الوجه، والحق منزه (4) عن الجسمية، فأظهر تأثير غضبه على قتلة الحسين بحمرة الافق، اظهارا لعظم الجناية. قال: وأنين عباس (ض) ببدر وهو أسير (5) منع النبي (ص) عن (6) النوم، فكيف بأنين الحسين (ض) (7). ولما أسلم وحشي وهو (8) قاتل حمزة قال له النبي (ص) مغضبا (9): غيب وجهك عني فاني لا أحب أن أرى من قتل الاحبة...، فكيف لا يغضب على من قتل الحسين (10) (ض) وأمر بقتله وحمل أهله على أقتاب الجمال. (37) البيهقي: عن الزهري (11): إنه قدم الشام (يريد الغزو) فدخل على عبد الملك


(1) في المصدر: " قبل ". (2) لا يوجد في المصدر: " ض ". (3) لا يوجد في المصدر: " ض ". (4) في المصدر: " تنزه ". (5) في المصدر: " وهو مأسور ببدر ". (6) لا يوجد في المصدر: " عن ". (7) لا يوجد في المصدر: " ض ". (8) لا يوجد في المصدر: " وهو ". (9) لا يوجد في المصدر: " مغضبا ". (10) في المصدر: " " فكيف بقلبه (ص) أن يرى من ذبح الحسين ". (37) الصواعق المحرقة: 195. (11) في المصدر: " وما مر من انه لم يرفع حجر في الشام أو الدنيا إلا رؤي تحته دم عبيط وقع يوم قتل علي أيضا كما أشار إليه البيهقي بأنه حكى عن الزهري ". (*)

[ 22 ]

فأخبره أن (1) يوم قتل علي (كرم الله وجهه) (2) لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وجد تحته دم. قال عبد الملك (3): لم يبق من يعرف هذا غيري وغيرك فلا تخبره أحدا (4). فأخبر بعد موته (5). وحكى عن الزهري (6) أن غير عبد الملك أخبره بذلك أيضا. قال البيهقي: والذي صح عنه: أن ذلك حين قتل الحسين، ولعله وجد عند قتلهما جميعا. (38) وأخرج أبو الشيخ: ان جمعا تذاكروا انه ما من أحد أعان على قتل الحسين إلا أصاب (7) بلاء قبل أن يموت. فقال شيخ: أنا أعنت وما أصابني شئ. فقام ليصلح السراج، فأخذته النار، فجعل ينادي: النار النار، وانغمس في الفرات، ومع ذلك لم يزل به ذلك (8) حتى مات. (39) وأخرج منصور بن عمران: إن بعضهم ابتلي بالعطش فكان (9) يشرب


(1) في المصدر: " انه ". (2) لا يوجد في المصدر: " كرم الله وجهه ". (3) في المصدر: " ثم قال له " بدل " قال عبد الملك ". (4) في المصدر: " فلا تخبر به " بدل " فلا تخبر. أحدا ". (5) في المصدر: " قال: فما أخبرت به إلا بعد موته ". (6) في المصدر: " وحكى عنه ". (38) الصواعق المحكرقة: 195. (7) في المصدر: " أصابه ". (8) لا يوجد في المصدر: " ذلك ". (39) المصدر السابق. (9) في المصدر: " وكان ". (*)

[ 23 ]

راوية ولا يروى. (40) ونقل سبط (ابن) الجوزي: عن السدي انه أضافه رجل بكربلا فتذاكروا انه ما شرك (1) أحد في دم الحسين إلا مات بأقبح الموت (2) فكذبه (3) المضيف (بذلك)، وقال: انه ممن حفر، فقام آخر الليل ليصلح (4) السراج، فوثبت النار في جسده فأحرقته. قال السدي: وأنا والله رأيته كأنه حممة. (41) وعن الزهري: لم يبق ممن قتله إلا من عوقب في الدنيا إما بقتل أو عمى أو اسوداد (5) الوجه أو زوال الملك في مدة يسيرة. (42) وحكى سبط ابن الجوزي: عن الواقدي: إن شخصا (6) حضر قتله فقط فعمى، فسئل عن سببه. فقال: إنه رأى النبي (ص) حاسرا عن ذراعيه وبيده سيف (وبين يديه نطع)، و (رأى) عشرة ممن قاتل الحسين مذبوحين بين يديه، ثم لعنه وسبه بتكثيره سوادهم، ثم أكحله بمرود من دم الحسين فأصبح أعمى.


(40) الصواعق المحرقة: 195. (1) في المصدر: " تشارك ". (2) في المصدر: " أقبح موتة ". (3) في المصدر: " فكذب ". (4) في المصدر: " يصلح ". (41) المصدر السابق. (5) في المصدر: " سواد ". (42) المصدر السابق. (6) في المصدر: " شيخا ". (*)

[ 24 ]

(43) وأخرج سبط ابن الجوزي (1): إن رجلا (2) منهم علق في لبب (3) فرسه رأس الحسين (بن علي) فرأى (4) وجهه أشد سوادا من القار. فقيل له: إنك كنت أحسن (5) العرب وجها ؟ ! فقال: ما مرت علي ليلة من حين حملت رأس الحسين إلا وإثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي الى نار (تأجج) فيدفعانني (6) فيها (وأنا أنكص فتسفعني كما ترى) ثم مات على أقبح حال. (44) وأخرج أيضا: أن شيخا رأى النبي (ص) في النوم وبين يديه طشت فيها دم، والناس يعرضون عليه فيلطخهم، حتى انتهيت إليه. فقلت: ما حضرت. فقال لي (ص): هويت. فأومأ إلي باصبعه فأصبحت أعمى. (45) وأخرج أحمد: إن شيخا (7) قال: قتل الله الحسين بامتناعه عن بيعة يزيد، (*) فرماه الله بكوكبين في عينيه فعمي.


(43) الصواعق المحرقة: 195 - 196. (1) في المصدر: " أيضا " بدل " سبط ابن الجوزي ". (2) في المصدر: " شخصا ". (3) في (أ): " لبيب ". (4) في المصدر: " فروي بعد أيام ". (5) في المصدر: " أنضر ". (6) في المصدر: " فيدفعاني ". (44) الصواعق المحرقة: 196. (45) المصدر السابق. (7) في المصدر: " شخصا ". (8) ذكر في الصواعق سبا (والعياذ بالله). (*)

[ 25 ]

(46) وذكر البارزي: عن الاعمش (1)، عن المنصور الخليفة العباسي (2): انه رأى رجلا بالشام ووجهه وجه خنزير، فسأله، فقال: إنه كان يلعن عليا (كرم الله وجهه) كل يوم ألف مرة ففي (4) يوم الجمعة لعنه أربعة (5) آلاف مرة (وأولاده معه) فرأى (6) النبي (ص)، وذكر مناما طويلا، من جملته: ان الحسين (7) شكاه إليه فلعنه، ثم بصق في وجهه، فصار موضع بصاقه خنزيرا، وصار عبرة (8) للناس. (47) وأخرج الملا: عن أم سلمة: انها سمعت نوح الجن على الحسين (رضي الله عنهما). وأخرج ابن سعد عنها: انها بكت حتى غشي عليها. (48) ولما حمل (9) الرأس الشريف (10) لابن زياد و (11) جعله في طشت، وجعل


(46) الصواعق المحرقة: 196. (1) لا يوجد في المصدر: " عن الاعمش ". (2) لا يوجد في المصدر: " الخليفة العباسي ". (3) لا يوجد في المصدر: " كرم الله وجهه ". (4) في المصدر: " وفي ". (5) لا يوجد في المصدر: " اربعة ". (6) في المصدر: " فرأيت ". (7) في المصدر: " الحسن ". (8) في المصدر: " آية ". (47) المصدر السابق. (48) الصواعق المعرقة: 198. (9) في المصدر: " حملت ". (10) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (11) لا يوجد في المصدر: " و ". (*)

[ 26 ]

يضرب ثناياه بقضيب ويقول: ما رأيت مثل هذا (حسنا إن كان لحسن الثغر)، وكان عنده أنس فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله (ص) (رواه الترمذي والبخاري). فوصل الحسين (ض) الى كربلا ثامن المحرم سنة احدى وستين، وكان أكثر الخارجين لقتاله الذين كاتبوه وبايعوه، فبايع أهل الكوفة ابن عمه مسلم بن عقيل نيابة عنه، وهم إثنا عشر ألفا، وقيل: أكثر من ذلك. فلما جاءهم فروا عنه الى أعدائه إيثارا للسحت العاجل على الخير الآجل، فحارب الحسين (ض) اولئك العدد الكثير، ومعه من اخوته وأهله نيف وثمانون نفسا، ومنعوه وأصحابه الماء ثلاثة أيام، فحزوا رأسه الشريف يوم عاشوراء يوم الجمعة عام إحدى وستين (1). (49) وروى ابن أبي الدنيا: انه كان زيد بن أرقم عند ابن زياد (2) فقال له: إرفع قضيبك فوالله (لطالما) رأيت رسول الله (ص) يقبل ما بين هاتين الشفتين، ثم بكى زيد (3). فقال له (4) ابن زياد: (ابكى الله عينيك) لولا انك شيخ (قد خرفت) لضربت عنقك.


أخرجه عن الصواعق المحرقة: 196 - 197 مختصرا اختصارا شديدا. (49) الصواعق المحرقة: 198. (2) في المصدر: " انه كان عنده زيد بن أرقم ". (3) في المصدر: " ثم جعل زيد يبكي ". (4) لا يوجد في المصدر: " له ". (*)

[ 27 ]

فنهض زيد (1) و (هو) يقول: أيها الناس إنما (2) أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة الصديقة المرضية (3) وأمرتم ابن مرجانة الخبيثة (4)، والله ليقتلن خياركم وليستعبدن (5) شراركم، فبعدا لمن رضى بالذل (6) والعار. ثم قال (يا ابن زياد لاحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذا): رأيت رسول الله (ص) أقعد الحسنين على فخذيه (7) فوضع (8) يده على يافوخهما، ثم قال: اللهم إني استودعتك (9) إياهما وصالحي (10) المؤمنين، فكيف كانت وديعة النبي (ص) (عندك يا ابن زياد). وقد انتقم الله من ابن زياد (هذا) فقد صح عند الترمذي: (انه) لما جئ برأس ابن زياد (11) ونصب في المسجد مع رؤوس أصحابه، جاءت حية فتخللت الرؤوس حتى دخلت في منخريه (12)، فمكثت هنيئة، ثم خرجت، ثم جاءت، ففعلت كذلك مرتين أو ثلاثا (وكان نصبها في محل نصبه لرأس الحسين).


(1) لا يوجد في المصدر: " زيد ". (2) لا يوجد في المصدر: " إنما ". (3) لا يوجد في المصدر: (الصديقة المرضية). (4) لا يوجد في المصدر: (الخبيثة). (5) في المصدر:، (ويستعبد). (6) في المصدر: " بالذلة ". (7) في المصدر: " أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى ". (8) في المصدر: " ثم وضع ". (9) في المصدر: " استودعك ". (10) في المصدر: " وصالح ". (11) في المصدرو: " برأسه ". (12) في المصدر: " منخره ". (*)

[ 28 ]

وفاعل ذلك هو المختار بن أبي عبيدة (1) تبعه طائفة من الشيعة، ندموا على خذلانهم الحسين وأرادوا غسل العار عنهم، فتبعوا (2) المختار، فملكوا الكوفة وقتلوا الستة آلاف الذين قاتلوا الحسين (ض). وقتل رئيسهم عمر بن سعد و (خص) شمر (قاتل الحسين - على قول - بمزيد نكال وأوطأ الخيل صدره وظهره لانه فعل ذلك بالحسين). وشكر الناس المختار لذلك (3)، لكنه يزعم انه يوحى إليه، وأن محمد (4) بن الحنفية هو المهدي. ولما نزل ابن زياد الموصل في ثلاثين ألفا جهز إليه المختار، سنة تسع وستين، طائفة قتلوا ابن زياد وأصحابه يوم عاشوراء وبعثوا رؤوسهم الى المختار، نصبه في المحل الذي نصب فيه رأس الشريف للحسين (ض). ومن عجيب الاتفاق قول عبد الملك بن عمير قال: دخلت قصر الامارة بالكوفة على ابن زياد ورأس الحسين (ض) على ترس عن يمينه، ثم دخلت على المختار فيه فوجدت رأس ابن زياد عنده كذلك، ثم دخلت على مصعب ابن الزبير فيه فوجدت رأس المختار عنده كذلك، ثم دخلت على عبد الملك ابن مروان فيه فوجدت رأس مصعب عنده كذلك، فأخبرته بذلك. فقال: لا أراك (الله) الخامس، ثم أمر بهدمه (5).


(1) في المصدر: " عبيد ". (2) في المصدر: " فخرقة منهم تبعت ". (3) في المصدر: " للمختار ذلك ". (4) لا يوجد في المصدر: " محمد ". (5) الصواعق المحرقة: 198. (*)

[ 29 ]

ولما أرسل (1) ابن زياد رأس الحسين (وأصحابه) جهزها مع سبايا آل الحسين (ض) الى يزيد.. بالغ في رفعة ابن زياد حتى أدخله على نسائه. قال ابن الجوزي: (و) ليس العجب (إلا) من ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب وحمل آل النبي (ص) على أقتاب الجمال (أي) موثوقين بالحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس (2) وذكر أشياء من قبيح فعل (3) يزيد (4). ولما فعل يزيد برأس الحسين (ض) (5) ما مر كان عنده رسول قيصر. فقال متعجبا: إن عندنا في بعض الجزائر كنيسة فيها (6) حافر حمار عيسى (عليه الصلوات والسلام) (7) ونحن (8) نحج إليه كل عام من الاقطار، وننذر له (9) النذور، ونعظمه كما تعظمون كعبتكم، فأشهد إنكم على باطل. وقال ذمي آخر: بيني وبين داود النبي (عليه الصلاة والسلام) (10) سبعون أبا وإن اليهود تعظمني وتحترمني، وأنتم قتلتم ابن نبيكم. و (لما) كانت الحرس على الرأس الشريف (11) كلما نزلوا منزلا وضعوه على


(1) في المصدر: " أنزل ". (2) في المصدر: " الرؤوس والوجوه ". (3) في المصدر: " فعله ". (4) الصواعق المحرقة: 199. (5) لا يوجد في المصدر: " ض ". (6) في المصدر: (في دير) بدل (كنيسة فيها). (7) لا توجد التحية في المصدر. (8) في المصدر: " فنحن ". (9) لا يوجد في المصدر: " له ". (10) لا توجد التحية في المصدر. (11) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (*)

[ 30 ]

رمح وحرسوه، فرآه راهب في ديره فسألهم (1) عنه، فعرفوه به. فقال الراهب لهم (2): بئس القوم أنتم ولو كان للمسيح (عليه الصلاة والسلام) ولد لاسكناه على أحداقنا (3)، بئس القوم أنتم هل لكم في عشرة آلاف دينار وكان (4) الرأس عندي في (5) هذه الليلة ؟ قالوا: نعم. فأخذه وغسله وطيبه ووضعه على فخذه و (قعد) يبكي الى الصبح، ثم أسلم، لانه رأى نورا ساطعا من الرأس الشريف (6) الى عنان السماء. ثم خرج عن الدير (وما فيه) وصار يخدم أهل البيت. وكان الحرس فتحوا أكياس الدنانير التي أخذوها من الراهب ليقسموها فرأوها خزفا، وعلى جانب كل منها (7): (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " (8) وعلى جانب آخر كل منها (9): (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (10). (11)


(1) في المصدر: " فسأل ". (2) ليس في المصدر: " الراهب لهم ". (3) لا يوجد في المصدر: " بئس القوم أنتم ولو كان للمسيح... على أحداقنا ". (4) في المصدر: " ويبيت ". (5) لا يوجد في المصدر: " في ". (6) لا يوجد في المصدر: " الشريف ". (7) في المصدر: " وكان مع أولئك الحرس دنانير أخذوها من عسكر الحسين ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفا وعلى أحد جانبي كل منها... ". (8) إبراهيم / 42. (9) في المصدر: " وعلى الآخر ". (10) الشعراء / 227. (11) الصواعق المحرقة: 199. (*)

[ 31 ]

(50) وأخرج الحاكم من طرق متعددة: انه (ص) قال: قال جبرائيل: قال الله تعالى: إني قتلت بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بدم الحسين بن علي سبعين ألفا. ولم يصب ابن الجوزي في ذكره لهذا الحديث في الموضوعات... و (1) اعلم: أن أهل السنة اختلفوا في كفر (2) يزيد بن معاوية وولي عهده من بعده. فقالت طائفة: إنه كافر لقول سبط ابن الجوزي وغيره المشهور: إنه لما جئ (3) رأس الحسين (ض) جمع أهل الشام وجعل ينكث (4) الرأس الشريف (5) بالخيزران وينشد أبياتا (6) (ليت أشياخي ببدر شهدوا) الابيات المعروفة، وزاد فيها بيتين مشتملتين على صريح الكفر. يقول مؤلف هذا الكتاب: إن صاحب الصواعق ذكر أول الابيات ولم يذكر بواقيها، فاني قد وجدت تمامها، وبيتين مشتملتين على صريح كفره، والابيات هذه: ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل


(50) الصواعق المحرقة: 199. (1) لا يوجد في المصدر: " و ". (2) في المصدر: " تكفير ". (3) في المصدر: " لما جاءه ". (4) في المصدر: " ينكت ". (5) في المصدر: " رأسه ". (6) في المصدر: " أبيات الزبعري ". (*)

[ 32 ]

لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل وقال ابن الجوزي فيما حكاه عنه سبطه: ليس العجيب (1) من قتال ابن زياد للحسين (ض) (2)، وإنما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب ثنايا الحسين (ض) (3) وحمله آل الرسول (ص) سبايا على أقتاب الجمال، وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه (4)... ثم قال: وما كان مقصوده إلا الفضيحة... ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس الشريف المبارك (5)... وأحسن الى آل الرسول (ص) (6). وقال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل (7): أمير المؤمنين يزيد (بن معاوية). فقال عمر (8): تقول أمير المؤمنين، وأمر (9) به فضربه (10) عشرين سوطا.


(1) في المصدر: " العجب ". (2) لا توجد التحية في المصدر. (3) لا توجد التحية في المصدر. (4) الصواعق المحرقة: 220. (5) لا يوجد في المصدر: " الشريف المبارك ". (6) المصدر السابق. (7) في المصدر: " فذكر رجل يزيد فقال: ". (8) لا يوجد في المصدر: " عمر ". (9) في المصدر: " فأمر ". (10) في المصدر: " فضرب ". (*)

[ 33 ]

ولاسرافه في المعاصي خلعه أهل المدينة، فقد أخرج الواقدي من طرق: إن عبد الله بن حنظلة، هو (1) غسيل الملائكة، قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، وخفنا أن رجلا (2) ينكح الامهات والبنات والاخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة. وقال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات، اشتد على (3) الناس (و) خرج أهل المدينة (4) (ولم يبارك الله في عمره). وأشار بقوله " ما فعل " الى ما وقع منه سنة ثلاث وستين، فانه بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه (وخلعوه)، فأرسل عليهم (5) جيشا عظيما، وأمرهم بقتلهم (6)، فجاءوا إليهم وكانت وقعة الحرة على باب طيبة (7). وبعد اتفاقهم على فسقه اختلفوا في جواز لعنه بخصوص اسمه فأجازه قوم منهم ابن الجوزي، ونقله عن أحمد بن حنبل (8) وغيره، فان ابن الجوزي (9) قال في كتابه المسمى ب‍ " الرد على المتعصب العنيد المانع من لعن (10) يزيد ": سألني


(1) في المصدر: " ابن ". (2) في المصدر: " ان كان رجلا وينكح أمهات الاولاد ". (3) في المصدر: " عليه ". (4) في المصدر: " وخرج عليه غير واحد ". (5) في المصدر: " لهم ". (6) في المصدر: " بقتالهم ". (7) الصواعق المحرقة: 221. (8) لا يوجد في المصدر: " بن حنبل ". (9) في المصدر: " فانه قال ". (10) في المصدر: " ذم ". (*)

[ 34 ]

سائل عن يزيد بن معاوية. فقلت (له): يكفيه ما به. فقال: أيجوز لعنه ؟ قلت (1): قد أجازه العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فانه ذكر في حق يزيد (عليه اللعنة) ما يزيد على اللعنة (2). ثم روى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى (الفراء) أنه روى كتابه المعتمد في الاصول بإسناده الى صالح بن أحمد بن حنبل رحمهما الله قال: قلت لابي: إن قوما ينسبوننا الى تولي يزيد ! فقال: يا بني (و) هل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله، ولم لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه. فقلت: في أي آية (3) ؟ قال (4): في قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توتليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم " (5) فهل يكون فساد أعظم من (هذا) القتل ؟... قال ابن الجوزي: وصنف القاضي أبو يعلى كتابا ذكر فيه بيان من يستحق اللعن وذكر منهم يزيد، ثم ذكر حديث " من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين "، ولا خلاف أن يزيد


(1) في المصدر: " فقلت ". (2) لا يوجد في المصدر: " ما يزيد على اللعنة ". (3) في المصدر: " وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ ". (4) في المصدر: " فقال ". (5) سورة محمد / 22 - 23. (*)

[ 35 ]

أغار (1) المدينة المنورة (2) (بجيش) وأخاف أهلها (انتهى). والحديث الذي (ذكره) رواه مسلم، أنه وقع (3) من ذلك الجيش من القتل والفساد العظيم والسبي وإباحة المدينة ما هو مشهور حتى فض نحو ثلاثمائة بكر، وقتل من الصحابة نحو ذلك، ومن قراء القرآن نحو سبعمائة نفس، وأبيحت المدينة المنورة (4) أياما، وبطلت الجماعة من المسجد النبوي أياما، وأخيف أهل المدينة أياما، فلم يمكن لاحد أن يدخل المسجد (5) حتى دخلتها الكلاب (والذئاب) وبالت على منبره (ص) تصديقا لما أخبر به النبي (ص). ولم يرض أمير هذا (6) الجيش إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم عبيد (7) له إن شاء باع وإن شاء أعتق، فذكر له بعضهم البيعة على كتاب الله وسنة رسول الله (8) فضرب عنقه، وذلك في قصة (9) الحرة. ثم سار جيشه (هذا) نحو مكة (10) الى قتال ابن الزبير فرموا الكعبة المكرمة (11) بالمنجنيق، وأحرقوا كسوتها (12) بالنار " فأي شئ أعظم من هذه القبائح التي


(1) في المصدر:، " غزا ". (2) لا يوجد في المصدر: " المنورة ". (3) في المصدر: " ووقع " بدل " انه وقع ". (4) لا يوجد في المصدر: " المنورة ". (5) في المصدر: " فلم يمكن أحدا دخول مسجدها ". (6) في المصدر: " ذلك ". (7) في المصدر: " خول ". (8) في المصدر: " رسوله ". (9) في المصدر: " وقعة ". (10) لا يوجد في المصدر: " نحو مكة ". (11) لا يوجد في المصدر: " المكرمة ". (12) في المصدر: " وأحرقوها بالنار ". (*)

[ 36 ]

وقعت في زمنه ناشئة عنه (1). وكانت سلطنة (2) يزيد سنة ستين ومات في أول (3) سنة أربع وستين (4). وإن معاوية بن يزيد بن معاوية لما ولي العهد صعد المنبر فقال: إن هذه الخلافة حبل الله - تعالى - وإن جدي معاوية نازع الامر أهله، ومن هو أحق به منه علي بن أبي طالب (ع)، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته، فصار في قبره رهينا بذنوبه، ثم قلد أبي الامر وكان غير أهله (5)، ونازع ابن بنت رسولي الله (ص)، فقصف عمره، وأبتر (6) عقبه، وصار في قبره رهينا بذنوبه. ثم بكى وقال: (إن) من أعظم الامور خسارة (7) علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله (ص) وأباح الخمر، وخرب الكعبة، ولم أذق حلاوة الخلافة، فلا أذوق مرارتها، ولا أتقلدها (8)، فشأنكم في أمركم، والله، لئن كانت الدنيا خيرا فقد نلنا منها حظا، وإن (9) كانت شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها. ثم تغيب في منزله حتى مات بعد أربعين يوما، وكانت مدة خلافته أربعين


(1) الصواعق المحرقة: 222. (2) في المصدر: " كذلك بان ولايته كانت... ". (3) لا يوجد في المصدر: " في أول ". (4) الصواعق المحرقة: 224. (5) في المصدر: " غير أهل له ". (6) في المصدر: " وانبتر ". (7) لا يوجد في المصدر: " خسارة ". (8) في المصدر: " فلا أنقله مرارتها " بدل " فلا أذوق مرارتها ولا أتقلدها ". (9) في المصدر: " ولئن ". (*)

[ 37 ]

يوما، وقيل: شهرين. وقيل: ثلاثة أشهر. ومات عن إحدى وعشرين سنة. وقيل: عشرين رحمه الله (1) (انتهت الصواعق). (51) أخرج أبو المؤيد موفق بن أحمد أخطب الخطباء الخوارزمي المكي: بسنده عن سليمان الاعمش بن مهران الكوفي قال: إن أبا جعفر المنصور الدوانيقي الخليفة أرسل رجلا إلى الاعمش جوف الليل فودع أهله بظنه أنه قاتله، فأخذ حنوطا ودخل عليه. فقال: يا أعمش كم تروي حديثا في فضائل علي (كرم الله وجهه) ؟ فقال: يسيرا. فقال: أشم منك ريح الحنوط، فما تفعل ؟ قلت: أظن أنك تقتلني. قال: لا طلبتك إلا لاجل أن أسأل عنك كم حديث في فضائل علي عندك، وإنك آمن، فكم تروي حديثا ؟ قلت: عشرة آلاف. قال: يا سليمان والله لاحدثنك بحديثين في فضائل علي (كرم الله رجهه) فضمهما في عشرة آلاف حديثك. قلت: حدثنا يا أمير المؤمنين. قال: أما الحديث الاول والثاني أذكرهما بالقصة:


(1) الصواعق المحرقة: 224. (51) المناقب للخوارزمي: 284 حديث 279. المناقب لابن المغازلي: 143 حديث 188 وهو في المصدر حديث طويل. (*)

[ 38 ]

كنت هاربا من بني أمية وأتردد في البلدان، مختفيا، وردت بلد دمشق وأنا جائع فدخلت المسجد لاصلي، فلما سلم الامام وذهب الناس دخل صبيان، فقال الامام: مرحبا بمن اسمكما اسمهما. وكان الى جنبي شاب سألت عنه: من الصبيان ؟ قال: هما حفيدي الامام، وهو يحب أهل البيت، فلذلك سمى أحدهما حسنا والآخر حسينا، فلم اطمئن قلبي أنه محب أهل البيت صافحته وسأل عن نسبي فعرفته. قلت له: أنا أحدثك بفضائل أهل البيت تقر عينك. قال: إن حدثتني بالفضائل فأنا أكافيك بالاحسان. فقلت: حدثني والدي عن أبيه عن جده ابن عباس قال: كنت عند النبي (ص) جاءت فاطمة (رضي الله عنها) يوما الى أبيها (ص) فقالت: يا أبت خرج الحسن والحسين فما أدري أين هما، وبكت. فقال: يا فاطمة لا تبكين، فالله الذي خلقهما هو ألطف بهما مني ومنك، وقال: اللهم إنهما أي مكان كانا فاحفظهما. فنزل جبرائيل فأخبر أنهما نائمان في حديقة بني النجار، والملك افترش أحد جناحيه تحتهما وبالآخر غطاهما. فخرج النبي (ص) وخرجنا معه إليهما، فإذا الحسن معانق للحسين والنبي (ص) قبلهما، فانتبها، وحملهما على عاتقيه حتى أتى باب المسجد، وأمر باجتماع الناس وقال: أيها الناس ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة ؟ قالوا: بلى.

[ 39 ]

قال: إن ابني هذان الحسن والحسين خير الناس جدا وجدة، جدهما أنا وجدتهما خديجة بنت خويلد. وهما خير الناس أبا وأما، أبوهما علي أخي وأمهما فاطمة ابنتي. وهما خير الناس عما وعمة، فعمهما جعفر الطيار ذو الجناحين وعمتهما أم هانئ. وهما خير الناس خالا وخالة فأخوالهما القاسم وعبد الله وابراهيم، وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم. ثم قال - وأشار بأصابعه منضمة -: هكذا يحشرنا الله - تبارك وتعالى -. ثم قال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء كلهم في الجنة، وإنك تعلم أن من يحب هذين فهو في الجنة، ومن يبغضهما فهو في النار. قال المنصور: فلما قلت هذا الحديث للشيخ فرح وسر وكساني خلعة كأن لا لبسها، وحملني على بغلته، وأعطاني مائة دينار. ثم قال لي الشيخ: لارسلنك الى شاب يفرح من حديثك، فأخذ بيدي حتى جاء باب الشاب، فخرج إلي الشاب فقال: عرفتك انك تحب الله ورسوله وأهل بيته بالبغلة والكسوة لفلان، فأدخلني في بيته وأكرمني. ثم قال: حدثني حديثا من فضائل أهل البيت، فقلت له حدثني أبي محمد، عن أبيه علي، عن جده عبد الله بن العباس قال: كنت عند النبي (ص) في بيته جاءت فاطمة (رضي الله عنها) عند أبيها (ص) وقالت: يا أبت إن نساء لقريش يقلن لي: إن أباك زوجك بمن لا مال له. فقال لما: والله ما زوجتك حتى زوجك الله فوق عرشه، وأشهد بذلك ملائكته. ثم قال: وإن الله اطلع على أهل الدنيا فاختار من الخلائق أباك فبعثه رسولا

[ 40 ]

نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار من الخلائق عليا فزوجك إياه، واتخذه لي وصيا، فهو أشجع الناس قلبا، وأحلم الناس حلما، وأسمح الناس كفا، وأقدمهم سلما، وأعلمهم علما، وفي القيامة لواء الحمد بيده وينادي المنادي: يا محمد نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي. قال المنصور: فلما قلت هذا الحديث له أعطاني ثلاثين ثوبا وعشرة آلاف درهم. فقال لي: إذا كان غدا فأت مسجد آل فلان كي ترى حال مبغ علي (ض). قال: فطالت علي تلك الليلة شوقا الى رؤيته، فلما أصبحت أتيت المسجد، فقمت في الصف الاول والى جنبي شاب متعمم، فذهب ليركع سقطت عمامته، فنظرته فإذا رأسه رأس خنزير، وسلم الامام فقلت له خفيا: ويلك ما الذي أراه به ؟ فبكى، فأدخلني في داره. فقال: إنه كان مؤذنا، ففي كل يوم يلعن عليا (كرم الله وجهه) ألف مرة، وفي يوم الجمعة يلعنه أربعة آلاف مرة، ونام في الدكان الذي أراه، فرأى في منامه كأنه في الجنة وفيها النبي (ص) وعلي والحسن والحسين (رضي الله عنهم) والحسنان يسقيان الجماعة، فطلب الماء منهما فلم يعطه أحد منهما، ثم شكا له النبي (ص) منهما، فقال الحسين: يا جدا إن هذا الرجل كان يلعن والدي كل يوم ألف مرة، وقد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرة. فقال النبي (ص): أنت تلعن عليا، وعلي مني ؟ وتفل في وجهه وطرده برجله، وقال: غير الله ما بك من نعمة.

[ 41 ]

فاستيقظ من نومه، فإذا رأسه رأس خنزير ووجهه وجه خنزير. ثم قال أبو جعفر المنصور: أهذان الحديثان كانا في يدك يا سليمان ؟ قلت: لا. فقال: خذهما مع عشرة آلاف حديث معك. ثم قال: يا سليمان حب علي إيمان وبغضه نفاق، والله لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. فقلت: الامان يا أمير المؤمنين. قال: لك الامان قل ما شئت. قلت: فما تقول في قاتل الحسين (ض) ؟ قال: هو الى النار وفي النار. قلت: وكل من قتل ولد رسول الله (ص) الى النار وفي النار ؟ قال: نعم. ثم قال: يا سليمان حدث الناس ما سمعت. ثم أذن لي بالذهاب الى بيتي. (52) وفي تفسير علي بن إبراهيم: في تفسير قوله تعالى (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور " (1): عن جعفر الصادق (ض) قال: قوله تعالى: (ومن عاقب) يعني رسول الله (ص) عاقب به الله الكفار من قريش يوم بدر، فقتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وكان عتبه بن


(52) تفسير القمي 2 / 86 (باختلاف يسير جدا في أوله). (1) الحج / 60. (*)

[ 42 ]

ربيعة والد هند التي كانت جدة يزيد، فطلب يزيد دماءهم فقتل الحسين (ض) لضغنه وحقده، وأنشد شعرا: ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل وقوله تعالى: (بمثل ما عوقب به) يعني نبيه (ص) حين أرادوا أن يقتلوه بمكة فهاجر إلى المدينة. وقوله تعالى: (ثم بغى عليه) أي بغى معاوية على أهل بيته، ثم ولده يزيد على أهل البيت. وقوله تعالى: (لينصرنه الله) يعني بالقائم المهدي من ولده. قال أبو جعفر الباقر (ض) شعرا: إن اليهود لحبهم لنبيهم * قد آمنوا من حادث الازمان وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا * يمشون زهوا في قرى نجران والمؤمنون بحب آل محمد * يرمون في الافاق بالنيران (53) وفى جواهر العقدين: أخرج البيهقي عن الزهري قال: دخلت على (1) عبد الملك بن مروان... فقال لي: يابن شهاب أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم.


(53) جواهر العقدين 2 / 329. في المصدر: " دخلت الشام أريد الغزو فأتيت عبد الملك... ". (*)

[ 43 ]

قال: هلم فقمنا حتى أتينا خلف العقبة وخلينا عن الناس (1). فقال لي (2): لم يرفع حجر من بيت المقدس، إلا وجد تحته دم. فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يسمعن هذا منك أحد. قال: فما حدثت به حتى توفي. (54) وأخرج أيضا عن الزهري: إن أسماء الانصارية قالت: ما رفع حجر بايليا (يعني) حين قتل علي بن أبي طالب إلا وجد تحته دم عبيط. ثم قال البيهقي: كذا روى عن الزهري (3) هاتين الروايتين، وقد روى باسناد صحيح عن الزهري: إن ذلك حين قتل الحسين، ولعله وجد عند قتلهما جميعا (انتهى). (55) وحكى هشام بن محمد عن القاسم (بن الاصبغ) المجاشعي قال: (لما) أتي بالرؤوس إلى الكوفة إذ فارس (4) من أحسن الناس وجها قد علق في لبب (5) فرسه رأس (... كأنه القمر ليلة تمامه والفرس طوح فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالارض. فقلت له: رأس من هذا ؟ قال: رأس) العباس بن علي (رضي الله عنهما).


(1) في المصدر: " فقمت من وراء الناس حتى انتهت خلف القبة فحول إلي وجهه وانحنى علي ". (2) في المصدر: " فقال ما كان ؟ قلت:... ". (54) جواهر العقدين 2 / 329. (3) في المصدر: " في هاتين "، بدل " عن الزهري ". (55) جواهر العقدين 2 / 331. (4) في المصدر: " إذا بفارس ". (5) في (أ): " لبيب ". (*)

[ 44 ]

(قلت: وأنت ؟ قال: حرملة بن الكاهل الاسدي. قال: فلبث أياما وإذا بحرملة) فصار (1) وجهه أشد سوادا من القار. (فقلت له: لقد رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنضر وجها منك وما أدري اليوم إلا أقبح وإلا أسود وجها منك ! فبكى) وقال: (والله منذ حملت الرأس والى اليوم) ما تمر علي ليلة إلا واثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي الى النار فيدفعاني فيها (وأنا أنكص فتسفعني) ثم مات على أقبح حال. (56) وأخرج عبد بن محمد القرشي عن شيخ بن (2) أسد قال: رأيت النبي (ص) في المنام والناس يعرضون عليه وبين يديه طشت فيها دم (وأسهم والناس يعرضون عليه) فيلطخهم بالدم (3) حتى انتهيت إليه. فقلت: (بأبي والله وأمي) ما رميت بسهم ولا طعنت برمح (ولا كثرت). فقال لي: (كذبت قد) هويت قتل الحسين. (قال:) فأومأ الي باصبعه فأصبحت أعمى. (57) وأخرج أيضا عن عامر بن سعد البجلي قال: (لما قتل الحسين بن علي (ض)) رأيت النبي (ص) في المنام فقال لي: إذا


(1) في المصدر: " وصار ". (56) جواهر العقدين 2 / 331. (2) في المصدر: " من قوم بني ". (3) لا يوجد في المصدر: " بالدم ". (57) المصدر السابق. (*)

[ 45 ]

رأيت (1) البراء بن عازب فاقرءه السلام وأخبره ان قتلة الحسين في النار و (ان) كاد أن يعذب الله (2) أهل الارض بعذاب أليم، فأخبرت البراء (3). فقال: صدق الله ورسوله، قال (رسول الله) (ص): من رآني في المنام فقد رآني فان الشيطان لا يتصور في صورتي. (58) وأخرج الطبري عن أبي رجاء العطاردي قال: لا تسبوا عليا ولا أهل اهذا) البيت فان جارا لنا من هذيل قدم المدينة فسب الحسين (4) (ض) فرماه الله بكوكبين في عينيه فطمستا. وأيضا أخرجه أحمد في المناقب. وفي توثيق عرى الايمان للبارزي: عن الاعمش عن المنصور الخليفة العباسي: انه رأى رجلا بالشام وجهه وجه خنزير. قد تقدم ذكره في الصواعق (5). (59) وقال ابن البرقي: حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبو سعيد محمد بن يحيى ابن اليمان عن صالح إمام مسجد بني سليم، عن أشياخ له قالوا: غزونا أرض الروم فإذا كتاب في كنيسة (من كنائسهم) بالعربية: أترجو أمة قتلت (6) حسينا * شفاعة جده يوم الحساب


(1) في المصدر: " ائت " بدل " إذا رأيت ". (2) في المصدر: " وان كان الله أن يسحت ". (3) في المصدر: " فاتيت فأخبرته ". (58) جواهر العقدين 2 / 332. (4) في المصدر: " الحسن ". وذكر فيه ايضا ألفاظ السب. (5) ذكر الخبر بكامله في جواهر العقدين 2 / 332. (59) جواهر العقدين 2 / 333. (6) في المصدر: " معشر قتلوا ". (*)

[ 46 ]

فقلنا لاهل الروم (1): من كتب هذا ؟ قالوا: ما ندري. (60) وعن محمد بن سيرين قال: وجد حجر قبل مبعث النبي (ص) بثلاثمائة سنة، عليه مكتوب بالسريانية، فنقلوه الى العربية فهو (2): أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب (3) فهو كتب بقلم حديد في حائط بدم (4). (61) وقال سليمان بن يسار: وجد حجر عليه مكتوب بالنظم، وهو هذا (5): لابد أن ترد القيامة فاطم * وقميصها بدم الحسين ملطخ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه * والصور في يوم القيامة ينفخ وشاهده ما (6) أخرجه الحافظ (7) ابن الاخضر في " العترة الطاهرة " من


(1) في المصدر: " للروم ". (60) جواهر العقدين 2 / 332. (2) في المصدر: " فإذا هو ". (3) في المصدر: " القيامة ". (4) في المصدر هذه العبارة رواية مستقلة ولفظها هكذا: وأخرج ابن الجراح من طريق ابن لهيعة... قال: لما قتل الحسين بن علي (رضوان الله عليهما) بعث برأسه الى يزيد فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون ويتحيون بالرأس فبينما هم كذلك، إذ خرجت عليهم من الحائط قلم حديد فكتبت سطر بدم: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس. (61) جواهر العقدين 2 / 333. (5) لا يوجد في المصدر: " بالنظم وهو هذا ". (6) في المصدر: " وهو شاهد لما ". (7) لا يوجد في المصدر: " الحافظ ". (*)

[ 47 ]

حديث علي الرضا عن آبائه (1) عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) قال: قال رسول الله (ص): تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدم (2)، فتتعلق بقائمة من قوائم العرش فتقول: يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي، فيحكم لابنتي ورب الكعبة. (62) وقال الواقدي: لما وصلت السبايا بالرأس الشريف للحسين (رضي الله عنهم) المدينة لم يبق بها (3) أحد وخرجوا يضجون بالبكاء، وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب كاشفة وجهها، ناشرة شعرها، تصيح واحسيناه، وااخوتاه، واأهلاه، وامحمداه، واعلياه، واحسناه (4). ثم قالت شعرا (5): ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بأهل بيتي وأولادي أما لكم * عهد ؟ أما أنتم توفون بالذمم ذريتي وبنو عمي بمضيعة * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي قالت فاطمة بنت عقيل بن أبي طالب ترثيه (6): عيني ابكي (7) بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول


(1) نقل السند مفصلا في المصدر. (2) في المصدر: " بدم ". (62) جواهر العقدين 2 / 333. (3) في المصدر: " لما وصل رأس الحسين الى المدينة والسبايا لم يبق بالمدينة ". (4) لا يوجد في المصدر: " واعلياه واحسناه ". (5) لا يوجد في المصدر: " شعرا ". (6) في (أ): " مرثية " وفي المصدر: " وقال سراقة الباهلي في رثائهم: ". في المصدر: " عين بكى ". (*)

[ 48 ]

تسعة كلهم لصلب علي * قد أصيبوا (2) وخمسة لعقيل وأوردهما ابن عبد البر في الاستيعاب (3). (63) وذكر ابن سعد: عن أم سلمة انها لما سمعت قتل (4) الحسين قالت: (أو قد فعلوها ؟ !) ملا الله بيوت القاتلين (5) وقبورهم نارا، ثم بكت حتى غشي عليها. (64) وقال الزهري: لما بلغ الحسن البصري خبر (6) قتل الحسين بكى حتى اختلج صدغاه، ثم قال: أذل الله أمة قتلت ابن نبيها (7)، والله ليردن رأس الحسين الى جسده، ثم لينتقمن له جده وأبوه من ابن مرجانة. وقال الحافظ جمال الدين الزرندي المدني في كتابه " معراج الوصول ":... إن الامام (8) الشافعي رحمه الله أنشد: ومما نفى نومي وشيب لمتي * تصاريف أيام لهن خطوب تأوب همي والفواد كئيب * وأرق عيني والرقاد غريب تزلزلت الدنيا لآل محمد * وكادت لهم صم الجبال تذوب فمن يبلغن (9) عني الحسين رسالة * وإن كرهتها أنفس وقلوب


(1) في المصدر: " منهم ". (2) في المصدر: " ابيدوا ". (3) جواهر العقدين 2 / 333. (63) جواهر العقدين 2 / 334. (4) في المصدر: " بقتل ". (5) في المصدر: " بيوتهم ". (64) المصدر السابق. (6) لا يوجد في المصدر: " خبر ". (7) في المصدر: " وأذل الله قتل ابن بنت نبيها ابن دعيها ". (8) لا يوجد في المصدر: " الامام ". (9) في المصدر: " مبلغ ". (*)

[ 49 ]

قتيل بلا جرم كأن قيصه * صبيغ بماء الارجوان خضيب نصلي على المختار من آل هاشم * ونؤذي بنيه إن ذا لعجيب لئن كان ذنبي حب آل محمد * فذلك ذنب لست عنه (1) أتوب هم شفعاتي يوم حشري وموقفي * وبغضهم (2) للشافعي ذنوب (3) ونقل سبط ابن الجوزي: إن ابن الهبارية الشاعر إجتاز بكربلا فجعل يبكي على الحسين وأهله (رضي الله عنهم) وأنشد (4) شعرا: أحسين المبعوث جدك بالهدى * قسما يكون الحق عنه مسائلي لو كنت شاهد كربلا لبذلت في * تنفيس كربك جهد بذل الباذل (5) ثم نام في مكانه فرأى النبي (ص) في المنام فقال له: (يا فلان) جزاك الله (عني) خيرا، أبشر فان الله قد كتبك ممن جاهد بين يدي ابني (6) الحسين (7). (65) وروى الحافظ ابن الاخضر في " معالم العترة الطاهرة ": عن علي الرضا أنه قال: وقد قال محمد الباقر: رحم الله أخي زيدا فانه قال لابي: إني أريد الخروج على هذه الطاغية. فقال أبي له: لا تفعل يا زيد، إني أخاف أن تكون المقتول المصلوب بظهر


(1) في المصدر: (منه). (2) في المصدر: " وحبهم للشافعي من أي وجه ذنوب ؟ ". (3) جواهر العقدين 2 / 335 - 336. (4) في المصدر: " وقال ". (5) في المصدر أبيات أخرى غير مقروءة. (6) لا يوجد في المصدر: " ابني ". (7) جواهر العقدين 2 / 336. (65) جواهر العقدين 2 / 345. (*)

[ 50 ]

الكوفة، أما علمت يا زيد انه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد من السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل، فكان الامر كما قال له أبي. (66) وقد ذكر أهل السير: أن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط (رضي الله عنهم) كان شيخ بني هاشم في زمانه، جمع المحاسن الكثيرة، وهو والد محمد الملقب بالنفس الزكية، ووالد إبراهيم أيضا، فلما كان في أواخر دولة بني مروان وضعفهم، أراد بنو هاشم أن يبايعوا منهم من يقوم بالامر، فأنفقوا على محمد وإبراهيم ابني عبد الله المحض، فلما اجتمعوا لذلك أرسلوا الى جعفر الصادق. فقال عبد الله: انه يفسد أمركم. فلما دخل جعفر الصادق سألهم عن سبب اجتماعهم فأخبروه. فقال لعبدالله: يا ابن عمي إني لا أكتم خيرية أحد من هذه الامة إن استشارني، فكيف لا أدل على صلاحكم (1). فقال عبد الله: فمد يدك لنبايعك. قال جعفر: والله إنها ليست لي ولا لابنيك، وإنها لصاحب القباء الاصفر، والله ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم. ثم نهض وخرج، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضرا وعليه قباء أصفر، فكان كما قال.


(66) جواهر العقدين 2 / 346. (1) في المصدر: " فقال لعبدالله: والله لا نتركك وأنت شيخ بني هاشم ونبايع لهذين الغلامين ". (*)

[ 51 ]

(67) وفي كتاب " الخرايج " للقطب أبي سعيد هبة الله الراوندي: عن أبي بصير قال: كنت مع محمد الباقر في مسجد النبي (ص) إذ دخل المنصور وداود بن سليمان، فجاء داود إليه وجلس المنصور ناحية المسجد، فقال الباقر: أما أن المنصور يلي أمر الخلائق فيطأ أعناق الرجال، ويملك شرقها وغربها، ويطول عمره فيها حتى يجمع من كنوز الاموال ما لم يجمعه غيره. فقام داود من عند الباقر وأخبر المنصور بذلك، فجاء المنصور إليه وقال: ما منعني من الجلوس عندك إلا جلالتك وهيبتك، ثم قال: ما الذي يقول داود ؟ قال: هو كائن لا محالة. ثم قال: ملكنا قبل ملككم ؟ قال: نعم. فقال: ويملك بعدي أحد من ولدي ؟ قال: نعم. ثم قال: مدة ملكنا أطول من مدة ملك بني أمية ؟ قال: نعم ومدة ملككم أطول، فيلعبون صبيانكم بالملك كما يلعب بالكرة، هذا ما عهد إلي أبي. فلما أفضت الخلافة إلى المنصور تعجب من قول الباقر (ض). (68) وروى المدايني: عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما): انه جاء أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين (1) (رضي الله عنهم) وهو صغير فوجده في المكتب (2).


(67) جواهر العقدين 2 / 346 - 347. (68) جواهر العقدين 2 / 349. (1) في المصدر: " محمد بن علي الباقر بن زين العابدين ". (2) لا يوجد في المصدر: " فوجده في المكتب ". (*)

[ 52 ]

فقال له: إن رسول الله (ص) يسلم عليك. فقيل لجابر: (و) كيف هذا ؟ فقال: كنت جالسا عند رسول الله (ص) والحسين في حجره وهو يقبله (1) فقال: يا جابر يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم زين (2) العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فان أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام. (69) وفي ذخائر العقبى: عن أنس بن الحرث مرفوعا: إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لما " كربلا " فمن شهد ذلك منكم فلينصره. فخرج أنس بن الحرث فقتل بها مع الحسين (رضي الله عنهما) (أخرجه الملا في سيرته). وفي الاصابة: أخرج البخاري في تاريخه، وروى البغوي وابن السكن، وغيرهما، عن أنس بن الحرث هذا الحديث (3). (انتهى جواهر العقدين). وفي جواهر العقدين كل ما كان في الصواعق موجود حتى أن خطبة معاوية بن يزيد وخلعه نفسه موجود فيه.


(1) في المصدر: " يداعبه ". (2) في المصدر: " سيد ". (69) ذخائر العقبى: 146. (3) الاصابة 1 / 68 ترجمة 266. (*)

[ 53 ]

الباب الحادى والستون في إيراد ما في الكتاب المسمى ب‍ " مقتل أبي مخنف (1) " الذي ذكر فيه شهادة الحسين وأصحابه مفصلا (رضي الله عنهم) وقال: إن والي الشام أوصى إلى ابنه يزيد، وكان غائبا، فكتب له كتابا: " يا بني قد وطئت لك البلاد، وذللت لك الرقاب الشداد، ولست أخشى عليك إلا من الحسين بن علي، فانه لا يبايعك ". ودفع الكتاب إلى الضحاك بن قيس وأمره أن يوصله الى يزيد. فبايعه أهل جميع البلاد إلا أهل الكوفة، وأهل المدينة. (أخذ البيعة) وكتب يزيد إلى الوليد بن عتبة، وكان يومئذ واليا على المدينة، كتابا يأمره أن يأخذ له البيعة على أهلها " فمن لم يبايعك فأنفذ إلي برأسه " فدعا الوليد الحسين (ض) وأراه الكتاب، فامتنع عن البيعة. فقال مروان بن الحكم: يا وليد إحذر أن يخرج فلم ترسله حتى يبايعك أو تضرب عنقه.


(1) لما وجدنا هذه النسخة لا تتطابق مع النسخة الشائعة ولا نسخة الطبري تركناها على حالها بيد أننا لاحظنا من خلال تقارب النص نسبيا أنها تكاد تكون مختصرة عن النسخة الشائعة. والله أعلم. ولا يفوتنا التنويه الى أننا أضننا بعض العناوين وجعلناها بين معقوفين لتمييزها عن النص. (*)

[ 54 ]

فلما سمع الحسين كلامه قال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هؤلاء، لا أم لك يا ابن اللخناء. ثم خرج الحسين (ض). فقال مروان للوليد: عصيتني، والله لا تقدر على مثلها أبدا. فقال له الوليد: لقد اخترت لي ما فيه هلاكي وهلاك ذرتتي، والله ما أحب أن يكون لي ملك الدنيا وأنا مطالب بدم الحسين. (خروج الحسين من المدينة) ثم أتى الحسين (ض) الى قبر جده (ص) وبكى وقال: يا جدي إني أخرج من جوارك كرها، لانى لم أبايع يزيد شارب الخمور ومرتكب الفجور. فبينا هو في بكائه أخذته النعسة، فرأى جده (ص) وإذا هو قد ضمه الى صدره، وقبل ما بين عينيه، وقال: " يا ولدي، يا حبيبي، إني أراك عن قليل مرملا بدماك، مذبوحا من قفاك، بأرض يقال لها كربلا، وأنت عطشان، وأعداؤك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله ذلك. يا ولدي، يا حبيبي، إن أباك وأمك وجدتك وأخاك وعمك وعم أبيك وأخوالك وخالاتك وعمتك هم مشتاقون اليك، وإن لك في الجنة درجة لن تنالها إلا بالشهادة، وإنك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك شهداء تحشرون زمرة واحدة حتى تدخلون الجنة بالبهاء والبهجة ". فانتبه من نومه، فقفها على أهل بيته فغموا غما شديدا. ثم تهيأ على الخروج. وقال له محمد بن الحنفية: يا أخي إني خائف عليك أن يقتلوك. فقال: إني أقصد مكة فان كانت بي أمن أقمت بها وإلا لحقت بالشعاب والرمال، حتى أنظر ما يكون.

[ 55 ]

ثم ودعه وخرج في جوف الليل، وذلك لثلاث مضين من شعبان سنة ستين من الهجرة. فلزم الجادة ويسير ويتلو هذه الآية (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين). فقال له ابن عمه مسلم بن عقيل: يا ابن رسول الله لو سلكنا غير الجادة كان لنا خير كما فعل عبد الله بن الزبير، فانا نخاف أن يلحقنا رجال يزيد. فقال: لا والله ما فارقنا هذا الطريق أبدا. فسار الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) وهو ينشد ويقول: إذا المرء لم يحمي بنيه وعرضه * ونسوته كان اللئيم المسببا ثم دخل مكة وجعل الناس يجيئون إليه لا ينقطعون عنه. (رسل الكوفيين) فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية امتنعوا عن بيعة يزيد، فاجتمعوا وكتبوا إلى الحسين (ض) كتابا يقولون فيه: " لك مالنا وعليك ما علينا، فلعل الله أن يجمع بيننا وبينك على الهدى ودين الحق " ورغبوه في القدوم إليهم وقالوا: " فانفذ إلينا رجلا قبل وصولك يحكم فينا بحكم الله ورسوله ". وكتبوا بهذا المعنى كتبا كثيرة، فكتب إليهم: " إني أرسلت اليكم ابن عمي مسلم، فاسمعوا له وأطيعوه، وقد أمرته باللطف فيكم، وأن يرسل إلي بحسن رأيكم، وما أنتم عليه، وأنا أقدم عليكم إن شاء الله تعالى ". (بعث مسلم (ع) إلى الكوفه) فأرسل مسلم (إلى الكوفة) مع الدليلين، وفي أثناء الطريق ضلاه ومات أحدهما عطشا، فتطير مسلم، فبعث إلى الحسين (ع) يخبره بذلك، ويستعفيه

[ 56 ]

عن المسير إلى الكوفة، فبعث إليه يأمره بالمسير الى ما أمره أولا، فسار في وقته وساعته الى أن قدم الكوفة ليلا، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة. فاجتمع الناس إليه فبايعه ثمانية عشر ألف رجل، وكتب مسلم إلى الحسين (رضي الله عنهما) كتابا مخبرا بمبايعة أهل الكوفة. فبلغ الخبر إلى النعمان بن بشير، وكان هو والي الكوفة من طرف يزيد، فقال في خطبة: " احذروا مخالفة يزيد بن معاوية، من أصبح منكم مخالفا لقولي لاضربن عنقه ". ثم إن عبد الله الحضرمي استضعف رأي النعمان، أرسل الى يزيد كتابا يذكر فيه بيعة الناس لمسلم وضعف رأي النعمان، فأرسل يزيد عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى ابن زياد، وكان في البصرة، مع كتاب " يأمره على الرحيل إلى الكوفة، ولا يدع من بني علي إلا قتله ". فلما وصل الكوفة وهو متلثم وبيده قضيب من خيزران وأصحابه حوله، فلا يمر بملأ إلا سلم عليهم بالقضيب، وهم يظنون أنه الحسين، لانهم يتوقعون قدومه. فلما دخل قصر الامارة علموا أنه ابن زياد. وقال للنعمان: " (حفظت نفسك وضيعت مصرك " فخطب على المنبر " (يذكر أن يزيد ولاه وأوصاه بالاحسان إلى المحسن والتجاوز عن المسيئ " والناس ينظر بعضهم الى بعض ويقولون: " مالنا وامتناع السلطان " فنقضوا بيعة الحسين (ض) وبايعوا ابن زياد. فلما سمع مسلم ذلك دخل هاربا دار هانئ بن عروة، وكان هانئ عليلا، وقال: " يا مسلم إن ابن زياد يأتيني للعيادة، فخذ هذا السيف واقتله، فإذا رأيت أنا أقلع عمامتي عن رأسي فاضربه بالسيف ". ودخل ابن زياد ومعه حاجبه بعد العشاء يسأله عن مرضه، وهو يشكو إليه الله، فقلع عمامته وتركها على الارض ثلاث مرات، فلما رأى ابن زياد كثرة

[ 57 ]

الاشارات خرج هاربا وانصرف، فلما خرج مسلم من المخدع قال له هانئ: ما منعك من قتله ؟ قال: منعني كلام سمعته من أمير المؤمنين أنه قال: لا إيمان لمن قتل مسلما ! قال هانئ: والله لو قتلته لقتلت كافرا. ثم علم ابن زياد أن مسلم بن عقيل في دار هانئ، فدخل ابن زياد مع رجال في داره، فقاتلهم هانئ حتى قتل منهم رجالا، ويقول: " والله لو كانت رجلي على طفل من أطفال آل محمد (ص) ما رفعتها حتى تقطع "، ثم قتله ابن زياد بعمود من حديد. وخرج مسلم من الدار هاربا حتى انتهى إلى الحيرة، ودخل دار العجوزة فأكرمته، فدخل ابنها ورأى أمه تكثر الدخول والخروج الى موضع من الدار، فسألها فلم تخبره، وبعد أخذ العهود والقسم أخبرته. ثم ولد العجوزة أخبر ابن زياد، فأرسل ابن زياد محمد بن الاشعث الكندي، وضم إليه ألف فارس وخمسمائة راجل الى قتال مسلم، فقاتلهم قتالا شديدا حتى قتل منهم خلقا كثيرا، فأرسل ابن الاشعث إلى ابن زياد يستمده بالخيل والرجال. فكتب إليه (، إن رجلا واحدا يقتل منكم خلقا كثيرا، فكيف لو أرسلتك الى من هو أشد منه قوة وبأسا " - يعني الحسين -. فكتب في الجواب " إنما أرسلتني الى سيف من أسياف آل محمد "، فأمده بالعسكر الكثير. ثم حمل مسلم عليهم أيضا فقتل منهم خلقا كثيرا وصار جلده كالقنفذ من كثرة إلسهام.

[ 58 ]

فقال ابن الاشعث: لك الامان يا مسلم. فقال لهم: لا أمان لكم يا أعداء الله وأعداء رسوله. ثم إنهم حفروا له حفيرة في وسط الطريق، وأخفوا رأسها بالدغل والتراب، فوقع مسلم في تلك الحفيرة، وأحاطوا به فضربه ابن الاشعث على وجهه بالسيف فشقه، فأوثقوه وآتوه الى ابن زياد. فقيل له: سلم على الامير. فقال مسلم: والله مالي أمير غير الحسين (ع) ثم أنشد: إصبر لكل مصيبة وتجلد * واعلم بأن المرء غير مخلد وإذا ذكرت مصيبة تشجى لها * فاذكر مصيبة آل بيت محمد واصبر كما صبر الكرام فانها * نوب تنوب اليوم تكشف في غد فقال ابن زياد: يا مسلم سواء عليك سلمت أو لم تسلم إنك مقتول لا محالة. قال مسلم: أريد رجلا قرشيا أوصيه. فقام عمر بن سعد إليه وقال له: ما وصيتك ؟ فقال له: أول وصيتي: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عليا ولي الله ووصي رسوله وخليفته في أمته. والثانية: تبيع درعي وتقضي عني سبعمائة درهم استقرضتها. والثالثة: أن تكتب الى سيدي الحسين يرجع ولا يأتي الى بلدكم. فقال ابن سعد: أما ما ذكرت من الشهادة فكلنا نشهد بها، وأما بيع الدرع وقضاء الدين إن شئنا قضيناه وإلا لا، وأما من أمر الحسين فلا بد أن يقدم الينا ونذيقه الموت. ثم أمر ابن زياد أن يصعد بمسلم على أعلى القصر ويرمى منه، فبكى مسلم على

[ 59 ]

فراق الحسين (رضي الله عنهما) وجعل يقول: جزى الله عنا شر ما قد جزى * شرار الموالى بل أعق وأظلما هم منعونا حقنا وتظاهروا * علينا وراموا أن نذل ونرغما وغاروا علينا يسفكون دماءنا * فحسبهم الله العظيم المعظما ونحن بنو المختار لا شئ مثلنا * وفينا نبي مكرم ومكرما ثم ألقوه من أعلى القصر، وعجل الله بروحه إلى الجنة. ثم أخذوا مسلما وهانيا فألقوهما في الاسواق، فبلغ خبر مسلم وهانئ الى قبائل مذحج فقاتلوا القوم، فغسلوهما ودفنوهما رحمهما الله. (خروج الحسين (ع) من مكة) واليوم الذي قتل فيه مسلم بن عقيل وهو يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة يوم التروية كان فيه خروج الحسين (ض) من مكة إلى العراق، بعد أن طاف وسعى وأحل من إحرامه، وجعل حجه عمرة مفردة، لانه لم يتمكن من إتمام الحج مخافة أن يبطش به ويقع الفساد في الموسم وفي مكة، لان يزيد أرسل مع الحجاج ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية وأمرهم بقتل الحسين على كل حال. ثم إن محمد بن الحنفية سمع أن أخاه الحسين (رضي الله عنهما) يريد العراق، فبكى (بكاءا) شديدا، ثم قال له: إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، فان قبلت قولي أقم بمكة. فقال: يا أخي إني أخشى أن تغتالني جنود بني أمية في مكة فأكون أنا الذي يستباح حرم الله.

[ 60 ]

ثم قال: يا أخي فسر إلى اليمن فانك أمنع الناس به. فقال الحسين (ض): يا أخي لو كنت في بطن صخرة لاستخرجوني منها فيقتلوني. ثم قال له الحسين: يا أخي سأنظر فيما قلت. فلما كان وقت السحر عزم على المسير الى العراق، فأخذ محمد بن الحنفية زمام ناقته وقال: يا أخي ما سبب انك عجلت ؟ فقال: إن جدي (ص) أتاني بعدما فارقتك وأنا نائم، فضمني الى صدره وقبل ما بين عيني وقال لي: " يا حسين يا قرة عيني أخرج الى العراق فالله (عزوجل) قد شاء أن يراك قتيلا مخضبا بدمائك ". فبكى محمد بن الحنفية بكاء شديدا فقال: يا أخي إذا كان الحال هكذا فلا معنى لحملك لهؤلاء النسوة. فقال: قال لي جدي (ص) أيضا: " إن الله (عزوجل) قد شاء أن يراهن سبايا، مهتكات، يساقون في أسر الذل " وهن أيضا لا يفارقنني ما دمت حيا. فبكى محمد بن الحنفية بكاء شديدا ثم قال: أودعتك الله يا حسين، في دعة الله يا أخي. ونقل أن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق فأنا سمعت جدك (ص) يقول: " يقتل ولدي الهسين بالعراق بأرض يقال لها كربلا ". فقال: يا أماه والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة، وأعرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وأعرف من يقتل من أهل بيتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريتك حفرتي ومضجعي، ثم أشار بيده الشريفة الى جهة كربلا فانخفضت الارض حتى أراها مضجعه ومدفنه

[ 61 ]

ومشهده، فبكت بكاء شديدا. ثم إنه كتب إلى العراق كتابا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " من الحسين بن علي بن أبي طالب الى اخوانه المؤمنين: سلام عليكم. وإني أحمد الله تعالى الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فان كتاب مسلم بن عقيل أتاني يخبرني بحسن رأيكم، واجتماع ملتكم، والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا ولكم الصنع. وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر، وقد شخصت اليكم يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتبوا إلي أمركم، فاني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى. والسلام. فلما أقبل الرسول بالكتاب إلى الكوفة لقاه الحصين بن نمير فأتى به عند ابن زياد، فمزق الرسول الكتاب. قال ابن زياد له: من أنت ؟ قال: أنا شيعة الحسين. قال: لم مزقت الكتاب ؟ قال: لئلا تعلم ما فيه. فأمره ابن زياد بسب علي والحسنين، فصعد المنبر وقال: أيها الناس، إن الحسين خير خلق الله تعالى، وأنا رسوله اليكم فأجيبوه، ثم لعن ابن زياد وأباه. فأمر به ابن زياد أن يلقى من أعلى القصر، فرموه فمات (رحمه الله تعالى). فبينما الحسين (ض) في المسير إذ جاء هلال بن نافع وعمرو بن خالد من

[ 62 ]

الكوفة، فسأل عنهما أحوال الناس، فقالا: " أما الاغنياء فقلوبهم إلى ابن زياد، وأما باقي الناس فقلوبهم اليك، وإن مسلم وهانئ وقيس الذي كان رسولك قتلوا " فقال: اللهم اجعل الجنة لنا ولاشياعنا منزلا كريما إنك على كل شئ قدير. ثم خطب وقال: قد نزل بنا ما ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتكدرت، وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلا كصبابة الاناء، لا يعمل بالحق ولا ينتهى عن الباطل، ولا يرى المؤمن الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا خسارة. ثم نام نصف النهار واستيقظ وقال: سمعت هاتفا يقول: " يسير القوم والمنايا تسير معهم ". فقال له ابنه: يا أبتاه ألسنا على الحق ؟ فقال: بلى والذي مرجع العباد إليه يا بني. فقال: إذا والله لا نبالي بالموت إذا كنا على الحق والهدى. (إعتراض الحر) ثم سار حتى أتى موضعا يقال له " زبالة " فنزل وخطب وقال: " أيها الناس فمن كان منكم يصبر على حد السيف وطعن الاسنة فليقم معنا وإلا فلينصرف عنا " فجعل القوم يتفرقون، فلم يبق إلا أهل بيته ومواليه، وهم نيف وسبعون رجلا، وهم الذين خرجوا معه من مكة. فسار بهم إلى التغلبية، فاعترضهم الحر بن يزيد الرياحي، وهو قادم من القادسية رسولا إليه من الحصين بن نمير، وكان الحصين بالقادسية في أربعة آلاف فارس، فلم يزل الحر يطلب الحسين (ض) حتى لقيه عند صلاة الظهر.

[ 63 ]

قال الحر له: " لا نفارقك حتى أدخلناك عند ابن زياد " فأبى الحسين (ض). فقال الحر: " إذا أبيت ذلك فخذ طريقا آخر ". والحر يساير معه حتى انتهى الى قصر بني مقاتل، وإذا بفسطاط مضروب لرجل يقطع الطريق فقال له: " إنك قد عملت على نفسك ذنوبا كثيرة فهل لك من عمل تمحو به ذنوبك " ؟ قال: بماذا ؟ قال: تنصر ابن بنت رسول الله (ص). قال: أعطيك فرسي وسيفي واعفني عن ذلك. قال: إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا بمالك، وتلا هذه الآية (وما كنت متخذ المضلين عضدا). ثم قال: سمعت جدي (ص) يقول: " من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبه أكبه الله على منخريه في النار ". (نزول كربلاء) ثم أقبل فارس من الكوفة سلم على الحر ولم يسلم على الحسين (ع) ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ويأمره بالتعجيل، فساروا جميعا الى أن انتهوا الى أرض كربلا، إذ وقف جواد الحسين وكلما حثه على المسير لم ينبعث من تحته خطوة واحدة. فقال الامام: ما يقال لهذه الارض ؟ قالوا: تسمى كربلا. فقال: هذه والله أرض كرب وبلا، هاهنا تقتل الرجال وترمل النساء، وها هنا محل قبورنا ومحشرنا، وبهذا أخبرني جدي (ص). ثم نزل عن جواده وذلك يوم الاربعاء ثامن المحرم سنة إحدى وستين وهو يقول: يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل

[ 64 ]

من طالب بحقه قتيل * والدهرلا يقنع بالبديل وكل حي سالك سبيل * ومنتهى الامر الى الجليل ما أقرب الوعد إلى الرحيل ولم يزل يكررها حتى سمعته أخته زينب، فخرجت من الخيمة وقالت: يا أخي وقرة عيني، هذا كلام من أيقن بالموت، واثكلاه، اليوم مات جدي محمد المصطفى، وأبي علي المرتضى، وأمي فاطمة الزهراء، وأخي الحسن المجتبى، وخرت مغشيا عليها. ثم قال لها: يا أختاه إن أهل السماء والارض يموتون، وكل شئ هالك إلا وجهه. ثم قال لها: يا أختاه بحقي عليك إذا أنا قتلت فلا تشقي جيبا، ولا تخمشي وجها. ثم حملها وأدخلها في الخيمة، ثم أمر أصحابه أن يقربوا البيوت بعضها من بعض. ثم ابن زياد نادى في عسكره: من يأتيني برأس الحسين فله الجائزة العظمى وأعطيه ولاية الري سبع سنين. فقام إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص وقال: أنا. فقال: امض إليه وامنعه عن شرب الماء وآتيني برأسه. فدخل على عمر أولاد المهاجرين والانصار وقالوا: يا ابن سعد تخرج الى حرب الحسين (ض) وأبوك سادس الاسلام ؟ ! فقال: لست أفعل ذلك. ثم جعل يفكر في ملك الري وقتل الحسين، فأضله الشيطان وأعمى قلبه. ثم قال لهم الحسين (ض): " والله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري، والله ما تعمدت الكذب مذ نشأت وعرفت أن الله يمقت الكذب، هل تطلبوني

[ 65 ]

بنفس قتلته ؟ أو بمال استملكته ؟ أو بقصاص من جراحة ؟ "، فسكتوا. ثم في الليلة التاسعة من المحرم كان لاصحابه دوي كدوي النحل من الصلاة والتلاوة فقال لهم: " إني لا أعلم أصحابا أوفى بالعهد ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل بالرحم من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا فأنتم في حل مني، وهذه الليلة سيروا بسوادها فاتخذوها سترا جميلا ". فقال له اخوته وأهل بيته وأصحابه: " لا نفارقك لحظة ولا يبقي الله إيانا بعدك أبدا ". ثم قال لاعدائه: ألست أنا ابن بنت نبيكم وابن أول المؤمنين إيمانا والمصدق لله ورسوله ؟ أليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ أليس جعفر الطيار في الجنان عمي ؟ أليس قال جدي (ص): إن هذين ولداي سيدا شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين ؟ أليس قال: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ؟ فان صدقتموني فيما أقول فنعما هو وإلا فاسألوا جابر بن عبد الله، وسعدا وحمل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، فانهم سمعوا ذلك من جدي (ص).

[ 66 ]

ثم نادى: يا شبث بن ربعي ويا كثير بن شهاب، ألم تكتبوا إلي أن أقدم، لك ما لنا وعليك ما علينا ؟ فقالوا: ما نعرف ما تقول، فانزل على حكم الامير وبيعة يزيد. فقال: والله لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد، وإني أعوذ بالله أن أنزل تحت حكم كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. (واقعة الطف) ثم إن الحسين مع أصحابه (رضي الله عنهم) تهيأوا للقتال، فرمى ابن سعد سهما وقال: " اشهدوا لي عند الامير أني أول من حارب الحسين "، وكان أول راية خرجت الى حرب الحسين (ض) راية عمر بن سعد، ثم دعا عروة بن قيس الخثعمي، وخولي بن يزيد الاصبحي، وسنان بن أنس النخعي، والشمر ابن ذي الجوشن الضبابي، وعقد لكل واحد منهم راية على أربعة آلاف فارس، وسار القوم جميعا من الكوفة حتى أحاطوا الحسين في أربعين ألف فارس، لا فيهم شامي ولا حجازي ولا مصري، بل جميع القوم من أهل الكوفة، فأرسل عمر بن سعد شهاب بن كثير الى الامام. قال الامام: ما يريد ؟ قالوا: الدخول عليك. فقال له زهير: الق سلاحك وادخل. قال: لست أفعل ذلك. فرجع الى عمر، ثم أرسل رجلا يسمى خزيمة فألقى سلاحه، فقبل قدمي الامام، فما رجع الى عمر بن سعد، وقال: " من ذا الذي يترك الجنة ويمضي الى

[ 67 ]

النار !) ثم أقام مع الامام حتى قتل بين يدي الامام الحسين (رضي الله عنهما). (مقتل العباس) ولما اشتد العطش قال الامام لاخيه العباس: " إجمع أهل بيتك واحفروا بئرا " ففعلوا ذلد فوجدوا فيها صخرة، ثم حفروا أخرى فوجدوها كذلك، ثم قال له: " امض الى الفرات وآتينا الماء "، فقال: " سمعا وطاعة "، فضم إليه الرجال، فمنعهم جيش عمر بن سعد، فحمل عليهم العباس فقتل رجالا من الاعداء حتى كشفهم عن المشرعة، ودفعهم عنها، ونزل فملا القربة، وأخذ غرفة من الماء ليشرب فذكر عطش الحسين وأهل بيته فنفض الماء من يده وقال: " والله لا أذوق الماء وأطفاله عطاش والحسين " وأنشأ يقول: يانفس من بعد الحسين هوني * فبعده لا كنت أن تكوني هذا الحسين شارب المنون * وتشربين بارد المعين والله ما هذا فعال ديني * ولا فعال صادق اليقين فأخذه السهام من كل جانب فأصابته حتى صار جلده كالقنفذ وهو يقول: أقاتل اليوم بقلب مهتد * أذب عن سبي النبي أحمد أضربكم بالصارم المهند * حت تحيدوا عن قتال سيدي إني أنا العباس ذو التودد * نجل علي الطاهر المؤيد ثم قاتل قتالا شديدا، وقتل منهم رجالا، وهو يقول: لا أرهب الموت إذا الموت لقى * حق أوارى في المصاليت لقا نفسي لنفس الطاهر الطهر وقى * إني صبور شاكر للملتقى ولا أخاف طارقا إذ طرقا * بل أضرب الهام وأبري المغرقا

[ 68 ]

فحمل عليه الابرد بن شيبان فضربه على يمينه فطارت مع السيف، فأخذ السيف بشماله وحمل على أعدائه، وهو يقول: والله لو قطعتم يميني * لاحمين مجاهدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين * سبط النبي الطاهر الامين فقتل منهم رجالا، فضربه عبد الله بن يزيد على شماله فقطعها، فأخذ السيف بفمه، وهو يقول: يانفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار مع النبي سيد الابرار * قد قطعوا في بغيهم يساري وقد بغوا معاشر الفجار * فأصلهم يا رب حر النار ثم حمل على القوم ويداه مقطوعتان، وقد ضعف من كثرة الجراح، فحملوا عليه بأجمعهم، فضربه رجل منهم بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته، فوقع على الارض وهو ينادي: " يا أبا عبد الله، يا حسين، عليك مني السلام "، فقال الامام: " واعباساه وامهجة قلباه " وحمل عليهم وكشفهم عنه، ونزل إليه، وحمله على جواده فأدخله على الخيمة، وبكى بكاء شديدا، وقال: " جزاك الله عني خير الجزاء فلقد جاهدت حق الجهاد ". (وعظ الحسين (ع) وأصحابه لاهل الكوفة) ثم قال لاعدائه: يا أهل الكوفة إن الدنيا قد تغيرت وتكدرت، وأدبر معروفها، وهي دار فناء وزوال، تتصرف بأهلها من حال الى حال " فالمغرور من اغتر بها، وركن إليها، وطمع فيها. معاشر الناس أما قرأتم القرآن ؟ أما عرفتم شرايع الاسلام ؟ وثبتم على ابن نبيكم تقتلوه ظلما وعدوانا، معاشر الناس هذا ماء

[ 69 ]

الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس وآل نبيكم يموتون عطاشا ؟ !. فقالوا: والله لا تذوق الماء بل تذوق الموت غصة بعد غصة وجرعة بعد جرعة. فلما سمع منهم ذلك رجع الى أصحابه وقال لهم: " إن القوم قد استحوذ عليهم الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون "، ثم جعل يقول: تعديتم ياشر قوم ببغيكم * وخالفتم قول النبي محمد أما كان خير الخلق أوصاكم بنا * أما كان جدي خيرة الله أحمد أما كانت الزهراء أمي ووالدي * علي أخو خير الانام الممجد لعنتم وأخزيتم بما قد فعلتم * فسوف تلاقون العذاب بمشهد فلما فرغ من هذا الشعر أمر أنس الكاهلي أن يذهب إلى القوم ويعظهم عسى أن يرجعوا، وقال: " (أنا أعلم أنهم لا يرجعوا ولكن تكون حجة عليهم " فانطلق أنس فدخل على ابن سعد ولم يسلم عليه. فقال ابن سعد له: لم لم تسلم علي ألست مسلما ؟ قال: والله لست أنت مسلم، لانك تريد أن تقتل ابن رسول الله (ص). فنكس رأسه فقال: والله إني لاعلم أن قاتله في النار ولكن لا بد من إنفاذ حكم الامير عبيدالله بن زياد. فرجع أنس إلى الحسين (ض) وأخبره بذلك. ثم قال مسلم بن عوسجة: والله لاكسرن في صدورهم رمحي ولاضربن أعناقهم بسيفي حتى ألقى الله (عزوجل) ليعلم الله أنا قد حفظنا عترة رسوله، فلو أقتل ثم أحيى حتى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك. ثم قال زهير بن القين نحوه، ثم تكلم كل واحد من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا وقالوا: " أنفسنا لنفسك الفداء، فان قتلنا قضينا ما علينا من واجب حقكم ".

[ 70 ]

(الاستعداد للحرب) ثم إن عمر بن سعد جعل في الميمنة من جيشه سنان بن أنس النخعي، وجعل في الميسرة الشمر بن ذي الجوشن الضبابي، مع كل واحد منهما أربعة آلاف فارس، ووقف عمر وباقي أصحابه في القلب. وجعل الحسين (ض) في الميمنة من جيشه زهير بن القين معه عشرون رجلا، وجعل في الميسرة حبيب بن مظاهر في ثلاثين فارس، ووقف هو وباقي جيشه في القلب، وحفروا حول الخيمة خندقا وملؤوه نارا حتى يكون الحرب من جهة واحدة. فقال رجل ملعون: عجلت يا حسين بنار الدنيا قبل نار الآخرة. فقال الحسين (ض): تعيرني بالنار وأبي قاسمها، وربي غفور رحيم. ثم قال لاصحابه: أتعرفون هذا الرجل ؟ فقالوا: هو جبيرة الكلبي (لعنه الله). فقال الحسين: اللهم احرقه بالنار في الدنيا قبل نار الآخرة. فما استتم كلامه حتى تحرك به جواده فطرحه مكبا على رأسه في وسط النار فاحترق، فكبروا، ونادى مناد من السماء " هنيت بالاجابة سريعا يابن رسول الله ". قال عبد الله بن مسرور: لما رأيت ذلك رجعت عن حرب الحسين. ثم قال أبو ثمامة الصيداوي: يا سيدي صل بنا صلاة الظهر والعصر، فانا نراها آخر صلاة نصليها معك، فلعلنا نلق الله على أداء فريضته. فأذن وأقام فقاموا في الصلاة، وهم يرمون السهام إليهم، فقال: " يا ويلكم ألا تقفون عن الحرب حتى نصلي " فلم يجبه أحد إلا الحصين بن نمير قال:

[ 71 ]

يا حسين إن صلاتك لا تقبل، فقال له حبيب بن مظاهر: " إذا لم تقبل صلاة ابن رسول الله (ص) بل تقبل صلاتك يا ابن الخمارة البوالة على عقبيها). (مقتل حبيب بن مظاهر (ض)) ثم برز حبيب وهو يقول: أنا حبيب وأبي مظاهر * وفارس الهيجاء ليث قصور والله أعلى حجة وأظهر * منكم وأنتم بقر لا تنفر سبط النبي إذ أتى يستنصر * ياشر قوم في الورى وأكفر فحمل على الحصين فضربه ضربة أسقطته عن ظهر فرسه الى الارض فاستنقذه أصحابه، ولم يزل حبيب يقاتل حتى قتل منهم خلقا كثيرا، ثم قتل، وقال الحسين: " يرحمك الله يا حبيب، لقد كنت تختم القرآن في ليلة واحدة وأنت فاضل ". (مقتل زهير (ض)) فقال زهير بن القين: يا مولاي أرى الانكسار في وجهك بعد قتل العباس وحبيب، ألسنا على الحق ؟ قال: بك وحق الحق إنا على الحق محقين. قال زهير: فما تكره من موتنا وإنا ندخل الجنة ونعيمها. فبرز وهو يقول: أنا زهير وابن القين * وفي يميني مرهف الحدين أذب بالسيف عن الحسين * ابن علي طاهر الجدين

[ 72 ]

ثم حمل عليهم فقتل منهم عشرين فارسا، ثم أقبل إلى الحسين فصلى بالجماعة، ثم قال: يا قومي هذه الجنة قد فتحت أبوابها وأبيحت أثمارها، وهذا رسول الله (ص) والشهداء يتوقعون قدومنا، فحاموا عن دين الله، واحفظوا حرم ابن رسول الله (ص). ثم برز وهو يقول: أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا * ثم أباك الطاهر المؤيدا والحسن المسموم ذاك الامجدا * وذا الجناحين حليف الشهدا وحمزة الليث الهمام الا سعدا * في جنة الفردوس عاشوا سعدا ولم يزل يقاتل حتى قتل من الاعداء نيفا وخمسين فارسا، ثم قتل (ض) (مقتل حنظلة) ثم برز حنظلة وهو يقول: يا شر قوم حسبا وزادا * وكم ترومون لنا العنادا أنتم أناس أبعد العبادا * لا حفظ الله لكم أولادا فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم ستين فارسا، ثم قتل (ض). (مقتل المعلا (ض)) ثم برز المعلا بن العلا وهو يقول: لا تنكروني فأنا ابن الكلب * عبل الذراعين شديد الضرب إني غلام واثق بربي * حسبي به مولاي نعم الحسب لا أرهب الموت بدار الحرب * أفوز بالجنة يوم الكرب

[ 73 ]

ولم يزل يقاتل حتى قتل من القوم عشرين فارسا، وأصابت جسده سبعين طعنة ورمية، وصار جلده كالقنفذ، فاجتزوا رأسه ورموه نحو الحسين، فأخذته أمه وتقول: " الحمد لله قتلت يا ولدي بين يدي ابن رسول الله (ص) " ثم قالت: " يا أمة السوء أشهد أن اليهود والنصارى خير منكم ". (مقتل عبد الله بن مسلم (ض)) ثم برز عبد الله بن مسلم بن عقيل وهو يقول: نحن بنو هاشم الكرام * نحمي عن السيد والامام نجل علي ابن السيد الضرغام * سبطا النبي الملك العلام فلم يزل يقاتل حتى قتل من الاعداء نيفا وخمسين فارسا، ثم قتل (ض). فلما نظر الحسين إليه قال: " اللهم اقتل قاتل آل عقيل ". ثم قال: " احملوا عليهم - بارك الله فيكم - وبادروا الى الجنة التي هي دار الايمان ". (مقتل عون بن عبد الله (ض)) فبرز عون بن عبد الله بن جعفر الطيار وهو يقول: أقسمت لا أدخل إلا الجنة * مصدقا بأحمد والسنة والبعث من بعد إنقطاع الرنة * هو الذي أنقذنا بمنه عن حيرة الكفر وكيد الضنة * صلى عليه الله بارى الجنة فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم ستين فارسا، ثم قتل (ض).

[ 74 ]

(مقتل عروة الغفاري (ض)) ثم برز عروة الغفاري وكان شيخا كبيرا شهد بدرا وحنين وصفين وقال له الحسين: " شكر الله لك أفعالك يا شيخ ". فأنشد: قد علمت حقا بنو غفار * وخندف ثم بنو نزار بنصرتي لاحمد المختار * وآله السادات والابرار صلى عليهم خالق الاشجار * رب البرايا خالق الاطيار ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم خمسة وعشرين فارسا، ثم قتل (ض). (مقتل مالك (ض)) ثم برز مالك وهو يقول: إليكم من مالك الضرغام * ضرب فتى يحمي عن الامام يرجو ثواب الملك العلام * سبحانه مقدر الاعوام ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم أربعة وأربعين فارسا، ثم قتل (ض). (مقتل موسى بن عقيل (ض)) ثم برز موسى بن عقيل وهو يقول: يا معشر الكهول والشبان * أضربكم بالسيف والسنان أرضي بذاك خالق الانسان * ثم رسول الملك المنان ولم يزل يقاتل حتى قتل من الاعداء ستين فارسا ثم قتل (ض).

[ 75 ]

(مقتل أحمد بن محمد الهاشمي (ض)) ثم برز أحمد بن محمد الهاشمي وهو يقول: اليوم أتلو حسبي وديني * بصارم تحمله يميني أحمي به يوم اللقاقرين * ابن علي الطاهر الجدين فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم خلقا كثيرا (ض). (مقتل سليمان مولى الحسين (ع)) ثم برز سليمان مولى الحسين (رضي الله عنهما) فقتل منهم رجالا ثم قتل (ض). (توبة الحر (ض) ومقتله وابنه) فجعل الحسين (ض) ينظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا يبارز أعداءه، فبكى بكاء شديدا وهو ينادي: " وامحمداه واعلياه واحمزتاه واجعفراه واعباساه، يا قوم أما من معين يعيننا، أما من خائف من عذاب الله فيذب عنا " ثم جعل يقول: أنا ابن علي الطهر من آل هاشم * كفاني بهذا مفخر حين أفخر وفاطم أمي ثم جدي محمد * وعمي هو الطيار في الخلد جعفر بنا بين الله الهدى عن ضلاله * وفينا الولاء للعوالم مفخر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * وباغضنا يوم القيامة يخسر فطوبى لعبد زارنا بعد موتنا * بجنة عدن صفوها لا يكدر إذا ما أتى يوم القيامة ظاميا * الى الحوض يسقيه بكفيه حيدر فسمعه الحر بن يزيد الرياحي فقال لولده: " إن الحسين يستغيث فلا يغيثه أحد، فهل لك نقاتل بين يديه ونفديه بأرواحنا، ولا صبر لنا على النار ولا

[ 76 ]

على غضب الجبار، ولا يكون خصمنا محمد الختار ؟ " قال ولده: " والله أنا مطيعك ". ثم حملا كأنهما يقاتلان حتى جاءا بين يدي الامام، وقبلا الارض، وقال الحر: " يا مولاي أنا الذي منعتك من الرجوع، والله ما علمت أن القوم الملاعين يفعلون بك. ما فعلوا، وقد جئناك تائبان " فحمل ولده على القوم، ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم أربعة وعشرين رجلا، ثم قتل (ض)، فاستبشر أبوه فرحا وقال: " الحمد لله الذي استشهد ولدي بين يدي ابن رسول الله (ص) ". ثم برز الحر وهو يقول: أكون أميرا غادرا وابن غادر * إذا أنا قاتلت الحسين ابن فاطمه أسفي على خذلانه وانفراده * ببيعة هذا ناكث العهد لازمه فيا ندمي أن لا أكون نصيره * ويا حسرتي إن لم أفارق ظالمه سقى الله أرواح الذين تبادروا * إلى النصر بالهيجاء ليوثا ضراغمه فمالوا الى نصر ابن بنت نبيهم * بأسيافهم آساد غيل مصادمه ولم يزل يقاتل حتى قتل رجالا، فرجع إلى الحسين (ض) وهو يقول: لقد خاب قوم خالفوا أمر ربهم * يريدون هدم الدين والدين شارع يريدون عمدا قتل آل محمد * وجدهم لاعدائهم ليس شافع ثم حمل عليهم وقال: " يا أهل الكوفة، هذا الحسين، لقد دعوتموه وزعمتم أنكم تنصرونه وتقتلون أنفسكم عنده، فوثبتم عليه وأحطتم به من كل جانب، ومنعم أهله من شرب الماء الذي تشربه الكلاب والخنازير، بئس ما صنعتم لا سقاكم الله يوم العطش الاكبر، إن لا ترجعون عما أنتم عليه ". ثم حمل عليهم فقتل منهم خمسين رجلا ثم قتل (ض)، واجتزوا رأسه ورموه نحو الامام، فوضعه في حجره وهو يبكي ويمسح الدم عن وجهه ويقول: " والله

[ 77 ]

ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، فأنت والله حر في الدنيا وسعيد في الآخرة " وهو يقول: فنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مشتبك الرماح ونعم الحر إذ واسا حسينا * وجاد بنفسه عند الصفاح لقد فازوا الذي نصروا حسينا * وفازوا بالهداية والصلاح (مقتل القاسم (ض)) ثم برز القاسم بن الحسن المجتبى، وهو شاب، وحمل على القوم، ولم يزل يقتل منهم حتى قتل منهم ستين رجلا، فضربه رجل على هامته فصرع إلى الارض وهو يقول: " يا عماه أدركني "، فحمل عليهم الامام وفرق القوم عنه، فقتل قاتل القاسم (ض) فبكى الامام وقال: " اللهم أنت تعلم انهم دعونا لينصرونا فخذلونا وأعانوا علينا. اللهم احبس عنهم قطر السماء واحرمهم بركاتك، اللهم لا ترض عنهم أبدا، اللهم إنك إن كنت حبست عنا النصر في الدنيا فاجعله لنا ذخرا في الآخرة، وانتقم لنا من القوم الظالمين ". (مقتل أحمد بن الحسن (ع)) ثم برز أخوه أحمد بن الحسن المجتبى، وهو ابن سبعة عشر سنة، وهو يقول: إني أنا نجل الامام ابن علي * نحن وبيت الله أولاد النبي أضربكم بالسيف حتى يلتوي * أطعنكم بالرع حتى ينثني ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم ثمانين رجلا، ثم رجع إلى الامام وقد غارت عيناه من العطش وينادي: " يا عماه هل شربة من ماء أتقوى بها على أعداء

[ 78 ]

الله وأعداء رسوله " ؟ فقال له الامام: " يا بني اصبر قليلا تلقى جدك محمد المصطفى (ص) فيسقيك شربة لا تظمأ بعدها أبدا ". ثم حمل عليهم فقتل منهم خلقا كثيرا، ثم قتل (ض) (مقتل علي الاكبر (ع)) ثم برز علي الاكبر بن الحسين (رضي الله عنهما)، وهو ابن سبعة عشر سنة، وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي أضربكم بصارم لم يفلل * أطعنكم بالرمح وسي القسطل ولم يزل يقاتل حتى قتل منهم ثمانين رجلا، ثم ضربه رجل من القوم على رأسه الشريف فخر إلى الارض، ثم استوى جالسا يقول: " يا أباه هذا جدي محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وهذه جدتي فاطمة الزهراء، وخديجة الكبرى "، فحمل عليهم الامام ففرقهم عنه، ووضع رأسه في حجره، وجعل يمسح الدم عن وجهه (و) يقول: " لعن الله قوما قتلوك يا ولدي، ما أشد جرأتهم على الله وعلى انتهاك حرم رسول الله (ص) " وأهملت عيناه بالدموع، وصرخن النساء فسكتهن الامام، وقال لهن: " إسكتن فان البكاء أمامكن ". (مقتل عبد الله الرضيع (ع)) قالت أم كلثوم: " يا أخي إن ولدك عبد الله ما ذاق الماء منذ ثلاثة أيام فاطلب له من القوم شربة تسقيه " فأخذه ومضى به إلى القوم وقال: " يا قوم لقد قتلتم

[ 79 ]

أصحابي وبني عمي واخوتي وولدي، وقد بقي هذا الطفل، وهو ابن ستة أشهر، يشتكي من الظمأ فاسقوه شربة من الماء " فبينا هو يخاطبهم إذ أتاه سهم فوقع في نحر الطفل فقتله. قيل: إن السهم رماه عقبة بن بشير الازدي (لعنه الله). ويقول الحسين (ض): " اللهم إنك شاهد على هؤلاء القوم الملاعين، إنهم قد عمدوا أن لا يبقوا من ذرية رسولك (ص) " وهو يبكي بكاء شديدا وينشد ويقول: يا رب لا تتركني وحيدا * قد أظهروا الفسوق والجحودا وصيرونا بينهم عبيدا يرضون في فعالهم يزيدا أما أخي فقد مضى شهيدا * مجدلا في فدفد فريدا وأنت بالمرصاد يا مجيدا (وداع الحسين (ع)) ثم نادى: " يا أم كلثوم، ويا سكينة، ويا رقية، ويا عاتكة، ويا زينب، يا أهل بيتي عليكن مني السلام ". فلما سمعن رفعن أصواتهن بالبكاء، فضم بنته سكينة الى صدره، وقبل ما بين عينيها، ومسح دموعها، وكان يحبها حبا شديدا، ثم جعل يسكتها ويقول: سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي * منك البكاء إذ الحمام دهاني لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة * مادام مني الروح في جثماني فإذا قتلت فأنت أولى بالذي * تأتينه يا خيرة النسوان

[ 80 ]

(مقتل الحسين (ع)) ثم دنا من القوم وقال: " يا ويلكم أتقتلوني على سنة بدلتها ؟ أم على شريعة غيرتها ؟ أم على جرم فعلته ؟ أم على حق تركته ؟ ". فقالوا له: " إنا نقتلك بغضا لابيك ". فلما سمع كلامهم حمل عليهم فقتل منهم في حملته مائة فارس، ورجع الى خيمته، وأنشأ عند ذلك يقول: خيرة الله من الخلق أبي * بعد جدي فأنا ابن الخيرتين أمي الزهراء حقا وأبي * وارث العلم ومولى الثقلين عبد الله غلاما يافعا * وقريش يعبدون الوثنين يعبدون اللات والعزى معا * وعلي قام صلى القبلتين مع نبي الله سبعا كاملا * ما على الارض مصلي غير ذين جدي المرسل مصباح الدجى * وأبي الموفي له في البيعتين عروة الدين علي المرتضى * صاحب الحوض معز الحرمين وهو الذي صدق في خاتمه * حين ساوى ظهره للركعتين والدي الطاهر والطهر الذي * ردت الشمس عليه كرتين قتل الابطال لما برزوا * يوم بدر ثم أحد وحنين أظهر الاسلام رغما للعدى * بحسام قاطع ذي شفرتين من له جد كجدي المصطفى * أحمد المختار صبح الظلمتين من له أب كأبي حيدر * ساد بالفضل أهالي الحرمين من له عم كعمي جعفر * ذي الجناحين كريم النسبتين من له أم كأمي في الورى * بضعة المختار قرة كل عين والدي شمس وأمي قمر * فأنا الكوكب وابن النيرين فضة قد صفيت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين خصنا الله بفضل والتقى * فأنا الزاهر وابن الازهرين

[ 81 ]

نحن أصحاب العبا خمستنا * قد ملكنا شرقها والمغربين نحن جبريل غدا سادسنا * ولنا الكعبة ثم الحرمين ولنا العين مع الاذن التي * أذعن الخلق لها في الخافقين ولجبريل بنا مفتخر * قد قضى عنا أبو ناكل دين فجزاه الله عنا صالحا * خالق الخلق ورب العالمين فلنا الحق عليكم واجب * ما جرى في الفلك احدى النيرين شيعة المختار قروا أعينا * في غد تسقون من كف الحسين ثم حمل على القوم حملة شديدة فكشفهم عن المشرعة، فأرسل زمام فرسه ليشرب، فصبر حتى يشرب، ومد يده الى الماء وغرف غرفة ليشربها، ويحمل الى نسائه من الماء، وإذا صائح يقول: " يا حسين أدرك خيمة النساء فانها هتكت "، فنفض الماء من يده وأقبل الى الخيمة فوجدها سالمة، فعلم أنها مكيدة من القوم، فأنشأ عند ذلك يقول: فان تكن الدنيا تعد نفيسة * فان ثواب الله أعلى وأجزل وإن تكن الارزاق قسما مقدرا * فقلة سعي المرء في الرزق أجمل وإن تكن الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل وإن تكن الاجساد للموت أنشئت * فقتل الفتى بالسيف في الله أفضل عليكم سلام الله يا آل أحمد * فاني أراني عنكم اليوم أرحل أرى كل ملعون ظلوم منافق * يروم فنانا جهرة ثم يعمل لقد كفروا يا ويلهم بمحمد * وربهم ما شاء في الخلق يفعل لقد غرهم حلم الاله لانه * حليم كريم لم يكن قط يعجل ثم حمل على القوم وجعل يضربهم يمينا وشمالا حتى قتل من القوم خلقا كثيرا. فلما نظر الشمر اللعين الى ذلك قال لابن سعد: " أيها الامير إن هذا الرجل

[ 82 ]

يفنينا كلنا بمبارزته ". فقال: " كيف نصنع ؟ ". قال: " فليحملوا عليه حملة واحدة، فرقة يضربونه بالسيوف والرماح، وفرقة بالنبل والسهام ". ففعلوا ذلك حتى أضعفه الجرح الكثير، وأصابه سهم خولي بن يزيد الاصبحي (لعنه الله)، فوقع الحسين على الارض، ثم جلس ينزع السهم عن جسده بكلتا يديه، ويخضب بدمه لحيته ورأسه " وهو يقول: " هكذا ألقى الله وألقى جدي رسول الله (ص) " ثم خر مغشيا عليه، فلما أفاق من غشوته أراد أن يقوم فلم يقدر، فضرب على رأسه الشريف رجل ملعون من كندة ففلقه، ووقعت عمامته على الارض، ودعا على الكندي وقال (لا أكلت بيمينك ولا شربت بها، وحشرك الله مع القوم الظالمين ". قال أبو مخنف: لما أخذ الكندي عمامة الحسين (ض) قالت زوجة الكندي: " ويلك قتلت الحسين وسلبت ثيابه، فوالله لا جمعت معك في بيت واحد) فأراد أن يلطمها فأصاب مسمار يده، فقطعت يده من المرفق ولم يزل كان فقيرا. قال أبو مخنف: وبقي الحسين (ض) ثلاث ساعات من النهار ملطخا بدمه رامقا بطرفه إلى السماء وينادي: " يا إلهي صبرا على قضائك ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين "، فتبادر إليه أربعون فارسا يريدون حز رأسه الشريف المكرم المبارك المقدس المنور، ويقول عمر بن سعد: " ويلكم عجلوا بقتله " فدنا منه شبث بن ربعي، فرمقه الحسين (ض) بعينه، فرمى السيف من يده وولى هاربا ويقول: " معاذ الله أن ألقى الله بدمك يا حسين " فأقبل الى شبث سنان بن أنس النخعي، وكان كوسج اللحية قصيرا أبرصا أشبه الخلق بالشمر اللعين

[ 83 ]

فقال له: لم ما قتلته ثكلتك أفك ؟ قال شبث: يا سنان إنه قد فتح عينيه في وجهي فشبهتهما بعيني رسول الله (ص). ثم دنا منه سنان، ففتح عينيه في وجهه فارتعدت يده وسقط السيف منها وولى هاربا، فأقبل الى سنان الشمر اللعين وقال له: ثكلتك أمك مالك رجعت عن قتله ؟ فقال: يا ثشم إنه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه علي بن أبي طالب ففزعت فلم أقدر على قتله. فقال له الشمر الملعون: إنك جبان في الحرب، فوالله ما كان أحد غيري أحق مني بقتل الحسين. ثم إنه ركب على صدره الشريف، ووضع السيف في نحره، وهم أن يذبحه، ففتح عينيه في وجهه فقال له الحسين (رضي الله عنه وأرضاه): يا ويلك من أنت فقد ارتقيت مرتقى عظيما ؟ فقال له الشمر: الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي. فقال له الحسين: أتعرفني يا شمر ؟ قال: نعم أنت الحسين بن علي، وجدك رسول الله، وأمك فاطمة الزهرا، وأخوك الحسن. فقال: ويلك فإذا علمت ذلك فلم تقتلني ؟ قال: أريد بذلك الجائزة من يزيد. فقال له: يا ويلك أيما أحب اليك، الجائزة من يزيد أم شفاعة جدي رسول الله (ص) ؟ فقال الشمر الملعون: دانق من جائزة يزيد أحب إلى الشمر من شفاعة جدك.

[ 84 ]

فقال له الحسين (رضي الله عنه وبلغه الله إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه): سألتك بالله أن تكشف لي بطنك، فكشف بطنه فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب، وشعره كشعر الخنازير. فقال الحسين (ض): " الله اكبر لقد صدق جدي (ص) في قوله لابي: يا علي إن ولدك الحسين يقتل بأرض يقال له كربلا، يقتله رجل أبرص أشبه بالكلاب والخنازير ". فقال الشمر اللعين: تشبهني بالكلاب والخنازير، فوالله لاذبحنك من قفاك. ثم إن الملعون قطع الرأس الشريف المبارك، وكلما قطع منه عضوا يقول: " يا جداه، يا محمداه يا أبا القاسماه، ويا أبتاه يا علياه، يا أماه يا فاطماه، أقتل مظلوما، وأذبح عطشانا، وأموت غريبا ". فلما اجتزه وعلاه على القناة كبر وكبر العسكر ثلاث تكبيرات، وتزلزلت الارض واظلمت الدنيا، وأمطرت السماء دما عبيطا، وينادى في السماء: " قتل والله الحسين بن علي بن أبي طالب، قتل والله الامام ابن الامام، قتل الاسد الباسل، وكهف الارامل ". وكان يوم قتله يوم الجمعة عاشر المحرم الحرام سنة إحدى وستين. (بلوغ خبر مقتل الحسين للنساء وبكاؤهن) قال عبد الله بن عباس أرضي الله عنهما): حدثني من شهد وقعة الطف: إن فرس الحسين (أوصله الله الى غاية بركاته ومنتهى رضوانه وسعاداته) جعل يصهل صهيلا عاليا ويمشي عند القتلى واحدا بعد واحد حتى وقف على البدن المبارك للحسين (عليه آلاف آلاف التحية والثناء) ويقبله، فلما نظر إليه عمر

[ 85 ]

ابن سعد قال لاصحابه: " خذوه وآتوني به " فلما علم طلبهم جعل يلطمهم برجله ويكدم بفمه حتى قتل منهم خلقا كثيرا. وطرح فرسانا عن ظهر خيولهم، فصاح عمر وقال: " ويلكم تباعدوا عنه " ثم جعل يقبل البدن المبارك المكرم، ويمرغ ناصيته بالدم المطهر المعطر، ويصهل صهيلا عاليا، وتوجه إلى الخيمة، وقالت أم كلثوم: (يا سكينة إني سمعت صهيل فرس أبيك، أظن قد أتانا بالماء، فاخرجي إليه " فخرجت سكينة فرأته خاليا من راكبه، فهتكت خمارها، وصاحت: (واقتيلاه وامحمداه واعلياه واأبتاه واحسيناه وافاطماه واحمزتاه واجعفراه واعقيلاه واعباساه " وهي تنشد وتقول: مات الامام ومات الجود والكرم * واغبرت الارض والآفاق والحرم وأغلق الله أبواب السماء فلم * تر لنا دعوة تجلا بها الغمم يا عمتي انظري هذا الجواد أتى * يخبرك أن ابن خير الخلق مخترم غاب الحسين فوا لهفي لمصرعه * فصار يعلو ضياء الامة الظلم يا موت هل من فدى يا موت هل عوض * الله ربي من الكفار ينتقم يا أمة السوء لا سقيا لربعكم * يا أمة أعجبت من فعلها الامم فسمعت زينب شعر سكينة (رضي الله عنهما) وقالت: " وا أخاه وا حسيناه واغريباه، نفسي لك الفدا، وروحي لك الوقا " وبكت وهي تقول: مصيبتي فوق أن أرثي بأشعاري * وإن يحيط بها وهمي وأفكاري جاء الجواد فلا أهلا بمقدمه * إلا بوجه حسين مدرك الثار يا نفس صبرا على الدنيا ومحنتها * هذا الحسين قتيلا بالثرى عاري وبكت الحريم وقلن: " وا محمداه وا علياه وا حمزتاه وا جعفراه وا حسناه وا حسيناه، اليوم والله مات محمد المصطفى، وعلي المرتضى، والحسن المجتبى، وفاطمة الزهراء).

[ 86 ]

ثم إن سكينة بنت الحسين (رضي الله عنهما) أنشأت تقول: لقد حطمتنا في الزمان نوائبه * ومزقتنا أنيابه ومخالبه وخان علينا الدهر في الدار غربة * ودبت علينا جوره وعقاربه ولم يبق لي ركن ألوذ بظله * إذا غالبني الدهر ما لا غالبه تمزقتنا أيدي الزمان وجدنا * الرسول الذي عم الانام مواهبه قال عبد الله بن قيس: لقد رأيت الجواد وهو يدفع الناس عن نفسه، ثم غاص في وسط الفرات فلم ير له خبر ولا أثر. (دخول السبايا إلى الكوفة) ثم إن عمر بن سعد جمع قتلاه وصلى بهم ودفنهم، وترك الحسين وأصحابه (رضي الله عنهم وأرضاهم)، فعمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا الحسين وأصحابه (رضي الله عنهم وأرضاهم). ثم إن عمر بن سعد توجه الى الكوفة بالسبايا على الجمال، نحو أربعين جملا بغير وطاء ولا غطاء، وفخذا علي بن الحسين يترشحان دما، وهو يقول: يا أمة السوء لا سقيا لربعكم * يا أمة لم تراع جدنا فينا لو أننا ورسول الله مجمعنا * يوم القيامة ما كنتم تقولونا تسيرونا على الاقتاب عارية ك * اننا لم نشيد فيكم دينا تصفقون علينا كفكم فرحا * وأنتم في فجاج الارض تسبونا وكان أهل الكوفة يناولون الاطفال بعض التمر والخبز، وقالت أم كلثوم: (إن الصدقة علينا حرام " وصارت تأخذ من أيدي الاطفال وأفواههم وترمي به الارض وتقول: " يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكي علينا نساؤكم،

[ 87 ]

فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء ". فلما رأت زينب رأس أخيها قد اتوا بالرؤوس مقدما عليها نطحت جبهتها بمقدم الاقتاب فخرج الدم منها، وجعلت تقول: يا هلالا لما استتم كمالا * غاله خسفه فأبدى غروبا ما توهمت يا شقيق فؤادي * كان هذا مقدرا مكتوبا يا أخي فاطم الصغيرة كلمها * فلقد كاد قلبها أن يذوبا يا أخي ما ترى عليا لدى الاسر * مع اليتم لا يطيق ركوبا كلما أوجعوه بالضرب ناداك * بذل يفيض دمعا سكوبا ما أذل اليتيم حين ينادي * بأبيه ولا يراه مجيبا (في مجلس ابن زياد) ثم إن ابن زياد جلس بقصر الامارة وأحضر الرأس الشريف بين يديه، وجعل ينظر إليه ويتبسم، وكان بيده قضيب فجعل يضرب به ثناياه، فقال له زيد بن أرقم: " ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت ثنايا رسول الله (ص) ترشف ثناياه " ثم بكى زيد. فقال له ابن زياد: " أتبكي ؟ أبكى الله عينيك، والله لو لا أنك شيخ كبير قد ذهب عقلك لاضربن عنقك " فقام زيد وانصرف. ثم أدخلت عليه زينب بنت علي (رضي الله عنهما) وعليها أرذل ثيابها، فجلست ناحية وقد حف بها إماؤها، فقال ابن زياد لها " الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ". فقالت زينب: " الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (ص) وطهرنا من الرجس

[ 88 ]

تطهيرا إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو أنت يا عدو الله وعدو رسوله ". فقال لها: " كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين وأهل بيته ؟ ". فقالت: " إن الله كتب عليهم القتال فتبادروا أمر ربهم وبرزوا الى مضاجعهم، فقاتلوا ثم قتلوا في الله وفي سبيل الله، وسيجمع الله بينك وبينهم، وتتحاجون وتتخاصمون عند الله، وإن لك موقفا فاستعد للمسألة جوابا، إذا كان القاضي الله، والخصم جدي رسول الله (ص)، والسجن جهنم ". فقال علي بن الحسين (رضي الله عنهما) لابن زياد: " قطع الله يديك وأيبس رجليك يابن زياد الى كم تكلم عمتي، تتعرضها بين من يعرفها ومن لا يعرفها ". فغضب ابن زياد وأمر بضرب عنقه فمنعه القوم. (السبايا في طريقها الى الشام) ثم ابن زياد دعا الشمر اللعين، وخولي، وشبث بن ربعي، وعمر بن سعد، وضم إليهم ألف فارس، وأمرهم بأخذ السبايا والرؤوس الى يزيد، وأمرهم أن يشهروهم في كل بلدة يدخلونها، فساروا على ساحل الفرات، فنزلوا على أول منزل كان خرابا فوضعوا الرأس الشريف المبارك المكرم، والسبايا مع الرأس الشريف، وإذا رأوا يدا خرج من الحائط معه قلم يكتب بدم عبيط شعرا: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فلا والله ليس لهم شفيع * وهم يوم القيامة في العذاب لقد قتلوا الحسين بحكم جور * وخالف أمرهم حكم الكتاب

[ 89 ]

فهربوا، ثم رجعوا، ثم رحلوا من ذلك المنزل، وإذا هاتف يقول: ماذا تقولون إذ قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي عند مفتقدي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي فلما وصلوا الى بلد " تكريت " نشرت الاعلام وخرج الناس بالفرح والسرور، فقالت النصارى للجيش: " إنا براء مما تصنعون أيها الظالمون، فانكم قتلتم ابن بنت نبيكم، وجعلتم أهل بيته أسارى ". فلما رحلوا من " تكريت " واتوا على " وادي النحلة "، فسمعوا بكاء الجن وهن يلطمن خدودهن ويقلن شعرا: مسح النبي جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش * وجده خير الجدود وأخرى تقول: ألا يا عين جودي فوق خدي * فمن يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا * متكبر في الملك وغدي فلما وصلوا بلدة " مرشاد " خرج الناس إليهم وهم يصلون على محمد وآل محمد (ص) ويلعنون أعداءهم. ثم إنهم قبل أن جاءوا بلدة " بعلبك " كتبوا الى واليها أن تتلقانا الناس، وخرجوا على نحو ستة أميال فرحا وسرورا، فدعت أم كلثوم عليهم وقالت: " أباد الله كثرتكم وسلط عليكم من لا يرحمكم " فعند ذلك بكى علي بن الحسين وهو يقول: هو الزمان فلا تقضى عجائبه * عن الكرام وما تهدى مصائبه

[ 90 ]

فليت شعري الى كم ذا تحاربنا * صروفه والى كم ذا نجاذبه يسرى بنا فوق أقتاب بلا وطأ * وسائق العيس يحمى عنه غاربه كأننا من أسارى الروم بينهم * كأن ما قاله الرحمن كاذبه كفرتم برسول الله ويلكم * فكنتم مثل من ضلت مذاهبه قال أبو مخنف: نصبوا الرمح الذي عليه الرأس الشريف المبارك المكرم الى جانب صومعة الراهب فسمعوا صوت هاتف ينشد ويقول: والله ما جئتكم حتى بصرت به * بالطف منعفر الخدين منحورا وحوله فتية تدمى نحورهم * مثل المصابيح يغشون الدجى نورا كان الحسين سراجا يستضاء به الله يعلم أني لم أقل زورا مات الحسين غريب الدار منفردا ظامي الحشاشة صادي القلب مقهورا فقالت أم كلثوم: من أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا ملك الجن أتيت أنا وقومي لنصرة الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) فوجدناه مقتولا. فلما سمع الجيش من الجن فتيقنوا بكونهم من أهل النار. (أخذ الراهب لرأس الحسين (ع) وإعلان إسلامه) فلما جن الليل نظر الراهب إلى الرأس الشريف المكرم رأى نورا قد سطع منه الى عنان السماء، ورأى أن الملائكة ينزلون ويقولون: " يا أبا عبد الله عليك السلام ". فبكئ وقال لهم: " ما الذي معكم ؟ " قالوا: رأس الحسين بن علي.

[ 91 ]

فقال: من أمه ؟ قالوا: أمه فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى. قال: صدقت الاحبار. قالوا: ما الذي قالت الاحبار ؟ قال: يقولون: إذا قتل نبي أو وصي أو ولد نبي أو ولد وصي تمطر السماء دما. فرأينا أن السماء تمطر دما وقال: واعجباه من أمة قتلت ابن بنت نبيها. ثم قال: أنا أعطيكم عشرة آلاف درهم إن تعطوني الرأسي الشريف فيكون عندي. فقالوا: أحضر عشرة آلاف درهم. فأحضرها لهم فأخذ الرأس المبارك المكرم، وجعله في حجره وهو يقبله ويبكي ويقول: " ليت أكون أول قتيل بين يديك، فأكون غدا معك في الجنة، وآشهد لي عند جدك رسول الله (ص) بأني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله " وحسن إسلامه. ثم إنهم جلسوا يقتسمون المال وإذا هو قد انقلب خزفا، وفي جانب كل واحد منها منقوش (لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) (1) وفي الجانب الآخر (وسيعلم الذين ظلموا أي متقلب ينقلبون) (2). (دخول السبايا على يزيد) فلما أتى الشمر اللعين وهو حامل رأس الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) ويفتخر عند يزيد الملعون يقول:


(1) براهيم / 42. (2) الشعراء / 227. (*)

[ 92 ]

إملا ركابي فضة وذهبا * قتلت خير الخلق أما وأبا إني قتلت السيد المهذبا * وخيرهم جدا وأعلا نسبا طعنته بالرع حتى انقلبا * ضربته بالسيف صار عجبا قال له يزيد: إذا علمت أنه خيرا الناس أما وأبا فلم قتلته، أخرج من بين يدي فلا جائزة لك، فخرج هاربا خائبا من الجائزة وخاسرا في عاجل الدنيا وآجل الاخرة. ثم أمر يزيد الملعون أن يحضروا عنده حرم الحسين وأهل بيته. قالت زينب: يا يزيد أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين ؟ وما كفاك ذلك حتى تستجلب بنات رسول الله (ص) من العراق إلى الشام !، وما كفاك حتى تسوقنا اليك كما تساق الاماء على المطايا بغير وطاء !، وما قتل أخي الحسين (سلام الله عليه) أحد غيرك يا يزيد، ولولا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله لانه كان أقل عددا وأذل نفسا، أما خشيت من الله بقتله وقد قال رسول الله (ص) فيه وفي أخيه " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين " ؟ فان قلت: لا، فقد كذبت، وإن قلت: نعم، فقد خصمت نفسك، واعترفت بسوء فعلك. فقال: ذرية يتبع بعضها بعضا. وبقي يزيد خجلا ساكتا. (الرجوع الى كربلاء) ثم أمرهم بالرجوع إلى المدينة المنورة، فسار القائد بهم، وقال الامام والنساء للقائد: " بحق معبودك أن تدلنا على طريق كربلا " ففعل ذلك حتى وصلوا كربلا يوم عشرين من صفر، فوجدوا هناك جابر بن عبد الله الانصاري وجماعة من بني هاشم، فأخذوا بإقامة المآتم الى ثلاثة أيام، ثم توجهوا إلى المدينة.

[ 93 ]

(دخول المدينة المنورة) قال بشير بن حذلم: لما وصلنا قريبا من المدينة أمرني زين العابدين (ض) أن أخبر أهل المدينة، فدخلت المدينة فقلت: " أيها المسلمون إن علي بن الحسين قد قدم اليكم مع عماته وأخواته) فما بقيت مخدرة إلا برزن من خدورهن، مخمشة وجوههن، لاطمات خدودهن، يدعون بالويل والثبور. قال: فلم أر باكيا وباكية أكثر من ذلك اليوم، فخرج الامام من الخيمة وبيده منديل يمسح به دموعه، فجلس على كرسي، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الله له الحمد وله الشكر قد ابتلانا بمصائب جليلة، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الاسملام، ورزية في الانام، قتل أبي الحسين وعترته وأنصاره، وسبيت نساؤه وذريته، وطيف برأسه في البلدان على عالي السنان، فهذه الرزية تعلو على كل رزية، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، والسبع الطباق لفقده، وبكت البحار بأمواجها، والارضون بأرجائها، والاشجار بأغصانها، والطيور بأوكارها، والحيتان في لجج البحار، والوحوش في البراري والقفار، والملائكة المقربين، والسموات والارضين. أيها الناس، أي قلب لا ينصدع لقتله، ولا يحزن لاجله. أيها الناس، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الاوطان، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها، ولا فاحشة فعلناها، فوالله لو أن النبي (ص) أوصى إليهم في قتالنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فانا لله وإنا إليه راجعون. ثم قام ومشى إلى المدينة ليدخلها، فلما دخل زار جده رسول الله (ص) ثم دخل منزله.

[ 94 ]

وأما أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول شعرا: مدينة جدنا لا تقبلينا * فبالحسرات والاحزان جينا خرجنا منك بالاهلين جمعا * رجعنا لا رجال ولا بنينا ألا فاخبر رسول الله عنا * بأنا قد فجعنا في أخينا وإن رجالنا بالطف صرعى * بلا روس وقد ذبحوا البنينا ورهطك يا رسول الله أضحوا * عرايا بالطفوف مسلبينا وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا * جنابك يا رسول الله فينا فلو نظرت عيونك للاسارى * على قتب الجمال محملينا رسول الله بعد الصون صارت * عيون الناس ناظرة الينا وكنت تحوطنا حتى تولت * عيونك ثارت الاعدا علينا أفاطم لو نظرت إلى السبايا * بناتك في البلاد مشتتينا أفاطم لو نظرت إلى الحيارى * ولو أبصرت زين العابدينا أفاطم لو رأيتينا سهارى * ومن سهر الليالي قد عمينا أفاطم ما لقيت من عداك * ولا قيراط مما قد لقينا فلو دامت حياتك لم تزالي * الى يوم القيامة تندبينا وعرج بالبقيع وقف وناد * أين حبيب رب العالمينا وقل يا عم يا حسن المزكى * عيال أخيك أضحوا ضائعينا أيا عماه إن أخاك أضحى * بعيدا عند بالرمضاء رهينا بلا رأس تنوح عليه جهرا * طيور والوحوش الموحشينا ولو عاينت يا مولاي ساقوا * حريما لا يجدن لها معينا على متن النياق بلا وطاء * وشاهدت العيال مكشفينا وكنا في الخروج مجمع شمل * رجعنا خاسرين مسلبينا وكنا في أمان الله جهرا * رجعنا بالقطيعة خائفينا

[ 95 ]

ومولانا الحسين لنا أنيس * رجعنا والحسين به رهينا فنحن الضائعات بلا كفيل * ونحن النائحات على أخينا ونحن السائرات على المطايا * نسار على جمال المبغضينا ونحن بنات يس وطه * ونحن الباكيات على أبينا ونحن الطاهرات بلا خفاء * ونحن المخلصون المصطفونا ونحن الصابرات على البلايا * ونحن الصادقون الناصحونا ألا يا جدنا قتلوا حسينا * ولم يرعوا جناب الله فينا ألا يا جدنا بلغت عدانا * مناها واشتفى الاعداء فينا لقد هتكوا النساء وحملونا * على الاقتاب قهرا أجمعينا وزينب أخرجوها من خباها * وفاطم واله تبدي الانينا سكينة تشتكي من حر وجد * تنادى الغوث رب العالمينا وزين العابدين بقيد ذل * وراموا قتله أهل الخيونا فبعدهم على الدنيا تراب * فكأس الموت فيها قد سقينا وهذي قصتي مع شرح حالي * ألا يا سامعون ابكوا علينا (انتهى مقتل أبي مخنف).

[ 97 ]

الباب الثاني والستون في إيراد مدائح الامام الشافعي وتفسير بعض الآيات والاحاديث الواردة في كثرة ثواب من بكى على الحسين وأهل بيته (رضي الله عنهم) وفي جواهر العقدين للشريف السيد نور الدين علي السمهودي المصري أعلم علماء مصر والحجاز، ومصنف تاريخ المدينة المنورة (على صاحبها ألف ألف التحية والتصلية): (وقد) نقل البيهقي عن الربيع بن سلمان هو (1) أحد أصحاب الشافعي قال: قيل للامام الشافعي (2) رحمه الله: إن ناسا لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة لاهل البيت الطيبين (3)، فإذا رأوا واحدا منا يذكرها يقولون: هذا رافضي (ويأخذون في كلام آخر). فأنشأ الشافعي (يقول): إذا في مجلس ذكروا عليا * وسبطيه وفاطمة الزكيه فأجرى بعضهم ذكرا سواه * فأيقن أنه لسلقلقيه إذا ذكروا عليا أو بنيه * تشاغل بالروايات العليه وقال تجاوزوا يا قوم عن ذا * فهذا من حديث الرافضية


(1) لا يوجد في المصدر: " هو ". (2) في المصدر: " للشافعي " فقط. (3) لا يوجد في المصدر: " الطيبين ". (*)

[ 98 ]

برئت إلى المهيمن من أناس * يرون الرفض حب الفاطمية على آل الرسول صلاة ربي * ولعنته لتلك الجاهلية وقال الحافظ جمال الدين الزرندي المدني عقيب نقله ذلك (1) عن الشافعي: قال أيضا - يعني الشافعي -: قالوا ترفضت قلت كلا * ما الرفض ديني ولا اعتقادي لكن توليت غير (2) شك * خير إمام وخير هاد إن كان حب الوصي (3) رفضا * فانني أرفض العباد (4) ونقل الامام فخر الدين الرازي: ان المزني قال: قلت للشافعي (5): إنك (رجل) توالي أهل البيت، فلو عملت في هذا الباب أبياتا، فقال: وما زال كتمانيك حتى كأنني * برد جواب السائلين لاعجم وأكتم ودي مع صفاء مودتي * لتسلم من قول الوشاة وأسلم وروى البيهقي أيضا: عن المزني قال: سمعت الشافعي ينشد هذه الابيات: إذا فضلنا عليا فاننا * روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته * رميت بنصب عند ذكري للفضل


(1) في المصدر: " وقال الجمال الزرندي عقيب نقله لذلك ". (2) في المصدر: " بغير ". (3) في المصدر: " الولي ". وفي (1): " ان كان الرفض حب آل محمد ". (4) جواهر العقدين 2 / 185. (5) في المصدر: " قال للشافعي قلت: ". (*)

[ 99 ]

فلا زلت ذا رفض ونصب كلاها * بحبيهما حتى أوسد في الرمل (1) وروى البيهقي (2) أيضا: عن الربيع بن سليمان (3) قال: أنشد (نا) الشافعي: يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بساكن (4) خيفها والناهض سحر إذا فاض الحجيج الى منى * فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافض (5) وقال الحافظ جمال الدين الزرندي المدني في كتابه " معراج الوصول في معرفة آل الرسول ": نقل أبو القاسم الفضل بن محمد المستملي: أن القاضي أبا بكر حمل بن محمد حدثه قال: قال أبو القاسم بن الطيب: بلغني أن الشافعي رحمه الله أنشد هذه الابيات (6): ومما نفى نومي وشيب لمتي * تصاريف أيام لهن خطوب تأوب همي والفؤاد كئيب * وأرق عيني والرقاد غريب تزلزلت الدنيا لآل محمد * وكادت لهم صم الجبال تذوب فمن مبلغ عني الحسين رسالة * وإن كرهتها أنفس وقلوب قتيل بلا جرم كأن قميصه * صبيغ بماء الارجوان خضيب


(1) جواهر العقدين 2 / 185 (2) لا يوجد في المصدر: " البيهقي ". (3) لا يوجد في المصدر: " بن سليمان ". (4) في المصدر: " بقاعد ". (5) جواهر العقدين 2 / 186. (6) لا يوجد في المصدر: " هذه الابيات ". (*)

[ 100 ]

نصلي (1) على المختار من آل هاشم * ونؤذي بنيه (2) إن ذاك عجيب لئن كان ذنبي حب آل محمد * فذلك ذنب لست عنه أتوب هم شفعاني يوم حشري وموقفي * وبغضهم للشافعي (3) ذنوب (4) وقد نسب ابن عبد البر هذه الابيات التي تأتي الى (5) سليمان بن قتة (التابعي) - بفتح القاف وتائين من فوق -، وهي أمه، وقف سليمان (6) على مصارع الحسين وأهل بيته (رضي الله عنهم) وجعل يبكي ويقول: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلت وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت فلا يبعد الله الديار وأهلها * وان أصبحت منهم بزعمي تخلت ألم تر أن الارض أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرت وقد أبصرت تبكي السماء لفقده * وأنجمها ناحت عليه وصلت وكانوا لنا غيثا فعادوا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت (7) (انتهى جواهر العقدين). وفي سورة الدخان: (فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين).


(1) في (أ): " يصلون ". (2) في المصدر: " وتعزئ بنوه "، وفي (أ): " ويقتلون ابنه ". (3) في المصدر: (وحبهم للشافعي ذنوب) وفي (أ): " وحبهم للشافعي بأي وجه ". (4) جواهر العقدين 2 / 335. (5) في المصدر: " وروى ان سليمان بن قتة ". (6) لا يوجد في المصدر: " سليمان ". (7) جواهر العقدين 2 / 333 - 334. (*)

[ 101 ]

(1) أخرج الثعلبي: عن السدي قال: لما قتل الحسين بن علي (سلام الله عليهما) بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها. وحكى ابن سيرين: إن الحمرة لم تر قبل قتله. وعن سليم القاضي قال: مطرتنا السماء دما أيام قتله. (2) وعن إبراهيم النخعي قال: خرج علي (كرم الله وجهه) فجلس في المسجد واجتمع أصحابه، فجاء الحسين (ض) فوضع يده على رأسه فقال: يا بني إن الله ذمم أقواما في كتابه فتلا هذه الآية وقال: يا بني لتقتلن من بعدي ثم تبكيك السماء والارض وما بكت السماء والارض إلا على يحيى بن زكريا وعلى الحسين ابني. (3) وعن كثير بن شهاب الحارثي قال: بينا نحن جلوس عند علي في الرحبة إذ طلع الحسين (ع) قال: إن الله ذكر قوما بقوله: (فما بكت عليهم السماء والارض " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليقتلن هذا ولتبكين عليه السماء والارض. (4) وعن الصادق (ع) قال: لم تبك السماء والارض أحدا منذ قتل يحيى بن زكريا حتى قتل الحسين فبكت عليه. وعن الصادق (ع) قال: قاتل الحسين وقاتل يحيى (عل) كانا ولد زنا، وقد احمرت السماء حين قتل الحسين ويحيى (عل) وحمرتها بكاؤها.


(1) جواهر العقدين 2 / 328. (2) تفسير القمي 2 / 291. (3) المصدر السابق. (4) مخطوط. (5) مخطوط. (*)

[ 102 ]

(6) وعن ابن عباس: إن يوم قتل الحسين (ع) قطرت السماء دما، وإن هذه الحمرة التي ترى في السماء ظهرت يوم قتله، ولم تر قبله، وإن أيام قتله لم يرفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم. (7) وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن الباقر (ع) قال: كان أبي علي بن الحسين (عل) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ومن معه حتى يسيل على خديه بوأه الله في الجنة غرفا، وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى يسيل على خديه لاذى مسنا من عدونا بوأه الله مبوء صدق، وأيما مؤمن مسه أذئ فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الاذى وأمنه يوم القيامة من سخطه ومن النار. (8) وفي ذخائر العقبى: عن ابن عباس مرفوعا: إن جبرائيل أخبرني أن الله قتل بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا وهو قاتل بدم ولدك الحسين سبعين الفا (أخرجه الملا في سيرته). (9) وفي تفسير علي بن إبراهيم عن جعفر الصادق (ع) قال: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينيه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.


(6) مخطوط. (7) تفسير القمي 2 / 291. (8) ذخائر العقبى: 150. (9) تفسير القمي 2 / 292.

[ 103 ]

وفي جواهر العقدين: قال أبو الحسن بن سعيد في " كنوز المطالب في فضائل بني أبي طالب ": إن الشعراء يشتغلون ببغداد بمشهد الكاظمي (ض) في مدح أهل البيت وأنكر بعض من غلب عليه التعصب والتقليد فقلت هذه الابيات: يا أهل بيت المصطفى عجبا لمن * يأبى حديثكم من الاقوام والله قد أثنى عليكم قبلها * وبهديكم شدت عرى الاسلام الله يحشر كل من عاداكم * يوم الحساب مزلزل الاقدام ويرى شفاعة جدكم من دونه * ويذاد عن حوض طريدا ظامي قال الحافظ أبي عبد الله جمال الدين محمد بن أبي المظفر يوسف الزرندي المدني في كتابه " معراج الوصول في معرفة (1) آل الرسول) (ما لفظه: وقد) قال الامام الشافعي رحمه الله (في هذا المعنى مشيرا الى وصفهم ومنبها على ما خصهم الله تعالى به من رعاية فضلهم): يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم القدر أنكم * من لم يصلي عليكم لا صلاة له (2) ولله در القائل: لو لم تكن في حب آل محمد * جائتك أمك غير طيب المولد وروى الامام الثعلبي في تفسيره عقيب ذكر حديث الخمسة أهل الكساء:... قال منصور الفقيه: إن كان حبي خمسة * زكت بهم فرائضي


(1) في المصدر: " الى معرفة فضل... ". (2) جواهر العقدين 2 / 163. (*)

[ 104 ]

وبغض من عاداهم * رفضا فاني رافضي (1) (انتهى جواهر العقدين). (10) قال علي (كرم الله وجهه) في خطبته: ألا إن لكل دم ثائرا، ولكل حق طالبا، وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه، وهو الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب فأقسم بالله يا بني أمية عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم في دار عدوكم. (11) وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن أبي جعفر الباقر (ع) قال في تفسير هذين الآيتين أحديهما: (فلما آسفونا أنتقمنا منهم) (2) وثانيتهما: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (3): فالله (جل شأنه وعظم سلطانه، ودام كبريائه) أعز وأرفع وأقدس من أن يعرض له أسف أو ظلم، لكن أدخل ذاته الاقدس فينا أهل البيت فجعل أسفنا أسفه فقال: (فلما آسفونا انتفمنا منهم) وجعل ظلمنا ظلمه فقال: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).


(1) جواهر العقدين 2 / 304. (10) نهج البلاغة: 151 خطبة 105. (11) تفسير القمي 2 / 285. (2) الزخرف / 55. (3) البقرة / 57. (*)

[ 105 ]

الباب الثالث والستون في إيراد ما في كتاب الصواعق في فضائل أئمة الهدى من أهل البيت الطيبين (رضي الله عنهم) (الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع)) * زين العابدين بن الحسين هو الذي خلف أباه علما وزهدا وعبادة فكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه وقيل (1) له: ما ذلك (2) ؟ فقال: ألا تدرون بين يدي من أقف ! * وحكى أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة. * وحكى (ابن حمدون) عن الزهري: أن عبد الملك بن مروان أمر بحمله (3) مقيدا من المدينة بأثقلة من حديد (ووكل به حفظة) فدخل عليه الزهري يودعه (4) فبكى وقال: وددت أني كنت مقيدا من جانبك (5).


(1) في المصدر: " فقيل ". (2) في المصدر: " في ذلك ". (3) في المصدر: " إن عبد الملك حمله ". (4) في المصدر: " لوداعه ". (5) في المصدر: " اني مكانك ". (*)

[ 106 ]

فقال: تظن (1) أن ذلك يكربني و (2) لو شئت لاخلص (3) ولكن (4) ليذكرني عذاب الله تعالى. ثم أخرج رجليه من القيد، ويديه من الغل، ثم أدخل يديه ورجليه فيهما (5)، ثم قال: لا أجاوز معهم من المدينة إلا يومين. فلما سار معهم (6) فما مضى يومان إلا فقدوه حين طلع الفجر، وهم يرصدونه (فطلبوه) فلم يجدوه. قال الزهري: فقدمت على عبد الملك فسألني عنه فأخبرته فقال: قد جاءني (7) (في) يوم فقده عن الحفظة (8) فدخل علي فقال لي (9): ما أنا وأنت ؟ فقلت: أقم عندي. قال (10): لا أحب. ثم خرج، فوالله لقد امتلا قلبي منه خيفة. ومن ثمة كتب عبد الملك إلى الحجاج (11) أن يجتنب دماء بني عبد المطلب وأمره


(1) في المصدر: " أتظن ". (2) لا يوجد في المصدر: " و ". (3) في المصدر: " لو شئت لما كان ". (4) في المصدر: " وانه ". (5) لا يوجد في المصدر: " ثم أدخل يديد ورجليه فيهما ". (6) في المصدر: " لاجزت معهم على هذا يومين من المدينة ". (7) في المصدر: " جاء ". (8) في المصدر: " في يوم فقد الاعوان ". (9) لا يوجد في المصدر: " لي ". (10) في المصدر: " فقال ". (11) في المصدر: " للحجاج ". (*)

[ 107 ]

بكتم ذلك، فكتب الامام زين العابدين الى عبد الملك (1): إنك كتبت إلى الحجاج (2) يوم كذا سرا في حقنا بني عبد المطلب بكذا وكذا، فلما قرأه (3) وجد تاريخه موافقا لتاريخ كتابه إلى الحجاج (4) فعلم أنه كشف له (5)... وأخرج أبو نعيم الحافظ في " حلية الاولياء " والطبراني في " الكبير " والحافظ السلفي وغير واحد من أهل السير والتواريخ (6): انه لما (7) حج هشام بن عبد الملك في حياة أبيه و (8) لم يمكن له أن يصل إلى الحجر الاسود من الازدحام (9)، فنصب له منبر الى جانب زمزم، وجلس عليه (10) ينظر إلى الناس وحوله جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل الامام زين العابدين، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلمه. فقال أهل الشام لهشام: من هذا ؟ قال: لا أعرفه، مخافة أن يرغب الناس الى الامام (11). فقال الفرزدق: أنا أعرفه فأنشد شعرا (12):


(1) في المصدر: " فكشف به زين العابدين فكتب إليه ". (2) في المصدر: " للحجاج ". (3) في المصدر: " فلما وقف عليه ". (4) في المصدر: " للحجاج ". (5) الصواعق المحرقة: 200. (6) في المصدر: " وأخرج أبو نعيم والسلفي " فقط. (7) لا يوجد في المصدر: (لما). (8) لا يوجد في المصدر: " و ". (9) في المصدر: " الزحام ". (10) لا يوجد في المصدر: " عليه ". (11) في المصدر: " أهل الشام في زين العابدين ". (12) في المصدر: " أنا أعرفه ثم أنشد ". (*)

[ 108 ]

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها * الى مكارم هذا انتهى (1) الكرم ينمى الى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا (فليس قولك من هذا ؟ بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم) من معشر حبهم دين وبغضهم كفر * وقربهم منجى ومعتصم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا تبين نور الهدى من نور طلعته * كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم مشتقة عن رسول الله نبعته * طابت عناصره والخلق والشيم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الارض قيل هم الله فضله قدما وشرفه * جرى بذاك له في لوحه القلم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم من يعرف الله يعرف أولوية ذا * والدين من بيت هذا ناله الامم أي القبائل ليست في رقابهم * طوقا ولاية هذا أو له نعم (2) فلما سمع (3) هشام غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ إليه الامام زين العابدين (4) (ض) با ثني عشر ألف درهم وقال: (اعذر) لو كان عندنا أكثر لاعطيناك أكثر من هذا (5).


(1) في المصدر: " ينتهي ". (2) لا يوجد في المصدر: " لا يستطيع جواد... " إلى آخر القصيدة. (3) في المصدر: " سمعها ". (4) في المصدر: " وأمر له زين العابدين ". (5) في المصدر: " لاوصلناك به ". (*)

[ 109 ]

فقال: (إنما) مدحته لله لا للعطاء. فقال الامام: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده. فقبلها الفرزدق. قال شيخ الحرمين أبو عبد الله القرظي: لو لم يكن لابي فراس عند الله (عزوجل) عمل إلا هذا دخل الجنة به لانها كلمة حق عند سلطان جائر (1). وجعل الفرزدق في الحبس يهجو هشاما وكان مما هجاه به: أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها فأخرجه، وكان هشام أحول (2). وكان الامام زين العابدين (ض) عظيم التجاوز والعفو والصفح، حتى أنه سبه رجل فتغافل عنه، فقال له: إياك أعني. فقال الامام (3): وعنك أعرض، أشار الى آية (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " (4). (5) وتوفي وعمره سبع وخمسون، منها سنتان مع جده علي، ثم عشر مع عمه الحسن، ثم إحدى عشر مع أبيه الحسين (رضي الله عنهم وأرضاهم). وقيل سمه الوليد بن عبد الملك ودفن بالبقيع عند عمه الحسن عن إحدى عشر ذكرا وأربع إنات (6).


(1) لا يوجد قول القرظي في الصواعق. (2) في المصدر: " ثم هجا هشاما في الحبس فبعث فأخرجه " فقط. (3) لا يوجد في المصدر: " الامام ". (4) الصواعق المحرقة: 200 - 201. (5) الاعراف / 199. (6) الصواعق المحرقة: 201. (*)

[ 110 ]

(الامام محمد الباقر (ع)) وأورثه (1) منهم علما وعبادة وزهدا (2) أبو جعفر محمد الباقر، سمي بذلك من بقر الارض أي شقها وأظهر (3) مخباتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مكنونات كنوز المعارف وحقائق الاحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة. ومن ثمة قيل فيه هو باقر العلوم (4) وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، بصفاء (5) قلبه، وزكاء نفسه (6)، وطهر نسبه (7)، وشرف خلقه، وصرف عمره وأوقاته (8) بطاعة الله تعالى، وله من الاسرار (9) في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة. وكفاه شرفا أن ابن المدايني والطبراني رويا عن جابر بن عبد الله الانصاري (10): أنه قال للامام الباقر (11) وهو صغير: إن رسول الله (ص)


(1) في المصدر: " وارثه ". (2) في المصدر: " وزهادة ". (3) في المصدر: " وأثار ". (4) في المصدر: " العلم ". (5) في المصدر: " صفى ". (6) في المصدر: " وزكا علمه وعمله ". (7) في المصدر: " وطهرت نفسه ". (8) في المصدر: " وعمرت أوقاته ". (9) في المصدر: " الرسوم ". (10) في المصدر: " ابن المديني روى عن جابر ". (11) في المصدر: " انه قال له ". (*)

[ 111 ]

يسلم عليك. فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال: كنت جالسا عنده والحسين في حجره وهو يقبله (1) فقال: يا جابر يولد للحسين (2) مولود اسمه علي، و (3) إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم زين العابدين، فيقوم علي بن الحسين (4)، ثم يولد لعلي (5) ولد اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فاقرأه مني السلام. ثم توفي سنة مائة وسبع عشرة عن ثمان وخمسين سنة مسموما كأبيه. وأمه بنت عم أبيه الحسن (رضي الله عنهم) (6) وهو علوي من (جهة) أبيه وأمه، ودفن أيضا بجنب أبيه (7) في قبه الحسن والعباس بالبقيع (8). (الامام جعفر الصادق (ع)) وخلف ستة أولاد، أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق (ع). ومن ثمة كان خليفته ووصيه، وبلغ (9) الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه (الائمة) الاكابر: كيحيى


(1) في المصدر: " يداعبه ". (2) في المصدر: (له). (3) لا يوجد في المصدر: (و) (4) في المصدر: " فيقوم ولده ". (5) في المصدر (له). (6) لا يوجد في المصدر: " وأمه بنت عم أبيه الحسن (رضي الله عنهم) ". (7) لا يوجد في المصدر: " بجنب أبيه ". (8) الصواعق المحرقة: 201. (9) في المصدر: " ونقل ". (*)

[ 112 ]

ابن سعيد، وابن جريج، ومالك، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري (1)، وأبو حنيفة، وشعبة، وأيوب السجستاني. وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (رضي الله عنهم). وسعى به رجل (2) عند المنصور الخليفة (3) لما حج، فلما أحضر (4) الساعي (به يشهد. قال له: أتحلف ؟ قال: نعم. فحلف بالله العظيم الى آخره. فقال: أحلفه يا أمير المؤمنين كما أراه ؟ فقال له: حلفه). قال (5) له: قل برئت من حول الله وقوته، والتجأت الى حولي وقوتي، لقد فعل جعفر كذا وكذا، وقال كذا وكذا. فامتنع الرجل، ثم حلفه (6)، فما تم حتى مات مكانه. فقال المنصور لجعفر: أنت المبرأ عن التهمة، فانصرف جعفر (ع) (7) فلحقه الربيع بجائزة حسنة وكسوة سنية. ووقع نظير هذه الحكاية ليحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن


(1) في المصدر: " والسفيانين ". (2) لا يوجد في المصدر: " رجل ". (3) لا يوجد في المصدر: " الخليفة ". (4) في المصدر: " حضر ". (5) في المصدر: " فقال ". (6) في المصدر: " حلف ". (7) في المصدر: " لا بأس عليك انت المبرأ الساحة المأمون الغائلة ثم انصرف ". (*)

[ 113 ]

المجتبى (رضي الله عنهم) بأن شخصا زبيريا سعى به للرشيد، فطلب يحيى تحليف الساعي بذلك القسم، فما تم (1) يمينه حتى اضطرب وسقط على الارض (2) فمات (3)، فسأل الرشيد يحيى عن سر ذلك فقال: تمجيد الله في اليمين يمنع المعاجلة بالعقوبة (4). وذكر المسعودي إن هذه القصة كانت مع موسى الملقب بموسى الجون، هو أخو يحيى بن عبد الله المحض (5)، وإن الزبيري سعى به للرشيد، فطال الكلام بينهما، ثم طلب موسى تحليفه، فحلفه بنحو ما مر، فلما حلف قال موسى: الله أكبر، حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن جده علي (رضي الله عنهم): إن رسول الله (ص) قال: ما حلف أحد بهذه اليمين... وهو كاذب إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث، والله ما كذبت ولا كذبت، فوكل يا أمير المؤمنين علي رجلا يلازمني (6)، إن مضت ثلاث ولم يحدث بالزبيري حادث فدمي لك حلال، فوكل به. فلم يمض عصر ذلك اليوم حتى أصاب الزبيري علة (7)، فتورم حتى صار كالزق فمات، (8) ولما أنزل في قبره انخسف قبره، وخرجت رائحة مفرطة


(1) في المصدر: " طلب تحليفه فتلعثم فزبره الرشيد فتولى يحيى تحليفه بذلك فما أتم ". (2) في المصدر: " لجنبه ". (3) في المصدر: " فأخذوا برجله وهلك ". (4) الصواعق المحرقة: 201 - 202. (5) في المصدر: " مع أخي يحيى هذا الملقب... ". (6) في المصدر: " فوكل علي يا أمير المؤمنين " فقط. (7) في المصدر: " جذام ". (8) في المصدر: " فما مضى إلا قليل وقد توفي ". (*)

[ 114 ]

النتن، فطرحت فيه أحمال شوك، فانخسف ثانيا، فأخبر الرشيد فزاد تعجبه، ثم أمر لموسنى بألف دينار وسأله عن سر ذلك (1) اليمين، فروى له حديثا عن جده علي (رضي الله عنهم)، عن رسول الله (ص) قال: ما من أحد يحلف بيمين يمجد (2) الله فيها الا استحيا من (3) تعجيل عقوبته، وما من أحد حلف يمينا (4) كاذبة نازع فيها الله حوله وقوته إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث. وقتل بعض الطغاة مولى جعفر الصادق (5)، فلم يزل ليله يصلي، ثم دعا على القاتل (6) عند السحر، فسمع الاصوات بموته. ولما بلغه قول الحكم بن عباس الكلبي في عمه زيد: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم نر مهديا على الجذع يصلب قال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فافترسه الاسد. ومن مكاشفاته: ان محمد الملقب بالنفس الزكية ابن عبد الله المحض (7) في أواخر (8) دولة بني أمية أراد بنو هاشم مبايعة محمد وأخيه، وأرسل الى جعفر (9) ليبايعهما، فامتنع، فاتهم انه يحسدها (10).


(1) في المصدر: " تلك ". (2) في المصدر: " مجد ". (3) لا يوجد في المصدر " من ". (4) في المصدر: " بيمين ". (5) في المصدر: " مولاه ". (6) في المصدر: " عليه ". (7) في المصدر: " إن ابن عمه عبد الله المحض كان شيخ بني هاشم وهو والد محمد الملقب بالنفس الزكية ". (8) في المصدر: " ففي آخر ". (9) في المصدر: " لجعفر ". (10) في المصدر: " يحسدهما ". (*)

[ 115 ]

فقال: يابن عم لا أكتم نصيحة للمسلمين فكيف أكتم نصيحتكم (1)، والله ليست الخلافة لي ولا لهما، إنها لصاحب القباء الاصفر، و (2) ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم. وكان المنصور العباسي (يومئذ) حاضرا وعليه قباء أصفر، فكان ما قال جعفر الصادق (ض) (3). وسبق جعفر في قوله هذا (4) والده الباقر (رضي الله عنهما) فانه أيضا أخبر أن المنصور (5) يملك الارض، مشرقها ومغربها (6)، وتطول مدته. فقال المنصور للباقر (7): أملكنا قبل ملككم ؟ قال: نعم. قال: أيملك (8) أحد من ولدي ؟ قال: نعم. قال: فمدة بني أمية أطول أم مدتنا ؟ قال: مدتكم، وليلعبن بهذا الملك صبيانكم كما يلعب بالكرة، هذا ما عهد الي أبي. فلما أفضت الخلافة للمنصور (بملك الارض) تعجب من قول الباقر (ض) (9).


(1) لا يوجد في المصدر:، (يا ابن عم لا اكتم نصيحة للمسلمين فكيف اكتم نصيحتكم ". (2) لا يوجد في المصدر: " و ". (3) بدله في المصدر: " فما زالت كلمة جعفر تعمل فيه حتى ملكوه ". (4) في المصدر: " الى ذلك ". (5) في المصدر: " فانه أخبر المنصور ". (6) في المصدر: " شرقها وغربها ". (7) في المصدر: " فقال له ". (8) في المصدر: " ويملك ". (9) الصواعق المحرقة: 202 - 303. (*)

[ 116 ]

وأخرج أبو القاسم الطبري من طريق ابن وهب قال: سمعت الليث بن سعد يقول: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فلما صليت العصر في المسجد الحرام (1) صعدت (2) أبا قبيس فإذا رجل جالس يدعو ويقول: يا رب يا رب، حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا حي يا قيوم (3) حتى انقطع نفسه، فقال (4): إلهي إني أشتهي العنب فأطعمنيه، اللهم إن ردائي قد خلقا فأكسني. قال الليث: فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت الى سلة مملوءة عنبا وليس على الارض يومئذ عنب، وإذا بردتان موضوعتان فيها لم أر مثلهما في الدنيا، فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك لاني قلت " آمين " عند دعائك (5)، فقال: " تقدم وكل " فأكلت (6) معه (7) عنبا لم آكل مثله قط، و (8) ماكان له عجم، فشبعنا ولم تنقص ما في السلة (9) (فقال: لا تدخر ولا تخبأ منه شيئا)، ثم أخذ أحد البردين ودفع إلي الآخر فقلت: أنا غني عنه (10) فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. ثم أخذ برديه الخلقين فنزل من أبي قبيس (11)، فلقيه رجل في الطريق (12)


(1) لا يوجد: " الحرام ". (2) في المصدر: " رقيت ". (3) في المصدر: " يا حي يا حي يا حي ". (4) في المصدر: " ثم قال ". (5) في المصدر: " فقلت أنا شريكك. فقال: ولم ؟ فقلت: لانك دعوت وكنت أو من ". (6) في المصدر: " فتقدمت وأكلت ". (7) لا يوجد في المصدر: " معه ". (8) لا يوجد فيه " و ". (9) في المصدر: " فأكلنا حتى شبعنا ولم تتغير السلة ". (10) في المصدر: " أنا بي عنى ". (11) في المصدر: " فنزل وهما بيده ". (12) في المصدر: " بالمسعى ". (*)

[ 117 ]

فقال: اكسني يا ابن رسول الله مما اتاك (1) الله فانني عريان، فدفعهما إليه. فقلت له: من هذا ؟ قال: جعفر الصادق فطلبته بعد ذلك لاسمع منه شيئا فلم أقدر عليه (انتهى). توفي سنة أربع وثمانين ومائة مسموما أيضا كأبيه (2)، وعمره ثمان وستون سنة، ودفن بالقبة المذكورة، فيا لها من قبة ما أكرمها وأبركها وأشرفها (3)، وولده الذكور ستة والاناث واحد (4). 5) (الامام موسى الكاظم (ع)) منهم موسى الكاظم، وهو وارثه علما ومعرفة وكمالا وفضلا، شمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان عند أهل العراق معروفا (6) بباب قضاء الحوائج (عند الله)، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم. وسأله الرشيد: كيف تقولون أنتم (7) إنا ذرية رسول الله (ص) وأنتم ذرية (8) علي، فتلا (ومن ذريته داود وسليمان) (9) الى أن قال (وعيسى) وليس له


(1) في المصدر: " كساك ". (2) لا يوجد: " كأبيه ". (3) لا يوجد في المصدر: " فيا لها... وأشرفها ". (4) في المصدر: " عن ستة ذكور وبنت ". (5) الصواعق المحرقة: 203. (6) في المصدر: " وكان معروفا عند أهل العراق ". (7) في المصدر: " قلتم ". (8) في المصدر: " أبناء ". (9) الانعام / 84. (*)

[ 118 ]

أب. وتلا أيضا (1) (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) (2) الآية. ولم يدع (ص) عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين، فكان الحسن والحسين هما الابناء (رضي الله عنهم). ومن بديع كراماته ما حكاه ابن الجوزي والرامهريري (3) وغيرهما: عن شقيق البلخي: انه خرج حاجا سنة تسع وأربعين ومائة فرأى الامام الكاظم بالقادسية منفردا عن الناس، فقال في نفسه: هذا فتى من الصوفية يريد أن يرى الناس زهده (4)، لامضين إليه ولاوبخنه. فمضى إليه فقال: يا شقيق إن الله تعالى قال (5): (اجتنبوا كثيرا من الظن) (6) الآية، فأراد أن يجعل ظنه في حل (7) فغاب عن عينه (8)، فما رآه إلا بالواقصية (9) يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر، فجاء إليه ليعتذر فخفف في صلاته فتلا (10) (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (11). فلما نزلوا زمالة رآه على بئر سقط فيها دلوه (12)، فدعا فارتفع له


(1) في المصدر: " وأيضا قال تعالى ". (2) آل عمران / 61. (3) في المصدر: " والرامهرمزي ". (4) في المصدر: " يريد أن يكون كلا على الناس ". (5) لا يوجد في المصدر: " إن الله تعالى قال ". (6) الحجرات / 12. (7) في المصدر: " أراد أن يحاله ". (8) في المصدر: " عينيه ". (9) في المصدر: " بواقصة ". (10) في المصدر: " وقال ". (11) طه / 82. (12) في المصدر: " فسقطت ركوته فيها ". (*)

[ 119 ]

الماء (1) حتى أخذها، فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال الى كثيب رمل فطرح منه شيئا في المشربة فشرب (2). وقلت (3) له: أطعمني من فضل ما رزقك الله. فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك، فناولني المشربة (4)، فشربت منها فإذا سويق وسكر، ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب ريحا منه، فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي شرابا ولا طعاما. ثم لم أره إلا بمكة وإذا هو بغلمان وغاشية وأمور على خلاف ما كان عليه في الطريق (5). * وذكر المسعودي: أن الرشيد رأى عليا (ض) في المنام (6) ومعه حربة وهو يقول: خلص الكاظم وإلا قتلتك بهذه الحربة (7)، فاستيقظ فزعا وأمر باطلاقه، وأمر له ثلاثين ألف درهم، وخيره بين الاقامة ببغداد وبين الذهاب الى المدينة، فاختار المدينة. قيل: إن الهادي (8) حبسه أولا، ثم أطلق (9) لانه رأى عليا (ض) يقول له: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) (10) فانتبه (وعرف أنه المراد) فأطلقه ليلا.


(1) في المصدر: " فطفى الماء له ". (2) في المصدر: " وطرح فيها منه وشرب ". (3) في المصدر: " فقال ". (4) في المصدر: " فناولنيها ". (5) الصواعق المحرقة: 203. (6) في المصدر: " في النوم ". (7) في المصدر: " إن لم تحل عن الكاظم وإلا نحرتك بهذه ". (8) في المصدر: " وكان موسى الهادي ". (9) في المصدر: " أطلقه ". (10) محمد / 22. (*)

[ 120 ]

* ولما قال (1) له الرشيد حين رآه جالسا عند الكعبة: أنت الذي يبايعك الناس سرا ؟ فقال: أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم. * ولما اجتمعا أمام وجه رسول الله (ص) (2) قال الرشيد: السلام عليك يابن عم (سمعها من حوله). وقال (3) الكاظم: السلام عليك يا أبت. فحسده الرشيد (4)، وحمله معه الى بغداد، وحبسه مقيدا (5) فلم يخرج من حبسه إلا ميتا من السم (6)، ودفن بالجانب الغربي من بغداد. وكان أولاده الذكور (7) سبعة وثلاثين (8). (الامام علي الرضا (ع)) منهم علي الرضا، وهو أشهرهم (9) ذكرا، وأجلهم قدرا. ومن ثمة (10) أحله المأمون محل مهجته، وأنكحه ابنته، وأشركه في مملكته، وفوض إليه أمر خلافته، فانه كتب بيده كتابا سنة إحدى ومائتين بأن علي


(1) في المصدر: (فقال). (2) في المصدر: (أمام الوجه الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام). (3) في المصدر: " فقال ". (4) في المصدر: " فلم يتحملها وكانت سببا لامساكه له ". (5) لا يوجد في المصدر: " مقيدا ". (6) في المصدر: " مقيدا " بدل، (من السم). (7) في المصدر: " ذكرا وانثى ". (8) الصواعق المحرقة: 204. (9) في المصدر: " أنبههم ". (10) في المصدر: " ثم ". (*)

[ 121 ]

الرضا ولي عهده، وأشهد عليه جمعا كثيرا، لكنه توفي. وأخبر قبل موته أنه (1) يأكل عنبا مسموما فيموت، وأن المأمون يريد دفنه خلف الرشيد ولم يستطع، فكان ما أخبره الرضا (2) (ض). ومن مواليه معروف الكرخي أستاد السري السقطي، لانه أسلم على يديه. * وروى الحاكم أنه قال لرجل: إرض بما يريد الله واستعد لما لابد منه، فمات الرجل بعد ثلاثة أيام. * وروى الحاكم أيضا: عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب قال: رأيت النبي (ص) في المنام في المنزل الذي ينزل فيه ببلدنا الحجاج بن يوسف الثقفي (3)، فسلمت عليه، فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فناولني منه ثماني عشرة، فتأولت أن أعيش بعدتها (4)، فلما كان بعد عشرين يوما قدم أبو الحسن علي الرضا من المدينة، ونزل ذلك المنزل، فرأيته جالسا في الموضع الذي كان النبي (ص) جالسا فيه (5) وبين يديه طبق من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه (فاستدناني) فناولني (6) قبضة من ذلك التمر، فإذا هي ثماني عشرة (7).


(1) في المصدر: " بأنه ". (2) في المصدر: " فكان ذلك كله كما أخبر به ". (3) في المصدر: " ينزل الحجاج ببلدنا ". (4) في المصدر: " عدتها ". (5) في المصدر: " ونزل ذلك المسجد وهرع الناس بالسلام عليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبي (ص) جالسا فيه ". (6) في المصدر: " وناولني ". (7) في المصدر: " فإذا عدتها بعدد ما ناولني النبي (ص) في النوم ". (*)

[ 122 ]

فقلت: يابن رسول الله (1)، زدني. قال (2): لو زادك جدي لزدتك (3). * وفي تاريخ نيشابور أنه استقام بها أياما، ثم خرج يريد بلدة مرواشاهجان (4)، وعليه مظلة لا يرى من ورائها، عرض (5) له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه الشريف المكرم المبارك (6) ويروي لهم حديثا عن آبائه، فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكف المظلة، فأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذوابتان مدليتان على عاتقه، والناس بين صارخ وباك، ومتمرغ في التراب، ومقبل لحافر بغلته، فصاحت العلماء: معاشر الناس أنصتوا (فأنصتوا فاستملى منه الحافظان المذكوران). فقال (ض): حدثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم أجمعين رضاء واسعا وأرضاهم) قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله (ص) قال: حدثني جبرائيل، قال: سمعت رب العزة يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي.


(1) لا يوجد في المصدر: " يابن رسول الله ". (2) في المصدر: " فقال ". (3) في المصدر: " رسول الله لزدناك ". (4) في المصدر: " ولما دخل نيسابور - كما في تاريخها - وشق سوقها ". (5) في المصدر: " تعرض ". (6) لا يوجد في المصدر: " الشريف المكرم المبارك ". (*)

[ 123 ]

ثم أرخى الستر وسار " فعد (أهل المحابر والدوي) الذين كانوا يكتبون هذا الحديث فزادوا (1) على عشرين ألفا (2). * وفي فصل الخطاب: عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي قال: كنت مع علي الرضا بن موسى الكاظم حين رحل من نيشابور، وهو راكب بغلة شهباء، فإذا أحمد بن الحرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدة من أهل العلم، قد تعلقوا بلجام بغلته فقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته عن أبيك عن آبائه عن رسول الله (ص) ثم ساق الحديث بنحو ما ذكر من قبل آنفا وزاد: وفي رواية: فلما مرت الراحلة نادانا: بشروطها، وأنا من شروطها. قيل: من شروطها الاقرار له بأنه إمام المسلمين مفترض الطاعة (3) (انتهى فصل الخطاب). ويشهد لهذه الرواية ويقويها قول علي (كرم الله وجهه) في كتاب غرر الحكم: إن ل‍ " لا إله إلا الله " شروطا وإني وذريتي من شروطها (4). وفي سنن ابن ماجة: حدثنا سهل بن أبي سهل، ومحمد بن إسماعيل، قالا: حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي، قال: حدثنا علي الرضا بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي


(1) في المصدر: " فانافوا ". (2) الصواعق المحرقة: 204 - 205. (3) عيون أخبار الرضا 1 / 143 باب 37 حديث 1، و 144 - 145 حديث 4. (4) غرر الحكم 1 / 220 حديث 103. (*)

[ 124 ]

ابن أبي طالب (رضي الله عنهم) قال: قال رسول الله (ص): الايمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان. قال أبو الصلت: لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لبرء من جنونه (1). (وتوفي (ض)) وعمره خمس وخمسون سنة، أولاده الذكور خمسة وبنت واحدة (2) (3) أجلهم وأكملهم محمد التقي (4) الجواد (5). (الامام محمد الجواد (ع)) ومما اتفق انه كان مع الصبيان في أزقة (بغداد) إذ مر المأمون ففر الغلمان (6) ووقف محمد التقي (7)، وسنه (8) تسع سنين... فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف ؟ فقال (له مسرعا): لم يكن بالطريق ضيق (فأوسعه لك)، وليس لي جرم (فأخشاك)، وظني (9) بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له. فأعجبه كلامه وحسن صورته (فقال له: ما اسمك واسم أبيك ؟ فقال: محمد بن علي الرضا...).


(1) سنن ابن ماجة 1 / 25 حديث 65 كتاب الايمان - باب 9. (2) في المصدر: " عن خمسة ذكور وبنت ". (3) الصواعق المحرقة: 205. (4) لا يوجد في المصدر: " التقي ". (5) الصواعق المحرقة: 206. (6) في المصدر: " ففروا ". (7) لا يوجد في المصدر: " التقي ". (8) في المصدر: " وعمره ". (9) في المصدر: " والظن ". (*)

[ 125 ]

ثم سار (1) وكان معه بزاة للصيد، فلما بعد عن العمارة أرسل بازه (2) على دراجة، فغاب الباز (3) عنه، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة صغيرة فيها أثر (4) الحياة، فتعجب (من ذلك غاية العجب) ورجع فرأى الصبيان على حالهم (ومحمد عندهم)، ففروا إلا محمد التقي. فقال له المأمون (5): ما في يدي ؟ فقال: إن الله (عزوجل) خلق بقدرته في الجو بحرا، وخلق فيه سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك (6)، فيمتحن (7) بها سلالة أهل بيت المصطفى (ص). فقال له: أنت ابن علي (8) الرضا حقا (وأخذه معه وأحسن إليه) وبالغ في إكرامه... وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل (وصمم على ذلك) فمنعه العباسيون (من ذلك) خوفا من أن يجعله ولي عهده كما جعل أباه ولي عهده (9). (فلما ذكر لهم أنه انما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنه فنازعوا في اتصاف محمد بذلك ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره). فأرسل العباسيون (10) إليه يحيى بن أكثم ووعدوه بشئ كثير إن غلب عليه في


(1) في المصدر: " ساق جواده ". (2) في المصدر: " بازا ". (3) لا يوجد في المصدر: " الباز ". (4) في المصدر: " وبها بقاء الحياة ". (5) لا يوجد في المصدر: المأمون ". (6) في المصدر: " ان الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكا صغارا يصيدها بازات الملوك والخلفاء ". (7) في المصدر: " فيختبر ". (8) لا يوجد في المصدر: " علي ". (9) في المصدر: " خوفا من انه يعهد إليه كما عهد الى أبيه ". (10) في المصدر: " فأرسلوا إليه ". (*)

[ 126 ]

المباحثة في العلم (1). (فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة فأمر المأمون بعرش حسن لمحمد فجلس عليه) فسأله يحيى بن أكثم مسائل فأجابه (2) عنها بأحسن جواب (وأوضحه). فقال المأمون: يا محمد التقي سل عن يحيى ولو مسألة واحدة (3). فقال له: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراما، ثم حلت له عند ارتفاع الشمس (4)، ثم حرمت (عليه) عند الظهر، ثم حلت عند العصر، ثم حرمت عليه عند المغرب، ثم حلت له عند (5) العشاء، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له عند (6) الفجر ؟ فقال يحيى: لا أدري. فقال له محمد التقي: هي أمة نظر إليها (7) أجنبي بشهوة، وهذا النظر حرام (8)، ثم اشتراها في (9) ارتفاع الشمس (10)، كانت حلالا (11)، فأعتقها في (12) الظهر،


(1) في المصدر: " ان قطع لهم محمدا ". (2) في المصدر: " اجابه ". (3) في المصدر: " فقال له الخليفة: أحسنت أبا جعفر فان أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة ". (4) في المصدر: " ارتفاعه ". (5) لا يوجد في المصدر: " عند ". (6) لا يوجد في المصدر: " عند ". (7) في المصدر: " نظرها ". (8) في المصدر: " وهي حرام ". (9) لا يوجد في المصدر: " في ". (10) في المصدر: " النهار ". (11) لا يوجد في المصدر: " كانت حلالا ". (12) لا يوجد في المصدر: " في ". (*)

[ 127 ]

كانت له حراما (1)، وتزوجها عند (2) العصر، كانت له حلالا (3)، ثم ظاهر منها عند المغرب، كانت له حراما (4)، ثم أدى كفارة الظهار عند العشاء، كانت له حلالا (5)، ثم (6) طلقها رجعيا نصف الليل، كانت له حراما (7)، ثم راجعها عند الفجر، كانت له حلالا (8). فعند ذلد قال المأمون للعباسيين: قد عرفتم فضله بعدما كنتم تنكرونه (9). ثم زوجه (في ذلك المجلس) ابنته (أم الفضل)، ثم توجه بها الى المدينة. ثم أرسلت ابنته أم الفضل الى أبيها المأمون أنه يسري جارية عليها (10)، فأرسل إليها أبوها: إنا لم نزوجك له لنحرم عليه ما كان حلالا له (11) فلا تعودي لمثله. ثم قدم (بها) بغداد (12) بطلب من المعتصم لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين وتوفي في آخر ذي القعدة في هذه السنة (13)، ودفن في ظهر جده


(1) لا يوجد في المصدر: " كانت له حراما ". (2) لا يوجد في المصدر: " عند ". (3) لا يوجد في المصدر: " كانت له حلالا ". (4) في المصدر: " وظاهر منها المغرب " فقط. (5) في المصدر: " وكفر العشاء " فقط. (6) في المصدر: " و ". (7) لا يوجد في المصدر: " كانت له حراما ". (8) في المصدر: " وارجعها الفجر " فقط. (9) في المصدر: " قد عرفم ما كنتم تذكرون ". (10) في المصدر: " فارسلت تشتكي منه لابيها انه تسرى عليها ". (11) لا يوجد في المصدر: (له). (12) لا يوجد في المصدر: " بغداد ". (13) لا يوجد في المصدر: " في هذه السنة ". (*)

[ 128 ]

الكاظم (1) في مقابر قريش، وعمره خمس وعشرون سنة. ويقال: إنه مات مسموما كأبيه (2). وله ولدان ذكران وبنتان (3): أحدهما: موسى، وثانيهما: علي النقي وهو وارث أبيه علما وكمالا وسخاء (4). (الامام علي النقي (ع)) ومن ثمة (5) جاء أعرابي من حوالي (6) الكوفة وقال: إني من المتمسكين بولائك وولاء أجدادك (7) فعلي (8) دين (أثقلني حمله و) لم أقصد بقضائه سواك. فقال: قف هنا، ثم أرسل المتوكل إليه (9) ثلاثين ألفا، فأعطى كلها للاعرابي (10). فقال الاعرابي (11): يابن رسول الله إن عشرة آلاف تكفي لقضاء ديني (12).


(1) لا يوجد في المصدر: " في ظهر جده الكاظم ". (2) في المصدر: " ويقال انه سم أيضا ". (3) في المصدر: " عن ذكرين وبنتين " فقط. (4) الصواعق المحرقة: 206. (5) في المصدر: " ثم ". (6) في المصدر: " اعراب ". (7) في المصدر: " بولاء جدك " فقط. (8) في المصدر: " وقد ركبني ". (9) في المصدر: " فقال: كم دينك ؟ فقال: عشرة آلاف درهم. فقال: طب نفسا بقضائه إن شاء الله تعالى ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ دينا عليه وقال له: ائتني في المجلس العام وطالبني بها وأغلظ علي في الطلب ففعل فاستمهله ثلاثة أيام فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفا... ". (10) في المصدر: " فلما وصلته أعطاها الاعرابي ". (11) لا يوجد في المصدر: " الاعرابي ". (12) في المصدر: " أقضي بها اربي ". (*)

[ 129 ]

فأبى أن يسترد من الثلاثين ألفا (1) شيئا فانصرف (2) الاعرابي وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته. * ونقل المسعودي: ان المتوكل أمر بثلاثة من السباع فجئ بها في صحن قصره، ثم دعا الامام علي النقي، فلما دخل أغلق باب القصر، فدارت السباع حوله وخضعت له، وهو يمسحها بكمه، ثم صعد إلى المتوكل ويحدث معه ساعة، ثم نزل ففعلت السباع معه كفعلها الاولى حتى خرج، فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكل: إن ابن عمك يفعل بالسباع ما رأيت فافعل بها ما فعل ابن عمك. قال: أنتم تريدون قتلي. ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك (3). (4) توفي (ض) بسر من رأى في جمادى الاخيرة (5) سنة أربع وخمسين ومائتين، ثم (6) دفن في داره (7)، وكان (8) عمره اربعون سنة (9)، وكان المتوكل طلبه من المدينة (10) سنة ثلاث وأربعين ومائتين، فأقام بها الى آخر عمره. فله أولاد، ذكورهم أربعة والانثى واحدة (11). (12)


(1) لا يوجد في المصدر: " ألفا ". (2) في المصدر: " فولى ". (3) نقل القصة باختلاف يسير جدا. (4) الصواعق المحرقة: 205. (5) في المصدر: " الآخر ". (6) في المصدر: " و ". (7) في المصدر: " بداره ". (8) لا يوجد في المصدر: " كان ". (9) لا يوجد في المصدر: " سنة ". (10) في المصدر: " أشخصه من المدينة إليها ". (11) في المصدر: " الى أن قضى عن أربعة ذكور وأنثى ". (12) الصواعق المحرقة: 207. (*)

[ 130 ]

(الامام الحسن العسكري (ع)) وأجلهم أبو محمد الحسن العسكري، ولد سنة إثنين (1) وثلاثين ومائتين. * ولما حبس قحط الناس (بسر من رأى قحطا شديدا) فأمر الخليفة المعتمد بن المتوكل الناس (2) بالخروج إلى الاستسقاء ثلاثة أيام، فلم يسقوا. فخرج النصارى ومعهم راهب و (3) كلما مد يده الى السماء غيمت وأمطرت (4)، ثم في اليوم الثاني كذلك. فشك بعض الناس، وارتد بعضهم، فشق ذلك على المعتمد، فأمر باحضار الحسن العسكري (5)، فلما حضر عنده (6) قال له المعتمد: أدرك أمة جدك رسول الله (ص) قبل أن يهلكوا. فقال الامام الحسن: إن النصارى ليخرجوا (7) غدا وأزيل الشك إن شاء الله (عز وعلا) وكلم المعتمد في إطلاق أصحابه من السجن فأطلقهم له (8). فلما خرج الراهب مع النصارى (9) رفع يده إلى السماء غيمت وأمطرت. فأمر الحسن بالقبض على ما في يد الراهب (10)، فقبض فإذا فيها عظم آدمي،


(1) في المصدر: " اثنتين ". (2) لا يوجد في المصدر: " الناس ". (3) لا يوجد في المصدر: " و ". (4) في المصدر: " السماء هطلت ". (5) في المصدر: " الخالص ". (6) لا يوجد في المصدر: " فلما حضر عنده ". (7) في المصدر: " يخرجون غدا ". (8) لا يوجد في المصدر: (له). (9) في المصدر: " فلما خرج الناس للاستسقاء ورفع... ". (10) في المصدر: " ما يد الراهب ". (*)

[ 131 ]

فأخذ من يده وقال: استسق، فرفع يده، فزال الغيم وظهرت (1) الشمس، فتعجب الناس، فقال المعتمد: ما هذا يا ابا محمد ؟ فقال: هذا عظم نبي قد (3) ظفر به هذا الراهب، وما كشف عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر. فامتحنوا ذلك العظم الشريف بمرات (4) فكان كما قال، وزالت الشبهة عن الناس، ورجع الامام الحسن الى داره. وتوفي سنة ستين ومائتين، ودفن عند أبيه، وعمره ثمان وعشرون سنة، ويقال: انه مات بالسم أيضا. (الامام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)) ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله (تبارك وتعالى) له العلم (5) والحكمة، ويسمى القائم المنتظر، لانه ستر وغاب فلم يعرف أين ذهب (6). (انتهى كتاب الصواعق).


(1) في المصدر: " طلعت ". (2) في المصدر: " عجب ". (3) لا يوجد في المصدر: " قد ". (4) لا يوجد في المصدر: " الشريف بمرات ". (5) في المصدر: " آتاه الله فيها الحكمة ". (6) الصواعق المحرقة: 208. (*)

[ 133 ]

الباب الرابع والستون في ذكر رؤيا الشاعر ابن عنين فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) وكرامتها وذكر أبيات الامام زين العابدين وأبيات الامام محمد الباقر (رضي الله عنهما) * وفي جواهر العقدين للشريف السمهودي المصري رحمه الله: (و) من العجائب (1) أن أبا المحاسن نصر الله بن عنين الشاعر توجه الى مكة المعظمة (2) ومعه متاع (3) ومال (وقماش)، فخرج عليه بعض الاشراف من بني داود المقيمين بوادي الصفرا فأخذوا ما كان معه وجرحوه، فكتب قصيدة إلى الملك العزيز طغتكين بن أيوب صاحب اليمن، وقد كان أخوه الملك الناصر أرسل رسولا إلى الملك الناصر أن يذهب (4) بالساحل ويفتحه (5) من أيدي الافرنج (فزهده ابن عنين في الساحل ورغبه في اليمن وحرضه على الاشراف المذكورين وأول) القصيدة هذه (6):


(1) في المصدر: " العجيب ". (2) في المصدر: " المشرفة ". (3) لا يوجد في المصدر: " متاع ". (4) في المصدر: " إليه يطلبه ليقيم ". (5) في المصدر: " المفتح ". (6) لا يوجد في المصدر: (هذه). (*)

[ 134 ]

أغنت صفاتك ذاك المصقع اللسنا * وجزت بالجود حد الحسن والحسنا (وما تريد لجسم لا حياة له * من خلص الزبد ما أبقى لك اللبنا) ولا تقل ساحل الافرنج أفتحه * فما يساوي إذا قايسته عدنا وإن أردت جهادا فادن سيفك من * قوم أضاعوا فروض الله والسننا طهر بسيفك بيت الله من دنس * وما أحاط به من خسة وخنا ولا تقل إنهم أولاد فاطمة * لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا فلما أتم (1) هذه القصيدة رأى في النوم فاطمة (رضي الله عنها) وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل عندها (2) وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك، فأنشدت فاطمة (رضي الله عنها) هذه القصيدة (3): حاشا بني فاطمة كلهم * من خسة يعرض أو من خنا وإنما الايام في غدرها * وفعلها السوء أساءت بنا لئن جنى (4) من ولدي واحد * تجعل كل السب عمدا لنا فتب إلى الله فمن يقترف * إثما فلا يأمن مما جنى فاصفح لاجل (5) المصطفى أحمد * ولا تثر (6) من آله أعينا فكل ما نالك منهم غدا * تلق به في الحشر منا منى ثم صبت بيدها المباركة المكرمة المقدسة شيئا شبيه الماء على جرحه، ثم أيقظ من منامه، فرأى أن جراحته التي كانت في بدنه صارت ملتئمة


(1) في المصدر: " نظم ". (2) لا يوجد في المصدر: " عندها ". (3) في المصدر: " فانشدته " فقط. (4) في المصدر: " أإن أسا ". (5) في المصدر: " أكرم لعين ". (6) في المصدر:، (ولا تهن). (*)

[ 135 ]

صحيحة، فكتب فورا قصيدة فاطمة (رضي الله عنها) التى أنشدتها في رؤياه. ثم قال معتذرا (1): عذرا الى بنت نبي الهدى * تصفح عن ذنب محب جنى وتوبة تقبلها عن (2) اخي * مقالة توقعه في العنا والله لو قطعني واحد * منهم بسيف البغي أو بالقنا لم أره بفعله ظالما (3) * بل إنه في فعله أحسنا فكتب هذه الحكاية الى ملك اليمن، فأرسل الملك الهدايا الكثيرة لهذه الاشراف وأهل مكة، وهذه القصيدة مشهورة بين الناس ومسطورة في ديوان ابن عنين (4). وفي كتاب سفينة راغب باشا الصدر أعظم قال الامام زين العابدين (ض) شعرا: إني لاكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو الجهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن * الى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (5) وفي جواهر العقدين: عن بعضهم، قال: كنت بين مكة والمدينة فإذا شبح (6) يلوح في البرية، يظهر تارة ويغيب أخرى،


في المصدر: " قال أبو المحاسن بن عنين: فانتبهت من منامي مرعوبا فزعا وقد أكمل الله تعالى عافيتي من الجراح والمرض وكتبت الابيات وحفظتها وتبت الى الله تعالى مما قلت وقطعت تلك القصيدة وقلت: ". (2) في المصدر: " من ". (3) في المصدر: " لم أر ما يفعله سيئا ". (4) اختصر صاحب الينابيع تعليقة السمهودي على الخبر - جواهر العقدين 2 / 270 - 271. (5) سفينة راغب: 76. ط استنبول 1282 ه‍ ولم يذكر قائلها في المصدر. (6) في المصدر: " أنا بشبح ". (*)

[ 136 ]

حتى قرب مني فسلم علي، فرددته (1) وقلت له (2): من أين يا غلام ؟ قال: من الله. قلت: الى أين ؟ قال: إلى الله. قلت: فما زادك ؟ قال: التقوى. قلت: فن أنت ؟ قال: أنا رجل عربي. فقلت: من أي العرب (3) ؟ قال: (أنا رجل) من قريش. فقلت: عين لي عافاك الله ؟ فقال: أنا رجل هاشمي. فقلت: عين لي ؟ فقال: أنا رجل علوي. ثم أنشد: نحن على الحوض رواده * نذود ونسعد وراده فما فاز من فاز إلا بنا * وما خاب من حبنا زاده فمن سرنا نال منا السرور * ومن ساءنا ساء ميلاده ومن كان كاتمنا فضلنا (4) * فيوم القيامة ميعاده ثم قال: أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم). ثم التفت فلم أره، فلا أدري نزل في الارض أم صعد في السماء (5).


(1) في المصدر: " فرددت عليه ". (2) لا يوجد في المصدر: " له ". (3) في المصدر: " أبن لي ". (4) في المصدر: " غاصبنا حقنا ". (5) جواهر العقدين 2 / 258 - 259. (*)

[ 137 ]

الباب الخامس والستون في إيراد ما في كتاب فصل الخطاب من الفضائل للسيد الكامل المحدث العالم العامل محمد خواجه پارساى البخاري (1) أسبق خلفاء خواجه محمد البخاري شاه نقشبند (قدس الله سرهما ورفع درجاتهما ووهب لنا فيوضهما وبركاتهما) * روى الامام الواحدي: باسناده عن الاعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي اله عنهما) قال: لما نزلت (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (2) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال: علي وفاطمة وولداهما. * وروى الامام الواحدي أيضا: باسناده عن زادان عن علي (كرم الله وجهه) قال: فينا في آل حم آية لا يحفظها إلا كل مؤمن، ثم قرأ (قل لا أسألكم عليه أجرأ إلا المودة في القربى). * وقال الامام فخر الدين الرازي: روي انه قيل: يا رسول الله من قرابتك الذين


(1) محمد بن محمد بن محمود بن محمد بن محمد بن مودود، شمس الدين الجعفري البخاري (746 - 822 ه‍): فقيه حنفي عالم بالتفسير من أهل بخارى جاور بمكة ومات بها أو بالمدينة له كتب منها " فصل الخطاب لوصل الاحباب " مخطوط - الاعلام للزركلي 7 / 44. وقد خرجنا ما فيه في تضاعيف الكتاب. (2) الشورى / 23. (*)

[ 138 ]

وجبت علينا مودتهم ؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما. فثبت أن هؤلاء الاربعة هم المخصوصون بمزيد المودة والتعظيم لوجوه: الاول: هذه الآية. الثاني: إنه (ص) كان يحبهم وثبت ذلك بالنقل المتواتر وبالعقل، فيجب على كل الامة اتباعه، لقوله تعال (واتبعوه لعلكم تهتدون) (1). والثالث: إن الدعاء للآل منصب عظيم، وقد جعل هذا في خاتمة التشهد في الصلاة، وهذا التعظيم لم يوجد في غير الآل. وقال الامام الشافعي: يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتف بساكن خيفها والناهض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي (انتهى). * وقال بعض العارفين: ثمرة مودة أهل بيت النبي (ص) وقرابته عائدة الى أنفسهم، لكونها سبب نجاتهم كما قال تعالى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) (2) إذ المودة تقتضي المناسبة الروحانية المستلزمة لاجتماعهم في الحشر، كما في حديث " المرء مع من أحب)، ولا يمكن لمن تكدر روحه، وبعدت عنهم مرتبته أن يحبهم بالحقيقة وبصميم القلب، ولا يمكن لمن تنور روحه أن لا يحبهم، لكونهم مخلوقين من طينة أهل بيت النبوة، ومعادن الولاية والفتوة، ولا يحبهم إلا من يحب الله ورسوله، ولو لم يكونوا محبوبين في العناية الاولى من الله تعالى فما أحبهم رسوله، إذ محبته عين محبة الله تعالى في صورة التفصيل


(1) الاعراف / 158. (2) سبأ / 47. (*)

[ 139 ]

بعد كونها في الاجمال. والاربعة المذكورون في الحديث " علي وفاطمة وابناهما " خصوا بالذكر ولم يحرض النبي (ص) أمته على محبة غيرهم كتحريضه على محبة هؤلاء. وأولادهم السالكون بسبيلهم، التابعون لهداهم، هم في حكمهم في وجوب المودة فيهم، وكذا حرض النبي (ص) أمته على الاحسان إليهم، ونهى عن ظلمهم وإيذائهم. وفي الحديث: " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ". و " من اصطنع صنيعة الى أحد من ولد عبد المطلب، ولم يجازه عليها فأنا أجازيه غدا إذا لقيني يوم القيامة ". قال تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (1) أي من يقترف محبة آل الرسول نزد له في متابعته لهم في طريقهم حسنا، لان تلك المحبة لا تكون إلا لصفاء الاستعداد، ونقاء الفطرة، وذلك يوجب التوفيق لحسن المتابعة لهم، وقبول الهداية منهم، الى مقام المشاهدة، فيصير صاحب المحبة من أهل الولاية، ويحشر معهم في القيامة. وروى الامام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: عن الامام محمد بن أسلم الطوسي، عن يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي (ض) قال: قال رسول الله (ص): من مات على حب آل محمد مات شهيدا. ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له.


(1) الشورى / 23. (*)

[ 140 ]

ألا ومن مات على حب آل محمد فتح في قبره بابان من الجنة. ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير. ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها. ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله تعالى زوار قبره ملائكة الرحمة. ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله. ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة. وفي جامع الاصول: عن زيد بن أرقم (ض) قال: قال رسول الله (ص) لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم. (أخرجه الترمذي). * وروى أبو حازم عن أبي هريرة أنه قال: نظر رسول الله (ص) الى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم. * وروى الامام أبو إسحاق الثعلبي: عن أبي عبد الله الحافظ باسناده، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي (رضي الله عنهم) قال: شكوت الى رسول الله (ص) حسد الناس بي فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا، وشمائلنا، وذرياتنا خلف أزواجنا ؟. قال أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي في كتابه " نوادر الاصول ": حدثنا عبيد بن خالد قال: حدثنا محمد بن عثمان البصري قال: حدثنا محمد

[ 141 ]

ابن الفضيل، عن محمد بن سعد بن أبي طيبة، عن المقداد بن الاسود (ض) قال: قال رسول الله (ص): معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب. أيضا هذا الحديث في الشفاء مذكور. * وفي " نوادر الاصول ": حدثنا نصر بن عبد الرحمن الوشا. قال: حدثنا زيد بن الحسن الانماطي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهم) قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصوى يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. أيضا أخرجه الترمذي. وفي " نوادر الاصول ": حدثنا أبي قال: حدثنا زيد بن الحسين قال: حدثنا معروف بن خربوز المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري (رضي الله عنهما) قال: لما صدر رسول الله (ص) من حجة الوداع خطب فقال: يا أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر النبي الذي يليه من قبل، وإني أظن أني يوشك أن أدعى فأجيب، وإني فرطكم على الحوض، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الاكبر كتاب الله (عزوجل)، سبب طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي،

[ 142 ]

فانه قد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وفي نوادر الاصول: حدثنا أبي قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا ابن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن أياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه (ض) قال: قال رسول الله (ص): النجوم أمان لاهل السماء وأهل بيتي أمان لامتي. وفي نوادر الاصول: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، قال: حدثنا المؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، عن عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك (ض) قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله أي الاعمال أفضل ؟ قال: العلم بالله وأحكامه. ثم أتاه فسأله فقال مثل ذلك. فقال: يا رسول الله أنا أسألك عن العمل. فقال: إن العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإن الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره. وفي جامع الترمذي رحمه الله: عن أبي سريحة الصحابي، وهو حذيفة بن أسيد، أو زيد بن أرقم (رضي الله عنهما) - شك شعبة - عن النبي (ص) انه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. * وروى الترمذي عن بريدة (ض) إن النبي (ص) قال: إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم. قيل: يا رسول الله سمهم لنا. قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر والمقداد وسلمان، أمرني بحبهم وأخبرني انه يحبهم. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

[ 143 ]

عن حبش بن جنادة قال: قال رسول الله (ص): علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي. (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وعن أم عطية (رضي الله عنها) قالت: بعث النبي (ص) جيشا فيهم علي بن أبي طالب، فسمعته وهو رافع يديه يقول: اللهم لا تمتني حتى تريني عليا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي المعارف قال النبي (ص): يا علي خذ الباب لا يدخل أحد فان الملائكة يأخذون مني. قال علي: سمعت أصواتهم وقلت له (ص) بعدما ذهبوا: إنهم ثلاثمائة وثلاثون ملكا. قال: بم عرفت ؟ قلت: سمعت ثلاثمائة وثلاثون صوتا متغايرة. فوضع يده على صدري وقال: زادك الله إيمانا وعلما. قال الامام تاج الاسلام الخدآبادي البخاري في أربعينه: روى هذه الابيات عن علي (ض): سبقتكم إلى الاسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي محمد النبي أخي وصهري * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائك ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي

[ 144 ]

وسبطا أحمد ولداي منها * فايكم له سهم كسهمي وأوجب بالولاية لي عليكم * رسول الله يوم غدير خم شهد مع رسول الله (ص) بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وخيبر وفتح مكة وحنينا والطائف وسائر المشاهد إلا تبوك فان النبي (ص) استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة. قالوا: أعطاه النبي (ص) اللواء في المواطن الكثيرة. وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليا (ض) يوم أحد ست عشر ضربة. وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة. وأما علمه فكان بالمحل العالي يعترف الخواص والعوام بكثرة علمه. قال ابن المسيب: ما كان أحد من الامة يقول " سلوني " غير علي (ض). قال ابن عباس (رضي الله عنهما): لقد أعطي لعلي تسعة أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي. قال ابن عباس: إذا ثبت لنا شئ عن علي لم نعدل الى غيره. وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم الى فتواه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات مشهور. وأما زهده فهو من الامور المشهورة التي اشترك في معرفتها الخاص والعام. وفي مسند الامام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره أنه قال: لقد رأيتني أني لاربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي تبلغ اليوم أربعة آلاف دينار، وفي رواية: أربعين ألف درهم. قال العلماء: لم يرد به زكاة مال يملكه وإنما أراد الاوقاف التي تصدق وجعلها صدقة جارية، وكان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر.

[ 145 ]

وقالوا: لم يدخر علي (ض) قط ما يقارب هذا المبلغ ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم، وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم والاحاديث الواردة في الصحاح في فضله كثيرة. ولما دخل الكوفة قال له بعض حكماء العرب: لقد زينت الخلافة وما زينتك، وهي أحوج اليك منك إليها. وإنه علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها. ولما خرج لصلاة الصبح صاح الاوز في وجهه فطردوهن فقال: دعوهن فانهن نوايح. فلما ضربه ابن ملجم - أشقى الخوارج - قال علي (ض): " فزت ورب الكعبة ". وضربه بسيف مسموم في جبهته المباركة ليلة السابع عشر من شهر رمضان، وتوفي ليلة التاسع عشر منه، سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس له قميص ولا عمامة. قالوا: ولما فرغ من وصيته قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم لم يتكلم إلا بلا إله إلا الله حتى توفي (ض). وكان عنده فضل من حنوط رسول الله (ص) وأوصى أن يحنط به، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الاصح وهو قول الاكثرين. وروى الحاكم عن أبي عبد الله الحافظ: أنه بلغه قال علي للحسن والحسين (رضي الله عنهم): إذا مت أنا فاحملاني على سرير، ثم اتيا بي الغري - وهو نجف الكوفة - فانكما تريان صخرة بيضاء تلمع نورا، فاحتفرا فانكما تجدان فيها ساحة فادفناني فيها. وروى ابن أبي الدنيا: انه خرج بعض من الصيادين زمن هارون الرشيد من الكوفة متصيدا بناحية الغري، فلجأت الظباء الى ناحية من الغري فقال:

[ 146 ]

أرسلنا عليها الصقور والكلاب، فرجعت الكلاب والصقور، فأخبرنا الرشيد، فكان يزوره في كل عام. وقال زين الدين أبو الرشيد الحافظ: لم يزل قبر علي (ض) مختفيا الى زمن الرشيد، ثم ظهر بالغري بظاهر الكوفة ويزوره الى اليوم الناس، وصار قبره مأوى كل لهيف وملجأ كل هارب. وفي شرح الكرماني لصحيح البخاري: كان علي (كرم الله وجهه) حسن الوجه كأن القمر ليلة البدر، ضحوك السن. وفي الاربعين لتاج الاسلام الخدآبادي البخاري: كان علي (ض) حسن الوجه، شديد الادمة، مربوعا، أصلع، عظيم العينين، عظيم البطن، كثير الشعر، طويل اللحية، قد ملات ما بين منكبيه، خضب بالحنا مرة، ولم يكن أعضاؤه وأطرافه مستوية متناسبة، حتى وصفه بعضهم وقال: كأنه كسرت أعضاؤه ثم جبرت. وضمه رسول الله (ص) الى نفسه في القحط الذي كان بمكة قبل البعثة، وتولى تربيته وعلمه. وعن عبد الله بن العباس (رضي اله عنهما) قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب علم الظاهر والباطن. عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: أوتي عمر بن الخطاب (ض) بامرأة مجنونة حبلى قد زنت، فأراد عمر بن الخطاب أن يرجمها، فقال له علي: يا أمير المؤمنين أما سمعت ما قال رسول الله (ص): رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يبرء، وعن الغلام حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ. فخلى عنها. وفي عدة من المسائل رجع عمر الى قول علي (رضي الله عنهما) فقال عمر: " عجزت النساء أن يلدن مثل علي ".

[ 147 ]

و (لولا علي لهلك عمر). ويقول أيضا: " أعوذ بالله من معضلة ليس فيها علي ". وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي النيشابوري في كتابه (تاريخ مشايخ الصوفية ": قال الشيخ جنيد قدس سره: إن أمير المؤمنين علي (ض) لو تفرغ الينا عن الحروب لوصل الينا عنه من هذا العلم مالا يقوم له القلوب. وقال أيضا: صاحبنا في هذا الامر الذي أشار الى ما تضمنه القلوب وأومأ الى حقائقه بعد نبينا (ص) علي بن أبي طالب (ض) وجعفر الصادق (ض) فاق جميع أقرانه من أهل بيته (انتهى). وفي شرح التعرف: إن عليا (ض) رأس كل العرفاء باتفاق الامة، وله كلام ما قال أحد قبله ولا بعده، وذلك لما صعد على المنبر وقال: سلوني، فان ما بين جنبي علما جما، هذا لعاب رسول الله (ص) في فمي، هذا ما زقني رسول الله (ص) زقا زقا، فوالذي نفسي بيده لو أذن لي في التوراة والانجيل فأخبرت بما فيهما فصدقاني على ذلك. واعلم أن أولاد أمير المؤمنين علي (رضي الله عنهم) في أكثر الروايات " خمسة وثلاثون " ولدا، ذكورهم تسعة عشر. وكان الحسن والحسين وزينب ورقية، وهي أم كلثوم، أمهم فاطمة الزهراء (رضي الله عنهم). وكانت زينب زوجها أبوها ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار، فولدت له عليا، وعونا، وعباسا، وغيرهم. وأما رقية وهي أم كلثوم، زوجها العباس بن عبد المطلب بعمر بن الخطاب

[ 148 ]

برضاء أبيها (رضي الله عنهم). وأعقابه من خمسة أبنائه أبو محمد الحسن السبط، وأبو عبد الله الحسين السبط، وأبو القاسم محمد بن الحنفية، امه خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة، وأبو القاسم عمر، أمه أم حبيب بنت الصهباء الثعلبية، وأبو الفضل العباس، أمه أم البنين الكلابية. * ويقول مؤلف هذا الكتاب: إن محمد بن الحنفية دخل في غار جبل بالطائف المسمى بجبل رضوى، ثم لم يخرج منه كما في التواريخ. وأما أبو القاسم عمر فتربته في نهاوند من أرض العجم. وأما أبو الفضل العباس فتربته في كربلا. وذريات أبو القاسم محمد بن الحنفية في بلاد ما وراء النهر وبلخ كثيرون، وسلطان العارفين خواجه أحمد يسوى، وإسماعيل أتا، ومير حيدر من ذرياته الطاهرة، وهما أيضا من أهل الولاية والعرفان وأصحاب الكرامات (قدس الله أسرارهم ورفع درجاتهم ووهب لنا بركاتهم وفيوضاتهم وسعاداتهم). وينسب جماعة الى إسماعيل أتا، وجماعة الى مير حيدر، فيقال: إنهم إسماعيل أتاي وإنهم مير حيدري. (انتهى). والعقب من ولد عبد الله بن جعفر من علي، والعقب من ولد علي في محمد وإسحاق وأم محمد بنت عبد الله بن العباس، ومن محمد كثر الجعفري وفيه قيل: قضى الله أن الجعفري محمدا * هو البدر ذو الاشراق بين الكواكب

[ 149 ]

قالوا: ثلاثة بنو أعمام في زمن واحد كل منهم يسمى عليا، ثم بنوهم ثلاثة يسمى كل منهم محمدا، وكل منهم سيد جليل عالم عابد يصلح للامامة، وهم محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر، ومحمد بن علي بن جعفر الطيار، ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس (رضي الله عنهم) وهذه فضيلة لا يشاركهم فيها أحد. والمؤلف يشرح: ولما صلى علي (كرم الله وجهه) الظهر بالكوفة فقال: أين عبد الله بن العباس لم يحضر الصلاة ؟ قالوا: هو في داره ولد له ولد ذكر فبه مشغول. فقال: أخبروه أن يأتيني بمولوده. فأتى به فأخذه ومسحه بيده المبارك وسماه باسمه علي وقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، بلغ رشده، ورزقت بره. ثم قال: خذ مني اليك أبا الاملاك. فهو والد محمد، ومحمد من الفقهاء السبعة في المدينة، وهو والد أبي العباس عبد الله الملقب بالسفاح، وأبي جعفر المنصور الملقب بالدوانيقي، وهما أول الخلفاء العباسية، وبايع الناس أولا السفاح، وكان خليفة أربع سنين ونصف، وبنى بلدة قرب الكوفة وسماها (ها) شمية، ثم توفي بمرض الجدري، ثم بايع الناس أخاه أبا جعفر المنصور فبنى سور بغداد، كما في شرح نهج البلاغة. وفي الدر المنظم قال علي (كرم الله وجهه) في خطبة المسماة بخطبة البيان: يا أبا العباس كن إمام الناس ويا منصور تقدم الى بناء السور. أي سور بغداد، إشارة الى خلافتهما. (انتهى الشرح).

[ 150 ]

والجعفريون كثيرون في سمرقند وبخاري، منهم الامام أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد الصفدي ممن سكن بخارى: كان إماما فاضلا مناظرا، توفي رحمه الله سنة إحدى وستين وأربعمائة. وفي كتاب السمعاني رحمه الله: أبو بكر محمد بن علي بن حيدر بن حمزة بن اسماعيل ابن عبد الله بن الحسن بن محمد بن جعفر بن القاسم بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيار الجعفري، من أهل بخارى يحب الحديث وأهله، سمع منه الحافظ أبو عبد الله محمد البخاري، صاحب كتاب صحيح البخاري، وروى عنه أبو عمرو عثمان بن علي البيكندي ببخارى، وذكره عبد العزيز بن محمد النخشبي من شيوخه. قال الامام النووي المحدث: ولما استشهد جعفر (ض). بأرض الشام مؤته على مرحلتين من بيت المقدس، ورأى النبي (ص) عبد الله بن جعفر بعد رجوعه من الغزوة قرب المدينة ركبه على ناقته، وجعله في قدامه، ودعا له وقال: اللهم اخلف جعفرا في عقبه، وأردف قثم بن العباس فاستشهد بسمرقند. وتوفي عبد الله بن جعفر الطيار (رضي الله عنهما) بالمدينة سنة ثمانين من الهجرة، وهو الصحيح. وقال جماعة: توفي سنة تسعين. وهو الجواد ابن الجواد، ولم يبايع النبي (ص) من لم يحتلم إلا الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس (رضي الله عنهم). وقال مسلم بن قتيبة في كتابه " المعارف ": أولاد عبد الله بن جعفر الطيار سبعة عشر ولدا ذكورا وبنتين، منهم علي والعباس وعون الاكبر وجعفر الاكبر، أمهم زينب بنت علي من فاطمة الزهراء (رضي الله عنهم)، ومن البنين إسماعيل

[ 151 ]

وإسحاق والقاسم لامهات الاولاد (رضي الله عنهم). فأولاد الحسن السبط بن علي (رضي الله عنهم) الحسن المثنى بن الحسن، وزيد ابن الحسن، والحسين بن الحسن، وعمر بن الحسن. وأما أعقاب الحسن السبط فمن عبد الله المحض، شيخ العترة عمره مائة سنة، ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط، وإبراهيم بن الحسن المثنى، والحسن المثلث ابن الحسن المثنى، وأمهم فاطمة بنت الحسين (رضي الله عنهم)، وجعفر بن الحسن المثنى وداود بن الحسن المثنى، وأمهما أم الولد، فهؤلاء الخمسة لهم أعقاب. والسادس حسن بن زيد بن الحسن السبط، له سبعة أبناء، أعقب كل واحد منهم. وأما عمر بن الحسن الاول فلم يعتب. وأما الحسين بن الحسن الاول فله بنت هي فاطمة أم إسماعيل بن جعفر الصادق (رضي الله عنهم). وكان للحسين (ض) ثلاثة أبناء وبنتين: علي الاصغر، وهو الامام زين العابدين، لقب بالاصغر لانه ولد في حياة جده، وعند وفاة جده كان ابن سنتين، فجده أمير المؤمنين علي الاكبر وهو الاصغر (رضي الله عنهما)، وفي حادثة كربلا كان ابن اثني وعشرين سنة، وكان عليلا بالاسهال، فلم يقدر أن يخرج إلى الحرب. أمه شهربانو بنت يزدجرد بن شهريار بن شبرويه بن پرويز بن هرمز بن انوش - روان، الملك العادل، آتوها مع أختها كيهان بانو من حدود فارس في خلافة عثمان بن عفان (ض) فأراد أن يبيعهما، قال له علي (كرم الله وجهه):

[ 152 ]

لا يعامل في بني الملوك معاملة سائرهم. فتزوج الحسين شهربانو، فولدت له علي الاصغر، وتزوج محمد بن أبي بكر كيهان بانو، فولدت له القاسم. قالوا: أنظر الى بركة العدل حيث جعل الله - تبارك وتعالى - الائمة المهديين من نسل الحسين (رضي الله عنهم) من بنت يزدجرد المنتسب الى كسرى أنوش - روان الملك العادل دون سائر زوجاته. وواحد من البنين: علي الاكبر، فاستشهد بالحرب وعمره ثمانية عشر، وأمه ليلى بنت مرة بن عروة بن مسعود الثقفي. وواحد منهم: عبد الله، كان طفلا أصابه سهم فاستشهد. وفاطمة وسكينة، وأما فاطمة فخرجت إلى ابن عمها الحسن المثنى فولدت له ثلاثة: عبد الله المحض وإبراهيم والحسن المثلث. وأما سكينة فخرجت الى مصعب بن الزبير. وكان الحسين يحب سكينة وأمها (رضي الله عنهم) وهي رباب الكلبية، وفيهما قال الحسين (رضي الله عنهم): لعمرك إنني لاحب دارا * تحل بها سكينة والرباب والعقب من ولد الحسين (ض) في ولد واحد، وهو الامام زين العابدين (ض)، وأولاده عشرون، أحد عشر ابنا وتسع بنات، منهن فاطمة، سكينة وخديجة، فخديجة خرجت الى محمد بن عمر بن علي (رضي الله عنهم) فولدت له عدة أولاد. وأما أعقاب الامام زين العابدين، فمنهم أبي جعفر محمد الباقر، أمه أم عبد الله بنت الحسن السبط، وزيد الشهيد المصلوب بالكوفة، وهو جد شرفاء اليمن، وعبد الله الباهر وتربته في الموصل، وعمر الاشرف، والحسين الاصغر، وعلي، فمن هؤلاء الستة لزين العابدين (رضي الله عنهم) أعقاب.

[ 153 ]

وسائر أبنائه الحسن، والحسين الاكبر، والقاسم، وسليمان، وعبد الرحمن (رضي الله عنهم). والعقب من ولد واحد، وهو جعفر الصادق (رضي الله عنهما) وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (رضي الله عنهم). وأعقب كل واحد من أولاد جعفر الصادق (رضي الله عنهم) هم: إسماعيل، جد الخلفاء الفاطميين في المغرب ومصر، ومصر الجديد من بنائهم، وموسى الكاظم، ومحمد الديباج، وإسحاق، وعلي وتربته خارج بلد قم قرب باب الجنوبي (رضي الله عنهم). وحج الحسين (ض) خمسة وعشرين حجة ماشيا، ولما استشهد، استشهد معه عثمان وأبو بكر وجعفر وعباس، كلهم أبناء علي (رضي الله عنهم)، وكانت أمهم أم البنين الكلبية، وإبراهيم بن علي لام ولد، وعبد الله بن الحسن المجتبى، وخمسة من ولد عقيل، وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر الطيار، فجميعهم سبعة عشر رجلا، واثني عشر غلاما من بني هاشم. قالت فاطمة بنت عقيل ترثيه: عين ابكي بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول ستة كلهم لصلب علي * قد أصيبوا وخمسة لعقيل فمن أئمة أهل البيت الامام زين العابدين (ض). * قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين (رضي الله عنهما). * وروى نحوه عن جماعة من السلف، منهم سعيد بن المسيب وقال: بلغني أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة الى أن توفي.

[ 154 ]

* وسمي زين العابدين لكثرة عبادته، وكان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين (ض) يبكي ويقول: زين العابدين. * وإنه إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم. * وعن سفيان بن عيينة قال: حج زين العابدين ؟ فلما أحرم اصفر لونه، وعرضت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فسئل عنه، قال: أخشى أن أقول لبيك فيقول لي: لا لبيك. فلما لبى غشي عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعترضه ذلك حتى قضى حجه. وكان إذا هاجت الريح سقط مغشيا عليه. * ووقع حريق في بيت هو فيه ساجد وقالوا: يابن رسول الله، النار النار، فما رفع رأسه، وطفي النار. فقيل له في ذلك قال: ألهتني عنها نار الاخرى. * وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرين عبدوه شكرا فتلك عبادة الاحرار. وكان لا يحب أن يعينه أحد على طهوره، ويجعل هو الماء مهيأ لطهوره، وهو يستر فم الاناء في الليل، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ويتوضأ ويصلي، ويقضي ما فاته من ورد النهار. وافترى رجل عليه فقال له: إن كنت كما قلت فاستغفر الله تعالى، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك. فقام الرجل وقبل رأسه وقال: يابن رسول الله، لست كما قلت، فاستغفر لي. قال: غفر الله لك.

[ 155 ]

فقال الرجل: الله يعلم حيث يجعل رسالته. وكان (ض) يقول: أيها الناس أحبونا بحب الاسلام وبحب نبيكم، فما برح بنا حبكم من غير التقوى حتى صار علينا عارا. وقال لرجل: بلغ شيعتنا إنا لا نغني عنهم من الله شيئا، وإن ولايتنا لا تنال إلا بالورع. وقال: معاشر الناس أوصيكم بالآخرة، ولا أوصيكم بالدنيا. وكان إذا مشى لا يجاوز يده ركبته، وكان شديد الاجتهاد في العبادة، فأضر ذلك بجسمه، فقال له ابنه محمد الباقر: يا أبت كم هذا الجد والجهد والذوب ؟ فقال: ألا تحب أن يزلفني ربي. وكان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله. وكان له مسجد في بيته يتعبد فيه، وإذا كان من الليل ثلثه أو نصفه نادى بأعلى صوته: اللهم إن هول المطلع، والوقوف بين يديك أوحشني من وسادي، ومنع رقادي. ثم يضع خديه على التراب، فيجئ إليه أهله وولده يبكون حوله ترحما له وهو لا يلتفت إليهم ويقول: اللهم إني أسألك الروح والراحة حين ألقاك وأنت عني راض. قال طاووس اليماني: رأيت علي بن الحسين (رضي الله عنهما) ليلة عند الركن - أي الحجر الاسود - فجلست وراءه، فصلى وسجد وعفر خديه في التراب، ورفع باطن كفه الى السماء، وقال: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك. قال طاووس: فما دعوت بهن في كرب إلا فرج الله عني.

[ 156 ]

ولد سنة ثمان وثلاثين، وكان ثقة مأمونا، كثير الحديث، عاليا رفيعا، وأجمعوا على جلالته في كل شئ. وقال حماد بن زيد: كان أفضل هاشمي أدركته. وكان إذا سافر كتم نسبه، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أكره أن آخذ برسول الله ما لا أعطيني اياه. وفي " حلية الاولياء " للحافظ أبي نعيم الاصبهاني: حكى ابن حمدون عن الزهري: إن عبد الملك بن مروان أمر أعوانه أن يحملوا الامام زين العابدين مقيدا من المدينة إلى الشام بأثقلة من حديد، ووكل به حفظة، فدخل عليه الزهري يودعه فبكى وقال: وددت أني مكانك. فقال: أتظن أن ذلك يكربني، لو شئت لاخلص منه، وإنه ليذكرني عذاب الله تعالى. ثم أخرج رجليه من القيد ويديه من الغل، ثم قال: لاجوزن معهم على هذا يومين. قال الزهري: فما مضى يومان إلا فقدوه حين طلع الفجر وهم يرصدونه، فطلبوه فلم يجدوه. قال الزهري: ثم قدمت على عبد الملك بالشام فسألني عنه فأخبرته. فقال عبد الملك: قد جاءني يوم فقده الاعوان، فدخل علي فقال: ما أنا وأنت ؟ فقلت: أقم عندي. فقال: لا أحب. ثم خرج فوالله لقد امتلأ قلبي منه خيفة. أخرج أبو نعيم الحافظ في " الحلية "، والطبراني في " الكبير " والحافظ السلفي، وذكر أهل السير والتواريخ: لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه طاف

[ 157 ]

بالبيت، فلم يقدر أن يصل إلى الحجر الاسود لكثرة الازدحام، فنصب له منبر، فجلس عليه وهو ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان الشام، فرأى الامام زين العابدين (ض) أحسن الناس وجها، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الاسود تنحى له الناس حتى استلم. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي هاب الناس من هيبته ؟ فقال هشام: لا أعرفه. مخافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان الفرزدق حاضرا فقال: أعرفه. فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس ؟ فأنشأ: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها * الى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى الى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا تبين نور الهدى من نور طلعته * كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم مشتقة من رسول الله خلقته * طابت عناصره والخلق والشيم من معشر حبهم دين وبغضهم كفر * وقربهم منجى ومعتصم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا فلما سمعها هشام غضب وحبس الفرزدق، فأرسل إليه المام زين العابدين (ض) إثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء. فقال: إنا أهل البيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده. فقبلها الفرزدق. قال الشيخ أبو عبد الله القرظي شيخ الحرمين الشريفين: لو لم يكن لابي فراس عند الله (عزوجل) عمل إلا هذا دخل الجنة لانها كلمة حق عند سلطان جائر.

[ 158 ]

وهجا هشاما وهو في الحبس: أيحبسني بين المدينة والتي إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها فأخرجه من الحبس، وكان هشام أحولا. وفضائله كثيرة شهيرة، وهذه نبذة يسيرة. وتوفي (ض) بالمدينة سنة خمس وتسعين، وعمره سبع وخمسين سنة، ودفن في القبة التي فيها العباس، وعمه الحسن، ثم دفن فيها ابنه محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق (رضي الله عنهم) فلله درها من قبة ما أكرمها وأشرفها. ولما توفي زين العابدين (ض) وجد في ظهره مجل، لانه يحمل الاطعمة لضعفاء جيرانه والمساكين بالليل فيطعمها، ويقول: بلغني أن صدقة السر تطفئ غضب الرب. وإن الله - تبارك وتعالى - خلق من صلب الامام زين العابدين (ض) من شاء من أهل بيت النبوة، وبسطهم شرقا وغربا، ولم يبق من يزيد وأهل بيته ديار، بل نافخ نار، والله أصدق القائلين حيث يقول: (إنا أعطيناك الكوثر) و (إن شانئك هو الابتر). والكوثر: فوعل من الكثرة، وهو إفراط الكثرة في النسل. ومن أئمة أهل البيت أبو جعفر محمد الباقر، سمي بذلك لانه بقر العلم، أي شقه فعرف أصله وعلم خفيه، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي (رضي الله عنهم)، والباقر أول علوي ولد بين علويين، وهو تابعي جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته وكماله.

[ 159 ]

ومن كلامه: سلاح اللئام قبح الكلام. ومن كلامه: يا بني إياك والكسل والضجر فانهما مفتاح كل شر. وسمع جابرا، وأنسا، وابن المسيب، وابن الحنفية، وأباه (رضي الله عنهم). وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رياح، وعمر بن دينار، والاعرج، والزهري، وخلائق اخر. قال بعضهم: ما رأيت العلماء كان أقل علما إلا عند الامام محمد الباقر (ض). وله ستة أبناء: منهم: أبو عبد الله جعفر الصادق، ومنه عقب الباقر (رضي الله عنهما) ومنهم: عبد الله، وعلي، وزيد، وعبيد الله، وإبراهيم (رضي الله عنهم). وله ثلاث بنات: منهن: أم سلمة، وزينب الصغرى، وهي خرجت الى عبيد الله ابن محمد بن أبي القاسم عمر بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم). وتوفي (ض) سنة ثمان عشرة ومائة وعمره ثلاث وستين. وقال الواقدي: عمره ثلاث وسبعين سنة. ومن أئمة أهل البيت أبو عبد الله جعفر الصادق (ض)، وأمه وأم أخيه عبد الله، أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (رضي الله عنهم). والقاسم من الفقهاء السبعة المشهورين. وكان جعفر الصادق من سادات أهل البيت. روى عن أبيه، وعن القاسم، ونافع، وعطا، ومحمد بن المنكدر، والزهري. وروى عنه ابنه موسى الكاظم (رضي الله عنهما)، ويحيى بن سعيد الانصاري، وأبو حنيفة، وابن جريج، ومالك، ومحمد بن إسحاق، وسفيان الثوري،

[ 160 ]

وسفيان بن عيينة، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان رحمهم الله. واتفقوا على جلالته وسيادته. قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في " طبقات مشايخ الصوفية ": جعفر الصادق، فاق جميع أقرانه من أهل البيت، وهو ذو علم غزير في الدين، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وأدب كامل في الحكمة. وقال (ض): من غرق في بحر المعرفة لم يقف في شط، ومن ترقى الى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، ومن آنس بالله توحش عن الناس، ومن استانس بغير الله نهبه الوسواس. وقال في قوله تعالى: (قل هو الله أحد) (1): إن الحقائق مصونة عن أن يبلغها وهم أو فهم، وإظهار ذلك بالحروف ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد. قال عمر بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت الى جعفر الصادق (ض) علمت أنه من سلالة النبيين. ولد سنة ثمانين بالمدينة، وتوفي في شوال سنة ثمانية وأربعين ومائة وعمره ثمان وستين. وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألف تلميذه جابر بن حيان الصوفي كتابا يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائل، وهي خمسمائة رسالة كما في تاريخ الامام اليافعي اليماني. وكتب أبو سلمة الخلال وكان من دعاة الناس الى موالاة أهل البيت، وأبو مسلم المروزي تابعا له الى ثلاثة نفر هم: جعفر الصادق، وعمه عمر الاشرف، وعبد الله المحض بن الحسن المثنى (رضي الله عنهم)، فبدأ الرسول جعفر الصادق ودخل عليه ليلا وبلغ كلامه.


(1) الاخلاص / 1. (*)

[ 161 ]

فقال: ما أنا وأبو سلمة. فقال الرسول: إقرأ الكتاب ثم قل الجواب. فقال لخادمه: قرب السراج فأحرقه، وقال للرسول: قد رأيت الجواب. فذهب الرسول الى عبد الله المحض فقرأ الكتاب ومال الى خلافة ابنيه محمد الملقب بالنفس الزكية وإبراهيم، ودعا جعفر الصادق واستشاره. فقال له جعفر: قد علم الله أني لا أدخر النصح لاحد من المسلمين، فكيف أدخره عنك يا عمي فلا تتمنين نفسك فان هذه الدولة تتم لبني العباس، فوقع كما قال. وأما عمر الاشرف فكان غائبا. وأرسل أبو مسلم المروزي صاحب الدولة الى جعفر الصادق (ض) وقال: إني دعوت الناس الى موالاة أهل البيت فان رغبت فيه فأنا أبايعك. فأجابه: ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني. ثم جاء أبو مسلم الكوفة، وبايع السفاح وقلده الخلافة. وجرت بين زيد الشهيد وبين أخيه محمد الباقر (رضي الله عنهما) مباحثات في خروج زيد على بني أمية. قال له الباقر (رضي الله عنهما): إن والدك زين العابدين (ض) لم يخرج قط، ولا تعرض للخروج. فخرج زيد فذهب إلى الكوفة، وقتل وصلب، وهرب ابنه يحيى بن زيد، ومضى الى خراسان، واجتمع عليه بعض الناس، وقد وصل الخبر الى جعفر الصادق، فقال (ض): إنه يقتل كما قتل أبوه، ويصلب كما صلب أبوه، فقتل بالجوزجان،

[ 162 ]

يقال له " سرپول "، وصلب وبقي مصلوبا طريا الى أن جاء أبو مسلم المروزي فدفنه في الجوزجان. وعرفهم أن أباه الباقر (رضي الله عنهما) أخبره بذلك كله، وقال: إن بني أمية يتطاولون على الناس ولو طاولتهم الجبال لطالوا عليها. دعى أبو جعفر المنصور وزيره ليلة وقال: ائتني جعفر الصادق حتى أقتله. قال: هو رجل أعرض عن الدنيا وتوجه لعبادة المولى فلا يضرك. قال المنصور: إنك تقول بامامته والله إنه إمامك وإمامي وإمام الخلائق أجمعين، والملك عقيم فائتن به. قال الوزير: فذهبت ودخلت عليه فوجدته في الصلاة، وبعد فراغه قلت له: يدعوك أمير المؤمنين. فقام وانطلق بي وقبل مجيئه قال المنصور لعبيده: إذا رفعت قلنسوتي عن رأسي اقتلوه. قال الوزير: لما جئنا بالباب استقبله المنصور وأدخله وأجلسه في الصدر، وركع بين يديه. فقال: سل حاجتك يابن رسول الله. قال: حاجتي أن لا تدعني حتى آتيك باختياري، وخلني بيني وبين عبادة ربي. قال: لك ذلك. وانصرف، واقشعر المنصور ونام، وألقينا عليه الاثواب، وقال لي: لا تذهب حتى أن أستيقظ، فنام نومة طويلة حتى فاتت صلاته من الاوقات الثلاثة، ثم انتبه وتوضأ وصلى الفائتة، فسألته: ما وقع لك ؟ قال: لما قدم الصادق في داري رأيت ثعبانا عظيما أحد شفتيه فوق الصفة والآخر تحتها ويقول بلسان فصيح:

[ 163 ]

إن آذيته أبتلعك مع الصفة. وقال العالم عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي اليماني نزيل الحرمين الشريفين في تاريخه: كان جعفر الصادق (ض) واسع العلم، وافر الحلم، وله من الفضائل والماثر ما لا يحصى. والعقب في خمسة أبنائه: إسماعيل، وموسى الكاظم، وإسحاق، ومحمد الديباج، وعلي. ولهم أعقاب. وعبد الله أخو إسماعيل من أبيه وأمه، فأمهما فاطمة بنت الحسين الاثرم بن الحسن المجتبى، وكان عبد الله أسن أولاد الصادق، مات بعد أبيه بسبعين يوما، وإسماعيل في حياة أبيه وقبره بالبقيع، وكان أبوه يحبه حبا شديدا، وله ولد يسمى بمحمد، ومن ولده الائمة بمصر والمغارب وهم كثيرون. ومحمد الديباج مات سنة ثلاث ومائتين بجرجان، ونزل المأمون في قبره، وكان عاقلا شجاعا متنسكا، يصوم يوما ويفطر يوما، (رضي الله عنهم). ومن أئمة أهل البيت أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق (رضي الله عنهما) أمه جارية اسمها حميدة، وكان (ض) صالحا، عابدا، جوادا، حليما، كبير القدر، كثير العلم، كان يدعى بالعبد الصالح، وفي كل يوم يسجد لله سجدة طويلة بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال. وبعث الى رجل يؤذيه صرة فيها ألف دينار. فطلبه المهدي بن المنصور من المدينة الى بغداد فحبسه، فرأى المهدي في النوم عليا (كرم الله وجهه) يقول: يا مهدي (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) (1). قال الربيع الوزير: أرسلني المهدي إليه ليلا فدخلت عليه وهو يقرأ هذه الآية في


(1) محمد / 22. (*)

[ 164 ]

الحبس، وكان أحسن الناس صوتا، فجئته به فعانقه وأجلسه الى جنبه وقال: يا أبا الحسن إني رأيت جدك أمير المؤمنين عليا (ض) في المنام يقرأ هذه الآية علي، فلذلك خلصتك من الحبس، أفتؤمنني أن لا تخرج علي أو على أحد من أولادي ؟ فقال (ض): ما فعلت ذلك ولا هو من شأني. قال: صدقت. فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، ورده الى أهله بالمدينة. ثم هارون الرشيد طلبه الى بغداد فحبسه الى أن توفي في حبسه، وهذه القصة بالاتفاق. وروي أن هارون الرشيد قال: رأيت في المنام حسن المجتبى (ض) ومعه حربة وقال لي: أطلق موسى الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، واعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام في بغداد فلك ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فلك ذلك، فاستيقظ ثم أطلقه وأعطاه ثلاثين ألف درهم. فاختار المدينة. وإن الكاظم (ض) قال: رأيت في المنام أن رسول الله (ص) قال: يا موسى حبست مظلوما فقل هذه الكلمات، فانك لا تبيت هذه الليلة في الحبس. فقلت: بأبي وأمي ما أقول ؟ وقال: قل: يا سامع كل صوت، ويا كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى، وباسمك الاعظم الاكبر المخزون المكنون، الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليما ذا أناة لا يعرى أحد عن أناته، ويا ذا المعروف الذي لم ينقطع أبدا ولا يحصى عددا، فرج عني. فلو كانت هذه الرواية صحيحة كان حبسه مرتين. وقال جعفر الصادق (ض): هؤلاء أولادي، وهذا سيدهم وأشار إلى ابنه الكاظم.

[ 165 ]

وقال أيضا: هو باب من أبواب الله تعالى يخرج الله - تبارك وتعالى - منه غوث هذه الامة، ونور الملة، وخير مولود، وخير ناشي. وروى المأمون عن أبيه الرشيد أنه قال لبنيه في حق موسى الكاظم: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده، أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وإنه والله لاحق بمقام رسول الله (ص) مني ومن الخلق جميعا، ووالله لو نازعني في هذا الامر لآخذن بالذي فيه عيناه فان الملك عقيم. وقال الرشيد للمأمون: يا بني هذا وارث علم النبيين، هذا موسى بن جعفر، إن أردت العلم الصحيح تجده عند هذا. قال المأمون: من حينئذ انغرس في قلبي حبه. وتوفي (ض) في الحبس يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وعمره خمس وخمسين، ودفن بالجانب الغربي من بغداد بمقابر قريش. والعقب في أربعة عشر رجلا من ولده وهم الموسويون علي الرضا، إبراهيم، عباس، محمد، عبد الله، عبيد الله، جعفر، حمزة، زيد، هارون، اسحاق، الحسن، الحسين، سليمان. فهؤلاء عقبوا. وسائره: عبد الرحمن، والفضل، وأحمد، وعقيل، والقاسم، ويحيى، وداود. وله سبع وثلاثين ابنا غير الاطفال، فيكون جميع ولده تسعا وخمسين. ومن بناته آمنة قبرها بمصر. ومن بناته فاطمة قبرها ببلدة قم (رضي الله عنهم). وعن علي الرضا (ض) أنه قال: من زارها فله الجنة (رضي الله عنها). ومن أئمة أهل البيت أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم (رضي الله عنهما).

[ 166 ]

ولد يوم الخميس بالمدينة لاحدى عشر ليلة خلت من ربيع الاول سنة ثلاث وخمسين ومائة، وعمره تسعة وأربعين سنة وستة أشهر، منها مع أبيه كان تسعا وعشرين سنة وشهرين، وبعد أبيه أيام إمامته عشرين سنة وأربعة أشهر. وقام بالامامة وهو ابن تسع وعشرين سنة وشهرين. وأمه أم ولد اشترتها له حميدة جدته أم أبيه موسى الكاظم، وكانت أمه من أشراف العجم، وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها، واعظامها لمولاتها حميدة، حتى أنها ما جلست بين يديها منذ ملكتها إجلالا لها. وكان الرضا (ض) يرتضع كثيرا وكان تام البدن فقالت أمه: أعينوني بمرضعة. فقيل لها: أينقص درك ؟ قالت: ما نقص دري ولكن يفوت علي ورد من صلاتي وتحميدي وتسبيحي. وقالت: لما حملت بابني علي الرضا لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحا وتحميدا وتهليلا من بطني. فلما وضعته وقع الى الارض واضعا يده على الارض رافعا رأسه الى السماء، متحركا شفتيه كأنه يناجي ربه، فدخل أبوه فقال لي: هنيئا لك كرامة ربك (عزوجل)، فناولته إياه فاذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، فحنكه بماء الفرات. وعن موسى الكاظم إنه قال: رأيت رسول الله (ص) وأمير المؤمنين علي معه فقال (ص): يا موسى ابنك ينظر بنور الله (عزوجل)، وينطق بالحكمة يصيب ولا يخطئ، يعلم ولا يجهل، قد ملا علما وحكما. وقال أيضا: علي ابني أكبر ولدي، وأسمعهم لقولي وأطوعهم لامري، من أطاعه رشد.

[ 167 ]

ولما أراد المأمون أن يتقرب إلى الله والى رسوله (1) بالبيعة لعلي الرضا (ض) وجهه من مرو خراسان، وجاء ابن أبي الضحاك، وكتب إليه أن يقدم الى مرو، فاعتل عليه بعلل كثيرة، فما زال المأمون يكاتبه حتى علم الرضا انه لا يكف عنه، فخرج من المدينة وسار على طريق البصرة والاهواز وفارس ونيشابور حتى دخل مرو الشاهجان، فعرض عليه المأمون الخلافة فأبى، وجرت في ذلك مخاطبات كثيرة، وألح عليه المأمون مرة بعد أخرى وفي كلها يأبى. وقال: بالعبودية لله أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو الرفعة عند الله تعالى. وكلما ألح عليه يقول: اللهم لا عهد إلا عهدك، ولا ولاية إلا من قبلك، فوفقني لاقامة دينك وإحياء سنة نبيك، فانك نعم المولى ونعم النصير. فقال المأمون: إن لم تقبل الخلافة فكن ولي عهدي. فأبى أيضا وقال: والله لقد حدثني أبي عن آبائه (رضي الله عنهم) عن رسول الله (ص): إتي أخرج من الدنيا قبلك مظلوما تبكي علي ملائكة السماء والارض، وأدفن في أرض الغربة. ثم ألح المأمون إلحاحا كثيرا، فقبل ولاية العهد وهو باك حزين، على شرط أن لا ينصب أحدا معزولا، ولا يعزل أحدا منصوبا، فرضى المأمون ذلك الشرط وجعله ولي عهده وأمر الناس بالبيعة له، وأمر الجنود أن يرزق من خزائنه، وضربت الدراهم والدنانير باسمه، وأمر الناس بلبس الخضرة وترك السواد، وزوجه ابنته أم حبيب، فبويع بولاية العهد لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين.


(1) لم يرد المأمون بذلك التقرب الى الله جل وعلا إنما كانت مؤامرة أراد بها المأمون أن يضع الامام رهن الاقامة الجبرية تحفه العيون والجواسيس ثم يقضي عليه بالتالي بما لا يحرك عليه ساكنا. ولهذا رفض الامام وألح المأمون فأرد الامام أن يفهم المأمون أن المؤامرة لم تنطل عليه فأخبره بما سمع من أبيه كما سيأتي. (*)

[ 168 ]

ولما نظر المأمون الى أولاد العباس (ض) وهم ثلاثة وثلاثين ألفا من كبير وصغير، ونظر الى أولاد علي (ض) فلم يجد أحق بالخلافة من علي الرضا (ض). عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي قال: كنت مع علي الرضا (ض) حين خرج من نيشابور، وهو راكب بغلته الشهباء، فإذا أحمد بن الحرب، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، وعدة من أهل العلم، قد تعلقوا بلجام بغلته فقالوا: يابن رسول الله بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته عن أبيك عن آبائه (رضي الله عنهم). فأخرج رأسه الشريف من مظلته وقال: لقد حدثني أبي موسى، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، عن رسول الله (ص) انه قال: سمعت جبرائيل يقول: سمعت الله (جل جلاله) يقول: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله بالاخلاص دخل حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي. وفي رواية فلما مرت الراحلة نادانا: إلا بشروطها وأنا من شروطها. قيل: من شروطها الاقرار بأنه إمام مفترض الطاعة. وفي أنساب السمعاني: توفي الرضا (ض) سنة ثلاث ومائتين، وقد سم في ماء الرمان. وفي تاريخ اليافعي: توفي (ض) خامس ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين ببلدة طوس، وصلى عليه المأمون، وكان سبب وفاته (ض) أكل عنبا مسموما، ودفن بسناباد في القبة التي فيها قبر هارون الرشيد، ومن جانب قبلتها دفن (ض). وكان أسود اللون كأبيه الكاظم (رضي الله عنهما).

[ 169 ]

وولده محمد الجواد، وموسى، وفاطمة، وأعقب محمد. ومن أئمة أهل البيت أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضا، ولقبه التقي (ض)، وقبره ببغداد مع جده الكاظم تحت قبة واحدة، وزوجه المأمون ابنته أم الفضل، ونقلها الى المدينة، وكان المأمون ينفذ إليه كل سنة ألف ألف درهم، وتوفي الجواد (ض) سنة عشرين ومائتين، وله خمس وعشرون سنة. والعقب من ولده في رجلين: علي الهادي، وموسى المبرقع، فأولاد موسى بالري وقم وما قارب بها. وسائر أولاده: الحسن وحكيمة وأمامة وفاطمة (رضي الله عنهم). ومن أئمة أهل البيت أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد (رضي الله عنهما) ولقبه العسكري، والنقي، والزكي، والهادي. ولد بالمدينة سنة أربع وعشر ومائتين، أمه جارية اسمها سمانة. ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل أقدمه من المدينة الى سامراء وأسكنه بها، وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر الى أن توفي بها في أيام المعتز بالله، هو ابن المتوكل. وسامراء بلدة بناها المعتصم بالله لعساكره، ولما ضاقت بغداد على العساكر انتقل إليها بعسكره، ويقال: سر من رأى والعسكرية. وكان أبو الحسن علي الهادي عابدا، فقيها، إماما. قيل للمتوكل: إن في منزله أسلحة يطلب الخلافة، فوجه إليه رجالا هجموا عليه، فدخلوا داره، فوجدوه في بيته وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه

[ 170 ]

الشريف ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة، ليس بينه وبين الارض بساط إلا الرمل والحصى، وهو يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فحملوه إليه على ألبسته المذكورة فلما رآه عظمه وأجلسه الى جنبه، فكلمه فبكى المتوكل بكاء طويلا. ثم قال: يا أبا الحسن عليك دين ؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فأمر المتوكل بدفعها إليه ثم رده الى منزله مكرما. والعقب منه في رجلين: أبي محمد الحسن العسكري، وأخيه جعفر. ولما ادعى جعفر أن أخاه الحسن العسكري جعل الامامة فيه سمي الكذاب. والعقب من أبي عبد الله جعفر في ولده علي، وعقب علي في ثلاثة أبنائه: عبد الله وجعفر، وإسماعيل. قيل: إن جعفر تاب ورجع عن دعواه الامامة كما أن علي بن جعفر الصادق (رضي الله عنهم) مع أخيه محمد ظهرا بمكة وادعى علي الامامة، ثم تاب ورجع الى إمامة أخيه موسى الكاظم. وروي أن محمد الجواد دخل على عم أبيه علي بن جعفر الصادق، فقام واحترمه وعظمه، فقالوا: إنك عم أبيه وأنت تعظمه ؟ فأخذ بيده لحيته وتال: إذا لم ير الله هذه الشيبة للامامة أراها أهلا للنار، إذا لم أقر بامامته. وتوفي علي الهادي في سامراء يوم الاثنين في جمادى الآخر سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسامراء (ض).

[ 171 ]

ومن أئمة أهل البيت أبو محمد الحسن العسكري (ض). ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ووفاته يوم الجمعة السادس من ربيع الاول سنة ستين ومائتين ودفن بجنب أبيه. وكانت مدة بقاء الحسن العسكري بعد أبيه (رضي الله عنهما) ست سنين. ولم يخلف ولدا غير أبي القاسم محمد المنتظر المسمى بالقائم، والحجة، والمهدي، وصاحب الزمان، وخاتم الائمة الاثني عند الامامية، وكان مولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. وأمه أم ولد يقال لها نرجس توفي أبوه (ض) وهو ابن خمس سنين فاختفى إلى الآن (ض). وهو محمد المنتظر ولد الحسن العسكري (رضي الله عنهما) معلوم عند خاصة أصحابه وثقات أهله. ويروى أن حكيمة بنت محمد الجواد كانت عمة أبي محمد الحسن العسكري (رضي الله عنهما) تحبه، وتدعو له، وتتضرع إلى الله تعالى أن يرى ولده، فلما كانت ليلة النصف من شعبان سنة خامس وخمسين ومائتين، دخلت حكيمة عند الحسن فقال لها: يا عمتي كوني الليلة عندنا لامر، فأقامت. فلما كان وقت الفجر اضطربت نرجس، فقامت إليها حكيمة، فوضعت المولود المبارك، فلما رأته حكيمة أتت به الحسن (رضي الله عنهم) وهو مختون، فأخذه ومسح بيده على ظهره وعينيه، وأدخل لسانه في فيه، وأذن في أذنه اليمنى وأقام في الاخرى، ثم قال: يا عمة إذهبي به الى أمه، فردته الى أمه. قالت حكيمة: ثم جئت من بيتي الى أبي محمد الحسن فإذا المولود بين يديه في ثياب صفر، وعليه من البهاء والنور، أخذ حبه مجامع قلبي، فقلت: يا سيدي

[ 172 ]

هل عندك من علم في هذا المولود المبارك ؟ فقال: يا عمة هذا المنتظر الذي بشرنا به. فخررت لله ساجدة شكرا على ذلك، ثم كنت أتردد إلى الحسن فلا أرى المولود فقلت: يا مولاي ما فعل سيدنا المنتظر ؟ قال استودعناه الله الذي استودعته أم موسى (عليهما السلام) ابنها. وقالوا: آتاه الله - تبارك وتعالى - الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، كما قال: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا " (1) وقال تعالى: (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " (2) وطول الله - تبارك وتعالى - عمره كما طول عمر الخضر وإلياس (عليهما السلام). وقال بعض كبراء العارفين، يعني الشيخ محي الدين العربي (قدس الله سره) في ذكر المهدي (ض): فانه يكون معه ثلاثمائة وستون رجلا من رجال الله الكاملين يبايعونه بين الركن والمقام، أسعد الناس به أهل الكوفة، ويقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، يخرج على فترة من الدين، ومن أبى قتل، ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ما لو كان رسول الله (ص) كان يحكم به، وأعداؤه الفقهاء المقلدون يدخلون تحت حكمه خوفا من سيفه وسطوته ورغبة فيما لديه، يبايعه العارفون بالله تعالى من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، وله رجال يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة. هو السيد المهدي من آل أحمد * هو الوابل الوسمي حين يجود


(1) مريم / 12. (2) مريم / 29. (*)

[ 173 ]

وهو خليفة مسدد يفهم منطق الحيوان، ويسري عدله في الانس والجان. وقال بعض كبراء العارفين في معرفة سر سلمان الفارسي الذي ألحقه بأهل البيت: ولما كان رسول الله (ص) عبدا محضا قد طهره الله وأهل بيته تطهيرا كاملا وأذهب عنهم الرجس، وعن كل ما يشينهم فهم المطهرون، بل هم عين الطهارة، فهذه الآية تدل على أن الله قد أشرك أهل البيت برسول الله (ص) في قوله - تبارك وتعالى -: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " (1) فدخل الشرفاء أولاد فاطمة (رضي الله عنها) قاطبة كلهم، ولا يظهر حكم هذا الشرف لاهل البيت إلا في دار الآخرة، فانهم يحشرون مغفورا لهم، فلا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة بهم، وقد شهد الله بتطهيرهم (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " (2)، فسلمان منهم لقوله (ص): " (سلمان منا أهل البيت " بل أرجو أن يكون عقب علي (ض) مطلقا تلحقهم هذه العناية، وموالي أهل البيت منهم. فان ظهر منهم ظلم فذلك في زعمك ظلم، لا في نفس الامر، وإن حكم عليه ظاهر الشرع بأدائه، بل حكم ظلمهم يشبه جري المقادير علينا في المال والنفس بغرق أو بحرق، وغير ذلك من الامور المهلكة، فلتشكر الله أو تصبر، ليجزل أجرك، وان تنسب فيهم بسوء، والله ما ذلك إلا من نقص إيمانك ومن مكر الله بك، واستدراجه إياك من حيث لا تعلم، فلو كشف الله لك يا ولي الله منازلهم عند الله تعالى في الآخرة لوددت أن تكون مولى من مواليهم. وقال بعض كبراء العارفين: ومن الخيانة ترك ما سألك رسول الله (ص) بأمر


(1) الفتح / 2. (2) الحديد / 21. (*)

[ 174 ]

الله تعالى من المودة في قرابته وأهل بيته، فانه واحد من أهل بيته، فاعرف قدر أهل البيت. ولقد أخبرني الثقة بمكة قال: كنت أكره ما يفعله الشرفاء بمكة في الناس، فرأيت فاطمة (رضي الله عنها) في المنام وهي معرضة عني. فسلمت عليها وهي لا ترد السلام علي، فسألتها عن إعراضها. فقالت: إنك تقع في الشرفاء. فقلت لها: يا سيدتي ألا ترين ما يفعلون في الناس ؟ ! فقالت: أليس هم أولادي ؟ فقلت لها: تبت إلى الله، فأقبلت إلي واستيقظت. وقال الشيخ محي الدين العربي قدس سره بعد هذه الحكاية: فلا تعدل بأهل البيت خلقا * فأهل البيت هم أهل الشهادة فبغضهم من الانسان خسر * حقيقي وحبهم عبادة (انتهى فصل الخطاب).

[ 175 ]

الباب السادس والستون في إيراد ما في جواهر العقدين من القصص العجيبة وبركات أهل البيت النبوي (ص) للعلامة السيد الشريف نور الدين علي السمهودي الممري رحمه الله فمن ذلك ما في " توثيق عرى الايمان " للبازري: عن إبراهيم بن مهران قال: كان بالكوفة من جيراننا رجل قاض يكنى أبا جعفر، وكان إذا أتاه إنسان من العلوية يطلب ما عنده أعطاه وأخذ ثمنه، وإن لم يكن معه ثمن أعطاه وقال لغلامه: اكتب ما أخذه على علي بن أبي طالب (ض). فعاش كذلك زمانا ثم افتقر، فبينا هو (ذات يوم) جالس على باب داره ينظر في ذلك الدفتر إذ مر به رجل فقال له كالمستهزئ: ما فعل غريمك الكبير ؟ - يعني عليا (ض) - فاغتم القاضي. فلما كان الليل رأى النبي (ص) والحسن والحسين بين يديه فقال لهما: ما فعل أبوكما بهذا الرجل ؟ فأجابه علي فقال: يا رسول الله هذا حقه قد جئته به. قال: فأعطه. قال الرجل: فناولني كيسا من صوف وقال: هذا حقك. فقال لي النبي (ص): خذه ولا تمنع من جاءك من ولد علي يطلب ما عندك،

[ 176 ]

فامض لا فقر عليك بعد اليوم. قال: فانتبهت والكيس بيدي، فناديت امرأتي أن أسرجي، فأسرجت، فناولتها الكيس، فإذا فيه ألف دينار، فقالت لي: اتق الله إن سرقت مال هؤلاء التجار. فقلت: لا والله القصة كيت وكيت. قالت: فان كنت صادقا ننظر في الدفتر، فان كان فيه مساويا لالف دينار فانت صادق، فنظرت فيه فإذا فيه ألف دينار من غير زيادة أو نقصان (1). ومن ذلك ما رواه سبط ابن الجوزي: بسنده الى عبد الله بن المبارك، كان يحج سنة ويغزو سنة، فلما كانت السنة التي حج فيها قال: خرجت من مرو الشاهجهان، وخرجت بخمسمائة دينار الى سوق الجمال بالكوفة لاشتري جمالا، فرأيت امرأة على بعض المزابل تنتف ريش بطة. ميتة. فقلت لها: ما تفعلين بها ؟ قالت: لا تسألني عنها. فألححت عليها. فقالت: أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامى، وهذا اليوم الرابع ما أكلنا شيئا، وتد حلت لنا الميتة. قال: فقلت في نفسي: أين أنت عن هذه ؟ فصببت الدنانير في طرف ثوبها وهي مطرقة لا تلتفت إلي، ومضيت إلى المنزل، ثم جئت الى بلدي مرو وأقمت فيها حتئ حج الناس وعادوا، فخرجت أتلقى جيراني وأصحابي، فقلت لكل من لقيني: قبل الله حجك وشكر سعيك، يقول لي: وأنت قبل الله حجك وشكر


(1) جواهر العقدين 2 / 276 (نقل قصص الباب باختلاف لفظي يسير). (*)

[ 177 ]

سعيك، قد اجتمعنا في مكان كذا وكذا، فبت مفكرا في ذلك، فرأيت النبي (ص) في المنام يقول لي: يا عبد الله إنك أغثت ملهوفة من ولدي، سألت الله أن يخلق على صورتك ملكا يحج عنك كل عام الى يوم القيامة (1). ومن ذلك ما رواه أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه " الملتقط "، قال: كان ببلخ رجل من العلويين وله زوجة وبنات، فتوفي الرجل، فخرجت المرأة بالبنات الى سمرقند خوفا من الاعداء، فأدخلت البنات مسجدا في شدة البرد، فمضت في سكك البلد، فرأت الناس مجتمعين على شيخ هو شيخ البلد، فقالت له حالها. فقال لها الشيخ: أقيمي عندنا البينة أنك علوية، فيئست منه، وعادت إلى المسجد فرأت شيخا على دكان وحوله جماعة، وهو مجوسي، فشرحت حالها له فقال لخادمه: قل لسيدتك: إذهبي مع هذه المرأة إلى المسجد الفلاني واحملي بناتها إلى الدار. فجاءت بالبنات فاسكنهن في دار مفرد، وكساهن ثيابا نفيسة، وأطعمهن أطعمة لطيفة. فلما كان نصف الليل رأى شيخ البلد المسلم في منامه قصرا من الزمرد الاخضر فقال: لمن هذا القصر ؟ فقيل: لرجل مسلم. فقال: يا رسول الله أنا رجل مسلم. فقال له: أقم البينة عندي أنك مسلم، ونسيت ما قلت للعلوية، وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره. فانتبه الرجل ويبكي فأخبر أنها في دار المجوسي، فجاء إليه قال: إني أريد أن


(1) جواهر العقدين 2 / 276. (*)

[ 178 ]

أضيفها. قال المجوسي: ما الى هذا سبيل. قال: هذه ألف دينار خذها وتسلمهن إلي. فقال: لا والله ولا بمائة ألف. فلما ألح عليه قال له: المنام الذي رأيته، أنا أيضا رأيته، وذلك القصر خلق لي، والله ما أحد في داري إلا وقد أسلموا معي ببركات العلوية، ورأيت النبي (ص) فقال لي: القصر لك ولاهلك لما فعلت بالعلوية من الاحترام (1). ومن ذلك ما رواه سبط ابن الجوزي قال: قرأت على عبد الله بن أحمد المقدسي سنة أربع وستمائة قال: وجدت في كتاب الجوهري عن أبي الدنيا: ان رجلا رأى النبي (ص) في منامه وهو يقول له: إمض الى فلان المجوسي وقل له: قد أجيبت الدعوة، فانتبه، فجاء إلى المجوسي فأخبره، فأسلم هو مع أهله وأصحابه. ثم قال لي: أتدري ما الدعوة ؟ قلت: لا والله. قال: لما زوجت ابنتي صنعت طعاما، ودعوت الناس فأكلوه، وكان في جيراننا قوم من العلوية فقراء، فسمعت صبية منهم تقول: يا أماه قد آذانا المجوسي برائحة طعامه، فأرسلت اليهن بطعام كثير وكسوة ودنانير للجميع، فلما نظروا الى ذلك قالت الصبية لهن: والله ما نأكلن حتى ندعو له، فرفعن أيديهن وقلن: حشره الله مع جدنا (ص) فتلك الدعوة التي أجيبت (2).


(1) جواهر العقدين 2 / 277 - 278. (2) جواهر العقدين 2 / 281. (*)

[ 179 ]

ومن ذلك ما رواه أبو الفرج ابن الجوزي: باسناده إلى ابن الخطيب قال: كنت كاتبا للسيدة أم المتوكل، فبينا أنا في الديوان إذ خادم صغير خرج من عندها، ومعه كيس فيه ألف دينار، فقال: تقول لك السيدة فرق هذا في المستحقين، فسموا لي أشخاصا، ففرقت فيهم ثلاثمائة دينار والباقي بيدي الى نصف الليل، وإذا طرق باب داري رجل من العلويين، وهو جاري، فقال: دخل علي هذه الساعة رجل من أقربائي ولم يكن عندي طعام، فأعطيته دينارا فأخذه مسرورا وانصرف، فلما وصل إلى الباب خرجت زوجتي باكية وتقول: أما تستحي يطلب منك العلوي وتعطيه دينارا وقد عرفت فقره، أعطه الكل، فوقع كلامها في قلي، فناولته الكيس، فأخذه وانصرف، ثم ندمت وخفت من المتوكل لانه يمقت العلويين، فقالت زوجتي: لا تخف واتكل على الله وعلى جدهم، فبينا نحن في الكلام، يطرق الباب الخدم بأيديهم المشاعل ويقولون: تدعوك السيدة، فقمت خائفا فأدخلوني عند ستر السيدة، وقالت لي: يا أحمد جزاك الله خيرا، وجزى زوجتك خيرا، كنت الساعة نائمة، جاءني النبي (ص) وقال لي: جزاك الله خيرا وجزى الله زوجة الخطيب خيرا، فما معنى هذا ؟ فأخبرتها ما جرى، وهي تبكي وتقول: هذه الكسوة وهذه الدنانير للعلوي، وهذه لزوجتك، وهذه لك، وكان ذلك يساوي مائة ألف درهم، فأخذت المال وجعلت طريقي على بيت العلوي، فطرقت فصاح: هات ما معك يا أحمد، وخرج وهو يبكي فسألته عن بكائه فقال: لما دخلت منزلي بالكيس قالت لي زوجتي: قم ونصلي وندعو للسيدة ولاحمد ولزوجته، فصلينا ودعونا لهم، ثم نمت فرأيت رسول الله (ص) وهو يقول لي: قد شكرتهم على ما فعلوا والساعة

[ 180 ]

يأتوك بشئ فاقبله منهم (1). ومن ذلك ما رواه سبط ابن الجوزي: قال: حدثني محمد بن عبد الوهاب المقري، قال: حدثني جار لي قال: كان لي صاحب من العلويين، وكان فقيرا، فحج بعض السنين، ثم عاد، فرأيته غنيا فسألته عن ذلك قال: حججت ولم أجد طعاما ثلاثة أيام، فبينا أنا أمشي إذا قد وصل رجلي بهميان فيه ألف دينار، فقلت في نفسي: لا أتصرف منه حتى يظهر مالكه، وقلت للمنادي: تنادي عليه، فنادى فجاء مالكه. فقلت له: كم تعطني منه ؟ قال: ما أعطيك منه شيئا. فرميت به إليه. فقال لي: من أين أنت ؟ قلت: من بغداد.. قال: وما تصنع ؟ قلت: أنا رجل شريف مالي صنعة. قال: من جدك ؟ قلت: جدي الحسين (ض). قال: من يعرفك ؟ قلت: الحجاج. فجاء جماعة عرفوني إليه، فرمى الهميان إلي وقال: خذه إنه كان عندي وديعة جاء معي من خراسان، وأوصاني صاحبه أن لا أعطيه إلا لشريف من أولاد الحسين (ض) فأنت ذاك، فأخذته وحسنت حالي (2).


(1) جواهر العقدين 2 / 281. (2) جواهر العقدين 2 / 282. (*)

[ 181 ]

ومن ذلك ما حكاه المقريزي، عن الرئيس شمس الدين محمد بن عبد الله العمري قال: سرت يوما عند محمود العجمي المحتسب، وهو مع خدمه في بيت الشريف عبد الرحمن الطباطبي، قال المحتسب للشريف: إنك لما جلست البارحة عند السلطان برقوق فوقي كرهتك، فرأيت الليلة النبي (ص) قال لي: يا محمود تأنف أن تجلس تحت ولدي، فبكى الشريف وقال: من أنا حتى يذكرني جدي (ص) وبكى معه الجماعة (1). ومن ذلك ما في " توثيق عرى الايمان ": عن ابن النعمان قال: بعض الخراسانيين يحج في كل سنة فإذا دخل المدينة المنورة أعطى طاهر بن يحيى العلوي شيئا، ثم قال له بعض: إن هذا العلوي يصرفه في غير طاعة الله، فلم يدفع إليه الخراساني في تلك السنة شيئا، والسنة الثانية لم يدفع إليه شيئا، وفي عام الثالث رأى النبي (ص) في المنام يقول له: قبلت في طاهر العلوي كلام أعدائه، وقطعت عنه ما كنت تعطيه، واعط ما فات ولا تقطعه عنه ما استطعت، فانتبه وأخذ صرة فيها ستمائة دينار. فلما دخل المدينة بدأ بطاهر بن يحيى فدخل عليه، فقال طاهر له: لو لم يبعثك جدي (ص) ما جئت إلي. قال الخراساني له: والله القصة كما قلت فمن أعلمك بذلك ؟ قال: إن جدي (ص) قال لي في منامي: إني عاتبت الفلاني الخراساني وأمرته أن يحمل اليك ما فاته، فأخرج الصرة التي فيها ستمائة دينار فدفعها إليه، وقبل


(1) جواهر العقدين 2 / 283. (*).

[ 182 ]

يده واعتذر (1). ومن ذلك ما في " توثيق عرى الايمان " للبازري: إن نصر بن أحمد والي خراسان استعمل رجلا من بلخ عليها، فنام نصر وقت الظهيرة، فجاءت امرأة علوية متظلمة وقالت: جئت من بلخ أشكو عاملها، فأخبر الامير بذلك، فقال الحاجب يقال له طغناج: ليس هذا وقت الدخول عليه إذ هو في النوم، ثم تفكر وقال في نفسه: كيف أرد ولد النبي (ص) عن الدخول عليه، فدخل فوجده نائما وعند رأسه سيف فرجع، ثم دخل عليه فوجده نائما فرجع، وهكذا فعله مرارا فأحس الامير ذلك وظن انه يكيد عليه كيدا، فقام وأخذ السيف وقال: ما حملك على هذا ؟ فقص عليه القصة فأذن بدخول العلوية عليه، وشكت إليه من عامل بلخ، فأمر لها بعشرة آلاف درهم، وبغلة بأسبابها، وثلاثة أثواب، وكتب لها كتابا الى عامل بلخ بالاحترام والاحسان إلى العلوية، فرأى في منامه النبي (ص) قال له: حفظ الله حرمتك كما حفظت حرمتي، فانتبه وقص رؤياه على الناس، فأحضر الفقهاء وكتب الى سائر البلدان بالاحسان الى آل النبي (ص) (2). ومن ذلك ما في " توثيق عرى الايمان " للبازري: روى عن أبي الحسين علي ابن ابراهيم الرقي قال: ورد علي فقير علوي من ولد الحسين بن علي (رضي الله عنهما) فقال لي: أعطني مائة من دقيقا، وليس معي شئ ولكن أكتب على جدي (ص)، فأعطيته


جواهر العقدين 2 / 287. (2) المصدر السابق. (*)

[ 183 ]

ما طلب، وكتبت الثمن على النبي (ص) فسمع العلويون فيجيئون إلي فأعطيهم ويقولون: أكتب على جدنا (ص) فلم أزل أدفع عليهم حتى لم يبق لي شئ من الدقيق، فأقمت أياما على شدة الفاقة، فدخلت على النقيب السيد عمر بن يحيى العلوي، وعرضت عليه الدفتر، وشكوت إليه الفقر فأمسك عن جوابي فلما كانت الليلة رأيت النبي (ص) في المنام ومعه علي (كرم الله وجهه) فقال لي النبي (ص): يا أبا الحسن إن عاملتني للدنيا أوفيتك في الدنيا، وإن عاملتني للآخرة فاصبر على فقرك، فاني نعم الغريم، فانتبه فقص على الناس رؤياه باكيا، ثم عرض عليه الحال القوي وخرج سائحا في البوادي والجبال، فوجدوه ميتا في كهف جبل، فحملوه ودفنوه، ففي تلك الليلة رآه سبعة نفر من صالحي أهل الكوفة في المنام عليه حلل من الاستبرق، وهو يمشي في رياض الجنة، فسألوه كيف وصلت الى هذه النعمة ؟ قال: بحسن معاملتي للنبي (ص) وبصبري، والحمد لله. ومن ذلك ما في " توثيق عرى الايمان ": عن علي بن عيسى الوزير رحمه الله قال: كنت أحسن إلى العلوية وأجري على كل منهم في كل السنة بمدينة السلام ما يكفيه لطعامه وكسوته وكفاية عياله، وأجري ذلك في رمضان، وكان منهم شيخ من أولاد موسى الكاظم (ض) وكنت أجري عليه في كل سنة خمسة آلاف درهم، فرأيته يوما سكرانا قد تقيأه في وسط الشارع، فلما دخل شهر رمضان جائني الشيخ وطالبني عطيته، فلم أعطيه شيئا، فلما نمت تلك الليلة رأيت النبي (ص) فأعرض عني ! فقلت: يا رسول الله ما تقصيري ؟ إنك تعرض عني ؟

[ 184 ]

قال لي: منعت عطية ولدي فلانا. فقلت له: منعت جائزته لئلا أعينه على معصية الله تعالى. فقال (ص): أكنت تعطيه ذلك لاجله أو لاجلي ؟ فقلت: بل لاجلك. فانتبهت من المنام وأرسلت إلى الشيخ فجاء، فأعطيته عشرة آلاف درهم. فقال: أيها الوزير ما سبب إضعاف عطيتي اليوم ؟ فقلت: ما كان إلا خيرا، فانصرف راشدا. قال: والله لا أنصرف حتى أقف على القصة. فاخبرته ما رأيته في المنام، فدمعت عيناه، وقال: تبت إلى الله فلا أرتكب معصية، ولا ارضى ان يحاجك جدي من جهتي، فحسنت توبته. (1) ومن ذلك ما في كتاب " العقد الثمين ": إن محمد بن عمر بن يوسف الانصاري القرطبي كان عند والي مصر يعظم الشرفاء، وكان السبب لتعظيمه لهم أن منهم مات فتوقف الشيخ عن الصلاة عليه لكونه يلعب بالحمام، فرأى النبي (ص) في المنام ومعه ابنته فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) فأعرضت عنه وعاتبته وقال: أما يسع جاهنا مطيرا (2). وإن صاحب مكة كان الشريف الحسني، فمات وامتنع الشيخ عفيف الدين الدلالاحي من الصلاة عليه فرأى في المنام فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) فأعرضت عنه، فقالت له: إنك لا تصلي على ولدي، فتاب واعترف بظلمه (3).


(1) جواهر العقدين 2 / 291. (2) جواهر العقدين 2 / 266 - 267. (3) المصدر السابق. (*)

[ 185 ]

ومن ذلك ما حكاه المقريزي: عن يعقوب بن يوسف المغرب: انه كان بالمدينة في رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة قال له الشيخ العابد محمد الفاسي: إني كنت أكره أفعال الشرفاء بني الحسين (ض) لما يظهرون من التعصب على أهل السنة، فرأيت النبي (ص) وأنا نائم بالمسجد النبوي وهو يقول: يا فلان مالي أراك تكره أولادي ؟ قلت: لتعصبهم على أهل السنة. فقال لي مسألة فقهية بالتعصب: أليس الولد يلحق بالنسب (1). ومن ذلك ما روينا عن شيخنا شيخ الاسلام الشريف عبد الرؤوف المناوي. من أن شيخه الشريف الطباطبي كان بخلوته التي بجامع عمرو بن العاص بمصر العتيقة، فتسلط عليه رجل من أمراء الاتراك يقال له " قرقماس الشعباني " وأخرجه منها، فأصبح السيد يوما فجاءه شخص وقال له: رأيتك الليلة في المنام جالسا بين يدي النبي (ص) وهو ينشدك هذين البيتين: يا بني الزهراء والنور الذي * ظن موسى أنها نار قبس لا أوالي الدهر من عاداكم * إنه آخر سطر في عبس ثم أخذ عذبة سوط فعقدها ثلاث عقدات. قال شيخنا شيخ الاسلام المناوي: فكان من تقدير الله (عزوجل) أن ضربت رأس قرقماس، فلم يضرب إلا بثلاث ضربات، فكان ذلك السوط من قبيل (فصب عليهم ربك سوط عذاب) (2). (3)


(1) جواهر العقدين 2 / 269 - 270. (2) الفجر / 13 (3) جواهر العقدين 2 / 272 - 273. (*)

[ 186 ]

ومن ذلك: وقد أخبرني الشيخ الامام العلامة شيخ المالكية شهاب الدين أحمد ابن يونس المغربي نزيل الحرمين الشريفين في مجاورته بالمدينة سنة خمس وسبعين وثمانمائة: إن بعض مشايخه أخبره أن رجلا من أعيان المغاربة توجه للحج، فأودعه رجل من أهل الثروة مائة دينار وقال له: إذا وصلت إلى المدينة ادفعها الى شريف صحيح النسب. فلما وصل المغربي إليها سأل عن أشرافها فقيل له: إن نسبهم صحيح لكنهم من الشيعة، فكره أن يدفع لاحد منهم، ثم جلس الى واحد منهم فسأل عن مذهبه قال: أنا شيعي، وسأل منه شيئا فما أعطاه. قال: قال: فلما نمت الليلة رأيت أن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط، فأردت أن أجوز عنه فأمرت فاطمة (رضي الله عنها) بمنعي، قال (ص) لها: لم منعت هذا عن الجواز ؟ قالت: لانه منع رزق ولدي. فقلت: يا رسول الله ما منعته إلا لانه يسب الشيخين (رضي الله عنهما). وقالت فاطمة لهما: أتواخذان ولدي بذلك ؟ فقيل: لا بل سامحناه بذلك. فقالت: فما أدخلك بين ولدي وبين الشيخين ؟ قال: فانتبهت فأخذت المبلغ وجئت به الى ذلك الشريف، فتعجب من ذلك فقصصت عليه الرؤيا فبكى وقال: أشهدك علي وأشهد الله ورسوله أني لا أسبهما أبدا ما حييت (1).


(1) جواهر العقدين 2 / 267 - 268. (*)

[ 187 ]

ومن ذلك ما حكاه المقريزي عن العلامة سراج الدين: أن محمد بن حسين المكي حكى له: أن بعض القراء كان يقرأ على قبر تيمورلنك، قال: كنت إذا خلوت قرأت (خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه) (1) وأكثرت تلاوتها، فرأيت ليلة في المنام النبي (ص) وهو جالس وتيمور الى جانبه وقلت: يا عدو الله إلى هنا تجلس ؟ وأردت أن آخذ بيده وأدفعه عن مجلسه، فقال لي النبي (ص): دعه فانه كان يحب ذريتي. قال: فانتبهت فتركت بعد ذلك ما كنت أقرأه في الخلوة (2). ونحوه، ما حكاه زين الدين عبد الرحمن البغدادي: إن بعض أمراء تيمور أخبره انه لما مرض بمرض الموت اضطرب شديدا وتغير لونه، ثم أفاق فسألوه عن ذلك، فقال: إن ملائكة العذاب أتوني فجاء النبي (ص) فقال لهم: إذهبوا عنه، فانه كان يحب ذريتي ويحسن إليهم (3). ومن ذلك ما ذكره المسعودي في كتابه " مروج الذهب " من أن أحمد المعتضد بالله لما ولي الخلافة قرب آل أبي طالب، لانه رأى وهو في حبس أبيه شيخا جالسا على دجلة يمد يده الى دجلة، فيصير في يده ماء دجلة، وتجف دجلة، ثم يصبه فتعود دجلة كما كانت. قال: فسألت عنه فقيل: هذا علي بن أبي طالب. فقمت إليه وسلمت، فقال لي: يا أحمد إن الخلافة صائرة اليك، إذا صارت إليك فلا تتعرض لولدي ولا تؤذهم، فقلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين (4).


(1) الحاقة / 30 و 31. (2) جواهر العقدين 2 / 291. (3) المصدر السابق. (4) جواهر العقدين 2 / 285. (*)

[ 188 ]

ومن ذلك: ما حكاه ابن نوح في كتابه " المنتقى " عن زوجة القاضي سراج الدين، وهي من الصالحات قالت: وقع غلاء بمكة وكنا ثمانية عشر نفسا إذ جاءنا من الدقيق أربعة عشر قطعة، فرأى القاضي في منامه فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) وهي تقول: يا سراج الدين تأكل البر وأولادي جياع، فنهض وفرقها على الاشراف (1). ومن ذلك: ما حكاه المقريزي عن عبد العزيز بن علي البغدادي قاضي الحنابلة: إنه رأى النبي (ص) وقال له: قل للمؤيد يطلق عجلان - يعني أمير المدينة - وكان محبوسا سنة إثنين وعشرين وثمانمائة. قال: فلما انتبهت صعدت إلى السلطان المؤيد وحلفت له بالايمان المغلظة وقصصت عليه الرؤيا، فأطلقه وأحسن إليه (2). ومن ذلك: ما ذكره المسعودي في " مروج الذهب " عن إسحاق بن إبراهيم: إنه كان على شرطة بغداد بحبس أهل الجنايات، رأى النبي (ص) في منامه يقول له: يا إسحاق أطلق القاتل، فانتبه ثم فتش عن حال القاتل، فقال: إن عجوزة غرت شريفة، وقالت العجوزة لها: إن لي حديقة ليس في الدنيا مثلها، فشوقتها إلى النظر الى ما فيها، فخرجت الشريفة معها ثقة بقولها، فأدخلتها في دار فإذا فيها رجال، وصاحت الشريفة وأغمي عليها، فلما أفاقت قالت: يا فتيان اتقوا الله وأنا شريفة. قال القاتل: قلت لاصحابي: لا تتعرضوا لها، وأراد


(1) جواهر العقدين 2 / 268. (2) جواهر العقدين 2 / 282. (*)

[ 189 ]

المقتول أن يؤذيها فقتلته، ثم حاميت عنها وأخرجتها من الدار، وسمعتها تقول: ستر الله عرضك كما سترتني عرضي، ثم سمع الجيران الضجة، فاجتمعوا ودخلوا الدار والسيف بيدي والرجل مقتول، فاتوني إلى الشرطة. فقال له إسحاق: قد وهبتك لله ولرسوله ولحفظك عرض الشريفة، وتاب الرجل وحسنت توبته. (1) ومن ذلك ما رواه البازري في " توثيق عرى الايمان " عن ابن النعمان قال: بينما المهدي بن المنصور رأى رؤيا فانتبه فاستحضر صاحب شرطته وأمره أن يطلق من الحبس العلوي الحسيني، ويسلم إليه ألف دينار، ويخيره بين المقام عندنا مكرما وبين الرواح الى أهله، فأخرج العلوي وأعطاه الف دينار، واختار الخروج الى أهله، فلما أراد أن يركب قال له صاحب الشرطة: بالذي خلقك قل لي سبب الخروج عن الحبس. قال: رأيت جدي (ص) في منامي يقول لي: أي بني، ظلموك، قم فصل ركعتين، ثم قل: يا سامع الصوت، ويا كاسي العظام لحما بعد الموت، صل على محمد وآل محمد واجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، فجعلت أكرر هذه الكلمات الى أن أطلقتني. قال صاحب الشرطة: دخلت على المهدي وحدثت له حديثه فقال: صدق والله، كنت نائما فرأيت في منامي زنجيا بيده عمود من حديد يقول لي: أطلق الحسيني وإلا قتلتك، فانتبهت وأمرتك باطلاقه (2).


(1) جواهر العقدين 2 / 281. (2) جواهر العقدين 2 / 283. (*)

[ 190 ]

ومن ذلك: ما رواه داود بن القاسم الجعفري: أن المعتمد بن المتوكل حبس أبا محمد الحسن العسكري فوقع في بغداد قحط فأمر المعتمد الناس بالاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام فلم يسقوا، فخرج راهب من النصارى يقال له الجاثليق " في اليوم الرابع بالنصارى، ورفعوا أيديهم الى السماء هطلت بالمطر، ثم خرجوا في اليوم الثاني وفعلوا مثل فعلهم الاول سقوا سقيا كافيا، فتعجب الناس ومال بعضهم للنصرانية، فشق ذلك على المعتمد، فأخرج أبا محمد الحسن العسكري من الحبس وقال له المعتمد: أدرك أمة جدك محمد (ص) فقال له أبو محمد: دعهم يخرجون معي. قيل له: إن المطر كثر فما فائدة خروجهم. قال: لازيل الشك عن الناس. فأمرهم المعتمد بالخروج وأن يخرج المسلمون، فرفع الراهب يده ورفعت الرهبان معه أيديهم، غيمت السماء فأمطرت، فأمر أبو محمد رجلا بالقبض على يد الراهب وأخذ ما فيها، فإذا عظم آدمي بين أصابعه، فلفه أبو محمد في خرقة، وقال: استسق الآن، فاستسقى فانقشع الغيم وانكشف السحاب، وطلعت الشمس، وقال المعتمد: ما هذا يا أبا محمد ؟ قال: هذا عظم نبي من أنبياء الله، ظفروا به، وما كشف عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر، فامتحنوا ذلك فوجدوه كما قال، وزالت الشبهة عن الناس، وكلم أبو محمد الحسن العسكري المعتمد في إطلاق الذين كانوا معه في الحبس، وأقام أبو محمد بمنزله في سر من رأى معظما (1) (انتهى جواهر العقدين).


(1) جواهر العقدين 2 / 285. (*)

[ 191 ]

أيضا في جواهر العقدين: عن أبي هريرة: قال النبي (ص): إنما سميت ابنتي " فاطمة "، لان الله فطمها وذريتها ومحبيها عن النار (1). عن علي (ض) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: اللهم إنهم عترة رسولك، فهب مسيئهم لمحسنهم، وهبهم لي. ثم قال: ففعل وهو فاعل. قلت: ما فعل ؟ قال: فعله ربكم بكم، ويفعله بمن بعدكم (أخرجه الملا وذكره المحب الطبري) (2). عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه (رضي الله عنهم) قال: إن الله تعالى أخذ ميثاق من يحبنا، وهم في أصلاب آبائهم، فلا يقدرون على ترك ولايتنا، لان الله جبلهم على ذلك (أخرجه الحافظ الجعاني) (3). عن علي (ض) قال: قال رسول الله (ص): أول من يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين السبابتين (أخرجه الملا وذكره المحب) (4). عن علي (ض) عن النبي (ص) قال: حبي وحب أهل بيتي نافع في سبع مواطن أهوالهن عظيمة (أخرجه الديلمي) (5). عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال: حب آل محمد خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة (6).


(1) جواهر العقدين 2 / 195. (2) جواهر العقدين 2 / 216. (3) جواهر العقدين 2 / 253. (4) المصدر السابق. (5) المصدر السابق. (6) المصدر السابق. (*)

[ 192 ]

وعن جابر، عن النبي (ص): لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلا منافق شقي (1). قال الحسين (ض): من عادانا فلرسول الله (ص) يعادي (2). قال عبد الله بن الحسن المثنى: كفى بالبغض لنا بغضا أنسه لمن يبغضنا (3). عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): يا علي معك يوم القيامة عصا من عمي الجنة تذود بها المنافتين عن الحوض (أخرجه الطبراني ني الاوسط) (4). ولاحمد في المناقب حديث: أعطيت في علي خمسا هن أحب إلي من الدنيا وما فيها:... أما الثالثة فواقف على حوضي يسقي من عرفه من أمتي (5). وعن عبيد الله وعمر ابني محمد بن الحنفية، عن أبيهما، عن جدهما علي (رضي الله عنهم) قال: قال رسول الله (ص): من آذاني في عترتي فعليه لعنة الله (أخرجه الحافظ الجعاني في الطالبين) (6). عن علي (ض) قال: قال رسول الله (ص): إن الله حرم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبهم (أخرجه الديلمي من طريق علي الرضا ابن موسى الكاظم (عل) (7). أخرج إبراهم بن المؤيد الحموي في فضل أهل البيت: عن ابن مسعود حديث


(1) جواهر العقدين 2 / 253. (2) جواهر العقدين 2 / 257. (3) المصدر السابق. (4) جواهر العقدين 2 / 258. (5) جواهر العقدين 2 / 258 المناقب لاحمد 2 / 661 حديث 1127. (6) جواهر العقدين 2 / 261. (7) جواهر العقدين 2 / 261. عيون أخبار الرضا (ع) 1 / 37 حديث 65. (*)

[ 193 ]

الاسراء: وكتب على أبواب النار " أذل الله من أهان الاسلام، أذل الله من أهان أهل بيت نبي الله (ص) ". أيضا أخرجه الحافظ جمال الدين الزرندي (1).


(1) جواهر العقدين 2 / 261. فرائد السمطين 2 / 238 حديث 86 (في حديث). (*)

[ 195 ]

الباب السابع والستون في إيراد بعض ما في " درة المعارف " للشيخ الامام عبد الرحمن بن محمد بن علي بن أحمد البسطامي كان أعلم علماء زمانه في علم الحروف (قدس الله أسراره ووهب لنا علومه وعرفانه) إن الله - تبارك وتعالى - خلق آدم (ع) في ثالث ساعة من نهار الجمعة في اليوم السادس من شهر نيسان، وخلق الله تعالى حوا (ع) في سادس ساعة في (1) نهار الجمعة المذكورة، وكان الطالع عند هبوط آدم (ع) من الجنة برج السرطان وكانت قسمة أجرام الكواكب في الفلك على هذه الصورة، والله أعلم بحقيقة الحال.


(1) في (ن): " من ". (*)

[ 196 ]

وأما آدم (عليه الصلاة والسلام) فهو نبي مرسل، خلقه الله - تبارك وتعالى - بيده، ونفخ فيه من روحه، وأنزل عليه عشر صحائف وهو أول من تكلم في علم الحروف، وله كتاب " سفر الخفايا "، وهو أول كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، وذكر فيه أسرار غريبة وأمور عجيبة. وله كتاب " الملكوت "، وهو ثاني كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، وصاحب " الهيكل الاحمر " قد أخذ من شيث (عليه الصلاة والسلام) كتاب " الملكوت "، وله كتاب " السفر المستقيم "، وهو ثالث كتاب كان في الدنيا في علم الحروف. عاش تسعمائة وثلاثين سنة شمسية. عن عطا بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن النبي (ص) انه قال: خلق (الله) (1) الاحرف وجعل لها سرا فلما خلق آدم (عليه الصلاة والسلام) بث فيه السر ولم يبثه في الملائكة، فجرت الاحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون اللغات وقد أطلعه الله تعالى على أسرار أولاده وما يحدث بينهم الى يوم القيامة، ومن هذه الكتب تفرعت سائر العلوم الحرفية، والاسرار العددية الى يومنا والى ما شاء الله. ثم بعده ورث علم أسرار الحروف ابنه أغانا ذيمون، وهو نبي الله شيث (عليه الصلاة والسلام)، وهو نبي مرسل، أنزل الله عليه خمسين صحيفة، وهو وصي آدم (عليه الصلاة والسلام) وولي عهده، وهو الذي بنى الكعبة المكرمة بالطين والحجر وله سفر جليل الشأن في علم الحروف، وهو رابع كتاب كان في الدنيا في علم الحروف وعاش تسعمائة سنة شمسية. ثم ابنه ورث علم الحروف أنوش.


(1) الزيادة من (ن). (*)

[ 197 ]

ثم ابنه قينان واليه ينسب القلم القيناوي، ثم ابنه مهلائيل. ثم ابنه يارد، وفي زمانه عبدت الاصنام. ثم ابنه هرمس، وهو نبي الله إدريس (عليه الصلاة والسلام) وهو نبي مرسل أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، واليه انتهت الرياسة في العلوم الحرفية والاسرار الحكمية، واللطائف العددية، والاشارات الفلكية وقد ازدحم على بابه سائر الحكماء واقتبس من مشكاة أنواره سائر العلماء، وقد صنف كتاب " كنز الاسرار وذخائر الابرار " وهو خامس كتاب كان في الدنيا في علم الحروف. وعلمه جبرائيل (ع) علم الرمل، وبه أظهر الله نبوته. وقد بنى اثنين وسبعين مدينة. وتعلم منه علم الحروف الهرامسة، وهم أربعون رجلا، وكان أمهرهم إسقلينوس الذي هو أبو الحكماء والاطباء، وهو أول من أظهر الطب، وهو خادم نبي الله إدريس (عليه الصلاة والسلام) وتلميذه. ثم ابنه متوشلخ: ثم ابنه لامك، ثم ابنه نوح (عليه الصلاة والسلام) وهو نبي مرسل، وله سفر جليل القدر وهو سادس كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثم ابنه سام (عليه الصلاة والسلام) ؟ ثم ابنه ارفخشد، ثم ابنه شالخ، ثم ابنه عابر، وهو نبي الله هود (عليه الصلاة والسلام)، ثم ابنه فالغ، ثم ابنه يقطر، وهو قاسم الارض بين الناس، ثم ابنه صالح نبي الله (عليه الصلاة والسلام) ورث الحروف، ثم أرغوا بن فالغ المذكور ورث علم الحروف، ثم ابنه أسروع، ثم ابنه ناحود، ثم أبنه تارح، ثم ابنه إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) وهو نبي مرسل، أنزل الله عليه عشرين صحيفة، وهو أول من تكلم في علم الوفق. وقيل: انه وفق القاف في أساس الكعبة المكرمة، وله سفر عظيم القدر، وهو سابع كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثم ابناه إسماعيل وإسحاق (عليهما

[ 198 ]

الصلاة والسلام)، ثم ابنه يعقوب (عليه الصلاة والسلام)، ثم ابنه يوسف (عليه الصلاة والسلام)، ثم موسى (عليه الصلاة والسلام) وهو نبي مرسل، أنزل الله عليه التوراة، وعلمه علم الكيمياء، وكان أعلم الناس في عصره بأسرار الاوفاق وبالوفق المسدس، استخرج تابوت يوسف (عليهما الصلاة والسلام) من النيل، ثم وصيه يوشع بن نون (عليه الصلاة والسلام)، ثم الياس، ثم حزقيل (عليه الصلاة والسلام). وقيل: زردشت الاذربيجاني أخذ علم أسرار الحروف عن أصحاب موسى (عليه الصلاة والسلام)، ثم أخذ عن زردشت جاماسب الحكيم وهو أكبر أصحابه، ثم داود (عليه الصلاة والسلام)، ثم ابنه سليمان (عليه الصلاة والسلام)، ثم آصف بن برخيا، وهو وزير سليمان (عليهما الصلاة والسلام)، ثم أشعيا (عليه الصلاة والسلام)، ثم إرميا (عليه الصلاة والسلام)، ثم عيسى (عليه الصلاة والسلام) ورث علم الحروف، ثم محمد (صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى آله وصحبه) ورث علم الحروف. قال الامام الحسين بن علي (رضي الله عنهما): العلم الذي دعى إليه المصطفى (ص) هو علم الحروف وعلم الحروف في لام الف، وعلم لام الف في الالف، وعلم الالف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الاصلية، وعلم المعرفة الاصلية في علم الازل، وعلم الازل في المشية، أي المعلوم، وعلم المشية في غيب الهوية، وهو الذي دعا الله إليه نبيه (ص) بقوله: فاعلم " انه لا إله إلا الله " والهاء في " انه " راجع الى غيب الهوية. ثم إن الامام عليا (كرم الله وجهه) ورث علم أسرار الحروف من سيدنا ومولانا محمد رسول الله (ص) واليه الاشارة بقوله (ص): أنا مدينة العلم

[ 199 ]

وعلي بابها، وهو أول من وضع وفق مائة في مائة في الاسلام. ثم الامامان الحسن والحسين ورثا علم أسرار الحروف من أبيهما. ثم ابنه الامام زين العابدين ورث من أبيه علم أسرار الحروف. ثم ابنه الامام محمد الباقر. ثم ابنه الامام جعفر الصادق (رضي الله عنهم)، وهو الذي حل معاقد رموزه وفك طلاسم كنوزه. وقال الامام جعفر الصادق (ض): علمنا غابر ومزبور، وكتاب مسطور، في رق منشور، ونكت في القلوب، ومفاتيح أسرار الغيوب، ونقر في الاسماع، ولا تنفر منه الطباع، وعندنا الجفر الابيض، والجفر الاحمر، والجفر الاكبر، والجفر الاصغر، والجامعة، والصحيفة، وكتاب علي (كرم الله وجهه). قال لسان الحروف ومشكاة أنوار الظروف، شارح " الزهر الفائح والسر اللائح " أبو عبد الله زين الكافي (قدس الله سره): أما قوله " علمنا غابر " فانه أشار به إلى العلم بما مضى من القرون والانبياء (عليهم الصلوات والتحيات) وكل ما كان من الحوادث في الدنيا. وأما " المزبور " فانه أشار به إلى المسطور في الكتب الالهية والاسرار الفرقانية المنزلة من السماء على المرسلين والانبياء (صلوات الله وسلامه عليهم). وأما " الكتاب المسطور " فانه أشار به الى أنه مرقوم في اللوح المحفوظ. وأما قوله " نقر في الاسماع " فانه أشار به الى أنه كلام علي وخطاب جلي، لا ينفر منه الطبع، ولا يكرهه السمع، لانه كلام غيب يسمعونه ولا يرون قائله، فيؤمنون بالغيب. وأما " الجفر الابيض " فأنه أشار به الى أنه وعاء فيه كتب الله المنزلة وأسرارها

[ 200 ]

المكنونة وتأويلاتها. وأما " الجفر الاحمر " فانه أشار به الى أنه وعاء فيه سلاح رسول الله (ص) وهو عند من له الامر، ولا يظهر حتى يقوم رجل من أهل البيت. وأما " الجفر الاكبر " فانه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي من " ألف " " با " " تا " " ثا " الى آخرها، وهي ألف وفق. وأما " الجفر الاصغر " فانه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد الى قرشت وهي سبعمائة وفق. وأما " الجامعة " فانه أشار به الى كتاب فيه علم ما كان وما يكون الى يوم القيامة. وأما " الصحيفة " فهي صحيفة فاطمة (رضي الله عنها) فانه أشار بها الى ذكر الوقائع والفتن والملاحم وما هو كائن الى يوم القيامة. وأما " كتاب علي "، فانه أشار به الى كتاب أملاه رسول الله (ص) من فلق فيه - أي من شق فمه - ولسانه المبارك، وكتبه علي، وأثبت فيه كلما يحتاج إليه من الشرائع الدينية، والاحكام والقضايا حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة. والجفر من حيث اللغة فانه رق الجدي. وقال جعفر الصادق أيضا: منا الفرس الغواص، والفارس القناص. وقيل: انه يظهر في آخر الزمان مع محمد المهدي ولا يعرفه على الحقيقة إلا هو (ض). وقيل: إن المهدي (ض) يستخرج كتبا من غار بمدينة أنطاكية. ويستخرج الزبور من بحيرة طبرية فيها مما ترك آل موسى وهارون تحمله الملائكة، وفيها الالواح وعصا موسى (عليه الصلاة والسلام). والمهدي أكثر الناس علما وحلما وعلى خده الايمن خال أسود وهو من ولد الحسين بن علي (رضي الله عنهم).

[ 201 ]

وأما " الجامعة " فهو عبارة عن سفر آدم، وسفر شيث، وسفر إدريس، وسفر نوح، وسفر إبراهيم (عليهم الصلاة والسلام). وقد تناقله أهل البصائر كابرا عن كابر الى زماننا والى ما شاء الله. قال بعض العارفين: إن الحروف سر من أسرار الله تعالى، والعلم بها من أشرف العلوم المخزونة، وهو من العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الانبياء والاولياء (عليهم الصلاة والسلام)، وهو الذي يقول فيه محمد بن علي الحكم الترمذي: " علم الاولياء فافهم ". ولا بد للشارع في علم الحروف من معرفة علم التصحيف، كتب علي (كرم الله وجهه) خراب البصرة بالريح - يعني بالزنج -. قال الحافظ الذهبي: ما علم تصحيف هذه الكلمة إلا بعد المائتين من الهجرة، لان بالغرمط الزنجي خربت البصرة. واعلم أن الله - تبارك وتعالى - قال: (وعلم آدم الاسماء كلها) (1) يعني الحروف المحيطة بكل نطق، وهي إثنان وثلاثون حرفا، تحوي جميع لغات الناطقين في الموجودات كلها مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم. فمنها ثمانية وعشرون عربية بعدد منازل القمر، ومنها أربعة عجمية، وهي " پ، چ، ژ، گ ". قال جعفر الصادق (ض): علم الله آدم الاسماء بالقلم الذي في اللوح المحفوظ. وقيل: إن الحروف كانت تتشكل لآدم (ع) في قوالب نورانية مسماها، وهي خاصته التي اختصه الله بها، وعلمه الله سبعين ألف باب من العلم، وعلمه ألف حرفة، وأنزل عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وأنزل عليه الحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة، وهي أول كتاب كان في الدنيا، وكونها في إحدى وعشرين ورقة إشارة الى أن الدنيا سبعة أدوار - أي سبعة آلاف سنة -،


(1) البقرة / 31. (*)

[ 202 ]

وأنزل عليه عشر صحائف وفيها ألف لغة، وقد بين الله فيها أخبار الدنيا وما يكون فيها في أهل كل زمان، وذكر صورهم وسيرهم مع أنبيائهم وأممهم وملوكهم وعبيدهم ورعاياهم " وما يحدث في الارض. روي عن أبي ذر الغفاري (ض) قال: قلت: يا رسول الله أي كتاب أنزل الله تعاك على آدم (ع) ؟ قال: كتاب الحروف المعجم " أ، ب، ت، ث، " الى آخرها فهي تسعة وعشرون حرفا. قلت: يا رسول الله عددت ثمانية وعشرين حرفا. فغضب (ص) حتى احمرت عيناه فقال: يا أبا ذر، والذي بعثني بالحق نبيا، ما أنزل الله على آدم في اللغة العربية إلا تسعة وعشرين حرفا. قلت: يا رسول الله أليس فيها " لام، والف " ؟ قال: لام ألف حرف واحد، قد أنزله الله على آدم في صحيفة واحدة ومعه سبعون ألف ملك، من خالف لام ألف فقد كفر بما أنزل الله علي. قال تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما) (1) قال بعض المفسرين: ذلك هو الاسم الاعظم تركب من الحروف الواردة في فواتح السور، وكان مكتوبا على خاتم سليمان بن داود، وبه لان الحديد لداود، وسخر الجن لسليمان، وطوى الارض للخضر، وبه تعلم العلم المدني، وبه اوتي عرش بلقيس، وبه يحيي عيسى الطير، وكان مكتوبا على عصا موسى (ع) وسيف علي (كرم الله وجهه). وكما بلغنا عن الامام الحسين بن علي (رضي الله عنهما) انه سأله رجل عن معنى " كهيعص ". فقال له: لو فسرتها لك لمشيت على الماء. فأول الاقلام قلم السرياني، ومنه تفرعت سائر الاقلام، وهو أول قلم كان في الدنيا، وبه كان آدم (ع) قد وضع سفره.


(1) النمل / 15. (*)

[ 203 ]

الباب الثامن والستون في إيراد بعض ما في كتاب " الدر المنظم " للشيخ الامام كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة الحلبي الشافعي (قدس الله أسراره وأفاض علينا علومه وفيوضه) والغرض من هذا السر الباهر والرمز الفاخر إظهار لوائح لارباب الذوق، لانه من العلوم الجسيمة، الفاتحة لابواب المدينة، لا يمسه ناسوتي، ولا ينظر به إلا لاهوتي، وهذا هو العلم الذي خص به آل محمد (ص)، والعلم الذي محمد النبي (ص) مدينته وعلي بابها. قال الامام زين العابدين (ض): إني لاكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (1) قال الامام علي (كرم الله وجهه المكرم): لو حدثتكم ما سمعت من فم أبي القاسم (ص) لخرجتم من عندي وأنتم تقولون: إن عليا من أكذب الكذابين وأفسق الفاسقين، قال تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه " (2).


(1) سفينة راغب 76 ط. استنبول 1282 ه‍. (2) يونس / 39. (*)

[ 204 ]

وقد ذكرت في هذا الكتاب الناطق بالصواب جفر الامام علي بن أبي طالب (ض)، وهو ألف وسبعمائة مصدر من مفاتيح العلوم، ومصابيح النجوم، المعروف عند علماء الحروف بالجفر الجامع، والنور اللامع، وهو عبارة عن لوح القضاء والقدر عند الصوفية، وقيل: مفتاح اللوح والقلم، وقيل: سر القضاء والقدر، وقيل: مفتاح علم اللدني. وهما كتابان جليلان أحدهما ذكر الامام علي (كرم الله وجهه) على المنبر وهو قائم يخطب بالكوفة على ما سيأتي بيانه، وهو المسمى بخطبة البيان. والآخر أسره رسول الله (ص) هذا العلم المكنون، وهو المشار إليه بقوله (ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأمره بتدوينه، فكتبه الامام علي (ض) حروفا مفرقة على طريقة سفر آدم (ع) في جفر - يعني في ورق - قد صنع من جلد البعير، واشتهر بين الناس بالجفر الجامع والنور اللامع، وقيل: الجفر والجامعة، وفيه ما جرى للاولين وما يجري للآخرين. والامام جعفر الصادق (ض) قد جعل في خافية الباب الكبير " ا ت ث " الى آخرها: والباب الصغير " أبجد " الى " قرشت ". قال الامام جعفر الصادق (ض): منا الجفر الابيض، ومنا الجفر الاحمر، ومنا الجفر الجامع. وكانت الائمة الراسخون من أولاده يعرفون أسرار هذا الشأن العظيم، ولما كتب بعض الخلفاء، وهو المأمون بن هارون الرشيد، الى علي بن موسى الرضا على أن يبايعه فقال: إنك عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك، وإنك تريد المبايعة لي إلا أن الجفر الجامع لا يدل على مبايعتك. وقد ستر الله علمه عن أكثر العلماء، ولم يأذن الله للاكابر أن يعرفوا منه إلا

[ 205 ]

ببعض أسراره التي يشتمل عليها بتركيبها الخاص المنتج أنواع التسخيرات والتأثيرات من القهر والاستيلاء والعزل والاماتة والاحياء، وغير ذلك من الفوائد والجواهر. وفيه اسم الله الاعظم، وتاج آدم، وخاتم سليمان، وحجاب آصف بن برخيا (عل). وقد ازدحم على باب علي (كرم الله وجهه) الراسخون من العلماء، والحاذقون من الحكماء، فاخترت من أسراره ما سره أشمل، والعمل به أكمل، بعد أن قرأت سفر آدم، وسفر شيث، وسفر إدريس، وسفر نوح، وسفر إبراهيم (عليهم الصلاة والسلام)، ثم طالعت كتاب ينبوع الحكة لآصف بن برخيا بن شمويل، وكتاب سر السر، وكتاب الجمهرة والمصحف الخفي والعهد الكبير، وكتاب الاجناس، وكتاب اللوح والقلم، ثم حللت رموز الخافية القمرية، والخافية الشمسية، الى أن أشرقت في سماء روحانيتي شمس المعارف الالهية والاسرار الذوقية، مع فوائد شددت إليها الرحال، وخدمت لاجلها الرجال. وقد ثبت عند علماء الطريقة ومشايخ الحقيقة بالنقل الصحيح والكشف الصريح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) قام على المنبر بالكوفة وهو يخطب (1) فقال: بسم اله الرحمن الرحيم، الحمد لله بديع السموات والارض وفاطرها، وساطح المدحيات ووازرها، ومطود الجبال وقافرها، ومفجر العيون ونافرها، ومرسل الرياح وزاجرها، وناهي القواصف وآمرها، ومزين السماء وزاهرها، ومدبر الافلاك ومسيرها، ومقسم المنازل ومقدرها، ومنشئ السحاب ومسخرها،


(1) انظر خطبة البيان: الزام الناصب (ط حق بين قم) 2 / 178 وما بعدها. (*)

[ 206 ]

وموج الحنادس ومنورها، ومحدث الاجسام ومقررها، ومكور الدهور ومكدرها، ومورد الامور ومصدرها، وضامن الارزاق ومدبرها، ومحيي الرفاة وناشرها. أحمده على آلائه وتوفرها، وأشكره على نعمائه وتواترها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تؤدي إلى السلامة ذاكرها، وتؤمن من العذاب ذاخرها، وأشهد أن محمدا (ص) الخاتم لما سبق من الرسل وفاخرها، ورسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة وناشرها، أرسله الى أمة قد شعر بعبادة الاوثان شاعرها، فأبلغ (ص) في النصيحة وافرها، وأنار منار أعلام الهداية ومنابرها، ومحا بمعجز القرآن دعوة الشيطان ومكاثرها، وأرغم معاطيس غواة العرب وكافرها، حتى أصبحت دعوته الحق بأول زائرها، وشريعته المطهرة الى المعاد يفخر فاخرها (صلى الله عليه وعلى آله الدوحة العليا وطيب عناصرها). أيها الناس سار المثل، وحقق العمل، وتسلمت الخصيان، وحكمت النسوان، واختلفت الاهواء، وعظمت البلوى، واشتدت الشكوى، واستمرت الدعوى، وزلزلت الارض، وضيع الفرض، وكتمت الامانة، وبدت الجناية، وقام الادعياء، ونال الاشقياء، وتقدمت السفهاء، وتأخرت الصلحاء وازور القران، واحمر الدبران، وكملت الفترة، وسدست الهجرة، وظهرت الافاطس، فحسمت الملابس، يملكون السرائر، ويهتكون الحرائر، ويجيؤن كيسان، ويخربون خراسان، فيهدمون الحصون، ويظهرون المصون، ويفتحون العراق بدم يراق، فآه آه، ثم آه آه، لعريض الافواه، وذبول الشفاه. ثم التفت يمينا وشمالا، وتنفس الصعداء ملالا، وتأؤه خشوعا، وتغير خضوعا،

[ 207 ]

فقام إليه سويد بن نوفل الهلالي فقال: يا أمير المؤمنين أنت حاضر بما ذكرت وعالم به ! فالتفت إليه بعين الغضب وقال له: ثكلتك الثواكل، ونزلت بك النوازل، يا ابن الجبان الخبائث، والمكذب الناكث، سيقصر بك الطول، ويغلبك الغول، أنا سر الاسرار، أنا شجرة الانوار، أنا دليل السموات، أنا أنيس المسبحات، أنا خليل جبرائيل، أنا صفي ميكائيل، أنا قائد الاملاك، أنا سمندل الافلاك، أنا سرير الصراح، أنا حفيظ الالواح، أنا قطب الديجور، أنا البيت المعمور، أنا مزن السحائب، أنا نور الغياهب، أنا فلك الحجج، أنا حجة الحجج، أنا مسدد الخلائق، أنا محقق الحقائق، أنا مأول التأويل، أنا مفسر الانجيل، أنا خامس الكساء، أنا تبيان النساء، أنا الفة الايلاف، أنا رجال الاعراف، أنا سر إبراهيم، أنا ثعبان الكليم، أنا ولي الاولياء، أنا ورثة الانبياء، أنا أوريا الزبور، أنا حجاب الغفور، أنا صفوة الجليل، أنا إيليا الانجيل، أنا شديد القوى، أنا حامل اللوا، أنا إمام المحشر، أنا ساقي الكوثر، أنا قسيم الجنان، أنا مشاطر النيران، أنا يعسوب الدين، أنا إمام المتقين، أنا وارث المختار، أنا ظهير الاظهار، أنا مبيد الكفرة، أنا أبو الأئمة البررة، أنا قالع الباب، أنا مفرق الاحزاب، أنا الجوهرة الثمينة، أنا باب المدينة، أنا مفسر البينات، أنا مبين المشكلات، أنا النون والقلم، أنا مصباح الظلم، أنا سؤال متى، أنا ممدوح هل أتى، أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم، أنا لؤلؤ الاصداف، أنا جبل قاف، أنا سر الحروف، أنا نور الظروف، أنا الجبل الراسخ، أنا العلم الشامخ، أنا مفتاح الغيوب، أنا مصباح القلوب، أنا نور الارواح، أنا روح الاشباح، أنا الفارس الكرار، أنا نصرة الانصار، أنا السيف المسلول، أنا الشهيد المقتول، أنا جامع

[ 208 ]

القرآن، أنا بنيان البيان، أنا شقيق الرسول، أنا بعل البتول، أنا عمود الاسلام، أنا مكسر الاصنام، أنا صاحب الاذن، أنا قاتل الجن، أنا صالح المؤمنين، أنا إمام المفلحين، أنا إمام أرباب الفتوة، أنا كنز أسرار النبوة، أنا المطلع على أخبار الاولين، أنا المخبر عن وقائع الآخرين، أنا قطب الاقطاب، أنا حبيب الاحباب، أنا مهدي الاوان، أنا عيسى الزمان، أنا والله وجه الله، أنا والله أسد الله، أنا سيد العرب، أنا كاشف الكرب، أنا الذي قيل في حقه " لا فتى إلا علي " أنا الذي قال في شأنه " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "، أنا ليث بني غالب، أنا علي بن أبي طالب. قال: فصاح السائل صيحة عظيمة وخر ميتا. فعقب أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) كلامه بان قال: الحمد لله بارئ النسم، وذارئ الامم والصلوات على الاسم الاعظم، والنور الاقدم، محمد وآله وسلم. ثم قال: سلوني عن طرق السماء فاني أعلم بها من طرق الارض، سلوني قبل أن تفقدوني، فان بين جنبي علوما كثيرة كالبحار الزواخر. فنهض إليه الرسخ من العلماء، والمهرة من الحكماء، وأحدق به الكمل من الاولياء والندر من الاصفياء، يقبلون مواطئ قدميه، ويقسمون بالاسم الاعظم عليه، بان يتم كلامه، ويكمل نظامه. فقال بحر الراسخين، وحبر العارفين، الامام الغالب علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): يظهر صاحب الراية المحمدية، والدولة الاحمدية، القائم بالسيف " والحال الصادق في المقال، يمهد الارض، ويحيى السنة والفرض. ثم قال: أيها المحجوب عن شأني، الغافل عن حالي، إن العجائب آثار

[ 209 ]

خواطري، والغرائب أسرار ضمائري، لاني قد خرقت الحجاب، وأظهرت العجاب، وأتيت بالباب، ونطقت بالصواب، وفتحت خزائن الغيوب، وفتقت دقائق القلوب، وكنزت لطائف المعارف، ورمزت عوارف اللطائف، فطوبى لمن استمسك بعروة هذا الكلام، وصلى خلف هذا الامام، فانه يقف على معاني الكتاب المسطور، والرق المنشور، ثم يدخل الى البيت المعمور، والبحر المسجور، ثم أنشد يقول: لقد حزت علم الاولين وإنني * ضنين بعلم الآخرين كتوم وكاشفت أسرار الغيوب بأسرها * وعندي حديث حادث وقديم وإني لقيوم على كل قيم * محيط بكل العالمين عليم ثم قال: لو شئت لاوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيرا. ثم قال: (ق والقرآن المجيد) كلمات خفيات الاسرار، وعبارات جليات الآثار، ينابيع عوارف القلوب، من مشكاة لطائف الغيوب، لمحات العواقب كالنجوم الثواقب، نهاية الفهوم بداية العلوم، الحكمة ضالة كل حكيم، سبحان القديم يفتح الكتاب، ويقرأ لجواب، يا أبا العباس أنت إمام الناس، سبحان من يحيي الارض بعد موتها، ويرد الولايات الى بيوتها، يا منصور تقدم الى بناء السور، ذلك تقدير العزيز العليم. وهذا آخر ما سمعته من لفظه النوراني، وأضبطه من كلامه الروحاني في هذا الباب: قال النبي (ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها، قال الله تعالى (وأتوا البيوت من أبوابها)، فن أراد العلم فعليه بالباب. وقد أظهر إحكام اللفظ بقوله الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمضاف إليه مجرور.

[ 210 ]

وقد تكلم بالطالع والمتوسط والغارب. وقال: الكيميا أخت النبوة، وأم الفتوة، وعصمة المروة. وقال: الفقه للاديان، والطب للابدان، والهندسة للبنيان، والنحو للسان، والنجوم للزمان. وقال: لا تسافروا والقمر بالعقرب. وقال: قمرنا أو قمرهم - جوابا للقائل له القمر في العقرب عند خروجه الى قتال أهل النهروان - والله لن يفلت منهم إلا أقل من عشرة، ولن يقتل منا إلا أقل من عشرة. قوله: " قمرنا أو قمرهم " إشارة الى أصل كبير في علم أسرار الغيوب، وكان الخوارج إثنى عشر الفا، فرجع منهم ثمانية آلاف الى طاعة الامام علي (ض)، وقتل منهم أربعة آلاف إلا تسعة هربوا، ومنهم نشأت الازارقة، ولم يقتل من أصحابه سوى ثمانية أنفس. وقال ابن عباس: ما من شهر إلا وفيه سبعة أيام نحسات. ولله در الامام علي (كرم الله وجهه) حيث قال: محبك يرعى هواك فهل * تعود ليال بضد الامل فما كان منقوط ذانحة * وما كان مهمل خير حصل واعلم أن يوم الاربعاء من آخر شهر نحس لان الله تعالى أرسل فيه الريح العقيم على قوم عاد. ومن أغرب ما قال: لا تعادوا الايام فتعاديكم. وقال ابن عباس: أعطي الامام علي تسعة أعشار العلم، وإنه لاعلمهم بالعشر الباقي.

[ 211 ]

وقال أيضا: أخذ بيدي الامام علي ليلة فخرج بي إلى البقيع، وقال: إقرأ يابن عباس، فقرأت بسم الله الرحمن الرحيم، فتكلم في أسرار الباء الى بزوغ الفجر. وقد أرسل هرقل ملك الروم رسولا الى عمر بن الخطاب (ض) يسأله عن خواص سواقط الفاتحة وأسرارها، فأخبره بها علي (ض) فحصل لرسول ملك الروم غم وحزن لمعرفة الامام علي أسرار هذه الحروف. وقال: الكلمة: إسم وفعل وحرف. وقال: سلوني عن أسرار الغيوب، فاني وارث علوم الانبياء والمرسلين (عل). وقال رسول الله (ص) في حقه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي. وقال (ص): خلقت أنا، وهارون بن عمران، ويحيى بن زكريا، وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة. وقال يوما على المنبر: لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ورياضا وأزهارا. وقال: ويل للعرب من شر قد اقترب. قال الله - تبارك وتعالى -: (مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان * يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) محمد وعلي وفاطمة وحسن وحسين. فالفرد إشارة إلى البحر الازلي، والزوج إشارة إلى البحر الابدي، والبرزخ إشارة إلى السر المحمدي، يخرج من بحر الازل اللؤلؤ، ومن بحر الابد المرجان (فبأي آلاء ربكما تكذبان). واعلم أن محمدا (ص) هو صورة العنصر الاعظم، والامام علي صورة العقل الكل، وهو القلم الاعلى لهذا العالم، وفاطمة هي صورة النفس الكلية، وهي

[ 212 ]

اللوح المحفوظ، والحسن هو صورة العرش، والحسين هو صورة الكرسي. وأئمة الاثنا عشر صورة البروج الاثني عشر، والامام محمد المهدي صورة العالم. واعلم أن جميع أسرار الله - تعالى - في الكتب السماوية، وجميع ما في الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي هي تحت الباء. قال الامام علي (ض): أنا النقطة التي هي تحت الباء. قال أيضا: العلم نقطة كثرها الجاهلون، والالف واحدة عرفها الراسخون، والباء مدة قطعها العارفون، والجيم حفرة تأهلها الواصلون، والدال درجة قدسها الصادقون. وقد اتفق أهل الملل الاربع، يعني المسلمين والنصارى واليهود والمجوس، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة. ويؤيد ذلك ما روي عن النبي (ص) أنه قال: مدة عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإني بعثت في ألف الاخير. وقال (ص): بعثت أنا والساعة كهاتين - وأشار باصبعه السبابة والوسطى منضمين - ونسبة فضل الوسطى على السبابة نسبة السبع. وقال الامام علي (ض): الباقي الى خراب الدنيا ألف سنة، وفي التوراة أيضا كذلك. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): إن دنياكم هذه أسبوع من أسابيع الآخرة، وإنكم في آخر يوم منه، قال الله تعالى: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) (1).


(1) الحج / 47. (*)

[ 213 ]

وفي رواية: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، وهي سبعة آلاف سنة، وإن الله - تبارك وتعالى - يبعث في كل ألف سنة نبيا بمعجزات واضحة، وبراهين قاطعة، لرفع أعلام دينه القويم، وظهور صراطه المستقيم، فكان في أول الالف الاولى آدم، وفي الالف الثانية إدريس، وفي الالف الثالثة نوح، وفي الالف الرابعة إبراهيم، وفي الالف الخامسة موسى، وفي الالف السادسة عيسى (عل) وفي الالف السابعة محمد (ص) الذي ختمت به النبوة، وتمت به ألف الدنيا. فالالف الاولى للزحل، والالف الثانية للمشتري، والالف الثالثة للمريخ، والالف الرابعة للشمس، والالف الخامسة للزهرة، والالف السادسة للعطارد، والالف السابعة للقمر. فالمستولي على ألف آدم حرف الالف، والمستولي على ألف إدريس حرف الباء، والمستولي على ألف نوح حرف الجيم، والمستولي على ألف إبراهيم حرف الدال، والمستولي على ألف موسى حرف الهاء، والمستولي على ألف عيسى حرف الواو، والمستولي على ألف محمد (ص) حرف الزاء. قال رسول الله (ص): إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. وقال أنس بن مالك: لما دخل رسول الله (ص) المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ، وما نفضنا أيدينا عن التراب وانا لفي دفنه (ص) حتى أنكرنا قلوبنا. وقد ولد (ص) في الالف السابعة في عهد كسرى انوش - روان الملك العادل عام الفيل. فهو (ص) فاتحة كتاب الوجود عند أرباب الكشف والشهود، كما قال (ص):

[ 214 ]

أول ما خلق الله نوري. فهو كلمة حمد افتتح بها الحق كتاب الوجود فانه أمر ذو بال فلو لم يبدأ فيه بحمد الله الذي هو محمد وخلقه أحمد لكان الوجود أجذم. فهو (ص) الفاتح والخاتم كما هو الحمد، وكما افتتح الله به كتاب الابد فكذلك يفتح به تعالى كتاب الاعادة، كما قال (ص): أنا أول من تنشق عنه الارض. وكذلك خص بسورة الحمد التي هي فاتحة كتابه، وهي كنز من تحت العرش، فهي لم ينفح منه إلا اسمه محمد وأحمد (ص). قال (ص): لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الارض الله الله لهما من العدد (132) بعدد اسمه (ص) محمد وهو عدد اسلام، وهذا العدد له من الحروف قلب، فهو (ص) قلب هذا العالم. وإن لله - تبارك وتعالى - خليفة يخرج في آخر الزمان، وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملاها قسطا وعدلا، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد حتى يلي هذا الخليفة من ولد فاطمة الزهرا (رضي الله عنها) وهو أقنى الانف أكحل الطرف، وعلى خذه الايمن خال، يعرفه أرباب الحال، إسمه محمد، وهو مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، وسيميت الله به كل بدعة، ويحمي به كل سنة، يسقي خيله من أرض صنعاء وعدن، أسعد الناس به أهل الكوفة، ويقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية. في أيامه لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته، ولا تدع الارض من نباتها شيئا إلا أخرجته. وهذا الامام المهدي القائم بأمر الله، يرفع المذاهب فلا يبقى إلا الدين الخالص، يبايعونه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف وتعريف إلهي، فلا يترك

[ 215 ]

بدعة إلا ويزيلها، ولا سنة إلا ويقيمها. وروي عن الباقر (ض): إنه يلبث ثلاثمائة وتسع سنين كما لبثوا أهل الكهف. وقيل: إنه يموت قبل القيامة بأربعين يوما، والله أعلم بالصواب. وقد آتاه الله في حال الطفولية الحكمة وفصل الخطاب. وأما أمه فاسمها نرجس، وهي من أولاد الحواريين. وإذا خرج هذا الامام المهدي فليس له عدو مبين إلا الفقهاء خاصة، هو والسيف اخوان، ولولا أن السيف بيده لافتوا الفقهاء في قتله، ولكن الله يظهره بالسيف والكرم، فيطيعون ويخافون، فيقبلون حكمه من غير إيمان بل يضمرون خلافه. وقد تكلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في هذا السر المصون، واللؤلؤ المكنون، على شأن الماضي والمستقبل، وهو ألف وسبعمائة مصدر، وهو محتو على ثمانية وعشرين صورة بعدد منازل القمر. وقد ذكر أرباب الحقائق أن صورة من هذه الصور احتوت على سبعين ملكا، فجمعنا أعداد هذه الملوك فوجدناها ألفا وتسعمائة وستين ملكا، وفيه أيضا سبعة أشكال بعدد الكواكب السيارة، وقد ذكر الامام علي فيها شأن أربعة عشر ملكا من بني أمية، أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد، وخلص لهم الامر (83) سنة كاملة وهي ألف شهر. ثم فيه إثنا عشر شكلا بعدد حقائق البروج قد ذكر فيها أسرار خلفاء العباسية أولهم أبو العباس السفاح واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهم). وقد بويع له في ربيع الاول في عام (132) من الهجرة، وكانت خلافته أربع سنين وعشرة أشهر كخلافة الامام علي (كرم الله وجهه)، وآخرهم الامام المستكفي بالله، وصفا

[ 216 ]

لهم الزمان خمسمائة وتسعة وستون سنة، وكلهم تسعة وثلاثون خليفة. وهذا الامام المهدي يبايعه أهل الله في شوال، وقد ذكر فيه أرباب أسرار الملاحم والفتن من ابتداء ظهور المهدي إلى انقراض العالم. وقد ورث هذا الكتاب النوراني واللباب الصمداني الامام المهدي، وهو ورثه من أبيه الحسن العسكري وهو ورثه من أبيه علي النقي، وهو ورثه من أبيه محمد التقي، وهو ورثه من أبيه علي الرضا، وهو ورثه من أبيه موسى الكاظم، وهو ورثه من أبيه جعفر الصادق، وهو ورثه من أبيه محمد الباقر، وهو ورثه من أبيه زين العابدين، وهو ورثه من أبيه الحسين، وهو ورثه من أبيه الامام علي (رضي الله عنهم أجمعين). وأما الامام جعفر الصادق (ض) فهو الذي غاص في تياره واستخرج جواهره، وأظهر كنوزه، وفسر رموزه. وقد صنف الخافية في أسرار الحروف، ونقل عنه أنه كان يتكلم بغوامض الحقائق وهو ابن سبع سنين. وهو الذي قال: لقد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون. وقد ذكر فيه وزراء الاقاليم السبعة وأمراءها وما يتفق ويحدث لهم الى أن تقوم الساعة. وقال: نحن الجبال الرواسخ لا تحركنا الرياح العواصف. وهذه الاقاليم السبعة ليست أقساما حسية، ولكنها خطوط وهمية وضعها الاولون من الملوك والانبياء الذين طافوا الربع المسكون من الارض مثل أفريدون النبطي، وتبع الحميري، وسليمان بن داود الاسرائيلي نبي الله (عل)، واسكندر اليوناني، واردشير بن بابك الفارسي.

[ 217 ]

واعلم أن حروف أوائل السور رموز، وإن تحت كل حرف من ذلك خواص وأسرار ومنافع وآثار لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم. وقد ذكر الكندي أي الحكيم أبو إسحاق الكندي في كتابه الذي سير فيه طالع حلة العرب: إن أحبار اليهود جاءوا الى النبي (ص) فقالوا: يا محمد بلغنا انه أنزل عليك " الم ". فقال: نعم. فقالوا: أتأمرنا أن ندخل في ملة تكون مدتها إحدى وسبعين سنة ؟ فقال: إنه قد أنزل علي غير هذا. فقالوا: وما هو ؟ قال: (المص) و (المر) و (حم) و (كهيعص) و (طس) و (طسم). فقاموا من عنده وقالوا: قد أشكل علينا أمرك يا محمد. ثم إن أرباب الاسرار بناء على هذا السر حسبوا أعداد هذه الحروف فوجدوها بحساب الجمل تسعمائة وثلاث، وهي ملك العرب، والحروف التي هي أكثر تكرارا، فملك العرب أقوى وأعز، وما ليس مكرر فالملك فيها ضعيف. وقال حذيفة: أؤل ما تفقدون من دينكم الخشوع، ولا تقوم الساعة حتى يموت قلب الرجل كما يموت بدنه. قال الله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) وقال تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) وقال تعالى (وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا). وقد ذكر النبي (ص) من خروج الملاحم وأصحاب الفتن، قال حذيفة: والله ما ترك رسول الله (ص) من قائد فتنة الى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته.

[ 218 ]

وقد أخبر (ص) عما وقع بعده من الفتوح على المسلمين، وعما ظهر من الفتن التي الامساك عن الخوض فيها من أحسن الحسن، وعما ورد من أحاديث الملاحم وأمثالها، وظهور الفتن وأحوالها. ولقد أخبر عن ملاحم الروم فحصلت، وعن قتال الترك فقوتلت. قال تعالى: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا). وقد بين الله في كتابه ما جرى للاولين وما يجري للآخرين إذ ما من سر من الاسرار إلا وهو مخبوء فيه. قال تعالى: (لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). وقال (عزوجل) (ما فرطنا في الكتاب من شئ). قال الامام علي (ض): ما من شئ إلا وعلمه في القرآن ولكن عقول الرجال تعجز عنه. قال أيضا: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا كتاب حروف التهجي. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): لو ضاع لاحدكم عقال بعير لوجده في القرآن. حتى أن ابن برجان قد استخرج فتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من قوله تعالى: (الم غلبت الروم * في أدنى الارض) فكان كما قال. ومع ما ذكرنا أنه علم من علوم آدم (ع). ثم إن الحروف التي كان آدم (ع) يستخرج بها الاسرار الغيبية، والآثار الكونية، هي موجودة عندنا نستدل بها على أحوالنا وتصرفها في أفعالنا الظاهرة والباطنة، إذ كل حرف له معان ظاهرة ومعان باطنة، فبمعانيه الظاهرة نعرف مدد السفلية، وبمعانيه الباطنة نعرف مدد العلوية، وكل حرف منها تحتوي على علوم جليلة الشأن وأسرار عظيمة البرهان ولقد تقدم ذكرها.

[ 219 ]

قال يحيى بن أعقب معلم السبطين (رضي الله عنهم) شعرا: فستبدو عجائب منكرات * لكرهت الحياة لو كنت حيا بين آل النبي وأطول حزني * فتنا هو لها يشيب الصبيا يوم صفين لو عقلت عليما * لقتال يردى الشجاع الكميا وعلى كربلا مقام شنيع * دهرا ويعز الشام عزا قويا وترى السيد العزيز ذليلا * هائل منكر يؤذي عليا بعدها تملك الاعاريب * وترى الوغد مستطيلا قويا ويعم الشام جور الى أن * يبلغ الشط والجسور سويا وبعشرين من مؤرخة التسعين * لا بد أن يظهر إمام المهديا أسمر اللون مشرق الوجه بالنور * ملتح المعاطف طريجنيا يظهر الحق والبراهين والعدل * فتلقى إذا إمام عليا وتطيع البلاد من مشرق الارض * إلى المغربين طوعا جليا وترى الذئب عنده الشاة ترعى * ذاك بالعدل والامان حفيا يحكم الاربعين في الارض ملكا * ويوفي وكل حي وفيا قال معلم السبطين حقا * يقوم بأمر الله إماما قويا وأما معلم السبطين (رضي الله عنهم) هو يحيى بن أعقب، وهو مدفون بمصر القاهرة، قبره يزار ويتبرك به. وقد قيل: إن جبرائيل (ع) جاء الى رسول الله (ص) وهو جالس في المسجد بتفاحتين من الجنة، فدخل عليه الحسن والحسين، فناول الواحدة للحسن والاخرى للحسين، وما جاء الى معلمهما فوهباها، فأكلها فانطقه الله - تبارك وتعالى - بذكر المغيبات، فقال النبي (ص): يا ابن أعقب قدم وأخر. وهذه الحكاية مستفاضة بمصر والشام والحجاز عند الخواص والعام.

[ 220 ]

وأما الدجال فان خروجه يكون من خراسان من أرض المشرق يوضع الفتن، تتبعه الاتراك واليهود، ويمر الدجال بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها، وهو قصير القامة، كهل، أعور اليمنى، مكتوب بين عينيه (ك ف ر) ولبثه في الارض أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس، ويقتله عيسى (ع) بباب مدينة لد. وإذا قتل الدجال فلا يبق في الارض مشرك، ولا شئ من الاهواء المختلفة. قال أهل التفسير: تخرج دابة الارض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام فيجلو وجه المؤمن بالعصا، ويختم أنف الكافر بالخاتم. ومن أمارات ظهور الامام المهدي (ع) خروج السفياني، هو يرسل ثلاثين الفا الى مكة، وفي البيداء تخسفهم الارض، فلا ينجو منهم إلا رجلان، وتكون مدة حكمه ثمانية أشهر، وظهور المهدي في هذه السنة. قال مقاتل في تفسيره: والصيحة التي تكون في شهر رمضان تكون في ليلة الجمعة، ويكون ظهور المهدي عقبه في شوال. ومن أمارات خروج الامام المهدي (ع) مناد ينادي ألا إن صاحب الزمان قد ظهر، وهو في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، فلا يبقى راقد إلا قام، ولا قائم إلا قعد، وإنه يخرج في شوال في وتر من السنين، ويبايعه بين الركن والمقام ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من الاخيار، كلهم شبان لا كهل فيهم، ويكون دار ملكه الكوفة، ويبنى له في ظهر الكوفة مسجد له ألف باب.

[ 221 ]

الباب التاسع والستون في إيراد ما في كتاب " الدر المكنون والجوهر المصون لحل الصحيفات الجفرية بالقواعد الجعفرية " للشيخ محي الدين العربي الطائي الحنفي الاندلسي (قدس الله سره ونور روحه ووهب لنا فيوضاته وفتوحاته) وإنه ذكر في هذا الكتاب ما ذكر في (درة المعارف) للشيخ عبد الرحمن البسطامي، وإني أورد ما ذكره في (الدر المكنون) ولم يوجد في " درة المعارف " وقد أورد ما وجد فيها للتأكيد قال: وقد شرح كتاب إدريس (ع) تنكلوشاه البابلي، وثابت بن قرة الحراني، ولما أطلعني الله على العوالم الماضية سألت إدريس (ع) عن شرحيهما فقال: إنهما لم يعلما إلا ظاهره، وإنه إلى الان مقفل فحله لي. الامام علي (ض) ورث علم الحروف من سيدنا محمد (ص) واليه الاشارة بقوله (ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فعليه بالباب. وقد ورث علي (كرم الله وجهه) علم الاولين والآخرين، وما رأيت فيمن اجتمعت بهم أعلم منه. قال ابن عباس (رضي الله عنهما): أعطي الامام علي (كرم الله وجهه) تسعة أعشار العلم، وإنه لاعلمهم بالعشر الباقي.

[ 222 ]

وهو أول من وضع مربع مائة في مائة في الاسلام، وقد صنف الجفر الجامع في أسرار الحروف، وفيه ما جرى للاولين وما يجري للآخرين، وفيه اسم الله الاعظم، وتاج آدم، وخاتم سليمان، وحجاب آصف عليهم السلام. وكانت الائمة الراسخون من أولاده (رضي الله عنهم) أسرار هذا الكتاب الرباني واللباب النوراني، وهو ألف وسبعمائة مصدر المعروف بالجفر الجامع والنور اللامع، وهو عبارة عن لوح القضاء والقدر. ثم الامام الحسين (ض) ورث علم الحروف عن أبيه (كرم الله وجهه). ثم الامام زين العابدين ورث من أبيه (رضي الله عنهما). ثم الامام محمد الباقر ورث من أبيه (رضي الله عنهما). ثم الامام جعفر الصادق ورث من أبيه (رضي الله عنهما)، وهو الذي غاص في أعماق أغواره واستخرج درره من أصداف أسراره، وحل معاقد رموزه وصنف الخافية في علم الجفر، وجعل في خافيته الباب الكبير " ابتث "، وفي الباب الصغير " ابجد " الى " قرشت "، ونقل انه يتكلم بغوامض الاسرار، والعلوم الحقيقة، وهو ابن سبع سنين. وقال الامام جعفر الصادق (ض): علمنا غابر ومزبور، وكتاب مسطور في رق منشور ونكت في القلوب، ومفاتيح أسرار الغيوب، ونقر في الاسماع، ولا ينفر عنه الطباع، وعندنا الجفر الابيض، والجفر الاحمر، والجفر الاكبر، والجفر الاصغر ومنا الفرس الغواص، والفارس القناص، فافهم هذا اللسان الغريب، والبيان العجيب. قيل: إن الجفر يظهر آخر الزمان مع الامام محمد المهدي (ض) ولا يعرفه على الحقيقة إلا هو.

[ 223 ]

وكان الامام علي (ض) من أعلم الناس بعلم الحروف وأسرارها. وقال الامام علي (كرم الله وجهه): سلوني قبل أن تفقدوني، فان بين جنبي علوما كالبحار الزواخر. واعلم أن هذا الجفر هو التكسير الكبير الذي ليس فوقه شئ، ولم يهتد الى وضعه من لدن آدم (ع) إلى الاسلام غير الامام علي (كرم الله وجهه)، كل ذلك ببركة تعليم خير الانام، ومصباح الظلام، محمد (عليه أفضل الصلاة وأتم السلام). ولما كنت في بلدة بجلية سنة 610 اجتمعت بادريس (ع) وحللت عليه الثمانية والعشرون سفرا بكمالها، وأهدى إلي علمه على أحسن حال، فهذا الذي حملني على إخراج كتاب السهل الممتنع، وما سلم من الخطاء إلا المعصوم وما منا إلا له مقام معلوم. وإن الامام جعفر الصادق (ض) وضع وفقا مسدسا على عدد حرف ألف الذي هو كافي، وكان يخرج منه علوما كالبحار الزواخر، وإن أردت حله على الحقيقة فانظر في كتاب " شق الجيب " يظهر لك سر ذلك، وكان لسيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي له فيه تصرف غريب. قال سيدي الشيخ أبو مدين المغربي: ما رأيت شيئا إلا رأيت مشكل الباء فيه، فلذلك كان أول البسملة، وهي آية من كل سورة. وقال: ما من رسم يرسم إلا وله خاصية، حتى الحية إذا مشت على التراب. وقد أودع الامام جعفر الصادق (ض) في السر الاكبر من الجفر الاحمر سر كبير، ولا ينبئك إلا مثله إمام خبير، فان عرفت سره ووضعه وضعت الجفر جميعه، وذكرت بعض هذه الاسرار في الفتوحات المكية.

[ 224 ]

فلما أراد الله أن يثبت الحجة لآدم (ع) على الملائكة، وأراد أن يعلمهم أن آدم (ع) أحق بالخلافة منهم (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم) (1) فلما نبأهم بأسمائهم ثبت العجز على الملائكة بالمسألة التي سألهم إياها وعجزوا عن علمها، فجعل آدم خليفة لكونه أحق بالخلافة منهم لفضل علمه، فمن وصل الى هذه الفضيلة فقد اختصه الله - تبارك وتعالى - من بين عباده، وجعله أفضل أهل زمانه ولم يهتدوا الى سر يقع إلا إمام العلوم باب مدينة المعصوم (ص) وأعلى الله مقامه لديه. وحللنا نزرا يسيرا في " شق الجيب " فيما يتعلق بالمهدي (ع) وخروجه. أخرج يا إمام تعطل الاسلام، إن الذي فرض عليك لرادك الى معاد. إذا دار الزمان على حروف * ببسم الله فالمهدي قاما ويخرج بالحطيم عقيب صوم * ألا فاقرأه من عندي السلاما


(1) البقرة / 33. (*)

[ 225 ]

الباب السبعون في إيراد ما أخرجه صاحب كتاب المطالب العالية من تعريف الاشياع والاتباع لاهل البيت، وإيراد كلام السلف في تفضيل الخلفاء بعضا من بعض وفي الصواعق المحرقة ما أخرجه صاحب المطالب العالية عن علي (كرم الله وجهه) ومن جملته: انه مر على جمع فأسرعوا إليه قياما فقال: من القوم أنتم ؟ قالوا: من شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال لهم خيرا، ثم قال لهم: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبائنا ؟ فأمسكوا عن الجواب حياء فقال من معه: نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت، وخصكم وحباكم، أنبئنا صفة شيعتكم. قال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، هم أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، خشعوا لله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غامضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، رامقين اسماعهم على العلم بربهم، رضوا عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله عليهم لما استقرت أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا

[ 226 ]

الى لقاء الله تعالى والثواب وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها، فهم على أرائكها متكئون وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم الدنيا فامتنعوا عنها. أما الليل فصافون أقدامهم، تالون لاجزاء القرآن ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون بلاءهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم على الارض، تجري دموعهم عل خدودهم، يمجدون جبارا عظيما، يلتجئون إليه في فكاك رقابهم، هذا ليلهم. وأما النهار، فعلماء حكماء، بررة أتقياء، بادروا الى الله تعالى بالاعمال الزاكية، لا يرضون عنها هم بالقليل، ولا يستكثرونها بالجزيل، فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ويرى لاحدهم قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في قصد، وقصدا في غناء، وتحملا في فاقة، وصبرا في مشقة، وخشوعا في عبادة، ورحمة لجمهور، وعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة وعمله الذكر، وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة، ورغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل، والعلم بالحلم، دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليل زلله، متوقع قلبه، شاكرا ربه، مانعا نفسه، محرزا دينه، كاظما غيظه، آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره، بينا صبره، كثيرا ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، أولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، آها شوقا إليهم.

[ 227 ]

فصاح بعض من معه، وهو همام بن عباد بن خيشم، وكان من المتعبدين صيحة فوقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو فارق الدنيا، فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين ومن معه (1). وفي المناقب: عن نوف البكالي (ض) قال رسول الله (ص): يا نوف أتدري من شيعتي ؟ قلت: لا أدري، والله. قال (ص) شيعتي هم الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية والربانية في وجوههم، رهبان بالليل أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل اتزروا على أوساطهم وارتدوا على أطرافهم، وصفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يلجأون إلى الله تعالى في فكاك أعناقهم، وأما النهار. فحكماء علماء، كرام أبرار أتقياء. يا نوف، شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس ولو مات جوعا. إن رأى مؤمنا أكرمه. وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله شيعتي. وفي كتاب " المعارف " لمسلم بن قتيبة: قال: أبو الطفيل آخر الصحابة وكان يحب عليا (كرم الله وجهه) ويفضله. وفي كتاب الاصابة: أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني الليثي، قال: أدركت ثماني سنين من حياة النبي (ص) وكان يعترف بفضل أبي بكر وعمر، لكنه يقدم عليا (رضي الله عنهم)، وهو آخر من مات من الصحابة بالاتفاق (2).


(1) الصواعق المحرقة: 154 - 155. (2) الاصابة 4 / 113 ترجمة 676 حرف الطاء القسم الاول. (*)

[ 228 ]

وفي جواهر العقدين: إن أهل السنة لم تكفر من قال بتفضيل علي على أبي بكر (رضي الله عنهما) وهو الذي مال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، واختاره إمام الحرمين في الارشاد، وإن التفضيل بينهما ظني لا قطعي، وبه جزم صاحب " المفهم في شرح مسلم ". وان الامام الاشعري الى أنه قطعي (1). وقال ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب في ترجمة عمر (ض): ذكر عبد الرزاق عن معمر قال: لو أن رجلا قال عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته، وكذلك لو قال: علي عندي أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه. قلت: واليه يشير ما حكاه الخطاب عن بعض مشايخه أنه كان يقول: أبو بكر خير وعلي أفضل. وقال ابن عبد البر أيضا: إن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي (رضي الله عنهما). وقال قبل ذلك في ترجمة علي أيضا: وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب بن الارت وجابر بن عبد الله الانصاري وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم: إن علي بن أبي طالب أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره (2) (انتهى). وقال أيضا: إن جماعة من أئمة السلف من أهل السنة وقفوا في علي وعثمان فلم يفضلوا واحدا منهما على صاحبه، منهم مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وابن معين (3). أخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري: عن زيد بن الحباب قال:


(1) جواهر العقدين 2 / 368. (2) جواهر العقدين 2 / 369. (3) الممدر السابق. (*)

[ 229 ]

كان رأي سفيان الثوري رأي الكوفيين، يفضل عليا على أبي بكر وعمر (رضي الله عنهم)، فلما سار إلى البصرة رجع يعني إلى القول بتفضيلهما عليه (1). وأخرج الائمة الحفاظ، منهم الدارقطني وغيره أن عليا (ض) بلغه أن عبد الله بن سبأ يفضله على أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) فهم علي بقتله فقال ابن سبأ: أتقتل رجلا أحبك وفضلك. فقال: لا جرم لا تساكنن في بلدة أنا فيها، فأخرجه الى المدائن (2). وأخرج الدارقطني في الفضائل من طريق مالك بن أنس " عن جعفر بن محمد، - هو الصادق -، عن أبيه - هو الباقر -: إن عليا وقف على عمر بن الخطاب وهو مسجى (رضي الله عنهما) قال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أحدا أحب إلي أن القى الله بصحيفة من هذا المسجى. قال الدارقطني عقيبه: هذا حديث صحيح عن مالك عن جعفر الصادق، وروي من طريق أخرى مثله (3). وقول ابراهيم الحجى للامام الشافعي رحمه الله رواه البيهقي: ما رأيت هاشميا قدمهما - يعني الشيخين - على علي غيرك. فأجابه بأن عليا ابن عمي، وابن خالتي، وأنا رجل من بني عبد مناف، وأنت رجل من بني عبد الدار ولو كانت هذه مكرمة لكنت أولى بها منك، ولكن ليس الامر على ما تحسب (انتهى). وقوله: " ابن خالته " إن أم جذه الاعلى خليدة بنت أسد بن هاشم، وأم علي (رضي


(1) حلية الاولياء 7 / 31. (2) جواهر العقدين 2 / 182. (3) جواهر العقدين 2 / 360. (*)

[ 230 ]

الله عنهما) فاطمة بنت أسد بن هاشم (1). وروي: ان جماعة كانوا عند الحسن بن علي الاطروش بن محمد البطحاني بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (رضى الله عنهم) بمصر وكان عنده رجل من بني الزبير ينازعه ويقول له: أنتم معشر العلويين إذا وليتم تستحلون الاموال وتستعبدون الاحرار وتقولون الناس خول لنا. فأنشأ الحسن في ذلك المجلس: تقول الناس بأنا نقول * بأن الانام عبيد لنا فلا والذي جعل المصطفى * أبانا وفاطمة أمنا ووالد سبطي نبي الهدى * وسبطا نبي الهدى فخرنا فما صدقوا في مقالاتهم * علينا ولكن رأوا فضلنا فأعزوا بنا ليروا مثلنا * فانى ولن يدركوا ما بلغنا فان صدقوا قد كفيناهم * وان كذبوا سفها قولنا فبالله ندفع ما لانطق * فما زال سبحانه حسبنا (2) أخرج ابن السمان في الموافقة: عن قيس بن أبي حازم، قال: إلتقى أبو بكر وعلي (رضي الله عنهما) فتبسم أبو بكر في وجه علي، فقال له: مالك تبسمت ؟ فقال: سمعت النبي (ص) يقول: لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز (3). وأخرج المسعودي في " مروج الذهب ": ان المعتمد أدخل علي النقي على صحن


(1) جواهر العقدين 2 / 182. (2) جواهر العقدين 2 / 371. (3) جواهر العقدين 2 / 353. 337. (*)

[ 231 ]

الدار التي فيه سباع فلم تضره وهو يمسح رؤوسهما بكمه. وان يحيى بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى لما هرب إلى الديلم، ثم أتي به عند الرشيد، فأمر بقتله ألقاه في بركة فيها سباع قد جوعت فلا تضر وهو سالم (1). وفي عمدة الطالب للشريف أبي العباس بن عتبة نحو هذا (2). وقد روى المسعودي: إن عبد الله بن مصعب الزبيري قال: إن موسى الملقب بالجون ابن عبد الله المحض أرادني على البيعة له، جمع الرشيد بينهما قال موسى: يا أمير المؤمنين هذا شكى باطلا، والله كنت رأيته مع أخي محمد الملقب بالنفس الزكية ابن عبد الله المحض على جدك المنصور وهو القائل بأبيات: قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها * إن الخلافة فيكم يا بني حسن في شعر طويل. وقد قال علي باطلا وأنا مستحلفه. فقال له موسى: قل تبرأت من حول الله وقوته الى حولي وقوتي إن لم يكن ما حكيته صدقا، فحلف له. فقال موسى: حدثني أبي عن آبائه (رضي الله عنهم) عن رسول الله (ص) انه قال: ما حلف أحد بهذه اليمين وهو كاذب إلا عجل الله عليه العقوبة قبل ثلاثة أيام. قال الفضل بن الربيع: فوالله ما صليت العصر في ذلك اليوم إلا مات ابن مصعب الزبيري فأعطى الرشيد موسى ألف دينار. ثم قال المسعودي: قيل: إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله المحض


(1) جواهر العقدين 2 / 379. (2) المصدر السابق. (*)

[ 232 ]

أخو موسى الجون (1). الحافظ ابن الاخضر في " معالم العترة الطاهرة " من طريق أبي نعيم: عن ابن علي الرضا محمد الجواد، قال: قد قال محمد الباقر: رحم الله أخي زيدا فانه أتى أبي فقال: إني أريد الخروج على هذه الطاغية، بني مروان، فقال له: لا تفعل يا زيد إني أخاف أن تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة، أما علمت يا زيد أنه لا يخرج أحد من ولد فاطمة على أحد السلاطين قبل خروج السفياني إلا قتل، فكان الامر كما قال له أبي (2). (انتهى جواهر العقدين). وفي المناقب: إن أمير المؤمنين علي (سلام الله عليه) قال للخوارج ويناشدهم: معاشر الناس أنشد الله تعالى كل مسلم سمع رسول الله (ص) يقول: ما من دعاء إلا بينه وبين السماء حجاب حتى يصلى على محمد وآل محمد، فإذا فعل ذلك انخرق الحجاب فدخل الدعاء، وإذا لم يفعل رد الدعاء فلم يجد مدخلا ؟ فقال كثير من الناس: نعم سمعناه عن رسول الله (ص) مرارا. ثم قال: والله إنني لمن لباب آل محمد وصميمهم الذين صلى عليهم، فمن نال مني منالا، أو ارتكب مني مرتكبا، فانما يناله ويرتكبه من رسول الله (ص) فالحذر الحذر عباد الله أن تلقوا رسول الله (ص) في القيامة معرضا عنكم من أجلي، فمن أعرض عنه رسول الله (ص) أعرض الله بوجهه الكريم عنه، والله لقد سمع قوم منه (ص) يقول في خطبته في حجة الوداع، على المنبر: من آذى أحدا من أهل بيتي قطع ما بيني وبينه، ومن انقطع ما بيني وبينه انقطعت ما بينه وبين الله


(1) جواهر العقدين 2 / 379 - 381. (2) جواهر العقدين 2 / 345. (*)

[ 233 ]

العلوم التي توجب الجنة، والله إنني الرجل الذي احتمله رسول الله (ص) على ظهره حتى أصعده على سطح الكعبة المكرمة لالقاء الصنم الكبير الذي كان مركوزا عليها فقال لي: إقذفه وأركسه قوى الله عضدك، فقذفته فتكسر كالقوارير، ثم نزلت وجعلنا نستبق البيوت خشية أن تلقانا كفار قريش، فأين من يدانيني أو يرقى مرقاي، والله إنني الرجل الذي آخى رسول الله (ص) به نفسه حين آخى بين أصحابه، والله إنني مني لتمام خلافة رسول الله (ص) التي أخبر عنها، تكون بعده ثلاثين سنة، ثم تكون بعده ملكا عضوضا ولقد شكت فاطمة (سلام الله عليها) شططا (1) من العيش وضيق الحال فقال لها: أما ترضين يا فاطمة أن الله اطلع الى أهل الارض فاختار منهم رجلين وجعل أحدهما أباك والآخر بعلك، فانا مختار الله لابنة رسول الله (ص).


(1) في (أ): شنطا والصحيح شظفا. (*)

[ 235 ]

الباب الحادى والسبعون في إيراد ما في كتاب " المحجة فيما نزل في القائم الحجة " للشيخ الكامل العلامة الشريف هاشم بن سليمان بن اسماعيل الحسيني البحراني (قدس الله سره ووهب لنا علومه) (1) عن أبي خالد الكابلي، عن الامام جعفر الصادق (ض) في قول الله (عزوجل): (فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا) (1)، قال: يعني أصحاب القائم الثلاثمائة وبضع عشر، وهم والله الامة المعدودة، يجتمعون في ساعة واحدة كقزع الخريف. (2) وفي سورة البقرة: (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين) (2) الى آخرها. عن محمد بن مسلم، عن جعفر الصادق (ض) قال: إن قدام (قيام) (3) القائم (ع) علامات بلوى من الله للمؤمنين. قلت: وما هي ؟


(1) مطبوع في ذيل غاية المرام: 720 حديث 2. (1) البقر ة / 148. (2) غاية المرام: 726 حديث 3. (2) البقرة / 155. (3) الزيادة من (ن). (*)

[ 236 ]

قال: هذه الآية قال تعالى: (ولنبلونكم بشئ من الخوف): نلقيهم بالاسقام، (والجوع) بغلاء أسعارهم، (ونقص من الاموال) بالقحط، (والانفس) بموت ذائع، (والثمرات) بعدم المطر، (وبشر الصابرين) عند ذلك (بخروج القائم). ثم قال: يا محمد هذا تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، ونحن الراسخون في العلم. وعن رفاعة بن موسى قال: سمعت جعفر الصادق (ض) يقول في قوله تعالى في سورة آل عمران: (وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها " (1) قال: إذا قام القائم المهدي لا يبقى أرض إلا نودي فيها شهادة " أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ". وعن يزيد بن معاوية العجلي، عن محمد الباقر (ض) في قوله تعالى - في سورة الانفال -: (يا أيها الذين آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا) (2). قال: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا على أذية عدوكم، ورابطوا إمامكم المهدي المنتظر. وعن جابر الجعفي، عن محمد الباقر (ض) في قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا على عبدنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) (3).


(3) غاية المرام: 727 حديث 4. (1) آل عمران / 83. (4) غاية المرام: 727 حديث 5. (2) آل عمران / 200. (5) غاية المرام: 727 - 728 حديث 6. (3) النساء / 47. (*)

[ 237 ]

قال: لا يفلت من جيش السفياني الهالكين في خسف البيداء إلا ثلاثة نفر، يحول الله وجوههم في أقفيتهم، وذلك عند قيام القائم المهدي (ع). (6) وعن محمد بن مسلم عن محمد الباقر (ض) في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) (1). قال: إن عيسى (ع) يقول قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبق أهل ملة، يهودي ولا غيره، إلا آمنوا به قبل موتهم، ويصلي عيسى خلف المهدي (ع). (7) وعن أبي الربيع الشامي، عن جعفر الصادق (ض) في قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به) (2) في المائدة. قال: سيذكرون ذلك الحظ، وسيخرج مع القائم (ع) هنا عصابة منهم. (8) وعن سليمان بن هارون العجلي قال: سمعت جعفر الصادق (ض): إن صاحب هذا الامر - يعني القائم المهدي - محفوظ لو ذهب الناس جميعا اتى الله بأصحابه، وهم الذين قال الله فيهم: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " (3)، وهم الذين قال الله فيهم: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) (4).


(6) غاية المرام: 728 حديث 10. (1) النساء / 159. (7) غاية المرام: 729 حديث 11. (2) المائدة / 14. (8) غاية المرام: 729 حديث 12. (3) الانعام / 89. (4) المائدة / 54. (*)

[ 238 ]

(9) وعن علي بن رباب، عن جعفر الصادق (ض) في قوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظررن) (1). قال: الآيات الائمة من أهل البيت، وبعض آيات ربك القائم المنتظر (ع)، فلا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل عند قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه عليهم السلام. (10) وعن أبي بصير قال: قال جعفر الصادق: تفسير هذه الآية المذكورة نحوه. ثم قال: يا أبا بصير طوبى لمحبي قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولياءه أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. (11) وفي أحاديث الاربعين للشيخ بهاء الدين العاملي صاحب الكشكول رحمه الله باسناده عن جابر الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الانصاري (رضي الله عنهما) يقول: إن رسول الله (ص) قال: المهدي من ولدي الذي يفتح الله به مشارق الارض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القوم بامامته إلا من امتحن الله قلبه للايمان. فقلت: يارسول الله هل لاوليائه الانتفاع به في غيبته ؟ فقال: والذي بعثني بالحق نبيا، إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته ني


(9) غاية المرام: 729 حديث 15. (1) الانعام / 158. (10) غاية المرام: 729 حديث 15. (11) أربعين البهائي: 220. (*)

[ 239 ]

غيبته كانتفاع الناس بالشمس إذا سترها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علمه فاكتمه إلا عن أهله. (12) وعن محمد بن مسلم قال: قلت للباقر (ض): ما تأويل قوله تعالى في الانفال: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (1) ؟ قال: لم يجئ تأويل هذه الآية، فإذا جاء تأويلها يقتل المشركون حتى يوحدوا الله (عزوجل)، وحتى لا يكون شرك وذلك في قيام قائمنا. (13) وعن زرارة قال: سئل الباقر (ض) عن قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) (2) حتى لا يكون شركا (ويكون الدين كله لله). قال: لم يجئ تأويل هذه الآية، وإذا قام قائمنا بعد يرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغن دين محمد (ص) ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يكون شرك على ظهر الارض. كما قال الله (عزوجل). (14) وعن أبي بصير، وعن سماعة، هما، عن جعفر الصادق (ض) في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدذين كلئه ولو كره المشركون) (3). قال: والله ما يجئ تأويلها حتى يخرج القائم المهدي (ع) فإذا خرج القائم لم


(12) غاية المرام: 730 حديث 21. (1) الانفال / 39. (13) غاية المرام: 730 حديث 21. (2) التوبة / 36. (14) غاية المرام: 732 حديث 22. (3) التوبة / 33، الصف / 9. (*)

[ 240 ]

يبق مشرك إلا كره خروجه ولا يبقى كافر إلا قتل، حتى لو كان كافر في بطن صخرة قالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله. وهذه الآية في ثلاث سور: في سورة التوبة، وسورة الصف، وفيهما: (ولو كره المشركون) وفي سورة الفتح. (15) وعن عباية بن ربعي قال: قال أمير المؤمنين علي (كرم الله وجهه) في هذه الآية: والذي نفسي بيده. لا تبقى قرية إلا نودي فيها بشهادة أن " لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " بكرة وعشيا. (16) وعن زين العابدين، وعن الباقر (رضي الله عنهما) قال: إن الاسلام قد يظهره الله على جميع الاديان عند قيام القائم (ع). (17) عن مجاهد، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) في هذه الآية قال: لا يبقى صاحب ملة إلا صار إلى الاسلام، حتى تأمن الشاة من الذئب، والبقر من الاسد، والانسان من الحية، وحتى لا تقرض الفأرة جرابا، وذلك عند قيام القائم (ع). (18) وعن زرارة عن الباقر (ض) قال: يقاتلون حتى يوحدوا الله ولا يشرك به شيئا، وتخرج العجوزة الضعيفة من المشرق تريد المغرب لا يؤذيها أحد، ويخرج الله من الارض نباتها وينزل من السماء قطرها. (19) وعن يحيى بن أبي القاسم قال: قال جعفر الصادق (ض) في قوله تعالى في


(15) غاية المرام: 732 حديث 22. (16) غاية المرام: 753 حديث 99. (17) غاية المرام: 732 حديث 22. (18) غاية المرام: 732 حديث 21. (19) غاية المرام: 734 حديث 26. (*)

[ 241 ]

سورة يونس: (وتقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين) (1). قال: الغيب في هذه الآية هو الحجة القائم (ع). (20) وعن الباقر والصادق (رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) (2). قالا: إن الامة المعدودة هم أصحاب المهدي في آخر الزمان ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كعدة أهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف. (21) وعن أبي بصير قال: قال جعفر الصادق (ض): ما كان قول لوط (ع) لقومه (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) (3) إلا تمنيا لقوة القائم المهدي وشدة أصحابه، وهم الركن الشديد، فان الرجل منهم يعطي قوة أربعين رجلا، وإن قلب رجل منهم أشد من زبر الحديد، لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت، لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله (عزوجل). (22) وعن صالح بن سعد، عن الصادق (ض) في هذه الآية قال: قوة القائم (ع)، والركن الشديد أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.


(1) يونس / 20. (20) غاية المرام: 735 حديث 20. (2) هود / 8. (21) غاية المرام: 736 حديث 30. (3) هو / 80. (22) غاية المرام: 736 حديث 30. (*)

[ 242 ]

(23) وعن المفضل، عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي (رضي الله عنهم) قال: ما يجئ نصر الله حتى تكونوا أهون على الناس من الميتة، وهو قول ربي (عزوجل) في كتابه في سورة يوسف: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " (1)، وذلك عند قيام قائمنا المهدي (ع). (24) عن مثنى الحناط، عن الباقر والصادق (رضي الله عنهما) في قوله تعالى في سورة إبراهيم: (وذكرهم بأيام الله) (2) قال: أيام الله ثلاثة: يوم يقوم القائم (ع)، ويوم الكرة، ويوم القيامة. (25) وعن وهب بن جمع قال: سألت جعفر الصادق (ض) عن قوله تعالى في سورة الحجر: (قال ربي فأنظرني ألى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم " (3) أي يوم هو ؟ قال: يا وهب هو يوم يقتله رسول الله (ص) بعد قيام قائمنا المهدي (ع). (26) عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لعلي الرضا بن موسى الكاظم (رضي الله عنهما): يابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن جدك جعفر الصادق (ض) انه قال: إذا قام قائمنا المهدي


(23) غاية المرام: 736 حديث 31. (1) يوسف / 110. (24) غاية المرام: 736 حديث 32. (2) ابراهيم / 5. (25) غاية المرام: 736 حديث 36. (3) الحجر 36 - 38. (26) غاية المرام: 731 حديث 43. (*)

[ 243 ]

قتل ذراري قتلة الحسين (ض) بفعال آبائهم ؟ فقال: هو ذلك. قلت: فقول الله (عزوجل): (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (1) ما معناه ؟ فقال: صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسين (ض) يرضون ويفخرون بفعال آبائهم، ومن رضي شيئا كمن فعله، ولو أن رجلا قتل في المشرق فرضى بقتله رجل في المغرب لكان شريك القاتل وقوله (2) تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " (3) نزل في الحسين والمهدي (ع). (27) وعن جابر الجعفي، وسلام بن المستنير، هما، عن الباقر (ض) في هذه الآية قال: إن الحسين (ع) قتل مظلوما، ونحن أولياؤه، والقائم منا يطلب ثار الحسين (ع) فيقتل من رضي بقتله. حق يقال قد أسرف في القتل. (28) وعن الباقر والصادق (رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) (4). قالا: هم القائم وأصحابه. (29) وقوله تعالى في سورة الحج: (الذين إن مكناهم في الارض اقاموا الصلاة


(1) الانعام / 164 الاسراء / 33. (2) في (أ): " فقوله ". (3) الاسراء / 33. (27) غاية المرام: 740 حديث 43. (28) غاية المرام: حديث 51. (4) الانبياء / 105. (29) غاية المرام: 742 حديث 53. (*)

[ 244 ]

وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور) (1). عن أبي الجارود عن الباقر (ض) قال: هذه الآية نزلت في المهدي وأصحابه يملكهم الله مشارق الارض ومغاربها ويظهر الله بهم الدين حتى لا يرى أثر من الظلم والبدع. وعن الصادق نحوه. (30) وقوله تعالى: (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور) (2). عن جعفر الصادق (ض) قال في تفسير هذه الآية: إن رسول الله (ص) لما أخرجته قريش من مكة وهرب منهم إلى الغار وطلبوه ليقتلوه فعوقب، ثم في بدر عاقب لانه قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة ابن أبي سفيان، وأبو جهل، وغيرهم، فلما قبض رسول الله (ص) بغى عليه ابن هند بنت عتبة بن ربيعة بخروجه عن طاعة أمير المؤمنين (ع) وبقتل ابنه يزيد الامام الحسين (ع) بغيا وعدوانا، وقائلا شعرا: ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقعة الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل ثم قال تعالى: (لتنصرنه الله) يعني: بالقائم المهدي من ولده (ص).


(1) الحج / 41. (30) غاية المرام: 742 حديث 54. (2) الحج / 60. (*)

[ 245 ]

(31) وقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما أستخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) (1). عن اسحق بن عبد الله عن الامام زين العابدين (ض) قال: هذه الآية نزلت في القائم المهدي (ع). وأيضا قال: قوله تعالى: (فورب السماء والارض إنه لحق) (2) أي إن قيام قائمنا لحق (مثل ما أنكم تنطقون) (3). (32) وروي عن الباقر والصادق (رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (ليستخلفنهم في الارض، قالا: نزلت في القائم وأصحابه. (33) وفي تفسير العياشي: إن علي بن الحسين (رضي الله عنهما) قرأ آية: (ليستخلفنهم في الارض) قال: والله هم محبينا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا، وهو مهدي هذه الامة، قال رسول الله (ص): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يأتي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا. (34) وفي سورة الشعراء: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم


(31) غاية المرام: 742 حديث 57. (1) النور / 55. (2) الذاريات / 23. (3) الممدر السابق. (32) غاية المرام: 742 حديث 57. (33) غاية المرام: 743 حديث 57. (34) غاية المرام: 743 حديث 60. (*)

[ 246 ]

لها خاضعين) (1) عن عمر بن حنظلة قال: سألت جعفر الصادق (ض) عن علامات قيام القائم. قال: خمس علامات قبل قيام القائم (ع): الصيحة، وخروج السفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني. قال: فتلوت هذه الآية، فقلت له: أهي الصيحة ؟ قال: نعم، لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله (عزوجل). (35) وعن أبي بصير وأبي الورد، هما، عن الباقر (ض) قال: هذه الآية نزلت في القائم وينادي مناد باسمه واسم أبيه من السماء. (36) وفي سورة الروم: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) (2). عن أبي بصير عن جعفر الصادق (ض) قال: عند قيام القائم (ع) يفرح المؤمنون بنصر الله. (37) وقوله تعالى: (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) (3). عن ابن دراج قال: سمعت جعفر الصادق (ض) يقول في هذه الآية يوم الفتح، يوم تفتح الدنيا على القائم (ع)، ولا ينفع أحدا تقرب بالايمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمنا. وأما من كان قبل هذا الفتح موقنا بامامته، ومنتظرا بخروجه، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم الله (عزوجل) عنده قدره وشأنه، وهذا أجر


(1) الشعراء / 4. (35) غاية المرام: 744 حديث 60. (36) غاية المرام: 746 حديث 65. (2) الروم / 4. (37) غاية المرام: 746 حديث 67. (3) السجدة / 29. (*)

[ 247 ]

الموالين لاهل البيت. (38) وفي سورة سبأ: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) (1). عن محمد بن صالح الهمداني قال: كتبت الى صاحب الزمان (ع): إن أهل بيتي يؤذونني بالحديث الذي روي عن آبائك (عل) انهم قالوا: قوامنا شرار خلق الله. فكتب ويحكم ما تقرؤن ما قال الله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) فنحن والله القرى التي بارك الله فيها، وأنتم القرى الظاهرة. وهذا التفسير أيضا روي عن الباقر والصادق والكاظم (رضي الله عنهم). (39) قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب * وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) (2) الى آخر السورة. عن الحارث عن علي (كرم الله وجهه) في هذه الآية قال: قبيل قيام قائمنا المهدي يخرج السفياني، فيملك قدر حمل المرأة تسعة أشهر، ويأتي المدينة جيشه حتى إذا انتهى إلى البيداء خسف الله به. (40) وفي سورة ص: (ولتعلمن نبأه بعد حين) (3). عن عاصم بن حميد عن الباقر (ض) قال: لتعلمن نبأه أي نبأ القائم (ع) عند خروجه.


غاية المرام: 746 حديث 68. (1) سبأ / 18. (39) غاية المرام: 736 حديث 69. (2) سبأ / 51 - 52. (40) غاية المرام: 747 حديث 71. (3) ص / 88. (*)

[ 248 ]

(41) وقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) (1). عن أبي بصير قال: سئل الباقر (ض) عن هذه الآية قال: يرون قدرة الله في الآفاق وفي أنفسهم الغرائب والعجائب، حتى يتبين لهم أن خروج القائم (ع) هو الحق من الله (عزوجل) يراه الخلق لا بد منه. وعن الصادق نحوه. (42) وقوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز * من كان يريد حرث الآخرة نزد في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) (2). عن أبي بصير عن جعفر الصادق (ض) قال: يرزق الله المودة في القربى من يشاء من عباده، هي حرث الآخرة، يستوفي الله نصيب من يريد المودة في القربى، ومن يريد حرث الدنيا المحض التي ليست فيها المودة ليس له في قيام القائم (ع) من نصيب من فيضه وبركاته. (43) وفي سورة الزخرف: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) (3). عن ثابت الثمالي، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) قال:


(1) غاية المرام: 748 حديث 75. (1) فصلت / 53. (42) غاية المرام: 748 حديث 48. (2) الشورى / 19 و 20. (43) غاية المرام: 750 حديث 83. (3) الزخرف / 28. (*)

[ 249 ]

فينا نزلت هذه الآية، وجعل الله الامامة في عقب الحسين الى يوم القيامة، وإن للغائب منا غيبتين احداهما أطول من الاخرى، فلا يثبت على إمامته إلا من قوي يقينه، وصحت معرفته. (44) وعن جابر الجعفي قال: قلت للباقر (ض): يابن رسول الله إن قوما يقولون إن الله تعالى جعل الامامة في عقب الحسن (ض). قال: يا جابر إن الائمة هم الذين نص عليهم رسول الله (ص) بامامتهم، وهم إثنا عشر. وقال: لما أسري بي إلى السماء وجدت أسماءهم مكتوبة على ساق العرش بالنور، إثنا عشر إسما، أولهم علي، وسبطاه، وعلي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، وعلي، والحسن، ومحمد القائم الحجة المهدي (عل) وتنفس الصعداء وقال: إن الامة لا يعلمون بكلام ربهم الذي أوجب المودة فينا عليهم، ثم أنشأ شعرا: إن اليهود لحبهم لنبيهم * أمنوا بوائق حادث الازمان وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا * يمشون زهوا في قرى نجران والمؤمنون بحب آل محمد * يرمون في الآفاق بالنيران (45) قوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون " (1). عن زرارة بن أعين قال: سألت الباقر (ض) عن هذه الآية قال: هي ساعة


(44) غاية المرام: 750 حديث 83. (45) غاية المرام: 750 حديث 84. (1) الزخرف / 66. (*)

[ 250 ]

القائم (ع) تأتيهم بغتة. (46) وفي سورة الدخان: (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم) (1). عن عبد الله بن مسكان عن الباقر والصادق والكاظم (رضي الله عنهم) قالوا: أنزل الله - تبارك وتعالى - القرآن في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، أنزل القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم أنزل من البيت المعمور على رسول الله (ص) في طول ثلاث وعشرين سنة. يقدر الله كل أمر من الحق والباطل وما يكون في تلك السنة، وله فيها البداء والمشيئة، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الآجال والارزاق والامن والسلامة والعافية، وغير ذلك، ويلقيه رسول الله (ص) الى أمير المؤمنين علي (ع)، وهو إلى الائمة من أولاده (عل)، حتى ينتهي الى صاحب الزمان المهدي (ع). (47) وفي سورة الجاثية: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) (2). عن الصادق (ض) قال: أيام المرجو ثلاثة: يوم قيام القائم المهدي (ع)، ويوم الكرة، ويوم القيامة. وقد تقدم في قوله تعالى: (وذكرهم بأيام الله) في سورة إبراهيم. (48) وفي سورة محمد (ص): (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء


(46) غاية المرام: 750 حديث 85. (1) الدخان / 1 - 4. (47) غاية المرام: 750 حديث 86. (2) الجاثية / 14. (48) غاية المرام: 750 حديث 87. (*)

[ 251 ]

أشراطها فانى لهم إذا جائتهم ذكراهم) (1). عن المفضل، عن الصادق (ض) قال: ساعة قيام القائم (ع). قلت: ما معنى (ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) (2) ؟ قال: يقولون متى ولد ؟ ومن رآه ؟ وأين هو ؟ ومتى يظهر ؟ كل ذلك شكا في قضائه وقدرته، أولئك الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) (3) (وما يدريك لعل الساعة قريب) (4) اي الساعة قيام القائم (ع) قريب. (49) وفي سورة الفتح: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) (5). عن الصادق (ض) قال في هذه الآية: إن لله ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، وقائمنا لن يظهر حتى تخرج ودائع الله، فإذا خرجت ظهر فيقتل الكفار والمنافقين. (50) وفي سورة " ق ": (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج) (6). عن الصادق (ض) قال: ينادي المنادي باسم القائم واسم أبيه (عل)، والصيحة


(1) محمد / 18. (2) الشورى / 18. (3) القمر / 1. (4) الشورى / 17. (49) غاية المرام: 750 حديث 88. (5) الفتح / 25. (50) غاية المرام: 751 حديث 90. (6) ق / 41 - 42. (*)

[ 252 ]

في هذه الآية صيحة من السماء، وذلك يوم خروج القائم (ع). (51) وفي سورة الذاريات: (فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (1). عن إسحاق بن عبد الله عن الامام زين العابدين (ض) قال في هذه الآية: إن قيام القائم (ع) لحق، وفيه نزلت (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض) (2) الى آخرها. (52) وفي سورة الرحمن: (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والاقدام) (3). عن معاوية بن عمار، عن الصادق (ض) قال: لو قام قائمنا (ع) يعرف أعداءنا بسيماهم فيأخذ بنواصيهم وأقدامهم، يخبطهم هو وأصحابه بالسيف خبطا. (53) قوله تعالى: (اعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها) (4). عن سلام بن المستنير عن الباقر (ض) قال: يحيها الله بالقائم (ع) فيعدل فيها، فيحيي الارض بالعدل بعد موتها بالظلم. وعن الصادق والكاظم وابن عباس (رضي الله عنهم) نحوه. (54) وفي سورة الصف: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو


(51) غاية المرام: 751 حديث 91. (1) الذاريات / 23. (2) النور / 55. (52) غاية المرام: 752 حديث 95. (3) الرحمن / 41. (53) غاية المرام: 752 حديث 97. (4) الحديد / 17. (54) غاية المرام: 753 حديث 99. (*)

[ 253 ]

كره الكافرون) (1). عن محمد بن الفضيل عن علي بن الحسين (رضي الله عنهما) قال: النور في هذه الآية الامامة، والله متم الامامة عند قيام القائم (ع). (55) وفي سورة الملك: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) (2). عن علي بن جعفر الصادق، عن أخيه موسى الكاظم (رضي الله عنهم) في هذه الآية قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بامام جديد غيره. (56) وفي سورة الجن: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) (3). عن محمد بن الفضيل، عن علي بن الحسين (رضي الله عنهما) قال: ما يوعدون في هذه الآية القائم المهدي وأصحابه وأنصاره، وأعداؤه تكون أضعف ناصرا وأقل عددا، إذا ظهر القائم (ع). (57) وفي سورة المدثر: (فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير) (4). عن المفضل عن الصادق (ض) قال: إذا نودي في أذن القائم (ع) بالاذن في قيامه فيقوم، فذلك اليوم عسير على الكافرين، قال: والقرآن ضرب فيه الامثال


(1) الصف / 8. (55) غاية المرام: 754 حديث 100. (2) الملك / 30. (56) غاية المرام: 754 حديث 105. (3) الجن / 24. (57) غاية المرام: 755 حديث 106. (4) المدثر / 8 - 10. (*)

[ 254 ]

ونحن نعلمه فلا يعلمه غيرنا. قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس) (1). عن هانئ قال: سألت هذه الآية عن الباقر (ض) قال: الخنس إمام يخنس، أي يرجع من الظهور إلى الغيبة سنة ستين ومائتين ثم يبدو كالشهاب الثاقب. (59) قوله تعالى: (والسماء ذات البروج) (2). عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت ابن عباس (رضي اله عنهما) يقول: قال رسول الله (ص): أنا السماء. وأما البروج فالائمة من أهل بيتي وعترتي، أولهم علي وآخرهم المهدي، وهم إثنا عشر.


(58) غاية المرام: 756 حديث 110. (1) التكوير / 15 - 16. (59) غاية المرام: 756 حديث 112. (2) البروج / 1. (*)

[ 255 ]

الباب الثاني والسبعون في الاحاديث التي ذكرها صاحب مشكاة المصابيح (1) في باب أشراط الساعة: عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (ص) يقول: إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم (رواه مسلم). (2) وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله (ص): لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا (رواه مسلم). وفي رواية: تبلغ المساكن أهاب أو يهاب. (3) وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص): يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده. وفي رواية: يكون في آخر أمتى خليفة يحثى المال حثا ولا يعده عدا (رواه مسلم وأحمد).


(1) مشكاة المصابيح 3 / 1498 حديث 15438 (باب اشراط الساعة الفتن). صحيح مسلم 2 / 675 حديث 2923. (2) مشكاة المصابيح 3 / 4198 حديث 5440. (3) مشكاة المصابيح حديث 3 / 4199 حديث 5441. صحيح مسلم 2 / 672 حديث 2913. (*)

[ 256 ]

(4) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضر فلا يأخذ منه شيئا (متفق عليه). (5) وعنه قال: قال رسول الله (ص) تقئ الارض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة فيجئ القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجئ القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجئ السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا (رواه مسلم). (6) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي (رواه الترمذي وأبو داود). وفي رواية له: قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه إسم أبي، يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. (7) وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: المهدي من عترتي من أولاد فاطمة. (رواه أبو داود). (8) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): المهدي مني، أجلى


(4) مشكاة المصابيح 3 / 4199 حديث 5442. صحيح مسلم باب 2 / 663 باب حديث 30. (5) مشكاة المصابيح 3 / 4199 حديث 5444. (6) مشكاة المصابيح 3 / 4199 حديث 5452. سنن الترمذي 3 / 343 حديث 2331 و 2332. سنن أبي داود 3 / 309 حديث 4282. (7) مشكاة المصابيح 3 / 1501 حديث 5453. سنن أبي داود 3 / 310 حديث 4284. (8) مشكاة المصابيح 3 / 1501 حديث 5454. سنن أبي داود 3 / 310 حديث 4285. فرائد السمطين 2 / 330 حديث 581. (*)

[ 257 ]

الجبهة، أقنى الانف، يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يملك سبع سنين (رواه أبو داود). أيضا رواه الحمويني وابن الجوزي وقال ابن الجوزي: الاجلى الذي انحسر الشعر عن جبهته الى نصف رأسه، والقنى إحد يداب في الانف. (9) وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) في قصة المهدي قال: فيجئ إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني أعطني (1). قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله (رواه الترمذي). (10) وعن أم سلمة عن النبي (ص) قال: يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا الى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه (2) وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام، وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ (رجل) من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الاسلام بجرانه في الارض، فيلبث سبع سنين. ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون (رواه أبو داود). (ورواه أحمد وابو يعلى والبيهقي، كما في جواهر العقدين).


(9) مشكاة المصابيح 3 / 1501 حديث 5455. سنن الترمذي 3 / 343 حديث 4333. (1) لا توجد " أعطني " الثالثة في المصدر. (10) مشكاة المصابيح 3 / 1502 حديث 5456. سن أبي داود 3 / 310 حديث 4286. جواهر العقدين 2 / 228. (2) المصدر: " الناس... فيخرجوه ". (*)

[ 258 ]

(11) وعن أبي سعيد قال: ذكر رسول الله (ص) بلاء يصيب هذه الامة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلا من عترتي وأهل بيتي، فيملا به الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض، لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته مدرارا، ولا تدع الارض من نباتها شيئا إلا أخرجته، حتى يتمنى الاحياء الاموات، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين (رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح). (12) وعن علي قال: قال رسول الله (ص): يخرج رجل من وراء النهر يقال له (الحارث حراث)، على مقدمته رجل يقال له " منصور " يوطن أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله (ص)، وجب على كل مؤمن نصره، أو قال: إجابته، (رواه أبو داود). (13) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده (رواه الترمذي).


(11) مشكاة المصابيح 3 / 1502 حديث 5457 المستدرك للحاكم 4 / 465. (12) مشكاة المصابيح 3 / 1503 حديث 5458. سنن أبى داود 3 / 311 حديث 4290. (13) مشكاة المصابيح 3 / 1503 حديث 5459. عقد الدرر: 334. سنن الترمذي 3 / 322 باب 17 حديث 2272. (*)

[ 259 ]

(14) وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله (ص): الآيات بعد المائتين (رواه ابن ماجة). (15) وعن ثوبان قال: قال رسول الله (ص): إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتوها فان فيها خليفة الله المهدي (رواه أحمد والبيهقي في دلائل النبوة). (16) وعن أبي إسحاق قال: قال علي ونظر إلى ابنه الحسين، قال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله (ص) وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق. ثم ذكر قصة، يملا الارض عدلا (رواه أبو داود ولم يذكر القصة). (17) وفي باب نزول عيسى (ع): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: فاقرأوا إن شئتم (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) الآية (متفق عليه). وفي رواية لهما قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.


(14) مشكاة المصابيح 3 / 1503 حديث 5460. سنن ابن ماجة 2 / 1348 باب 38 حديث 4057. (15) مشكاة المصابيح 3 / 1503 حديث 5461. (16) مشكاة المصابيح 3 / 1503 حديث 5462. سنن أبى داود 3 / 311 حديث 4290. (17) مشكاة المصابيح 3 / 1523 حديث 5505. (1) النساء / 159. (*)

[ 260 ]

(18) وعن جابر قال: قال رسول الله (ص): لا تزل طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة من الله لهذه الامة (رواه مسلم).


(18) مشكاة المصابيح 3 / 1523 حديث 5507. صحيح مسلم 1 / 86 حديث 247. (*).

[ 261 ]

الباب الثالث والسبعون في الاحاديث التي ذكرها صاحب جواهر العقدين (1) فقد جاء في الخبر: إن جبرئيل أمر النبي (ص) أن يسميهما باسمى ابني هارون (ع) شبرا وشبيرا، لان عليا منه بمنزلة هارون من موسى. فقال (ص): إن لساني عربي. فقال: سميتهما حسنا وحسينا. (2) وقد ظهرت بركات دعائه (ص) وقت تزويج علي بفاطمة (رضي الله عنهما) في نسل الحسن والحسين، فكان من نسلهما من مضى ومن يأتي، ولو لم يأت في الآتيين إلا الامام المهدي. فعن ام سلمة قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة (أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وصاحب المصابيح وآخرون). (3) وحديث قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: أحق المهدي ؟


(1) جواهر العقدين. 2 / 225. (2) جواهر العقدين 2 / 225. سنن ابن ماجة 1368 باب 34 حديث 4086. سنن أبي داود 3 / 310 حديث 4284. (3) جواهر العقدين 2 / 225 - 226. (*)

[ 262 ]

قال: نعم هو حق، هو من أولاد فاطمة. قلت: من أي ولد فاطمة ؟ قال: حسبك الآن. (4) وعن علي (ض) عن النبي (ص) قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي، يملاها عدلا كما ملئت جورا (رواه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجة). (5) ولاحمد وابن ماجة وغيرهما عن علي في رفعه: المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة. (6) وللطبراني عنه رفعه: المهدي منا يختم الدين بنا كما فتح بنا. (7) ولاحمد: لا تقوم الساعة حتى تملا الارض ظلما وعدوانا، ثم يخرج من عترتي من يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. (8) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله في: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (رواه الترمذي) قال: وفي الباب: عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة، هذا حديث حسن صحيح. (9) ولابن ماجة من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال:


(4) جواهر العقدين 2 / 226. (5) المصدر السابق. (6) المصدر السابق. (7) جواهر العقدين 2 / 227. (8) جواهر العقدين 2 / 227. سنن الترمذي 3 / 343 باب 44 حديث 2231. (9) جواهر العقدين 2 / 227. سنن ابن ماجة 2 / 1366 باب 34 حديت 408. (*)

[ 263 ]

بينا نحن عند رسول الله (ص) إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي (ص) اغرورقت عيناه وتغير لونه. فقلت: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا تكرهه. فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يدفعوها الى رجل من أهل بيتي فيملاها قسطا كما ملؤوها جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج. (10) وعن عائشة (رضي الله عنها) عن النبي (ص) انه قال: المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي (أخرجه نصير بن حماد). (11) وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): ليبعثن الله رجلا من عترتي، أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملا الارض عدلا ويفيض المال (أخرجه أبو نعيم). (12) وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله (ص): المهدي رجل من ولدي، وجهه كالكوكب الدري، اللون لون عربي، والجسم إسرائيلي، يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الارض والطير في الجو، يملك عشرين سنة


(10) جواهر العقدين 2 / 227. (11) المصدر السابق. (12) جواهر العقدين 2 / 227 - 228. (*)

[ 264 ]

(أخرجه الروياني والطبراني وأبو نعيم والديلمي في مسنده). (13) وعن حذيفة رفعه: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم (ع) كأنما يقطر من شعره الماء. فيقول المهدي له: تقدم صلي بالناس. فيقول: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي خلف رجل من ولدي. (أخرجه الطبراني وابن حبان في صحيحه من حديث عقبة بن عامر في إمامة المهدي نحوه). (14) وعن علي قال: إذا قام قائم آل محمد (ص) جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الابدال فمن أهل الشام (أخرجه ابن عساكر). (15) وعن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الانصاري قال: قال رسول الله (ص) لفاطمة (رضي الله عنها): منا خير الانبياء وهو أبوك، ومنا خير الاوصياء وهو بعلك، ومنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنا سبطا هذه الامة سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وهما ابناك، ومنا المهدي وهو من ولدك (أخرجه الطبراني في الاوسط). (16) وأما ما روي من حديث الحسن البصري عن أنس بن مالك رفعه: لا يزداد الامر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا


(13) جواهر العقدين 2 / 228. (14) المصدر السابق. (15) جواهر العقدين 2 / 228 - 229. (16) جواهر العقدين 2 / 230 سنن ابن ماجة 2 / 1340 باب 24 حديث 4039. (*)

[ 265 ]

على شر الخلق، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم. أخرجه الشافعي وابن ماجة في سننه، والحاكم في مستدركه، وقال: أوردته تعجبا لا محتجا به. وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد، وقد قال الحاكم: إنه مجهول، وصرح النسائي بأنه منكر، وقال ابن ماجة: لم يروه عن ابن خالد إلا الشافعي. يقول مؤلف هذا الكتاب: إن وضع هذا الحديث من ابن خالد ظاهر بوجوه: الوجه الاول: لو كان هذا الحديث صحيحا لزم أن يزداد الظلم والفساد الذي كان في زمن يزيد والحجاج، ولم يبق في العالم خير وصلاح إلى الآن، والحمد لله بعدها في زمان عمر بن عبد العزيز وخلفاء العباسية إلى الآن فيه خير وصلاح. الوجه الثاني: إن خبر المهدي لم يكن قبل بعثة النبي (ص) بين العرب، بأن يرده بقوله لا مهدي إلا عيسى بن مريم. الوجه الثالث: إن الله أشار إلى المهدي في كتابه في الآيات الكثيرة كما تقدمت، فلذلك بشر النبي (ص) أمته بهذه البشارات العظمى. كما بشر الانبياء المتقدمين (عل) بظهور نبينا (ص)، وأحوال المهدي، وقد ذكرت بشاراتهم في " مشرق الاكوان ". ونذكر باقي الاحاديث التي ذكرها ابن ماجة. (17) عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) انه قال: يكون في أمتي المهدي، إن قصر فسبع وإلا فتسع، فتنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا مثلها قط، تؤتى أكلها


(17) سنن ابن ماجة 2 / 1392 حديث 4083. (*)

[ 266 ]

ولا يدخر منها شيئا، والمال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ. (18) عن سعيد بن المسيب قال: كنا عند أم سلمة فتذاكرنا المهدي فقالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: المهدي من ولد فاطمة. (19) وعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: نحن ولد عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي. أيضا أخرجه أبو نعيم والثعلبي وصاحب الاربعين والحمويني والحاكم والديلمي. (20) وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله (ص): يخرج الناس من أهل المشرق فيوطئون للمهدي - يعني سلطانه -. ونذكر ما في " كنوز الحقائق " للمناوي الممري: (21) أبشري يا فاطمة أما المهدي منك (للحاكم). (22) منا الذي يصلي عيسى خلفه (لابي نعيم الحافظ). (23) المهدي طاووس أهل الجنة (للديلمي).


(18) جواهر العقدين. 2 / 225. سنن ابن ماجة حديث 4086. (19) جواهر العقدين 2 / 228. سنن ابن ماجة 2 / 1368 حديت 4087. المستدرك للحاكم 3 / 211. فرائد السمطين 2 / 32 حديث 370. الفردوس 4 / 284 حديث 6840. المناقب لابن المغازلي: 48 حديث 71. (20) سنن ابن ماجة 2 / 1368 حديث 4088. (21) كنوز الحقائق: 3. (22) كنوز الحقائق: 144. (23) كنوز الحقائق: 164 الفردوس 4 / 497 حديث 6941. (*)

[ 267 ]

(24) والذي نفسي بيده ليعودن هذا الامر كما بدأ (للديلمي). ونذكر ما في فصل الخطاب: (25) عن ابن عمر: انه قال: يخرج المهدي من قرية باليمن يقال لها " كرعة ". قال شهاب الدين فضل الله في كتابه المعتمد: لم تكن في اليمن قرية بهذا الاسم. (26) وعن ابن عمر قال: سمعت النبي (ص) يقول: يظهر ملك من السماء ينادي ويحسب الناس عليه، ويقول: إنه المهدي فأجيبوه. وعن نوف انه قال: راية المهدي فيها مكتوب البيعة لله. ونذكر ما في كتاب " مسامرة الاخيار " للشيخ محي الدين العربي قدس سره: (27) ان ابن إسمانوس جاء بيت المقدس وحارب بني إسرائيل، وأخذ حلي بيت المقدس، وأحرق منه ما أحرق، وحمل منه ألف وسبعمائة سفينة خالية، فأراد أن يورده في رومية غرقت السفن. أخبره بذلك حذيفة بن اليمان. وذكر فيه: إن رسول الله (ص) قال: ليستخرجن المهدي ذلك من البحر حتى يؤديه الى بيت المقدس ثم يسير المهدي ومن معه إلى البحر المحيط.


(24) كنوز الحقائق: 175. الفردوس 4 / 222 حديث 6668. (25) كفاية الطالب: 511 باب 14. (26) كفاية الطالب: 512 باب 16. فرائد السمطين 2 / 316 حديث 569. (27) كفاية الطالب: 517 باب 20. (*)

[ 268 ]

ونذكر ما في سنن الترمذي: (28) حدثنا عبيد بن اسباط بن محمد القرشي، حدثنا أبي، أنبأنا سفيان الثوري، عن عاصم بن بهذلة، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص): لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي. وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة. (هذا حديث حسن صحيح). (29) حدثنا عبد الجبار بن العلا العطار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، عن النبي (ص) قال: يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. (هذا حديث حسن صحيح). (30) وعن أبي سعيد: إن النبي (ص) قال: يجئ إلى المهدي الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله. (هذا حديث حسن). (31) وعن أبي هريرة: إن النبي (ص) قال: والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير. ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد. (هذا حديث حسن صحيح). (32) وعن مجمع بن جارية الانصاري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: يقتل ابن


(28) سنن الترمذي 3 / 343 حديث 2331. (29) سنن الترمذي 3 / 343 حديث 2332. (30) سنن الترمذي 3 / 343 حديث 2332. (31) سنن الترمذي 3 / 344 حديث 2334. (32) سنن الترمذي 3 / 300 حديث 2345. (*)

[ 269 ]

مريم الدجال بباب لد. وفي الباب: عن عمران بن حصين، ونافع بن عقبة، وأبي برزة، وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة، وكيسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابر، وأبي أمامة، وابن مسعود، وابن عمر، وسمرة بن جندب، والنواص بن سمعان، وعمرو بن عوف، وحذيفة بن ايان. (هذا حديث صحيح). ونذكر ما في المناقب لابن المغازلي الشافعي: (33) عن أبي أيوب الانصاري (ض) قال: إن النبي (ص) مرض فأتته فاطمة (رضي الله عنها) وبكت، فقال: يا فاطمة إن لكرامة الله إياك زوجك من هو أقدمهم سلما وأكثرهم علما إن الله تعالى اطلع الى أهل الارض اطلاعة، فاختارني منهم فجعلني نبيا مرسلا، ثم اطلع اطلاعة ثانية، فاختار منهم بعلك، فأوحى إلي أن أزوجه إياك، وأتخذه وصيا. يا فاطمة منا خير الانبياء وهو أبوك، ومنا خير الاوصياء، وهو بعلك، ومنا خير الشهداء، وهو حمزة عم أبيك، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء، وهو جعفر ابن عم أبيك، ومنا سبطا هذه الامة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وهما ابناك، والذي نفسي بيده منا مهدي هذه الامة وهو من ولدك. أيضا أخرجه محمد بن إبراهيم الحمويني الشافعي في كتابه " فرائد السمطين ".


(33) المناقب لابن المغازلي: 101 حديث 144 فرائد السمطين 1 / 92 حديث 61. (*)

[ 270 ]

(34) وأخرج أيضا محمد بن إبراهيم الحمويني الشافعي في كتابه " فرائد السمطين): عن علي بن الهلالي، عن أبيه عن النبي (ص) قال: إذا تظاهرت الفتن، وأغار بعضهم بعضا، يبعث الله المهدي، يفتح حصون الضلالة، وقلوبا غلفا. يقوم في آخر الزمان، ويملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. (35) وأخرج أبو نعيم الحافظ: ليبعثن الله رجلا من عترتي، أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملا الارض عدلا، يفيض المال فيضا. وأما في " الصواعق " ذكر فيها ما ذكر في " جواهر العقدين "، فلذلك لم نورد من " الصواعق ".


(34) فرائد السمطين 2 / 84 حديث 403 (في حديث). (35) فرائد السمطين 2 / 331 حديث 580، 582. (*)

[ 271 ]

الباب الرابع والسبعون في إيراد الكلمات القدسية لعلي (كرم الله وجهه) التي ذكرها في شأن المهدي (رضي الله عنهما) في كتاب نهج البلاغة في خطاباته (1) بقوله: الزموا الارض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم وهوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لا يعجله الله لكم، فإنه من مات على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدا، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه، فان لكل شئ مدة وأجلا. (2) وبقوله: المهدي يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن، إذا عطفوا القرآن على الرأي. (3) وبقوله: وتخرج له الارض أفاليذ كبدها، وتلقي إليه سلما مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة. (4) وبقوله: منا المهدي يسري في الدنيا بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين،


(1) نهج البلاغة: 282 خطبة 190. (2) نهج البلاغة: 195 خطبة 138. (3) نهج البلاغة: 196 خطبة 138. (4) نهج البلاغة: 208 خطبة 150. (*)

[ 272 ]

ليحل ربقا، ويعتق رقا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا، في سترة عن الناس، لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره. (5) وبقوله: فهو - أي المهدي - مغترب إذا اغترب الاسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الارض بجرانه، بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه. (6) وبقوله: فإذا كان ذلك، ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف. (7) وبقوله: لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، وتلا عقيب ذلك (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلم أئمة ونجعلهم الوارثين) (1). وأشار الى أصحاب المهدي (رضي الله عنهم). (8) بقوله: ألا بأبي وأمي هم من عدة، أسماؤهم في السماء معروفة، وفي الارض مجهولة، ألا فتوقعوا من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم، واستعمال صغاركم، ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من درهم من حله، ذاك حيث تسكرون من غير شراب، بل من النعمة والنعيم، ويحلفون من غير اضطرار، ويكذبون من غير اخراج، ذاك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير، ما أطول هذا العناء، وأبعد هذا الرجاء.


(5) نهج البلاغة: 263 خطبة 182. (6) نهج البلاغة: 517 قصار الجمل 1. (7) نهج البلاغة: 506 قصار الجمل 209. (1) القصص / 5. (8) نهج البلاغة: 277 خطبة 187. (*)

[ 273 ]

(9) وبقوله: يجاهدهم في الله قوم أذلة عند المتكبرين، في الارض مجهولون، وفي السماء معروفون. (10) وبقوله: قد طلع طالع، ولمع لامع، ولاح لائح، واعتدل مائل، واستبدل الله بقوم قوما، وبيوم يوما، وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر، وانما الائمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه. (11) وبقوله: وطال الامد بالناس، ليستكملوا الخزي، ويستوجبوا الغير، حتى إذا اخلولق الاجل، قوم لم يمنعوا على الله بالصبر، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق، حتى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء، حملوا بصائرهم على أسيافهم، ودانوا لربهم بأمر واعظهم. (12) وبقوله: ثم ليشحذن فيها قوم شحذ (1) القين (2) النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون (3) كأس الحكمة بعد الصبوح (4). وأما كلامه (كرم الله وجهه): حسين إذا كنت في بلدة * غريبا فعاشر بآدابها


(9) نهج البلاغة: 148 خطبة 102. (10) نهج البلاغة: 212 خطبة 152. (11) نهج البلاغة: 209 خطبة 150. (12) نهج البلاغة: 208 خطبة 150. (1) شحذ: من شحذ السكين إذا حددها. (2) القين: الحداد. (3) يغبقون - مبني للمجهول -: يسقون بالمساء. (4) الصبوح: ما يشرب وقت الصباح. (*)

[ 274 ]

كأني بنفسي وأعقابها فتخضب منا اللحى بالدماء أراها ولم يك رأي العيان سق الله قائمنا صاحب هو المدرك الثأر لي يا حسين لكل دم ألف ألف وما هنالك لا ينفع الظالمين أنا الدين لا شك للمؤمنين لنا سمة الفخر في حكمها فصل على جدك المصطفى وقال في منظومته من غير ديوانه: إني علي من سلالة هاشم وإني قلعت الباب في غزوة خيبر أصول على الابطال صولة قادر وفي يوم بدر قد نصرنا على العدا قتلنا أبا جهل اللعين وعتبة وفي يوم أحد جاء جبرئيل قاصدا قتلنا ايابا والليام ومن بغى ويوم حنين قد تفرق جمعنا رددت جميع القوم عنهم ولم أزل وأسقيتهم كاسا من الموت مزعجا وبالكربلاء ومحرابها خضاب العروس بأثوابها وأوتيت مفتاح أبوابها قيامة والناس في دابها بل لك فاصبر لاتعابها يقصر في قتل أحزابها قول بعذر وأعقابها بآيات وحي بايجابها فصلت علينا بأعرابها وسلم عليه لمطلابها ترى ذكرنا كتبها في الملاحم وجاز جميع الجيش فوق المعاصم وأتركهم رزق النسور الحوائم وأرديتهم وسط القليب بصارم نصرنا بدين الله والحق قائم بذات فقار للجماجم قاصم وصلنا على أعرابها والاعاجم وصالت علينا كفرتها بالصوارم أرد جيوش المشركين اللوائم وما طعمه إلا كطعم العلاقم

[ 275 ]

وفي غزوة الاحزاب عمرا قتلته * وقد بات (1) الاحزاب بقتلى عازم وصلت عليهم صولة هاشمية * وقسمتهم قسمين من حد صارم كسرنا جيوش المشركين بهمة * وأحزابهم ولوا كشبه الاغانم نصرنا على أعدائنا بمحمد * نبي الهدى المبعوث من نسل هاشم وما قلت إلا الحق والصدق شيمتي * وما جرت يوما كنت فيه بحاكم رفعت منار الشرع في الحكم والقضاء * وأثبت حكما للملوك القوادم فلله دره من إمام صميدع * يذل جيوش المشركين بصارم ويظهر هذا الدين في كل بقعة * ويرغم أنف المشركين الغواشم فيا ويل أهل الشرك من سطوة القنا * ويا ويل كل الويل كان لظالم ينقي بساط الارض من كل آفة * ويرغم فيها كل من كل غاشم ويأمر بمعروف وينهى لمنكر * ويطلع نجم الحق بالحق قائم وينشر بساط العدل شرقا ومغربا * وينصر لدين الله والحق عالم وما قلت هذا القول فخرا وانما * قد أخبرني المختار من آل هاشم قال الشيخ صلاح الدين الصفوي قدس سره: نظرت في تفاسير كتب الحروف للامام علي (كرم الله وجهه) فرأيت فيها لكل قرن حوادث تختص هي به كليات وجزئيات عدلت عنها لكثرتها.


(1) هكذا في جميع النسخ. (*)

[ 277 ]

الباب الخامس والسبعون في ذكر شدة إصابة أهل البيت الطيبين حتى يظهر قائمهم (رضي الله عنهم) في الشفاء: إن النبي (ص) أخبر بخروج المهدي وما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم (1). وفي حديث ابن ماجة مذكور تقدم. (1) وفي المناقب: عن الامام محمد الباقر (ض) قال لبعض أصحابه: إن العرب نكثت بيعة أمير المؤمنين علي، ونصبت الحرب له، ولم يزل صاحب الامر كان في صعود كؤود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد، ثم غدر به، ووثب عليه بعض أهل العراق حتى طعن بخنجر في فخذه، وعالجته خلاخيل أمهات أولاده، فصالح معاوية، وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل، ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم، فقتلوه بأصحابه (رضي الله عنه وعنهم)، ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونقتل ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء موالينا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون الى ولاتهم السوء، وقضاة السوء، وعمال السوء، في كل بلدة، يحدثونهم بالاحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس.


(1) الشفاء 1 / 338. (*)

[ 278 ]

وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن، فقتل موالينا ومحبينا بكل بلدة، وقطعت الايدي والارجل على الظنة، وكان من ذكر محبتنا والانقطاع الينا سجن أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد الى زمن عبيد الله بن زياد، وقاتل الحسين وأصحابه (رضي الله عنه وعنهم)، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له محب علي. ولما استشار زيد بن علي أخاه محمد الباقر (رضي الله عنهم) في الخروج نهاه وقال: أخشى أن تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة، أما علمت انه لا يخرج أحد من ولد فاطمة قبل خروج السفياني إلا قتل، وبعده يخرج قائمنا المهدي. ولما خرج زيد، فقتل وصلب بالكوفة كما قال أخوه. (2) أخرج موفق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم: بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: دفع النبي (ص) الراية يوم خيبر الى علي ففتح الله بيده. ثم في غدير خم أعلم الناس أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة. وقال له: أنت مني وأنا منك. وأنت تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل. وأنت مني بمنزلة هارون من موسى. وأنا سلم لمن سالمك وحرب لمن حاربك. وأنت العروة الوثقى.


(2) المناقب للخوارزمي: 61 حديث 31. (*)

[ 279 ]

وأنت تبين ما اشتبه عليهم من بعدي. وأنت إمام وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي. وأنت الذي أنزل الله فيه (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر). وأنت الآخذ بسنتي وذاب البدع عن ملتي. وأنا أول من انشق الارض عنه وأنت معي في الجنة، وأول من يدخلها أنا وأنت والحسن والحسين وفاطمة. وإن الله أوحى إلي أن أخبر فضلك، فقمت به بين الناس، وبلغتهم ما أمرني الله بتبليغه، وذلك قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) الى آخر الآية. ثم قال: يا علي إتق الضغائن التي هي في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتي، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. ثم بكى (ص) وقال: أخبرني جبرئيل أنهم يظلمونه بعدي، وأن ذلك الظلم يبقى حتى إذا قام قائمهم، وعلت كلمتهم، واجتمعت الامة على محبتهم، وكان الشانئ لهم قليلا، والكاره لهم ذليلا وكثر المادح لهم، وذلك حين تغيرت البلاد، وضعف العباد، واليأس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم المهدي من ولدي بقوم يظهر الله الحق بهم، ويخمد الباطل بأسيافهم، ويتبعهم الناس راغبا إليهم أو خائفا. ثم قال: معاشر الناس أبشروا بالفرج، فان وعد الله حق لا يخلف، وقضاؤه لا يرد، وهو الحكم الخبير، وإن فتح الله قريب، اللهم إنهم أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم إكلاهم وارعهم، وكن لهم، وانصرهم، وأعزهم ولا تذلهم، واخلفني فيهم، إنك على ما تشاء قدير.

[ 281 ]

الباب السادس والسبعون في بيان الائمة الاثني عشر بأسمائهم وفي فرائد السمطين: بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قدم يهودي يقال له نعثل (1)، فقال: يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فان أجبتني عنها أسلمت على يديك. قال: سل يا أبا عمارة. فقال: يا محمد صف لي ربك. فقال (ص): لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي تعجز العقول أن تدركه والاوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار أن تحيط به، جل وعلا عما يصفه الواصفون، نائي في قربه، وقريب في نأيه، هو كيف الكيف، وأين الاين، فلا يقال له أين هو ؟، وهو منقع الكيفية، والاينونية، فهو الاحد الصمد كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن قولك إنه واحد لا شبيه له، أليس الله واحد والانسان واحد ؟


(1) فرائد السمطين 2 / 132 حديث 431. (1) في (أ): " معثل ". (*)

[ 282 ]

فقال (ص): الله (عزوعلا) واحد حقيقي، أحدي المعنى، أي لاجزء ولا تركب له، والانسان واحد ثنائي المعنى، مركب من روح وبدن. قال: صدقت، فأخبرني عن وصيك من هو ؟ فما من نبي إلا وله وصي، وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون. فقال: إن وصيي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين. قال: يا محمد فسمهم لي ؟ قال: إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي، فهؤلاء إثنا عشر. قال: أخبرني كيفية موت علي والحسن والحسين ؟ قال (ص): يقتل علي بضربة على قرنه، والحسن يقتل بالسم والحسين بالذبح. قال: فأين مكانهم ؟ قال: في الجنة في درجتي. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وانك رسول الله، وأشهد أنهم الاوصياء بعدك، ولقد وجدت في كتب الانبياء المتقدمة، وفيما عهد الينا موسى بن عمران (ع) إنه إذا كان آخر الزمان يخرج نبي يقال له أحمد ومحمد، هو خاتم الانبياء، لا نبي بعده، فيكون أوصياؤه بعده إثنا عشر: أولهم ابن عمه وختنه، والثاني والثالث كانا أخوين من ولده، ويقتل أمة النبي: الاول بالسيف، والثاني بالسم، والثالث مع جماعة من أهل بيته بالسيف وبالعطش، في موضع الغربة، فهو كولد الغنم

[ 283 ]

يذبح ويصبر على القتل لرفع درجاته ودرجات أهل بيته وذريته، ولاخراج محبيه وأتباعه من النار، وتسعة الاوصياء منهم من أولاد الثالث، فهؤلاء الاثنا عشر عدد الاسباط. قال (ص): أتعرف الاسباط ؟ قال: نعم كانوا إثنا عشر أولهم لاوي بن برخيا، وهو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبة ثم عاد، فأظهر الله به شريعته بعد اندراسها، وقاتل قرسطيا الملك حتى قتل الملك. قال (ص): كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وان الثاني عشر من ولدي يغيب حتى لا يرى، ويأتي على أمتي بزمن لا يبقى من الاسلام إلا اسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، فحينئذ يأذن الله - تبارك وتعالى - له بالخروج، فيظهر الله الاسلام به ويجدده، طوبى لمن أحبهم وتبعهم، والويل لمن أبغضهم وخالفهم، وطوبى لمن تمسك بهداهم. فأنشأ نعثل شعرا: صلى الاله ذوالعلى عليك يا خير البشر * أنت النبي المصطفى والهاشمي المفتخر بكم هدانا ربنا وفيك نرجو ما أمر * ومعشر سميتهم أئمة إثنا عشر حباهم رب العلى ثم اصطفاهم من كدر * قد فاز من والاهم وخاب من عادى الزهر آخرهم يسقي الظما وهو الامام المنتظر * عترتك الاخيار لي والتابعين ما أمر من كان عنهم معرضا * فسوف تصلاه سقر (2) وفي المناقب عن واثلة بن الاسقع بن قرخاب، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول الله (ص)، فقال:


(2) غاية المرام: 743 حديث 57. (*)

[ 284 ]

يا محمد أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله ؟ فقال (ص): أما ما ليس لله، فليس لله شريك، وأما ما ليس عند الله، فليس عند الله ظلم للعباد، وأما ما لا يعلمه الله، فذلك قولكم يا معشر اليهود إن عزير ابن الله، والله لا يعلم ان له ولد بل يعلم أنه مخلوقه وعبده. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا وصدقا. ثم قال: إني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران (ع) فقال: يا جندل أسلم على يد محمد خاتم الانبياء واستمسك أوصياءه من بعده، فقلت: أسلم، فلله الحمد أسلمت وهداني بك. ثم قال: أخبرني يا رسول الله عن أوصيائك من بعدك لا تمسك بهم. قال: أوصيائي الاثنا عشر. قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة، وقال: يا رسول الله سمهم لي. فقال: أولهم سيد الاوصياء أبو الأئمة علي، ثم ابناه الحسن والحسين، فاستمسك بهم ولا يغرنك جهل الجاهلين، فإذا ولد علي بن الحسين زين العابدين يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه. فقال جندل: وجدنا في التوراة وفي كتب الانبياء (عل) إيليا وشبرا وشبيرا، فهذه إسم علي والحسن والحسين، فمن بعد الحسين ؟ وما اساميهم ؟ قال: إذا انقضت مدة الحسين فالامام ابنه علي ويلقب بزين العابدين، فبعده ابنه محمد يلقب بالباقر، فبعده ابنه جعفر يدعى بالصادق، فبعده ابنه موسى يدعى بالكاظم، فبعده ابنه علي يدعى بالرضا، فبعده ابنه محمد يدعى بالتقي والزكي، فبعده ابنه علي يدعى بالنقي والهادي، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري، فبعده ابنه محمد يدعى بالمهدي والقائم والحجة، فيغيب ثم يخرج،

[ 285 ]

فإذا خرج يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبتهم، أولئك الذين وصفهم الله في كتابه، وقال (هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب) (1)، ثم قال تعالى (في أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) (2). فقال جندل: الحمد لله الذي وفقني بمعرفتهم. ثم عاش الى أن كانت ولادة علي بن الحسين، فخرج إلى الطائف، ومرض، وشرب لبنا، وقال: أخبرني رسول الله (ص) أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، ومات ودفن بالطائف بالموضع المعروف بالكوزارة. (3) وفي المناقب: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: جاء يهودي من يهود المدينة الى علي (كرم الله وجهه) قال: إني أسألك عن ثلاث وثلاث، وعن واحدة. فقال علي: لم لا تقول أسألك عن سبع. قال: أسألك عن ثلاث، فأن أصبت فيهن سألتك عن الثلاث الاخر، فان أصبت فيهن سألتك عن الواحدة. فقال علي: ما تدري إذا سألتني فأجبتك أخطأت أم أصبت. فأخرج اليهودي من كمه كتابا عتيقا قال: هذا ورثته عن آبائي وأجدادي عن هارون جدي إملاء موسى بن عمران، وخط هارون بن عمران (عليهما السلام)، وفيه هذه المسألة التي أسألك عنها. قال علي: إن أجبتك بالصواب فيهن لتسلم ؟ فقال: والله أسلم الساعة على يديك إن أجبتني بالصواب فيهن. * (هانش) * (1) البقرة / 2 و 3. (2) المجادلة / 22. (3) كتاب الغيبة للنعماني: 66. (*)

[ 286 ]

قال له: سل. قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الارض. وعن أول شجرة نبتت على وجه الارض. وعن أول عين نبعت على وجه الارض. قال: أما أول حجر وضع على وجه الارض فان اليهود يزعمون أنها صخرة بيت المقدس، وكذبوا، ولكن هو الحجر الاسود نزل به آدم (ع) من الجنة فوضعه في ركن البيت، والناس يتمسحون به ويقبلونه ويجددون العهد والميثاق به، لانه كان ملكا ابتلع كتاب العهد والميثاق، وكان مع آدم في الجنة، فلما خرج آدم خرج هو فصار حجرا. قال اليهودي: صدقت. قال علي: وأما أول شجرة نبتت على الارض فان اليهود يزعمون أنها الزيتونة، وكذبوا، ولكنها نخلة من العجوة نزل بها آدم (ع) من الجنة، فأصل كل النخلة العجوة. قال اليهودي: صدقت. قال علي (كرم الله وجهه): وأما أول عين نبعت على وجه الارض فان اليهود يزعمون أنها العين التي كانت تحت صخرة بيت المقدس، وكذبوا، ولكنها عين الحياة التي نسي عندها صاحب موسى السمكة المالحة، فلما أصابها ماء العين حييت وعاشت وشربت منه، فاتبعها موسى وصاحبه الخضر (عليهما السلام). قال اليهودي: صدقت. قال علي: سل عن الثلاث الاخر. قال: أخبرني كم لهذه الامة بعد نبيها من إمام ؟

[ 287 ]

وأخبرني عن منزل محمد أين هو في الجنة ؟ وأخبرني من يسكن معه في منزله ؟ قال علي: لهذه الامة بعد نبيها إثنا عشر إماما، لا يضرهم خلاف من خالفهم. قال اليهودي: صدقت. قال علي: يقول محمد (ص) في جنة عدن، وهي وسط الجنان وأعلاها وأقربها من عرش الرحمن (جل جلاله). قال اليهودي: صدقت. قال علي: والذي يسكن معه في الجنة هؤلاء الائمة الاثنا عشر، أولهم أنا وآخرنا القائم المهدي. قال: صدقت. قال علي: سل عن الواحدة. قال: أخبرني كم تعيش بعد نبيك، وهل تموت أو تقتل ؟ قال: أعيش بعده ثلاثين سنة، وتخضب هذه - أشار بلحيته - من هذا - أشار برأسه الشريف -. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أنك وصي رسول الله (ص).

[ 289 ]

الباب السابع والسبعون في تحقيق حديث " بعدي اثنا عشر خليفة " (1) وفي جمع الفوائد: جابر بن سمرة رفعه: لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم إثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه (1) الامة، فسمعت كلاما من النبي (ص) لم أفهمه، فقلت لابي: ما يقول ؟ قال: كلهم من قريش (للشيخين والترمذي وأبي داود بلفظه). ذكر يحيى بن الحسن في كتاب " العمدة " من عشرين طريقا في أن الخلفاء بعد النبي (ص) إثنا عشر خليفة كلهم من قريش، في البخاري من ثلاثة طرق، وفي مسلم من تسعة طرق، وفي أبي داود من ثلاثة طرق، وفي الترمذي من طريق واحد، وفي الحميدي من ثلاثة طرق (2). (2) وفي البخاري: عن جابر رفعه: يكون بعدي إثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي: ماذا قال ؟ قال: قال: كلهم من قريش.


(1) جمع الفوائد 1 / 315 الخلافة الامارة. (1) في المصدر: " عليهم ". (2) العمدة لابن البطريق: 416 وما بعدها. سنن أبي داود 3 / 309 حديث 4279. صحيح البخاري 8 / 104 وما بعدها (الاحكام). صحيح مسلم 2 / 183 وما بعدها. الترمذي 3 / 340 باب 40 حديث 2323. (2) صحيح البخاري 8 / 104 (الاحكام). (*)

[ 290 ]

(3) وفي مسلم: عن عامر بن سعد قال: كتبت الى ابن سمرة: أخبرني بشئ سمعته من النبي (ص). فكتب إلي: سمعت رسول الله (ص) يوم الجمعة عشية رجم الاسلمي يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم إثنا عشر خليفة كلهم من قريش. (4) وفي المودة العاشرة من كتاب " مودة القربى " للسيد علي الهمداني (قدس الله سره وأفاض علينا بركاته وفتوحه): عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبي (ص) فسمعته يقول: بعدي إثنا عشر خليفة، ثم أخفى صوته، فقلت لابي: ما الذي أخفى صوته ؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم. وعن سماك بن حرب مثل ذلك. (5) وعن الشعبي، عن مسروق قال: بينا نحن عند ابن مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ قال له فتى: هل عهد إليكم نبيكم كم يكون من بعده خليفة ؟ قال: إنك لحديث السن، وإن هذا شئ ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد الينا نبينا (ص) انه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل. (6) وعن علي (كرم الله وجهه) قال:


(3) صحيح مسلم 2 / 184 حديث 1822. (4) مودة القربى: 29 المودة العاشرة. (5) المصدر السابق. (6) المصدر السابق. (*)

[ 291 ]

قال رسول الله (ص): لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمتي رجل من ولد الحسين يملا الارض عدلا كما ملئت ظلما. (7) وعن عباية بن ربعي، عن جابر قال: قال رسول الله (ص): أنا سيد النبيين، وعلي سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي إثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم القائم المهدي. (8) وعن سليم بن القيس الهلالي، عن سلمان الفارسي (ض) قال: دخلت على النبي (ص) فإذا الحسين على فخذيه. وهو يقبل خديه ويلثم فاه، ويقول: أنت سيد ابن سيد أخو سيد، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأنت حجة ابن حجة أخو حجة، أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم المهدي. أيضا أخرجه الحمويني وموفق بن أحمد الخوارزمي. (9) وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون. أيضا أخرجه الحمويني. (10) وعن علي (كرم الله وجهه) قال: قال رسول الله (ص): من أحب أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوال عليا وليعاد عدوه، وليأتم بالائمة الهداة


(7) مودة القربى: 29. (8) مودة القربى: 29. كتاب سليم: 23 حديث 7. فرائد السمطين 2 / 313 حديث 563. (9) مودة القربى: 29. عيون أخبار الرضا (ع) 2 / 262 حديث 43. (10) مودة القربى: 29. (*)

[ 292 ]

من ولده، فانهم خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على خلقه من بعدي، وسادات أمتي، وقواد الانقياء إلى الجنة، حزبهم حزبي، وحزبي حزب الله، وحزب أعدائهم حزب الشيطان. (11) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): إن الله فتح هذا الدين بعلي، وإذا قتل فسد الدين ولا يصلحه إلا المهدي. (12) وعن علي (كرم الله وجهه) قال: قال رسول الله (ص): الائمة من ولدي فمن أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله هم العروة الوثقى والوسيلة إلى الله (جل وعلا) (انتهى كتاب مودة القربى). قال بعض المحققين: إن الاحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده (ص) إثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، علم أن مراد رسول الله (ص) من حديثه هذا الائمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلتهم عن إثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الاموية لزيادتهم على إثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لان النبي (ص) قال " كلهم من بني هاشم " في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته (ص) في هذا القول يرجح هذه الرواية، لانهم لا يحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية لزيادتهم


(11) مودة القربى: 30 (12) المصدر السابق. (*)

[ 293 ]

على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية (قل لا أسألكم عليه أجرأ إلا المودة في القربى) وحديث الكساء، فلا بد من أن يحمل هذا الحديث على الائمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته (ص) لانهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسبا، وأفضلهم حسبا، وأكرمهم عند الله، وكان علومهم عن آبائهم متصلا بجدهم (ص) وبالوراثة واللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق. ويؤيد هذا المعنى أي أن مراد النبي (ص) الائمة الاثنا عشر من أهل بيته ويشهده ويرجحه حديث الثقلين، والاحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها. وأما قوله (ص): " كلهم تجتمع عليه الامة " في رواية عن جابر بن سمرة فمراده (ص) أن الامة تجتمع على الاقرار بامامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي (رضي الله عنهم). (13) وفي نهج البلاغة من خطبة علي (كرم الله وجهه): أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، وبنا يستجلى العمى، وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شئ أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه، ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر.


(13) نهج البلاغة: 201 خطبة 144 و 204 خطبة 147. (*)

[ 294 ]

واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فانهم عيش العلم وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، وهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق (1). (14) وفي المناقب: عن جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر قال: أتيت جابر بن عبد الله فقلت له: أخبرني عن حجة الوداع ؟ فذكر حديثا طويلا، ثم قال: قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاثا. أيضا رواه الامام علي الرضا عن آبائه (رضي الله عنهم).


(1) نهج البلاغة: 205 خطبة 147. (14) إكمال الدين 1 / 236 حديث 53. (*)

[ 295 ]

الباب الثامن والسبعون في إيراد ما في كتاب " فرائد السمطين " وغيره (1) وفي كتاب " فرائد السمطين " للشيخ محمد بن إبراهم الجويني الخراساني الحمويني المحدث الفقيه الشافعي: بسنده عن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكلابادي البخاري، بسنده، عن جابر بن عبد الله الانصاري (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (ص): من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر. (2) وفي هذا الكتاب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلف المهدي، وتشرق الارض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب. (3) وفيه: بسنده عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال:


(1) فرائد السمطين 4 / 332 حديث 585. (2) فرائد السمطين 2 / 312 حديث 562. (3) فرائد السمطين 2 / 313 حديث 564. (*)

[ 296 ]

قال رسول الله (ص): أنا سيد النبيين، وعلي سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي إثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم المهدي. (4) وفيه: بسنده عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله (ص): بينكم وبين الروم سبع سنين. فقيل: يا رسول الله من إمام الناس يومئذ ؟ قال: المهدي من ولدي ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب دري، وفي خده الايمن خال أسود، عليه عبايتان قطوانيتان، كانه من رجال بني إسرائيل، يملك عشرين سنة، يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك. وفي كتاب " الاصابة " نحوه. (5) وفيه: عن أبي نعيم الحافظ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. (6) وفيه: عن الباقر، عن أبيه وجده، عن علي (عل) قال: قال رسول الله (ص): المهدي من ولدي، تكون له غيبة، إذا ظهر يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. (7) وفيه: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (ص): إن عليا وصيي، ومن ولده القائم المنتظر المهدي، الذي


(4) فرائد السمطين 2 / 314 حديث 565. (5) فرائد السمطين 2 / 316 حديث 569. (6) فرائد السمطين 2 / 334 حديث 586 - 587. (7) فرائد السمطين 2 / 334 حديث 589. (*)

[ 297 ]

يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، إن الثابتين على القول بامامته في زمان غيبته لاعز من الكبريت الاحمر. فقام إليه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة ؟ قال: إي وربي، ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. ثم قال: يا جابر، إن هذا أمر من أمر الله، وسر من سر الله، فاياك والشك، فان الشك في أمر الله (عزوجل) كفر. وفيه: عن الحسن بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا (ض): لا دين لمن لا ورع له، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم: أي أعملكم بالتقوى. ثم قال: إن الرابع من ولدي ابن سيدة يطهر الله به الارض من كل جور وظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة، فإذا خرج أشرقت الارض بنور ربها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحدا، وهو الذي تطوى له الارض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الارض: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فان الحق فيه ومعه، وهو قول الله (عزوجل): (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) (1). وقول الله (عزوجل) (يوم يناد المناد من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج " (2) أي خروج ولدي القائم المهدي (ع).


(8) فرائد السمطين 2 / 336 حديث 590. (1) الشعراء / 4. ق / 41 - 42. (*)

[ 298 ]

(9) أبو نعيم الحافظ: أخرج عن الباقر (ض) قال: إن الله يلقي في قلوب محبينا وأتباعنا الرعب، فإذا قام قائمنا المهدي (ع) كان الرجل من محبينا أجرى من سيف وأمضى من سنان. (10) صاحب الاربعين: أخرج عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ويح هذه الامة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويطردون المسلمين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يمانعهم بلسانه، ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله - تبارك وتعالى - أن يعيد الاسلام عزيزا قصم كل جبار عنيد، وهو القادر على ما يشاء، وأصلح الامة بعد فسادها. يا حذيفة، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يظهر الاسلام، والله لا يخلف وعده، وهو على وعده قدير. (11) صاحب الاربعين: عن أبي جعفر المنصور الدوانيقي العباسي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها. (12) أخرج محمد بن يوسف الكنجي الشافعي: عن علي (كرم الله وجهه) قال: بخ بخ للطالقان، فان لله تعالى كنوزا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال معرفون، عرفوا الله حق معرفته، وهم أيضا أنصار المهدي (ع) في آخر الزمان.


(9) غاية المرام: 698 باب 41 حديث 63. (10) عقد الدرر: 62 - 63. (11) كفاية الطالب: 508 حديث 1274. (12) كفاية الطالب: 491. (*)

[ 299 ]

(13) أخرج الكنجي: عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول له أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة من الله - تبارك وتعالى - لهذه الامة. قال: هذا حديث حسن صحيح. أيضا رواه مسلم في صحيحه. (14) أخرج الكنجي: بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل بكم ابن مريم (ع) فيكم وإمامكم منكم. قال: هذا حديث حسن صحيح. أيضا رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. (15) أخرج الكنجي: بسنده عن ابن عمر قال: قال النبي (ص): يخرج المهدي من قرية يقال لها " كرعة " وعلى رأس المهدي ملك ينادي: ألا إن هذا المهدي فاتبعوه. قال: هذا حديث حسن. أيضا رواه أبو نعيم والطبراني وغيرهما. (16) وفي كتاب " الفتن " للحافظ نعيم بن حماد: بسنده عن أبي سعيد الخدري (ض) قال: قال رسول الله (ص): منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه.


(13) كفاية الطالب: 496 حديث 1251 صحيح مسلم 1 / 86 حديث 247. (14) كفاية الطالب: 496 صحيح البخاري 4 / 143. صحيح مسلم 1 / 86 حديث 244. (15) كفاية الطالب: 510 حديث 1277، و 512 حديث 1279. (16) كفاية الطالب: 500 حديث 1256. (*)

[ 300 ]

وفيه: بسنده عن هاشم بن محمد قال: المهدي الذي يؤم عيسى بن مريم (ع). (17) وفي كتاب " فضل الكوفة " لمحمد بن علي العلوي: بسنده عن أبي سعيد الخدري (ض) قال: قال رسول الله (ص): يملك المهدي أمر الناس سبعا أو عشرا أسعد الناس به أهل الكوفة.


(17) فضل الكوفة: 260 حديث 3 (تحقيق: الاستاذ مححد سعيد الطريحي). كفاية الطالب: 494. (*)

[ 301 ]

الباب التاسع والسبعون في ذكر ولادة القائم المهدي (ع) وزايجة ولادته وزايجة عيسى (ع) وفي كتاب " الغيبة " للشيخ محمد بن علي بن الحسين قدس سره: عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى الكاظم (رضي الله عنهم) قال: حدثتني حكيمة بنت الامام محمد التقي الجواد: بعت إلي الامام أبو محمد الحسن العسكري فقال: يا عمة إجعلي إفطارك الليلة عندنا، فانها ليلة النصف من شعبان، فان الله - تبارك وتعالى - يظهر في هذه الليلة حجته في أرضه. قالت: فاستقمت ونممت، ثم قمت وقت السحر، وقرأ (الم السجدة) و (يس) فاضطربت نرجس، فكشف الثوب عنها فإذا به المولود ساجدا، فنادى أبو محمد: هلمي إلي ابني يا عمة، فجئت به إليه، فوضع قدميه على صدره، وأدخل لسانه في فيه، وأمر يده على عينيه وأذنه ومفاصله. ثم قال: تكلم يا بني. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا رسول الله (ص). ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الائمة الى أن صلى على أبيه. ثم قال أبو محمد: يا عمة إذهبي به الى أمه يسلم عليها وائتيني به، فذهبت به، فسلم على أمه، ثم رددته فوضعته عنده.

[ 302 ]

فقال: يا عمة إذا كان يوم السابع ائتينا، فلما كان يوم السابع جئت، فقال لي أبو محمد: يا عمة هلمي إلي ابني، فجئت ففعل به كفعله الاول وقال: تكلم يا بني، فشهد الشهادتين، وصلى على آبائه واحدا بعد واحد، ثم تلا (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) (1). قالت حكيمة: جئت يوما وكشفت الستر فلم أره، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيدي ؟ فقال: يا عمة استودعناه الله الحفيظ القدير الذي استودعته أم موسى موسى (عل). ثم قال موسى بن محمد: فسألت عقيد الخادم عن هذا فقال: صدقت حكيمة (عليها الرأفة والرضوان) (2). وفي هذا الكماب: عن محمد بن عبد الله المطهري قال: سألت حكيمة عن ولادة القائم (ع) قالت: كانت لي جارية يقال لها " نرجس " فزارني ابن أخى أبو محمد الحسن وجعل يحد النظر إليها، فقلت له: أهويتها لاهبها لك ؟ فقال: لا ولكن أتعجب منها إنه سيخرج منها ولد كريم على الله (عزوجل) يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا. فقلت: أرسلها اليك. فقال: استأذني أبي. قالت: أتيت عند أخي علي النقي الهادي وقال: يا حكيمة هي نرجس لابني أبي محمد الحسن. فقلت: يا سيدي الى هذا قصدتك وجئتك لان أستأذنك في ذلك.


(1) القصص / 5. (2) اكمال الدرر 2 / 424 حديث 1. غاية المرام: 758 حديث 1. (*)

[ 303 ]

فقال لي: يا أختي يا مباركة إن الله - تبارك وتعالى - أحب أن يشركك في الاجر، ويجعل لك في الخير نصيبا. قال: فزينتها ووهبتها لابي محمد وجمعت بينه وبينها في بيت في داري، فأقام عندي أياما ثم جاء بها عند والده علي النقي. وجلس أبو محمد مكان والده بالامامة، وكنت أزوره وقالت لى نرجس: يا مولاتي أنا أخلع خفك وأخدمك. فقلت: بل أنت سيدتي، والله لا أدفع اليك خفي لتخلعيه بل أخدمك على بصري. فقصدت الانصراف. قال لي أبو محمد: يا عمة إجعلي إفطارك الليلة عندنا، ثم ذكرت حكيمة بواقي القصة نحو ما ذكرته لموسى بن محمد (1). وأيضا قال: محمد بن اسماعيل الحسيني عن حكيمة سمعت القصة المذكورة. وأيضا محمد بن القاسم العلوي قال: دخلنا جماعة من العلوية على حكيمة فقالت: جئتم تسألوني عن ميلاد ولي الله ؟ قلنا: نعم والله، فقالت الاخبار التي ذكرتها. وأيضا عبد الله المطهري سمع حكيمة قالت الخبر المذكور. وأيضا قال الحسين بن حمدان: حدثني من أثق به من المشايخ عن حكيمة الخبر المذكور. وعن نسيم ومارية الخادمان قالا: سقط صاحب الزمان من بطن أمه جاثيا على ركبتيه، رافعا سبابتيه إلى السماء، ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين


(1) اكمال الدين 2 / 426 حديث 2. غاية المرام: 759 و 760 الغيبة للطوسي: 238 حديث 206 و 234 حديث 204، وحديث 207. (*)

[ 304 ]

وصلى الله على محمد وآله. وقالت نسيم: عطست عند صاحب الزمان بعد مولده بليلة فقال لي: يرحمك الله، وقال: العطاس أمان من الموت الى ثلاثة أيام (1). وفي فصل الخطاب للسيد الشيخ الكامل العالم العامل خواجه محمد پارسا أسبق خلفاء بهاء الدين محمد الملقب بشاه نقشبند (قدس سرهما وأفاض علينا فتوحهما وبركاتهما): ومن أئمه أهل البيت الطيبين أبو محمد الحسن العسكري، ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين يوم الجمعة السادس من ربيع الاول، ودفن بجنب أبيه، وكانت مدة بقاء الحسن العسكري بعد أبيه (رضي الله عنهما) ست سنين، ولم يخلف ولدا غير أبي القاسم محمد المنتظر، المسمى بالقائم، والحجة، والمهدي، وصاحب الزمان، وخاتم الائمة الاثنى عشر الامامية. وكان مولد المنتظر ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. أمه أم ولد يقال لها " نرجس "، توفي أبوه وهو ابن خمس سنين فاختفى إلى الآن. وأبو محمد الحسن العسكري ولده محمد المنتظر المهدي (رضي الله عنهما) معلوم عند خاصة أصحابه وثقات أهله. ويروى أن حكيمة بنت أبي جعفر محمد الجواد التقي كانت عمة أبي محمد الحسن العسكري تحبه وتدعو له وتتضرع إلى الله تعالى أن يريها ولده، فلما كانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين دخلت حكيمة عند الحسن العسكري فقال لها: يا عمة كوني الليلة عندنا لامر، فأقامت. فلما كان


(1) اكمال الدين 2 / 430 حديث 5. (*)

[ 305 ]

وقت الفجر اضطربت نرجس، فقامت إليها حكيمة، فوضعت نرجس المولود المبارك. فلما رأته حكيمة أتت به أبا محمد الحسن العسكري (رضي الله عنهم) وهو مختون، فأخذه ومسح بيده على ظهره وعينيه، وأدخل لسانه في فيه، وأذن في أذنه اليمنى وأقام في الاخرى، ثم قال: يا عمة إذهبي به الى أمه، فذهبت به ورددته الى أمه. قالت حكيمة: ثم جئت من بيتي الى أبي محمد الحسن فإذا المولود بين يديه في ثياب صفر، وعليه من البهاء والنور أخذ بمجامع قلبي، فقلت: يا سيدي هل عندك من علم في هذا المولود المبارك ؟ فقال: يا عمة هذا المنتظر الذي بشرنا به. قالت حكيمة: فخرت لله ساجدة شكرا على ذلك. ثم كنت أتردد الى أبي محمد الحسن فلا أرى المولود، فقلت: يا مولاي ما فعل سيدنا ومنتظرنا ؟ قال: إستودعناه الله الذي إستودعته أم موسى (ع) إبنها. وقالوا: آتاه الله - تبارك وتعالى - الحكمة وفصل الخطاب في طفوليته، وجعله آية للعالمين، كما قال تعالى (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا) وقال تعالى: (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " وطول الله - تبارك وتعالى - عمره كما طول عمر الخضر (ع). (انتهى فصل الخطاب). وفي " الصواعق المحرقة " للشيخ ابن حجر الهيثمي المكي الشافعي: أبو محمد الحسن الخالص العسكري، ولد سنة اثنين وثلاثين ومائتين. ولما حبسه المعتمد بن المتوكل وقع قحط شديد، فخرج المسلمون للاستسقاء ثلاثة

[ 306 ]

أيام لم يسقوا، فخرج النصارى ومعهم راهب، فلما مد يده إلى السماء غيمت فأمطرت في اليوم الاول، ثم في اليوم الثاني كذلك، فشك بعض جهلة المسلمين، وارتد بعضهم، فشق ذلك على المعتمد، فأمر باحضار الحسن العسكري وقال له: أدرك أمة جدك (ص) قبل أن يهلكوا، فقال الحسن في اطلاق أصحابه من السجن فأطلق كلهم له. فلما رفع الراهب يده مع النصارى غيمت السماء فأمر الحسن (ض) رجلا بالقبض بما في يد الراهب، فقبض فإذا عظم آدمي في يده، فأخذه من يده وقال: استسق، فرفع يده إلى السماء فزال الغيم وظهرت الشمس، فعجب الناس من ذلك فقال المعتمد: ما هذا يا أبا محمد ؟ فقال: هذا عظم نبي قد ظفر به هذا الراهب، وما كشف عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر، وامتحنوا ذلك العظم الشريف، وزالت الشبهة عن الناس ورجع الحسن الى داره. وتوفي (ض)، ويقال انه مات بالسم، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن آتاه الله تعالى الحكمة، ويسمى القائم المنتظر، لانه ستر وغاب فلم يعرف أين ذهب (1) (انتهت الصواعق). فالخبر المعلوم المحقق عند الثقات أن ولادة القائم (ع) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء عند القران الاصغر الذي كان في القوس وهو رابع القران الاكبر الذي كان في القوس، وكان الطالع الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان.


(1) الصواعق المحرقة: 207 - 208. (*)

[ 307 ]

وزايجته المباركة في أفق سامراء هذه: ولما كان اجتماع القائم المهدي وعيسى بن مريم (عل) أمر محقق أوردت زايجة عيسى (ع) للتبرك وهذه صورتها (1):


(1) البياض في جميع النسخ. (*)

[ 309 ]

الباب الثمانون في قصة كلام الامام علي الرضا والامام جعفر الصادق في شأن القائم المهدي (رضي الله عنهم) (1) أخرج الحمويني الشافعي في " فرائد السمطين ": عن أحمد بن زياد، عن دعبل ابن علي الخزاعي قال: أنشدت قصيدة لمولاي الامام علي الرضا (ض) أولها: مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمان في الغرفات قال لي الرضا: أفلا ألحق البيتين بقصيدتك ؟ ! قلت: بلى يابن رسول الله. فقال: وقبر بطوس يالها من مصيبة * ألحت على الاحشاء بالزفرات إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفزج عنا الهم والكربات قال دعبل: ثم قرأت باقي القصيدة عنده، فلما انتهيت الى قولي: خروج إمام لا محالة واقع * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات


(1) فرائد السمطين 2 / 337 حديث 591. (*)

[ 310 ]

بكى الرضا بكاء شديدا، ثم قال: يا دعبل نطق روح القدس بلسانك، أتعرف من هذا الامام ؟ قلت: لا إلا أني سمعت خروج إمام منكم يملا الارض قسطا وعدلا. فقال: إن الامام بعدي ابني محمد، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، وهو المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، فيملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، وأما متى يقوم، فاخبار عن الوقت، لقد حدثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله (ص) قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة. (2) وفي المناقب: عن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا، والمفضل بن عمر، وأبو بصير، وابان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله جعفر الصادق (ض) فرأيناه جالسا على التراب، وهو يبكي بكاء شديدا ويقول: سيدي غيبتك نفت رقادي، وأسلبت مني راحة فؤادي. قال سدير: تصدعت قلوبنا جزعا فقلنا: لا أبكى الله - يا ابن خير الورى - عينيك، فزفر زفرة إنتفخ منها جوفه، فقال: نظرت في كتاب الجفر الجامع صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون الى يوم القيامة، وهو الذي خص الله به محمدا والائمة من بعده (صلوات الله عليه وعليهم)، وتأملت فيه مولد قائمنا المهدي، وطول غيبته، وطول عمره، وبلوى المؤمنين في زمان غيبته، وتولد الشكوك في قلوبهم من إبطاء ظهوره، وخلعهم ربقة الاسلام عن أعناقهم قال الله (عزوجل): (وكل إنسان ألزمناه طائره في


(2) اكمال الدين 2 / 352 حديث 50 (في حديث طويل). (*)

[ 311 ]

عنقه) (1) يعني ولاية الامام، فأخذتني الرقة، واستولت علي الاحزان. وقال: قدر الله مولده تقدير مولد موسى، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى، وإبطاءه كابطاء نوح، وجعل عمر العبد الصالح الخضر دليلا على عمره. أما مولد موسى (ع) فان فرعون لما وقف على أن زوال ملكه بيد مولود من بني إسرائيل أمر بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل، حتى قتل نيفا وعشرين ألف مولودا، فحفظ الله موسى، كذلك بنو أمية وبنو العباس وقفوا على أن زوال الجبابرة على يد القائم منا قصدوا قتله، ويأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره. وأما غيبته كغيبة عيسى (عل) فان اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل فكذبهم الله (عزوجل ذكره) بقوله - وما تتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) (2)، كذلك غيبة القائم فان الناس استنكرها لطولها. فمن قائل بغير هدى: بانه لم يولد. وقائل يقول: انه ولد ومات. وقائل يقول: إن حادي عشرنا كان عقيما. وقائل يقول: إنه يتعدى الا ثالث وما عداه. وقائل يقول: إن روح القائم ينطق في هيكل غيره. وكلها باطل. وأما إبطاؤه كابطاء نوح (ع) فانه لما استنزل العقوبة على قومه بعث الله الروح الامين فقال: يا نبي الله إن الله يقول لك: إن هؤلاء خلائقي وعبادي لست أهلكم إلا بعد تأكيد الدعوة، وإلزام الحجة، واغرس النوى، فان لك الخلاص


(1) الاسراء / 13. (2) النساء / 157. (*)

[ 312 ]

إذا أثمرت، فإذا أثمرت قال الله له: إغرس النوى واصبر واجتهد، فاخبر ذلك للذين آمنوا به، فارتد منهم ثلاثمائة رجل، ثم إن الله يأمر عند ثمرها كل مرة بان يغرسها مرة بعد أخرى الى أن غرسها سبع مرات، فما زال منهم يرتد الى أن بقي بالايمان نيف وسبعون رجلا، فأوحى الله إليه: الآن صفى الحق عن الكدر بارتداد من كانت طينته خبيثة، فكذلك القائم منا فانه تمتد غيبته، ثم تلا (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) (1). وأما الخضر ما طول الله عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزل عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله، ولا لامة يلزم اقتدائهم به، ولا لطاعة يفرضها له، بل طول عمره للاستدلال به على طول عمر القائم (عل)، ولينقطع بذلك حجة المعاندين، لئلا يكون للناس على الله حجة.


(1) يوسف / 110. (*)

[ 313 ]

الباب الحادى والثمانون في خوارق المهدي وكراماته التي ظهرت للناس (1) قال الشيخ علي بن عيسى الاربلي (1) في كتابه " كشف الغمة ": إن الناس ينقلون قصصا وأخبارا في خوارق العادات للامام المهدي (ض) يطول شرحها، وأنا أذكر من ذلك قصتين قرب عهدهما بزماني وحدثني بهما جماعة من ثقات إخواني: الاولى: إنه كان في بلد الحلة بين الفرات والدجلة رجل اسمه إسماعيل بن الحسن قال اخواني: حكى لنا إسماعيل: انه خرج على فخذي الايسر ثوثة مقدار قبضة الانسان، فعجزت الاطباء عن علاجها، فجاء بغداد ورآه أطباء الافرنج فقالوا: لا علاج لها. فتوجه الى سامراء وزار الامامين علي الهادي والحسن العسكري (رضي الله عنهما)، ونزل السرداب ودعا الله تعالى تضرعا إليه، واستغاث بالامام المهدي (ض)، ثم مضى الى دجلة فاغتسل ثم لبس ثوبه، فرأى أربعة فرسان خارجين من باب سور البلد، وواحد منهم شيخ بيده رمح، وشاب آخر عليه


(1) كشف الغمة 3 / 283 - 287. (1) وهو بهاء الدين أبو الحسن علي بن فخر الدين عيسى أبي الفتح الاربلي المنشأ، نزيل بغداد ودفينها، توفي 693. (*)

[ 314 ]

فرجية ملونة، فصاحب الرمح يمين الطريق، والشابان يسار الطريق، والشاب صاحب الفرجية على الطريق. فقال له صاحب الفرجية: أنت تروح غدا الى أهلك ؟ فقال: نعم. فقال صاحب الفرجية له: تقدم إلي حتى أبصر ما يوجعك. فقدم إليه ومد يده إليه فعصر الثوثة بيده فأوجعه ثم استوى على سرجه. فقال الشيخ صاحب الرمح: أفلحت يا اسماعيل، هذا الامام. ثم ذهبوا وهو مشى معهم فقال الامام: إرجع. فقال: لا أفارقك أبدا. فقال الامام: المصلحة في رجوعك. فقال: لا أفارقك أبدا. فقال الشيخ: يا إسماعيل ما تستحي ؟ يقول لك الامام إرجع مرتين فتخالفه ؟ فوقف، وتقدم الامام خطوات، ثم التفت إليه وقال: يا إسماعيل إذا وصلت الى بغداد فلابد أن يطلبك أبو جعفر يعني الخليفة المستنصر بالله، فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئا فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضي ليكتب لك الى علي بن عوض فانني أوصيه يعطيك الذي تريد. ثم سار مع أصحابه، فلم يزل قائما يبصرهم حتى غابوا، ثم قعد على الارض ساعة متأسفا محزونا وباكيا عن مفارقتهم، ثم جاء الى سامراء فاجتمع القوم حوله وقالوا: نرى وجهك متغيرا، فما أصابك ؟ فقال: هل عرفتم الفرسان الذين خرجوا من البلد وساروا ساحل الشط ؟ قالوا: هم الشرفاء أرباب الغنم.

[ 315 ]

فقال لهم: بل هم الامام وأصحابه الشابان، وصاحب الفرجية هو الامام، مس بيده المباركة مرضي. فقالوا: أرينه. فكشف فخذه فلم يروا له أثرا، فمزقوا ثيابه، وأدخلوه في خزانة، ومنعوا الناس عنه لكيلا يزدحموا عليه. ثم إن الناظر من طرف الخليفة جاء الخزانة وسأله عن هذا الخبر، وعن اسمه ونسبه ووطنه، وعن خروجه من بغداد أول هذا الاسبوع، ثم ذهب عنه فبات إسماعيل في الخزانة، فصلى الصبح وخرج مع الناس الى أن بعد من سامراء، فرجع القوم ووادعوه، فسار منفردا حتى وصل الى موضع فرأى الناس مزدحمين على القناطرة العتيقة يسألون عمن ورد عليهم عن اسمه ونسبه وموضع مجيئه، فلما لاقوه عرفوه بالعلامات المذكورة، فمزقوا ثيابه وأخذوها تبركا، وكان الناظر كتب الى بغداد وعرفهم الحال، وكان الوزير طلب السعيد رضي الدين ليعرفه صحة الخبر، فخرج رضي الدين الذي هو كان من أصدقاء إسماعيل، وكان ضيفه قبل خروجه الى سامراء، فلما رآه رضي الدين وجماعة معه فنزلوا عن دوابهم، وأراهم فخذه فلم يروا شيئا، فغشي على رضي الدين ساعة، ثم أخذه بيده وأدخله عند الوزير القمي، ويبكي ويقول: هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي، فسأله الوزير عن القصة فحكاها له، فأحضر الاطباء الذين رأوا مرضه، وسألهم متى رأيتموه ؟ قالوا: منذ عشرة أيام. فكشف الوزير فخذ إسماعيل فليس فيها أثر تالوا: هذا عمل المسيح (ع). فقال الوزير: نحن نعرف من عملها. ثم أحضره الوزير عند الخليفة، فسأله عن القصة، فحكى له ما جرى فأعطى له

[ 316 ]

ألف دينار. فقال: ما أجسر أن آخذ منه ذرة. فقال الخليفة: ممن تخاف ؟ فقال: من الذي فعل بي هذا، قال لي: لا تأخذ من أبي جعفر شيئا، فبكى الخليفة. ثم قال علي بن عيسى: كنت أحكي هذه القصة لجماعة عندي، وكان شمس الدين ولده حاضرا عندي لا أعرفه قال: أنا ابنه من صلبه. فقلت: هل رأيت فخذ أبيك وهي مجروحة ؟ قال: إني كنت صبيا في وقت جراحة فخذه، ولكن سمعت القصة من أبي وأمي وأقربائي وجيراني، ورأيت فخذه بعدما صلحت ولا أثر فيها، ونبت في موضعها شعر. وقال أيضا: سألت السيد صفي الدين محمد بن محمد ونجم الدين حيدر بن الايسر رحمهما الله: أخبراني بصحة هذه القصة، وانهما رأيا إسماعيل في مرضه وصحته، وحكى لي ولده أن أباه ذهب الى سامراء بعد صحته أربعين مرة طمعا أن يعود له الوقت الذي رآه. الثانية: حكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسني: إن أباه عطوة لا يعترف بوجود الامام محمد المهدي (ض) ويقول: إذا جاء الامام فيبرءني من هذا المرض أصدق قولكم، ويكرر هذا القول. فبينا نحن مجتمعون وقت العشاء الاخيرة صاح أبونا فأتيناه سراعا فقال:

[ 317 ]

إلحقوا الامام، في هذه الساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحدا فجئنا إليه، وقال: إنه دخل إلي شخص وقال: يا عطوة. فقلت: لبيك من أنت ؟ قال: أنا المهدي قد جئت اليك أن أشفي مرضك. ثم مد يده المباركة وعصر وركي، وراح، فصار مثل الغزال. قال علي بن عيسى: سألت عن هذه القصة غير ابنه فأقر بها. (2) وفي كتاب الغيبة: عن أحمد بن إسحق بن سعد الاشعري قال: دخلت على أبي محمد الحسن العسكري (ض) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف بعده، قال لي قبل إظهاري: يا أحمد إن الله - تبارك وتعالى - لم يخل الارض منذ خلق آدم (عليه الصلاة والسلام) الى أن تقوم الساعة من حجة على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الارض، وبه ينزل الغيث، وبه تخرج بركات الارض. قال: فقلت له: يا ابن رسول الله جعلت فداك فمن الامام والخليفة بعدك ؟ فنهض مسرعا ودخل بيته، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلات سنين، فقال: يا أحمد لولا كرامة الله عليك ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله (ص) وكنيته بكنيته، وهو الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. يا أحمد مثله مثل الخضر في طول العمر، وفي العلم اللدني، والله ليغيبن غيبة لا ينجو الناس من زمان غيبته من ضعف الدين إلا من أثبته الله (عزوجل) على


(2) اكمال الدين 2 / 384 حديث 2. (*)

[ 318 ]

القول بامامته. فقال أحمد: قلت: يا مولاي هل من علامة له يطمئن قلبي ؟ فنطق الصبي وقال: يا أحمد أنا بقية خلفاء الله في أرضه، وأنا المنتقم من أعدائه، فلا تطلب إماما غيري من بعد أبي، أنا أمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيبه، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، تكن غدا معنا في عليين. قال: ففرحت له فرحة عظيمة، وقلت: لله الحمد والمنة على إحسانه. (3) وفي كتاب الغيبة: كان في غيبته الصغرى النواب المنصوبون واحدا بعد واحد، يخرج من عندهم توقيعاته وأوامره ونواهيه وأخباره عن مغيبات الامور، الى أن صار نائبه ووكيله أبو الحسن علي بن محمد السمري فاستقام في النيابة الى آخر عمره، فدخل يوما في بيت تظهر التوقيعات فيه رأى مكتوبا فيه: يا علي ابن محمد إنك بعد ستة أيام تلقى الله (عزوجل) وتنقل من الدنيا، وأنت آخر نوابي فلا أجعل بعدك نائبا الى ظهوري. فمات بعد ستة أيام سنة تسع وعشرين وثلاثمائة رحمه الله. (4) وفي كتاب الغيبة عن شقيق الارزاني قال: أمرنا المعتضد بالله الخليفة العباسي ونحن ثلاثة نفر وقال لنا: إذهبوا الى سامراء مختفين، ووصف لنا محلة ودارا، فإذا رأيتم في هذه الدار رجلا آتوني به، فجئنا الى سامراء، ودخلنا الدار فلم نر فيها أحدا، ثم رأينا فيها سترا، فرفعنا الستر فإذا فيها بيت كبير كان فيه ماء وقي أقصى البيت حصير على الماء وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة وهو قائم يصلي، فسبق أحمد بن عبد الله ودخل في الماء فغرق واضطرب، فأخرجته


(3) اكمال الدين 2 / 516 حديث 24. (4) غيبة الطوسي: 248 حديث 228. غاية المرام: 765 باب 7 حديث 15. البحار 52 / 51 حديث 36. (*)

[ 319 ]

بيدي وغشي عليه ساعة، ثم أفاق، ثم فعل صاحبي الثاني فعل صاحبي الاول، فنال ما ناله الاول، وبقينا متحيرين، فقلنا لصاحب البيت: المعذرة إلى الله واليك، وإنا تائبون إلى الله، فما التفت الى ما قلنا، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه. وكان المعتضد ينتظرنا فدخلنا عنده في الليل فحكينا ما رأيناه فقال: هل لقيتم أحدا قبلي وجرى منكم الى أحد قول ؟ قلنا: لا بل كتمناه عن الناس والله، وحلفنا بأشد أيمان أن لا نخبر أحدا ما دام المعتضد حيا، لانه لو بلغ إليه خبر ليضربن أعناقنا ولم نحدث به إلا من بعده. (5) وفي كتاب الغيبة: عن سعد بن عبد الله القمي قال: كنت رجلا مشتغلا بغوامض العلوم، وأثبت في دفتر نيفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل على أن أسأل خير بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمد الحسن العسكري وقد خرج قامدا نحو مولانا بسامراء، فلحقته فدخلنا بالاذن عند مولانا، وعلى عاتق أحمد بن إسحاق جراب فيه مائة وستون صرة من الدنانير والدراهم، وعلى كل صرة منها ختم ماحبها، وعلى الفخذ الايمن لمولانا غلام كالقمر، وبين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وغرائب الفصوص المركبة عليها، قد أهداها إليه بعض رؤساء البصرة وبيده قلم يسطر، وقبض الغلام أصابعه ومولانا يدحرج الرمانة ويشغله بادارتها كيلا يمنعه عن كتابته، فلما فرغ من الكتابة أخرج أحمد جرابه من كسائه. فقال مولانا: يا بني فض الخاتم عن هدايا مواليك. فقال: يا مولاي أيجوز أن أمد يدا طاهرة الى هدايا نجسة وأموال رجسة.


(5) اكمال الدين 2 / 453 - 464 حديث 21. (*)

[ 320 ]

فقال مولانا: يا ابن إسحاق أخرج ما في الجراب، فأولى صرة أخرجها ابن إسحاق قال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم، تشتمل على إثنين وستين دينارا من مال حرام، لان صاحبها وزن في شهر كذا في سنة كذا على حائك من جيرانه من الصوف منا وربع من، فسرقه سارق من عنده، فأخبر به الحائك فكذبه، فأخذ منه بدل ذلك منا وربع من غزلا، واتخذ منه ثوبا فباع الثوب وثمنه هذه الدنانير. فلما فتح الصرة وجد رقعة باسم من أخبر عنه وعددها مطابق لما قال فقال مولانا: صدقت يا بني. ثم أخرج ابن إسحاق صرة أخرى فقال الغلام: هذه لفلان بن فلان من محلة كذا بقم، تشتمل على خمسين دينارا لا يحل لنا مسها، لانها ثمن حنطة خان صاحبها، أخذ بكيل واف وباع بكيل بخس، فقال مولانا: صدقت يا بني. ثم قال مولانا: يا ابن إسحاق إحملها بأحمعها لتردها على أربابها وآتنا بثوب العجوزة، فلما انصرف ابن إسحاق ليأتيه الثوب قال لي مولانا: يا سعد ما جاء بك ؟ قلت: شوقا الى لقائك. قال: فالمسائل التي أردت أن تسألها سل من قرة عيني، وأومأ إلى الغلام. فقال الغلام: سل عما بدا لك. فسألت مسائلي واحدا بعد واحد، فأجابني بجواب شاف. من جملة مسائله سأله عن تأويل (كهيعص). قال: فالكاف كربلا، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد الملعون، والعين عطش العترة، والصاد صبره.

[ 321 ]

وسأله عن تأويل (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) (1). قال: كان موسى (ع) شديد الحب لاهله، فقال تعالى: (فاخلع نعليك) أي إنزع حب أهلك عن قلبك. ثم انصرفت عنهما فاستقبلني ابن إسحاق الوكيل باكيا وقال: فقدت ثوب العجوزة. فقلت: رأيته مبسوطا تحت قدمي مولانا. فدخل عليه وخرج متبسما، وقال: خبرك صحيح. (6) وفي كتاب الغيبة: عن محمد بن علي القمي قال: إن علي بن الحسين بن موسى كان تحته بنت عمه، ولم يرزق منها ولدا، وكتب إلى الشيخ أبي القاسم بن روح الذي كان وكيلا للامام في غيبته بعد موت وكيله محمد بن عثمان العمري، أن يسأل الامام أن يدعو الله - تبارك وتعالى - أن يرزقه أولادا من بنت عمه، فخرج الجواب: يا علي، إنك لا ترزق ولدا من بنت عمك، وستملك جارية ديلمية ترزق منها ولدين فقيهين، وأوسطهما زاهد غير فقيه، فرزق محمدا والحسين فقيهين باهرين، وكان بينهما أخ زاهد لا فقه له.


(1) طه / 12. (6) الغيبة للطوسي: 308 حديث 261. (*)

[ 323 ]

الباب الثاني والثمانون في بيان الامام أبو محمد الحسن العسكري أرى ولده القائم المهدي لخواص مواليه وأعلمهم أن الامام من بعده ولده (رضي الله عنهما) (1) وفي كتاب الغيبة: عن أبي غانم الخادم قال: ولد لابي محمد الحسن مولود فسماه محمدا، فعرضه على أصحابه يوم الثالث وقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد عليه الاعناق بالانتظار، فإذا امتلات الارض جورا وظلما خرج فملاها قسطا وعدلا. (2) وفي هذا الكتاب: عن جعفر بن مالك قال معاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب ومحمد بن عثمان: إن أبا محمد الحسن عرض ولده علينا ونحن في منزله، وكنا أربعين رجلا، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا. (3) عن حمدان القلانسي قال: قلت لمحمد بن عثمان العمري: مضى أبو محمد ؟


(1) اكمال الدين 2 / 431 حديث 8. غاية المرام: 774 باب 6. (2) اكمال الدين 2 / 435 حديث 2. غاية المرام: 764 باب 7 حديث 8. (3) أصول الكافي 1 / 329 حديث 4. غاية المرام: 764 باب 7 حديث 8. (*)

[ 324 ]

فقال لي: قد مضى ولكن قد خلف فينا من رقبتنا في بيعته. (4) وعن عمر الاهوازي قال: أراني أبو محمد ابنه (رضي الله عنهما) وقال: هذا إمامكم من بعدي. (5) وعن الخادم الفارسي قال: كنت بباب الدار خرجت جارية من البيت ومعها شئ مغطى. فقال لها أبو محمد: اكشفي عما معك، فكشفت فإذا غلام أبيض حسن الوجه. فقال: هذا إمامكم من بعدي. قال: فما رأيته بعد ذلك. (6) وعن محمد بن إسماعيل بن موسى الكاظم (رضي الله عنهم) - كان أسن بني الكاظم - قال: رأيت ولد أبي الحسن العسكري وهو غلام. (7) وعن أبي علي بن مطهر قال: رأيت ولد أبي محمد وله قدر جليل. (8) وعن كامل بن إبراهيم المدني قال: دخلت على أبي محمد الحسن وعلى باب البيت ستر، فجاءت الريح فكشفت طرف الستر، فإذا غلام كأنه القمر، فقال أبو محمد: يا كامل قد أنبأك بحاجتك، هذا الحجة من بعدي. (9) وعن إبراهيم بن إدريس قال: رأيت المهدي بعد أن مضى أبو محمد (رضي الله عنهما) غلاما حين أيفع، وقبلت يديه ورأسه الشريف.


الغيبة للطوسي: 243 حديث 203. أصول الكافي 1 / 328 حديث 3. غاية المرام: 763 باب 9. (5) اكمال الدين 2 / 436 حديث 4. غاية المرام: 764 حديث 10. (6) الغيبة للطوسي: 268 حديث 230. غاية المرام: 765 حديث 12. (7) غاية المرام: 365 حديث 13. (8) الغيبة للطوسي: 246 حديث 216 (في حديث). (9) الغيبة للطوسي: 268 حديث 232. (*)

[ 325 ]

(10) وعن يعقوب بن منفوس قال: دخلت على أبي محمد الحسن العسكري وعلى باب البيت ستر مسبل. فقلت له: يا سيدي من صاحب هذا الامر بعدك ؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته، فخرج غلام فجلس على فخذ أبي محمد (رضي الله عنهما) وقال لي أبو محمد: هذا إمامكم من بعدي، ثم قال: يا بني ادخل البيت، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثم قال: يا يعقوب انظر في البيت فدخلته فما رأيت أحدا. (11) وعن محمد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر بن قنبر الكبير قال: خرج صاحب الزمان على عمه جعفر الذي تعرض في مال أبي محمد وقال: يا عم مالك تتعرض في حقوقي ؟ فتحتر عمه جعفر وبهت، ثم غاب، ولما ماتت أم الحسن جدة صاحب الزمان وهي أوصت أن يدفنوها في الدار، فنازع وقال: هي داري، فخرج صاحب الزمان فقال: يا عم ما دارك هي، ثم غاب. (12) وعن أبي الاديان قال: كنت أخدم أبا محمد الحسن العسكري وأبلغ كتبه الى الامصار، فكتب كتبا وقال لي: إنطلق بها إلى المدائن فانك تغيب خمسة عشر يوما وتدخل سامراء يوم الخامس عشر، وتسمع الناعية في داري، وتجدني على المغتسل. فقلت: يا سيدي من هو القائم بعدك ؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي.


(10) اكمال الدين 2 / 407 حديث 2. (11) اكمال الدين 2 / 442 حديث 15. (12) اكمال الدين 2 / 475. (*)

[ 326 ]

فقلت: زدني. فقال: من يصلي علي فهو القائم من بعدي. فقلت: زدني. قال: من أخبر ما في الهميان فهو القائم من بعدي. ثم منعتني هيبته عن السؤال، وخرجت بالكتب إلى المدائن، وأخذت جواباتها فدخلت سامراء يوم الخامس عشر، وسمعت الناعية في داره وهو على المغتسل، ثم كفن، فلما هم أخوه جعفر أن يصلي عليه ظهر صبي فجذب رداء جعفر وقال: يا عم تأخر فأنا أحق بالصلاة على أبي. فتقدم الصبي فصلى عليه، ثم قال: يا أبا الاديان هات جوابات الكتب التي كانت معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه إثنتان، بقي الهميان. قال: فبينا نحن جلوس إذ قدم نفر من قم وقالوا: إن معنا كتبا ومالا. فسألنا جعفر عن أصحاب الكتب وكم المال. قال: لا أعلم الغيب، فخرج الخادم وقال: إن صاحب الزمان وجهني اليكم إن أرباب الكتب فلان وفلان وفلان، وما في الهميان ألف دينار وعشرة دنانير يطلبه، فدفعوا إليه الكتب والمال. (13) وعن علي بن سنان الموصلي، عن أبيه قال: لما قبض سيدنا أبو محمد جاء وفد من قم بالاموال. فقال جعفر: إحملوها إلي. فقالوا: كنا إذا وردنا بالمال على أبي محمد يقول جملة المال كذا وكذا دينارا من عند فلان وفلان.


(13) اكمال الدين 2 / 476 حديث 26. (*)

[ 327 ]

فقال جعفر: هذا علم الغيب لا يعلمه إلا الله. فشكى جعفر إلى الخليفة وهو كان بسامراء فقال الخليفة للوفد: إحملوا هذا المال الى جعفر. فقالوا: يا أمير المؤمنين إن يكن جعفر صاحب الامر فليبين لنا ما بين أخوه الامام وإلا رددنا الى أصحابه. فقال الخليفة: هؤلاء القوم رسل وما على الرسل إلا البلاغ. فلما خرجوا بالمال من البلد خرج إليهم غلام فصاح يا فلان بن فلان ويا فلان ابن فلان أجيبوا مولاكم فسيروا إليه. قالوا: فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا أبي محمد الحسن، فإذا ولده قاعد على سرير كأنه القمر، عليه ثياب خضر، فقال: جملة المال كذا وكذا دينارا، حمل فلان كذا من فلان بن فلان، وحمل فلان بن فلان من فلان بن فلان، حتى وصف رحالنا ودوابنا، ثم أمرنا مولانا أن لا نحمل الى سامراء من بعد شيئا، ونصب لنا ببغداد رجلا نحمل إليه الاموال، وتخرج من عنده التوقيعات، فانصرفنا من عند مولانا، ونحمل الاموال الى بغداد إلى النائب المنصوب الذي يخرج من عنده أوامره ونواهيه. (14) وعن الحسين بن حمدان المحضيبي عن هارون بن مسلم، وسعدان البصري، ومحمد بن أحمد البغدادي، وأحمد بن اسحاق، وسهل بن زياد، وعبد الله بن جعفر، جميعا، سمعوا عدة من المشايخ الثقات الذين كانوا مجاورين للامامين سيدنا علي الهادي وأبي محمد الحسن العسكري قالوا: سمعناهما يقولان:


(14) البحار 51 / 24. (*)

[ 328 ]

إن الله - تبارك وتعالى - إذا أراد أن يخلق الامام أنزل قطرة من ماء الجنة في ماء المزن، فتسقط في ثمار الارض وبقلتها، فيأكلها أبو الامام وتكونت نطفته منها فإذا استقرت النطفة في الرحم، فيمضي لها أربعة أشهر يسمع الصوت، وكتب على عضده (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) (1) فإذا ولد قام بأمر الله، ورفع له عمود من نور ينظر منه الخلائق وأعمالهم وسرائرهم، والعمود نصبت بين عينه حيث تولى ونظر. وقالوا: قال أبو محمد الحسن العسكري قصة هبة عمته نرجس له نحو ما تقدم.


(1) الانعام / 115. (*)

[ 329 ]

الباب الثالث والثمانون في بيان من رأى صاحب الزمان المهدي (ع) بعد غيبته الكبرى (1) في كتاب الغيبة: عن أبي عبد الله بن صالح قال: رأيت المهدي (ع) عند الحجر الاسود، والناس يزدحمون عليه، وهو يقول: ما بهذا أمروا. (2) وعن غانم الهندي قال: أتيت بغداد في طلب المهدي (ع) وقد مشيت على الجسر مفكرا أين أجده، إذ أتاني آت فقال لي: أجب مولاك، فلم يزل يمشي معي حتى أدخلني دارا وبستانا، فإذا مولاي قاعد، فلما نظر إلي قال: يا غانم أهلا وسهلا، فكلمني بالهندية وسلم علي، وقال: أنت تريد الحج في هذه السنة مع أهل قم، فلا تحج في هذه السنة وانصرف الى خراسان، وحج من عام قابل وألق الي صرة وقال: إجعل هذه نفقتك، ولا تخبر بشئ مما رأيت. (3) وعن محمد بن شاذان الكابلي قال: كنت لم أزل أطلب المهدي (ع)، وأقمت في المدينة ولا ذكرته لاحد إلا استهزأ بي، فلقيت شيخا من بني هاشم، وهو يحيى ابن محمد العريضي فقال لي: إن الذي تريد بصرياء، فأتيت صرياء ودخلت


(1) الارشاد: 350. البحار 52 / 60 حديث 46. (2) اكمال الدين 2 / 437 حديث 6 (في حديث). (3) اكمال الدين 2 / 440 ذيل الحديث 6. (*)

[ 330 ]

في الدكان، فزجرني غلام أسود وقال: قم من هذا المكان، فقلت: لا أخرج، فدخل الدار ثم خرج وقال لي: أدخل، فدخلت فإذا مولاي قاعد بوسط الدار، وسماني باسم لم يعرفه أحد إلا أهلي بكابل، وأخبرني بأشياء ثم انصرفت عنه، ثم أتيت السنة الثانية فلم أجده. (4) وعن عبد الله بن جعفر الحميري قال: سألت محمد بن عثمان العمري عن رؤيته صاحب الزمان قال: رأيته عند البيت الحرام يقول: اللهم انجز لي ما وعدتني، ورأيته أيضا كان متعلقا بأستار الكعبة ويدعو ويناجي ربه. (5) وعن ظريف أبي نصر قال: دخلت على صاحب الزمان (ع). قال لي: من أنا ؟ قلت: أنت سيدي ابن سيدي فقال: أنا خاتم الاوصياء فبي يدفع الله البلاء عن أهل الارض. وعن عبد الله المسوري قال: دخلت في بستان بني هاشم فرأيت غلمانا يسبحون في غدير ماء وفتى جالس على مصلى واضعا كمه على فيه، فقلت لهم: من هذا ؟ فقالوا: محمد بن الحسن العسكري، وكان في صورة أبيه عليهما السلام. (7) وعن محمد بن أبي عبد الله الكوفي الاسدي: إنه ذكر عدد من رأى صاحب الزمان وكراماته (ع) من الوكلاء ببغداد محمد بن عثمان العمري وابنه حاجز والبلالي والعطار، ومن أهل الكوفة العاصمي، ومن الاهواز محمد بن إبراهيم بن مهزيار،


(4) اكمال الدين 2 / 440 حديث 9 و 10. (5) اكمال الدين 2 / 441 حديث 12. (6) اكمال الدين 2 / 441 حديث 13. (7) اكمال الدين 2 / 442 حديث 16. (*)

[ 331 ]

ومن قم أحمد بن إسحاق، ومن همدان محمد بن صالح، ومن الري البسامي والاسدي - عنى نفسه -، ومن آذربيجان القاسم بن العلا، ومن نيشابور محمد ابن شاذان النعيمي، فهؤلاء اثنا عشر رجلا من الوكلاء. وأما من غير الوكلاء ثلاثة وخمسون رجلا، أسماؤهم مكتوبة في كتاب الغيبة مفصلا. (8) وعن الحسن بن وجنا النصيبي قال: كنت ساجدا تحت الميزاب في رابع أربعة وخمسين حجة مني، وأنا أطلب صاحب الزمان بالتضرع والدعاء إذ حركتني جارية فقالت: قم يا حسن، فمشت معي حتى أتت بي دار خديجة (رضي الله عنها) فوقفت بالباب، فقال لي صاحب الزمان (ع): يا حسن والله ما من حج حجك إلا وأنا معك في حجك فالزم دار جعفر بن محمد الباقر عليهما السلام ولا يهمنك طعامك وستر عورتك، وعلمني دعاء وقال: أدع وصل علي ولا تعطه إلا محق أوليائي، ولزمت ذلك الدار ولم أزل أجد فيها وقت إفطاري ماء ورغيفا وإداما، وأجد كسوة الشتاء في الشتاء وكسوة الصيف في الصيف. (9) عن علي بن أحمد الكوفي عن الازدي قال: بينا أنا في طواف فإذا شاب حسن الوجه طيب الرائحة يتكلم إلي. فقلت: يا سيدي من أنت ؟ قال: أنا المهدي، وأنا صاحب الزمان، وأنا القائم الذي أملا الارض عدلا كما ملئت جورا، وإن الارض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة، فهذه إمامة لا تحدث بها إلا اخوانك من الحق، ثم ألق حصاة إلي فإذا سبيكة ذهب. وقال بعضهم: إنه يظهر في كل سنة يوما لخواصه يحدثهم.


(8) اكمال الدين 2 / 443 حديث 17. (9) المصدر السابق: حديث 18. (*)

[ 332 ]

(10) عن راشد الهمداني قال: لما انصرفت من الحج ضللت الطريق، فوقعت في أرض خضراء نضرة، وتربتها أطيب تربة، وفيها فسطاط، فلما بلغته رأيت الخادمين وقالا: اجلس فقد أراد الله بك خيرا، فدخل أحدهما، ثم خرج فقال: أدخل. فدخلت فإذا فتى جالس وقد علق فوق رأسه سيف طويل، فسلمت عليه فرد السلام علي. فقال: من أنا ؟ فقلت: لا أعلم. فقال: أنا القائم، أنا الذي أخرج في آخر الزمان بهذا السيف فأملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. فسقطت على وجهي فقال: لا تسجد لغير الله، إرفع رأسك، وأنت راشد من بلد همدان أتحب أن ترجع الى أهلك ؟ قلت: نعم، وناولني صرة وأومأ إلى الخادم، فهو مشى معي خطوات فرأيت أسد آباد فقال: هذه أسد آباد امض يا راشد، فالتفت فلم أره، فدخلت أسد آباد وفي الصرة خمسون دينارا، فدخلت همدان وبشرت بأهلي، ولم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير. (11) وعن أبي نعيم الانصاري قال: كنت في المسجد الحرام في اليوم السادس من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين إذ رأينا شابا فقمنا لهيبته، فجلس وقال: أتدرون ما كان جعفر الصادق يقول في دعائه ؟ قلنا: وما كان يقول ؟


(10) اكمال الدين 2 / 453 حديث 20. (11) اكمال الدين 2 / 470 - 473 حديث 24. (*)

[ 333 ]

قال: كان يقول: اللهم إني أسئلك باسمك الذي به تقوم السماء والارض، وبه تفرق بين الحق والباطل، وبه تجمع بين المتفرق، وبه تفرق بين المجتمع، وبه أحصيت عدد الرمال، وزنة الجبال، وكيل البحار، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا. ثم انصرف، فلما كان الغد في ذلك الوقت خرج من الطواف وجلس وقال لنا: أتدرون ما كان يقول أمير المؤمنين (ع) في الدعاء بعد الفريضة ؟ فقلنا: وما كان يقول ؟ قال: كان يقول: اللهم اليك رفعت الاصوات ودعيت الدعوات، ولك عنت الوجوه، ولك خضعت الرقاب، وإليك التحاكم في الاعمال، يا خير من سئل، وخير من أعطى، يا صادق، يا بارئ، يا من لا يخلف الميعاد، يا من أمر بالدعاء وتكفل بالاجابة، يا من قال: (أدعوني أستجب لكم) (1) يا من قال: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (2) يا من قال: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) (3). ثم قال: أتدرون ما كان أمير المؤمنين (ع) يقول في سجدة الشكر ؟ قلنا: وما كان يقول ؟ قال: يقول: يا من لا يزيده إلحاح الملحين إلا كرما وجودا، يامن له خزائن


(1) غافر / 60. (2) البقرة / 186. (3) الزمر / 53. (*)

[ 334 ]

السموات والارض، يا من له الفضل العظيم، لا تمنعك إسائتي من إحسانك إلي، أسألك أن تفعل بي ما أنت أهله، وأنت أهل الجود والكرم والعفو، يا الله، يا رب، يا الله، إفعل بي ما أنت أهله، وأنت قادر على العقوبة، وقد استحقيتها، لا حجة لي عندك ولا عذر لي عندك، أبوء إليك بذنوبي كلها، وأعترف بها كي تعفو عني، وأنت أعلم بها مني برئت اليك بكل ذنب أذنبته، وكل خطيئة أخطأتها، وكل سيئة عملتها. يا رب إغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الاعز الاكرم. قال: وانصرف ثم عاد من غد في ذلك الوقت فجلس وقال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) سيد العابدين يقول في سجوده في هذا الموضع وأشار بيده إلى الحجر الاسود: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك، يسألك ما لا يقدر عليه سواك. قال: ثم نظر الى محمد بن القاسم العلوي فقال: يا محمد بن القاسم أنت على خير، لانه كان يطلب صاحب الزمان، وقام وانصرف. فقال المحمودي: يا قوم أتعرفون هذا ؟ قلنا: لا. قال: هذا والله صاحب الزمان. فقال: إني دعوت ربي أن يريني صاحب الزمان قبل سبع سنين (قال: فبينا أنا يوما في) عشية عرفة، وهو يقرأ دعاء عشية عرفة فقلت: من أنت ؟ قال: من بني هاشم. فقلت: ممن ؟ قال: ممن فلق الهام، وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام.

[ 335 ]

فعلمت أنه علوي، ثم غاب فلم أدر صعد في السماء أو نزل في الارض، فسألت القوم الذين كانوا حوله: أتعرفون هذا العلوي ؟ فقالوا: نعم يحج معنا كل سنة ماشيا. فقلت لهم: ما أرى به أثر مشي. ثم انصرفت إلى المزدلفة حزينا على فراقه، ونمت في ليلتي تلك، فرأيت رسول الله (ص) في المنام فقال: يا محمودي رأيت مطلوبك، وهو صاحب زمانكم، عشية عرفة. وهذه القصة من طرق ثلاثة ذكروها. (12) وعن إبراهيم بن مهزيار الاهوازي قال: قدمت المدينة ومكة لطلب صاحب الزمان، فبينا أنا في الطواف قال لي رجل أسمر اللون: من أي البلاد أنت ؟ قلت: من الاهواز. قال: أتعرف إبراهيم بن مهزيار. قلت: أنا هو. فعانقني. فقلت له: هل تعرف من أخبار صاحب الزمان ؟ قال لي: فارتحل معي إلى الطائف في خفية من أصحابك. فمشينا إلى الطائف من رملة الى رملة حتى وصلنا إلى الفلاة، فبدت لنا خيمة قد أشرقت بها الرمال وتتلالا بها تلك البقاع، ثم أسرعنا حتى وصلنا إليها فبالاذن دخلت على صاحب الزمان (ع) قال لي: مرحبا بك يا أبا إسحاق.


(12) اكمال الدين 2 / 445 - 450 حديث 19. (*)

[ 336 ]

فقلت: بأبي وأمي ما زلت أتفحص عن أمرك بلدا فبلاد حتى من الله علي بمن أرشدني اليك. ثم قال: يا أبا إسحاق ليكن هذا المجلس مكتوم عندك. قال إبراهيم: فمكثت عنده حينا أقتبس منه موضحات الاعلام ونيرات الاحكام، فأذن لي في الرجوع إلى الاهواز وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند الله لي ولعقبي وقرابتي، وعرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم وسألته أن يتفضل بقبوله، فتبسم وقال: يا أبا إسحاق إستعن به على منصرفك ولا تحزن لاعراضنا عنه، وبارك الله فيما خولك، وأدام لك ما حولك، وكتب لك أحسن ثواب المحسنين، واستودعه نفسك وديعة لا تضيع بمنه ولطفه إن شاء الله تعالى.

[ 337 ]

الباب الرابع والثمانون في إيراد أقوال أهل الله من أصحاب الشهود والكشوف وعلماء الحروف في بيان المهدي الموعود قال الشيخ الجليل عبد الكريم اليماني (قدسي الله سره ووهب لنا فيوضه وعلومه): في يمن أمن يكون لاهلها * الى أن ترى نور الهداية مقبلا بميم مجيد من سلالة حيدر * ومن آل بيت طاهرين بمن علا يسمى بمهدي من الحق ظاهر * بسنة خير الخلق يحكم أولا وقال الشيخ الكبير عبد الرحمن البسطامي صاحب كتاب " درة المعارف " (قدس الله سره وأفاض علينا فتوحه وغوامض علومه): ويظهر ميم المجد من آل أحمد * ويظهر عدل الله في الناس أولا كما قد روينا عن علي الرضا * وفي كنز علم الحرف أضحى محصلا وقال أيضا: ويخرج حرف الميم من بعد شينه * بمكة نحو البيت بالنصر قد علا فهذا هو المهدي بالحق ظاهر * سيأتي من الرحمن للخلق مرسلا ويملا كل الارض بالعدل رحمة * ويمحو ظلام الشرك والجور أولا ولايته بالامر من عند ربه خليفة خير الرسل من عالم العلا وقال بعض من أهل الله وأصحاب الكشف والشهود وعلماء الحروف: إنني

[ 338 ]

ناقل عن الامام علي (كرم الله وجهه) سيأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونه، ويملك من هو بينهم غريب، وهو المهدي، أحمر الوجه، بشعره صهوبة، يملا الارض عدلا بلا صعوبة، يعتزل في صغره عن أمه وأبيه، ويكون عزيزا في مرباه فيملك بلاد المسلمين بأمان، ويصفو له الزمان، ويسمع كلامه ويطيعه الشيوخ والفتيان، ويملا الارض عدلا كما ملئت جورا، فعند ذلك كملت إمامته، وتقررت خلافته، والله يبعث من في القبور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، وتعمر الارض وتصفو، وتزهو الارض بمهديها، وتجري به أنهارها، وتعدم الفتن والغارات، ويكثر الخير والبركات، ولا حاجة لي فيما أقوله بعد ذلك، ومني على الدنيا السلام. قال الشيخ محي الدين العربي (قدس الله سره وأفاض فيوضاته وفتوحاته) في كتابه " عنقاء المغرب " في بيان المهدي الموعود ووزرائه: فعند فنا خاء الزمان ودالها (1) * على فاء مدلول الكرور يقوم مع السبعة الاعلام والناس غفل * عليهم بتدبير الامور حكيم (2) فأشخاصنا خمس وخمس وخمسة * عليهم ترى أمر الوجود يقيم (3) ومن قال أن الاربعين نهاية * لهم فهو قول يرتضيه كليم وإن شئت أخبر عن ثمان ولا تزد * طريقهم (4) فرد إليه قويم فسبعتهم في الارض لا يجهلونها * وثامنهم عند النجوم لزيم (5)


(1) في المصدر: فعذر فناخا الزمان وجيمها. (2) في المصدر: " حليم ". (3) في المصدر: " يقوم ". (4) في المصدر: " طريقا ". (5) عنتاء العرب: 4 ط. مصر. (*)

[ 339 ]

وذكر أيضا في " الفتوحات المكية " في الباب السادس والستون وثلاثمائة: منزل وزراء المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشر به رسول الله (ص) وهو من أهل البيت: إن لله خليفة يخرج وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملاها قسطا وعدلا، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة النبي (ص) يبايع بين الركن والمقام، أسعد الناس به أهل الكوفة، ويقسم المال بالسوية، ويعدل في الرعية، ويفصل في القضية، يخرج على فترة من الدين، ومن أبى قتل، ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ما لو كان رسول الله (ص) حيا لحكم به، يرفع المذاهب من الارض فلا يبقى إلا الدين الخالص، وأعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد، فيدخلون كرها تحت حكمه، خوفا من سيفه وسطوته، ورغبة فيما لديه، يفرح به عامة المسلمين، يبايعه العارفون بالله تعالى من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، وله رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، وهم الوزراء، يحملون أثقال المملكة. قال: هو السيد المهدي من آل أحمد * هو الوابل الوسمي حين يجود وهو خليفة مسدد، يفهم منطق الحيوان، ويسري عدله في الانس والجان، ووزراؤه من الاعاجم، ما فيهم عرب، لكن لا يتكلمون إلا بالعربية، لهم حافظ ليس من جنسهم، ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء وأفضل الامناء (1).


(1) الفتوحات المكية 3 / 327 ط. دار صادر. (*)

[ 340 ]

وقال الشيخ صدر الدين القونوي (قدس الله سره وأفاض علينا فيوضه وعلومه) في شأن المهدي الموعود شعرا: يقوم بأمر الله في الارض ظاهرا * على رغم شيطانين يمحق للكفر يؤيد شرع المصطفى وهو ختمه * ويمتد من ميم بأحكامها يدري ومدته ميقات موسى وجنده * خيار الورى في الوقت يخلو عن الحصر على يده محق اللئام جميعهم * بسيف قوي المتن علك أن تدري حقيقة ذاك السيف والقائم الذي * تعين للدين القويم على الامر لعمري هو الفرد الذي بان سره * بكل زمان في مظاء له يسري تسمى بأسماء المراتب كلها * خفاء وإعلانا كذاك إلى الحشر أليس هو النور الاتم حقيقة * ونقطة ميم منه إمدادها يجري يفيض على الاكوان ما قد أفاضه * عليه إله العرش في أزل الدهر فما ثم إلا الميم لا شئ غيره * وذو العين من نوابه مفرد العصر هو الروح فاعلمه وخذ عهده إذا * بلغت الى مد مديد من العمر كانك بالمذكور تصعد راقيا * الى ذروة المجد الاثيل على القدر وما قدره إلا ألوف بحكمة * على حد مرسوم الشريعة بالامر بذا قال أهل الحل والعقد فاكتفى * بنصهم المثبوت في صحف الزبر فان تبغ ميقات الظهور فانه * يكون بدور جامع مطلع الفجر بشمس تمد الكل من ضوء نورها * وجمع دراري الاوج فيها مع البدر وصل على المختار من آل هاشم * محمد المبعوث بالنهي والامر عليه صلاة الله ما لاح بارق * وما أشرقت شمس الغزالة في الظهر وآل وأصحاب أولي الجود والتقى * صلاة وتسليما يدومان للحشر وقال الشيخ صدر الدين لتلاميذه في وصاياه: إن الكتب التي كانت لي من كتب الطب وكتب الحكماء وكتب الفلاسفة بيعوها وتصدقوا بثمنها للفقراء، وأما

[ 341 ]

كتب التفاسير والاحاديث والتصوف فاحفظوها في دار الكتب، واقرؤا كلمة التوحيد لا إله إلا الله سبعين ألف مرة ليلة الاولى بحضور القلب، وبلغوا مني سلاما إلى المهدي (ع).

[ 343 ]

الباب الخامس والثمانون في إيراد بعض ما في كتاب " إسعاف الراغبين " للشيخ علامة زمانه وفريد أوانه محمد الصبان المصري رحمه الله أخرج الروياني والطبراني وغيرهما مرفوعا: المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري، اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي - أي طويل - يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، يرضى لخلافته أهل السماء وأهل الارض. وورد أيضا: انه شاب أكحل العينين، أزج الحاجبين، أقنى الانف، كث اللحية، على خذه الايمن خال، وعلى يده اليمنى خال. وأخرج الطبراني مرفوعا: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى (ع) كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدم فصل بالناس، فيقول عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي خلف رجل من ولدي. وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه. وصح مرفوعا: ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إنما بعضكم أئمة على بعض، تكرمة من الله لهذه الامة (1). وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا: لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها، والمهدي وسطها. والمراد بالوسط ما قبل الآخر (2).


(1) اسعاف الراغبين: 133 ط. الهند. (2) اسعاف الراغبين: 134. (*)

[ 344 ]

وأخرج أحمد والماوردي: انه (ص) قال: أبشروا بالمهدي، رجل من قريش من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، ويرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض، ويقسم المال بالسوية، ويملا قلوب أمة محمد غنى، ويسعهم عدله حتى أنه يأمر مناديا فينادي: من له حاجة إلى المال يأتيه، فما يأتيه أحد إلا رجل واحد يأتيه فيسأله، فيقول له المهدي: ائت السادن حتى يؤتيك، فيأتيه فيقول: أنا رسول المهدي أرسلني اليك لتعطيني فيقول: أحث، فيحثي فلا يستطيع أن يحمله، فيلقي حتى يكون قدر ما يستطيع أن يحمله، فيخرج به، فيندم فيقول: أنا كنت أجشع الامة نفسا، كلهم دعي الى هذا المال فتركوه غيري، فيرد عليه، فيقول السادن: انا لا نقبل شيئا أعطيناه، فيلبث في ذلك ستا أو سبعا أو ثمانيا أو تسع سنين، ولا خير في الحياة بعده (1). والقول بأنه يخرج من المغرب لا أصل له كما نبه عليه العلقمي. وجاء في روايات: انه عند ظهوره ينادي فوق رأسه ملك: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. فيذعن له الناس ويشربون حبه، وانه يملك الارض شرقها وغربها، وأن الله تعالى يمده بثلاثة آلاف من الملائكة، وأن أهل الكهف من أعوانه... وأن جبرئيل على مقدمة جيشه، وميكائيل على ساقته... وأن المهدي يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، وأسفار التوراة من جبل بالشام، يحاج بها اليهود فيسلم كثير منهم (2). وقد تواترت الاخبار عن النبي (ص) بخروج المهدي، وانه من أهل بيته، وانه


(1) اسعاف الراغبين: 134 - 135: مسند أحمد 3 / 37. (2) اسعاف الراغبين: 135. (*)

[ 345 ]

يملا الارض عدلا، وانه يساعد عيسى عليهما السلام على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وانه يؤم هذه الامة ويصلي عيسى خلفه (1). وفي بعض الآثار انه يخرج في وتر من السنين إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع، وأن السنة من سنينه تكون مقدار عشر سنين، وانه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب إلا يعمر (2). قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين في قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة " (3): إنها نزلت في المهدي (ع). وفي رواية: مدته أربعون سنة وفي رواية عشرون سنة، وفي رواية أربع عشرة سنة، وروي غير ذلك أيضا (4). وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه " اليواقيت والجواهر " في المبحث الخامس والستون: المهدي من ولد الامام الحسن العسكري، ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو باق الى أن يجتمع بعيسى ابن مريم، هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي عن الامام المهدي حين اجتمع به، ووافقه على ذلك سيدي علي الخواص (رحمهما الله تعالى) (5). وقال الشيخ محي الدين في " الفتوحات المكية ": إن المهدي يحكم بما ألقى إليه ملك الالهام من الشريعة، كما في حديث: المهدي يقفو أثري لا يخطئ (6).


(1) اسعاف الراغبين: 138. (2) اسعاف الراغبين: 138 - 139. (3) الزخرف / 61. (4) اسعاف الراغبين: 138 - 139. (5) اسعاف الراغبين: 139 - 140. (6) اسعاف الراغبين: 141 (مختصر جدا). (*)

[ 346 ]

ويقول مؤلف هذا الكتاب: إن الشيخ عبد الوهاب الشعراني قدس سره قال في كتابه " أنوار القدسية " إن بعض مشايخنا قال: نحن بايعنا المهدي (ع) بدمشق الشام، وكنا عنده سبعة أيام. وقال لي الشيخ عبد اللطيف الحلبي سنة ألف ومائتين وثلاث وسبعين: إن أبي الشيخ إبراهيم رحمه الله قال: سمعت بعض مشايخي من مشايخ مصر يقول: بايعنا الامام المهدي (انتهئ). وكان الشيخ إبراهيم في طريقة القادرية، ومن كبار مشايخ حلب الشهباء المحروسة، نفعنا الله من فيضه، لا سيما حضرات الكيلانيين، أعني الشيخ إسماعيل الاول وذريته الشيخ عبد الجواد، وابنه الشيخ إسماعيل الثاني وابنيه الشيخ محمد والشيخ عبد القادر، وهو شيخي وسيدي وسندي ومعتمدي (قدس الله أسرارهم وأعلى الله مقامهم ورفع درجاتهم) هم غيوث المؤمنين، وملاذ المسلمين، وهم من العترة الطيبين، وسلالة أئمة الهادين، وحفظ الله من كان حيا من أولادهم، الشيخ طه وأولاده، وبارك فيهم بمزيد سعادة الدارين وبركات الكونين آمين، وأفاض علينا بركاتهم وسعاداتهم، وحظظنا من إمداد أرواحهم وإشراق أنوارهم، وإفاضة أسرارهم، اللهم ثبتنا على مودتهم آمين يا رب العالمين بالنبي وآله الطيبين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه الفائزين فوزا عظيما.

[ 347 ]

الباب السادس والثمانون في إيراد أقوال ممن صرح من علماء الحروف والمحدثين أن المهدي الموعود ولد الامام الحسن العسكري (رضي الله عنهما) قال الشيخ الجليل العالم الكامل من أسرار الحروف، كمال الدين أبو سالم محمد ابن طلحة بن محمد بن الحسن الحلي الشافعي (قدس الله سره) في كتابه " (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ": المهدي هو ابن أبي محمد الحسن العسكري، ومولده بسامراء (1)، وهكذا ذكر أيضا في كتابه " الدر المنظم " كما تقدم. وقال الشبخ الكبير الكامل بأسرار الحروف صلاح الدين الصفدي في " شرح الدائرة ": إن المهدي الموعود هو الامام الثاني عشر من الائمة، أولهم سيدنا علي وآخرهم المهدي (رضي الله عنهم ونفعنا الله بهم). وقال الشيخ المحدث الفقيه أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي (ره) في كتابه " البيان في أخبار صاحب الزمان " في آخر الباب الخامس والعشرين، وهو آخر الابواب: إن المهدي ولد الحسن العسكري، فهو حي موجود باق منذ غيبته إلى الآن، ولا امتناع في بقائه بدليل بقاء


(1) مطالب السؤول: 89 ط. 1287 ه‍. (1) اكمال الدين 2 / 440 ذيل الحديث 6. (*)

[ 348 ]

عيسى والخضر والياس (عل) (1). وقال الشيخ المحدث الفقيه نور الدين علي بن محمد المالكي في كتابه " الفصول المهمة ": إن المهدي الموعود ابن أبي محمد الحسن العسكري بن علي النقي (رضي الله عنهم) (2). وقال الشيخ المحدث الفقيه محمد بن إبراهيم الجويني الحمويني الشافعي في كتابه " فرائد السمطين ": عن دعبل الخزاعي، عن علي الرضا بن موسى الكاظم قال: إن الامام من بعدي ابني الجواد التقي، ثم الامام من بعده ابنه علي الهادي النقي، ثم الامام من بعده ابنه الحسن العسكري، ثم الامام من بعده ابنه محمد الحجة المهدي المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، كما تقدم في الباب الثمانين (3). وأما شيخ المشايخ العظام أعني حضرة شيخ الاسلام أحمد الجامي النامقي، والشيخ عطار النيشابوري، وشمس الدين التبريزي، وجلال الدين مولانا الرومي، والسيد نعمة الله الولي، والسيد النسيمي، وغيرهم (قدس الله أسرارهم ووهب لنا عرفانههم وبركاتهم) ذكروا في أشعارهم في مدائح من أهل البيت الطيبين (رضي الله عنهم) مدح المهدي في آخرهم متصلا بهم فهذه أدلة على أن المهدي ولد أولا (ض) ومن تتبع آثار هؤلاء الكاملين العارفين يجد الامر واضحا عيانا.


(1) البيان (طبع مع كفاية الطالب): 521 باب 25. (2) الفصول المهمة: 277 ط. الحيدرية 1381. (3) فرائد السمطين 2 / 337 حديث 591. (*)

[ 349 ]

الباب السابع والثمانون في إيراد بعض أشعار أهل الله الكاملين في مدائح الائمة الاثني عشر الهادين (رضي الله عنهم) وكلام سعد الدين الحموي قال الشيخ عبد الرحمن الجامي في كتابه " النفحات ": إن الشيخ أحمد الجامي النامقي (قدس الله سره) دخل في غار جبل قرب بلد جام بجذب قوي من الله - جل شأنه - وكان أميا لا يعرف الحروف ولا الكتاب، وسنه كان اثنين وعشرين سنة، واستقام في الغار ثماني عمثرة سنة من غير طعام ويأكل أوراق الاشجار وعروقها، وعبد الله فيه الى أن بلغ سنه أربعين سنة، ثم أمره الله بارشاد الناس، وصنف كتابا قدره ألف ورقة تحير فيه العلماء والحكاء من غموض معانيه، وهو عجيب في هذه الامة، وبلغ عدد من دخل في طريقته من المريدين ستمائة ألف. وتفصيل كراماته وخوارق عاداته في النفحات مذكور (1). ومن كلماته (قدس الله أسراره ووهب الله لنا فيوضاته وبركاته) بالفارسية: من زمهر حيدرم هر لحظه اندر دل صفاست * از پى حيدر حسن ما را امام ورهنماست


(1) نفحات الانس: 357 ط. محمودي. (*)

[ 350 ]

هكچو كلب افتاده ام بر آستان بو الحسن * خاك نعلين حسين بر هر دو چشمم توتياست عابدين تاج سر وباقر دو چشثم روشنم * دين جعفر بر حق است ومذهب موسى رواست أي موالى وصف سلطان خراسان را شنو * ذره أي از خاك قبرش دردمندان را دواست بيشواى مؤمنان است أي مسلمانان تقى * گر نقى را دوست دارى بر همه مذهب رواست عسكري نور دو چشم عالم است وآدم است * همچو يد مهدى سپهسالار در عالم كجاست قلعهء خيبر گرفته آن شهنشاه عرب * زانكه در بازوى حيدر نامة الا فتى است شاعران از بهر سيم وزر سخنها گفته اند * أحمد جامى غلام خواص شاه اولياست ومن كلمات الشيخ عطار النيشابوري (قدس الله سره وأفاض علينا علومه وبركاته) في كتابه " مظهر الصفات ": مصطق ختم رسل شد در جهان * مرتضى ختم ولايت در عيان جمله فرزندان حيدر أوليا * جمله يك نورند حق كرد اين ندا وبعد تعداد أسماء الائمة الاحد عشر قال: صد هزاران اوليا روى زمين * از خدا خواهند مهدي را يقين يا الهى مهديم از غيب آر * تا جهان عدل گردد آشكار مهدى هادى است تاج اتقيا * بهترين خلق برج اوليا أي ولاى تو معين آمده * بردل وجانها همه روشن شده

[ 351 ]

أي تو ختم اولياى اين زمان * وز همه معنى نهانى جان جان أي تو هم پيدا وپنهان آمده * بنده عطارت ثناخوان آمده (1) ومن كلمات جلال الدين الرومي (قدس الله سره ووهب لنا بركاته وفيوضاته) في ديوانه الكبير الذي جمع على ترتيب حروف الهجاء: أي سرور مردان على مردان سلامت مى كنند * وى صفدر مردان على مردان سلامت مى كنند الى أن قال: با قاتل كفار گو با دين وبا ديندار گو * با حيدر كرار گو مستان سلامت مى كنند با درج دو گوهر بگو با برج دو اختر بگو * با شبر وشبير گو مستان سلامت مى كنند با زين دين عابد بگو با نور دين باقر بگو * با جعفر صادق بگو مستان سلامت مى كنند با موس كاظم بگو با طوسى عالم بگو * با تقى قائم بگو مستان سلامت مى كنند با مير دين هادى بگو با عسكري مهدى بگو * با آن ولى مهدى بگو مستان سلامت مى كنند باباد نوروزى بگو بابخت فيروزى بگو * با شمس تبريزى بگو مستان سلامت مى كنند ولقد قال الامام محمد بن ادريس الشافعي في شعره: لو فتشوا قلبي لالفوا به * سطرين قد خطا بلا كاتب


(1) مظهر العجائب وظهر الاسرار: 7 ط. سنائي. (*)

[ 352 ]

العدل والتوحيد في جانب * وحب أهل البيت في جانب وقال أيضا على ما نقل عنه ابن حجر في صواعقه المحرقة (1): يا راكبا نحو المحصب من منى * اهتف بساكن خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج الى منى * فيضا كمنحل الفرات الفائض وأخبرهم أني من النفر الذي * لولاء أهل البيت ليس بناقض إن كان رفضا حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي وقال بعض الشافعية في قصيدته الدالية المشهورة إلى أن قال: وسائلي عن حب أهل البيت هل * أسر إعلانا بهم أم أجحد والله مخلوط بلحمي ودمي * حبهم هم الهدى والرشد حيدرة والحسنان بعده * ثم علي وابنه محمد وجعفر الصادق وابن جعفر * موسى ويتلوه علي السند أعني الرضا ثم ابنه محمد * ثم علي وابنه المسدد والحسن التالي ويتلو تلوه * محمد بن الحسن الممجد فانهم ائمتي وسادتي * وإن لحاني معشر وفندوا أئمة أكرم بهم أئمة * أسماؤهم مسرودة تطرد هم حجج الله على عباده * وهم إليه منهج ومقصد هم النهار صوم لربهم * وفي الدياجي ركع وسجد قوم لهم مكة والابطح وال‍ * - خيف وجمع والبقيع الغرقد قوم منى والمشعران لهم * والمروتان لهم والمسجد قوم لهم في كل أرض مشهد * لا بل لهم في كل قلب مشهد وفي كتاب الشيخ عزيز بن محمد النسفي (ره) شيخ الشيوخ سعد الدين الحموي (قدس


(1) الصواعق المحرقة: 133. (*)

[ 353 ]

الله سره) ميفرمايد كه: پيش از پيغمبر ما محمد (ص) در اديان سابق، اسم ولى نبود، واسم نبى بود، ومقربان حضرت خداى را كه وارثان صاحب شريعتند جمله را انبيا ميگفتند، ودر هر دينى از يك صاحب شريعت زياده نبود، بس در دين آدم (ع) چندين پيغمبر بودند كه وارثان أو بودند، خلق را به دين أو، وبشريعت أو، دعوت ميكردند، وهمگنين در دين نوح، ودر دين ابراهيم، ودر دين موسى، ودر دين عيسى (ع) وچون دين جديد، وشريعت جديده، بمحمد (ص) نازل شد، از نزد خداى اسم ولى در دين محمد (ص) بيدا آمد، حق تعالى دوازده كس از اهل بيت محمد (ص) را برگزيد، ووارثان أو گردانيد، ومقرب حضرت خود كرد، وبه ولايت خود مخصوص گردانيد، وايشان را نائبان محمد (ص) ووارثان أو گردانيد، كه حديث " العلماء ورثة الانبياء " در حق اين دوازده كس فرمود، وحديث " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " در حق ايشان فرمود، اما ولى آخرين كه نائب آخرين است، وولى دوازدهم، ونائب دوازدهم ميباشد، خاتم اولياست، ومهدى صاحب الزمان نام اوست، وشيخ ميفرمايد كه: اوليا در عالم بيش از دوازده نيستند، واما آن سيصد وپنجاه وشش كس، كه از رجال الغيب اند ايشان را اوليا نميگويند، وايشان را أبدال ميگويند. ومن كلمات الشيخ العارف الكامل ابن معتوق المصري (قدس الله سره وأفاض علينا فيوضه) في ديوانه في نعت النبي (ص) وعترته الطيبين (سلام الله عليهم): قد جل عن سائر التشبيه رتبته * إذ فوقه ليس إلا الله في العظم هواه ديني وإيماني ومعتقدي * وحب عترته عوني ومعتصمي ذرية مثل ماء المزن قد طهروا * وطيبوا فصفت أوصاف ذاتهم

[ 354 ]

أئمة أخذ الله العهود لهم قد حققت سورة الاحزاب ما كفاهم ما بعم والضحى شرفا سل الحواميم هل في غيرهم نزلت أكارم كرمت أخلاقهم فبدت أطايب مجد المشتاق تربتهم شكرا لآلاء ربي حيث ألهمني على جميع الورى من قبل خلقهم جحدت أعداؤهم وأبانت فضل حبهم والنور والنجم من آي أتت بهم وهل أتى هل أتى إلا بمدحهم مثل النجوم بماء في صفاتهم ريحا تدل بما في طيب ذاتهم ولا هم وسقاني كأس حبهم

[ 355 ]

الباب الثامن والثمانون في الاحاديث الواردة في طلوع الشمس من المغرب، وكون أرض العرب مروجا وأنهارا، وكون سيحان وجيحان والفرات والنيل من أنهار الجنة، وكون طبائع الناس متوافقة من غير الحسد والمخالفة (1) في فصل الخطاب: أبو أمامة الباهلي رفعه: أول الآيات طلوع الشمس من مغربها. (2) أبو هريرة رفعه: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (للشيخين وأبي داود). (3) أبو سعيد الخدري رفعه: في قوله تعالى: (أو يأتي بعض آيات ربك) (1) طلوع الشمس من مغربها (للترمذي). (4) ابن عمر رفعه: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج


(1) مجمع الزوائد 8 / 9 عقد الدرر في أخبار المنتظر: 315. جمع الفوائد 2 / 292. (2) صحيح البخاري 5 / 195 (سورة الانفال). صحيح مسلم 1 / 86 حديث 248 (باب الزمن الذي لا ينفع فيه الايمان). سنن أبي داود 3 / 317 حديث 4312. جمع الفوائد 2 / 292. (3) سنن الترمذي 4 / 329 حديث 5066. (1) الانعام / 158. (4) سن أبي داود 3 / 316 حديث 431. المستدرك للحاكم 4 / 548. (قال الحاكم: صحيح للشيخين ولم يخرجاه). (*)

[ 356 ]

الدابة على الناس ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبها فالاخرى على أثرها قريبا (لمسلم وأبي داود). (5) ابن عمر رفعه: ملك من السماء ينادي ويحث الناس ويقول: إنه المهدي فأجيبوه (انتهى فصل الخطاب). (6) وفي جمع الفوائد: ابن عمرو بن العاص رفعه: إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر: إلهي مرني أن أسجد لمن شئت، فيجتمع (1) إليه زبانيته فيقولون له: ما هذا التضرع ؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينطرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم، ثم دابة الارض تخرج من صدع في الصفا، فأول خطوط تضعها بأنطاكية فتأتي إبليس فتقتله (2) (للكبير والاوسط). (7) أبو هريرة رفعه: لا تقوم الساعة حتى عود أرض العرب مروجا وأنهارا (للشيخين). قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين وادي القرى الى أقصى اليمن، وما بين البحر الى تخوم العراق. (8) أبو هريرة رفعه: سيحان وجيحان والفرات والنيل من أنهار الجنة (لمسلم). (9) وفي باب تفسير سورة الانعام: أبو هريرة رفعه: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا


(5) فرائد 2 / 316 حديث 569. (6) جمع الفوائد 2 / 292 (الملاحم). (1) في المصدر: " فتجتمع ". (2) في الممدر: " فتلطمه ". (7) جمع الفوائد 2 / 292. (8) صحيح مسلم 2 / 641 حديث 2839 باب 10 (ما في الدنيا من أنهار الجنة). (9) جمع الفوائد 2 / 89 سنن الترمذي 4 / 329 حديث 5067. صحيح مسلم 1 / 87 حديث 249. (*)

[ 357 ]

إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الارض (لمسلم والترمذي). (10) ابن (1) عمر رفعه: يا عائشة (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) (2) هم أصحاب البدع والاهواء، ليس لهم توبة، أنا منهم برئ وهم مني براء (للصغير). (11) عائشة رفعته: يكون في آخر هذه الامة خسف ومسخ وقذف. قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا صالحون ؟ قال: نعم، إذا أكثر الخبث (للترمذي) (انتهى جمع الفوائد). (12) وفي المشكاة في باب نزول عيسى (ع): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، وليتركن القلاص (3) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد (رواه مسلم). وفي رواية لهما: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.


(10) جمع الفوائد 2 / 89. (1) لا يوجد في المصدر: " ابن ". (2) الانعام / 159. (11) جمع الفوائد 2 / 292. (12) مشكاة المصابيح 3 / 1533 حديث 5506. (3) القلاص - جمع قلوص -: وهي الناقة الشابة. (*)

[ 359 ]

الباب التاسع والثمانون في كلمات أئمة أهل البيت في وصف الامام (رضي الله عنهم) أخرج الحافظ الجعاني: إن الامام زين العابدين (ض) قال: نحن الفلك الجارية في اللجج الغامرة. يأمن من ركبها ويغرق من تركها، وإن الله - تبارك وتعالى - أخذ ميثاق من يحبنا وهو في أصلاب أبائهم فلا يقدرون على ترك ولايتنا، لان الله (عزوجل) جعل جبليتهم على ذلك (انتهى). (1) وفي المناقب: عن ثابت الثمالي عن علي بن الحسين (رضي الله عنهما) قال: ليس بين الله وبين حجته حجاب، ولا لله دون حجته سر، نحن أبواب الله، ونحن الصراط المستقيم، ونحن عيبة علم الله وتراجمة وحيه، ونحن أركان توحيده وموضع سره. أخرج الشيخ محمد بن إبراهيم الشافعي الحمويني في " فرائد السمطين ": بسنده عن أبي بصير، عن خيثمة الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد الباقر (ض) يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته، ونحن مستودع مواريث الانبياء، ونحن أمناء الله (عزوجل) ونحن حجج الله، ونحن أركان الايمان، ونحن دعائم


(1) غاية المرام: 247 باب 41 حديث 12. (2) فرائد السمطين 2 / 253 حديث 523. (*)

[ 360 ]

الاسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، وبنا يفتح الله، وبنا يختم، ونحن الائمة الهداة والدعاة إلى الله، ونحن مصابيح الدجى ومنار الهدى، ونحن العلم المرفوع للحق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله، ونحن من نعمة الله (عزوجل) على خلقه، ونحن معدن النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ونحن المنهاج، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الائمة الهداة إلى الجنة، ونحن عرى الاسلام، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها لحق ومن تخلف عنها محق، ونحن السنام الاعظم، وبنا ينزل الله (عزوجل) الرحمة على خلقه، وبنا يسقون الغيث، وبنا يصرف عنكم العذاب، فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا والينا. (3) وأخرج الشيخ الحمويني في " فرائد السمطين ": بسنده عن سليمان الاعمش بن مهران عن جعفر الصادق عن أبيه، عن جده علي بن الحسين (رضي الله عنهم) قال: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادات المؤمنين، وقادة الغر المحجلين وموالي المسلمين، ونحن أمان لاهل الارض كما أن النجوم أمان لاهل السماء، وبنا يمسك السماء أن تقع على الارض إلا باذنه، وبنا ينزل الله الغيث وتنشر الرحمة وتخرج بركات الارض، ولولا ما على الارض منا لساخت بأهلها. ثم قال: ولم تخل الارض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها، إما ظاهر


(3) فرائد السمطين 1 / 45 حديث 11. (*)

[ 361 ]

مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو الارض الى أن تقوم الساعة من حجة فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله. قال سليمان: فقلت لجعفر الصادق (ض): كيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور ؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب. (4) وفي المناقب: إن جعفر الصادق (ض) قال في خطبته: إن الله أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا محمد (ص) دينه، وأبلج بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من الامة واجب حق إمامه وجد حلاوة إيمانه، وعلم فضل طلاوة إسلامه، لان الله ورسوله نصب الامام علما لخلقه، وحجة على أهل عالمه، وألبسه تاج الوقار، وغشاه نور الجبار، يمده بسيب من السماء لا ينقطع مواده، ولا ينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه، ولا يقبل الله معرفة العباد إياه إلا بمعرفة الامام، فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الوحي، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، فلم يزل الله - تبارك وتعالى - يختارهم لخلقه من ولد الحسين (ع) من عقب كل إمام، ويصطفيهم لذلك ويجتبيهم ويرضى بهم عن خلقه ويرتضيهم، وكل ما مضى منهم إمام نصب الله لخلقه من عقب الامام إماما، وعلما بينا، ومنارا نيرا، أئمة من الله يهدون بالحق وبه يعدلون، وهم خيرة من ذرية آدم وإبراهيم وإسماعيل، وصفوة من عترة محمد (ص) اصطنعهم الله في عالم الذر قبل خلق جسمه عن يمين عرشه، خصوا بالحكمة في علم الغيب عنده، وجعلهم الله حياة للانام ودعائم الاسلام. (4) وفي عيون الاخبار: عن أبي الصلت الهروي قال: قال الامام علي الرضا ابن


(4) الغيبة للنعماني: 149. (5) عيون أخبار الرضا (ع) 2 / 197 حديث 1. (*)

[ 362 ]

الامام الكاظم (رضي الله عنهما): الامام وحيد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، فهو مخصوص بفضل الله من غير طلب منه له ولا اكتساب منه، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام ويمكنه اختياره، هيهات، هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الالباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحلماء، وتقاصرت الحكماء، وحصرت الخطباء، وكلت الشعراء، وعجزت الادباء، وعمت البلغاء عن وصف شأن من شؤونه أو فضيلة من فضائله، فأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف أو ينعت بكنههه، أو يفهم شئ من أمره أو يوجد من يقام مقامه ! وكيف هو ! وأنى هو ! بحيث يبلغه مدح المتناولين ووصف الواصفين ! فأين الاختيار من هذا ؟ وأين إدراك العقول من هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟ (6) وفي المناقب: عن عبد الاعلى بن أعين قال: سمعت جعفر الصادق (ض) يقول: قد ولدني رسول الله (ص) وأنا أعلم بكتاب الله وفيه خبر بدء الخلق وما هو كائن الى يوم القيامة، وفيه خبر السماء، وخبر الارض، وخبر الجنة، رخبر النار، وخبر ما كان وما يكون، وأنا أعلم ذلك كله كأنما أنظر الى كفي، إن الله يقول: فيه (تبيانا لكل شئ) (1) ويقول تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (2) فنحن الذين اصطفاهم الله (عزوجل)، ونحن أورثنا هذا الكتاب فيه تبيان كل شئ.


(6) بصائر الدرجات 3 / 127 باب 6 حديث 2، و 4 / 197 باب 8 حديث 2. غاية المرام: 538 باب 44 حديث 6. (1) النحل / 89. (2) فاطر / 32. (*)

[ 363 ]

الباب التسعون في إيراد خطبة الحسن بن علي (رضي الله عنهما) (1) أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي المدني في " درر السمطين ": بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وجعفر بن حبان قال: خطب الحسن بن علي (رضي الله عنهما) بعد شهادة أبيه قال: أيها الناس، أنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن السراج المنير، وأنا ابن الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأنا ابن الداعي إلى الله، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين كان جبرئيل (ع) ينزل عليهم، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (1) واقتراف الحسنة مودتنا. ولما نزلت (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (2) فقالوا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك. قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فحق على كل مسلم أن


(1) نظم درر السمطين للزرندي: 147 - 148 أمالي الشيخ الطوسي 2 / 174 وما بعدها. (1) الشورى / 23. (2) الاحزاب / 56. (*)

[ 364 ]

يصلي علينا فريضة واجبة. وأحل الله خمس الغنيمة وحرم الصدقة علينا كما أحله الله وحرمها على رسوله (ص). فأخرج جدي (ص) يوم المباهلة من الانفس أبي، ومن البنين أنا وأخي الحسين، ومن النساء أمي فاطمة، فنحن أهله ولحمه ودمه، ونحن منه وهو منا. وهو يأتينا كل يوم عند طلوع الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت يرحمكم الله، ثم يتلو (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1). وقد قال الله تعال (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) (2) فجدي (ص) على بينة من ربه وأبي الذي يتلوه، وهو شاهد منه. وأمر الله رسوله أن يبلغ أبي سورة براءة في موسم الحج. وقال جدي (ص) حين قضى بين أبي وبين أخيه جعفر ومولاه زيد بن حارثة في ابنة عمه حمزة: أما أنت يا علي فمني وأنا منك، وأنت ولي كل مؤمن بعدي. وكان أبي أولهم إيمانا، فهو سابق السابقين وفضل الله السابقين على المتأخرين، كذلك فضل سابق السابقين على السابقين. وإن الله (عزوجل) بمنه ورحمته فرض عليكم الفرائض لا لحاجة منه إليه بل رحمة منه، لا إله إلا هو ليميز الخبيث من الطيب، وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم، لتتسابقوا الى رحمة ولتتفاضل منازلكم في جنته. (2) وفي التفسير المنسوب إلى الائمة من أهل البيت الطيبين (رضي الله عنهم) عن


(1) الاحزاب / 33. (2) هود / 17. (2) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 268 وما بعدها. (*)

[ 365 ]

جعفر الصادق، عن أبيه، عن جده: ان الحسن ابن أمير المؤمنين علي (سلام الله عليهم) خطب على المنبر وقال: إن الله (عزوجل) بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه، بل رحمة منه، لا إله إلا هو، ليميز الخبيث من الطيب، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، ولتتسابقوا الى رحمة، ولتتفاضل منازلكم في جنته، ففرض عليكم الحج والعمرة، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والولاية لنا أهل البيت، وجعلها لكم بابا لتفتحوا به أبواب الفرائض، ومفتاحا الى سبيله، ولولا محمد (ص) وأوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضا من الفرائض، وهل تدخلون دارا إلا من بابها، فلما من الله عليكم باقامة الاولياء بعد نبيكم (ص) قال: (اليوم اكتملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (1) ففرض عليكم لاوليائه حقوقا، وأمركم بأدائها إليهم، ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم، ويعرفكم بذلك البركة والنماء والثروة، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب، ثم قال الله (عزوجل) (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (2). واعلموا أن من يبخل المودة فانما يبخل عن نفسه، إن الله هو الغني وأنتم الفقراء إليه، فاعملوا من بعد ما شئتم (وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (3) (والعاقبة


(1) المائدة / 3. (2) الشورى / 23. (3) التوبة / 94. (*)

[ 366 ]

للمتقين) (1) و (فلا عدوان إلا على الظالمين) (2). سمعت جدي (ص) يقول: خلقت أنا من نور الله، وخلق أهل بيتي من نوري، وخلق محبيهم من نورهم، وسائر الناس في النار. (3) وأيضا عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر، عن جده علي بن الحسين: إن الحسن بن علي (سلام الله عليهم) قال في خطبته الاخرى بعد الحمد والثناء على الله، وبعد التصلية على رسوله (ص): إنا أهل بيت أكرمنا الله، واختارنا واصطفانا، وأذهب عنا الرجس وطهرنا تطهيرا، ولم تفترق الناس فرقتين إلا جعلنا الله في خيرهما، من آدم الى جدي محمد (ص)، فلما بعثه للنبوة واختاره للرسالة، وأنزل عليه كتابه، فكان أبي أول من آمن وصدق الله ورسوله، وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيه المرسل (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) (3) فجدي الذي على بينة من ربه وأبي الذي يتلوه، وهو شاهد منه. وقد قال له جدي (ص) حين أمره أن يسير الى مكة في موسم الحج بسورة براءة: سر بها يا علي فاني أمرت أن لا يسير بها إلا أنا أو رجل مني، وأنت مني. فأبي من جدي، وجدي من الله. وقال له جدي (ص) حين قضى بينه وبين أخيه جعفر ومولاه زيد بن حارثة في ابنة عمه حمزة: أما أنت يا علي فمني وأنا منك، وأنت ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي.


(1) القصص / 83. (2) البقرة / 193. (3) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 174 وما بعدها. (3) هود / 17. (*)

[ 367 ]

فلم يزل أبي وقى جدي (ص) بنفسه، وفي كل موطن يقدمه جدي (ص)، ولكل شدة يرسله، ثقة منه وطمأنينة له. وقال الله - جل شأنه - (والسابقون السابقون أولئك المقربون) (1) فكان أبي سابق السابقين، وأقرب المقربين إلى الله والى رسوله، وذلك انه لم يسبقه إلى الايمان أحد غير خديجة (سلام الله عليها)، فكما أن الله (عزوجل) فضل السابقين على المتأخرين، فضل سابق السابقين. وقد قال الله (عزوجل) (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) (2) نزلت هذه الآية في أبي. وكان حمزة وجعفر قتلا شهيدين في قتلى كثيرة من الصحابة، فجعل الله حمزة سيد الشهدا، من بينهم، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لقرابتهما من جدي (ص) وصلى جدي على عمه حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء يوم أحد. وكذلك جعل الله تعالى لنساء نبيه (ص) المحسنة منهن أجرين وللمسيئة منهم وزرين ضعفين لمكانهن من جدي (ص). وجعل الله الصلاة في مسجد نبيه (ص) بألف صلاة من بين سائر المساجد إلا المسجد الحرام لمكان رسول الله (ص). فلما نزل (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (3) قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد. فحق


(1) الواقعة / 10 - 11. (2) التوبة / 19. (3) الاحزاب / 56. (*)

[ 368 ]

على كل مسلم أن يصلي علينا مع الصلاة على جدي (ص) فريضة واجبة. وأحل الله خمس الغنيمة لرسوله وأوجبها في كتابه، وأوجب لنا من ذلك ما أوجب له، وحرم عليه الصدقة وحرمها علينا. فلله الحمد نزهنا مما نزهه، وطيب لنا ما طيب له، كرامة أكرمنا الله بها، وفضيلة فضلنا على سائر عباده. وقال تعالى لجدي (ص) حين جحده كفرة أهل الكتاب وحاجوه: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (1) فأخرج جدي (ص) معه من الانفس أبي، ومن البنين أنا وأخي الحسين، ومن النساء أمي فاطمة، فنحن أهله، ولحمه، ودمه، ونفسه، ونحن منه وهو منا. وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2) فلما نزلت هذه جمعنا جدي (ص) إياى وأخي وأمي وأبي ونفسه في كساء خيبري في حجرة أم سلمة (رضي الله عنها) فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقالت أم سلمة: أنا أدخل معهم يا رسول الله ؟ فقال لها: ففي مكانك يرحمك الله، أنت على خير، وإنها خاصة لي ولهم. ولما نزلت (وأمزر أهلك بالصلاة وأصطبر عليها " (3) يأتينا جدي (ص) كل يوم عند طلوع الغجر يقول: الصلاة يا أهل البيت يرحمكم الله، (إنما يريد الله


(1) آل عمران / 61. (2) الاحزاب / 33. (3) طه / 132. (*).

[ 369 ]

ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وأمر بسد الابواب في مسجده غير بابنا، فكلموه في ذلك. فقال: إني لم أسد أبوابكم ولم أفتح باب علي من تلقاء نفسي، ولكن اتبع ما أوحي إلي، إن الله أمرني بسد أبوابكم وفتح باب علي. وقد سمعت هذه الامة جدي (ص) يقول: ما ولت أمة أمرها رجلا وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوه. وسمعوه (ص) يقول لابي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وقد رأوه وسمعوه (ص) حين أخذ بيد أبي بغدير خم وقال لهم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب. ثم قال الحسن بن علي (سلام الله عليهما): أيها الناس إنكم لو التمستم ما بين جابلقا وجابلسا رجلا جده نبي وأبوه وصيه لم تجدوا غيري وغير أخي فاتقوا الله ولا تضلوا. أتما الناس لو أذكر الذي أعطانا الله - تبارك وتعالى - وخصنا به من الفضائل في كتابه وعلى لسان نبيه (ص) لم أحصه، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن السراج المنير، الذي جعله رحمة للعالمين، وأقسم بالله لو تمسكت الامة بالثقلين لاعطتهم السماء قطرها، والارض بركتها، ولاكلوا نعمتها خضراء من فوقهم ومن تحت أرجلهم من غير اختلاف بينهم الى يوم القيامة. قال الله (عز وجل): (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من

[ 370 ]

فوقهم ومن تحت أرجلهم) (1) الآية. وقال (عزوجل): (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (2). نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيه (ص). أيها الناس اسمعوا وعوا واتقوا الله وارجعوا إليه، هيهات منكم الرجعة إلى الحق، وقد صارعكم النكوص وخامركم الطغيان والجحود (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (3) (والسلام على من أتبع الهدى) (4).


(1) المائدة / 66. (2) الاعراف / 96. (3) هود / 28. (4) طه / 47. (*)

[ 371 ]

الباب الحادى والتسعون في تفسير قوله تعالى: (يوم ندعو كل اناس بإمامهم) (1) وبعض كلمات علي (كرم الله وجهه) (1) في باب التفسير: عن جمع الفوائد: عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله (ص) هذه الآية (2) وقال (3): يدعى أحدهم فيعطى كتاب بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلالا، فينطلق الى أصحابه الذين كانوا يجتمعون إليه في الدنيا، فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا، فيأتيهم فيقول: أبشروا لكل رجل منكم مثل هذا المتبوع على الهدى. وأما الكافر، فيعطى كتابه بشماله، ويسود وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويلبس تاجا من نار، إذا رآه أصحابه يقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم فيقولون: اللهم أخره. فيقول لهم: أبعدكم الله، فان لكل رجل منكم مثل هذا (للترمذي).


(1) الاسراء / 71. (1) جمع الفوائد 2 / 98. (2) يعني قوله تعالى: (يوم ندعو كل اناس بإمامهم). (3) في المصدر: " أبو هريرة رفعه: (يوم ندعو كل اناس بإمامهم): يدعى... ". (*)

[ 372 ]

(2) وفي التفسير المنسوب إلى الائمة من أهل البيت: عن بشير بن الدهان عن جعفر الصادق (سلام الله عليه) قال: يا بشير أنتم والله على دين الله، ثم تلا (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)، ثم قال: علي إمامنا، ومحمد (ص) نبينا، وإمامنا، وكم من إمام يجئ يوم القيامة يلعن أصحابه ويلعنونه، ونحن ذرية محمد (ص) وأمنا فاطمة (صلوات الله عليها). (3) وعن عمار الساباطي عن جعفر الصادق (سلام الله عليه) قال: لا تترك الارض بغير إمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، وهو قوله تعاك: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم). ثم قال: قال رسول الله (ص): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. ثم قال الصادق: يا عمار ليست جاهلية الجهلاء. (4) وفي نهج البلاغة ومن خطبة لامير المؤمنين علي (سلام الله عليه): فاتقوا سكرات النعمة واعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها، وظهور كمينها، وانتصاب قطبها، ومدار رحاها، يتوارثها الظلمة بالعهود، أولهم قائد لآخرهم، وآخرهم مقتد بأولهم، يتنافسون في دنيا دنية، ويتكالبون على جيفة مريحة، وعن قليل يتبرأ التابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، ويتلاعنون عند اللقاء، فلا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة، وأقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا


(2) تفسير العياشي 2 / 303 حديث 120. (3) تفسير العياشي 2 / 303 حديث 119. (4) نهج البلاغة: 210 الخطبة 151. (*)

[ 373 ]

عليه ظالمين. (5) وفي سنن الدارقطني (1): بسنده عن الاعمش، عن مسلم الاعور، عن حبة بن جوين قال: قال علي (كرم الله وجهه): لو أن رجلا صام الدهر كله، وقام الدهر كله، ثم قتل بين الركن والمقام، لحشره الله يوم القيامة مع من يرى أنه كان على هدى. (6) وقال أيضا: خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فان للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب.


(5) سنن الدارمي 1 / 92. (1) في (أ) و (ن): " الدارمي " بدل " الدارقطني ". (6) المصدر السابق. (*)

[ 375 ]

الباب الثاني والتسعون في إيراد جواب المأمون الخليفة العباسي عن سؤال أقربائه حين أراد أن يبايع علي الرضا (ض) ذكر ابن مسكويه صاحب التاريخ في كتابه " نديم الفريد ": إن المأمون كتب الى بني العباس ولفظه: " فقد عرف أمير المؤمنين كتابكم، أما بعد: إن الله تعالى بعث محمدا (ص) على فترة من الرسل، وكان أول من آمن به خديجة بنت خويلد، ثم آمن به علي بن أبي طالب وله سبع سنين، لم يشرك بالله شيئا، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وأبوه أبو طالب، فانه كفل رسول الله (ص) وأحبه ورباه، ولم يزل مدافعا عنه ما يؤذيه، ومانعا منه، فلما قبض حكم بالنبي (ص) القوم ليقتلوه، فهاجر إلى المدينة إلى القوم الانصار، ولم يقم معه (ص) أحد كقيام علي بن أبى طالب، فانه وقاه بنفسه ونام في مضجعه، ولا يولي عن جيش، تأمر على الجيش ولا تأمر عليه أحد، وهو أشدهم وطأة على المشركين وأعظمهم جهادا في الله، وأفقههم في دين الله، وهو صاحب الولاية في حديث غدير خم، وفاتح خيبر، وقاتل عمرو بن عبد ود، وأخو النبي (ص) حين آخى بين المسلمين، وهو صاحب الآية (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (1)، وهو ابن رسول الله (ص) لما كفله


(1) الانسان / 8. (*)

[ 376 ]

ورباه، وهو نفس النبي (ص) يوم المباهلة، وإن الله تعالى قال: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله " (1) والله جمع المناقب والآيات المادحة فيه. ثم نحن وبنو علي كنا يدا واحدة، حتى قضى الله الامر الينا ضيقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم، هيهات إنه من يعمل مثقال ذرة شرا يره، هيهات مالكم إلا السيف، يأتيكم الحسيني الثائر فيحصدكم حصدا، ويحصد السفياني المرغم القائم المهدي، وعند القائم المهدي تحقن دماؤكم، وأنا أردت البيعة لعلي بن موسى الرضا إرادة أن أكون الحاقن لدمائكم باستدامة المودة بيننا وبينهم، وأرجو بها قطع الصراط، والامن والنجاة من الخوف يوم الفزع الاكبر، ولا أظن عملا أزكى عندي من البيعة لعلي الرضا. وقولكم إني سفهت آراء آبائكم، وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركو قريش: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، (2) ويلكم إن الدين لا يؤخذ من الآباء، وإنما يؤخذ من الامناء، ولعمري فمجوسي أسلم خير من مسلم إرتد، ولا قوة لامير المؤمنين إلا بالله، وعليه توكلت وهو حسبي (انتهى). قال طويلا لكن اختصرت بحاصل معناه.


(1) التوبة / 19. (2) الزخرف / 23. (*)

[ 377 ]

الباب الثالث والتسعون في ذكر خليفة النبي (ص) مع أوصيائه (سلام الله عليهم) (1) أخرج صاحب المناقب: حدثنا الحسن بن محمد بن سعد، حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي، حدثنا محمد بن أحمد الهمداني، حدثني أبو الفضل العباس بن عبد الله البخاري، حدثنا محمد بن القاسم بن إبراهيم، حدثنا عبد السلام بن صالح الهروي، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم) قال: قال رسول الله (ص): ما خلق الله خلقا أفضل مني، ولا أكرم عليه مني. قال علي: فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرائيل ؟ فقال: يا علي إن الله - تبارك وتعالى - أفضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي، وللائمة من ولدك من بعدك، فان الملائكة من خدامنا وخدام محبينا. يا علي (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) (1) بولايتنا.


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 2 / 237 حديث 22. (1) غافر / 7. (*)

[ 378 ]

يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الارض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم الى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؟، لان أول ما خلق الله (عزوجل) أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا إستعظموا أمرنا، فسبحنا لتعلم الملائكة انا خلق مخلوقون وإنه تعالى منزه عن صفاتنا، فسبحت الملائكة بتسبيحنا، ونزهته عن صفاتنا، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله، وأنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن تعبد معه أو دونه، فقالوا: لا إله إلا الله. فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر فلا ينال مخلوقه عظم المحل إلا به. فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العز والقوة قلنا: لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض طاعة الخلق إيانا قلنا: الحمد لله، لتعلم الملائكة أن الحمد لله على نعمته، فقالت الملائكة: الحمد لله. فبنا اهتدوا الى معرفه توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتكبيره وتحميده. وإن الله - تبارك وتعالى - خلق آدم (ع) فأودعنا في صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما وإكراما له، وكان سجودهم لله عبودية، ولآدم إكراما وطاعة لامر الله لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون ؟ وإنه لما عرج بي إلى السماء ان جبرائيل مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال: تقدم يا محمد. فقلت: يا جبرائيل أتقدم عليك ؟ فقال: نعم، إن الله - تبارك وتعالى - فضل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضلك خاصة على جميعهم. فتقدمت فصليت بهم ولا فخر.

[ 379 ]

فلما انتهيت الى حجب النور قال لي جبرائيل: تقدم يا محمد، وتخلف هو عني. فقلت: يا جبرائيل: في مثل هذا الموضع تفارقني ؟ ! فقال: يا محمد إن هذا انتهاء حد الذي وضعني الله فيه، فان تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدي حدود ربي (جل جلاله) فزج بي النور زجة حتى انتهيت الى حيث ما شاء الله من علو ملكه. فنوديت: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك، فاياي فاعبد، وعلي فتوكل، وخلقتك من نوري، وأنت رسولي الى خلقي، وحجتي على بريتي، لك ولمن اتبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولاوصيائك أوجبت كرامتي. فقلت: يا رب ومن أوصيائي ؟ فنوديت: يا محمد أوصياؤك المكتوبون على سرادق عرشي. فنظرت فرأيت اثني عشر نورا، وفي كل نور سطر أخضر عليه إسم وصتي من أوصيائي، أولهم علي وآخرهم القائم المهدي. فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي من بعدي ؟ فنوديت: يا محمد هؤلاء أوليائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي، وهم أوصياؤك، وعزتي وجلالي، لاطهرن الارضن بآخرهم المهدي من الظلم، ولاملكنه مشارق الارض ومغاربها، ولاسخرن له الرياح، ولاذللن له السحاب الصعاب، ولارقينه في الاسباب، ولانصرنه بجندي، ولامدنه بملائكتي، حتى تعلو دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي، ثم لاديمن ملكه، ولاداولن الايام بين أوليائي الى يوم القيامة.

[ 380 ]

(2) أخرج أبو المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي: بسنده عن أبي سليمان راعي رسول الله قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ليلة أسري بي إلى السماء قال لى الجليل (جل جلاله): (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) (1). فقلت: والمؤمنون. قال: صدقت. قال: يا محمد إني اطلعت الى أهل الارض اطلاعة فاخترتك منهم فشققت لك اسما من أسمائي، فلا أذكر في موضع إلا ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت منهم عليا فسميته باسمي. يا محمد خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولد الحسين من نوري، وعرضت ولايتكم عك أهل السموات والارض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن يجحدها كان عندي من الكافرين. يا محمد لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع، أو يصير كالشن البالي، ثم جاءني جاحدا لولايتكم ما غفرت له. يا محمد تحب أن تراهم ؟ قلت: نعم يا رب. قال لي: أنظر الى يمين العرش. فنظرت، فإذا علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد ابن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن


(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 95 حديث 203. فرائد السمطين 2 / 319 حديث 571. (1) البقرة / 285. (*)

[ 381 ]

علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد المهدي بن الحسن كأنه كوكب دري بينهم. وقال: يا محمد هؤلاء حججي على عبادي وهم أوصياؤك، والمهدي منهم، الثائر من قاتل عترتك، وعزتي وجلالي إنه المنتقم من أعدائي والممد لاوليائي. أيضا أخرجه الحمويني.

[ 383 ]

الباب الرابع والتسعون في إيراد ما في كتاب " غاية المرام " الذي جمع فيه الاحاديث الواردة في المهدي الموعود (سلام الله عليه) (1) أخرج إبراهيم بن محمد الحمويني الشافعي في كتابه " فرائد السمطين ": بسنده عن جابر بن عبد الله الانصاري رفعه: من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى (ع) فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر. (2) وفي " فرائد السمطين ": أبو سعيد الخدري رفعه: أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الارض، يقسم المال بالسوية بين الناس. (3) وفيه أي في هذا الكتاب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رفعه: إن أوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر، أولهم أخي وآخرهم ولدي. قيل: يا رسول الله من أخوك ؟


(1) غاية المرام: 692 حديث 3. فرائد السمطين 2 / 334 حديث 585. (2) غاية المرام: 692 حديث 5. فرائد السمطين 2 / 310 حديث 561. (3) غاية المرام: 692 حديث 6. فرائد السمطين 2 / 312 حديث 562. (*)

[ 384 ]

قال: علي. قيل: من ولدك ؟ قال: المهدي الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلف ولدي، وتشرق الارض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب. (4) وفيه: عن الاصبغ بن نباتة، عن ابن عباس رفعه: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون. (5) وفيه: عن عباية بن ربعي عن ابن عباس رفعه: أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين، وان أوصيائي بعدي إثنا عشر، أولهم علي وآخرهم المهدي. (6) وفيه: عن أبي أمامة الباهلي رفعه: بينكم وبين الروم سبع سنين. فقال له رجل من بني عبد القيس يقال له " المستورد ": يا رسول الله من إمام الناس يومئذ ؟ قال: المهدي من ولدي ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب دري، في خده الايمن خال أسود، عليه عبايتان قطوانيتان، كأنه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك.


(4) غاية المرام: 693 حديث 7. (5) غاية المرام: 693 حديث 8. فرائد السمطين 2 / 313 حديث 563 و 564. (6) غاية المرام: 693 حديث 9. فرائد السمطين 2 / 314 حديث 565. (*)

[ 385 ]

(7) وفيه: عن أبي سعيد الخدري رفعه: يكون في أمتي إن قصر عمره فسبع سنين، وإلا فثمان، وإلا فتسع سنين، تتنعم أمتي في زمانه نعيما لم يتنعم مثله قط، والبر والفاجر عنده سواء، ترسل السماء مدرارا، ولم تدخر الارض شيئا من نباتها. (8) وفيه: عن ابن عمر رفعه: يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. (9) وفيه: عن أبي سعيد الخدري رفعه: تملا الارض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي يملك الارض سبعا أو تسعا فيملا الارض قسطا وعدلا. (10) وفيه: عن أبي سعيد الخدري رفعه: لا تقوم الساعة حتى يملك الارض من أهل بيتي أجلى الجبهة، أقنى الانف، يملا الارض عدلا كما ملئت قبله ظلما، يكون سبع سنين. (11) وفيه: عن حذيفة بن اليمان قال: خطبنا رسول الله (ص) فذكرنا ما هو كائن فقال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان الفارسي. فقال: يا رسول الله من أي ولدك هو ؟


(7) غاية المرام: 693 حديث 10. فرائد السمطين 2 / 315 حديث 566. (8) غاية المرام: 693 حديث 12. فرائد السمطين 2 / 316 حديث 569. (9) غاية المرام: 693 حديث 15. فرائد السمطين 2 / 322 حديث 573. (10) غاية المرام: 694 حديث 16. فرائد السمطين 2 / 324 حديث 574. (11) غاية المرام: 694 حديث 17. فرائد السمطين 2 / 325 حديث 575. (*)

[ 386 ]

قال: من ولدي هذا. وضرب بيده على الحسين (سلام الله عليه). (12) وفيه عن ابن مسعود رفعه: لا تقوم الساعة حتى يأتي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. (13) وفيه: عن أبي سعيد رفعه: المهدي منا أهل البيت، أشم الانف، يملا الارض عدلا كما ملئت جورا. (14) وفيه: عن عبد الرحمن بن عوف رفعه: ليبعثن الله تعالى من عترتي رجلا، أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملا الارض عدلا، يفيض المال عليه فيضا. (15) وفيه: عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي بن أبي طالب رفعه: المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة. (16) وفيه: عن جابر بن عبد الله رفعه: المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، يكون له غيبة وحيرة يضل فيها الامم، يقبل كالشهاب الثاقب، يملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما. (17) وفيه: عن الباقر عن آبائه عن علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم) رفعه: المهدي من ولدي يكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، يأتي به خير الانبياء


(12) غاية المرام: 694 حديث 18. فرائد السمطين 2 / 326 حديث 576. (13) غاية المرام: 694 حديث 22. فرائد السمطين 2 / 330 حديث 580. (14) غاية المرام: 694 حديث 24. فرائد السمطين 2 / 331 حديث 582. (15) غاية المرام: 694 حديث 25. فرائد السمطين 2 / 331 حديث 583. (16) غاية المرام: 695 حديث 29. فرائد السمطين 2 / 334 حديث 586 - 589. (17) غاية المرام: 695 حديث 30. (*)

[ 387 ]

فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. (18) وفيه: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رفعه: إن عليا إمام أمتي بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا. إن الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لاعز من الكبريت الاحمر. فقام إليه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة ؟ قال: إي وربي، ويمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. يا جابر إن هذا أمر من أمر الله، وسر من سر الله فاياك والشك فيه، فان الشك في أمر الله (عزوجل) كفر. (19) وفيه: عن الحسن بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا: الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا. فقيل له: من القائم منكم ؟ قال: الرابع من ولدي ابن سيدة الاماء، يطهر الله به الارض من كل جور، ويقدسها من كل ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الارض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحدا، وهو الذي تطوى له الارض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الارض: ألا ان حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فان الحق فيه ومعه، وقول الله - تبارك وتعالى -: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) (1).


(18) غاية المرام: 696 حديث 32. (19) غاية المرام: 696 حديث 33. فرائد السمطين 2 / 336 حديث 590. (1) الشعراء / 4. (*)

[ 388 ]

وفيه قصة دعبل الخزاعي قد تقدمت في الباب الثمانين. (انتهى فرائد السمطين). (20) أبو هريرة رفعه: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم (للبخاري ومسلم). (21) وفي صحيح النسائي مرفوعا: أبشروا وبشروا إنما أمتي كالغيث لا يدرى آخره خير أم أوله، أو كحديقة أطعم منها فوج عاما، ثم أطعم منها فوج عاما، لعل آخرها فوجا يكون أعرضها عرضا، وأعمقها عمقا، وأحسنها حسنا، كيف تهلك أمة أنا أولها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها ؟ ! ولكن بين ذلك شيخ أعوج ليسوا مني ولا أنا منهم. (22) وأخرج صاحب كتاب " غريب الحديث ": عن عروة بن رويم رفعه: خيار أمتي أولها وآخرها، وبين ذلك شيخ أعوج ليس منا ولست منه. قال ابن قتيبة: الشيخ الوسط. وقد جاءت آثار انه ذكر آخر الزمان فقال: المستمسك منهم بدينه كالقابض على الجمر. والحديث الآخر: الشهيد منهم يومئذ كشهيد بدر. وفي حديث آخر: انه سئل عن القرباء فقال: الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي. الحديث. فإذا نزل عيسى لم ينسخ شيئا مما أتى به رسول الله (ص) ولم يتقدم عيسى على الامام من أمته بل يقدمه ويصلي خلفه.


(20) صحيح البخاري 4 / 143. صحيح مسلم / 86 حديث 244. (21) غاية المرام: 697 حديث 43. عقد الدرر: 146. (22) غاية المرام: 698 حديث 51. (*)

[ 389 ]

(23) ابن عباس رفعه: المهدي طاووس أهل الجنة (للديلمي). (24) ابن مسعود رفعه: لا تذهب الدنيا حتى يملك الرجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (لابي نعيم). (25) أبو جعفر الباقر قال: إن الله تعالى يلقي في قلوب محبينا الرعب، فإذا قام قائمنا وظهر مهدينا كان الرجل أجرأ من ليث وأمضى من سنان (لابي نعيم في الجزء الثالث من حلية الاولياء). (26) وفي كتاب " فضائل الصحابة " لابي المظفر السمعاني: عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت فاطمة على أبيها (ص) في مرضه وبكت وقالت: يا أبي أخشى الضيعة من بعدك. فقال: يا فاطمة إن الله اطلع الى أهل الارض اطلاعة فاختار منهم أباك فبعثه رسولا، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأمرني أن أزوجك منه، فزوجتك منه، وهو أعظم المسلمين حلما، وأكثرهم علما، وأقدمهم إسلاما، إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الاولين، ولا يدركها أحد من الآخرين: نبينا خير الانبياء وهو أبوك، ووصينا خير الاوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر، ومنا سبطا هذه الامة وما ابناك، ومنا مهدي هذه الامة. قال أبو هارون العبدي: لقيت وهب بن منبه أيام الموسم فعرضت عليه هذا


(23) غاية المرام: 698 حديث 57. الفردوس 4 / 222 حديث 6668. (24) غاية المرام: 698 حديث 61. حلية الاولياء 5 / 75. (25) غاية المرام: 698 حديث 61. (26) غاية المرام: 699 حديث 71. (*)

[ 390 ]

الحديث فقال: إن موسى لما فتن قومه واتخذوا العجل الها فكبر على موسى قال الله: يا موسى من كان قبلك من الانبياء افتتن قومه، وان أمة أحمد أيضا ستصيبهم فتنة عظيمة من بعده حتى يلعن بعضهم بعضا، ثم يصلح الله أمرهم برجل من ذرية أحمد، وهو المهدي. أخرج الحاظ أبو نعيم أربعين حديثا في المهدي (سلام الله عليه): (27) فمنها: عن علي بن بلال عن أبيه قال هذا الحديث المذكور من غير كلام وهب ابن منبه وزاد: يا فاطمة إذا صارت الدنيا هرجا ومرجا، وصارت الفتن، وانقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيرا، ولا صغير يوقر كبيرا، فيبعث الله عند ذلك المهدي من ولدك، يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملا الارض عدلا كما ملئت جورا. (28) ومنها: عن حذيفة بن اليمان قال: خطبنا رسول الله (ص) فذكر ما هو كائن ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا من ولدي اسمه اسمي. فقام سلمان وقال: يا رسول الله من أي ولدك هو ؟ قال: من ولد هذا. وضرب بيده على رأس الحسين (سلام الله عليه).


(27) غاية المرام: 699 حديث 77. (28) غاية المرام: 699 حديث 78. (*)

[ 391 ]

(29) ومنها: عن أبي أمامة قال: خطبنا النبي (ص) وذكر الدجال وقال: فتنقى المدينة الخبث كما ينقي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. فقالت أم شريك: فأين العرب يومئذ يا رسول الله ؟ قال: هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي، وهو رجل صالح. (30) ومنها: عن حذيفة رفعه: ويح هذه الامة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويطردون إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله تعالى أن يعيد الاسلام عزيزا قصم كل جبار عنيد، وهو القادر على ما يشاء، وأصلح الامة بعد فسادها. يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي الملاحم في يديه ويظهر الاسلام والله لا يخلف وعده وهو سريع الحساب. (31) ومنها: عن ثوبان رفعه: يقتتل عند كرتكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير الى أحد، ثم تجئ الرايات السود فيقتلونهم قتلا لم يقتله قوم مثله، ثم يجئ خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم به فأتوه فبايعوه فانه خليفة الله المهدي. (32) ومنها: عن ثوبان رفعه: تجئ الرايات السود من قبل المشرق كأن قلوبهم من حديد، فمن سمع بهم فليأتهم ولو حبوا على الثلج. (33) ومنها: عن علي قال:


(29) غاية المرام: 700 حديث 86. (30) غاية المرام: 700 حديث 99. (31) غاية المرام: 700 حديث 103. (32) غاية المرام: 700 حديث 104. (33) غاية المرام: 700 حديث 105. (*)

[ 392 ]

قلت: يا رسول الله أمنا آل محمد المهدي أم من غيرنا ؟ فقال: بل منا يختم به الدين كما فتح بنا، وبه ينقذون من الفتن كما نقذوا من الشرك بنا، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة كما ألف بينهم بعد عداوة الشرك، اخوانا في دينهم. (34) ومنها: عن أبي سعيد رفعه: منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه. (35) ومنها: عن جابر بن عبد الله رفعه: ينزل عيسى بن مريم فيقول أميركم المهدي: تعال صل بنا فيقول: لا، ألا ان بعضكم على بعض أمراء تكرمة من الله لهذه الامة. (36) ومنها: عن ابن الخشاب قال: حدثنا صدقة بن موسى قال: حدثنا أبي عن علي الرضا بن موسى الكاظم قال: الخلف الصالح من ولد الحسن بن علي العسكري هو صاحب الزمان وهو المهدي (سلام الله عليهم). (37) ومنها: عن ابن الخشاب قال: حدثني أبو القاسم الطاهر بن هارون بن موسى الكاظم، عن أبيه، عن جده قال: قال سيدي جعفر بن محمد: الخلف الصالح من ولدي وهو المهدي، اسمه محمد وكنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان يقال لامه " نرجس " وعلى رأسه غمامة تظله عن الشمس تدور معه حيث ما دار، تنادي بصوت فصيح: هذا المهدي فاتبعوه (سلام الله عليه). وأما بواقي الاحاديث الاربعين التي جمعها أبو نعيم في مذكورة في هذا الكتاب


(34) غاية المرام: 701 حديث 109. (35) غاية المرام: 701 حديث 110. (36) غاية المرام: 701 حديت 112. (37) غاية المرام: 701 حديث 113. (*)

[ 393 ]

في ضمن الاحاديث المذكورة. وأورد أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي صاحب كتاب " كفاية الطالب " وكتاب " البيان في أخبار صاحب الزمان " الاحاديث الكثيرة، فيورد مؤلف ينابيع المودة لذي القربى منها الحديث الذي لم يذكر في هذا الكتاب. (38) منها: إن ابن الاعسم الكوفي في كتابه " الفتوح " عن علي (كرم الله وجهه) انه قال: ويحا للطالقان فان لله تعالى كنوزا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال معروفون وهم عرفوا الله حق معرفته، وهم أيضا أنصار المهدي (سلام الله عليه) في آخر الزمان. (39) ومنها: وفي كتاب عقد الدرر يسند الى الحسن بن علي (رضي الله عنهما) انه قال: لو قام المهدي لا نكره الناس لانه يرجع إليهم شابا وهم يحسبونه شيخا كبيرا. (40) ومنها: في كتاب الفتن للحافظ أبي عبد الله نعيم بن حماد عن أبي سعيد الخدري رفعه: منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه. وحديث آخر: المهدي هو الذي يؤم عيسى بن مريم. (41) ومنها: وفي كتاب العرايس لابي إسحاق الثعلبي بسنده الى تميم الداري رفعه: إن غارا في أنطاكية من غيران فيها رصاص من ألواح موسى، وما سحابة


(38) غاية المرام: 701 حديث 124. (39) عقد الدرر: 41 و 42. (40) غاية المرام: 704 حديث 59 - 60. عقد الدرر: 25 و 157 و 230. (41) غاية المرام: 704 حديث 162. (*)

[ 394 ]

شرقية ولا غربية تمر عليها إلا ألقت عليها من بركتها، ولن تذهب الايام والليالي حتى يملكها رجل من أهل بيتي يملاها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. (42) ومنها: في كتاب " فضل الكوفة " لابي عبد الله محمد بن علي العلوي: عن أبي سعيد الخدري رفعه: يملك المهدي سبعا أو عشرا أسعد الناس به أهل الكوفة. (43) ومنها: أخرج الدارقطني في كتابه الجرح والتعديل: عن أبي سعيد الخدري: أن النبي (ص) مرض مرضة ثقيلة، فدخلت عليه فاطمة وأنا جالس عنده، ولما رأت ما به من الضعف خنقتها العبرة. الحديث... وهو انه ضرب على منكب الحسين وقال: من هذا مهدي هذه الامة (سلام الله عليهم). وقال الكنجي: قد ذكر الترمذي الحديث ولم يذكر " (اسم أبيه اسم أبي ". وذكر أبو داود في معظم روايات الحفاظ الثقات من نقلة الاخبار (اسمه اسمي) فقط، والذي روى " واسم أبي اسم أبيه " فهو زيادة (1). (44) ومنها: في كتاب المناقب لموفق بن أحمد الخوارزمي أخطب خطباء خوارزم: بسنده عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي قال: دخلت على رسول الله (ص) وإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه، وهو يقول: أنت سيد ابن سيد أخو سيد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام، أنت حجة ابن حجة أخو حجة، وأنت أبو حجج تسع تاسعهم قائمهم.


(42) فضل الكوفة: 26 حديث 3. (43) البحار: 51 - 91 في حديث باب 9. (1) كفايه الطالب: 482 سنن أبي داود 3 / 309. (44) مقتل الحسين للخوارزمي: 146 حديث 320. (*)

[ 395 ]

(45) وفي كتاب المناقب: حدثنا محمد بن علي، حدثني عمي محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن علي القرشي، عن ابن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي حمزة الثمالي، عن محمد الباقر، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (سلام الله عليهم) قال: دخلت على جدي رسول الله (ص) فأجلسني على فخذه وقال لي: إن الله اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلهم في الفضل والمنزلة عند الله سواء. (46) وفي المناقب: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار، حدثنا أبي، عن محمد بن عبد الجبار، عن أبي أحمد محمد بن زياد الازدي، عن ابان بن عثمان، عن ثابت ابن دينار، عن زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين، عن أبيه سيد الاوصياء أمير المؤمنين علي (سلام الله عليهم) قال: قال رسول الله (ص): الائمة بعدي إثنا عشر، أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله (عزوجل) على يديه مشارق الارض ومغاربها. (47) وفي المناقب: حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور، حدثنا الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن جابر بن عبد الله الانصاري (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (ص): المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس


(45) اكمال الدين 1 / 269 حديث 12. (46) اكمال الدين 1 / 282 حديث 35. (47) فرائد السمطين 2 / 335 حديث 586. اكال الدين 1 / 286 حديث 1. (*)

[ 396 ]

بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب، يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما. (48) وفي المناقب: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن الحسين بن سعيد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن وهب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد الباقر (سلام الله عليه) قال: قال رسول الله (ص) طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتم به في غيبته قبل قيامه، ويتولى أولياءه ويعادي أعداءه، ذلك من رفقائي وذوي مودتي وأكرم أمتي علي يوم القيامة. وعن جعفر الصادق (سلام الله عليه) نحوه وزاد بعد قوله وهو يأتم به: ويأتم بأئمة الهدى من قبله. (49) وفي المناقب: حدثنا أبي ومحمد بن الحسن بن المتوكل قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر ومحمد بن يحيى العطار، جميعا قالوا: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى وابراهيم بن هاشم قالا: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب قالا: حدثنا أبو علي الحسن بن محبوب البزار، عن داود بن الحصين، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (سلام الله عليهم) قال: قال رسول الله (ص): المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وهو أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة في الامم حتى تضل الخلق عن


(48) اكمال الدين 1 / 286 حديث 2 و 3. (49) اكمال الدين 1 / 287 حديث 4 و 5. (*)

[ 397 ]

أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب، فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وعن الباقر نحوه وزاد: ويأتي المهدي بذخيرة الانبياء (عل). (50) وفي المناقب: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار النيشابوري. قال: حدثنا حمدان بن سليمان النيشابوري، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد الباقر، عن أبيه، عن جده أمير المؤمنين علي (سلام الله عليهم) قال: قال رسول الله (ص): المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وهو أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة في الامم حتى تضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب، يأتي بذخيرة الانبياء (عل) فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. (51) وبهذا الاسناد قال رسول الله (ص): أفضل العبادة انتظار الفرج، أي انتظار الفرج بظهور المهدي (سلام الله عليه). (52) وفي المناقب: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن عثمان، عن محمد بن الفرات، عن ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (ص): إن عليا إمام أمتي من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر


(50) فرائد السمطين 2 / 335 حديث 587. (51) فرائد السمطين 2 / 335 حديث 588. اكمال الدين 1 / 287 حديث 6. (52) فرائد السمطين 2 / 335 حديث 589. اكمال الدين 1 / 288 حديث 7. (*)

[ 398 ]

الذي إذا ظهر يملا الارض عدلا وتسطا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا، إن الثابتين على القول بامامته في زمان غيبته لاعز من الكبريت الاحمر. فقام إليه جابر بن عبد الله الانصاري فقال: يا رسول الله لولدك القائم غيبة ؟ قال: إي وربي لميحصن الذين آمنوا ويمحق الكافرين. يا جابر إن هذا الامر من أمر الله وسر من سر الله مطوي من عباد الله، فاياك والشك فيه فان الشك في أمر الله (عزوجل) كفر. (53) وفي المناقب: حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن الشاه الفقيه المرورودي قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو يزيد أحمد بن خالد الخالدي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الصالح التميمي، قال: حدثنا محمد بن حاتم القطان، عن حماد بن عمر، عن الامام جعفر الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي (سلام الله عليهم) في حديث طويل في وصيته يذكر فيها: ان رسول الله (ص) قال: يا علي أعجب الناس إيمانا وأعظمهم يقينا قوم يكونون في آخر الزمان، لم يلحقوا النبي وحجبت عنهم الحجة، فامنوا بسواد على بياض، أي بالاحاديث التي كتبت على القرطاس. (54) وفي المناقب: حدثنا أصحابنا وقالوا: حدثنا محمد بن همام، قال: حدثنا جعفر ابن محمد بن مالك الفزاري، قال: حدثني الحسين بن محمد بن سماعة قال: حدثني أحمد بن الحارث، قال: حدثني المفضل بن عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الانصاري يقول:


(53) اكمال الدين 1 / 288 حديث 8. (54) كشف الغمة 3 / 299. (*)

[ 399 ]

قال لي رسول الله (ص): يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي محمد بن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله - تبارك وتعالى - على يديه مشارق الارض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بامامته إلا من امتحن الله قلبه للايمان. قال جابر: فقلت: يا رسول الله فهل للناس الانتفاع به في غيبته ؟ فقال: إي والذي بعثني بالنبوة، إنهم يستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن سترها سحاب، هذا من مكنون سر الله، ومخزون علم الله، فاكتمه إلا عن أهله. قال جابر الجعفي: إن جابر بن عبد الله الانصاري دخل على علي بن الحسين (سلام الله عليهم) إذ خرج محمد بن علي من عند نسائه فقال له جابر: يا مولاي إن جدك رسول الله (ص) قال لي: إذا لقيته فاقرأه مني السلام، وقد أخبرني أنكم الائمة الهداة من أهل بيته من بعده، أحلم الناس صغارا، وأعلمهم كبارا، وقال: لا تعلموهم فانهم أعلم منكم. قال الباقر: ولقد أوتيت الحكم صبيا ذلك بفضل الله ورحمته علينا أهل البيت.

[ 401 ]

الباب الخامس والتسعون في تفسير قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين) وفي تفسير: (عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون) وكلام الخضر (ع) (1) في المناقب: عن أبي بصير، عن جعفر الصادق قال: قال أمير المؤمنين علي (سلام الله عليه) في خطبته: أنا الهادي، وأنا المهتدي، وأنا أبو اليتامى والمساكين، وزوج الارامل، وأنا ملجأ كل ضعيف ومأمن كل خائف، وأنا قائد المؤمنين إلى الجنة، وأنا حبل الله المتين، وأنا العروة الوثقى وكلمة التقوى، وأنا عين الله وباب الله ولسان الله الصادق، وأنا جنب الله الذي يقول الله تعالى فيه (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) (1)، وأنا يد الله المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة، وأنا باب حطة، من عرفني وعرف حقي فقد عرف ربه، لاني وصي نبيه في أرضه وحجته على خلقه، لا ينكر هذا إلا راد على الله ورسوله.


(1) غاية المرام: 342 باب 42 حديث 3. (1) الزمر / 56. (*)

[ 402 ]

(2) وعن علي بن سويد، عن موسى الكاظم في هذه الآية قال: جنب الله أمير المؤمنين علي، وكذلك ما بعده من الاوصياء بالمكان الرفيع الى أن ينتهي الامر الى آخرهم المهدي (سلام الله عليهم). وعن عبد الرحمن بن كثير قال: سألت جعفر الصادق عن قوله تعالى (عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون) (1). وسألته عن قوله تعالى (هنالك الولاية لله الحق) (2) قال: ولاية أمير المؤمنين علي (سلام الله عليه)، كان يقول: ما لله نبأ هو أعظم مني، ولا لله آية أكبر مني. وعن الباقر والرضا نحوه. (4) وعن ياسر الخادم، عن علي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله (ص) قال: يا علي أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الاعلى، وأنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيين، وسيد الصديقين. يا علي أنت الفاروق الاعظم، وأنت الصديق الاكبر، وإن حزبك حزبي وحزبي حزب الله، وإن حزب أعدائك حزب الشيطان. (5) وعن يحيى بن سعيد البلخي، عن علي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي


(2) غاية المرام: 342 باب 42 حديث 1. (3) غاية المرام: 343 باب 44 حديث 3 و 4. تفسير القمي 2 / 401. (1) النبأ / 1 - 3. (2) الكهف / 44. (4) غاية المرام: 344 باب 44 حديث 7. (5) عيون أخبار الرضا (ع) 1 / 12 حديث 23. (*)

[ 403 ]

ابن أبي طالب (سلام الله عليهم) قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله (ص) في بعض طرق المدينة إذ لقينا شيخ طويل كث اللحية بعيد ما بين المنكبين، فسلم على رسول الله (ص) ورحب به، ثم إلتفت إلي فقال: السلام عليك يا رابع الخلفاء ورحمة الله وبركاته، ثم قال: أليس كذلك هو يا رسول الله ؟ فقال له: بلى. ثم مضى فقلت: يارسول الله ما معنى قول هذا الشيخ الذي قال لي وتصديقك قوله ؟ قال: أنت كذلك والحمد لله، إن الله - تبارك وتعالى - قال في كتابه: (إني جاعل في الارض خليفة) (1). وقال: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض) (2). وقال حكاية عن موسى حين قال لهارون: (اخلفني في قومي وألح) (3) إذ استخلفه موسى في قومه. وقال تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر) (4). فكنت أنت المبلغ عن الله تعالى وعن رسوله، وأنت وصيي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فأنت رابع الخلفاء كما قال لك الشيخ. قلت: من هو ؟ قال: ذاك أخوك الخضر (ع) فاعلمه.


(1) البقرة / 30. (2) ص / 26. (3) الاعراف / 142. (4) التوبة / 3. (*)

[ 405 ]

الباب السادس والتسعون في ذكر بشارة عيسى بن مريم (ع) بنبوة محمد (ص) وبوصية علي (كرم الله وجهه) وذكره المهدي (سلام الله عليهما) وخطبته (1) في شرح نهج البلاغة: قال نصر بن مزاحم في كتاب " صفين ": حدثنا عبد العزيز بن سبأ، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال: كنا مع علي (كرم الله وجهه) في مسيره إلى الشام حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس، فانطلق بنا علي (كرم الله وجهه) حتى أتى الى صخرة ضرس في الارض فأمرنا بقلعها، فاقلعناها فخرج لنا من تحتها ماء، فشرب الناس وارتووا، ثم أمرنا فأكفأناها عليه، وسار بالناس حتى إذا مضى قليلا قال علي: أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربم منه ؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فانطلقوا إليه، فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى الصخرة فيه فطلبناها فلم نجدها، ثم انطلقنا الى دير قريب منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم ؟ قالوا: ليس قربنا ماء.


(1) وقعة صفين: 144، 146، 147، 148. (*)

[ 406 ]

فقلنا: إنا شربنا منه. قالوا: أنتم شربتم منه ؟ قلنا: نعم. فقال رئيس الدير: والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء استخرجه إلا نبي أو وصي نبي. ثم سار بنا حتى أتى الرقة، ولما نزل علي (كرم الله وجهه) الرقة نزل بموضع يقال له " البلخ " على جانب الفرات، فخرج راهب هناك من صومعته فقال لعلي (كرم الله وجهه): إن عندنا كتابا ورثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى ابن مريم (ع) ما أملاه عيسى عن الله تعالى أعرضه عليك ؟ قال: نعم. فقرأ الراهب الكتاب المترجم بالعربية: " بسم الله الرحمن الرحيم، الذي قضى فيما قضى وسطر فيما قدر، انني باعث في الاميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويدلهم على سبيل الله، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشر، وعلى كل صعود وهبوط، وألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح، وينصره الله على من عاداه، واختلفت أمته من بعده ما شاء الله، فيمر رجل هو وصيه ومالح أمته على شاطئ الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحق، والدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح، والموت أهون عنده من شرب الماء على الظمآن، يخاف الله في السر والعلانية، وينصح الامة لا يخاف في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فان القتل معه شهادة ".

[ 407 ]

ثم أسلم الراهب ثم قال: أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك. فبكى علي (كرم الله وجهه) ثم قال: الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا، الحمد لله الذي ذكرني عند نبيه وكتب شأني في كتب الابرار. فمضى الراهب معه فكان يتغدى مع أمير المؤمنين ويتعشى حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال أمير المؤمنين: اطلبوه. فلما وجدوه صلى عليه ودفنه وقال: هذا منا أهل البيت، واستغفر له مرارا. وروى هذا الخبر نصر بن مزاحم أيضا في كتاب " صفين " عن عمر بن سعد عن مسلم الاعور، عن حبة العرني، ورواه أيضا إبراهيم بن ديزيل الهمداني بهذا الاسناد في كتاب " صفين ". ويقول المؤلف: قوله تعالى " (واختلف أمته من بعده ما شاء الله " إشارة الى أن اختلاف هذه الامة لا يستمر الى يوم القيامة بل ينقضي بظهور المهدي الموعود (سلام الله عليه) وبشارات الانبياء (ع) بظهور نبوة نبينا محمد (ص) واشاراتهم الى ظهور المهدي. وفي شرح نهج البلاغة: وروى قاضي القضاة، عن كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد باسناد متصل بعلي (كرم الله وجهه) انه ذكر المهدي وقال: إنه من ولد الحسين (سلام الله عليهم). وذكر حليته فقال: رجل أجلى الجبين، أقنى الانف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، أبلج الثنايا، بفخذه اليمنى شامة. وذكر هذا الحديث بعينه عبد الله بن قتيبة في كتاب غريب الحديث.


(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 281 - 282. (*)

[ 408 ]

(3) وفي رواية جعفر الصادق عن آبائه: إن أمير المؤمنين (سلام الله عليهم) قال في أول خطبة خطبها بالمدينة في خلافته: ألا إن أبرار عترتي وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول الصادق سمعنا، فان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وان لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا، معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق. ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم ويختم لا بكم. وقوله: " وبنا يختم لا بكم " إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان (1) (سلام الله عليه). (4) وقوله (كرم الله وجهه): فانظروا أهل بيت نبيكم فان لبدوا فالبدوا، وان استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت، بأبي هذا ابن خيرة الاماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة رحمنا، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا.


(3) شرح نهج البلاغة 1 / 276. (1) شرح النهج 1 / 281. (4) شرح نهج البلاغة 7 / 58. (*)

[ 409 ]

الباب السابع والتسعون في إيراد كلام أمير المؤمنين علي (ض) في تمييز الاحاديث الصحيحة (1) في نهج البلاغة وقد سأل عليا (سلام الله عليه) سائل عن أحاديث أهل البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر. فقال (ع): إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيبا فقال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجل منافق مظهر للايمان متصنع بالاسلام، لم يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله (ص) متعمدا، فلو علم الناس انه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله (ص) رآه وسمع منه ولقف عنه، فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده (ع) فتقربوا الى أئمة الضلال، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الاعمال، وجعلوهم على رقاب الناس، فأكلوا بهم


(1) نهج البلاغة: 320 خطبة 210. (*)

[ 410 ]

الدنيا، وانما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الاربعة. ورجل سمع من رسول الله (ص) شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد كذبا، فهو في يديه، يرويه ويعمل به ويقول: أنا سمعته من رسول الله (ص)، فلو علم المسلمون انه وهم فيه لم يقبلوا منه، ولو علم هو انه كذلك لرفضه. ورجل ثالث سمع من رسول الله (ص) شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو يعلم انه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه انه منسوخ لرفضوه. وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا لله وتعظيما لرسول الله (ص)، ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف المتشابه والمحكم، وقد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهان، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ولا ما عنى به رسول الله (ص) فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله (ص) كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي أو الطارئ فيسأله (ع) حتى يسمعوا، وكان لا يمر بي شئ من ذلك إلا سألت عنه وحفظته، فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم، وعللهم في رواياتهم.

[ 411 ]

الباب الثامن والتسعون في إيراد بعض الادعية والمناجاة التي تكون في الصحيفة الكاملة (1) للامام الهمام زين العابدين وهي زبور أهل البيت الطيبين (سلام الله عليهم) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الاول بلا أول كان قبله، والآخر بلا آخر يكون بعده، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن وصفه أوهام الواصفين، تقدست أسماؤه، وتظاهرت آلاؤه، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. والحمد لله الذي لو حبس عن عباده معرفة حمده، على ما أبلاهم من مننه المتتابعة، وأسبغ عليهم من نعمه المتظاهرة، لتصرفوا في مننه فلم يحمدوه، وتوسعوا في رزقه فلم يشكروه، ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الانسانية الى حد البهيمية، فكانوا كما وصف في محكم كتابه (إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " (2). والحمد لله على ما عرفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيته، ودلنا عليه من الاخلاص له في توحيده، وجنبنا من الالحاد والشك في أمره.


(1) نقل المؤلف شذرات ومقتطفات من الصحيفة السجادية ولم ينقل الادعية كاملة. (2) الفرقان / 44. (*)

[ 412 ]

حمدا نعمر به في من حمده من خلقه، ونسبق به من سبق الى رضاه وعفوه. حمدا يضئ لنا به ظلمات البرزخ، ويسهل علينا به سبيل المبعث. ويشرف به منازلنا عند مواقف الاشهاد (ولتجزئ كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) (يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون). حمدا يرتفع منا الى أعلى عليين في كتاب مرقوم يشهده المقربون. حمدا تقر به عيوننا إذا برقت الابصار، وتبيض به وجوهنا إذا اسودت الابشار. حمدا نعتق به من أليم نار الله الى كريم جوار الله. حمدا نزاحم به ملائكته المقربين، ونضام به أنبياءه المرسلين، في دار المقامة التي لا تزول، ومحل كرامته التي لا تحول. والحمد لله الذي اختار لنا محاسن الخلق، وأجرى علينا طيبات الرزق، وجعل لنا الفضيلة بالملكة على جميع الخلق، فكل خليقته منقادة لنا بقدرته، وصائرة الى طاعتنا بعزته. والحمد لله الذي أغلق عنا باب الحاجة إلا إليه، فكيف نطيق حمده، أم متى نؤدي شكره... والحمد لله بكل ما حمده أدنى ملائكته إليه، وأكرم خليقته عليه، وأرضى حامديه لديه. حمدا يفضل سائر الحمد كفضل ربنا على جميع خلقه. ثم له الحمد مكان كل نعمة له علينا وعلى جميع عباده الماضين والباقين عدد ما أحاط به علمه من جميع الاشياء ومكان كل واحدة منها عددها أضعافا مضاعفة أبدا سرمدا الى يوم القيامة.

[ 413 ]

حمدا لا منتهى لحده (ولا حساب لعدده) ولا مبلغ لغايته ولا انقطاع لامده. حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه ونصير به في نظم الشهداء بسيوف أعدائه. إنه ولي حميد. ومن دعائه بعد هذا التحميد الصلاة على رسول الله (ص) والحمد لله الذي من علينا بمحمد نبيه (ص) دون الامم الماضية والقرون السالفة فختم بنا على جميع من ذرأ وجعلنا الشهداء على من جحد وكثرنا بمنه على من قل. اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ونجيبك من خلقك وصفيك من عبادك إما الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة. اللهم فارفعه بما كدح فيك الى الدرجة العليا من جنتك حتى لا يساوى في منزلة ولا يكفأ في مرتبة ولا يوازيه لديك ملك مقرب ولا نبي مرسل وعرفه في أهله الطاهرين وأمته المؤمنين من حسن الشفاعة أجل ما وعدته يا نافذ العدة وياوافي القول يا مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات إنك ذو الفضل العظيم. ومن دعائه (سلام الله عليه) في الصلاة على الملائكة اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك ولا يسأمون من تقديسك ولا يستحسرون من عبادتك وإسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الاذن وحلول الامر فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور وميكائيل ذو الجاه عندك والمكان الرفيع من طاعتك وجبريل الامين على وحيك

[ 414 ]

المطاع في أهل سماواتك المكين لديك المقرب عندك والروح الذي هو على ملائكة الحجب والروح الذي هو من أمرك. اللهم فصل عليهم وعلى الملائكة الذين من دونهم من سكان سماواك وأهل الامانة على رسالاتك والذين لا تدخلهم سآمة من دؤب ولا إعياء من لغوب قد طالت رغبتهم فيما لديك المشتهرون بذكر آلائك والمتواضعون دون عظمتك وجلال كبريائك والذين يقولون إذا نظروا الى جهنم تزفر على أهل معصيتك سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فصل عليهم وعلى الروحانيين من ملائكتك وأهل الزلفة عندك وحمال الغيب الى رسلك والمؤتمنين على وحيك وقبائل الملائكة الذين اختصصتهم لنفسك وأسكنتهم بطون أطباق سماواتك وخزان المطر وزواجر السحاب والذي لصوت زجره يسمع رجل الرعود وإذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل والقوام على خزائن الرياح والموكلين بالجبال فلا تزول والذين عرفتهم مثاقيل المياه وكيل ما تحويه لواعج الامطار وعوالجها ورسلك من الملائكة الى أهل الارض بمكروه ما ينزل من البلاء ومحبوب الرخاء والسفرة الكرام البررة. والحفطة الكرام الكاتبين وملك الموت وأعوانه ومنكر ونكير ورومان فتان القبور والطائفين بالبيت المعمور ومالك والخزنة ورضوان وسدنة الجنان والذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون والذين يقولون: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) والزبانية الذين إذا قيل لهم: (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه) ابتدروه سراعا ولم ينظروه ومن أوهمنا ذكره ولم نعلم مكانه منك وبأي أمر وكلته وسكان الهواء والارض والماء ومن منهم على

[ 415 ]

الخلق. فصل عليهم يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وصل عليهم صلاة تزيدهم كرامة على كرامتهم، وطهارة على طهارتهم. اللهم وإذا صليت على ملائكتك ورسلك وبلغتهم صلواتنا عليهم فصل عليهم بما فتحت لنا من حسن القول فيهم. إنك جواد كريم. ومن دعائه في مكارم الاخلاق اللهم صل على محمد وآله، وحلني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين، في بسط العدل، وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضم أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة، ولين العريكة، وخفض الجناح، وحسن السيرة والسبق إلى الفضيلة، وإيثار التفضل، وترك التعيير، وترك الافضال على غير المستحق، والقول بالحق وإن عز، واستقلال الخير وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر وإن قل من قولي وفعلي، وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة، ولزوم الجماعة، ورفض أهل البدع، ومستعمل الرأي المخترع. ومن دعائه إذا سأل العافية وشكرها اللهم اممن علي بالحج والعمرة وزيارة قبر رسولك صلواتك ورحمتك وبركاتك عليه وعلى آل رسولك (ع) أبدا، وأعذني وذريتي من الشيطان الرجيم ومن شر السامة والهامة والعامة واللامة، ومن شر كل شيطان مريد، ومن شر كل سلطان عنيد، ومن شر كل من نصب لرسولك ولاهل بيته حربا من الجن والانس، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. إنك على صراط المستقيم.

[ 416 ]

ومن دعائه لابويه (سلام الله عليهما) اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته الطاهرين، واخصصهم بأفضل صلواتك ورحمتك وبركاتك وسلامك، واخصص اللهم والدي بالكرامة لديك والصلاة منك يا أرحم الراحمين. اللهم صل على محمد وآله كما شرفتنا به، وصل على محمد وآله كما أوجبت لنا الحق على الخلق بسببه. اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرهما بر الام الرؤوف، واجعل طاعتي لوالدي وبري بهما أقر لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن حتى أوثر على هواي هواهما، وأقدم على رضاي رضاهما. اللهم لا تنسني ذكرهما في ادبار صلواتي وفي آن من آناء ليلي وفي ساعة من ساعات نهاري حتى نجتمع برأفتك في دار كرامتك ومحل مغفرتك ورحمتك. إنك ذو الفضل العظيم والمن القديم، وأنت أرحم الراحمين. ومن دعائه لاولاده (سلام الله عليهم) اللهم ومن علي ببقاء ولدي وباصلاحهم لي وبامتاعي بهم. إلهي امدد لي في أعمارهم، وزد لي في آجالهم ورب لي صغيرهم، وقو لي ضعيفهم، وأصح لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كل ما عنيت به من أمرهم، وادرر لي وعلى يدي أرزاقهم، واجعلهم أبرارا أتقياء بصراء، سامعين مطيعين لك، ولاوليائك محبين مناصحين، ولجميع أعدائك معاندين ومبغضين. آمين. اللهم اشدد بهم عضدي، وأقم بهم أودي، وكثر بهم عددي، وزين بهم

[ 417 ]

محضري، وأحي بهم ذكري، واكفني بهم في غيبتي، وأعني بهم على حاجتي، واجعلهم لي محبين وعلي حدبين مقبلين، مستقيمين لي مطيعين غير عاصين ولا عاقين ولا مخالفين ولا خاطئين، وأعني على تربيتهم وتأديبهم وبرهم، وهب لي من لدنك معهم أولادا ذكورا واجعلهم لي عونا عك ما سألتك. وأعذني وذريتي من الشيطان الرجيم. اللهم فاقهر سلطانه عنا بسلطانك حتى تحبسه عنا بكثرة الدعاء لك فنصبح من كيده في المعصومين. ومن دعائه (سلام الله عليه) لجيرانه وأوليائه اللهم صل على محمد وآله وتولني في جيراني وموالي العارفين بحقنا والمنابذين لاعدائنا بأفضل ولايتك، ووفقهم لاقامة سنتك والاخذ بمحاسن أدبك واجعل لي أوفى الحظوظ فيما عندهم، وزدهم بصيرة في حقي ومعرفة بفضلي حتى يسعدوا بي وأسعد بهم. آمين رب العالمين. ومن دعائه (سلام الله عليه) إذا ابتلى أو رأى مبتلى بذنب وصل على خيرتك اللهم من خلقك محمد وعترته الصفوة من بريتك الطاهرين واجعلنا لهم سامعين ومطيعين كما أمرت. أي بقولك: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (1). ومن دعائه (سلام الله عليه) عند ختم القرآن اللهم إنك أعنتني على ختم كتابك الذي أنزلته نورا وجعلته مهيمنا على كل كتاب أنزلته، وفضلته على كل حديث قصصته، وفرقانا فرقت بين حلالك


(1) النساء / 59. (*)

[ 418 ]

وحرامك، وقرآنا أعربت به عن شرائع أحكامك، وكتابا فصلته لعبادك تفصيلا، ووحيا أنزلته على نبيك محمد صلواتك عليه وآله تنزيلا، وجعلته نورا نهتدي به من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاء لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته. اللهم فإذا أفدتنا المعونة على تلاوته، وسهلت جواسي ألسنتنا بحسن عبارته، فاجعلنا ممن يرعاه حق رعايته، ويدين لك باعتقاد التسليم لمحكم آياته ويفزع إلى الاقرار بمتشابهه وموضحات بيناته. اللهم إنك أنزلته على نبيك محمد (ص) مجملا، وألهمته علم عجائبه مكملا، وورثتنا علمه مفسرا، وفضلتنا على من جهل علمه، وقويتنا عليه لترفعنا فوق من لم يطق حمله. اللهم فكما جعلت قلوبنا له حملة، وعرفتنا برحمتك شرفه وفضله، فصل على محمد الخطيب به وعلى آله الخزان له. اللهم وكما نصبت به محمدا علما للدلالة عليك، وانهجت بآله سبل الرضاء اليك، فصل على محمد وآله، واجعل القرآن وسيلة لنا الى أشرف منازل الكرامة، وسلما نعرج فيه الى محل السلامة، وسببا نجزي به النجاة في عرصة القيامة، وذريعة نقدم بها على نعيم دار المقامة، واجعل لنا في صدور المؤمنين ودا ولا تجعل الحياة علينا نكدا. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما بلغ رسالتك وصدع بأمرك ونصح لعبادك.

[ 419 ]

اللهم اجعل نبينا صلواتك عليه وعلى آله يوم القيامة أقرب النبيين منك مجلسا، وأمكنهم منك شفاعة، وأجلهم عندك قدرا، وأوجههم عندك جاها، وأحينا على سنته، وتوفنا على ملته، وخذ بنا منهاجه، واسلك بنا سبيله، واجعلنا من أهل طاعته، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه. اللهم اجزه بما بلغ من رسالاتك، وأدى من آياتك، ونصح لعبادك، وجاهد في سبيلك، أفضل ما جزيت أحدا من ملائكتك المقربين، وأنبيائك المرسلين المصطفين، والسلام عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ورحمة الله وبركاته. ومن دعائه (سلام الله عليه) إذا نظر إلى الهلال أيها الخلق المطيع الدائب السريع المتردد في منازل التقدير، المتصرف في فلك التدبير، آمنت بمن نور بك الظلم، وأوضح بك البهم، وجعلك آية من آيات ملكه، وعلامة من علامات سلطانه، وأنت له مطيع، والى إرادته سريع، سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك، وألطف ما صنع في شأنك، جعلك مفتاح شهر حادث، فأسأل الله ربي وربك، وخالقي وخالقك، ومقدري ومقدرك، ومصوري ومصورك أن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يجعلك هلال بركة لا تمحقها الايام، وطهارة لا تدنسها الآثام، هلال أمن من الآفات، وسلامة من السيئات، هلال سعد لا نحس فيه، ويمن لا نكد معه، ويسر لا يمازجه عسر، وخير لا يشوبه شر، هلال أمن وإيمان، ونعمة وإحسان، وسلامة وإسلام. اللهم صلى على محمد وآله، واجعلنا من أرضى من طلع عليه، وأزكى من نظر إليه، وأسعد من تعبد لك فيه، ووفقنا فيه للتوبة، واعصمنا فيه من الحوبة،

[ 420 ]

واحفظنا فيه من مباشرة معصيتك، وأوزعنا فيه شكر نعمتك، وألبسنا فيه جنن العافية، وأتمم علينا باستكمال طاعتك فيه المنة. إنك أنت الله المنان الحميد، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. ومن دعائه (سلام الله عليه) إذا دخل شهر رمضان الحمد لله الذي هدانا لحمده، وجعلنا من أهله، لنكون لاحسانه من الشاكرين، وليجزينا على ذلك جزاء المحسنين. والحمد لله الذي حبانا بدينه، واختصنا بملته، وسبلنا في سبل إحسانه، لنسلكها بمنه الى رضوانه حمدا يتقبله منا، ويرضى به عنا. والحمد لله الذي جعل من تلك السبل شهره شهر رمضان، شهر الصيام، وشهر الاسلام، وشهر الطهور، وشهر التمحيص، وشهر القيام (الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " فأبان فضيلته على سائر الشهور بما جعل له من الحرمات الموفورة، والفضائل المشهورة، فحرم فيه ما أحل في غيره إعظاما، وحجر فيه المطاعم والمشارب إكراما، ثم فضل ليلة واحدة من لياليه على ليالي ألف شهر، وسماها ليلة القدر تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر، سلام دائم البركة الى طلوع الفجر على من يشاء من عباده بما أحكم من قضائه. اللهم صل على محمد وآله وألهمنا معرفة فضله، وإجلال حرمته، والتحفظ مما حظرت فيه، وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتى لا نصغي بأسماعنا الى لغو، ولا نسرع بأبصارنا الى لهو، وحتى لا نبسط أيدينا الا محظور، ونخطو بأقدامنا الى محجور، وحتى لا تعي بطوننا

[ 421 ]

إلا ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثلت. اللهم اشحنه بعبادتنا إياك، وزين أوقاته بطاعتنا لك، وأعنا في نهاره على صيامه وفي ليله على الصلاة والتضرع اليك والخشوع لك والذلة بين يديك حتى لا يشهد نهاره علينا بغفلة ولا ليله بتفريط. اللهم واجعلنا في سائر الشهور والايام كذلك ما عمرتنا، واجعلنا من عبادك الصالحين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راجعون، ومن الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون. اللهم صل على محمد وآله في كل وقت وكل أوان وعلى كل حال عدد ما صليت على من صليت عليه وأضعاف ذلك كله بالاضعاف التي لا يحصيها غيرك إنك فعال لما تريد. ومن دعائه (سلام الله عليه) في يوم عرفة الحمد لله رب العالمين. اللهم لك الحمد بديع السماوات والارض ذا الجلال والاكرام رب الارباب. أنت الذي قصرت الاوهام عن ذاتيتك، وعجزت الافهام عن كيفيتك، ولم تدرك الابصار موضع أينيتك. أنت الذي لا تحد فتكون محدودا، ولم تلد ولم تولد فتكون والدا ومولودا. أنت الذي لا ضد معك فيعاندك، ولا عدل معك فيعاشرك، ولا ند لك فيعارضك. ولك الحمد حمدا يدوم بدوامك، ولك الحمد حمدا خالدا بنعمتك، حمدا يتضاعف على كرور الازمنة ويتزايد أضعافا مترادفة، حمدا يعجز عن إحصائه الحفظة ويزيد على ما أحصته في كتابك الكتبة، حمدا يوازن عرشك المجيد ويعادل كرسيك

[ 422 ]

الرفيع، حمدا لم يحمدك خلق مثله ولا يعرف أحد سواك فضله، حمدا يجب لكرم وجهك ويقابل عز جلالك. رب صل على محمد وآل محمد المنتجب المصطفى المكرم المقرب أفضل صلواتك وبارك عليه أتم بركاتك، وترحم عليه أمتع رحماتك. رب صل على محمد وآله صلاة زاكية لا تكون صلاة أزكى منها، وصل عليه وآله صلاة نامية لا تكون صلاة أنمى منها، وصل عليه وآله صلاة راضية لا تكون صلاة فوقها. رب صل على أطائب أهل بيته الذين اخترتهم لامرك، وجعلتهم خزنة علمك، وحفظة دينك، وخلفائك في أرضك وحججك على عبادك، وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيرا بارادتك، وجعلتهم الوسيلة اليك والمسلك الى جنتك. رب صل على محمد وآله صلاة تجزل لهم بها من نحلك وكرامتك، وتكمل لهم الاشياء من عطاياك ونوافلك، وتوفر عليهم الحظ من عوائدك وفوائدك. رب صل عليه وعليهم صلاة لا أمد في أولها، ولا غاية لامدها، ولا نهاية لآخرها. رب صل عليهم زنة عرشك وما دونه، وملا سماواتك وما فوقهن، وعدد أرضيك وما تحتهن وما بينهن، صلاة تقربهم منك زلفى، وتكون لك ولهم رضى، ومتصلة بنظائرهن أبدا. اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بامام أقمته علما لعبادك ومنارا في بلادك بعد أن وصلت حبله بحبلك، وجعلته الذريعة الى رضوانك، وافترضت طاعته وحذرت معصيته، وأمرت بامتثال أمره والانتهاء عند نهيه وألا يتقدمه متقدم

[ 423 ]

ولا يتأخر عنه متأخر، فهو عصمة اللائذين، وكهف المؤمنين، وعروة المتمسكين، وبهاء العالمين. اللهم أقم به كتابك وحدودك وشرايعك وسنن رسولك، صلواتك اللهم عليه وآله، وأحي به ما أماته الظالمون عن معالم ديند، وأجل به صدأ الجور عن طريقتك، وأبن به الضراء عن سبيلك، وأزل به الناكبين عن صراطك، وألن جانبه لاوليائك، وابسط يده على أعدائك، وهب لنا رأفته ورحمته وتعطفه وتحننه، واجعلنا له سامعين مطيعين وفي رضاه ساعين، والى نصرته والمدافعة عنه منكفين، واليك والى رسولك صلواتك اللهم عليه وآله بذلك متقربين. اللهم وصل على أوليائهم، المعترفين بمقامهم، المتبعين منهجهم، المقتفين آثارهم، المستمسكين بعروتهم، المتمسكين بولايتهم، المؤتمين بامامتهم، المسلمين لامرهم، المجتهدين في طاعتهم، المنتظرين أيامهم، المادين إليهم أعينهم، الصلوات المباركات الزاكيات الناميات الغاديات الرايحات، وسلم عليهم وعلى أرواحهم، واجمع على التقوى أمرهم واصلح لهم شؤونهم، وتب عليهم. إنك أنت التواب الرحيم وخير الغافرين، واجعلنا معهم في دار السلام برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم هذا يوم عرفة، يوم شرفته وكرمته وعظمته، نشرت فيه رحمتك، ومننت فيه بعفوك، وأجزلت فيه عطيتك وتفضلت به على عبادك. اللهم وأنا عبدك الذي أنعمت عليه قبل خلقك له وبعد خلقك إياه فجعلته ممن هديته لدينك، ووفقته لحقك، وعصمته بحبلك، وأدخلته في حزبك وأرشدته لموالاة أوليائك ومعاداة أعدائك، واجعل لي في هذا اليوم نصيبا أنال به حظا من رضوانك، وإني وإن لم أقدم ما قدموه من الصالحات فقد قدمت توحيدك ونفي الاضداد

[ 424 ]

والانداد والاشباه عنك، وآتيتك من الابواب التي أمرت أن تؤتى منها، وتقربت اليك بما لا يقرب أحد منك إلا بالتقرب به، وحلني حلية المتقين، واجعل لي لسان صدق في الغابرين، وذكرا ناميا في الآخرين، وجاور بي الاطيبين من أوليائك في الجنان التي زينتها لاصفيائك، وجللني شرايف نحلك في المقامات المعدة لاحبائك، واجزل لي قسحم المواهب من نوالك، ووفر علي حظوظ ن من افضالك، وصن وجهي عن الطلب الى أحد من العالمين، وذبني عن التماس ما عند الفاسقين، ولا تجعلني للظالمين ظهيرا ولا لهم على محو كتابك يدا ونصيرا، واجعل باقي عمري في الحج والعمرة ابتغاء وجهك يا رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد الابرار الطيبين الطاهرين والسلام عليه وعليهم أبد الآبدين. ومن دعائه (سلام الله عليه) في يوم الاضحى ويوم الجمعة اللهم هذا يوم مبارك والمسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك يشهد السائل منهم والطالب والراغب والراهب، وأنت الناظر في حوائجهم، فأسألك بجودك وكرمك وهوان ما سألتك عليك أن تصلي على محمد وآله، وأسألك اللهم ربنا بان لك الملك ولك الحمد لا إله إلا أنت الحليم الكريم الحنان المنان ذو الجلال والاكرام بديع السماوات والارض أن تصلي على محمد وآل محمد عبدك لك وحبيبك وصفوتك وخيرتك من خلقك، وعلى آل محمد الابرار الطاهرين الاخيار صلاة لا يقوى على إحصائها إلا أنت. اللهم فصل على محمد وآل محمد، ولا تخيب اليوم ذلك من رجائي يا من لا يحفيه سائل، ولا ينقصه نائل، فاني لم آتك ثقة مني بعمل صالح قدمته

[ 425 ]

ولا شفاعة مخلوق رجوته، إلا شفاعة محمد وأهل بيته عليه وعليهم سلامك. اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك لا يغالب أمرك ولا يجاوز المحتوم من تدبيرك، كيف شئت، وأنى شئت، ولما أنت أعلم به غير متهم على خلقك ولا لارادتك حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا وفرائضك محرفة عن جهات إشراعك وسنن نبيك متروكة. اللهم اجز أعداءهم جزاء السوء ومن رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم. اللهم صل على محمد وآل محمد انك حميد مجيد كصلواتك وبركاتك وتحياتك على أصفيائك إبراهم وآل إبراهيم، وعجل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم. اللهم واجعلني من أهل التوحيد والايمان بك والتصديق برسولك والائمة الذين حتمت طاعتهم ممن يجرى ذلك به وعلى يديه. آمين رب العالمين. ومن دعائه (سلام الله عليه) في دفاع كيد الاعداء إلهي هديتني فلهوت، ووعظت فقسوت، وقد فررت اليك بنفسي، واليك مفر المسئ، ومفزع المضيع لحظ نفسه الملتجئ. فكم من عدو انتضى علي سيف عداوته، وشحذ لي ظبة مديته، وسدد نحوي صوائب سهامه، ولم تنم عني عين حراسته، وأضمر أن يسومني المكروه، ويجرعني زعاق مرارته، فنظرت يا إلهي الى ضعفي عن احتمال الفوادح، وعجزي عن الانتصار ممن قصدني بمحاربته، ووحدتي في كثير عدد من ناوأني وأرصد لي بالبلاء فيما لم أعمل فيه

[ 426 ]

فكري، وكم من باغ بغاني بمكائده، ونصب لي شرك مصائده، ووكل بي تفقد رعايته، وأضبأ الي إضباء السبع لطريدته انتظارا لانتهاز الفرصة لفريسته، وهو يظهر لي بشاشته الملق، وينطرني على شدة الحنق، فلما رأيت يا إلهي تباركت وتعاليت دغل سريرته، وقبح ما انطوى عليه، أركسته لام رأسه، ورددته في مهوى حفرته، فانقمع بعد استطالته ذليلا. وكم من حاسد قد شرق بي بغصته، وشجى مني بغيظه، وسلقني بحد لسانه وجعل عرضي غرضا لمراميه، ووخزني بكيده، وقصدني بمكيدته، فناديتك يا إلهي مستغيثا بك واثقا بسرعة إجابتك، فحصنتني من بأسه بقدرتك. وكم من سحائب مكروه جليتها عني، وسحائب نعم أمطرتها علي، وجداول رحمة نشرتها، وعافية ألبستها، وأعين أحداث طمستها، وغواشي كربات كشفتها. اللهم فاني أتقرب اليك بالمحمدية الرفيعة، والعلوية البيضاء، وأتوجه اليك بهما أن تعيذني من شر كذا وكذا، فهب لي يا إلهي من رحمتك ودوام توفيقك ما أتخذه سلما أعرج به الى رضوانك، وآمن به من عقابك. يا أرحم الراحمين. ومن دعائه (سلام الله عليه) في الرهبة ولو أن أحدا استطاع الهرب من ربه لكنت أنا أحق بالهرب منك. ومن دعائه في الالحاح على الله تعالى يا الله الذي لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء، وكيف يخفى عليك يا إلهي ما أنت خلقته، سبحانك، أخشى خلقك لك أعلمهم بك، وأخضعهم لك أعملهم بطاعتك، وأهونهم عليك من أنت ترزقه وهو يعبد غيرك، سبحانك

[ 427 ]

لا ينقص سلطانك من أشرك بك وكذب رسلك ولا يعمر في الدنيا من كره لقاءك فتباركت وتعاليت لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، آمنت بك، وصدقت رسلك، وقبلت كتابك، وكفرت بكل معبود غيرك، وبرئت ممن عبد سواك، أسألك بحقك الواجب على جميع خلقك وباسمك الاعظم الذي أمرت رسولك أن يسبحك به، وبجلال وجهك الكريم الذي لا يبلى ولا يتغير ولا يحول ولا يفنى أن تصلى على محمد وآل محمد، وأن تغنيني عن كل شئ بعبادتك، وعليك أتوكل وعلى جودك وكرمك أتكل. ومن دعائه في ذكر آل محمد (ص) اللهم يا من خص محمدا وآله بالكرامة، وحباهم بالرسالة، وخصصهم بالوسيلة، وجعلهم ورثة الانبياء، وختم بهم الاوصياء والائمة، وعلمهم علم ما كان وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم صلى على محمد وآله الطاهرين وافعل بنا ما أنت أهله في الدين والدنيا والآخرة إنك على كل شئ قدير. ومن دعائه في الصلاة على آدم (ع) اللهم وآدم بديع فطرتك، وأول معترف من الطين بربوبيتك، وبدء حجتك على عبادك وبريتك، والدليل على الاستجارة بعفوك من عقابك، والناهج سبل توبتك، والمتوسل بين الخلق وبين معرفتك، والذي لقنته ما رضيت به عنه بمنك عليه ورحمتك له، والمنيب الذي لم يصر على معصيتك، وسابق المتذللين بحلق رأسه في حرمك، والمتوسل بعد المعصية بالطاعة الى عفوك، وأبو الانبياء

[ 428 ]

الذين أوذوا في جنبك، وأكثر سكان الارض سعيا في طاعتك، فصل عليه يا رحمن، وملائكتك وسكان سماواتك وأرضك كما عظم حرماتك ودلنا على سبيل مرضاتك يا أرحم الراحمين. ومن دعائه (سلام الله عليه) مما يحذر ويخافه إلهي إنه ليس يرد غضبك إلا حلمك، ولا ينجي من عقابك إلا عفوك، ولا يخلص منك إلا رحمتك والتضرع اليك، فهب لي يا إلهي فرجا بالقدرة التي بها تحي ميت البلاد، وبها تنشر أرواح العباد، ولا تهلكني وعرفني الاجابة يا رب فاني ضعيف متضرع اليك يا رب، وأعوذ بك منك فأعذني، وأستجير بك من كل بلاء فأجرني يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا. من دعائه (سلام الله عليه) في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم اللهم وأتباع الرسل ومصدقوهم من أهل الارض بالغيب عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب والاشتياق إلى المرسلين بحقائق الايمان في كل دهر وزمان أرسلت فيه رسولا وأقمت لاهله دليلا من لدن آدم (ع) الى محمد (ص) من أئمة الهدى وقادة أهل التقى (على جميعهم السلام) فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان. اللهم وأصحاب محمد (ص) خاصة الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه، وأسرعوا الى وفادته، وسابقوا الى دعوته،

[ 429 ]

واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الازواج والاولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والابناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك اليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش الى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم. اللهم وأومل الى التابعين لهم باحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان خير جزائك الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم، ومضوا على شاكلتهم، ولم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم، مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم. اللهم وصل على التابعين من يومنا هذا الى يوم الدين وعلى أزواجهم وعلى ذرياتهم وعلى من أطاعك منهم صلاة تعصمهم بها من معصيتك، وتفسح لهم بها في رياض جنتك، وتمنعهم بها من كيد الشيطان، وتعنهم بها على ما استعانوك عليه من بر، وتقيهم طوارق الليل والنهار إلا طارق يطرق بخير، وتبعثهم بها على اعتقاد حسن الرجاء لك والطمع فيما عندك، وتزهدهم في سعة العاجل وتحبب إليهم العمل للآجل، والاستعداد لما بعد الموت ليصيروا بذاك ناجين من العذاب، فائزين بجزيل الثواب، وتهون عليهم كل كرب يحل بهم يوم خروج الانفس من أبدانها، وتعافيهم مما تقع به الفتنة من محذوراتها، وكبة النار وطول الخلود فيها، وتصيرهم الى أمن من مقيل المتقين.

[ 430 ]

ومن دعائه (سلام الله عليه) لنفسه وأهل ولايته اللهم يامن لا تنقضي عجائب عظمته صل على محمد وآله واحجبنا عن الالحاد في عظمتك، ويا من لا تنتهي مدة ملكه صل على محمد وآله واعتق رقابنا من نقمتك، ويا من لا تفنى خزائن رحمته صل على محمد وآله واجعل لنا نصيبا في رحمتك. اللهم أغننا عن هبة الوهابين بهبتك، واكفنا وحشة القاطعين بصلتك. اللهم صل على محمد وآله وكد لنا ولا تكد علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، وأدل لنا ولا تدل منا، اللهم صل على محمد وآله واجعل سلامة قلوبنا في ذكر عظمتك، وفراغ أبداننا في شكر نعمتك، وانطلاق ألسنتنا في وصف منتك. اللهم صل على محمد وآله واجعلنا من دعاتك الداعين اليك، وهداتك الدالين عليك، ومن خاصتك الخاصين لديك. يا أرحم الراحمين. ومن دعائه (سلام الله عليه) في التذلل لله (عزوجل) رب فأنا الاسير ببليتي، المرتهن بعملي، المتردد في خطيئتي، قد أوقفت نفسي موقف الاذلاء المذنبين، فأنا المقر بذنبي، المعترف بخطيئتي، وهذه يدي وناصيتي، مولاي وارحمني في حشري ونشري، واجعل في ذلك اليوم مع أوليائك موقفي وفي أحبائك مصدري، وفي جوارك مسكني يا رب العالمين.

[ 431 ]

الباب التاسع والتسعون في إيراد الكلمات الحكمية والمقالات الروحية والجواهر القدسية والمعارف الربانية من المواعظ والنصائح والوصايا لامير المؤمنين وإمام المتقين مولانا ومولى الثقلين ليث بني غالب علي بن أبي طالب (سلام الله وتحياته وبركاته عليه وعلى أولاده الائمة الهداة من أهل البيت الطيبين أبدا سرمدا) (1) في نهج البلاغة من خطبته (سلام الله عليه): عباد الله إن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه، وأعد القرى ليومه النازل به، فقرب على نفسه البعيد، وهون الشديد، نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده، فشرب نهلا، وسلك سبيلا جداد، قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلى عن الهموم إلا هما واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه لله سبحانه مصباح ظلمات، كشاف عشوات،


(1) نهج البلاغة: 118 الخطبة 87. (*)

[ 432 ]

مفتاح مبهمات، دفاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص لله فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه (العدل) فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمها ولا مظنة إلا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه، يحل حيث كان (حل) ثقله، وينزل حيث كان منزله. وآخر قد تسمى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهال، وأضاليل من ضلال، ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور، وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه، يؤمن الناس من العظائم، ويهون كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول: اعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصد عنه، فذلك ميت الاحياء. فأين تذهبون وأنى تؤفكون والاعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمة الحق، وألسنة الصدق، فانزلوهم بأحسن منازل القران، وردوهم ورود الهيم العطاش. أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين (ص) " انه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى (منا) وليس ببال "، فلا تقولوا بما لا تعرفون فان أكثر الحق فيما تنكرون، وأعذروا من لا حجة لكم عليه، وأنا هو (1)، ألم أعمل فيكم بالثقل الاكبر، وأترك فيكم الثقل الاصغر، و (2) ركزت فيكم راية الايمان،


(1) في المصدر: " وهو أنا ". (2) في المصدر: " قد ". (*)

[ 433 ]

ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي وأفرشتكم (1) المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الاخلاق من نفسي، فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا يتغلغل إليه الفكر. و (منها): حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بني أمية، تمنحهم درها، وتوردهم صفوها، ولا يرفع عن هذه الامة سوطها ولا سيفها، وكذب الظان لذلك بل هي مجة من لذيذ العيش يتطعمونها برهة ثم يلفظونها. (2) ومن خطبته (سلام الله عليه): ألا إن لكل دم ثائرا، ولكل حق طالبا، وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه وهو الله الذي لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب، فاقسم بالله يا بني أمية عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم. (3) ومن خطبته (سلام الله عليه): أيها الناس فإني فقأت عين الفتنة ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري بعد أن ماج به (2) غيهبها واشتد كلبها، فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة أو (3) تضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها، ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا، ومن يموت منهم موتا، ولو قد فقدتموني (و) نزلت بكم كرائه الامور، وحوازب الخطوب،


(1) في المصدر: " فرشتكم ". (2) نهج البلاغة: 151 خطبة 105. (3) نهج البلاغة: 137 خطبة 93. (2) لا يوجد في المصدر: " به ". (3) في المصدر: " و ". (*)

[ 434 ]

وكانت الدنيا عليكم ضيقة (1) تستطيلون (معه) أيام البلاء عليكم حتى يفتح الله لبقية الابرار منكم. (4) المدايني في كتاب " صفين " قال: خطب علي بعد انقضاء أمر النهروان فذكر طرفا من الملاحم وقال: ذلك أمر الله وهو كائن وقتا مريحا، فيا ابن خيرة الاماء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من رب رحيم، فبأبي وأمي من عدة قليلة، أسماؤهم في الارض مجهولة، قد دان حينئذ ظهورهم، يا عجبا كل العجب بين جمادى ورجب، ومن جمع أشتات، وحصد نبات، ومن أصوات بعد أصوات. ثم قال: سبق القضاء سبق. قال رجل من أهل البصرة الى رجل من أهل الكوفة في جنبه: أشهد أنه كاذب. قال الكوفي: والله ما نزل علي من المنبر حتى فلج الرجل، فمات من ليلته. ولو أردنا استقصاء اخباره عن الغيوب الصادقة التي شاهدوا صدقها عيانا لبلغ كراريس كثيرة (انتهى الشرح). (5) ومن كلامه (سلام الله عليه) يومئ به الى وصف الاتراك: كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور. فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب.


(1) في المصدر: " وضاقت الدنيا عليكم ضيقا ". (4) شرح نهج البلاغة 6 / 134 في خطبة طويلة. (5) نهج البلاغة: 186 خطبة 128. (*)

[ 435 ]

فضحك سلام الله عليه وقال للرجل - وكان كلبيا -: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم، وإنما علم الغيب علم الساعة، وما عدده الله سبحانه بقوله (إن الله عنده علم الساعة) (1) الآية فيعلم سبحانه ما في الارحام من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون للنار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه (ص) فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطم عليه جوانحي. في شرحه: واعلم أن هذا الغيب أخبر عنه قد رأيناه نحن في زماننا وكان الناس يسمعونه من أول الاسلام حتى ساقه القضاء والقدر الى عصرنا، وهم التتار الذين خرجوا من المشرق والشمال حتى وردت خيلهم العراق والشام. (6) ومن خطبته (سلام الله عليه): والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله (ص) ألا وإني مفيضه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه، والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق، ما أنطق إلا صادقا، ولقد عهد إلي بذلك كله، وبمهلك من هلك، ومنجى من ينجو، ومآل هذا الامر، وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني، وأفضى به إلي. أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها. (7) ومن كلامه (سلام الله عليه): ولقد بلغني أنكم تقولون علي يكذب، قاتلكم


(1) لقمان / 34. (6) نهج البلاغة: 250 خطبة 175. (7) نهج البلاغة: 100 خطبة 71. (*)

[ 436 ]

الله، فعلى من أكذب ؟ أعلى الله ؟ فأنا أول من آمن به، أم على نبيه ؟ فأنا أول من صدقه، كلا والله، ولكنها لهجة غبتم عنها، ولم تكونوا من أهلها (ولتعلمن نبأه بعد حين " (1). (8) ومن خطبته (سلام الله عليه): ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (ص) أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الابطال، وتتأخر (منها) الاقدام، نجدة أكرمني الله بها. ولقد قبض رسول الله (ص) وإن رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله (ص) والملائكة أعواني، فضجت الدار والافنية ملا يهبط وملا يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه (ص) فمن ذا أحق به (ص) مني حيا وميتا (صلوات الله وسلامه عليه وآله) ؟ فانفذوا على بصائركم، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم، فوالذي لا إله إلا هو، إني لعلى جادة الحق وإنهم لعلى مزلة الباطل. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. (9) ومن خطبته (سلام الله عليه): إنتفعوا ببيان الله، واتعظوا بمواعظ الله. واقبلوا نصيحة الله، فان الله قد أعذر اليكم بالجلية، وأخذ عليكم الحجة، وبين لكم محابه من الاعمال ومكارهه منها، لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه، فان رسول الله (ص) كان يقول: " إن الجنة حفت بالمكاره وإن النار حفت بالشهوات ". واعلموا أنه ما من طاعة الله شئ إلا يأتي في كره، وما من معصية الله شئ إلا يأتي في شهوة، فرحم الله امرءا نزع عن شهوته، وقمع هو ينفسه.


(1) ص / 88. (8) نهج البلاغة: 311 خطبة 197. (9) نهج البلاغة: 251 خطبة 176. (*)

[ 437 ]

إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن افترض لكم علما فاهتدوا بعلمكم، وإن للاسلام غاية فانتهوا الى غايته، واخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه، وبين لكم من وظائفه، أنا شاهد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم. ألا وإن القدر السابق قد وقع، والقضاء الماضي قد تورد، وإني متكلم بعدة الله وحجته، قال الله (جل ذكره): (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) (1) وقلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ثم لا تمرقوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تخالفوا عنها، فان أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة. ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله تعالى، قال الله سبحانه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به " (2). وأما الظلم الذي يغفر، فظلم العبد نفسه عند بعض الهفات. وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدى، ولا ضربا بالسياط، لكنه ما يستصغر ذلك معه، فاياكم والتلون في دين الله... فان الله سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممن مضى ولا ممن بقى. يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعته وبكى على خطيئته فكان من نفسه في شغل والناس منه في راحة.


(1) فصلت / 30. (2) النساء / 48 و 116. (*)

[ 438 ]

(10) ومن وصيته لابنه الحسن (سلام الله عليهما) كتبها إليه ب " حاضرين " عند انصرافه من " صفين ": من الوالد الفاني...: أما بعد... حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي... فأفضى بي الى جد لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب، وجدتك بعضي بل وجدتك كلي، حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني، فعناني من أمرك ما يعنينني من أمر نفسي... فاني أوصيك بتقوى الله - أي بني - ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله (عزوجل) إن أنت أخذت به. أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الليالي والايام،... وذكره بما أصاب من كان قبلك من الاولين... فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وتفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه، فنعم الخلق التصبر، وألجئ نفسك في الامور (1) كلها الى إلهك فانك تلجئها الى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك، فان بيده العطاء


(10) نهج البلاغة: 391 الكتاب 31. (1) في المصدر: " أمورك ". (*)

[ 439 ]

والحرمان، وأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي (ولا تذهبن عنك صفحا) فان خير القول ما نفع، واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه. أي بني وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما ألقي فيها من شئ قبلته، فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك، لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مؤنة الطلبة (1)، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه. أي بني (إني) وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي، فلقد (2) نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى الي من أمورهم قد عمرت مع أولهم الى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر جليله (3)، وتوخيت (لك) جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأنت ذو نية سليمة، ونفس صافية، وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله (عزوجل) وتأويله وشرايع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه لا أجاوز (ذلك) بك الى غيره، ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك الى أمر لا آمن عليك فيه (4) الهلكة،


(1) في المصدر: " الطلب ". (2) في المصدر: " فقد ". (3) في المصدر: " نخيله ". (4) في المصدر: " به ". (*)

[ 440 ]

ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، واعلم يا بني إن أحب ما أنت آخذ به (لي) من وصيتي تقوى الله والاقتصار على ما افترضه (1) الله عليك، وأخذ بما مضى عليه الاولون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك... واعلم يا بني (2) إن مالك الموت هو مالك الحياة، وان الخالق هو المميت، وان المغني هو المعيد وان المبتلي هو المعافي، وان الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله (عزوجل) عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، وما شاء الله مما لا تعلم... ثم تبصره بعد ذلك... واعلم يا بني أن أحدا لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه نبينا محمد (ص) فارض به رائدا والى النجاة قائدا... يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك (واعلم ان الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب) فاسع في كدحك ولا تكن خازنا لغيرك... واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والارض قد أذن لك في الدعاء، وتكفل لك بالاجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك الى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يؤتيك من الرحمة بل جعل نزوعك من الذنب حسنة، وحسب سيئتك واحدة وحسب حسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب، فإذا ناديته سمع نداك، وإذا ناجيته علم نجواك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك (واستعنته على أمورك) وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه


(1) في المصدر: " فرضه ". (2) لا يوجد في المصدر: " يا بني ". (*)

[ 441 ]

غيره، من زيادة الاعمار، وصحة الابدان، وسعة الارزاق...، فمتى شئت ذلك استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فان العطية على قدر النية، وربما أخرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لاجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربما سألت الشئ فلا تعطاه (1)، وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، وينفى عنك وباله، فالمال لا يبقى لك ولا تبق له. واعلم يا بني (انك) إنما خلقت للآخرة لا للدنيا... فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فانه رب طلب قد جر الى حرب، فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إليها الرغائب... ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا... وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فانك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله سبحانه أكرم وأعظم من الكثير من خلقه، وإن كان كل منه... واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك... قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم... لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة أو قبيحة، وتجرع الغيظ، فاني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة... وجد (2) على عدوك بالفضل فانه أحلى الظفرين، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك.


(1) في المصدر: " تؤتاه ". (2) في المصدر: " وخذ ". (*)

[ 442 ]

واعلم يا بني إن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فان أنت لم تأته أتاك... واستدل على ما لم يكن بما قد كان، فان الامور أشباه... واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين... رب بعيد أقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد. والغريب من لم يكن له حبيب. من تعدى الحق ضاق مذهبه. ومن اقتصر على قدره كان أبقى له. وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله سبحانه. ومن لم يبالك فهو عدوك... وقطيعة الجاهل تعدل عند الله (1) صلة العاقل. من أمن الزمان خانه. ومن أعظمه أهانه... إذا تغير السلطان تغير الزمان. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك. وإياك ومشاورة النساء... ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، فان المرأة ريحانة وليست بقهرمانة... وإياك والتغاير في غير موضع غيرة فان ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم... وأكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك


(1) لا يوجد في المصدر: " عند الله ". (*)

[ 443 ]

التي بها تصول. إستودع الله دينك ودنياك واسأله خير القضاء لك في العاجلة والدنيا والآخرة إن شاء الله - تبارك وتعالى -. (11) وقال (سلام الله عليه) بصفين وقد رأى الحسين أو الحسن (سلام الله عليهما) يتسرع إلى الحرب: املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فاني أنفس بهذين - يعني الحسنين (سلام الله عليهما) - على الموت لئلا ينقطع به نسل رسول الله (ص). (12) ومن خطبته (سلام الله عليه) عن نوف البكالي قال: خطبنا أمير المؤمنين (سلام الله عليه) بالكوفة، وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف، في رجليه نعلان من ليف، وكأن جبينه ثفنة بعير فقال:... قد لبس للحكمة جنتها، وأخذها بجميع أدبها من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها، فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الاسلام، وضرب الارض (1) بعسيب ذنبه، وألصق الارض بجرانه، بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه. ثم قال: (أيها الناس) إني قد بينت (2) لكم المواعظ التي وعظ بها الانبياء (عليهم السلام) أممهم، وأديت اليكم ما أدت الاوصياء الى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدتكم بالزواجر فلم تستوسقوا، لله أنتم، أتتوقعون


(11) نهج البلاغة 323 الخطبة 207. شرح النهج 11 / 25. (12) نهج البلاغة: 260، 263. خطبة 182. (1) لا يوجد في المصدر: " الارض ". (2) في المصدر: " بثثت ". (*)

[ 444 ]

إماما غيري يطأ بكم الطريق، ويرشدكم السبيل. ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمع الترحال عباد الله الاخيار، (و) باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى، ما ضر اخواننا الذين سفكت دماؤهم (وهم) بصفين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص، ويشربون الرنق، قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الامن بعد خوفهم. أين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟ أين عمار وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظرائهم ؟... ثم قال (1) بأعلى صوته: الجهاد الجهاد عباد الله، ألا وإني معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج. قال نوف: وعقد للحسن (سلام الله عليهما) عشرة آلاف، ولقيس بن سعد بن عبادة في عشرة آلاف، ولابي أيوب الانصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة الى صفين فما دارت الجمعة حتى ضربه ابن ملجم - من الخوارج - لعنه الله، فتراجعت العساكر، فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان. (13) ومن وصيته للحسن والحسين (سلام الله عليهما) لما ضربه ابن ملجم: أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شئ منها زوي عنكما، وقولا بالحق، واعملا للاجر، وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا. أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله تعالى، ونظم أمركم،


(1) في المصدر: " نادى ". (13) نهج البلاغة: 421 الكتاب 47. (*)

[ 445 ]

وصلاح ذات بينكم، فاني سمعت جدكما (ص) يقول: " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ". الله الله في الايتام فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم. والله الله في جيرانكم فانهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم. والله الله في الصلاة فانها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم، فانه إن ترك لم تناظروا. والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله. وعليكم بالتوصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع، ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم. ثم قال: يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون " قتل أمير المؤمنين " ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي. انظروا إذا (أنا) مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل (1) بالرجل فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: " إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ". (14) ومن كتابه (سلام الله عليه) إلى الحارث الهمداني:... (و) اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها، فان بعضها يشبه بعضها، وآخرها لاحق بأولها، وأكثر ذكر الموت وما بعده، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق... واسكن الامصار العظام فانها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة


(1) في المصدر: " ولا تمثلوا ". (14) نهج البلاغة: 459 الكتاب 69. (*)

[ 446 ]

والجفاء (وقلة الاعوان على طاعة الله، واقصر رأيك على ما يعنيك) وإياك ومقاعد الاسواق، فانها محاضر الشيطان ومعاريض الفتن... وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة، فانه لابد من أدائها،... وإياك ومصاحبة الفساق فان الشر بالشر ملحق، ووقر الله (عزوجل)، وأحب أحباءه، واحذر الغضب فانه جند عظيم من جنود إبليس، وأكثر أن تنظر الى من فضلت عليه فان ذلك من أبواب الشكر، ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله أو في أمر متعذر تعذر به، وأطع الله في جل أمورك. (15) ومن كتابه (سلام الله عليه) الى والي الشام:... بنعمة الله أحدث إن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين والانصار، ولكل فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيد الشهداء، وخصه رسول الله (ص) بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه، أولا ترى (ان) قوما قطعت أيديهم في سبيل الله، ولكل فضل، حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم قيل: الطيار في الجنة (و) ذو الجناحين، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمه تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان السامعين، فدع عنك من مالت الرمية، فانا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا، ومنا النبي ومنكم المكذب، ومنا أسد الله ومنكم أسد الاحلاف، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خيرة نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب، في كثير مما لنا وعليكم.


(15) نهج البلاغة: 386 الكتاب 28. (*)

[ 447 ]

فاسلامنا ما (1) قد سمع وجاهليتكم لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو قوله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة... وقد (2) ذكرت أنه ليس لي ولاصحاب عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب عن الاعداء ناكلين، وبالسيوف (3) مخوفين. " فلبث قليلا يدرك (4) الهيجا حمل ". فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وانا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والانصار والتابعين لهم باحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد (انتهى نهج البلاغة). (16) ومن وصيته لابنه الحسين (سلام الله عليهما): يا بني أوصيك بتقوى الله (عزوجل) في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله (عزوجل) في الشدة والرخاء. يا بني ما شر بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة


(1) لا يوجد في المصدر: " ما ". (2) لا يرجد في المصدر: " قد ". (3) في المصدر: " بالسيف ". (4) في المصدر: " يلحق ". (16) نهج البلاغة: قصار الجمل 349 (باختصار). (*)

[ 448 ]

محقور، وكل بلاء دون النار عافية. إعلم يا بني انه من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه انكشف عورات بيته، ومن نسى خطيئته استعظم خطية غيره، ومن عاتب الامور عطب، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن دخل مدخل السوء اتهم، ومن خالط الاراذل حقر، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار. يا بني من نظر في عيوب الناس ورضيها لنفسه فذلك الاحمق بعينه، ومن تفطن اعتبر، ومن اعتبر اعتزل عن الناس، ومن اعتزل سلم، ومن ترك الشهوات كان حرا، وعز المؤمن غناؤه عن الناس، والقناعة كنز لا ينفذ، ومن أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا بالقليل، ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه.

[ 449 ]

الباب المكمل للمائة في فضائل الائمة من أهل البيت الطيبين (سلام الله وتحياته وبركاته عليهم دائما) (1) في نهج البلاغة: ومن خطبة أمير المؤمنين، وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، ويعسوب الدين، مولانا ومولى الانس والجن، أسد الله الغالب علي ابن أبي طالب (سلام الله عليه وعلى الائمة من أولاده دائما أبدا متزايدا متناميا متكاثرا باقيا سرمدا) بعد انصرافه من صفين: منها: يعني آل محمد (ص) وهم موضع سره وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه. منها في المنافقين: زرعوا الفجور، وسقوا الغرور، وحصدوا الثبور، لا يقاس بآل محمد (ص) من هذه الامة أحد، ولا يساوي بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة الآن إذ رجع الحق الى أهله، ونقل الى منتقله.


(1) نهج البلاغة: 47 خطبة 2. (*)

[ 450 ]

(2) ومن خطبته (سلام الله عليه): بنا اهديتم في الظلماء، وتسنمتم العلياء، وبنا انفجرتم عن السرار، ما شككت في الحق مذ أريته، لم يوجس موسى خيفة على نفسه، بل أشفق من غلبة الجهال، ودول الضلال. (3) ومن كلام له (سلام الله عليه) إني لعلى بينة من ربي، ومنهاج من نيتي، وإني لعلى الطريق الواضح. انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى، فان لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا. (4) ومن خطبته (سلام الله عليه): ألا إن مثل آل محمد (ص) كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم. نحن شجرة النبوة، ومهبط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة. (5) ومن خطبته (سلام الله عليه): أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذبا وبغيا علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، وبنا يستجلى العمى. (6) وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شئ أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن


(2) نهج البلاغة: 51 خطبة 4. (3) نهج البلاغة: 142 خطبة 97. (4) نهج البلاغة: 146 خطبة 100 و 162 خطبة 109. (5) نهج البلاغة: 201 خطبة 144. (6) نهج البلاغة: 204 و 205 خطبة 147. (*)

[ 451 ]

مواضعه، ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر. واعلموا انكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نفضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فانهم عيش العلم، وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، وهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق. (7) ومن خطبته (سلام الله عليه): قد طلع طالع، ولمع لامع، ولاح لائح، واعتدل مائل، واستبدل الله بقوم قوما وبيوم يوما، وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر، وإنما الائمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه عك عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه. (8) ومن خطبته (سلام الله عليه): نحن الشعائر والاصحاب، والخزنة والابواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا. ومنها: فيهم كرايم الايمان، وهم كنوز الرحمن، إن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا، فالناظر بالقلب، العامل بالبصر، يكون مبتدأ عمله ان يعلم أعمله عليه أم له ؟ فان كان له مضى فيه، وإن كان عليه وقف عنه، فان العامل بغير علم كالسائر على غير الطريق، فلا يزيده بعده عن الطريق إلا بعدا عن حاجته، والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع ؟ (9) ومن خطبته (سلام الله عليه): أن بعثه بالنور المضئ، والبرهان الجلي،


(7) نهج البلاغة: 212 خطبة 152. (8) نهج البلاغة: 215 خطبة 152. (9) نهج البلاغة: 229 خطبة 161. (*)

[ 452 ]

والمنهاج البادي، والكتاب الهادي، أسرته خير أسرة، وشجرته خير شجرة، أغصانها معتدلة، وثمارها متهدلة، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، علا بها ذكره، وامتد منها موته، أرسله الله بحجة كافية، وموعظة شافية، ودعوة متلافية، أظهر به الشرايع المجهولة، وقع به البدع المدحولة، وبين به الاحكام المعضولة، فمن يبتغ غير الاسلام دينا فتحقق شقوته، وتنفصم عروته، وتعظم كبوته، ويكن مثابه إلى الحزن الطويل، والعذاب الوبيل. (10) ومن خطبته (سلام الله عليه): فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، ومنه ما يكون عواري في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور الى أجل معلوم، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضر الموت، فعند ذلك يقع حد البراءة. (لا يقع اسم) الهجرة على أحد بمعرفة الحجة في الارض فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة، فسمعتها أذنه ووعاه قلبه. إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد مؤمن إمتحن الله قلبه للايمان، ولا تعي (1) حديثنا إلا صدور امينة واحلام رزينة، ايها الناس سلوني قبل ان تفقدوني، فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض، قبل أن تشغر برجلها فتنة، تطأ في خطامها، وتذهب بأحلام قومها. (11) ومن خطبته (سلام الله عليه): إستعملنا الله وإياكم بطاعته وطاعة رسوله،


(10) نهج البلاغة: 279 خطبة 189. (1) في المصدر: " يعي ". (11) نهج البلاغة: 282 خطبة 190. (*)

[ 453 ]

وعفى عنا وعنكم بفضل رحمته، الزموا الارض، واصبروا على البلاء، تحركوا بأيديكم وسيوفكم وهوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم، فانه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدا، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه، فان لكل شئ مدة وأجلا. (12) ومن خطبته (سلام الله عليه) يذكر فيها آل محمد (ص): هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه، هم دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، وإن رواة العلم كثير ورعاته قليل. (13) كلامه (سلام الله عليه) لكميل بن زياد النخعي: قال كميل بن زياد: أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) بيدي فأخرجني إلى الجبانة، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا الى ركن وثيق. يا كميل العلم خير من المال، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الانفاق، وصنيع المال يزول بزواله.


(12) نهج البلاغة: 357 خطبة 239. (13) نهج البلاغة: 495 قصار الجمل 147. (*)

[ 454 ]

يا كميل معرفة العلم دين يدان به، يكسب الانسان الطاعة في حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل هلك خزان الاموال وهم أحياء، والعلماء باقون وهم أموات ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ها إن هنا لعلما جما - وأشار بيده الى صدره المبارك المكرم - ولو أصبت له حملة، بل أصيب لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على عباده، وبحجته على أوليائه، أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة، آلا لا ذا ولا ذاك، أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادخار، هما ليسا من رعاة الدين في شئ، أقرب شبها بهما الانعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى لا تخلو الارض من قائم بحججه، إما ظاهرا مشهورا، وإما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا ؟ وأين أولئك ؟ أولئك والله الاقلون عددا، والاعظمون عند الله قدرا، بهم يحفظ الله حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة الى دينه، آه آه شوقا الى رؤيتهم. يا كميل انصرف إذا شئت.

[ 455 ]

(14) ومن خطبته (سلام الله عليه) في صفة آباء النبي (ص): فاستودعهم الله في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الاصلاب الى مطهرات الارحام، كلما مضى سلف قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه الى محمد (ص) فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الارومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتخب منها أمناءه، عترته خير العتر، وأسرته خير الاسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمر لا ينال، فهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى، سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، وزند برق لمعه، سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل، أرسله على حين فترة من الرسل، وهفوة من العمل، وغباوة من الامم (انتهى نهج البلاغة). (15) وفي غرر الحكم: إن ل‍ " لا إله إلا الله " شروطا، وإني وذريتي من شروطها. أنا قسيم النار وخازن الجنان، وصاحب الحوض، وصاحب الاعراف، وليس منا أهل البيت إمام إلا وهو عارف بأهل ولايته، وذلك لقول الله تعالى (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (1). وأنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الفجار، من أطاع امامه فقد أطاع ربه (انتهى غرر الحكم). وأما الفضائل التي كانت في نهج البلاغة فهي مذكورة في غرر الحكم أيضا فلا أوردها لئلا يلزم التكرار.


(14) نهج البلاغة: 138 خطبة 94. (15) غرر الحكم 1 / 220 حديث 103، و 255 حديت 1، 256. (1) الرعد / 7. (*)

[ 456 ]

(16) وفي الاربعين للشيخ بهاء الدين العاملي قدس سره صاحب الكشكول والاوراد، قال: إن الحديث المتفق عليه بين العامة والخاصة: من مات ولا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. وكذا في كتاب الملل والنحل لمحمد الشهرستاني هذا الحديث موجود. وقد ذكرت الارجوزة التي كانت في جنة الاسماء في مشرق الاكوان وأذكر بعضها في هذا الكتاب تيمنا به وتبركا: فانما نحن ملوك الارض * وحكمنا في الخافقين يمضي فكل علم من علوم فاخرة * من مبدء الدنيا ليوم الآخرة قد صار كشفا عندنا مصانا * وكل ذي شدة غدا مهانا وكل ما قد جاء فيه النص * فهو الذي من جفرنا يقص فمن أراد غبطة الامان * في كل عصر مع كل آن فليتمسك بحبال قولنا * ولا يزغ يوما بعون أمرنا فانما نحن على التحقيق * غوث لكل كربة وضيق (17) وفي خطبته البيان: لقد حزت علم الاولين وإنني * ظنين بعلم الآخرين كتوم وكاشفت أسرار العلوم بأسرها * وعندي حديث حادث وقديم وإني لقيوم على كل قيم * محيط بكل العالمين عليم وقال: لو شئت لاوقرت سبعين بعيرا من تفسير سورة الفاتحة.


(16) أربعين البهائي: 219. الملل والنحل 1 / 192. (17) الزام الناصب 2 / 178. (*)

[ 457 ]

(الخاتمة) قد تم بحمد الله وفضله تأليف " ينابيع المودة لذي القربى من أهل العبا " - صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وعترته وأهل بيته وصحبه وذريته دائما متزايدا أبدا، والحمد لله رب العالمين حمدا كما هو أهله باقيا ناميا سرمدا. ثم الحمد لله أحمده حمدا معترفا بالعجز عن أداء حق حمده، ومقرا بالقصور عن إتيان شئ من شكره، فهو المتطول المتفضل المنان الحنان الجواد الكريم، تقدست أسماؤه، وتعالت آلاؤه وحده لا شريك له ولا معبود سواه، وهو ذو الجلال والاكرام وذو الاحسان. والانعام -. وقت الضحى يوم الاثنين اليوم التاسع من شهر رمضان سنة الف ومائتين وإحدى وتسعين. ثم الحمد لله ميمونة، وأطرافها وأكنافها محروسة، في عصر الخاقان المعظم المحتشم ابن الخواقين المظفرين المحترمين، السلطان المعزز المكرم ابن السلاطين الفاتحين المبشرين بالحديث " لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الامير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش " - كما في كتاب الاصابة (1) عن بشر الغنوي - آل أبي المكارم المؤيد بتأييدات الرحمن، المنصور المكرم بتكريمات الحنان، مكرم أرباب العلم والعرفان، ومروج أصحاب التحقيق والبرهان، السلطان عبد العزيز خان (طول الله عمره وأدام ملكه). اللهم انصره نصرا


(1) الاصابة 1 / 157 ترجمة 685. (*)

[ 458 ]

عزيزا، وافتح له فتحا مبينا. اللهم اجعل هيبته وشوكته على الاعداء متزايدة، وبره وإحسانه على الاتباع دائمة، وآثار خيره بين العباد باقية، وعدله وترحمه على الناس جارية، وظله الممدود على رؤوس الخلائق شاملة. اللهم إنك جعلت آباءه محاور الآثار المستحسنة، ومصادر الاشياء المتبركة، جعلت أيضا بفضلك شهنشاه البرين، وخاقان البحرين مركز الآثار الخيرية " ومنبع الامور الجميلة. اللهم إنك قلت: (لئن شكرتم لازيدنكم " (1) وقلت: (وأما بنعمة ربك فحدث " (2) وقال رسولك الذي صليت عليه مع ملائكتك: " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " (3) فبتوفيقك إياي أشكرك بتحديث نعمتك، وبشكر من جعلته ولي النعمة بالمدح والثناء، وبذكر الجميل والدعاء، أقول: يا ربي بمنك وفضلك إن هذين الكتابين " مشرق الاكوان " و " ينابيع المودة لذي القربى " بلطفك وعونك إنهما طلعا على أفق الوجود والظهور، ولمعا على عالم الكون مثل النور، وتلالاء كالكوكب الدري، وسطعا كالبدر الجلي، لجامعيتهما بخلامة جواهر المعاني الثمينة، وزبدة المقاصد من العلوم النافعة، على طريق التحقيق، وسبيل التدقيق، من الآيات القرآنية، والاحاديث النبوية، ولاحاطتهما بالمواعظ المنجية، والجواهر القدسية، والاسرار الروحانية، والمعارف الربانية، لائمة الهدى، ومصابيح الدجى، وينابيع الحسنى، وكنوز القربى، صلوات الله وتسليماته وتحياته وبركاته على سيدنا ومولانا محمد


(1) ابراهيم / 7. (2) الضحى / 11. (3) جمع الزوائد 8 / 181. (*)

[ 459 ]

وعليهم، وعلى من اقتدى بهم واهتدى. ولما كان سبب وجودهما وباعث ظهورهما ظل مرحمة جمجاه الانام، وشمول رأفة جهجاه الاسلام، وبلوغ تلطف ذي الشوكة والاحتشام، ووصول تعطف ولي النعمة والانعام، نشتغل بدعاء زيادة النصرة والظفر، وامتداد العمر والاثر ونقول: اللهم كما جعلت هذين الكتابين نتيجتين من نتائج بره وألطافه، وثمرين من ثمار عدله وانصافه، وأثرين من آثار خيره واحسانه، وفائدتين من فوائد أيام أمنه وأمانه، وشاهدين على حسن سريرة ذاته، وناطقين على ذكر جميل صفاته، اجعلهما أيضا بسببه منتشرا في البلاد، ومتداولا بين العباد، وباقيا الى يوم الفصل والميعاد. اللهم اجعل حبك وحب رسولك ساريا سره وأخلاقه، وزد إلى العلوم النافعة ميله واشتياقه، واجعل عمره طولا طويلا، وملكه مدا مديدا، وحكمه دائما سديدا، وزاد سعادته في الدارين كرامته في الكونين آمين يا رب العالمين. اين دعا را از همه خلق جهان آمين باد حافظ وظيفهء تو دعاكردن است وبس والحمد لله رب العالمين على إتمام هذا الكتاب بعونه ولطفه. يا رب العالمين بمنك العميم، وفضلك العظيم، اغفر لنا ولوالدينا ولمن توالدا ولآبائهما وأمهاتهما الى آدم وحوا (صلى الله على محمد وآله وعليهما) وارحمنا معهم. اللهم اهدنا صراطك المستقيم ونجنا من العذاب الاليم بحرمة محمد وآله الذين صليت عليهم، حيث قال محمد (ص): معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز على صراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب. اللهم اجعلنا فيما يرضاك ساعين، وفي نيل ما عندك من الفوز والبركات

[ 460 ]

شائقين، وحصل لنا السعادة التي هي بقاء بلا فناء، وعلم بلا جهل، وقدرة بلا عجز، وغناء بلا فقر، وراحة مخلدة، وحياة مؤبدة، وتنعمات أبدية، وتقربات سرمدية، وكمالات تامة دائمة. واجعل سعينا في جميع الآيات والاحاديث مشكورا، وجدنا وجهدنا في تأليف الكتب مأجورا. اللهم اجعلنا من الذين فازوا فوزا عظيما، ومن الذين يملكون ملكا كبيرا، واجعل موالاتنا لاهل العباء وعترتهم كاملة، واجعل فيهم مودتنا - التي هي وسيلة لرضاك ودخول الجنة - في سريرتنا وعلانيتنا ثابتة. وبحبهم كنا عند الله مرضيين لانا نؤدي فرضه الذي أثبته بقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1)، ونؤدي فرضه الذي هو شرط التوحيد، يقول أمير المؤمنين وإمام المتقين القائل علم اليقين علي (سلام الله عليه): إن للا إله إلا الله شرطا وإني وذريتي من شروطها. اللهم اجعلنا ورادا على الحوض الذي ورد عليه الثقلان مصاحبين والمؤمنون، واجعلنا رواة من مائه ببركة مودة أهل العباء (صلوات الله وسلامه عليهم)، واجعلنا معهم مصاحبين إخوانا على سرر متقابلين في دار اصطنعتها لنفسك، ظلها عرشك، ونورها بهجتك وبهاءك، وزوارها ملائكتك ورفقاؤها رسلك وانبياؤك وأولياؤك ومختارك ومصطفاك، بكمال قدرتك، وعظيم رحمتك، وتجلي بهائك، وتجمل برهانك وكمالك، بوعدك على لسان نبيك الصادق (الذي) صليت عليه مع ملائكتك: " من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة ". و " أنت مع من أحببت "، و " المرء مع من أحب "،


(1) الشورى / 23. (*)

[ 461 ]

و " من أحب قوما فهو منهم "، و " سلمان منا أهل البيت " (1). ويا أكرم الاكرمين، ويا أجود الاجودين، ويا أرحم الراحمين، اجعلنا من زمرتهم كما جعلتنا من ذريتهم، واجعلنا معهم في دار السلام يا ذا الجلال والاكرام. آمين يا رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله صلاة نامية دائمة بدوام الله، ومتزايدة باقية ببقاء الله، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضاء نفسه، ومداد كلماته، في كل آن ولحظة، وفي كل حين ولمحة، ناميا دائما بدوامه، وجاريا باقيا ببقائه، وصلوات الله وتحياته وبركاته على جميع الانبياء والمرسلين، والاولياء والصالحين وعلى الملائكة كلهم أجمعين. ثم صلوات الله وصلوات ملائكته وصلوات أنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وعلى آله والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته. والاكرام. آمين يا رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله صلاة نامية دائمة بدوام الله، ومتزايدة باقية ببقاء الله، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضاء نفسه، ومداد كلماته، في كل آن ولحظة، وفي كل حين ولمحة، ناميا دائما بدوامه، وجاريا باقيا ببقائه، وصلوات الله وتحياته وبركاته على جميع الانبياء والمرسلين، والاولياء والصالحين وعلى الملائكة كلهم أجمعين. ثم صلوات الله وصلوات ملائكته وصلوات أنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وعلى آله والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته. اللهم اجعلنا من الذين قلت في شأنهم: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " تم ولما كان سبب تأليف كتاب أجمع الفوائد وكتاب مشرق الاكوان وكتاب ينابيع المودة لاهل العباء عليهم سلام الله ربنا الاعلى ظل مرحمة ذي الشوكة والاحتشام وولي النعمة والانعام مكرم ارباب العلم والعرفان ومروج اصحاب التحقيق والبرهان السلطان عبد العزيز خان لا زالت ظلال رأفته على المسلمين متزايدة وعدله وترحمه على الناس جارية وظل تعطفه على رؤوس الخلايق شاملة وآثاره الخيرات بين العباد باقية اللهم كما جعلت هذا الكتب


(1) مر تخريجها. (*)

[ 462 ]

نتيجة من نتائج بره وألطافه وثمرة من ثمار عدله وانصافه وأثرا من آثار خيره واحسانه وفائدة من فوائد أيام أمنه وأمانه اجعلها يا رب العالمين نافعة للصالحين من العباد ومنتشرة في البلاد متداولة بين العباد وباقية الى يوم الفصل والميعاد.

مكتبة شبكة أمل الثقافية