( 17 )
التعريف بالشيعة
إذا أردنا الكلام عن الشيعة بدون تعصب ولا تكلف ، قلنا : هي الطائفة الإسلامية التي توالي وتقلد الأئمة الاثني عشر من أهل بيت المصطفى عليا وبينه ، وترجع إليهم في كل المسائل الفقهية من العبادات والمعاملات ، ولا يفضلون عليهم أحد سوى جدهم صاحب الرسالة محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا هو التعريف الحقيقي للشيعة بكل اختصار ، ودعك من أقوال المرجفين والمتعصبين من أن الشيعة هم أعداء الإسلام ، أو أنهم يعتقدون بنبوة علي وأنه صاحب الرسالة أو أنهم ينتمون إلى عبد الله بن سبأ اليهودي .
وقد قرأت كتبا ومقالات عديدة يحاول أصحابها بكل جهودهم تكفير الشيعة وإخراجهم من الملة الإسلامية .
ولكن أقوالهم كلها محض افتراء وكذب صريح لم يأتوا عليه بحجة ولا بدليل سوى أنهم يعيدون ما قاله أسلافهم من أعداء أهل البيت ، والنواصب الذين تسلطوا على الأمة وحكموها بالقوة والقهر ، وتتبعوا عثرة النبي ومن تشيع لهم فقتلوهم وشردوهم ونبزوهم بكل الألقاب .
ومن هذه الألقاب التي تتردد كثيرا في كتب أعداء الشيعة لقب الرافضة ، أو الروافض . فيخيل للقارئ لأول وهلة أن هؤلاء رفضوا قواعد الإسلام ولم يعملوا بها ، أو أنهم رفضوا رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلمولم يقبلوا بها .
____________
(1) ونقصد بالشيعة هنا ، ( الإمامية الاثني عشرية ) والمسماة أيضاً بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق ، ولا يتعلق بحثنا بالفرق الأخرى كالإسماعيلية والزيدية ولا يهمنا من أمر هؤلاء ما دمنا نعتقد بأنهم كسائر الفرق الأخرى التي لم تتمسك بحديث الثقلين ، ولا ينفع اعتقادهم بإمامة علي بعد رسول الله مباشرة .
( 18 )
ولكن الواقع على غير هذا ، إنما لقبوا بالروافض لأن الحكام الأولين من بني أمية وبني العباس ومن يتزلف إليهم من علماء السوء أرادوا تشويههم بهاذ اللقب ، لأن الشيعة والوا عليا ورفضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان أولا ، كما رفضوا خلافة كل الحكام من بني أمية وبني العباس ولم يقبلوا بها ثانيا .
ولعل هؤلاء كانوا يموهون على الأمة بإعانة بعض الوضاعين من الصحابة بأن خلافتهم شرعية لأنها بأمر الله سبحانه ، فكانوا يروجون بأن قوله تعالى : {با أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» ( النساء : 59 ) تخصهم ونازلة في حقهم ، فهم أولو الأمر الواجبة طاعتهم على كل المسلمين ، وقد استأجروا من يروي لهم كذبا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمقول : « ليس أحد خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية » فليس من حق أي مسلم أن يخرج عن طاعة السلطان .
وبهذا نفهم بأن الشيعة إنما استهدفوا من قبل الحكام لأنهم رفضوا بيعتهم ولم يقبلوا بها واعتبروها اغتصابا لحق أهل البيت ، فكان الحكام وعلى مر العصور يوهمون العامة بأن الشيعة رافضون للإسلام بل يريدون هدمه والقضاء عليه ، كما عبر عن ذلك بعض الكتاب والمؤرخين ممن يدعي العلم من السابقين واللاحقين .
وإذا رجعنا إلى لعبة تلبيس الحق بالباطل فسندرك بأن هناك فرقا بين من يريد هدم الإسلام وبين من يريد هدم الحكومة الجائرة الفاسقة التي تعمل ضد الإسلام .
فالشيعة لم يخرجوا على الإسلام ، إنما خرجوا على الحكام الجائرين وهدفهم إرجاع الحق إلى أهله لإقامة قواعد الإسلام بالحاكم العادل . وعلى كل حال فالذي عرفناه خلال البحوث السابقة من كتاب « ثم اهتديت » و « مع الصادقين » و « أهل الذكر » أن الشيعة هم الفرقة الناجية لأنهم تمسكوا بالثقلين كتاب الله وعترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا أنصفنا المنصفين ، فإن البعض من علماء « أهل السنة » يعترف بهذه الحقيقة ، فقد قال ابن منظور في كتابه « لسان العرب » في تعريف الشيعة .
( 19 )
« والشيعة هم قوم يهوون هوى عثرة النبي ويوالونهم » كما يقول الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بعد استعراض هذا المقطع من الكتاب المذكور :
« وإذا كان الشيعة هم الذين يهوون هوى عثرة النبي ويوالونهم فمن من المسلمين يرفض أن يكون شيعيا ؟ ! » .
هذا وقد ولى عصر التعصب والعداوة الوراثية ، وأقبل عهد النور والحرية الفكرية ، فعلى الشباب المثقف أن يفتح عينيه ، وعليه أن يقرأ كتب الشيعة ويتصل بهم ويتكلم مع علمائهم كي يعرف الحق من بابه ، فكم خدعنا بالكلام المعسول وبالأراجيف التي لا تثبت أمام الحجة والدليل .
والعالم اليوم في متناول الجميع ، والشيعة موجودون في كل بقاع الدنيا من هذه الأرض ، وليس من الحق أن يسأل الباحث عن الشيعة أعداء الشيعة وخصومهم الذين يخالفونهم في العقيدة ، وماذا ينتظر السائل من هؤلاء أن يقولوا في خصومهم منذ بداية التاريخ ؟
فليست الشيعة فرقة سرية لا تطلع على عقائدها إلا من ينتمي إليها ، بل كتبها وعقائدها منشورة في العالم ، ومدارسها وحوزاتها العلمية مفتوحة لكل طلاب العلم ، وعلماؤهم يقيمون الندوات والمحاضرات والمناظرات والمؤتمرات ، ويندون إلى كلمة سواء وإلى توحيد الأمة الإسلامية .
وأنا على يقين بأن المنصفين من الأمة الإسلامية إذا ما بحثوا في الموضوع بجد سوف يستبصرون إلى الحق الذي ليس بعده إلا الضلال لأن مانعهم من الوصول هو فقط وسائل الدعاية المغرضة والإشاعة الكاذبة من أعداء الشيعة أو تصرف خاطئ من بعض عوام الشيعة
(1) .
ويكفي في أغلب الأحيان أن تزاح شبهة واحدة أو تنمحي خرافة باطلة حتى ترى من كان عدوا للشيعة يصبح منهم.
____________
(1) ستعرف في آخر الكتاب بأن أعمال بعض العوام من الشيعة ينفر الشباب المثقف من أهل السنة ولا يشجعهم على مواصلة البحث للوصول إلى الحقيقة .
( 20 )
ويحضرني في هذا الصدد قصة الشامي الذي ضللته وسائل الإعلام في ذلك العهد ، عندما دخل المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلموجد رجلاً يركب فرسه عليه هيبة ووقار وحوله كوكبة من أصحابه يحوطونه من كل جانب وهم طوع إشارته .
استعرب الشامي وتعجب أن يكون في الدنيا رجل له من الهالة والتعظيم أكثر من معاوية في الشام فسأل عن الرجل ، فقيل له : إنه الحسن بن علي بن أبي طالب ، قال : هذا هو ابن أبي تراب الخارجي ؟ ثم أولغ سبا وشتما في الحسن وأبيه وأهل بيته .
وشهر أصحاب الحسن سيوفهم كل يريد قتله ، ومنعهم الإمام الحسن ونزل عن جواده فرحب به ولاطفه قائلا له :
يبدو أنك غريب عن هذه الديار يا أخا العرب ؟ قال الشامي : نعم أنا من الشام من شيعة أمير المؤمنين وسيد المسلمين معاوية بن أبي سفيان ، فرحب به الإمام من جديد وقال له : أنت من ضيوفي وامتنع الشامي ولكن الحسن لم يتركه حتى قبل النزول عنده وبقي الإمام يخدمه بنفسه طيلة أيام الضيافة ويلاطفه ، فلما كان اليوم الرابع بدا على الشامي الندم والتوبة مما صدر منه تجاه الحسن بن علي وكيف يسبه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحسن الضيافة ، فطلب من الحسن ورجاه أن يسامحه على ما صدر منه وكان بينهما الحوار التالي بمحضر من أصحاب الحسن :
الحسن : أقرأت القرآن يا أخا العرب ؟
الشامي : أنا أحفظ القرآن كله .
الحسن : هل تعرف من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم ؟
الشامي : إنهم معاوية وآل أبي سفيان .
استغرب الحاضرون وتعجبوا وابتسم له الحسن قائلا : أنا الحسن بن علي وأبي
( 21 )
هو ابن عم رسول الله وأخوه ، وأمي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، وجدي رسول الله سيد الأنبياء والمرسلين وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار ، ونحن أهل البيت الذي طهرنا الله سبحانه وافترض مودتنا على كل المسلمين ونحن الذين صلى الله وملائكته علينا وأمر المسلمين بالصلاة علينا ، وأنا وأخي الحسين سيدا شباب أهل الجنة .
وعدد له الإمام الحسن بعض فضائل أهل البيت وعرفه حقيقة الأمر فاستبصر الشامي وبكى وأخذ يقبل أنامل الحسن ويلثم وجهه معتذرا عما صدر منه في حقه قائلا :
والله الذي لا إله إلا هو إني دخلت المدينة وليس لي على وجه الأرض أبغض منكم، وها أنا أخرج منها وليس على وجه الأرض أحب إلي منكم ، وإني أتقرب إلى الله سبحانه بحيكم ومودتكم وموالاتكم والبراءة من أعدائكم .
التفت الإمام الحسن إلى أصحابه قائلا :
لقد أردتم قتله وهو بريء لأنه لو عرف الحق ما كان ليعانده وإن أكثر المسلمين في الشام مثله لو عرفوا الحق لاتبعوه .
ثم قرأ قول الله تعالى :
«ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» ( فصلت : 34 ) .
نعم هذا هو الواقع الذي يجهله أكثر الناس مع الأسف فكم من إنسان يعادي الحق ويعانده ردحا من عمره ، حتى يكتشف في يوم من الأيام أنه على خطأ فيسارع بالتوبة والاستغفار وهذا هو واجب كل إنسان فقد قيل : « الرجوع للحق فضيلة » .
وإنما المصيبة في الذين يرون الحق عيانا ويلمسونه بأيديهم ثم يقفون ضده ويحاربونه من أجل أغراض خسيسة ودنيا دنيئة وأحقاد دفينة .
وهذا النمط من الناس ، قال في حقهم رب العزة والجلالة :
«وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون» ( يس : 10 ) فلا فائدة في تضييع الوقت معهم وحرق الأعصاب من أجلهم ، وإنما الواجب علينا أن نضحي بكل شيء
( 22 )
مع أولئك المنصفين الذين يبحثون عن الحق ويبذلون جهدهم للوصل إليه والذين قال في حقهم رب العزة والجلالة :
«إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم» ( يس : 11 ) .
فعلى المستبصرين من الشيعة في كل مكان أن ينفقوا من أوقاتهم ومن أموالهم في سبيل التعريف بالحق لكل أبناء الأمة الإسلامية ، فلم يكن أئمة أهل البيت حكرة على الشيعة وحدهم ، إنما هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى لكل المسلمين .
وإذا بقي الأئمة من أهل البيت مجهولين لدى عامة المسلمين وخصوصا منهم المثقفين من أبناء « أهل السنة والجماعة » فإن الشيعة يتحملون مسؤولية ذلك عند الله .
كما إذا بقي الناس كفارا وملحدين لا يعرفون دين الله القويم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلمسيد المرسلين ، فالمسؤولية على كل المسلمين .
( 23 )
التعريف بأهل السنة
هم الطائفة الإسلامية الكبرى التي تمثل ثلاثة أرباع المسلمين في العالم ، وهم الذين يرجعون في الفتوى والتقليد إلى أئمة المذاهب الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل .
وقد تفرع عنها فيما بعد ما يسمى بالسلفية التي جدد معالمها ابن تيمية الذي يسمونه مجدد السنة ، ثم الوهابية التي ابتدعها محمد بن عبد الوهاب ، وهو مذهب السعودية .
وكل هؤلاء يسمون أنفسهم « بأهل السنة » وفي بعض الأحيان يضيفون كلمة الجماعة ، فيقال « أهل السنة والجماعة » .
ويتبين لنا من خلال البحث التاريخي أن كل من انتمى إلى ما يسمى عندهم بالخلافة الراشدة ، أو الخلفاء الراشدين وهم « أبو بكر وعمر وعثمان وعلي » واعترف بإمامتهم سواء في عهدهم أو في عصرنا فهو سني من « أهل السنة والجماعة » .
وكل من رفض تلك الخلافة واعتبرها غير شرعية ، وقال بثبوت النص على علي بن أبي طالب فهو شيعي من أهل الرفض .
ويتبين لنا أيضاً أن كل الحكام ، من أبي بكر وإلى آخر خلفاء بني العباس
____________
(1) سيتبين لنا في أبحاث لاحقة بأن « أهل السنة والجماعة » لم يلحقوا علي بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين الثلاثة إلا في زمن متأخر جدا .
( 24 )
هم راضون على أهل السنة ومتفقون تماما معهم ، وغاضبون ومنتقمون من الذين تشيعوا لعلي بن أبي طالب وبايعوه بالخلافة كما بايعوا أولاده من بعده .
وعلى هذا الأساس فإن علي بن أبي طالب وشيعته لم يكونوا معدودين عندهم من « أهل السنة والجماعة » وكأن هذا الاصطلاح ـ يعني « أهل السنة والجماعة » قد وضع في مقابل علي وشيعته ، وهو حسب أعتقادي السبب الرئيسي في تقسيم الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول إلى سنة وشيعة .
وإذا رجعنا لتحليل الأسباب وكشف الأستار حسب المصادر التاريخية الموثوقة لوجدنا أن هذا التقسيم ظهر عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلممباشرة وبدون فصل ، إذ أن الأمر استتب لأبي بكر باعتلائه منصة الخلافة وايدته الأغلبية الساحقة من الصحابة ، وعارضه علي بن أبي طالب وبنو هاشم وقلة قليلة من الصحابة الذين كانوا في أغلبهم من الموالي .
وبديهي أن السلطة الحاكمة أقصت هؤلاء وأبعدتهم واعتبرتهم خارجين من الصف الإسلامي ، وعملت كل جهودها على شل معارضتهم بكل الأساليب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
ومن المعلوم أن « أهل السنة والجماعة » اليوم ، لا يدركون الأبعاد السياسية التي لعبت في تلك العصور ، ومدى العداوة والبغضاء التي أولدتها تلك الأدوار الخبيثة في عزل وإبعاد أعظم شخصية عرفها تاريخ البشرية بعد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، و «أهل السنة والجماعة » في هذا العصر يظنون أو يعتقدون بأن الأمور كانت على أحسن ما يرام وأنها تدور وفق الكتاب والسنة في زمن الخلفاء الراشدين وأن هؤلاء كانوا يتشبهون بالملائكة فكانوا يحترمون بعضهم ولم تكن بينهم أحقاد ولا مطامع ولا نوايا سيئة .
ولكل ذلك تراهم يرفضون كل ما يقوله الشيعة في الصحابة عامة وفي الخلفاء الراشدين منهم خاصة .
وكأن « أهل السنة والجماعة » لم يقرأوا كتب التاريخ التي سجلها علماؤهم ، واكتفوا فقط بما يسمعونه من أسلافهم من مديح وإطراء وإعجاب بعامة
( 25 )
الصحابة وخصوصاً منهم الخلفاء الراشدين ، ولو فتحوا قلوبهم وأبصارهم وتصفحوا تاريخهم وكتب الحديث عندهم طلبا للحق ومعرفة الصواب لغيروا عقيدتهم ليس في الصحابة فحسب ولكن في كثير من الأحكام التي يعتبرونها صحيحة وما هي كذلك .
وإني أحاول بهذا المجهود المتواضع أن أبين لإخواني من « أهل السنة والجمعة» بعض الحقائق التي طفحت بها كتب التاريخ ، وأخرج لهم باختصار وجيز النصوص الجلية التي تدحض الباطل وتظهر الحق ، عسى أن يكون في ذلك الدواء الناجع لتشتت المسلمين واختلافهم ويعمل على توحيدهم وجمع كلمتهم .
وإن « أهل السنة والجماعة » كما أعرفهم اليوم ليسوا متعصبين ، وليسوا ضد الإمام علي وأهل البيت ، بل إنهم يحبونهم ويحترمونهم ولكنهم في نفس الوقت يحبون ويحترمون أعداء أهل البيت ويقتدون بهم باعتبار « كلهم من رسول الله ملتمس » .
و « أهل السنة والجماعة » لا يعملون بقاعدة الولاء لأولياء الله والبراءة من أعداء الله ، بل يلقون بالمودة للجميع ويترضون على معاوية بن أبي سفيان كما يترضون على علي بن أبي طالب .
وقد بهرتهم هذه التسمية البراقة ( أهل السنة والجماعة ) ولم يعرفوا خفاياها ودسائسها التي وضعها دهاة العرب ولو علموا يوماً بأن علي بن أبي طالب هو مخض السنة المحمدية وهو بابها الذي يؤتى منه للدخول إليها ، قد خالفوه في كل شيء وخالفهم ، لتراجعوا عن موقفهم ولبحثوا الموضوع بجد ، ولما وجدت «أهل السنة » إلا شيعة لعلي وللرسول صلى الله عليه وآله وسلمولكل ذلك لابد من كشف حقيقي لتلك المؤامرة الكبرى التي لعبت أخطر الأدوار في إقصاء السنة المحمدية ، وإبدالها ببدع جاهلية سببت نكسة المسلمين وارتدادهم عن الصراط المستقيم وتفرقهم واختلافهم ثم تكفير ومقاتلة بعضهم البعض ، الشيء الذي سبب تخلفهم العلمي والتقني مما أدى إلى احتلالهم وغزوهم ثم إذلالهم وتحقيرهم وتذويبهم .
( 26 )
وبعد هذا الاستعراض الوجيز للتعريف بالشيعة وبالسنة لابد من الملاحظة بأن اسم الشيعة لا يعني معارضة السنة كما يتوهم عامة الناس عندما يتباهون بقولهم : نحن أهل السنة ، ويقصدون بأن غيرهم ضد السنة ، فهذا لا يوافق عليه الشيعة أبداً ، بل إن الشيعة يعتقدون بأنهم وحدهم المتمسكين بسنة النبي الصحيحة لأنهم أتوها من بابها وهو علي بن أبي طالب ولا باب سواه وعلى رأيهم لا يمكن الوصول إلى الرسول إلا عن طريقه .
ونحن كالعادة في توخي الحياد للوصول إلى الحق لابد أن نتدرج بالقارئ العزيز ، ونستعرض معه بعض الأحداث التاريخية ونقدم إليه الدليل والبرهان على أن الشيعة هم أهل السنة كما جاء عنوان الكتاب .
ونترك له بعد ذلك حرية الاختيار والتعليق .
( 27 )
أول حادث فرق المسلمين إلى شيعة وسنة
ذلك هو الموقف الرهيب والخطير الذي وقفه عمر بن الخطاب وأكثر الصحابة تجاه أمر سول الله صلى الله عليه وآله وسلمعندما أراد أن يكتب لهم ذلك الكتاب الذي يعصم المسلمين من الضلالة
(1) .
وعارضوه بشدة وقساوة وعدم احترام لمقامه السامي حتى اتهموه بالهجر والهذيان ، مدعين بأن كتاب الله يكفيهم فلا حاجة لكتابة الرسول .
ومن خلال هذه الحادثة التي سماها ابن عباس رزية المسلمين يتبين لنا بأن الأكثرية من الصحابة يرفضون السنة النبوية ويقولون : « حسبنا كتاب الله ».
أما علي وأتباعه من الصحابة وهم الأقلية والذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيعة علي ، فكانوا يمتثلون أوامر الرسول بدون اعتراض ولا نقاش ويعتبرون كل أقواله وأفعاله سنة واجبة الاتباع تماما ككتاب الله ، ألم يقل كتاب الله :
«الذين آمنوا أطيعوا الله يا أيها وأطيعوا الرسول» ( النساء : 59 )
وسيرة عمر بن الخطاب معروفة عند كل المسلمين ومواقفه المعارضة للنبي في كل أدوار حياته مشهورة
(2) .
وبطبيعة الحال فإن عمر بن الخطاب كان يرى عدم التقيد بالسنة النبوية ، ويظهر ذلك جليا من خلال أحكامه عندما أصبح للمؤمنين فكان يجتهد
____________
(1) رزية يوم الخميس مشهورة في صحيح البخاري وصحيح مسلم .
(2) لقد وافينا البحث لمعارضة عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلمفي كتابنا « فاسألوا أهل الذكر » .
( 28 )
برأيه مقابل النصوص النبوية بل كان يجتهد برأيه مقابل النصوص الإلهية الجلية فيحرم ما أحل الله ويحلل ما حرم الله
(1) .
وبطبيعة الحال إن أنصاره ومؤيديه من الصحابة كانوا على شاكلته ، وإن محبيه والمعجبين به من السلف والخلف يقتدون به وببدعه الحسنة كما يسمونها .
وسيأتي خلال الأبحاث القادمة بأنهم يتركون سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلمويتبعون سنة عمر بن الخطاب .
____________
(1) كتحريمه سهم المؤلفة قلوبهم ومتعة الحج ومتعة النساء التي حلّلها الله وتحليله طلاق الثلاث بطلقة واحدة وقد حرّم الله ذلك.
( 29 )
الحادث الثاني في مخالفتهم للسنة النبوية
ذلك هو رفضهم الالتحاق بجيش أسامة الذي عبأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمبنفسه وأمرهم بالسير تحت قيادته ، يومين قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.
ووصل الأمر بهم إلى الطعن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلموانتقاده إذ ولى عليهم شابا صغيراً لا نبات بعارضيه عمره سبعة عشر عاماً .
وتخلف عن السير أبو بكر وعمر وبعض الصحابة ولم يلتحقوا بالجيش بدعوى إدارة أمر الخلافة رغم لعن الرسول لمن تخلف عن أسامة
(1) .
أما علي وأتباعه فلم يعينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفي الجيش وذلك لحسم الخلاف ، وليصفوا الجو ويخلو من أولئك المعاندين والمعارضين لأمر الله ، فلا يرجعوا من مؤتة إلا والأمر قد استتب لعلي كما يريده الله ورسوله في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
لكن دهاة العرب من القريشيين عرفوا ذلك منه ، فرفضوا الخروج من المدينة وتباطأوا حتى لحق الرسول بربه ، فأبرموا أمرهم كما خططوا له من قبل ، وأبعدوا ما أراده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو بعبارة أخرى رفضوا السنة النبوية .
وبهذا يتبين لنا ولكل باحث أن أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وأبا عبيدة عامر بن الجراح كانوا يرفضون السنة النبوية ويجتهدون بآرائهم جريا وراء المصالح الدنيوية ومن أجل الخلافة ولو كلفهم ذلك معصية الله ورسوله .
____________
(1) إقرأ كتاب الملل والنحل للشهرستاني قول النبي : لعن الله من تخلف عن جيش أسامة ج 1 ص 29 .
( 30 )
أما علي والصحابة الذين اتبعوه فكانوا يتقيدون بالسنة النبوية ويعملون على تنفيذها حرفياً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، وقد رأينا علياً ( ع ) في تلك المحنة كيف أنه تقيد بوصية النبي له على أن يقوم بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ومواراته في قبره ، فنفذ علي كل أوامره ولم يشغله عن ذلك شاغل ، ورغم علمه المسبق بأن الجماعة تسابقوا إلى السقيفة لاختيار أحدهم للخلافة ، وكان بإمكانه أن يسارع إليها هو الآخر ويفسد عليهم تخطيطهم ولكن احترامه للسنة النبوية والعمل على تطبيقها يحتم عليه البقاء بجانب ابن عمه ولو كلفه ذلك ضياع الخلافة .
ولابد لنا هنا من وقفة ولو قصيرة ، لنلاحظ الخلق العظيم الذي ورثه علي من المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
ففي حين يزهد علي في الخلافة من أجل تنفيذ السنة نرى الآخرين يرفضون السنة من أجل الخلافة .
( 31 )
الحادث الثالث الذي أبرز الشيعة في مقابل « أهل السنة »
ذلك هو الموقف الخطير الذي وقفه أغلب الصحابة في السقيفة ليخالفوا صراحة النصوص النبوية التي نصبت علياً للخلافة وقد حضروها كلهم يوم الغدير بعد حجة الوداع .
ورغم اختلاف المهاجرين والأنصار في أمر الخلافة إلا أنهم تصافقوا في الأخير على ترك النصوص النبوية وتقديم أبي بكر للخلافة ولو كلفهم ذلك زهق النفوس ، وشمروا على سواعدهم لقتل كل من تحدثه نفسه بمخالفتهم ولو كان من أقرب الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
(1) .
وهذا الحادث أبرز أيضاً أن الأغلبية الساحقة من الصحابة عاضدوا أبا بكر وعمر في رفض سنة نبيهم وإبدالها باجتهاداتهم ، فهم أنصار الاجتهاد .
كما أبرز في المقابل الأقلية من المسلمين الذين تمسكوا بالنصوص النبوية وتخلفوا عن البيعة لأبي بكر وهم علي وشيعته .
نعم ، لقد ظهر في المجتمع الإسلامي بعد الأحداث الثلاثة المذكورة ، هوية الفريقين أو الحزبين المتعارضين ، يعمل أحدهما على احترام السنة النبوية وتنفيذها ، ويعمل الثاني على دحض السنة النبوية وطمسها وإبدالها بالاجتهاد الذي يطمع الأكثرية ويمنيهم بالوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه .
____________
(1) وأكبر دليل على ذلك تهديد عمر بن الخطاب بحرق بيت فاطمة الزهراء بمن فيها ، والقصة مشهورة في كتب التاريخ .
( 32 )
برز على رأس الحزب الأول السني علي بن أبي طالب وشيعته ، وبرز على رأس الحزب الثاني الاجتهادي أبو بكر وعمر وأغلب الصحابة .
وعمل الحزب الثاني بقيادة أبي بكر وعمر على تحطيم وكسر شوكة الحزب الأول ودبروا لذلك عدة تدابير للقضاء على الحزب المعارض ، من ذلك :
أولاً : عزل المعارضة وشلها اقتصادياً
أول مبادرة بادر بها الحزب الحاكم هو إقصاء المعارضين عن كل موارد الرزق والمال ، وقد عمد أبو بكر وعمر على طرد فلاحي فاطمة من فدك
(1) واعتبرا تلك الأرض ملكاً للمسلمين ، وليست خالصة لفاطمة كما أقر بذلك أبوها صلى الله عليه وآله وسلم.
كما حرماها من ميراث أيها بدعوى أن الأنبياء لا يورثون ، وقطعا عنها سهم الخمس الذي كان رسول الله يخص به نفسه وأهل بيته لأن الصدقات محرمة عليهم .
وبذلك أصبح علي مشلولاً اقتصادياً فقد اغتصبت منه أرض فدك التي كانت تدر عليه أرباحاً هائلة ، وكذلك حرم من ميراث ابن عمه والذي هو حق من حقوق زوجته ، وقطع عنه سهم الخمس ، فأصبح علي وزوجته وأولاده في حاجة لمن يسد رمقهم ويكسو أجسامهم ، وهو بالضبط ما عبر عنه أبو بكر عندما قال للزهراء : نعم أنت لك الحق في الخمس ولكني سوف أعمل فيه عمل رسول الله ، فلا أتركك تجوعين ولا تعرين .
وكما قدمنا فإن الصحابة الذين تشيعوا لعلي أغلبهم من الموالي الذين لا ثراء لهم ، فلا يخشى الحزب الحاكم منهم ولا من تأثيرهم ، فالناس يميلون للغني ويحتقرون الفقير .
____________
(1) قصة فدك معروفة في كتب التاريخ ، وخصام الزهراء لأبي بكر حتى ماتت وهي غاضبة عليه مشهورة ذكرها البخاري ومسلم .
( 33 )
ثانياً : عزل المعارضة وشلها اجتماعياً
ولأجل اساقط الصف المعارض الذي يتزعمه علي بن أبي طالب فقد عمل الحزب الحاكم أيضاً على عزله اجتماعياً .
وأول شيء فعله أبو بكر وعمر هو تحطيم الحاجز النفسي والعاطفي الذي يحمل المسلمين كافة على احترام وتقدير قرابة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا كان علي هو ابن عم النبي وسيد العترة الطاهرة ، قد وجد له مبغضون ضمن الصحابة الذين كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، فضلاً عن المنافقين الذين كانوا يتربصون به .
فإن فاطمة هي وحيدة النبي التي بقيت بعده في أمته وهي أم أبيها كما كان يسميها الرسول صلى الله عليه وآله وسلموسيدة نساء العالمين فكل المسلمين يحترمونها ويتعظمونها للمكانة التي حظيت بها عند أبيها وللأحاديث التي قالها في فضائلها وشرفها وطهارتها .
ولكن أبا بكر وعمر عمدا إلى إسقاط هذا الاحترام والتقدير من نفوس الناس ، فجاء عمر بن الخطاب إلى بيت الزهراء وفي يده قبس من نار وطوق بيتها بالحطب وأقسم أن يحرقها بمن فيها إن لم يخرجوا لبيعة صاحبه .
يقول ابن عبد ربه في العقد الفريد
(1) :
« وأما على والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له : إن أبوا قاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟
قال : نعم أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة » .
فإذا كانت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين كما جاء في صحاح « أهل السنة والجماعة » ، وإذا كان ولداها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وريحانة
____________
(1) العقد الفريد لابن عبد ربه الجزء الرابع عند ذكر جماعة تخلفوا عن بيعة أبي بكر .
( 34 )
النبي في هذه الأمة يستهان بهم ويستصغر شأنهم حتى يقسم عمر أمام الملأ أن يحرق عليهم دارهم إن رفضوا البيعة لأبي بكر ، فهل يبقى بعد هذا في نفوس الآخرين شيء من الاحترام أو التقدير لعلي بن أبي طالب الذي يبغضه أكثرهم ويحسدونه وقد أصبح بعد وفاة النبي زعيم الصف المعارض وليس عنده من حطام الدنيا ما يرغب الناس فيه ؟
فهذا البخاري يحدث في صحيحه بأن فاطمة طالبت أبا بكر بميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولو يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر
(1) .
فقد نجح الحزب الحاكم نجاحاً كبيراً في عزل علي بن أبي طالب اقتصادياً واجتماعياً وأسقطه من أعين الناس ، فلم يبق له بينهم احترام ولا تقدير وخصوصاً بعد وفاة الزهراء ولذلك استنكر علي وجوه الناس فاضطر لمصالحة أبي بكر ومبايعته حسب ما يرويه البخاري ومسلم .
وتعبير البخاري كلمة « استنكر على وجوه الناس » يدلنا دلالة واضحة على مدى الحقد والبغض الذي كان يواجهه أبو الحسن ( سلام الله عليه ) بعد وفاة ابن عمه وزوجته ، ولعل بعض الصحابة كان إذا مشى بينهم يسبونه ويشتمونه ويستهزئون به ، ولذلك استنكر وجوههم للمنكر الذي رآه .
ولا نقصد من هذا الفصل سرد التاريخ ومظلومية علي بقدر ما نريد إظهار الحقيقة المرة والمؤلمة ، ألا وهي أن حامل لواء السنة النبوية وباب علم الرسول أصبح متروكاً ، وفي المقابل أصبح أنصار الاجتهاد بالرأي الذين يرفضون السنة النبوية هم الحاكمون والمؤيدون أغلب الصحابة .
____________
(1) صحيح البخاري ج 5 ، ص 82 باب غزوة خيبر ، صحيح مسلم كتاب الجهاد .
( 35 )
ثالثاً : عزل المعارضة سياسياً
رغم الحصار الشديد ومصادرة الحقوق المالية وعزلهم عن المجتمع الإسلامي حتى تحولت وجوه الناس عن علي بن أبي طالب كما مر علينا ، فإن الحزب الحاكم لم يكتف بكل ذلك حتى عمد إلى عزله سياسياً وإبعاده عن كل أجهزة الدولة وعدم إشراكه في أي منصب حكومي أو إسناده أي مسؤولية . وبالرغم من تعيينهم الولاة من الطلقاء ومن فساق بني أمية الذين حاربوا الإسلام طوال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بقي الإمام علي بعيداً عن مسرح الحياة السياسية طيلة ربع قرن حياة أبي بكر وعمر وعثمان . وفي حين كان بعض الصحابة الولاة يجمع الأموال ويكنز الذهب والفضة على حساب المسلمين ، كان علي بن أبي طالب يسقي نخيل اليهود كي يحصل على قوته بكد يمينه وعرق جبينه .
وهكذا بقي باب العلم ، حبر الأمة وحامل السنة حبيس داره ولا يعرف قدره إلا بعض المستضعفين الذين كانوا يعدون على الأصابع فكانوا يتشيعون له ويهتدون بهديه ويتمسكون بحبله .
وقد حاول الإمام علي زمن خلافته إرجاع الناس إلى القرآن والسنة النبوية بدون جدوى إذ أنهم تعصبوا لاجتهاد عمر بن الخطاب وصاح أكثرهم في المسجد : واسنه عمراه .
ونستنتج من كل هذا بأن عليا وشيعته تمسكوا بالسنة النبوية وعملوا على إحيائها ولم يحيدوا عنها أبداً بينما اتبعت بقية الأمة بدع أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وسموها بـ « البدع الحسنة »
(1) .
وهذا ليس من الادعاء بل هي الحقيقة التي أجمع عليها المسلمون وسجلوها في صحاحهم وعرفها كل باحث ومنصف .
فقد كان الإمام علي يحفظ القرآن ويعرف كل أحكامه وهو أول من جمعه
____________
(1) صحيح البخاري ج 2 ، ص 252 باب صلاة التراويح وكذلك ج 7 ص 98 .
( 36 )
بشهادة البخاري نفسه .
في حين لم يكن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان يحفظونه ولا يعرفون أحكامه
(1) .
وقد أحصى المؤرخون على عمر قوله سبعين مرة : لولا علي لهلك عمر ، وقول أبي بكر : لا عشت في زمن لست فيه يا أبا الحسن … أما عثمان فحدث ولا حرج .
____________
(1) جهل عمر بحكم الكلالة مشهور في كتب السنة ، وكذلك جهله بأحكام التيمم معلوم لدى الجميع ، ذكره البخاري في صحيحه ج 1 ص 90 .
( 37 )
السنة النبوية بين الحقائق والأوهام
إذا كان عمر بن الخطاب المعدود عند « أهل السنة والجماعة » من الملهمين ومن أعلم الصحابة ، إذا لم يكن أعلمهم على الإطلاق للرواية التي أخرجوها في صحاحهم أن النبي أعطاه فضل شرابه وتأول ذلك بالعلم ، يشهد على نفسه بأنه يجهل الكثير من السنة النبوية وقد شغل عنها بالتجارة في الأسواق .
فهذا البخاري يروي في صحيحه في باب الحجة على من قال : إن أحكام النبي كانت ظاهرة وما كان بعضهم يغيب عن مشاهدة النبي وأمور الإسلام ، قال :
استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولاً فرجع ، فقال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له فدعي له فقال : ما حملك على ما صنعت ؟
فقال : إنا كنا نؤمر بهذا ، فقال عمر : فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك ، فانطلق إلى مجلس الأنصار فقالوا : لا يشهد إلا أصاغرنا ، فقام أبو سعيد الخدري فقال : قد كنا نؤمر بهذا فقال عمر : خفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألهاني الصفق بالأسواق .
____________
(1) صحيح البخاري ج8 ص157 من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة صحيح مسلم ج6 ص179 في باب الاستئذان من كتاب الآداب.
( 38 )
تعليق : في هذه القصة طرائف لابد من ذكرها
* أولاً : إن قضية الاستئذان معروفة في الإسلام وهي سنة نبوية يعرفها الخاص والعام وقد كان الناس يستأذنون للدخول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذه من آداب الإسلام ومفاخره .
وتفيد هذه الرواية بأن عمر بن الخطاب كان له حراس وشرطة تمنع الناس من الدخول عليه إلا بالإستئذان ، فقد استأن عليه أبو موسى ثلاث مرات ولم يأذن له فرجع ولكن أنصاره وأتباعه من بني أمية وكأنهم أرادوا تفضيله وتقديمه على النبي فقالوا بأنه كان ينام على حافة الطريق بدون حرس حتى قيل فيه : عدلت فنمت .
وكأنهم يقولون بأنه اعدل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن النبي كان عنده حراسة ، وإلا لماذا يقال : مات العدل مع عمر ؟ !
* ثانياً : تفيدنا هذه الرواية على مدى الغلظة والشدة التي كان يعرف بها عمر بن الخطاب وكيف كان يعامل المسلمين بدون مبرر لذلك .
فهذا أبو موسى الأشعري وهو من أكابر الصحابة يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الاستئذان ، فيقول له عمر : والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا
(1) .
فهناك مبرر لإهانة أبي موسى وتكذيبه أمام الناس وتهديده بالضرب الموجع لمجرد رواية رواها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى قال أبي بن كعب ـ بعدما شهد بصحة الحديث ـ : يا أبن الخطاب لا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله
(2) .
أما أنا فلا أرى من مبرر غير استبداد عمر برأيه في أكثر الأمور ، وإذا ما عارضوه بكتاب الله أو بسنة النبي فتراه يغضب ويهدد ، الشيء الذي جعل كثيراً من الصحابة يكتمون الحق وهم يعلمون كما وقع ذلك لعمار بن ياسر عندما
____________
(1) صحيح مسلم ج 6 ص 179 كتاب الآداب ، باب الاستئذان .
(2) المصدر نفسه .
( 39 )
جابه عمر بالسنة النبوية في قضية التيمم ، ولما هدده عمر قال عمار : إن شئت لم أحدث به
(1) .
والشواهد كثيرة على منع عمر الصحابة من نقل الأحاديث النبوية وذلك من عهد أبي بكر وبالأخص في أيام خلافته التي امتدت أكثر من عشر سنوات أحرق خلالها كل ما جمع من الأحاديث النبوية ومنع الصحابة من نقلها وحبس بعضهم من أجلها
(1) .
وقد فعل ذلك من قبله أبو بكر كما فعل ذلك عثمان من بعده .
فكيف يقال لنا بأن الخلفاء كانوا يعملون كلهم بالسنة النبوية في حين أن السنة النبوية لم تلق منهم إلا الحرق والمنع والتعتيم ؟ !
* ثالثا : تفيدنا هذه الرواية بأن عمر بن الخطاب كان كثيراً ما يتغيب عن مجالسة النبي والاستماع لأحاديثه ويشتغل عنه بالتجارة في الأسواق .
ولذلك غابت عنه أكثر الأحاديث النبوية التي عرفها الخاص والعام من الصحابة حتى صبيانهم ، يشهد على ذلك قول الأنصار عندما فزع إليهم أبو موسى من تهديد عمر ، قالوا : فو الله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا ، فقام أبو سعيد الخدري ، وكان أصغر القوم ، فشهد أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحدث بذلك.
وهذا في حد ذاته توهين لشأن عمر الذي اعتلى منصة الخلافة وهو لا يعرف من السنة النبوية أبسط الأمور التي عرفها أصغر القوم سنا ، واين هو من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول : « إذا تولى وال أمر رعية وهو يعلم أن فيهم من هو أعلم منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين » .
وأنى لعمر بن الخطاب أن يصغي قلبه لمثل هذه الأحاديث النبوية التي رفضها في حياة النبي ولم يقنع بها وجعل لنفسه حق الاجتهاد في مقابلها .
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 193 باب التيمم وكذلك صحيح البخاري .
( 40 )
بقي أن نعترف لأبي حفص باعترافه بالجهل عندما يواجه من قبل بعض الصحابة بالحجة والدليل ، فيقول مرة : كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال ، ومرة يقول : لولا علي لهلك عمر ، وأخرى يقول : لقد أهالني عن أحاديث النبي الصفق بالأسواق .
وإذا كان عمر يتلهى عن السنة النبوية بالصفق في الأسواق فإنه عن القرآن أكثر لهواً ، فقد اختلف مرة مع أبي بن كعب وهو من أشهر الحفاظ وأنكر عليه قراءته وقال بأنه لم يسمع بها من قبل ، فقال له أبي : يا عمر إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق
(1) .
فشغله بالتجارة ولهوه بالصفق في الأسواق يعرفه الخاص والعام وليس هو بالأمر الخفي عن الصحابة وخصوصاً منهم العارفين بكاب الله وسنة رسوله .
لذلك اعتقد بأنه كان يعيش عقدة نفسية كبيرة ، وهي عقدة الجهل المركب، إذ يرى أصغر المسلمين يعرف ما لا يعرف هو ويحفظ ما لا يحفظ هو، ويرى إلى جانبه عليا وهو شاب لم يبلغ الثلاثين يصوب رأيه بما حفظه من الكتاب والسنة وبمحضر من الصحابة ، حتى يضطر للقول : « لولا علي لهلك عمر » .
ويرى أمرأة تقوم في آخر المسجد فتعترض عليه وهو فوق المنبر وتحاججه بكتاب الله في قضية مهور النساء على مشهد ومسمع من كل المصلين ، فيقول عند ذلك : كل الناس أفقه منك يا عمر حتى ربات الحجال .
وفي الحقيقة لم يكن ذلك قناعة منه بقدر ما هو تغطية على جهله وكسب الموقف لصالحه ليقول الناس عنه بأنه متواضع كما نسمع اليوم الكثير من الناس يرددون ذلك .
ومن أجل هذه العقدة عمل عمر على محق السنة النبوية ما استطاع لذلك سبيلاً ، واجتهد برأيه معارضاً للكتاب والسنة ، والشواهد على ذلك كثيرة جداً
(2) .
____________
(1) تاريخ ابن عساكر ج 2 ص 228 وروى مثل هذا الحاكم في مستدركه وأبو داود في سننه وابن الأثير في جامع الأصول .
(2) ذكرت بعضها في كتاب ( مع الصادقين ) وكتاب ( فاسألوا أهل الذكر ) .
( 41 )
والمتتبع لسيرة عمر يكتشف بأنه لم يعش مع النبي بعد إسلامه إلا نصف عمر الرسالة أو أقل من ذلك بكثير .
فها هو يحدث عن نفسه في هذا الصدد فيقول :
« كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً ، فإذا نزلت جئته يخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك
(1) .
فقوله : كنا نتناوب النزول على رسول الله ينزل يوماً وأنزل يوماً ، فيه دلالة واضحة على أنه كان بعيد المسكن عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك قسم عمر حياته إلى يومين يوم ينزل لرؤية النبي ، ويوم لا ينزل ولا يكلف نفسه عناء النزول لبعد المسافة .
أو أن المسافة لم تكن بعيدة ولكنه ينزل إلى الأسواق ويشتغل فيها بالصفق والتجارة .
وإذا أضفنا هذا إلى قوله : « ألهاني الصفق بالأسواق عن أحاديث النبي » في قضية أبي موسى الأشعري المتقدم ذكرها ثم أردفنا بقول أبي بن كعب له : « يا عمر إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق » ، كما مر علينا ، تأكدنا بأنه لم يقض وقتا طويلاً مع صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم .
ولعله كان يغيب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى في المناسبات الكبرى التي يجتمع فيها المسلمون كافة كيوم عيد الفطر وعيد الأضحى ، ولذلك نراه يسأل بعض الصحابة الذين لم تشغلهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يسألهم عما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عيد الفطر وعيد الأضحى .
فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين ، عن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا وافد الليثي ، ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأضحى والفطر فقال : كان يقرأ فيهما بـ
«ق والقرآن المجيد» و
«اقتربت الساعة وانشق القمر» .
____________
(1) صحيح البخاري ج 1 ص 31 من كتاب العلم باب التناوب في العلم .
(2) صحيح مسلم ج 3 ، ص 61 كتاب الصلاة باب ما يقرأ به في صلاة العيدين .
( 42 )
وعن أبي واقد الليثي أنه قال : سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم العيد فقلت : بـ
«اقتربت الساعة» و
«ق والقرآن المجيد» (1) .
فشهادة عبيد الله وأبو واقد الليثي على عمر بأنه لم يكن يعرف قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العيدين ، إذا أضفنا إليها شهادة أبي بن كعب وشهادته هو على نفسه بأنه كان يشغله عن القرآن والسنة الصفق بالأسواق عرفنا الأسرار والألغاز التي بقيت حتى الآن محيرة للعلماء كفتواه بترك الصلاة للمجنب الذي لا يجد الماء وجهله بأحكام التيمم التي جاء بها القرآن والسنة ، وكحكمه في الكلالة التي قضى فيها بعدة أحكام متناقضة ، رغم نزولها في كتاب الله ورغم ما جاء فيها من التفصيل والبيان في السنة النبوية فإن عمر لم يفهمها إلى أن فارق الحياة
(2) .
ولو وقف عمر عند حده وحاول التعلم للقضاء على جهله لكان خيرا له وللمسلمين ، ولكنه أخذته العزة بالإثم فراح يحرم ما أحل الله ورسوله كمتعة الحج ومتعة النساء وسهم المؤلفة قلوبهم ، ويحلل ما حرم الله ورسوله كإمضائه الطلاق الثلاث والتجسس على المسلمين وغير ذلك
(3) .
ومن أجل ذلك عمل هو وصاحبه أبو بكر من أول يوم على منع أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنع تدوينها وكتابتها حتى وصل الأمر بهما إلى حرق كل ما جمعه الصحابة من الأحاديث والسنن النبوية ، أولا لطمس حقائق علي وأهل البيت التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وثانيا لكي لا يجدوا في النصوص النبوية معارضة للسياسة التي تبنوها والأحكام التي اجتهدوا بها بآرائهم وثالثاً لأن عمر بن الخطاب ما كان يعرف من سنة النبي إلا القليل .
فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس أن عمر بن
____________
(1) صحيح مسلم ج 3 ص 61 كتاب الصلاة باب ما يقرأ به في صلاة العيدين .
(2) أخرج البيهقي في سننه أن عمر سأل النبي عن ميراث الجد مع الاخوة ، فقال له النبي : ما سؤالك عن هذا يا عمر ؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلمه ، قال سعيد بن المسيب : فمات عمر قبل أن يعلمه .
(3) إقرأ كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوي .
( 43 )
الخطاب تحير في حكم الشك في الصلاة ، فقال له : يا غلام هل سمعت من رسول الله أو من أحد أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع
(1) ؟
عجبت والله أمر عمر بن الخطاب خليفة المسلمين لا يعرف كيف يرقع صلاته فيسأل عن ذلك صبيان الصحابة وهو أمر يعرفه عامة المسلمين والأميون منهم حتى في يومنا الحاضر والأعجب من ذلك قول « أهل السنة والجماعة » بأن عمر كان أعلم الصحابة فإذا كان أعلمهم على هذا النمط فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر .
نعم تبقى فقط بعض المعارضة الطفيفة التي لاتغير من أحكامهم واجتهاداتهم شيئاً ولا تهدد مصالح الخلافة ، كقضية استئذان أبي موسى أو استدلال أبي بن كعب بقراءة لا يعرفها عمر ، عند ذلك يفتخر عمر بالرجوع إلى الاعتراف وهو فضيلة فيقول : لقد ألهاني عن ذلك الصفق بالأسواق .
فأين هذا من قول علي بن أبي طالب الذي يقول :
« كان لي مدخل خاص على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل يوم مرتين مرة في الصباح وأخرى في المساء » ؟
فهذه المجالس كانت خاصة بعلي في كل صباح ومساء أضف إلى ذلك حضوره دائماً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجالسه العامة .
فكان علي أقرب الناس للنبي وأشدهم لصوقا به وأخصهم لديه من يوم ولادته ، فقد تربى في حجره حتى شب فكان يتبعه اتباع الفصيل إثر أمه في كل مكان ، وفي غار حراء عند نزول الوحي عليه وقد رضع حليب الرسالة وترعرع على معارف السنة النبوية من أول مهدها .
فمن أولى بالسنة منه ، وهل لأحد غيره أن يدعيها لو أنصف المنصفون ورجع إلى الحق المعاندون ؟
وهذا أكبر دليل على أنه ( سلام الله عليه ) وشيعته الذين اتبعوه هم رمز السنة المحمدية
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 1 ص 190 .
( 44 )
وأعلامها . أما غيرهم ممن لم يهتدوا بهديه ويسيروا على دربه فهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية ، ولو أنهم سموا أنفسهم « بأهل السنة » غفلة وتقليداً .
وسنبين ذلك بنحو أكثر وضوحاً في ما يأتي من أبحاث في مضمون هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً» ( الأحزاب : 70 ـ 71 ) .
( 45 )
أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية
أيها القاريء العزيز ، لا يستفزك هذا العنوان ، فأنت بحمد الله تمشي على طريق الحق لتصل في النهاية إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى . فلا تدع وساوس الشيطان ، ولا الغرور بالنفس ، ولا التعصب المقيت يستولي عليك ويصدك عن الوصول إلى الهدف المنشود والحق المفقود وجنة الخلود .
وكما قدمنا في ما سبق بأن المتسمين « بأهل السنة والجماعة » هم القائلون بخلافة الخلفاء الراشدين الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . هذا ما يعرفه الناس اليوم .
ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن علي بن أبي طالب لم يكن معدوداً عند «أهل السنة» من الخلفاء الراشدين ، لا ولم يعترفوا حتى بشرعية خلافته .
وإنما ألحق علي بالخلفاء الثلاثة في زمن متأخر جداً ، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين للهجرة في زمن أحمد بن حنبل .
أما الصحابة من غير الشيعة والخلفاء والملوك والأمراء الذين حكموا المسلمين من عهد أبي بكر وحتى عهد الخليفة العباسي محمد بن الرشيد المعتصم ، لم يكونوا يعترفون بخلافة علي بن أبي طالب أبداً ، بل منهم من كان يلعنه ولا يعتبره حتى من المسلمين وإلا كيف يجوز لهم سبه ولعنه على المنابر ؟ وقد عرفنا سياسة أبي بكر وعمر في إقصائه وعزله كما قدمنا ، ثم جاء عثمان بعدهما فأمعن في احتقاره أكثر من صاحبيه والتقليل من شأنه حتى هدده مرة بالنفي كما نفى أبا ذر الغفاري . ولما ولي معاوية أمعن في سبه ولعنه وحمل
( 46 )
الناس على ذلك فدأب حكام بني أمية على ذلك في كل مدينة وقرية ودام ذلك ثمانين عاماً
(1) .
بل وتواصل ذلك اللعن والطعن والبراءة منه ومن شيعته أكثر من ذلك بكثير ، فهذا المتوكل الخليفة العباسي يصل به الحقد إلى نبش قبر علي وقبر الحسين بن علي وذلك سنة أربعين ومائتين للهجرة .
وهذا الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين في عهده ، يخطب الناس يوم الجمعة فيقول لهم من فوق المنبر : « إن الحديث الذي روي عن رسول الله أنت مني بمنزلة هارون من موسى صحيح ولكنه محرف لأن رسول الله قال له : أنت مني بمنزلة قارون من موسى » فاشتبه على السامع
(29 .
ولما كان عهد المعتصم الذي كثر فيه الزنادقة والملحدون والمتكلمون وولى عهد الخلافة الراشدة واشتغل الناس بمشاكل هامشية وكانت محنة أحمد بن حنبل في قوله بقدم القرآن وأصبح الناس يدينون بدين ملوكهم وبأن القرآن مخلوق .
ولما تراجع أحمد بن حنبل عن قوله الأول خوفاً من المعتصم وخرج من محنته واشتهر بعد ذلك ولمع نجمه في عهد المتوكل بين أهل الحديث
(3) عند ذلك ألحق علي بن أبي طالب بالخلفاء الثلاثة .
ولعل أحمد بن حنبل بهرته الأحاديث الصحيحة الواردة في فضائل علي والتي ظهرت رغم أنف الحكام ، فهو القائل : « لم يرد في أحد من الناس من الفضائل بالأحاديث الحسان مثل ما ورد في علي بن أبي طالب » .
عند ذلك ربع بخلافته واعتبرها صحيحة بعد ما كانت عندهم منكورة .
الدليل على ذلك :
جاء في طبقات الحنابلة ـ وهو الكتاب الصحيح والمشهور عندهم ـ : عن ابن أبي يعلى بالإسناد عن وديزة الحمصي قال :
____________
(1) كلهم باستثناء عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) .
(2) تاريخ بغداد ج 8 ص 266 .
(3) أهل الحديث هم أنفسهم أهل السنة والجماعة .
( 47 )
دخلت على أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي ( رضي الله عنه )
(1) فقلت له : يا أبا عبد الله إن هذا الطعن على طلحة و الزبير فقال : بئسما قلت ، وما نحن وحرب الجمل وذكرها ؟ أصلحك الله إنما ذكرناها حين ربعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمة قبله !
فقال لي : وما يمنعني من ذلك ؟ ! قلت : حديث ابن عمر فقال لي : عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى ، وعلي قد سمى نفسه أمير المؤمنين ، فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير ؟ ! قال : فانصرفت عنه
(2) .
ومن هذه القصة يتبين لنا بأن « أهل السنة » لم يقبلوا بخلافة علي ويقولوا بصحتها إلا بعد أحمد بن حنبل بكثير كما لا يخفى .
ويظهر جليا من هذا المحدث أنه زعيم « أهل السنة والجماعة » ومتكلمهم ، لأنهم يرفضون خلافة علي محتجين على ذلك بحديث عبد الله بن عمر ـ ففيه أهل السنة ـ والذي أخرجه البخاري في صحيحه وبما أنهم يقولون بأن البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله ، فكان لزاماً عليهم رفض خلافة علي وعدم الاعتراف بها .
وقد ذكرنا هذا الحديث في كتاب « فاسألوا أهل الذكر » ولا بأس بإعاته لتعميم الفائدة ، فإن في الإعادة إفادة . أخرج البخاري في صحيحة عن عبد الله ابن عمر ، قال : « كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنخير أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ( رضي الله عنهم )
(3) .
كما أخرج البخاري في صحيحه حديثا آخر لابن عمر أكثر صراحة من الأول إذ قال عبد الله بن عمر :
____________
(1) أنظر إلى هذا الحديث رغم أنه لا يسب عليا ولا يلعنه بل يقول : ( رضي الله عنه ) ولكنه لا يقبل بأ، يكون علي معدوداً من الخلفاء وينكر ذلك على أحمد بن حنبل ، وقوله : إنما ذكرناها يدل على أنه يتكلم باسم الجماعة وهم أهل السنة الذين بعثوه إلى أحمد بن حنبل منكرين عليه .
(2) كتاب طبقات الحنابلة ج 1 ص 292 .
(3) صحيح البخاري ج 4 ص 191 كتاب بدء الخلق ، باب فضل أبي بكر بعد النبي .
( 48 )
« كنا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نفاضل بينهم »
(1) .
ومن أجل هذا الحديث الذي ليس لرسول الله فيه رأي ولا عمل ، إنما هو من خيال عبد الله بن عمر وآرائه الفاسدة وحقده وبغضه المعروف لعلي ، بنى « أهل السنة والجماعة » مذهبهم على عدم الاعتراف بخلافة علي .
وبأمثال هذه الأحاديث استباح بنو أمية سب علي ولعنه وشتمه وانتقاصه ، ودأب الحكام من عهد معاوية إلى أيام مروان بن محمد بن مروان سنة 132 للهجرة يلعنون علياً على المنابر ويقتلون من تشيع له أو من أنكر عليهم ذلك»
(2) .
ثم قامت دولة العباسيين من عهد العباس السفاح سنة 132 للهجرة وإلى عهد المتوكل سنة 247 للهجرة ، تواصلت خلالها البراءة من علي ومن تشيع له بأساليب مختلفة ومتعددة حسب الظروف والملابسات لأن دولة العباسيين قامت على أنقاض أهل البيت والمتشيعين لهم ، فكان الحكام لا يجهرون بلعن علي عندما تقتضي مصلحة الدولة ولكنهم يعملون في الخفاء أكثر من عمل الأمويين وقد استفادوا من التجربة التاريخية التي أبرزت مظلومية أهل البيت وشيعتهم وعطف الناس عليهم ، فعمل الحكام بدهاء لكسب الموقف لصالحهم وتقربوا إلى أئمة أهل البيت لا حباً فيهم ولا اعترافاً بحقهم وإنما لاحتواء الثورات الشعبية التي تقوم في أطراف الدولة وتهدد كيانها ، ذلك ما فعله المأمون بن هارون الرشيد مع الإمام علي بن موسى الرضا ، أما إذا سطرت الدولة وقضت على الثورات الداخلية فإنها تمعن في إهانة الأئمة وشيعتهم كما فعل المتوكل الخليفة العباسي الذي اشتهر ببغض علي وشتمه حتى نبش قبره وقبر الحسين .
ولكل ذلك قلنا بأن « أهل السنة والجماعة » لم يقبلوا بخلافة علي إلا بعد زمن أحمد بن حنبل بكثير .
____________
(1) صحيح البخاري ج 4 ص 203 باب مناقب عثمان بن عفان من كتاب بدء الخلق .
(2) باستثناء سنتين تولى خلالهما عمر بن عبد العزيز فأبطل اللعن ، ولكن بعد قتله عادوا إلى اللعن وإلى أكثر من اللعن حتى نبشوا قبره وحرموا أن يتسمى أحد باسمه .
( 49 )
صحيح أن أحمد بن حنبل هو أول من قال بها ، ولكنه لم يقنع بها أهل الحديث كما قدمنا ، لاقتدائهم بعبد الله بن عمر .
فلابد لذلك من وقت طويل حتى يقتنع الناس ويقبلوا الفكرة التي ظهر بها أحمد بن حنبل ، والتي قد يظهر الحنابلة بمظهر المنصفين والمتقربين لأهل البيت فتميزهم عن المذاهب السنية الأخرى من المالكية والحنفية والشافعية والذين كانوا يتنافسون لكسب المؤيدين . فلابد إذا من قبول الفكرة وتبنيها .
وبمرور الزمن قال « أهل السنة والجماعة » كلهم بمقولة أحمد بن حنبل وقبلوا بتربيع الخلافة بعلي وأوجبوا له ما أوجبوه للخلفاء الثلاثة من الاحترام والترضي .
أليس هذا أكبر دليل على أن « أهل السنة والجماعة » كانوا من النواصب الذين يبغضون علياً ويعملون على انتقاصه وإسقاطه » .
ولقائل أن يقول : كيف يصح ذلك ونحن نرى اليوم « أهل السنة والجماعة» يحبون الإمام علياً ويترضون عنه ؟
فنقول نعم ، لما قدم العهد ومات الأئمة من أهل البيت ولم يعد هناك ما يخيف الحكام ويهدد ملكهم ، وتلاشت هيبة الخلافة الإسلامية واستولى عليها المماليك والمغول والتتار ، وضعف الدين وأصبح أكثر المسلمين يشغلهم الفن والطرب واللهو والمجون والخمر والجواري ، وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وأصبح المعروف عندهم منكراً والمنكر عندهم معروفاً وعم الفساد البر والبحر ، عند ذلك بكى المسلمون على أسلافهم وتغنوا بأمجادهم وتذاكروا أيامهم فسموها بالعصور الذهبية وبما أن أفضل العصور عندهم هو عصر الصحابة فهم الذين فتحوا الأمصار ووسعوا المملكة الإسلامية شرقا وغربا ودان لهم الأكاسرة والقياصرة فترضوا على الصحابة جميعاً بما فيهم علي بن أبي طالب ، وإذا كان « أهل السنة والجماعة » يقولون بعدالتهم جميعاً فلا يمكنهم عند ذلك أن يخرجوا علياً من بين الصحابة .
ولو قالوا بإخراجه لافتضحوا وكشف أمرهم عند كل عاقل وباحث ، فموهوا
( 50 )
على العامة بأنه رابع الخلفاء الراشدين وهو باب مدينة العلم رضي الله عنه وكرم الله وجهه .
ونحن نقول لهم : فلماذا لا تقلدوه في أمور دينكم ودنياكم إن كان اعتقادكم فيه صحيحاً بأنه باب مدينة العلم ؟
لماذا تركتم الباب عمداً وقلدتم أبا حنيفة ومالكاً ، والشافعي وابن حنبل وابن تيمية ، الذين لا يدانوه في علم ولا عمل ولا فضل ولا شرف ، فأين الثرى من الثريا وأين السيف من المنجل وأين معاوية من علي لو كنتم تعقلون؟
هذا بقطع النظر عن كل النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي توجب على كل المسلمين اتباع الإمام علي من بعده والاقتداء به ، ولقائل من « أهل السنة » أن يقول : إن فضل علي وسابقته وجهاده في سبيل الإسلام وعلمه الغزير وشرفه العظيم وزهده الكبير يعرفه الناس جميعاً ، بل إن أهل السنة يعرفون علياً ويحبونه أكثر من الشيعة ( هذا ما يردده الكثير منهم اليوم ) .
فنقول هؤلاء : أين كنتم
(1) وأين كان أسلافكم وعلماؤكم عندما كان علي يلعن على المنابر مئات السنين ؟ فلم نسمع ولم يحدثنا التاريخ أن أحداً منهم أنكر ذلك أو منع من ذلك أو قتل من أجل ولائه وحبه لعلي ، فلا ولن نجد من علماء أهل السنة من فعل ذلك بل كانوا مقربين للسلاطين والأمراء والولاة لما اعطوهم من البيعة والرضا وأفتوا لهم بقتل الرافضة الذين يوالون علياً وذريته ، وهؤلاء موجودون حتى في عصرنا الحاضر .
لقد دأب النصارى على معاداة اليهود غير القرون واعتبروهم مجرمين وحملوهم مسؤولية قتل السيد المسيح عيسى بن مريم ، ولكن لما ضعف أمر النصارى وتلاشت أمور العقيدة عندهم واعتنق أكثرهم مذهب الإلحاد وأصحبت الكنيسة في سلة المهملات للموقف المعادي الذي وقفته ضد العلم والعلماء ،
____________
(1) لقد تعمدت القول : أين كنتم ، وأقصد بها المعاصرين من « أهل السنة والجماعة » اليوم ، فإنهم يقرأون في صحيح مسلم بأن معاوية كان يسب علياً ويأمر الصحابة بذلك ، فلا ينكرون ، بل إليهم يترضون على سيدهم معاوية كاتب الوحي عندهم ، فدل ذلك على أن حبهم لعلي حب مزيف حال عن كل اعتبار .
( 51 )
وفي المقابل قوي أمر اليهود واستفحل واستشرى حتى احتلوا الأراضي العربية والإسلامية بالقوة ، وامتد نفوذهم في الشرق والغرب وأقاموا دولة إسرائيل ، عند ذلك اجتمع البابا يوحنا بولس الثاني مع أحبار اليهود وبرأهم من جريمة قتل المسيح .
« فالناس ناس والزمان زمان » .
( 52 )
« أهل السنة » ومحق السنة
نريد في هذا الفصل توضيح شيء مهم لا غنى للباحث أن يتعمق فيه ، ليكشف بدون لبس بأن الذين يتسمون « بأهل السنة » ليس لهم في الحقيقة من سنة النبي شيء يذكر .
وذلك لأنهم ، أو بالأحرى لأن أسلافهم من الصحابة والخلفاء الراشدين عندهم الذين يقتدون بهم ويتقربون إلى الله بحبهم وولائهم قد وفقوا من السنة النبوية موقفاً سلبياً إلى درجة أنهم أحرقوها ومنعوا من كتابتها والتحدث بها
(1) .
وإضافة لما سبق توضحيه ، لابد لنا من كشف الستار عن تلك المؤامرة الخسيسة التي حبكت ضد السنة النبوية المطهرة لمنع انتشارها والقضاء عليها في المهد ، وإبدالها ببدع الحكام واجتهاداتهم وآراء الصحابة وتأويلاتهم .
وقد عمل الحكام الأولون :
أولاً : على وضع الأحاديث المكذوبة التي تؤيد مذهبهم في منع الكتاب لعموم السنة النبوية والأحاديث الشريفة .
فها هو الإمام مسلم يخرج في صحيحه ، عن هداب بن خالد الأزدي عن همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
____________
(1) يراجع في هذا الصدد كتاب « فاسألوا أهل الذكر » من صفحة 200 وما بعدها .
( 53 )
« لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عني ولا حرج … »
(1) .
والغرض من وضع هذا الكتاب هو تبرير ما فعله أبو بكر وعمر تجاه الأحاديث النبوية التي كتبها بعض الصحابة ودونوها ، وقد وضع هذا الحديث في زمن متأخر عن الخلفاء الراشدين ، وغفل الوضاعون الكاذبون عن الأمور التالية :
أ : لو قال هذا الحديث صاحب الرسالة لامتثل أمره الصحابة الذين كتبوا عنه ولمحوه قبل أن يتولى أبو بكر وعمر حرقها بعد سنوات عديدة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ب : لو كان هذا الحديث صحيحاً لاستدل به أبو بكر أولا ، ثم عمر ثانيا ، لتبرير منعهما كتابة الأحاديث ومحوها ، ولاعتذر أولئك الصحابة الذين كتبوها إما جهلاً وإما نسياناً .
ت : لو كان هذا الحديث صحيحاً لوجب على أبي بكر وعلى عمر أن يمحوا الأحاديث محواً لا يحرقاها حرقاً .
ث : لو صح هذا الحديث فالمسلمون من عهد عمر بن عبد العزيز الى يوم الناس هذا كلهم آثمون لأنهم خالفوا نهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى رأسهم عمر بن عبد العزيز الذي أمر العلماء في عهده بتدوين الأحاديث وكتابتها ، والبخاري ومسلم اللذان يصححان هذا الحديث ثم بعصيانه ويكتبان ألوف الأحاديث عن النبي .
ج : وأخيراً لو صح هذا الحديث لما غاب عن باب مدينة العلم علي بن أبي طالب الذي جمع أحاديث النبي في صحيفة طولها سبعون ذراعاً ويسميها الجامعة ( وسيأتي الكلام عنها لاحقاً بحول الله ) .
ثانياً : عمل الحكام الأمويون على التأكيد بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير معصوم عن الخطأ وهو كغيره من البشر الذين يخطئون ويصيبون ، ويروون في
____________
(1) صحيح مسلم ج 8 ، ص 229 كتاب الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم .
( 54 )
ذلك عدة أحاديث . والغرض من وضع تلك الأحاديث هو التأكيد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجتهد برأيه فكان كثراً ما يخطئ مما حدا ببعض الصحابة أن يصوب رأيه ، كما جاء ذلك في قضية تأبير النخل ونزول آية الحجاب ، والاستغفار للمنافقين ، وقبول الفدية من اسرى بدر ، وغير ذلك مما يدعيه « أهل السنة والجماعة » في صحاحهم وما يعتقدونه في صاحب الرسالة ( عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام ) .
ونحن نقول لأهل السنة والجماعة :
إذا كان هذا هو ديدنكم وهذا هو اعتقادكم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف تدعون التمسك بسنته ، وسنته عندكم وعند أسلافكم غير معصومة ، بل غير معلومة ولا مكتوبة ؟
(1)
على أننا نرد على هذه المزاعم والأكاذيب وندجضها من نفس كتبكم وصحاحكم
(2) .
فهذا الإمام البخاري يخرج في صحيحه من كتاب العلم وفي باب كتابة العلم ، عن أبي هريرة قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب
(3) .
ويستفاد من هذه الرواية بأن هناك من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان يكتب أحاديثه ، وإذا كان أبو هريرة يروي أكثر من ستة آلاف حديث عن النبي شفاهياً فإن عبد الله بن عمرو بن العاص فاق هذا العدد كتابياً ولذلك اعترف أبو هريرة بأن عبد الله بن عمرو أكثر منه أحاديث عن النبي لأنه كان يكتب ولا شك بأن هناك في الصحابة كثيرين ممن كانوا يكتبون عن النبي أحاديثه ولم يذكرهم أبو هريرة لعدم اشتهارهم بكثرة الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم .
____________
(1) لأن تدوين السنة النبوية تأخر إلى زمن عمر بن عبد العزيز أو بعده ، أما الخلفاء والحكام الذين حكموا قبله فقد أحرقوها ومنعوا من كتابتها والتحدث بها .
(2) الغريب أن أهل السنة كثراً ما يروون الحديث ونقيضه في نفس الكتاب ، والأغرب من ذلك أنهم كثيراً ما يعملون بما هو مكذوب ويهملون ما هو صحيح .
(3) صحيح البخاري ج 1 ص 36 باب كتابة العلم .
( 55 )
وإذا أضفنا إلى هؤلاء الإمام علي بن أبي طالب الذي كان ينشر من فوق المنبر صحيفة يسميها الجامعة ، جمع فيها كل ما يحتاجه الناس من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد توارثها الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) وكثراً ما تحدثوا عنها .
فقد قال الإمام جعفر الصادق :
« إن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً ، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي بيده ، ما من حلال ولا حرام وما من شيء يحتاج إليه الناس وليس قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش »
(1) .
وقد أشار البخاري نفسه في صحيحه إلى هذه الصحيفة التي كانت عند علي في عدة أبواب من كتابه ، ولكنه وكما عودنا البخاري فإنه أبتر الكثير من خصائصها ومضمونها .
قال البخاري في باب كتابة العلم :
« عن الشعبي عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم كتاب ؟
قال : لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجلاً مسلماً أو ما في هذه الصحيفة.
قال : قلت : وما في هذه الصحيفة ؟
قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر »
(1) .
كما جاء في صحيح البخاري في موضع آخر قوله :
« عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي قال : ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم »
(1) .
كما جاء في موضع آخر من صحيح البخاري قوله :
( 56 )
عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : خطبنا علي فقال : « ما عندنا كتاب نقرأه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة »
(1) .
وينقل البخاري في باب آخر من صحيحه قوله :
عن علي ( رضي الله عنه ) قال : « ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة »
() .
كما أخرج البخاري في موضع آخر من صحيحه قوله :
عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : خطبنا علي ( رضي الله عنه ) على منبر من أجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة ، فقال : « والله ما عندنا كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة »
(3) .
ولم ينقل البخاري ما قاله الإمام جعفر الصادق من أن الصحيفة تسمى الجامعة لأنها جمعت كل حلال وكل حرام ، وفيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي بن أبي طالب . فاختصرها بقوله مرة : بأن فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر ، ومرة أخرى بقوله : فنشرها علي فإذا فيها أسنان الإبل ، وإذا فيها المدينة حرم … وإذا فيها ذمة المسلمين واحدة … وإذا فيها من والى قوماً بغير إذن مواليه ..
إنه التزوير والتعتيم على الحقائق ، وإلا هل يعقل أن يكتب علي هذه الكلمات الأربعة في صحيفة ويعلقها على سيفه وتلازمه عندما يخطب من فوق المنبر ويجعل منها المرجع الثاني بعد كتاب الله فيقول للناس : ما كتبنا عن النبي إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ؟ ؟ !
وهل كان عقل أبي هريرة أكبر من عقل علي بن أبي طالب إذ كان يحفظ عن رسول الله مائة ألف حديث من غير كتابة ؟
____________
(1) صحيح البخاري ج 4 ، ص 67 وصحيح مسلم ج 4 ص 115 .
(2) صحيح البخاري ج 4 ص 69 .
(3) صحيح البخاري ج 8 ص 144 .
( 57 )
عجيب والله أمر هؤلاء الذين يقبلون مائة ألف حديث عن أبي هريرة الذي لم يصحب النبي إلا ثلاث سنوات وكان يجهل القراءة والكتابة ويزعمون بأن عليا باب مدينة العلم الذي تعلم منه الصحابة شتى العلوم والمعارف ، كان يحمل صحيفة فيها أربعة أحاديث ظلت تلازمه من حياة الرسول إلى ايام خلافته فيصعد بها على المنبر وهي معلقة على سيفه ؟ كبرت كلمة تخرج من أقواههم إن يقولون إلا كذباً .
على أن في ما أخرجه البخاري كفاية للباحثين والعقلاء ، وذلك عندما ذكر بأن فيها العقل ، فهو دليل بأن في الصحيفة أشياء كثيرة تخص العقل البشري والفكر الإسلامي .
ونحن لا نريد إقامة الدليل على ما في الصحيفة ، فأهل مكة أدرى بشعابها وأهل البيت أدرى بما فيه وقد قالوا بأن فيها كل ما يحتاجه الناس من حلال وحرام حتى أرش الخدش .
ولكن الذي يهمنا في هذا البحث هو أن الصحابة كانوا يكتبون أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقول أبي هريرة بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب أحاديث النبي ، وقول علي بن أبي طالب : ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ، كما جاء في صحيح البخاري ، هو دليل قاطع على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن كتابة أحاديثه أبداً ،بل العكس هو الصحيح ، وأن الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه « لا تكبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه » هو حديث مكذوب وضعه أنصار الخلفاء لتأييد وتبرير ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان من حرق الأحاديث النبوية ومنع السنة من الانتشار . ومما يزيدنا يقينا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن كتابة الأحاديث عنه بل إنه أمر بها ، هو ما قاله الإمام علي أقرب الناس للنبي : « ما كتبنا عنه غير القرآن وما في هذه الصحيفة » والذي صححه البخاري .
وإذا أضفنا إلى هذا قول الإمام جعفر الصادق بأن الصحيفة الجامعة هي من إملاء رسول الله وخط علي فمعناه أن النبي أمر علياً بالكتابة .
( 58 )
وحتى لا يبقى عندك شك أيها القارئ العزيز ، أزيدك ما يلي :
أخرج الحاكم في مستدركه وأبو داود في صحيحه والإمام أحمد في مسنده والدارمي في سننه ، أخرجوا كلهم حديثاً مهماً جداً بخصوص عبد الله بن عمرو الذي ذكره أبو هريرة بأنه كان يكتب عن النبي :
قال عبد الله بن عمرو : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ( ص)، فنهتني قريش وقالوا : تكتب كل شيء سمعته من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟
قال عبد الله : فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأومأ إلى فيه وقال : « أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق
(1) .
ونلاحظ من خلال هذا الحديث بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب كل ما يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينهه النبي عن ذلك وإنما وقع النهي من قريش ، ولم يرد عبد الله التصريح بأسماء الذين نهوه عن الكتابة لأن في نهيهم طعن على رسول الله ، كما لا يخفى فأبهم القول بأنهم قريش ، والمقصود بقريش زعماؤها من المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وأبو عبيدة وطلحة والزبير ومن سار على رأيهم .
كما نلاحظ بأن نهيهم لعبد الله كان في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ما يؤكد عمق المؤامرة وخطورتها .
وإلا لماذا يعمد هؤلاء لنهي عبد الله عن الكتابة بدون الرجوع إلى النبي نفسه ؟
كما يفهم أيضاً من قولهم له : إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا ، أن عقيدتهم في النبي كانت هزيلة إلى درجة أنهم يشكون فيه بأنه يقول باطلاً ويحكم ظلماً خصوصاً في حالة الغضب ، وما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما ذكر له عبد اله بن عمرو نهي قريش وما قالوه في شأنه فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
____________
(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 105 .
(2) سنن أبي داود ج2 ص126.
(3) سنن الدارمي ج1 ص125.
(4) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج2 ص162.
( 59 )
« أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق » ـ إشارة إلى فمه ـ لدليل آخر على علم الرسول بشكهم في عدالته ، وأنهم يجوزون عليه الخطأ وقول الباطل فأقسم بالله بأنه لا يخرج من فمه إلا الحق .
وهذا هو التفسير الصحيح لما جاء في قوله سبحانه وتعالى :
«وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى» (النجم : 3 ـ 4 ).
وأنه صلى الله عليه وآله وسلم معصوم عن الخطأ وقول الباطل وبهذا فإننا نجزم بأن كل الأحاديث والروايات التي وضعت في زمن الأمويين والتي يستفاد منها بأنه غير معصوم لا يصح شيء منها ، كما أن الحديث المذكور يشعرنا بأن تأثيرهم على عبد الله بن عمرو كان كبيراً حتى أمسك عن الكتابة كما صرح هو بنفسه إذ قال : « فأمسكت عن الكتابة » وبقي على ذلك إلى أن جاءت مناسبة تدخل فيها رسول الله بنفسه لإزالة الشكوك التي تثار حول عصمته وعدالته ، وكانت كثراً ما تشار حتى بمحضره صلى الله عليه وآله وسلم كقولهم له صراحة : أأنت نبي الله حقاً ؟
(1) أو : أنت الذي تزعم أنك نبي
(2) ، أو والله ما قصد بهذه القسمة وجه الله
(3) .
أو كقول عائشة للنبي : إن ربك يسارع في هواك
(4) أو قولها له : أقصد إلى غير ذلك من العبارات النابية التي تعرب عن شكهم في عصمته واعتقادهم بأنه يحيف ويظلم ويخطئ ويكذب والعياذ بالله .
فكان صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الخلق العظيم رؤوفاً رحيماً كثيراً ما يزيح تلك الشبهات بقوله مرة : ما أنا إلا عبد مأمور ، ومرة يقول : والله إني لأبر لله وأتقى ، وأخرى يقول : والذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق ، وكثيراً ما كان يقول : رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر .
فلم تكن هذه الكلمات النابية التي تطعن في عصمته وتشكك في نبوته
____________
(1) قاله عمر بن الخطاب في صلح الحديبية أخرجه البخاري ج 2 ص 122 .
(2) قالته عائشة بنت أبي بكر للنبي كتاب إحياء العلوم للغزالي ج 2 ص 29 .
(3) قاله صحابي من الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجه البخاري ج 4 ص 47 .
(4) صحيح البخاري ج 6 ص 24 وكذلك في صفحة 128 من الجزء السادس .
( 60 )
صادرة عن أناس متروكين أو عن المنافقين ، ولكنها مع الأسف صدرت عن عظماء الصحابة وعن أم المؤمنين والذين هم عند « أهل السنة والجماعة » قدوة وأسوة حسنة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ومما يزيدنا يقينا بأن حديث « لا تكتبوا عني » هو حديث موضوع لا أساس له من الصحة ولم ينطق به رسول الله إطلاقاً ، أن أبا بكر نفسه كان يكتب عن رسول الله بعض الأحاديث التي جمعها في عهد النبي ، ثم بعد ما تولى الخلافة بدا له أن يحرقها لأمر قد لا يخفى على الباحثين .
فها هي اينته عائشة تقول : جمع أبي الحديث عن رسول اله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ، فقلت : يتقلب لشكوى أو لشيء بلغه ، فلما أصبح قال : أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك ، فجئته بها فأحرقها
(1) .
وهذا عمر بن الخطاب أيضاً في خلافته يخطب يوماً في الناس قائلاً : ( لا يبقين أحد عنده كتاباً إلا أتاني به فأرى فيه رأيي » فظنوا أنه يريد النظر فيها ليقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه يكتبهم فأحرقها بالنار
(2) .
كما بعث في الأمصار يأمرهم : من كان عنده شيء فليمحه
(3) . فهذا أكبر دليل على أن الصحابة عامة سواء منهم المقيمين في المدينة أو في بقية الأمصار الإسلامية الأخرى كلهم عندهم كتب جمعوا فيها الأحاديث النبوية التي كتبوها على عهده صلى الله عليه وآله وسلم فأحرقت كلها بفعل أبي بكر أولا ثم عمر ثانياً ومحيت بقية الكتب التي في الأمصار بأمر عمر في خلافته
(4) .
وعلى هذا فلا يمكن لنا ولا لأي عاقل أن يصدق بأن رسول الله نهاهم عن
____________
(1) كنز العمال ج 5 ص 237 ، وابن كثير في البداية والنهاية ، وتذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 5 .
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 188 والخطيب البغدادي في تقييد العلم .
(3) جامع بيان العلم لابن عبد البر .
(4) انظر رعاك الله إلى هذا العمل الشنيع الذي فعله الخلفاء أبو بكر وعمر تجاه السنة النبوية ، والخسارة العظمى التي لا تقدر والتي تسببا فيها للأمة الإسلامية التي كانت في أشد الحاجة للأحاديث النبوية لفهم القرآن وفهم أحكام الله تعالى ، وإنها لعمري أحاديث صحيحة لأنهم كتبوها عنه مباشرة وبدون واسطة ، أما الأحاديث التي جمعت في ما بعد أغلبها أحاديث موضوعة ، لأن الفتنة وقعت وقتل المسلمون بعضهم ، وكتبت بأمر الحكام الجائرين .
( 61 )
كتابة الحديث بعدما عرفنا بأن أكثر الصحابة كانت عندهم كتب للأحاديث وخصوصاً الصحيفة التي كانت تلازم الإمام علي وطولها سبعون ذراعاً ويسميها الجامعة لأنها جمعت كل شيء .
وبما أن السلطة الحاكمة والسياسة السائدة ، اقتضت مصالحها محو السنة وحرقها وعدم التحدث بها ، فإن الصحابة المؤيدين لتلك الخلافة امتثلوا الأوامر ونفذوها ، فلم يبق لهم ولا لأتباعهم من التابعين سوى الاجتهاد بالرأي ، أو الاقتداء بسنة أبي بكر وسنة عمر وسنة عثمان وسنة معاوية وسنة يزيد وسنة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسنة سليمان بن عبد الملك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول الله أو سنته أو حديث عمر بن الخطاب
(1) .
وهكذا يتبين لنا أنه حتى في الظروف التي سمحت بتدوين السنة وبعد مرور مائة سنة على طمسها ومنعها ، نرى الحاكم الأموي المعتدل والذي ألحقه «أهل السنة » بالخلفاء الراشدين ، يأمر بجمع سنة رسول الله وسنة عمر بن الخطاب ، وكأن عمر بن الخطاب شريك محمد في رسالته ونبوته .
ولماذا لم يطلب عمر بن عبد العزيز من أئمة أهل البيت الذين عاصرهم أن يعطوه نسخة من الصحيفة الجامعة ، ولماذا لم يكلفهم هم بجمع الأحاديث النبوية فهم أعلم بحديث جدهم من غيرهم ؟ ؟
فالمحققون والباحثون يعرفون سر ذلك .
وهل يحصل الاطمئنان إلى تلك الأحاديث التي جمعها « أهل السنة والجماعة» من بني أمية وأعوانهم الذين يمثلون خلافة قريش وقد عرفنا حقيقة قريش وعقيدتها في رسول الله وسنته المطهرة ؟
ويبقى واضحاً بعد هذا بأن السلطة الحاكمة وعلى مر عصور الخلافة ، عملت بالاجتهاد والقياس ومشاورة بعضهم .
وبما أن السلطة قد أقصت الإمام علياً عن مسرح الحياة وأهملته فلم يكن لها عليه من سلطان لحرق ما كتبه في عهد الرسالة بإملاء النبي نفسه .
____________
(1) موطأ الإمام مالك ج1 ص5.
( 62 )
وبقي علي بن أبي طالب يحتفظ بتلك الصحيفة التي جمع فيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش ، ولما تولى الخلافة كان يعلقها على سيفه ويصعد على المنبر ليخطب في الناس ويعرفهم بأهميتها .
وقد تواترت الأخبار عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنهم توارثوا تلك الصحيفة أبا عن جد وكابرا عن كابر ، وكانوا يفتون بها في المسائل التي يحتاجها معاصروهم ممن اقتدوا بهديهم .
ولذلك كان الإمام جعفر الصادق والإمام الرضا وغيرهم من الأئمة يرددون دائماً نفس الكلام بخصوصها ويقولون : « إننا لا نفتي الناس بآرائنا ، إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنها آثار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أهل علم نتوارثها كابراً عن كابر ، نكتنزها كما يكتنز الناس ذهبهم وفضتهم »
(1) .
وقال جعفر الصادق مرة أخرى .
حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ، وحديث رسول الله هو قول الله ( عز وجل )
(2) .
وبكل هذا يصبح حديث الثقلين المتواتر : تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً
(3) ، هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال ، وتصبح السنة النبوية ، الصحيحة ليس لها من حافظ وراع وقيم غير الأئمة الأطهار من آل بيت المصطفى المختار .
كما يستنتج من هذا أن شيعة أهل البيت الذين تمسكوا بالعترة هم أهل السنة النبوية ، وأن « أهل السنة والجماعة » مدعون ما ليس لهم ، ولا تقوم دعواهم على حجة ولا دليل .
ـ والحمد لله الذي هدانا لهذا ـ .
____________
(1) معالم المدرستين للعلامة العسكري ج 2 ص 302 .
(2) أصول الكافي ج 1 ص 53 .
(3) صحيح مسلم ج 5 ص 122 . صحيح الترمذي ج 5 ص 637 .
( 63 )
الشيعة في نظر « أهل السنة »
إذا استثنينا بعض العلماء المعاصرين الذين أنصفوا في كتاباتهم عن الشيعة بما تفرضه عليهم الأخلاق الإسلامية ، فإن الأغلبية الساحقة منهم قديماً وحديثاً لا زالوا يكتبون عن الشيعة بعقلية الأمويين الحاقدين ، فتراهم في كل واحد يهيمون ويقولون ما لا يفقهون ، ويسبون ويشتمون ويتقولون افتراء وبهتاناً على شيعة آل البيت ما هم منه براء ، ويكفرونهم ينبذونهم بالألقاب اقتداء بسلفهم الصالح معاوية وأضرابه ، الذين استولوا على الخلافة الإسلامية بالقوة والقهر والمكر والدهاء والخيانة والنفاق .
فمرة يكتبون بأن الشيعة هي فرقة من تأسيس عبد الله بن سبأ اليهودي ، ومرة يكتبون بأنهم من أصل المجوس ، وأنهم روافض قبحهم الله ، وأنهم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى ، ومرة يكتبون بأنهم منافقون لأنهم يعملون بالتقية وأنهم إباحيون يبيحون نكاح المحارم ويحللون المتعة وهي زنا ، والبعض يكتب بأن لهم قرآناً غير قرآننا ، وأنهم يبعدون علياً والأئمة من بنيه ويبغضون محمداً وجبريل وأنهم وأنهم ….
ولا يمر عام إلا ويطلع علينا كتاب أو مجموعة كتب من أولئك العلماء الذين يتزعمون « أهل السنة والجماعة » بزعمهم وكله تكفير واستهانة بالشيعة .
وليس لهم في ذلك مبرر ولا دافع إلا إرضاء أسيادهم الذين لهم مصلحة في تمزيق الأمة وتفريقها والعمل على إبادتها . كما ليس لهم فيما يكتبون من حجة ولا دليل سوى التعصب الأعمى والحقد الدفين والجهل المقيت ، وتقليد السلف
( 64 )
بدون تمحيص ولا بحث ولا بينة ، فهم كالببغاء يعيدون ما يسمعون ويستنسخون ما كتبه النواصب من أذناب الأمويين ، والذين لا يزالون يعيشون على مدح وتمحيد يزيد بن معاوية
(1) .
فلا نستغرب من أولئك الممجدين ليزيد بن معاوية ، أن يسبوا ويكفروا أعداء يزيد هذا .
وإذا كان سلفهم الصالح ، يزيد وأبوه معاوية يغدقون على أتباعهم ومن تشيع لهم الذهب والفضة ويشترون بها ضمائرهم في الماضي ، فإن ملايين الدولارات ، والقصور الفخمة في لندن وباريس والتي ملئت بزرق العين ، من الشقراوات ، والخمر المصفى ، لقادر على شراء ضمائرهم ودينهم وأوطانهم في الحاضر .
ولو كان هؤلاء يتبعون السنة النبوية كما يزعمون لتعلموا من أخلاقه العالية صلى الله عليه وآله وسلم احترام الغير ولو خالفهم في العقيدة .
ألم تقل السنة النبوية : « المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا » ، و « المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » .
ألم يصرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » فلو كان هؤلاء الكتاب المدعون أنهم من « أهل السنة والجماعة » يعرفون السنة النبوية ، لما سمحت لهم نفوسهم بتكفير من يشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله ، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ، ويحج البيت الحرام ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
وبما أنهم أتباع السنة الأموية والقرشية فهم يتكلمون ويكتبون بالعقلية الجاهلية والأفكار القبلية والنعرات العنصرية . فالشيء من مأتاه لايستغرب ، وكل إناء بالذي فيه ينضح .
____________
(1) فقد نشرت وزارة المعارف للمملكة العربية السعودية كتاباً بعنوان : « حقائق عن أمير المؤمنين يرزيد بن معاوية » وهذا الكتاب انتخبته وزارة المعارف للتدريس في مدارسها الرسمية .
( 65 )
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الذكر الحكيم :
«قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم …» ( آل عمران : 64 ) ؟
فإن كانوا من أهل السنة حقاً ، فلينادوا أخوانهم من الشيعة إلى كلمة سواء بينهم .
وإذا كان الإسلام ينادي أعداءه من اليهود والنصارى إلى كلمة سواء للتفاهم والتآخي ، فكيف بمن يعبدون إلهاً واحداً ، ونبيهم واحد وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ومصيرهم واحد !
فلماذا لا ينادي علماء « أهل السنة » إخوانهم من علماء الشيعة ويجلسون معهم حول طاولة البحث ، ويجادلونهم بالتي هي أحسن ويصلحون عقائدهم إن كانت فاسدة كما يزعمون ؟
لماذا لا يعقدون مؤتمراً إسلامياً يجمع علماء الفريقين وتطرح فيه كل المسائل الخلافية على مسمع ومرأى من كل المسلمين حتى يعرفوا وجه الصواب من الكذب والبهتان ؟
وخصوصاً وأن « أهل السنة والجماعة » يمثلون ثلاثة أرباع المسلمين في العالم ، ولهم من الإمكانات المادية والنفوذ لدى الحكومات ما يجعل ذلك عندهم سهلاً ميسوراً إذ يملكون الأقمار الصناعية .
ولأن « أهل السنة والجماعة » لا يعملون لمثل هذا أبداً ، ولا يريدون المواجهة العلمية التي ينادي بها كتاب الله المجيد بقوله :
«قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ( البقرة : 111 ) .
«قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون» ( الأنعام : 148 )
ولذلك تراهم دائماً يلجأون إلى السب والشتم والتكفير والبهت والافتراء وهم يعرفون بأن الحجة والدليل مع خصومهم الشيعة .
وأعتقد بأنهم يخافون أن يتشيع أكثر المسلمين إذا كان كشفت الحقائق كما وقع
( 66 )
بالفعل لبعض العلماء الأزهريين في مصر الذين سمحوا لأنفسهم بالبحث عن الحق فأدركوه واستبصروا ونبذوا ما كانوا عليه من عقيدة « السلف الصالح » .
فالعلماء من « أهل السنة والجماعة » يدركون هذا الخطر الذي يهدد كيانهم بالذوبان ، فإذا أعيتهم الحيلة وصل الأمر بالبعض منهم أن حرم على أتباعه ومقلديه أن يجلسوا مع الشيعة أو يجادلوهم أو يتزوجوا منهم أو يزوجوهم أو يأكلوا من ذبائحهم .
ويفهم من موقفهم هذا بأنهم أبعد ما يكونون عن السنة النبوية ، وهم أقرب ما يكونون من سنة بني أمية الذين عملوا بكل جهودهم على إضلال الأمة المحمدية بأي ثمن لأن قلوبهم لم تخشع لذكر الله وما نزل من الحق ودخلوا في الإسلام وهم كارهون .
وهذا ما عبر عنه إمامهم معاوية بن أبي سفيان الذي قتل خيار الصحابة من أجل الوصول إلى الحكم فقط ، فقد قال في أول خطبة له :
« إني لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون » .
وصدق الله إذ يقول :
«إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون» ( النمل : 34 ) .
( 67 )
« أهل السنة والجماعة » في نظر الشيعة
إذا استثنينا بعض المتعصبين من عوام الشيعة الذين ينظرون إلى « أهل السنة والجماعة » بأنهم كلهم من النواصب
(1) ، فإن الأغلبية الساحقة من علمائهم قديماً وحديثاً ، لا زالوا يعتقدون بأن إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » هم ضحايا الدس والمكر الأموي لأنهم أحسنوا الظن « بالسلف الصالح » واقتدوا بهم بدون بحث ولا تمحيص ، فأضلوهم عن الصراط المستقيم وأبعدوهم عن الثقلين ـ كتاب الله والعترة الطاهرة ـ الذين يعصمان المتمسك بهما من الضلالة ويضمنان له الهداية .
فترهم كثيراً ما يكتبون للدفاع عن أنفسهم وللتعريف بمعتقداتهم داعين للإنصاف ولتوحيد الكلمة مع إخوانهم من « أهل السنة والجماعة » .
وقد جاب بعض علماء الشيعة في الأقطار والأمصار باحثين عن الأساليب الكفيلة لتأسيس دور وجمعيات إسلامية للتقريب بين المذاهب ومحاولة جمع الشمل .
ويمم آخرون منهم وجهتهم صوب الأزهر الشريف منارة العلم والمعرفة عند « أهل السنة » ، وتقابلوا مع علمائه وجادلوهم بالتي هي أحسن ، وعملوا على إزالة الأحقاد ، كما فعل الإمام شرف الدين الموسوي عند لقائه بالإمام سليم الدين البشري ، وكان من نتيجة ذلك اللقاء والمراسلات ولادة الكتاب القيم
____________
(1) النواصب جمع ناصبي : وهم الذين ناصبوا العداء لأهل البيت النبوي وحاربوهم وقتلوهم وتتبعوهم أمواتاً فنبشوا قبورهم .
( 68 )
المسمى بـ « المراجعات » والذي كان له الدور الكبير في تقريب وجهات النظر عند المسلمين . كما أن جهود أولئك العلماء من الشيعة كللت بالنجاح في مصر فأصدر الإمام محمود شلتوت مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت فتواه الجريئة في جواز التعبد بالمذهب الشيعي الجعفري ، وأصبح الفقه الشيعي الجعفري من المواد التي تدرس بالأزهر الشريف .
هذا ودأب الشيعة وعلماؤهم بالخصوص على التعريف بأئمة أهل البيت الطاهرين وبالمذهب الجعفري الذي يمثل الإسلام بكل معانيه وكتبوا في ذلك المجلدات والمقالات وعقدوا لذلك الندوات وخصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عقدت مؤتمرات عديدة في طهران باسم الوحدة الإسلامية وباسم التقريب بين المذاهب ، وكلها دعوات صادقة لنبذ العداء والأحقاد ، ولبث روح الأخوة الإسلامية واحترام المسلمين بعضهم لبعض .
وفي كل عام يدعو مؤتمر الوحدة الإسلامية علماء ومفكرين من الشيعة والسنة فيعيشون أسبوعاً كاملاً تحت ظل الأخوة الصادقة فيأكلون ويشربون ويصلون ويدعون ويتبادلون الآراء والأفكار ويعطون ويأخذون .
ولو لم يكن لتلك المؤتمرات دور إلا تأليف القلوب وتقريب المسلمين بعضهم من بعض ليتعارفوا وتزول الأحقاد لكان فيها الخير الكثير والفضل العميم ، ولسوف تؤتى أكلها بعد حين إن شاء الله رب العالمين .
وأنت إذا دخلت إلى أي بيت من بيوت الشيعة العاديين فضلاً عن بيوت العلماء والمثقفين ، فسوف تجد فيه مكتبة تضم إلى جانب مؤلفات الشيعة جانباً كبيراً من مؤلفات « أهل السنة والجماعة » على عكس « أهل السنة والجماعة » فقد لا تجد عن علمائهم كتاباً شيعياً واحداً إلا نادراً .
ولذلك هم يجهلون حقائق الشيعة ولا يعرفون إلا الأكاذيب التي يكتبها أعداؤهم .
كما أن الشيعي العادي تجده في أغلب الأحيان يعرف التاريخ الإسلامي بكل أدواره وقد يحتفل بإحياء بعض ذكرياته .
( 69 )
أما العالم السني تجده قليلاً ما يهتم بالتاريخ فهو يعتبره من المآسي التي لا يريد نبشها والاطلاع عليها ، بل يجب إهمالها وعدم النظر فيها لأنها تسيء الظن بـ « السلف الصالح » .
وبما أنه أقنع نفسه أو أوهمها بعدالة الصحابة أجمعين ونزاهتهم ، فلم يعد يتقبل ما سجله التاريخ عليهم .
لكل ذلك تراه لا يصمد للنقاش البناء الذي يقوم على الدليل والبرهان ، فتراه إما يتهرب من البحث لعلمه مسبقاً بأنه مغلوب وإما أن يتغلب على عواطفه وميوله ويقحم نفسه في البحث فيصبح ثائراً على كل معتقداته ويتشيع لأهل بيت المصطفى .
فالشيعة هم أهل السنة النبوية لأن إمامهم الأول بعد النبي هو علي بن أبي طالب الذي يعيش ويتنفس بالسنة النبوية . أنظر إليه وقد جاؤوه ليبايعون بالخلافة على أن يحكم بسيرة الشيخين فقال : « لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله » فلا حاجة لعلي في الخلافة إن كانت على حساب السنة النبوية ، فهو القائل : « إن خلافتكم عندي كعفطة عنز إلا أن أقيم حدا من حدود الله » .
وقال ابنه الإمام الحسين : قولته المشهورة التي بقيت ترن في مسمع الدهر : « إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني » .
ولهذا فإن الشيعة ينظرون إلى اخوانهم من « أهل السنة والجماعة » بنظر العطف والحنان وكأنهم يريدون لهم الهداية والنجاة لأن ثمن الهداية عندهم حسب ما جاءت به الروايات الصحيحة خير من الدنيا وما فيها ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عندما بعثه لفتح خيبر : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن قالوها فقد عصم منك دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو خير لك من أن يكون لك حمر النعم
(1) .
____________
(1) صحيح مسلم ج 7 ص 122 كتاب الفضائل باب فصائل علي بن أبي طالب .
( 70 )
وكما كان هم علي بن أبي طالب الوحيد هو هداية الناس والرجوع بهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكذلك شيعته اليوم هممهم أن يدفعوا عن أنفسهم كل التهم والأكاذيب وأن يعرفوا إخوانهم من « أهل السنة » بحقائق أهل البيت ( عليهم السلام ) وبالتالي يهدوهم إلى سواء السبيل .
«لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون» (يوسف : 111) .
( 71 )
التعريف بأئمة الشيعة
لقد انقطع الشيعة للأئمة الاثني عشر من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، أولهم علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن ، ثم ابنه الحسين ، ثم التسعة المعصومون من ذرية الحسن ومن نسله .
وقد نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هؤلاء الأئمة في العديد من المرات تصريحاً وتلميحاً وقد ذكرهم بأسمائهم في بعض الروايات التي أخرجها الشيعة والبعض من علماء « السنة » .
وقد يعترض البعض من « أهل السنة » على هذه الروايات مستغرباً كيف يتكلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور غيبية ما زالت في طي العدم ؟ وقد جاء في القرآن قوله :
«لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء» ( الأعراف : 188 ) .
وإجابة على ذلك نقول بأن هذه الآية الكريمة لا تنفي عن الرسول علمه بالغيب مطلقاً ، إنما جاءت رداً على المشركين الذين طلبوا منه أن يعلمهم عن قيام الساعة ، وموعد الساعة قد اختص الله سبحانه بعلمه .
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى :
«عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ….» ( الجن : 26 ـ 27 ) .
وفي هذا دلالة على أنه سبحانه يطلع على غيبه رسله الذين اصطفاهم ، ومن ذلك مثلاً قول يوسف ( عليه السلام ) لأصحابه في السجن :
«لا يأتيكما طعام
( 72 )
ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي …» ( يوسف : 37 ) .
وكقوله تعالى :
«فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً» ( الكهف : 65 ) . حكاية عن الخضر الذي التقى بموسى وعلمه من علم الغيب ما لم يستطع عليه صبراً .
والمسلمون شيعة وسنة لم يختلفوا في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم الغيب وقد سجلت سيرته الكثير من الأخبار بالغيب كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « ويح عمار تقتله الفئة الباغية » وقوله لعلي : « أشقى الآخرين الذي يضربك على رأسك فيخضب لحيتك » وقوله : « إن ابني الحسن يصلح الله به فئتين عظيمتين » وكقوله لأبي ذر بأنه سيموت وحيداً طريداً إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة ، ومنها حديثه المشهور الذي أخرجه البخاري ومسلم وكل المحدثين والذي جاء فيه : « الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش » وفي بعض الروايات « كلهم من بني هاشم » .
وقد أثبتنا في الأبحاث السابقة من كتاب « مع الصادقين » وكتاب «فاسألوا أهل الذكر » بأن علماء السنة أنفسهم أشاروا في صحاحهم ومسانيدهم إلى تلك الأحاديث الدالة على إمامة الأئمة الاثني عشر وصححوها .
وإذا سأل سائل : لماذا تركوهم واقتدوا بغيرهم من ائمة المذاهب الأربعة ، إذا كانوا يعترفون بتلك الأحاديث ويصححونها ؟ ؟
والجواب هو : إن « السلف الصالح » كلهم من أنصار الخلفاء الثلاثة الذين أولدتهم السقيفة أبو بكر وعمر وعثمان ، فكان نفورهم من أهل البيت وعداؤهم للإمام علي وأولاده لابد منه ، فعملوا كما قدمنا على محق السنة النبوية وإبدالها باجتهاداتهم .
وسبب ذلك انقسام الأمة إلى فرقتين بعد وفاة الرسول مباشرة فكان «السلف الصالح » ومن تبعهم ورأى رأيهم يمثلون « أهل السنة والجماعة» وهم الأغلبية الساحقة في الأمة ، وكان الأقلية القليلة علي وشيعته الذين تخلفوا عن البيعة ولم
( 73 )
يقبلوا بها فأصبحوا من المنبوذين والمغضوب عليهم وأطلقوا عليهم اسم الروافض .
وبما أن « أهل السنة والجماعة » هم الذين تحكموا بمصير الأمة عبر القرون فحكام بني أمية كلهم وحكام بني العباس كلهم هم أنصار وأتباع مدرسة الخلافة التي أسسها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية
(1) ويزيد .
ولما فشل أمر الخلافة وذهبت هيبتها وأصبحت في أيدي المماليك والأعاجم وسمع بتدوين السنة النبوية ، عند ذلك ظهرت تلكم الأحاديث التي عمل الأولون على طمسها وكتمانها ولم يقدروا فيما بعد على محوها وتكذيبها ، وبقيت تلك الأحاديث من الألغاز المحيرة عندهم لأنها تخالف الأمر الواقع الذي آمنوا به .
وحاول بعضهم التوفيق بين تلك الأحاديث وما هم عليه من العقيدة فتظاهروا بمحبة أهل البيت ومودتهم فتراهم كلما ذكروا الإمام علياً يقولون رضي الله عنه وكرم الله وجهه ، حتى يتبين للناس بأنهم ليسوا بأعداء لأهل البيت النبوي .
فلا يمكن لأي واحد من المسلمين حتى المنافقين منهم أن يظهر عداءه لأهل البيت النبوي ، لأن أعداء أهل البيت هم أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يخرجهم من الإسلام كما لا يخفى .
والمفهوم من كل هذا بأنهم في الحقيقة أعداء أهل البيت النبوي ونقصد بهؤلاء « السلف الصالح » الذين تسموا أو سماهم أنصارهم بـ « أهل السنة والجماعة » والدليل أنك تجدهم كلهم يقلدون المذاهب الأربعة الذين أوجدتم السلطة الحاكمة ( كما سنبينه عما قريب ) ، وليس عندهم في أحكام الدين شيء يرجعون فيه لفقه أهل البيت أو لأحد الأئمة الاثني عشر .
____________
(1) لقد أغفلنا ذكر خلافة علي بن أبي طالب قصداً ، لأن « أهل السنة والجماعة » لم يكونوا يعترفون بها كما قدمنا إلا في زمن أحمد بن حنبل . راجع فصل ( أهل السنة لا يعرفون السنة النبوية » ص 44 من هذا الكتاب .
( 74 )
والحقيقة تفرض بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة المحمدية لأنهم تقيدوا في كل أحكامهم الفقهية بأئمة أهل البيت الذين توارثوا السنة الصحيحة عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدخلوا فيها الآراء والاجتهادات وأقوال العلماء .
وبقي الشيعة على مر العصور يتعبدون بالنصوص ويرفضون الاجتهاد في مقابل النص ، كما يؤمنون بخلافة علي وبنيه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على ذلك ، فهم يسمونهم خلفاء الرسول ولو لم يصل منهم إلى الخلافة الفعلية إلا علي ، ويرفضون ولا يعترفون بالحكام الذين تداولوا الخلافة من أولها إلى آخرها لأن أساسها كان فلتة وقى الله شرها ولأنها قامت رفضاً ورداً على الله ورسوله وكل الذين جاؤوا بعدها هم عيال عليها فلم يقم خليفة إلا بتعيين السابق له ، أو بالقتال والتغلب والقهر
(1) .
ولذلك اضطر « أهل السنة والجماعة » للقول بإمامة البر والفاجر لأنهم قببلوا بخلافة كل الحكام حتى الفاسقين منهم .
وامتاز الشيعة الإمامية بالقول بوجوب عصمة الإمام فلا تصح الإمامة الكبرى وقيادة الأمة إلا للإمام المعصوم وليس في هذه الأمة بشر معصوم إلا الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
____________
(1) يستثنى من ذلك فقط خلافة علي بن أبي طالب ، فهو الوحيد الذي لم يتعين من قبل الذي سبقه ، ولم يسلط عليها بالقهر والقوة ، بل بايعه المسلمون بكل حرية وطواعية بل ودعوهم إليها بإصرار .
( 75 )
التعريف بأئمة « أهل السنة والجماعة »
وقد انقطع « أهل السنة والجماعة » إلى الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة ، وهم : أبو حنيفة ومالك ، والشافعي وأحمد بن حنبل .
وهؤلاء الأئمة الأربعة لم يكونوا من صحابة الرسولصلى الله عليه وآله وسلم ولا من التابعين فلا يعرفهم رسول الله ولا يعرفونه ، ولم يرهم ولم يرونه ، فأكبرهم سنا أبو حنيفة بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة عام لأن مولده كان في سنة ثمانين للهجرة ووفاتة سنة خمسين ومائة ، أما أصغرهم أحمد بن حنبل فكان مولده سنة خمس وستين ومائة وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين ، هذا بالنسبة لفروع الدين .
أما بالنسبة لأصول الدين فـ « أهل السنة والجماعة » يرجعون للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي ولد سنة سبعين ومائتين وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة .
فهؤلاء هم أئمة « أهل السنة والجماعة » والذين ينقطعون إليهم في أصول الدين وفروعه .
فهل ترى فيهم واحداً من أئمة أهل البيت ، أو من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو تكلم رسول الله عن واحد منهم وأرشد الأمة إليه ؟ ؟ كلا لا يوجد شيء من ذلك ودونه خرط القتاد .
وإذا كان « أهل السنة والجماعة » يدعون التمسك بالسنة النبوية ، فلماذا
( 76 )
تأخرت تلك المذاهب إلى ذلك العهد ؟ وأين كان « أهل السنة والجماعة » قبل وجود تلك المذاهب ؟ وبماذا كانوا يتعبدون ، وإلى من كانوا يرجعون ؟
ثم كيف ينقطعون إلى رجال لم يعاصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عرفوه ، وإنما ولدوا بعدما وقعت الفتنة وبعدما تحارب الصحابة وقتل بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضاً ، وبعدما تصرف الخلفاء في القرآن والسنة واجتهدوا فيهما بآرائهم .
وبعدما استولى يزيد بن معاوية على الخلافة فاستباح مدينة الرسول المنورة لجيشه يفعل فيها ما يشاء ، فعاث جيشه فيها فساداً وقتل خيار الصحابة الذين لم يبايعوه واستبيحت الفروج وانتهكت المحارم وحبلت النساء من سفاح .
فكيف يركن العاقل إلى أولئك الأئمة الذين هم من تلك الطبقة البشرية التي تدنست بأوحال الفتنة وتغذت بألبانها المتلونة ، وشبت وترعرت على أساليبها الماكرة الخداعة ، وقلدتها أوسمة العلم المزيفة . فلم يبرز للوجود منهم إلا الذين رضيت عليهم الدولة ورضوا عنها
(1) .
كيف يترك ـ من يدعي التمسك بالسنة ـ الإمام علي باب مدينة العلم والإمام الحسن والإمام الحسين سيدا شباب أهل الجنة والأئمة الطاهرين من عترة النبي الذين ورثوا علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتبع أئمة لا علم لهم بالسنة النبوية بل هم صنيعة السياسة الأموية ؟
كيف يدعي « أهل السنة والجماعة » بأنهم أتباع السنة النبوية وهم يهملون القيمين عليها ؟ بل كيف يتركون وصايا النبي وأوامره بالتمسك بالعترة الطاهرة ، ثم يدعون أنهم أهل السنة ؟ !
وهل يشك مسلم عرف التاريخ الإسلامي وعرف القرآن والسنة بأن «أهل السنة والجماعة » هم أتباع الأمويين والعباسيين ؟
وهل يشك مسلم عرف القرآن والسنة وعرف التاريخ الإسلامي بأن الشيعة الذين يقلدون عترة النبي ويوالونهم هم اتباع السنة النبوية ، وليس لأحد غيرهم أن يدعيها ؟
____________
(1) سيأتي في الأبحاث القادمة بأن الحكام الأمويين والعباسيين هم الذين أوجدوا تلك المذاهب وفرضوها .
( 77 )
أرأيت أيها القارئ العزيز كيف تقلب السياسة الأمور وتجعل من الباطل حقاً ومن الحق باطلاً ! فإذا بالموالين للنبي وعترته تسميهم بالروافض وبأهل البدع ، وإذا بأهل البدع الذين نبذوا سنة النبي وعترته واتبعوا اجتهاد الحكام الجائرين تسميهم « أهل السنة والجماعة » إنه حقاً أمر عجيب .
أما أنا فأعتقد جرماً بأن قريش هي وراء هذه التسمية وهو سر من أسرارها ولغز من ألغازها .
وقد عرفنا في ما سبق بأن قريشاً هي التي نهت عبد الله بن عمرو عن كتابه السنة النبوية بدعوى أن النبي غير معصوم .
فقريش هي في الحقيقة أشخاص معينون لهم نفوذ وعصبية وقوة معنوية في أوساط القبائل العربية ، وقد يسميهم بعض المؤرخين بـ « دهاة العرب » لما اشتهروا به من المكر والدهاء والتفوق في إدارة الأمور ، ويسميهم البعض بـ « أهل الحل والعقد » .
ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وأبو سفيان ومعاوية ابنه وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، وطلحة بن عبد الله ، وعبد الرحمان بن عوف ، وأبو عبيدة عامر بن الجراح وغيرهم
(1) .
وقد يجتمع هؤلاء للتشاور وتقرير أمر يتفقون عليه فيبرمون أمرهم ويفشونه في الناس ليصبح فيما بعد أمراً واقعاً وحقيقة متبعة دون أن يعرف سائر الناس سر ذلك .
ومن هذا المكر الذي مكروه قولهم بأن محمداً غير معصوم وهو كسائر البشر يجوز عليه الخطأ فينتقصونه ويجادلونه في الحق وهم يعلمون .
ومنها شتمهم لعلي بن أبي طالب ولعنهم إياه باسم أبي تراب وتصويره للناس بأنه عدو لله ولرسوله .
____________
(1) لقد استثنينا من هؤلاء الإمام علياً ( عليه السلام ) لأنه يفرق بين دهاء الحكمة وحسن التدبير وبين دهاء الخداع والغش والنفاق ، وقد قال غير مرة : « لولا الغش والنفاق لكننت أدهى العرب » كما جاء في القرآن قوله : «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» فمكر الله هو الحكمة وحسن التدبير ، أما مكر المشركين فهو غش ونفاق وخداع وزور وبهتان .
( 78 )
ومنها شتمهم ولعنهم للصحابي الجليل عمار بن ياسر تحت اسم مستعار فسموه عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء ، لأن عماراً كان ضد الخلفاء وكان يدعو الناس لإمامة علي بن أبي طالب
(1) .
ومنها تسمية الشيعة الذين والوا علياً ـ بالروافض ـ كي يموهوا على الناس بأن هؤلاء رفضوا محمداً واتبعوا علياً .
ومنها تسمية أنفسهم بـ « أهل السنة والجماعة » حتى يموهوا على المؤمنين المخلصين بأنهم يتمسكون بسنة النبي مقابل الروافض الذين يرفضونها.
وفي الحقيقة هم يقصدون بـ « السنة » البدعة المشؤومة التي ابتدعوها في سب ولعن أمير المؤمنين وأهل بيت النبي على المنابر في كل مسجد من مساجد المسلمين وفي كل البلدان والمدن والقرى ، فدامت تلك البدعة ثمانين عاماً ، حتى كان خطيبهم إذا نزل للصلاة قبل أن يلعن علي بن أبي طالب ، صاح به من في المسجد « تركت السنة ، تركت السنة » .
ولما أراد الخليفة عمر بن عبد العزيز إبدال هذه السنة بقوله تعالى :
«إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى …» ( النحل : 90 ) تآمروا عليه وقتلوه لأنه أمات سنتهم وسفه بذلك أقوال أسلافه الذين أوصلوه للخلافة فقتلوه بالسم وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة ولم تطل خلافته غير سنتين وذهب ضحية الإصلاح لأن بني عمومته الأمويين لم يقبلوا أن يميت سنتهم ويرفع بذلك شأن أبي تراب والأئمة من ولده .
وبعد سقوط الدولة الأموية جاء العباسيون فنكلوا بدورهم بأئمة أهل البيت وشيعتهم إلى أن جاء دور الخليفة جعفر بن المعتصم الملقب « بالمتوكل » فكان من أشد الناس عداوة لعلي وأولاده ووصل به البغض والحقد إلى نبش قبر الحسين في كربلاء
____________
(1) يراجع في ذلك كتاب « الصلة بين التصوف والتشيع » للدكتور مصطفى كامل الشبيبي المصري ، والذي بين فيه بعشرة أدلة قوية بأن عبد الله بن سبأ اليهودي أو ابن السوداء ليس إلا سيدنا عمار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه) .
( 79 )
ومنع الناس من زيارته
(1) وكان لايعطي عطاء ولا يبذل مالا إلا لمن شتم علياً وولده .
وقصة المتوكل مع ابن السكيت العالم النحوي المشهور معروفة وقد قتله شر قتلة ، فاستخرج لسانه من قفاه عندما اكتشف بأنه يتشيع لعلي وأهل بيته في حين أنه كان أستاذاً لولديه .
وبلغ حقد المتوكل ونصبه أن أمر بقتل كل مولود يسميه أبواه باسم علي لأنه أبغض الأسماء إليه . حتى أن علي بن الجهم الشاعر لما تقابل مع المتوكل قال له : يا أمير المؤمنين إن أهلي عقوني ، قال المتوكل : لماذا ؟ قال : لأنهم سموني علياً وأنا أكره هذا الاسم وأكره من يتسمى به ، فضحك المتوكل وأمر له بجائزة .
وكان يقيم في مجلسه رجلاً يتشبه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فيضحك الناس عليه ويقولون : قد أقبل الأصلع البطين فيسخر منه أهل المجلس ويتسلى بذلك الخليفة .
ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ بأن المتوكل هذا ، والذي دل بغضه لعلي على نفاقه وفسقه يحبه أهل الحديث وقد لقبه بـ « محيي السنة » .
وبما أن أهل الحديث هم أنفسهم « أهل السنة والجماعة » فثبت بالدليل الذي لا ريب فهي أن « السنة » المقصودة عندهم هي بغض علي بن أبي طالب ولعنه والبراءة منه فهي النصب .
ومما يزيدنا وضوحاً على ذلك أن الخوارزمي يقول في كتابه : « حتى أن هارون بن الخيزران وجعفر المتوكل على الشيطان لا على الرحمان ، كانا لا يعطيان مالاً ولا يبذلان نوالاً ، إلا لمن شتم آل أبي طالب ونصر مذهب النواصب »
(2) .
____________
(1) وإذا كان الخليفة يصل إلى هذه الدرجة من الخسة والانحطاط فينبش قبور الأئمة من أهل البيت وبالخصوص قبر سيد شباب أهل الجنة ، فلا تسأل بعدها عما فعلوه في الشيعة الذين كانوا بتبركون بزيارة قبره . فقد وصل شيعة أهل البيت إلى أقصى المعاناة والمحن حتى يتمنى المسلم أن يتهموه بأنه يهودي ولا يتهموه بالتشيع فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
(2) كتاب الخوارزمي ص 135 .
( 80 )
كما ذكر ابن حجر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : لما حدث نصر بن علي بن صهبان بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وقال : «من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان في درجتي يوم القيامة » ، أمر المتوكل بضربه ألف سوط ، فأشرف على الهلاك ، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد وجعل يقول له : يا أمير المؤمنين هذا من أهل السنة ، فلم يزل به حتى تركه
(1) .
والعاقل يفهم من قول جعفر بن عبد الواحد للمتوكل بأن نصراً هو من أهل السنة لينفذه من القتل دليل آخر بأن « أهل السنة » هم أعداء أهل البيت الذين يبغضهم المتوكل ويقتل كل من يذكر هلم فضيلة واحدة وإن لم يكن يتشيع لهم .
وهذا ابن حجر يذكر أيضاً في كتابه بأن عبد الله بن إدريس الأزدي كان صاحب « سنة وجماعة » وكان صلباً في السنة مرضياً وكان عثمانياً
(2) .
كما قال في عبد الله بن عون البصري : إنه موثق وله عبادة وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع ، قال ابن سعد : كان عثمانياً
(3) .
وذكر أيضاً أن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني كان حريزي المذهب ، ( أي على مذهب حريز بن عثمان الدمشقي ) المعروف بالنصب وقال ابن حيان : إنه كان صلباً في السنة
(4) .
وبهذا عرفنا بأن النصب والبغض لعلي وأولاده وشتم آل أبي طالب ولعن أهل البيت يعد عندهم من الصلابة في « السنة » ، وعرفنا بأن العثمانيين هم أهل النصب والعداء لأهل البيت ، وهم أهل الشدة على من يتولى علياً وذريته .
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر ترجمة نصر بن علي بن صهبان .
(2) ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 145 والمعروف أن العثمانيين كانوا يلعنون علياً ويتهمونه بقتل عثمان بن عفان .
(3) إبن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 348 .
(4) إبن حجر في تهذيب التهذيب ج 1 ص 82 .
( 81 )
ويقصدون بأهل البدع « الشيعة الذين قالوا بإمامة علي » ، لأنها عندهم بدعة ، إذ خالفت ما عليه الصحابة والخلفاء الراشدين و « السلف الصالح » من إبعاده وعدم الاعتراف بإمامته ووصايته .
والشواهد التاريخية على إقامة هذا الدليل كثيرة جداً ولكن ما ذكرناه فيه الكفاية لمن أراد البحث والتحقيق وقد رمنا الاختصار كالعادة ، وعلى الباحثين أن يدركوا أضعاف ذلك إن شاؤوا .
«والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» (العنكبوت : 69 ) .
( 82 )
النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عين أئمة الشيعة
لا يشك باحث درس السيرة النبوية وعرف التاريخ الإسلامي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عين الأئمة الاثني عشر ونص عليهم ليكونوا خلفاءه من بعده وأوصياءه على أمته .
وقد جاء ذكر عددهم في صحاح أهل السنة وأنهم اثنا عشر وكلهم من قريش وقد أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما .
كما جاء في بعض المصادر السنية ذكرهم بأسمائهم موضحاً صلى الله عليه وآله وسلم بأن أولهم علي بن أبي طالب وبعده ابنه الحسن ثم أخوه الحسين ثم تسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي .
أخرج صاحب ينابيع المودة في كتابه قال : قدم يهودي يقال له : «الأعتل » فقال : يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك . قال : سل يا أبا عمارة ، فسأله عن أشياء إلى أن قال : صدقت ، ثم قال : فأخبرني عن وصيك من هو ؟ فما من نبي إلا وله وصي وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون .
فقال : إن وصيي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين .
قال : يا محمد فسمهم لي .
قال : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى
( 83 )
محمد فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمد ، فإذا مضى محمد فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي فهؤلاء اثنا عشر ، قال : فأسلم اليهودي وحمد الله على الهداية
(1) . ولو أردنا تصفح كتب الشيعة وما فيها من الحقائق يخصوص هذا الموضوع لوجدنا أضعاف ذلك .
ولكن يكفينا دليلاً أن علماء « السنة والجماعة » يعترفون بعدد الأئمة الاثني عشرة ، ولا وجود لهؤلاء الأئمة غير علي وبنيه الطاهرين .
ومما يزيدنا يقيناً أن الأئمة الاثني عشر من أهل البيت لم يتتلمذوا على أي واحد من علماء الأمة ، فلم يرو لنا أصحاب التواريخ ولا المحدثون وأصحاب السير بأن أحد الأئمة من أهل البيت تلقى علمه من بعض الصحابة أو التابعين ، كما هو الحال بالنسبة لكل علماء الأمة وأئمتهم .
فأبو حنيفة تتلمذ على جعفر الصادق ومالك تتلمذ على أبي حنيفة ، والشافعي تلقى عن مالك وأخذ عنه وهكذا أحمد .
أما أئمة أهل البيت فعلمهم موهوب من الله سبحانه وتعالى يتوارثونه أبا عن جد ، فهم الذين خصهم الله بقوله :
«ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» ( فاطر : 32 ) .
وقد عبر الإمام جعفر الصادق عن هذه الحقيقة مرة بقوله : عجباً للناس يقولون بأنهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعملوا به واهتدوا ! ويروون أنا أهل البيت لم نأخذ علمه ولم نهتد به ونحن أهله وذريته ، في منازلنا أنزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس ، أفتراهم علموا واهتدوا وجهلنا وضللنا ؟ !
نعم ، كيف لا يتعجب الإمام الصادق من أولئك الذين يدعون أنهم أخذوا العلم من رسول الله ، وهم يعادون أهل بيته وباب علمه الذي منه يؤتى ،
____________
(1) القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 440 وفرائد السبطين للحمويني بسنده عن مجاهد عن ابن عباس .
( 84 )
وكيف لا يتعجب من انتحالهم اسم « أهل السنة » وهم يخالفون هذه السنة ؟ ؟ !
وإذا كان الشيعة كما يشهد التاريخ قد اختصوا بعلي فناصروه ووقفوا ضد عده ، وحاربوا حربه وسالموا سلمه وأخذوا كل علومهم منه .
فأهل السنة والجماعة لم يتشيعوا له ولم ينصروه ، بل حاربوه وأرادوا القضاء عليه ، وقد تتبعوا أولاده من بعده قتلا وسجناً وتشريداً ، وخالفوه في أكر الأحكام باتباعهم أدعياء العلم الذين اختلفوا ببآرائهم واجتهاداتهم في أحكام الله فبدلوها حسب أهوائهم وما اقتضته مصالحهم .
وكيف لا نعجب نحن اليوم من الذين يدعون ابتاع السنة النبوية ويشهدون على أنفسهم أنهم تركوا سنة النبي لأنها أصبحت شعاراً للشيعة
(1) أليس ذلك عجيباً ؟ !
كيف لا نعجب من الذين يزعمون بأنهم « أهل السنة والجماعة » وهم جماعات متعددة مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية يخالون بعضهم في الأحكام الفقهية ويدعون بأن ذلك الاختلاف هو رحمة لهم ، فيصبح بذلك دين الله أهواء وآراء وما تشتهيه أنفسهم .
نعم إنهم جماعات متعددة تفرقوا في أحكام الله ورسوله ، ولكنهم اجتمعوا واتفقوا على تصحيح خلافة السقيفة الجائرة وترك وإبعاد العترة الطاهرة .
كيف لا نعجب من هولاء الذين يتبجحون بأنهم « أهل السنة » وقد تركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بالثقلين كتاب الله العترة رغم إخراجهم هذا الحديث وتصحيحه ؟ فإنهم لم يتمسكوا لا بالقرآن ولا بالعترة، لأنهم يتركهم للعترة الطاهرة فقد تركوا القرآن ، لأن الحديث الشريف مفاده أن القرآن والعترة لا يفترقان أبداً كما أخبر بذلك رسول الله بقوله : وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما
____________
(1) يراجع في ذلك كتاب « مع الصادقين » صفحة 159 ـ 160 ليعرف بأن ابن تيمية يقول بترك السنة النبوية إذا أصبحت شعاراً للشيعة ومع ذلك يسمونه مجدد السنة .
منهاج السنة لابن تيمية ج 2 ص 143 ، وشرح المواهب للزرقاني ج 5 ص 13 ، وكتاب الهداية .
( 85 )
( القرآن والعترة ) لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
(1) .
وكيف لا تعجب من قوم يدعون أنهم « أهل السنة » وهم يخالفون ما ثبت في صحاحهم من فعل النبي وأوامره ونواهيه
(2) ؟
أما إذا اعتقدنا وصححنا حديث : « تركت فيكم كتاب الله وسنتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً » كما يحلو لبعض « أهل السنة » أن يثبتوه اليوم ، فإن العجب سيكون أكبر والفضيحة أظهر .
إذ ان كبراءهم وأئمتهم هم الذين أحرقوا السنة التي تركها رسول الله فيهم ، ومنعوا من نقلها وتدوينها كما عرفنا ذلك في ما تقدم من أبحاث سابقة .
وقد قال عمر بن الخطاب بصريح اللفظ : « حسبنا كتاب الله يكفينا » . وهو رد صريح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والزاد على رسول الله راد على الله كما لا يخفى .
وقول عمر بن الخطاب هذا أخرجه كل صحاح « أهل السنة » بما فيهم البخاري ومسلم ، فإذا كان النبي قد قال : تركت فيكم كتاب الله وسنتي ، فعمر قال له : حسبنا كتاب الله ولا حاجة لنا بسنتك وإذا كان عمر قد قال بمحضر النبي حسبنا كتاب الله ، فإن أبا بكر أكد على تنفيذ رأي صاحبه فقال عندا أصبح خليفة : « لا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه »
(3) .
كيف لا تعجب من قوم تركوا سنة نبيهم ونبذوها وراء ظهورهم ، وأحلوا محلها بدعاً ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان ، ثم يسمون أنفسهم وأتباعهم « أهل السنة والجماعة » ؟
____________
(1) أخرجه الإمام أحمد ج 5 ص 189 من مسنده والمستدرك للحاكم ج 3 ص 148 . وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وصححه الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحته على شرط الشيخين .
(2) أخرج البخاري في صحيحه بأن النبي نهى عن صلاة التراويح في رمضان جماعة وقال : «صلوا أيها الناس في بيوتكم ، فإن أفضل صلاة المرء في بيته ما عدا الصلاة المكتوبة » . ولكن أهل السنة تركوا نهي الرسول واتبعوا بدعة عمر بن الخطاب .
(3) تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 3 .
( 86 )
ولكن العجب يزول عندما نعرف بأن أبا بكر وعمر وعثمان ما كانوا يعرفون هذه التسمية أبداً ، فهذا أبو بكر يقول : «لئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها »
(1) .
كيف لا يطيق أبو بكر سنة النبي ؟ فهل كانت سنته صلى الله عليه وآله وسلم أمراً مستحيلاً حتى لا يطيقها أبو بكر ؟
وكيف يدعي « أهل السنة » أنهم متمسكون بها إذا كان إمامهم الأول ومؤسس مذاهبهم لا يطيقها ؟ ؟ !
ألم يقل الله سبحانه في حقها :
«لكم في رسول الله أسوة حسنة» (الأحزاب : 21 ) ؟ وقال في حقها أيضاً :
«لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» ( الطلاق : 7 ) وقال أيضاً :
«ما جعل عليكم في الدين من حرج» (الحج : 78 ) .
فهل يرى أبو بكر وصاحبه عمر أن رسول الله ابتدع ديناً غير الذي أنزل الله ، فأمر المسلمين بما لا يطاق وكلفهم عسراً ؟ حاشاه فقد كان كثيراً ما يقول : بشروا ولا تنفروا ، يسروا ولا تعسروا ، إن الله أتاكم رخصة فلا تشددوا على أنفسكم .
ولكن اعتراف أبي بكر بأنه لا يطيق سنة النبي يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه أحدث بدعة يطيقها حسب هواه وتتماشى وسياسة الدولة التي ترأسها .
ولعل عمر بن الخطاب كان يرى هو الآخر بأن أحكام القرآن والسنة لا تطاق فعمد إلى ترك الصلاة إذا أجنب ولم يجد الماء وأفتى بذلك أيام خلافته وقد عرف ذلك الخاص والعام وأخرج ذلك عنه كل المحدثين .
وبما أن عمر كان مولعاً بكثرة الجماع وهو الذي نزل فيه قوله تعالى :
«علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم» ( البقرة : 167 ) ، لأنه لم يصبر على الجماع وقت الصيام وبما أن الماء كان قليلاً رأى عمر أنه من الأسهل أن يترك الصلاة ويرتاح إلى أن يتوفر لديه الماء الكافي للغسل عند ذلك يعود إلى الصلاة .
أما عثمان فقد خالف السنة النبوية كما هو معروف حتى أخرجت عائشة قميص النبي وقالت : لقد أبلى عثمان سنة النبي قبل أن يبلي قميصه ، وحتى
____________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 1 ص 4 وكنز العمال ج 3 ص 126 .
( 87 )
عابه الصحابة بأنه خالف سنة النبي وسنة الشيخين وقتلوه من أجل ذلك .
أما معاوية فحدث ولا حرج فإنه عاند القرآن والسنة وتحداهما ، فبينما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « علي مني وأنا من علي من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله »
(1) ، نجد معاوية قد أمعن في سبه ولعنه ولم يكتف بذلك حتى أمر كل ولاته وعماله أن يسبوه ويلعنوه ومن امتنع منهم عزله وقتله .
وإذا عرفنا بأن معاوية هو الذي سمى نفسه وأتباعه ـ بـ « أهل السنة والجماعة » في مقابل تسمية الشيعة بأتباع الحق .
وينقل بعض المؤرخين بأن العام الذي استولى فيه معاوية على الخلافة الإسلامية بعد صلح الحسن بن علي ، قد سمي ذلك العام بعام الجماعة .
ويزول العجب عندما نفهم بأن كلمة « السنة » لا يقصد بها معاوية وجماعته إلا لعن علي بن أبي طالب من فوق المنابر الإسلامية في أيام الجمعة والأعياد .
وإذا كانت « السنة والجماعة » من ابتكار معاوية بن أبي سفيان فنسأله سبحانه أن يميتنا على بدعة الرفض التي أسسها علي بن أبي طالب وأهل البيت (عليهم السلام ) !! .
ولا تستغرب أيها القارئ العزيز أن يصبح أهل البدعة والضلالة هم «أهل السنة والجماعة » ويصبح الأئمة الطاهرون من أهل البيت هم أهل البدعة .
فها هو العلامة ابن خلدون من مشاهير علماء « أهل السنة والجماعة » يقولها بكل وقاحة بعد أن عدد مذاهب الجمهور قال : « وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح »
(2) .
ألم أقل لك أيها القارئ من البداية : « لو عكست لأصبت » فإذا كان الفساق من بني أمية هم « أهل السنة » وأهل البيت هم أهل البدعة كما يقول ابن خلدون فعلى الإسلام السلام وعلى الدنيا العفا .
____________
(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 121 مسند أحمد ج 6 ص 123 خصائص النسائي ص 17 .
(2) مقدمة ابن خلدون ص 494 في فصل علم الفقه وما يتبعه من الفرائض .
( 88 )
حكام الجور هم الذين نصبوا أئمة « أهل السنة »
ومما يدلنا على أن أئمة المذاهب الأربعة من « أهل السنة » هم أيضاً خالفوا كتاب الله وسنة النبي الذي أمرهم بالاقتداء بالعترة الطاهرة ، فلم نجد واحداً منهم لوى عنقه وركب سفينتهم وعرف إمام زمانه .
فهذا أبو حنيفة الذي تتلمذ على الإمام الصادق والذي اشتهر عنه قوله : « لولا السنتان لهلك النعمان » نجده قد ابتدع مذهباً يقوم على القياس والعمل بالرأي مقابل النصوص الصريحة .
وهذا مالك الذي تلقى هو الآخر عن الإمام الصادق ، ويروى عنه قوله : ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفقه وأعلم من جعفر الصادق ، نجده قد ابتدع مذهباً في الإسلام وترك إمام زمانه الذي يشهد بنفسه أنه أعلم وأفقه الشر في عصره . فقد نفخ في روعه الحكام العباسيون وسموه « إمام دار الهجرة » فأصبح مالك بعدها صاحب الجاه والسلطان والحول والطول .
وهذا الشافعي الذي يتهم بأنه كان يتشيع لأهل البيت فقد قال في حقهم تلك الأبيات المشهورة :
يا أهل بيت رسول اله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له
( 89 )
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤكم * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل
ويشتهر عنه قوله :
إن كان رفضاً حب آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي
وإذا يشهد الثقلان أن رافضي فلماذا لم يرفض المذهب التي قامت ضد أهل البيت بل ابتدع هو الآخر مذهباً يحمل اسمه ، وترك أئمة أهل البيت الذين عاصرهم ؟
وهذا أحمد بن حنبل الذي ربع الخلافة بعلي وألحقه بالراشدين بعدما كان منكوراً ، وألف فيه كتاب الفضائل ، واشتهر عنه قوله : « ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثلما لعلي ( رض الله عنه ) » .
إلا أنه ابتدع له مذهباً في الإسلام اسمه المذهب الحنبلي ، رغم شهادة العلماء من معاصريه بأنه ليس فقيهاً ، قال الشيخ أبو زهرة : « إن كثيراً من الأقدمين لم يعدوا أحمد بن حنبل من الفقهاء ، كابن قتيبة وهو قريب من عصره جداً وكذلك ابن جرير الطبري وغيرهما »
(1) .
وجاء ابن تيمية فرفع لواء المذهب الحنبلي وأدخل عليه بعض النظريات الجديدة التي تحرم زيارة القبور والبناء عليها ، والتوسل بالنبي وأهل البيت فكل ذلك عنده شركاً .
فهذه هي المذاهب الأربعة وهؤلاء هم أئمتها وما ينسب إليهم من أقوال في حق العترة الطاهرة من آل البيت .
فإما أنهم يقولون ما لا يفعلون وهو مقت كبير عند الله ، أو أنهم لم يبتدعوا تلك المذاهب ، ولكن أتباعهم من أذناب الأمويين والعباسيين هم الذين
____________
(1) كتاب احمد بن حنبل لأبي زهرة ص 170 .
( 90 )
أسسوا تلك المذاهب بإعانة الحكام الجائرين ثم نسبوها إليهم بعد وفاتهم ، وهذا ما سنعرفه إن شاء الله في الأبحاث القادمة ,
أفلا تعجبون من هؤلاء الأئمة الذين عاصروا أئمة الهدى من أهل البيت ، ثم تنكبوا صراطهم المستقيم ولم يهتدوا بهديهم ، ولا اقتبسوا من نورهم ، ولا قدموا حديثهم عن جهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل قدموا عليهم كعب الأحبار اليهودي ، وأبا هريرة الدوسي الذي قال في شأنه أمير المؤمنين علي ( ع ) : « إن أكذب الناس على رسول اله لأبو هريرة الدوسي » كما قالت فيه عائشة بنت أبي بكر نفس الكلام .
ويقدمون عليهم عبد الله بن عمر الناصبي الذي اشتهر ببغضه للإمام علي وامتنع عن مبايعته وبايع إمام الضلالة الحجاج بن يوسف .
ويقدمون عليهم عمرو بن العاص وزير معاوية على الغش والنفاق .
أفلا تعجبون كيف أباح هؤلاء الأئمة لأنفسهم حق التشريع في دين الله بآرائهم واجتهاداتهم حتى قضوا على السنة النبوية بما أحدثوه من قياس واستصحاب وسد باب الذرائع والمصالح المرسلة وغير ذلك من بدعهم التي ما أنزل اله بها من سلطان ؟
وهل غفل الله ورسوله عن إكمال الدين ، وأباح لهم أن يكملوه باجتهاداتهم فيحللوا ويحرموا كما يحلو لهم ؟ !
أفلا تعجبون من المسلمين الذين يدعون التمسك بـ « السنة » كيف يقلدون رجلاً لم يعرفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعرفهم ؟ !
فهل عندهم دليل من كتاب الله ، أو من سنة رسوله على اتباع وتقليد أولئك الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب ؟ !
فأنا أتحدى الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بدليل واحد على ذلك من كتاب الله أو من سنة رسوله . فلا والله ، لا ولن يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً .
( 91 )
لا والله ، ليس هناك دليل في كتاب الله وسنة رسوله إلا على أتباع وتقليد الأئمة الطاهرين من عترة النبي ( صلى الله عليه وعليهم ) . أما هذا فهناك أدلة كثيرة وحجج دامغة وحقائق ساطعة .
«فاعتبروا يا أولي الأبصار» ( الحشر : 2 ) .
«فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» (الحج : 46 ) .
( 92 )
السر في انتشار المذاهب السنية
إن المتتبع في كتب التاريخ وما دونه الأسلاف يجد بما لا شك فيه بأن شيوع المذاهب « السنية » الأربعة في تلك العصور كان بإرادة السلطة الحاكمة وإدارتها ، ولذلك كثر أتباعها فالناس على دين ملوكهم .
كما يجد الباحث بأن هناك عشرات المذاهب التي انقرضت وذابت لأن الحاكم لم يكن راض عليها ، كمذهب الأوزاعي ومذهب حسن البصري ، وأبو عيينة وابن أبي ذؤيب ، وسفيان الثوري ، وابن أبي داود ، وليث بن سعد وغيرهم كثير .
وعلى سبيل المثال ، فإن ليث بن سعد كان صديق مالك بن أنس وكان أعلم منه وأفقه كما اعترف بذلك الشافعي
(1) .
ولكن مذهبه انقرض وفقهه ذاب واندرس لأن السلطة لم تكن عنه راضية.
وقال أحمد بن حنبل : كان ابن أبي ذؤيب أفضل من مالك بن أنس إلا أنآ مالكاً أشد تنقية للرجال
(2) .
وإذا راجعنا التاريخ ، فإننا نجد مالكاً صاحب المذهب قد تقرب إلى السلطة والحكام وسالمهم ومشى في ركابهم ، فأصبح بذلك الرجل المهاب والعالم المشهور ، وانتشر مذهبه بوسائل الترهيب والترغيب خصوصاً في الأندلس حيث
____________
(1) مناقب الشافعي ص 524 .
(2) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 176 .
( 93 )
عمل تلميذه يحيى بن يحيى على موالاة حاكم الأندلس ، فأصبح من المقربين وأعطاه الحاكم مسؤولية تعيين القضاة فكان لا يولي على القضاء إلا أصحابه من المالكية فقط .
كذلك نجد أن سبب انتشار مذهب أبي حنيفة بعد موته هو أن أبا يوسف والشيباني وهما من أتباع أبي حنيفة ومن أخلص تلاميذه ، كانا في نفس الوقت من أقرب المقربين لهارون « الرشيد » الخليفة العباسي ، وقد كان لهما الدور الكبير في تثبيت ملكه وتأييده ومناصرته ، فلم يسمح هارون « الجواري والمجون » لأحد أن يتولى القضاء والفتيا إلا بعد موافقتهما .
فلم ينصبا قاضياً إلا إذا كان على مذهب أبي حنيفة ، فصار أبو حنيفة أعظم العلماء ومذهبه أعظم المذاهب الفقهية المتبعة ، رغم أن علماء عصره كفروه وأعتبروه زنديقاً ، ومن هؤلاء الإمام أ؛مد بن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري .
كما أن المذهب الشافعي انتشر وقوي بعدما كاد يندرس ، وذلك عندما أيدته السلطة الغاشمة ، وبعدما كانت مصر كلها شيعة فاطمية ، انقلبت إلى شافعية في عهد صلاح الدين الأيوبي الذي قتل الشيعة وذبحهم ذبح النعاج .
كما أن المذهب الحنبلي ما كان ليعرف لولا تأييد السلطات العباسية في عصر المعتصم عندما تراجع ابن حنبل عن قوله بخلق القرآن ولمع نجمه في عهد المتوكل « الناصبي » .
وقوي وانتشر عندما أبدت السلطات الاستعمارية الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الماضي وتعامل هذا الأخير مع آل سعود فأيدوه فوراً وناصروه وعملوا على نشر مذهبه في الحجاز والحزيرة العربية .
وأصبح المذهب الحنبلي يعود إلى ثلاثة أئمة أولهم أحمد بن حنبل الذي لم يكن يدعي بأنه فقيهاً ، وإنما كان من أهل الحديث ، ثم ابن تيمية الذي لقبوه بشيخ الإسلام ومجدد « السنة » والذي كفره علماء عصره لأنه حكم على كل المسلمين بالشرك لأنهم يتبركون ويتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم جاء في القرن الماضي محمد بن عبد الوهاب صنيعة الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط ،
( 94 )
فعمل هو الآخر على تجديد المذهب الحنبلي بما أخذه من فتاوى ابن تيمية ، وأصبح أحمد بن حنبل في خبر كان إذ أن المذهب عندهم اليوم يسمى المذهب الوهابي .
ومما لا شك فيه أن أنتشار تلك المذاهب وشهرتها وعلو شأنها كان بتأييد ومباركة الحكام .
ومما لا شك فيه أيضاً بأن أولئك الحكام كلهم بدون استثناء كانوا يعادون الائمة من أهل البيت لشعورهم الدائم بأن هؤلاء يهددون كيانهم وزوال ملكهم ، فكانوا يعملون دائماً على عزلهم عن الأمة وتصغير شأنهم وقتل من يتشيع لهم .
فبديهي أن ينصب أولئك الحكام بعض العلماء المتزلفين إليهم والذين يفتونهم بما يتلاءم مع حكمهم ووجودهم ، وذلك لحاجة الناس المستمرة لوجود الحلول في المسائل الشرعية .
ولما كان الحكام في كل العصور لا يعرفون من الشريعة شيئاً ولا يفهمون الفقه ، فكان لابد أن ينصبوا عالماً باسمهم يفتي ، ويموهون على الناس بأن السياسة شيء والدين شيء آخر .
فكان الخليفة الحاكم هو رجل السياسة والفقيه رجل الدين كما يفعل ذلك اليوم رئيس الجمهورية في كل البلاد الإسلامية ، فتراه يعين أحد العلماء المقربين يسميه مفتي الجمهورية أو أي عنوان آخر يعبر عن ذلك ، ويكلفه بالنظر في مسائل الفتيا والعبادات والشعائر الدينية .
ولكنه في الحقيقة ليس لهذا الرجل أن يفتي أو يحكم إلا بما تمليه عليه السلطة وما يرضي الحاكم ، أو على الأقل ما لا يتعارض وسياسة الحكومة وتنفيذ مشاريعها .
وهذا الظاهرة برزت في الحقيقة من عهد الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان ، فهم وإن لم يفرقوا بين الدين والدولة إلا أنهم أعطوا أنفسهم حق التشريع بما يتماشى ومصالح الخلافة وضمان هيبتها واستمرارها .
( 95 )
ولما كان لهؤلاء الخلفاء الثلاثة حضور مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحة فقد أخذوا عنه بعض السنن التي لا تتعارض مع سياستهم .
فإن معاوية لم يدخل الإسلام إلا في السنة التاسعة للهجرة على أشهر الروايات الصحيحة ، فلم يصحب النبي إلا قليلاً ولم يعرف من سنته شيئاً يذكر ، فاضطر إلى تعيين أبي هريرة وعمرو بن العاص وبعض الصحابة الذين كلفهم بالإفتاء على ما يريده .
واتبع بنو أمية العباس بعده هذه « السنة الحميدة » أو هذه البدعة الحسنة ، فكل حاكم جلس إلى جانبه قاضي القضاة المكلف بدوره بتعيين القضاة الذين يراهم صالحين للدولة ويعملون على دعمها وتأييدها .
وما عليك بعد ذلك إلا أن تعرف ماهية أولئك القضاة الذين يغضبون ربهم في إرضاء سيدهم وولي نعمتهم الذي نصبهم .
وتفهم بعد ذلك السر في أبعاد الأئمة المعصومين من العترة الطاهرة فلا تجد منهم أحداً وعلى مر العصور عينوه من قبلهم أو نصبوه قاضياً أو قلدوه وسام الإفتاء .
وإذا أردنا مزيد التجقيق حول كيفية انتشار المذاهب « السنية » الأربعة بواسطة الحكام ، فلما أن يأخذ لذلك مثالاً واحداً من خلال كشف الستار عن مذهب الإمام مالك الذي يعد من أكبر المذاهب وأعظمها قدراً وأوسعها فقهاً ، فقد اشتهر مالك بالخصوص بالموطأ الذي كتبه بنفسه ويقال عند أهل السنة بأنه أصح الكتب بعد كتاب الله ، وهناك بعض العلماء الذين يقدمونه ويفضلونه على صحيح البخاري .
كما أن شهرة مالك فاقت كل الحدود ، حتى قيل : « أيفتى ومالك في المدينة » ؟ ولقبوه بإمام دار الهجرة .
ولا يفوتا أن نذكر بأن مالكاً أفتى بحرمة بيعة الإكراه فضربه جعفر بن سليمان والي المدينة سبعين سوطاً .
وهذا ما يحتج به المالكية دائماً على معاداة مالك للسلطة وهو غير صحيح
( 96 )
إذ ان الذين رووا هذه القصة ، هم أنفسهم الذين رووا ما بعدها ، فإليك البيان والتفصيل .
قال ابن قتيبة : « وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر المنصور ضرب مالك بن أنس وما أنزل به جعفر بن سليمان ، أعظم ذلك إعظاماً شديداً وأنكره ولم يرضه ، وكتب بعزل جعفر بن سليمان عن المدينة وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب .
ثم كتب إلى مالك بن أنيس ليستقدمه إلى نفسه ببغداد ، فأبى مالك ، وكتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك ويعتذر له بعض العذر إليه ، فكتب أبو جعفر إليه أن وافني بالموسم العام القابل إن شاء الله فإنى خارج إلى الموسم »
(1) .
فإذا كان أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي يعزل ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس عن ولاية المدينة من أجل ضرب مالك فهذا يبعث على الشك والتأمل .
إذ أن ضرب جعفر بن سليمان لمالك لم يكن إلا لتأييد خلافة ابن عمه وتدعيم ملكه وسلطانه ، فكان الواجب على أبي جعفر المنصور إكرام الوالي وترقيته ، لا عزله وإهانته بتلك الطريقة ، فقد عزله وأمر بإقدامه على شر حال مكبلاً بالأغلال على قتب ، ثم يبعث الخليفة بنفسه اعتذاره إلى مالك لكي يسترضيه ! إنه أمر عجيب !
ويفهم من ذلك بأن والي المدينة جعفر بن سليمان تصرف الحمقى الذين لا يعرفون من السياسة ودهائها شيئاً ، ولم يفهم بأن مالكاً هو عمدة الخليفة وركيزته في الحرمين الشريفين ، وإلا ما كان ليعزل ابن عمه من الولاية لأنه ضرب مالكاً الذي استحق ذلك من أجل فتواه بحرمة بيعة الإكراه .
وهذا ما يقع اليوم أيضاً بين ظهرانينا وأمام أعيننا عندما يحاول بعض الولاة إهانة شخص ما وسجنه لتدعيم هيبة الدولة وسلامة أمنها ، فإذا بذلك الشخص يكشف عن هويته وإذا به من أقارب السيد الوزير أو من معارف
____________
(1) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 2 ص 149 .
( 97 )
زوجة الرئيس فإذا بالوالي قد أعفي من منصبه ودعي لمهام أخرى قد لا يعرفها حتى الوالي نفسه .
وهذا يذكرني بحادثة وقعت زمن الاحتلال الفرنسي للبلاد التونسية ، فكان شيخ الطريقة العيساوية وجماعته يضربون البنادير ويرفعون أصواتهم بالمدائح في الليل مروراً ببعض الشوارع وحتى يصلوا إلى محل الحضرة كما هي عادتهم .
وبمرورهم أمام مسكن ضابط الشرطة الفرنسي ، خرج إليهم هذا الأخير مغضباً فكسر بناديرهم وفرق جمعهم ، لأنهم لم يعملوا بقانون احترام الجار والتزام الهدوء بعد العاشرة ليلاً .
ولما علم المراقب المدني بالحادثة وهو بمثابة الوالي عندنا ، غضب غضباً شديداً على ضابط الشرطة فعزله من منصبه وأعطاه ثلاثة أيام لمغادرة مدينة قفصة ، ثم استدعى شيخ الطريقة العيساوية واعتذر إليه باسم الحكومة الفرنسية ، واسترضاه بأموال كثيرة كي يشتري بها بنادير وأثاثاً جديداً ويعوض كل ما كسر لهم .
وعندما سأله أحد المقربين إليه لماذا فعل كل ذلك ؟ أجابه بأن الأفضل لنا أن يتلهى هؤلاء الوحوش بضرب البنادير وينشغلوا بالشطحات وأكل العقارب وإلا سوف يتفرغوا لنا ويأكلونا نحن لأنا غاصبين حقوقهم .
ونعود إلى الإمام مالك لنستمع إليه يروي بنفسه كيف كان لقاؤه بالخليفة أبي جعفر المنصور .
( 98 )
لقاء مالك مع أبي جعفر المنصور
هذه الرواية التي يرويها ابن قتيبة المؤرخ الكبير في كتابه تاريخ الخلفاء منقولة عن مالك نفسه ، فبلابد من هذه الملاحظة وأخذها بعين الاعتبار .
قال مالك : لما صرت بمنى أتيت السرادقات ، فأذنت بنفسي ، فأذن لي ، ثم خرج إلي الآذن من عنده فأدخلني ، فقلت للأذن : إذا انتهيت بي إلى القبة التي يكون فيها أمير المؤمنين فأعلمني ، فمر بي من سرادق إلى سرادق ، ومن قبة إلى أخرى ، في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة والأجزرة المرفوعة ، حتى قال لي الآذن : هو في تلك القبة ، ثم تركني الأذن وتأخر عني .
فمشيت حتى انتهيت إلى القبة التي هو فيها ، فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذي يكون فيه إلى البساط الذي دونه ، وإذا هو قد لبس ثياباً قصدة لا تشبه ثياب مثله تواضعاً لدخولي عليه ، وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت .
فلما دنوت منه ، رحب بي وقرب ، ثم قال : ها هنا إلي فأوميت للجلوس فقال : ها هنا ، فلم يزل يدنيني حتى أجلسني إليه ولصقت ركبتي بركبتيه .
ثم كان أول ما تكلم به أن قال : والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذي كان ولا علمته قبل أن يكون ، ولا رضيته إذ بلغني ( يعني الضرب ) .
قال مالك : فحمدت الله تعالى على كل حال وصليت على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،
( 99 )
ثم نزهته عن الأمر بذلك والرضا به ، ثم قال : يا أبا عبد الله ، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم ، وإني أخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة ، فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها ، قاتلهم الله أنى يؤفكون .
وقد أمرت أن يؤتى بعدو الله
(1) من المدينة على قتب ، وأمرت بضيق مجلسه والمبالغة في امتهانه ، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه .
فقلت له : عافى الله أمير المؤمنين ، وأكرم مثواه ، قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم منك .
قال أبو جعفر : وأنت فعفى الله عنك ووصلك .
قال مالك : ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء ، فوجدته أعلم الناس بالناس ، ثم فاتحني في العلم والفقه ، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه ، وأعرفهم بما اختلفوا فيه ، حافظاً لما روي واعياً لما سمع .
ثم قال لي : يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ، ودون منه كتبا ، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس ، وشواذ عبد الله بن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور ، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة (رضي الله عنهم ) ، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا سواها .
فقلت له : أصلح الله الأمير ، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا .
فقال أبو جعفر : يحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط ، فتعجل بذلك وضعها فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك ، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله .
____________
(1) يقصد ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس واليه على المدينة .
( 100 )
قال مالك : فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة بظهر القبة التي كنا فيها ، فلما نظر إلي الصبي فزع ثم تقهقر فلم يتقدم ، فقال له أبو جعفر : تقدم يا حبيبي إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز ، ثم التفت إلي فقال : يا أبا عبد الله أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم ؟ فقلت : لا !
فقال : والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحداً غيرك قط ، فلذلك تقهقر .
قال مالك : ثم أمر لي بألف دينار عيناً ذهباً ، وكسوة عظيمة ، وأمر لابني بألف دينار ، ثم استأذنته فأذن لي ، فقمت فودعني ودعا لي ، ثم مشيت منطلقاً ، فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكي وكذلك يفعلون بمن كسوه وإن عظم قدره ، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها ثم يسلمها إلى غلامه .
فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي كراهة احتمالها ، تبرؤا من ذلك .
فناداه أبو جعفر : بلغها رحل أبي عبد الله … إنتهي
(1) .
( 101 )
تعليق لابد منه لفائدة البحث والتحقيق
يلاحظ المتتبع لهذه المقابلة الودية التي جمعت بين الإمام مالك والخليفة الجائر أبي جعفر المنصور ، ومن خلال المحاورة التي دارت بينهما نستنتج الأمور التالية :
* أولاً : نلاحظ بأن الخليفة العباسي عزل واليه على المدينة وهو ابن عمه وأقرب الناس إليه ، وأهانه الإهانة بعد عزله ، ثم يعتذر للإمام مالك عما صدر عنه ويقسم بالله أنه لم يكن بأمره ولا بعلمه ولم يرضه عندما بلغه .
كل ذلك يدل على الوفاق التام الذي كان بين الرجلين ، والمكانة التي كان يخظى بها الإمام مالك عند أبي جعفر المنصور ، إلى درجة أنه يستقبله على انفراد بلباس داخلي ، ويجلسه مجلساً لم يجلس فيه أحد قط حتى ان ابن الخليفة فزع وتقهقر عندما رأى ركبتي مالك لاصقة بركبتي أبيه .
* ثانياً : نستفيد من قول المنصور لمالك : لا يزال أهل الحرمين بخير ما كمنت بين أظهرهم ، وإنك أمان لهم من عذاب الله وإن الله دفع بك عنهم وقعة عظيمة ، بأن أهل الحرمين أرادوا الثورة على الخليفة وحكمه الظالم فهداهم الإمام مالك وأحمد ثورتهم ببعض الفتاوى كالقول بوجوب الطاعة لله ورسوله وأولي الأمر ( وهو الحاكم ) وبذلك استكان الناس
____________
(1) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة الجزء الثاني ص 150 .
( 102 )
وهدأوا فلم بقتالهم الخليفة ، ودفع الله بتلك الفتوى مجزرة الخليفة
(1) .
ولذلك قال المنصور لمالك : إن أهل الحرمين أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها قاتلهم الله أنى يؤفكون .
* ثالثاً : إن الخليفة كان يرشح مالكاً ليكون هو العالم المنظور إليه في كل الأقطار الإسلامية ، ثم يفرض مذهبه على الناس ويحملهم على اتباعه بوسائل الترهيب والترغيب .
فمن وسائل الترغيب قوله : ونعهد إلى أهل الأمصار أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها ، وأن يوفدوا إليه وفودهم ويرسلوا إليه رسلهم في أيام حجهم .
ومن وسائل الترهيب قوله : أما أهل العراق فيحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ونقطع طي ظهورهم بالسياط .
ونفهم من هذه الفقرة ماذا كان يلاقيه الشيعة المساكين من حكام الجور من اضطهاد وقتل لحملهم على ترك الأئمة من أهل البيت وأتباع مالك وأمثاله .
* رابعاً : نلاحظ بأن الإمام مالكاً وجعفر المنصور كانا يحملان نفس العقائد ونفس المفاضلة بخصوص الصحابة والخلفاء الذين استولوا على الخلافة بالقوة والقهر .
قال مالك في ذلك : ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس ، ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء فوجدته أعلم الناس بالناس .
ولا شك بأن أبا جعفر المنصور بادل الإمام مالكاً نفس الشعور وأطراه بنفس الإطراء ، إذ قال له مرة لقاء قبل هذا : وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه
(2) ويقصد بأمير المؤمنين ( نفسه ، طبعا ) .
____________
(1) ولا تناقض بين فتواه بفساد بيعة الإكراه وفتواه بوجوب طاعة السلطان وقد رووا في ذلك أحاديث كثيرة أذكر منها على سبيل المثال : « من خرج على طاعة السلطان فمات على ذلك مات ميتة جاهلية » وكقولهم : « عليك بالسمع والطاعة ولو أخذ الأمير مالك وضرب ظهرك » .
(2) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 2 ص 142 .
( 103 )
ومما سبق نفهم بأن الإمام مالكاً كان من النواصب ، إذ أنه لم يكن يعترف بخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أبداً وقد أثبتنا في ما تقدم بأنهم أنكروا على أحمد بن حنبل الذي ربع الخلافة بعلي وأوجب له ما يجب للخلفاء قبله ، وغني عن البيان بأن مالكاً هلك قبل مولد ابن حنبل بكثير .
أضف إلى ذلك أن مالكاً اعتمد في نقل الحديث على عبد الله بن عمر الناصبي الذي كان يحدث بأنهم لا يعدلون في زمن النبي بأبي بكر أحداً ثم عمره ، ثم عثمان ، ثم الناس بعد ذلك سواسية .
وعبد الله بن عمر هو أشهر رجال مالك وأغلب أحاديث الموطأ تعود إليه وكذلك فقه مالك .
* خامساً : نلاحظ بأن السياسة التي قامت على الظلم والجور تريد أن تتقرب إلى الناس بما يرضيهم من الفتاوى التي ألفوها ولا تكلفهم الالتزام بالنصوص القرآنية أو النبوية .
فقد جاء في كلام المنصور لمالك قوله : ضع هذا العلم ودون منه كتباً وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة لنحمل الناس على علمك وكتبك .
ومن هذا يتبين لنا بوضوح بأن مذهب « أهل السنة والجماعة » هو خليط من شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود وما استحسنه مالك من أواسط الأمور التي كان عليها الأئمة والمقصود بهم «أبو بكر وعمر وعثمان » وما اجتمع عليه الصحابة الذين رضي عنهم الخليفة أبو جعفر المنصور .
وليس فيه شيء من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تروى عن الأئمة الطاهرين من عترته ، والذين عاصر المنصور ومالك البعض منهم ، وعمل الخليفة عل عزلهم وخنق أنفاسهم .
* سادساً : يلاحظ أن أول كتاب كتب في تدوين السنة من أحاديث الصحابة والتابعين هو كتاب الموطأ للإمام مالك ، وكان يطلب من السلطة
( 104 )
على لسان الخليفة نفسه لكي يحمل الناس عليه قهراً بضرب السيوف إن لزم ذلك كما صرح المنصور .
فلابد أن تكون تلك الأحاديث من وضع الأمويين والعباسين والتي تخدم مصالحهم وتقوي نفوذهم وسلطانهم ، وتبعد الناس عن حقائق الإسلام التي صدع بها نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم .
* سابعاً : نلاحظ بأن الإمام مالكاً ما كان يخشى إلا من أهل العراق لأنهم كانوا شيعة لعلي بن أبي طالب ، وقد تشبعوا بعلمه وفقهه وانقطعوا في تقليدهم للأئمة الطاهرين من ولده فلم يقيموا وزناً لمالك ولا لأمثاله لعلمهم بأن هؤلاء نواصب يتزلفون للحكام ويبيعون دينهم بالدرهم والدينار .
ولذلك قال مالك للخليفة : أصلح الله الأمير إن أهل العراق لا يرضون علمنا ، ولا يرون في عملهم رأينا .
فيجيبه المنصور بكل غطرسة : يحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ، ونقطع طي ظهورهم بالسياط .
وبهذا نفهم كيف انتشرت المذاهب التي ابتدعتها السلطات الحاكمة وسمتها بمذاهب « أهل السنة والجماعة » .
والأمر العجيب في كل ذلك أنك ترى أبا حنيفة يخالف مالكاً ، ومالكاً يخالفه ، والاثنين يخالفان الشافعي والحنبلي ، وهذان يختلفان ويخالفان الاثنين ، وليس هناك مسألة فيها اتفاق الأربعة إلا نادراً ، ومع ذلك فكلهم «أهل سنة وجماعة » . أي جماعة هذه ؟ مالكية ، أم حنفية ، أم شافعية ، أم حنبلية ؟ ؟ فلا هذا ولا ذاك ، وإنما هي جماعة معاوية بن أبي سفيان وهم الذين وافقوه على لعن علي بن أبي طالب وجعلوها سنة متبعة ثمانين عاماً .
ولماذا يسمح بالخلاف وتعدد الآراء والفتيا في المسألة الواحدة ويصبح خلافهم رحمة ما دام مقصوراً على المذاهب الأربعة ، فإذا خالفهم مجتهد آخر كفروه وأخرجوه عن الإسلام ؟
( 105 )
ولماذا لا يحمل خلاف الشيعة لهم كالخلاف فيما بينهم لو كانوا منصفين وعاقلين ؟
ولكن ذنب الشيعة لا يغتفر لأنهم لا يقدمون على علي أمير المؤمنين أحداً من الصحابة ، وهذا هو جوهر الخلاف الذي لا يتحمله « أهل السنة والجماعة » الذين اتفقوا على شيء واحد ألا وهو إقصاء علي عن الخلافة وطمس فضله وحقائقه .
* ثامناً : نلاحظ بأن الحكام الذين استولوا على أموال المسلمين بالقهر والقوة ، نراهم يوزعون هذه الأموال بسخاء على علماء السوء والمتزلفين إليهم لاستمالتهم وشراء ضمائرهم ودينهم بدنياهم .
قال مالك : ثم أمر لي بألف دينار عيناً ذهباً وكسوة عظيمة وأمر لابني بألف دينار .
فهذا ما اعترف به مالك على نفسه وقد يكون ما لم يحدث به أكثر من ذلك بكثير ، لأن مالكاً كان يشعر بالحرج من العطايا الظاهرة فكان لا يجب أن يراها الناس ، نفهم ذلك من قوله :
فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها كراهة احتمالها وتبرؤا من ذلك .
ولما عرف المنصور منه ذلك أمر الخصي أن يبلغها رحل أبي عبد الله مالك حتى لا يعرف الناس عنه ذلك .
( 106 )
إختبار الحاكم العباسي لعلماء عصره
كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور من الدهاة الكبار وقد عرف كيف يستولي على عقول الناس ويشتري ضمائرهم ، وقد عمل على بسط نفوذه وتوسيع دائرة ملكه بوسائل الترغيب والترهيب .
كما عرفنا مكره ودهاءه من خلال تعامله مع مالك بعد ما ضربه والي المدينة ، مما يدلنا على الصلة الوثيقة التي تربطه بالإمام مالك قبل تلك الواقعة بزمن طويل .
فقد كان لمالك لقاء مع المنصور قبل هذا اللقاء الذي ذكرناه بخمسة عشر عاماً وذلك إبان استيلاء المنصور على الخلافة
(1) . وقال المنصور لمالك فيما قال : « يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا ! » فقال مالك : يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ويلهمه الرشاد من القول ، فما رأى أمير المؤمنين ؟
فقال أبو جعفر : رأيت أني أجلسك في هذا البيت ، فتكون من عمار بيت الله الحرام ، وأحمل الناس على علمك ، وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفودهم ، ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم لتحملهم من أمر دينهم على
____________
(1) يذكر ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء ج 2 ص 150 بأن اللقاء الأول كان في سنة 148 للهجرة أما اللقاء الثاني الذي كان في موسم الحج فهو في سنة 163 للهجرة .
ونحن نقول بأن مالكاً كان دائم اللقاء بالخليفة وإنما ذكر ابن قتيبة هذين اللقاءين لأن مالكاً رواهما بنفسه ولأن فيهما أموراً مهمة ، فليس من المعقول أن يجتمع الخليفة مع مفتي الدولة مرة كل خمسة عشر عامً !
( 107 )
الصواب والحق إن شاء الله ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، وأنت أعلمهم …
(1) .
يقول ابن قتيبة لما ولي أوب جعفر المنصور الخلافة جمع مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب وابن سمعان في مجلس واحد وسألهم : أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور ؟
قال مالك ، فقلت : يا أمير المؤمنين أنا متوسل إليك بالله تعالى وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وقرابتك منه ، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا . قال : قد أعفاك أمير المؤمنين .
أما ابن سمعان فقال له : أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين ، تحج بيت الله الحرام ، وتجاهد العدو ، وتؤمن السبل ، ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي ، وبك قوام الدين ، فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة .
أما ابن أبي ذؤيب فقال له : أنت والله عندي شر الرجال استأثرت بمال الله ورسوله ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين ، وأهلكت الضعيف ، وأتعبت القوي ، وأمسكت أموالهم ، فما حجتك غداً بين يدي الله ؟
فقال له أبو جعفر : ويحك ما تقول ؟ أتعقل ؟ أنظر ما أمامك ؟
قال : نعم قد رأيت أسيافاً ، وإنما هو الموت ، ولابد منه عاجله خير من آجله .
وبعد هذه المحاورة طرد المنصور ابن أبي ذؤاب وابن سمعان ، واختل بمالك وحده وأمنه وقال له :
يا أبا عبد الله انصرف إلى مصرك راشداً مهدياً ، وإن أحببت ما عندنا ، فنحن لا نؤثر عليك أحداً ولا تعدل بك مخلوقاً .
قال : ثم بعث أبو جعفر المنصور من الغد لكل واحد منهم صرة فيها خمسة آلاف دينار مع أحد شرطته وقال له :
____________
(1) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 2 ص 142 .
( 108 )
تدفع لكل رجل منهم صرة ، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله ، وإن ردها فلا جناح عليه فيما فعل .
وأما ابن أبي ذؤيب فائتني برأسه إن أخذها ، وإن ردها عليك ، فبسبيله لا جناح عليه .
وإن يكن ابن سمعان ردها فأنت برأسه ، وإن أخذها فهي عافيته .
قال مالك : فنهض بها إلى القوم ، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم ، وأما ابن أبي ذؤيب فردها فسلم ، وأما أنا فكنت والله محتاجاً إليها فأخذتها
(1) .
ونلاحظ من هذه القصة بأن مالكاً يعرف جور الخليفة وظلمه ، ولكنه وللعلاقة الودية التي كانت بينه وبين المنصور فقد ناشده بمحمد وقرابته منه .
وهذا ما كان يعجب الحكام العباسيين ويهمهم في ذلك العصر ، وهو أن يعظمهم الناس ويمجدونهم بقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك فهم الخليفة قصد مالك فأعجبه ذلك وأعفاه من الكلام .
أما الثاني وهو ابن سمعان فقد أطراه بما ليس فيه مخافة القتل إذ كان السياف واقفاً ينتظر إشارة الخليفة .
أما الثالث وهو ابن أبي ذؤيب فكان شجاعاً ، لا يخشى في الله لومة لائم وكان مؤمناً مخلصاً وصادقاً ناصحاً لله ولرسوله ولعامة المسلمين ، فجابهه بحقيقة أمره وكشف عن زيفه ومغالطته ، وعندما هدده بالقتل رحب به ولم يخف منه .
ولذلك نرى أن الخليفة امتحن الرجلين بالأموال الطائلة ، وأعفى الإمام مالكاً من ذلك الامتحان ، فهو سالم في الحالتين إن أخذها أو ردها .
أما ابن أبي ذؤيب فيقطع رأسه إن أخذها وكذلك ابن سمعان بقطع رأسه إن ردها .
ولما كان أبو جعفر المنصور داهية عظمى تراه عمل على رفع مكانة مالك
____________
(1) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 2 ص 144 .
( 109 )
وفرض مذهبه ، وقضى على مذهب ابن أبي ذؤيب بالرغم من أن ابن أبي ذؤيب كان أعلم من مالك وأفضل منه كما اعترف بذلك الإمام أحمد بن حنبل
(1) .
كما أن ليث بن سعد كان أفقه من مالك ، كما اعترف بذلك الإمام الشافعي
(2) .
والحقيقة في ذلك العصر أن الإمام جعفر الصادق كان أفضل وأعلم وأفقه منهم جميعاً وقد اعترفوا كلهم بذلك
(3) ، وهل يتجرأ أحد من الأمة أن يباريه في علم أو في عمل ، في فضل أو في شرف ، وجده علي بن أبي طالب هو أفضل وأعلم وأفقه من الخلق كلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
ولكن السياسة هي التي ترفع قوماً وتضع آخرين والمال هو الذي يقدم قوماً ويؤخر آخرين .
والذي يهمنا في هذا البحث هو أن نبين بالأدلة الواضحة والحجج الدامغة بأن المذاهب الأربعة لـ « أهل السنة والجماعة » هي مذاهب ابتدعتها السياسة وفرضتها على الناس بوسائل الترهيب والترغيب والدعابة ، فالناس على دين ملوكهم .
ومن أراد مزيداً من البيان والتحقيق فعليه بقراءة كتاب « الإمام الصادق والمذاهب الأربعة » للشيخ أسد حيدر ( رحمه الله ) وهناك سيعرف ما حضي به الإمام مالك من الجاه والسلطان حتى أن الإمام الشافعي كان يتوسل بوالي المدينة كي يدخل على مالك فيقول له الوالي : « أفضل المشي راجلاً من المدينة إلى مكة أهون علي من الوقوف على باب مالك ، لأني لا أشعر بالذلة إلا عند الوقوف على بابه » .
____________
(1) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 176 .
(2) مناقب الشافعي ص 524 .
(3) قد مر عليك قول مالك : ما رأت عين ولا سمعت أنذ ولا خطر على قلب بشر أفقه من جعفر بن محمد الصادق .
( 110 )
وهذا أحمد أمين المصري يقول في كتابه ظهر الإسلام : « كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذهب أهل السنة ، والحكومات عادة إذا كانت قوية وأيدت مذهبا من المذاهب تبعه الناس بالتقليد ، وظل سندا إلى أن تداول الدولة »
(1) .
ونحن نقول بأن مذهب الإمام جعفر الصادق وهو مذهب أهل البيت إذا جاز لنا تسميته بالمذهب جرياً على عادة المسلمين وإلا فإنه الإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يؤيده أي حاكم ولم تعترف به أية سلطنة ، بل عمل كل الحكام على إسقاطه والقضاء عليه وتنفير الناس منه بشتى الوسائل .
فإذا شق تلك الظلمات الحالكة وكان له أتباع وأنصار عبر القرون الظالمة فذلك من فضل الله تعالى على المسلمين ، لأن نور الله لا تطفئه الأفواه ، ولا تقضي عليه السيوف ولا تبطله الدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة لئلا يكون للناس على الله حجة أو يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين .
والذين اقتدوا بأئمة الهدى من العترة الطاهرة ، كانوا ثلة قليلة يعدون على الأصابع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتكاثروا على مر التاريخ والعصور لأن الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، وما كان لله دام واتصل .
وقد حاولت قريش القضاء على محمد في بداية الدعوة ، ولما عجزت عن ذلك بفضل الله وفضل أبي طالب وعلي اللذين كانا يفديانه بنفسيهما سلت قريش نفسها بأن محمداً أبتر ليس له عقب إذا مات انقطع نسله وانتهى أمره ، فصبروا على مضض .
ولكن رب العالمين أعطاه الكوثر وأصبح محمد جد الحسنين وبشر المؤمنين بأنهما إمامان إن قاما وإن قعدا ، وبأن الأئمة كلهم من ذرية الحسين ، وهذا كله يهدد مصالح قريش ومستقبلها .
وهذا لم يعجب قريش فثارت ثائرتها بعد وفاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحاولت القضاء
____________
(1) كتاب ظهر الإسلام ج 4 ص 96 .
( 111 )
على عترته كلها فأحاطوا بيت فاطمة بالحطب ولولا استسلام علي وتضحيته بحقه في الخلافة ومسالمته لهم ، لقضي عليهم ، وانتهى أمر الإسلام من ذلك اليوم .
وسكتت قريش وهدأ روعها ما دامت هي الحاكمة وليس في نسل محمد من يهدد مصالحها ، وبمجرد ما رجعت الخلافة لعلي اشعلت قريش ضده الحروب الطاحنة ولم تهدأ حتى قضت عليه وأرجعت الخلافة إلى أخبث بطن من بطونها فأصبحت ملكية قيصرية يعهد بها الآباء إلى أبنائهم ، وعندما رفض الحسين مبايعة يزيد قريش هبت قريش عند ذلك وثارت ثورتها العارمة للقضاء نهائياً على العترة النبوية وكل شيء اسمه نسل محمد بن عبد الله .
فكانت مذبجة كريلاء والتي قتلوا فيها ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما في ذلك الصبيان والرضع وأرادوا اجتثاث شجرة النبوة بكل فروعها ، ولكن الله سبحانه وتعالى أنجز وعده لمحمد فأنقذ علي بن الحسين وأخرج من صلبه بقية الأئمة وملئت الأرض بنسله شرقاً ومغرباً ، وكان الكوثر .
فما من بلد ولا قرية ولا بقعة من الأرض إلا لنسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها وجود وأثر وعند الناس لهم فيها احترام ومودة .
وها نحن اليوم وبعد كل المحاولات التي باءت بالفشل ، أصبح عدد نفوس الشيعة الجعفرية وحدهم يبلغ 250 مليون مسلم في العالم كلهم يقلدون الأئمة الاثني عشر من عترة النبي ويتقربون إلى الله بمودتهم وموالاتهم ويرجون شفاعة جدهم .
ولن تجد مثل هذا العدد في أي مذهب من المذاهب الأخرى إذا أخذنا كل مذهب على انفراد رغم تأييد الحكام وقرضهم .
«ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» ( الانفال : 30 ) .
ألم يأمر فرعون بذبح كل مولود من الذكور في بني اسرائيل عندما أخبره المنجمون بأن مولوداً في الإسرائيليين يهدد بزوال ملكه ؟ ولكن خير الماكرين أنفذ
( 112 )
موسى من مكر فرعون وأوصله حتى تربى في حجر فرعون نفسه وقوض ملكه وأهلك حزبه وكان أمر الله مفعولاً .
ألم يعمل معاوية ( فرعون زمانه ) على لعن علي وقتله وقتل أولاده وشيعته ؟ ألم يحرم أن يذكره ذاكر بفضيلة ؟ ألم يحاول بكل مكره على إطفاء نور الله وإرجاع الأمر إلى الجاهلية ؟ ولكن خير الماكرين رفع ذكر علي رغم أنف معاوية وحزبه وأصبح ذكر علي يلهج به المسلمون سنة وشيعة بل حتى النصارى واليهود ، وأصبح قبر علي مزاراً بعد قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يطوف حول ضريحه ملايين المسلمين يذرفون الدموع ويتقربون إلى الله به وتعلو مقامه قية ومآذن ذهبية شامخة في السماء تأخذ بالأبصار .
بينما خمد ذكر معاوية الأمبراطور الذي ملك الأرض وعاث فيها فساداً فهل تجد له ركزاً ؟ أم تجد له مزاراً يذكر غير مقبرة مظلمة ومهملة ؟ فإن للباطل جولة وللحق دولة فاعتبروا يا أولي الألباب .
والحمد لله على هدايته ، الحمد لله الذي عرفنا بأن الشيعة هم على سنة الرسول فهم أهل السنة النبوية لأنهم اقتدوا بأهل البيت ، وأهل البيت أدرى بما فيه ، وهم الذين اصطفاهم الله وأورثهم علم الكتاب .
كما عرفنا بأن « أهل السنة والجماعة » قد اتبعوا بدع الحكام من السلف والخلف كما أنهم لا حجة لهم فيما يدعونه .
( 113 )
حديث الثقلين عند الشيعة
ومما يدل على أن الشيعة هم اتباع السنة النبوية الصحيحة هو ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث الثقلين وقوله : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ، فلا تتقدموهم فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم
(1) وفي بعض الروايات : وإن اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
وحديث الثقلين هذا أخرجه « أهل السنة والجماعة » في أكثر من عشرين مصدراً من صحاحهم ومسانيدهم ، كما أخرجه الشيعة في كل كتب الحديث .
وهو كما ترى صريح صراحة لا مزيد عليها بأن « أهل السنة والجماعة» ضلوا لأنهم لم يتمسكوا بهما معاً وهلكوا لأنهم تقدموا على أهل البيت وظنوا بأن أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وابن حنبل أعلم من العترة الطاهرة فقلدوهم وتركوا العترة الطاهرة .
على أن قول بعضهم بأنهم تمسكوا بالقرآن لا دليل عليه لأن القرآن كله عمومات وليس فيه تفاصيل الأحكام ، وهو حمال اوجه ولا بد له من مبين ومفسر كما هو الحال بالنسبة للسنة النبوية التي تتطلب رواة ثقات ومفسرين عالمين .
____________
(1) صحيح الترمذي وصحيح مسلم ومستدرك الحاكم ومسند أحمد بن حنبل وكنز العمال وخصائص النسائي وطبقات ابن سعد والطبراني والسيوطي وابن حجر وابن الأثير . ولمعرفة عدد الأجزاء والصفحات يراجع كتاب المراجعات ص 82 وما بعدها .
( 114 )
وليس هناك حلّ لهذا المشكل إلا بالرجوع لأهل البيت أعني الأئمة من العترة الطاهرة الذين أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وإذا أضفنا إلى حديث الثقلين المتقدم أحاديث أخرى لها نفس المعنى وترمي إلى نفس الهدف كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض »
(1) وقوله أيضاً :
« علي مع الحق والحق مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة »
(2) تأكد لدينا ولدى كل باحث بأن من ترك علياً فقد ترك التفسير الحقيقي لكتاب الله تعالى ، ومن ترك علياً فقد نبذ الحق وراء ظهره واتبع الباطل فليس بعد الحق إلا الضلال .
وتأكد لدينا أيضاً بأن « أهل السنة والجماعة » تركوا القرآن والسنة النبوية بتركهم الحق وهو علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، كما تأكدت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله بأن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في الضلالة إلا فرقة واجدة .
وهذه الفرقة الناجية هي التي اتبعت الحق والهدى باتباعها للإمام علي (عليه السلام ) ، فحاربوا حربه وسالموا سلمه واقتدوا به في علمه وتمسكوا بالأئمة الميامين من ولده .
«أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ، ذلك لمن خشي ربه» ( البينة : 7 ـ 8 ) .
____________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 3 ص 124 والذهبي في تلخيصه .
(2) منتخب كنز العمال ج 5 ص 30 تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 119 .
تاريخ بغداد ج 14 ص 321 ، تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج 1 ص 73 .
( 115 )
حديث الثقلين عند « أهل السنة »
كما قدمنا فإن نفس الحديث الذي ذكرناه في الفصل السابق ، هو الذي أخرجه علماء « أهل السنة والجماعة » واعترفوا بصحته في أكثر من عشرين مصدراً من مصادرهم المشهورة .
وإذا اعترفوا بصحة الحديث فقد شهدوا على أنفسهم بالضلالة ضمنياً ، لأنهم لم يتمسكوا بالعترة الطاهرة واعتنقوا مذاهب واهية ما أنزل الله بها من سلطان ولا وجود لها في السنة النبوية .
والعجيب من علماء « أهل السنة » اليوم وبعد انقراض بني أمية وهلاكهم ، وفي عصر كثر فيه الاتصال المباشر وتوفرت فيه وسائل البحوث العلمية ، فكيف لا يتوبرون ويرجعون إلى الله من قريب كي يشملهم قوله سبحانه وتعالى :
«وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى» ( طه : 82 ) .
وإذا كان الناس في القرون الخالية زمن الخلافة مكرهين على اتباع السلطان بالقهر والقوة ، فما هو عذرهم اليوم ، والسلطان في كل البلاد لا يهمه من أمر الدين شيئاً ما دام عرشه مضموناً وهو يتبجح بالديمقراطية وبحقوق الإنسان التي من ضمنها حرية الفكر والعقيدة ؟
بقي هناك من علماء « أهل السنة » المعترضون على حديث الثقلين المذكور ،
( 116 )
بحديث « تركت فيكم كتاب الله وسنتي »
(1) .
وأقل ما يقال في هؤلاء : إنهم بعيدون عن مقاييس العلم وأصول البحث والمعرفة ، وإثبات الحجة والدليل .
____________
(1) قلنا في ما سبق من الأبحاث بأن حديث « كتاب الله وسنتي » هو حديث مرسل غير مسند ولم يخرجه الصحاح ، بينما حديث « كتاب الله وعترتي » هو حديث صحيح ومتواتر أخرجه كل الصحاح عند السنة والشيعة .
( 117 )
كتاب الله وعترتي ، أو كتاب الله وسنتي ؟
قد وافينا البحث في هذا الموضوع في كتاب « مع الصادقين » وقلنا باختصار بأن الحديثين لا يتناقضان لأن السنة النبوية الصحيحة محفوظة عند العترة الطاهرة من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأهل البيت أدرى بما فيه وعلي بن أبي طالب هو باب السنة النبوية وهو أولى أن يكون راوية الإسلام من أبي هريرة ومن كعب الأحبار ووهب بن منبه.
ومع ذلك لابد من مزيد البيان والتوضيح ، ولو أدى ذلك إلى التكرار فإن في الإعادة إفادة ، ولعل بعضهم لم يقرأوه هناك فإنهم سيطلعون عليه هنا بمزيد من التفصيل والإيضاح .
ولعل القراء الكراميجدون في هذا البحث ما يقنعهم بأن حديث «كتاب الله وعترتي » هو الأصل ، وإنما عمد الخلفاء على إبداله بحديث «كتاب الله وسنتي » ليبعدوا بذلك أهل البيت عن مسرح الحياة .
ولابد من الملاحظة بأن حديث « كتاب الله وسنتي » لا يصح حتى عند «أهل السنة والجماعة » لأنهم رووا في صحاحهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاهم عن كتابتها ، إذا كان حديث النهي صحيحاً ، فكيف يجوز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول : تركت فيكم سنتي وهي غير مكتوبة ولا معلومة ؟ ؟ !
ثم لو كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً ، فكيف جاز لعمر بن الخطاب أن يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول : حسبنا كتاب الله ؟ !
( 118 )
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ترك سنة مكتوبة ، فكيف جاز لأبي بكر وعمر حرقها ومنعها من الناس ؟ !
وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً ، فلماذا يخطب أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول : لا تحدثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه
(1) ؟ !
وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً ، فلماذا خالفها أبو بكر في قتال مانعي الزكاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قال لا إله إلا لله عصم مني دمه وماله وحسابه على الله ؟ !
وإذا كان حديث « كتاب الله سنتي » صحيحاً ، فكيف جاز لأبي بكر وعمر ومن وافقهما من الصحابة أن يستبيحوا حرمة الزهراء ويهجموا على بيتها مهددين بحرقها بمن فيها ، ألم يسمعوا قول النبي فيها : «فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني ومن أذاها فقد أذاني ؟ » بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، ألم يسمعوا قول الله تعالى :
«قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى » ( الشورى : 23 ) التي نزلت فيها وفي بعلها وولديها ؟ فهل كانت مودة أهل البيت هي ترويعهم وتهديدهم بالحرق ، وضغط الباب على بطن فاطمة حتى أسقطت جنينها بأبي هي وأمي ؟ ؟ !
وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً ، فكيف استحل معاوية والصحابة الذين بايعوه وساروا في ركابه أن يلعنوا علياً ويسبوه على المنابر طيلة حكم بني أمية ، ألم يسمعوا أمر الله لهم بأن يصلوا عليه كما يصلون على النبي ؟ ألم يسمعوا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « من سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله »
(2) ؟ !
وإذا كان حديث « كتاب الله وسنتي » صحيحاً ، فلماذا غابت هذه السنة على
____________
(1) تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 3 .
(2) سمتدرك الحاكم ج 3 ص 121 قال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 73 خصائص النسائي ص 24 . المناقب للخوارزمي ص 82 .
( 119 )
أكثر الصحابة فجهلوها وأفتوا في الأحكام بآرائهم ، وكذلك فعل أئمة المذاهب الأربعة الذين التجأوا للقياس والاجتهاد ، والإجماع وسد باب الذرائع ، والمصالح المرسلة والاستصحاب وصوافي الأمراء وأخف الضررين وغير ذلك
(1) ؟ !
فإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك « كتاب الله وسنة نبيه » ليعصمان الناس من الضلالة ، فلا داعي لكل هذه الأمور التي ابتدعها « أهل السنة والجماعة » فكل بدعة وضلالة وكل ضلالة في النار كما جاء في الحديث الشريف ..!
ثم إن العقلاء وأهل المعرفة ، يلقون باللوم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أهمل سنته ولم يعتن بها ولم يأمر بتدوينها وحفظها ومن ثم صيانتها من التحريف والاختلاف والوضع والاختلاق ، ثم يقول للناس : « إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، كتاب الله وسنتي » !
أما إذا قيل لهؤلاء العقلاء بأنه نهاهم عن كتابتها فسيكون عند ذلك هزؤاً ، لأن ذلك ليس من أفعال الحكماء ، إذ كيف ينهى المسلمين عن كتابة سنته ، ثم يقول لهم : تركت فيكم سنتي ؟ ؟ !
أضف إلى كل ما تقدم بأن كتاب الله المجيد ، إذا أضفنا إليه السنة النبوية التي كتبها المسلمون عبر القرون ، فإن فيها الناسخ والمنسوخ وفيها الخاص والعام وفيها المحكم والمتشابه ، فهي شقيقة القرآن ، غير أن القرآن كله صحيح لأن الله سبحانه تكفل بحفظه ولأنه مكتبوب ، أما السنة ففيها المكذوب أكثر من الصحيح ، فالسنة النبوية هي قبل كل شيء محتاجة إلى المعصوم الذي يدل على صحيحها ويطرح كل ما وضع فيها ، وغير المعصوم لا يقدر على شيء من ذلك ولو كان عالماً علامة .
كما أن « القرآن والسنة » معاً يفترقان إلى عالم متبحر عارف بكل أحكامهما مطلع على أسرارهما ، لكي يبين للناس من بعد النبي ما اختلفوا فيه وما جهلوه .
____________
(1) جامع بيان العلم ج 2 ص 174 .
( 120 )
ألم تر أن الله سبحانه أشار إلى أن القرآن الكريم يفتقر إلى مبين ، فقال جل وعلا :
«وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» ( النحل : 44 ) ؟ فلو لم يكن النبي يبين للناس ما نزل إليهم ، لم يكونوا ليعرفوا أحكام الله ولو نزل القرآن بلغتهم !
وهذا أمر بديهي يعرفه كل الناس ، ورغم نزول القرآن بفرائض الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، فالمسلمون في حاجة لبيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو الذي أوضح كيفية أداء الصلاة ، ومقدار نصاب الزكاة ، وأحكام الصوم ، ومناسك الحج ، ولولاه لما عرف الناس من ذلك شيئاً .
وإذا كان القرآن الذي لا اختلاف فيه ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بحاجة إلى مبين ، فإن السنة النبوية أحوج من القرآن إلى من يبينها ، وذلك لكثرة الاختلاف الذي حصل فيها ولكثرة الدس والكذب الذي طرأ عليها ، وإنه من الطبيعي جداً ، بل من الضروريات العقلية أن يعتني كل رسول بالرسالة التي بعث بها ، فيقيم عليها وصياً وقيماً بوحي من ربه حتى لا تضيع الرسالة بموته ، ولأجل ذلك كان لكل نبي وصي .
ولكل ذلك أعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خليفته ووصيه على أمته علي بن ابي طالب ورباه منذ صغره بأخلاق النبوة ، وعلمه في كبره علم الأولين والآخرين ، وخصه بأسرار لا يعرفها غيره ، ودل الأمة عليه مراراً وأرشدهم إيه تكراراً ، فقال لهم إن هذا أخي ووصيي وخليفتي عليكم ، وقال : أنا خير الأنبياء وعلي خير الأوصياء وخير من أترك بعدي ، وقال : علي مع الحق والحق معه ، وعلي مع القرآن والقرآن معه ، وقال : أنا قاتلت على تنزيل القرآن وعلي يقاتل على تأويله ، وهو الذي يبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي ، وقال : لا يؤدي عني إلا علي وهو ولي كل مؤمن بعدي وقال : علي مني بمنزلة هارون من موسى ، علي مني وأنا منه وهو باب علمي
(1) .
____________
(1) كل هذه الأحاديث صحيحة عند « أهل السنة والجماعة » أخرجها علماؤهم وصححوها وقد ذكرناها في الكتب السابقة ومن أراد المصادر فعليه بكتاب المراجعات بتحقيق حسين الراضي .
( 121 )
وقد ثبت بالدليل العلمي وبالتاريخ وما كتبه أصحاب السير بأن علياً كان المرجع الوحيد للكل الصحابة عالمهم وجاهلهم ، ويكفي أن يعترف «أهل السنة » بأن عبد الله بن عباس والذي لقبوه بحبر الأمة تلميذه وخريجه كما يكفي دليلاً أن كل العلوم التي عرفها المسلمون تنسب إليه (عليه السلام )
(1) .
وعلى سبيل الافتراض لو تعارض حديث « كتاب الله وسنتي » مع حديث «كتاب الله وعترتي » لوجب تقديم الثاني على الأول أعني تقديم «عترتي » على «سنتي » ، ليتسنى للمسلم العاقل الرجوع إلى أئمة أهل البيت الطاهرين كي يبينوا له مفاهيم القرآن والسنة .
أما لو أخذ بحديث « كتاب الله وسنتي » فسوف يبقى محتاراً في كل من القرآن والسنة ولا يجد المرجع الموثوق الذي يبين له الأحكام التي لم يفهمها ، أو الأحكام التي اختلف فيها العلماء اختلافاً كبيراً وقال فيها أئمة المذاهب أقوالاً متعددة أو متناقضة .
ولا شك بأنه لو أخذ بقول هذا العالم أو ذاك ، أو اتبع رأي هذا المذهب أو ذاك ، فإنما يتبعه ويأخذ منه بدون دليل على صحة هذا ويطلان ذاك ، وإن قبول هذا المذهب ورفض ذاك هو تعصب أعمى وتقليد بدون حجة ، قال الله تعالى في هذا المعنى :
«وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً» ( يونس : 36 ) . وأضرب لذلك مثالاً واحداً حتى يعرف القاريء الكريم صدق الحديث ويتبين له الحق من الباطل .
لو أخذنا القرآن الكريم وقرأنا فيه آية الوضوء وقول الله تعالى :
«وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين» ( المائدة : 6 ) ، فهمنا منها لأول وهلة مسح الأرجل كمسح الرؤوس ، وإذا نظرنا إلى فعل المسلمين نجدهم مختلفين في ذلك .« فأهل السنة والجماعة » كلهم يغسلون ، والشيعة كلهم يمسحون .
فنصاب عند ذلك بالحيرة والشك ، أيهما الصحيح ؟
____________
(1) راجع في ذلك مقدمة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه للنهج .
( 122 )
ونرجع إلى العلماء من « أهل السنة والجماعة » ومفسريهم ، فنجدهم مختلفين في هذا الحكم على حسب ما يروونه من أن هناك قراءتين « أرجلكم بالنصب » و « أرجلكم بالجر » .
ثم يصححون القراءتين ويقولون : من قرأ بالنصب فقد أوجب الغسل ومن قرأ بالجر فقد أوجب المسح .
ثم يطلع علينا عالم ثالث متبحر في اللغة العربية من علماء السنة
(1) فيقول : إن قراءة النصب وقراءة الجر توجبان المسح ، لأن الأرجل إما تكون منصوبة على المحل أو تكون مجرورة بالجوار ، ثم يقول بأن القرآن جاء بالمسح وجاءت السنة بالغسل .
وأنت كما ترى أيها القارئ بأن علماء « السنة والجماعة » لم يزيلوا حيرتنا باضطراب أقوالهم ، بل قد ضاعفوا شكنا لقولهم بأن السنة خالفت القرآن ، وحاشا للنبي أن يخالف القرآن ويغسل رجليه في الوضوء ، ولو غسل النبي رجليه في الوضوء لما جاز لكبار الصحابة مخالفته وهم من هم في العلم والمعرفة والقرب منه أمثال علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن والحسين وحذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وكل الصحابة الذين قرأوا بالجر وهم أغلب القراء الذين أوجبوا المسح وكل الشيعة الذين اقتدوا بالأئمة من العترة الطاهرة قالوا بوجوب المسح .
فما هو الحل ؟ !
ألم تر أيها القارئ العزيز بأن المسلم سيبقى محتاراً في شكه وبدون الرجوع إلى من يعتمد عليه فسوف لا يعرف وجه الصواب ولا يدري ما هو حكم الله الصحيح من المكذوب عليه ؟
وقد تعمدت أن أضرب لك هذا المثال من القرآن الكريم أيها القارئ العزيز حتى تعرف مدى الاختلاف والتناقض الذي يتخبط فيه علماء المسلمين من
____________
(1) هو الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ج 11 ص 161 .
( 123 )
« أهل السنة والجماعة » في أمر كان يفعله النبي عدة مرات في كل يوم وطيلة ثلاثة وعرين عاماً .
وكان من المفروض أن يعرفه الخاص والعام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا بالعلماء عند « أهل السنة » يختلفون في القراءات فينصبون ، ويجرون ويرتبون على ذلك أحكاماً متضاربة !
وللعلماء في تفسير كتاب الله وترتيب الأحكام على حسب القراءات المتعددة اختلافات كثيرة لا تخفى على الباحثين .
وإذا كان اختلافهم في كتاب الله ظاهراً فهو في السنة النبوية أظهر وأكثر.
فما هو الحل إذن ؟
إذا قلت بوجوب الرجوع إلى من يعتمد عليه في شرح وبيان الأحكام الصحيحة من القرآن والسنة ، فسوف نطالبك بالشخص العاقل المتكلم ، لأن القرآن والسنة لا يعصمان من الضلالة ، فهما صامتان لا يتكلمان ويحملان عدة وجوه كما قدمنا في آية الوضوء ، ولقد اتفقنا عزيزي القارئ على وجوب تقليد العلماء العارفين بحقائق القرآن والسنة ، وبقي الخلاف بيننا فقط في معرفة هؤلاء العلماء العارفين بحقائق القرآن والسنة .
فإذا قلبت بأنهم علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة الكرام ، فقد عرفنا اختلافهم في آية الوضوء وفي غيرها من المسائل ، كما عرفنا بأنهم تقاتلوا وكفر بعضهم بعضاً ، فلا يمكن الاعتماد عليهم جميعاً ، وإنما يعتمد على المحقين منهم دون المبطلين ويبقى المشكل قائماً .
وإذا قلت بالرجوع إلى ائمة المذاهب الأربعة ، فقد عرفت بأنهم اختلفوا أيضاً في أكثر المسائل حتى قال بعضهم بكراهة البسملة في الصلاة وقال بعضهم ببطلان الصلاة بدونها ، وقد عرفت أحوال هذه المذاهب وأنها من صنائع الحكام الظالمين ، وعرفت أيضاً بأنهم بعيدون عن عهد الرسالة ولم يعرفوا الصحابة فضلاً عن النبي نفسه .
فلم يبق أمامنا إلا حل واحد لا ثاني له ، ألا وهو الرجوع الى أئمة العترة من
( 124 )
أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، العالمين ، العاملين الذين لم يلحقهم أحد في علمهم وورعهم وحفظهم وتقواهم فهم المعصومون عن الكذب والخطأ بنص القرآن الكريم
(1) وعلى لسان النبي العظيم
(2) .
فقد أورثهم الله علم الكتاب بعد أن اصطفاهم ، وعلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل ما يحتاجه الناس ، ودل الأمة عليهم بقوله : « مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق » وقد قال ابن حجر وهو من علماء « أهل السنة والجماعة » في شرح هذا الحديث بعد أن صححه :
« ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مشرفهم، واخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم وهلك في مفاوز الطغيان »
(3) .
أضف إلى ذلك أنك لا تجد عالماً في الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً من عهد الصحابة إلى اليوم ، من ادعى لنفسه أنه أعلم أو أفضل من أئمة العترة النبوية الطاهرة ، كما أنك لا تجد في الأمة قاطبة أحداً ادعى بأنه علم واحداً من أئمة أهل البيت أو أرشدهم لأمر ما .
وإذا أردت أيها القارئ مزيداً من البيان والتفصيل فعليك بقراءة «المراجعات » و « الغدير » .
وما قدمته أنا إليك فيه الكفاية إن كنت من المنصفين فحديث «تركت فيكم كتاب الله وعترتي » هو الحق الذي يسلم به العقل والوجدان وتثبته السنة والقرآن .
____________
(1) قوله تعالى : «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» .
(2) قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كتاب الله وعترتي إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ، فكما أن كتاب الله معصوم عن الخطأ فكذلك العترة الطاهرة ، فغير المعصوم لا يضمن الهداية والذي يجوز عليه الخطأ هو في حاجة إلى الهداية .
(3) الصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي ص 151 .
( 125 )
وبكل هذا يتبين لنا مرة أخرى بالأدلة الواضحة التي لا تدفع بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة النبوية الحقيقة ، وأن « أهل السنة والجماعة » قد أطاعوا ساداتهم وكبراءهم فأضلوهم السبيل وتركوهم في ظلمات يعمهون ، وأغرقوهم في بحر كفر النعم وأهلكوهم في مفارز الطغيان على حد تعبير ابن حجر الشافعي .
« والحمد لله رب العالمين على هدايته لعباده المخلصين » .
( 126 )
مصادر التشريع عند الشيعة
المتتبع لفقه الشيعة الإمامية يجدهم ينقطعون في كل الأحكام الفقهية ـ إلا المستحدثة ـ
(1) إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام ) .
وهؤلاء عندهم مصادر التشريع اثنان لا ثالث لهما :
الكتاب والسنة ، أعني المصدر الأول هو القرآن الكريم ، والمصدر الثاني هي السنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام .
وهذه هي أقوال الشيعة قديماً وحديثاً ، بل هي أقوال الأئمة من أهل البيت الذين لم يدع واحد منهم أنه اجتهد برأيه أو حكم حكماً من عنده .
فهذا الإمام الأول علي بن أبي طالب عندما اختاروه للخلافة واشترطوا عليه أن يحكم فيهم بسنة الشيخين أبي بكر وعمر ، قال : لا أحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله
(2) .
____________
(1) ونقصد بها اجتهاد العلماء في ما لا نص فيه والذي حدث بعد غيبة الإمام الثاني عشر .
(2) وفي بعض الروايات قال : « وما عداهما فأجتهد رأيي » وهي زيادة مكذوبة من أصحاب الاجتهاد وانصاره ، لأن الإمام علياً لم يدع يوماً بأنه اجتهد برأيه ، بل كان دائماً يستنبط الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله أو كان يقول : عندنا الجامعة وفيها كل ما يحتاجه الناس حتى أرش الخدش ، وهذه الصحيفة هي من إملاء رسول الله وخط علي ، وقد مر الكلام عن الصحيفة الجامعة في فصل « أهل السنة ومحق السنة » من هذا الكتاب .
( 127 )
وسنوضح في أبحاث لاحقة بأنه ( عليه السلام ) كان دائماً يتقيد بسنة النبي ولا يحيد عنها أبداً ، ويحاول بكل جهوده إرجاع الناس إليها حتى سبب له ذلك غضب الخلفاء ، ونفور الناس منه لشدته في ذات الله وتشبثه بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
كما أن الإمام الباقر ( عليه السلام ) كان يقول دائماً :
لو حدثناكم برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا ، ولكنا نحدثكم ببينة من ربنا بينها لنبيه فينها نبيه لنا .
وقال مرة أخرى : يا جابر ، إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم .
وهذا الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) يقول :
والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا ، ولا نقول إلا ما قال ربنا ، فمهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله لسنا نقول برأينا من شيء .
وأهل العلم والمحققون يعرفون ذلك من أئمة أهل البيت فلم يسجلوا عن أحدهم القول بالرأي ولا بالقياس ولا بالاستحسان أو بشيء غير القرآن والسنة
(1) .
وحتى إذا رجعنا للمرجع الكبير المعاصر الشهيد آية الله محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه ) تجده يقول في رسالته العملية لفقه العبادات والمعاملات ـ في الفتاوى الواضحة ـ يقول حرفياً : « ونرى من الضروري أن نشير أخيراً بصورة موجزة إلى المصادر التي اعتمدناها بصورة رئيسية في استنباط هذه الفتاوى الواضحة وهي كما ذكرنا في مستهل الحديث عبارة عن الكتاب الكريم والسنة
____________
(1) أنظر إلى علماء الشيعة كيف يأخذون عن الثقات المتورّعين مهما كان مذهبهم، وهو ردّ على القائلين بأنّ الشيعة لا يثقون في الصّحابة، وإنّما يرفض الشيعة حديث الصحاب] إذا تعارض مع ما يرويه أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
( 128 )
الشريفة المنقولة عن طريق الثقات المتورعين في النقل مهما كان مذهبهم
(1) . أما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغاً شرعياً للاعتماد عليها .
وأما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أولا ، فنحن وإن كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به ، ولكنا لم نجد حكماً واحداً يتوقف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى ، بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة .
وأما ما يسمى بالأجماع فهو ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسنة ، وإنما لا يعتمد عليه إلا من أجل كونه وسيلة إثبات في بعض الحالات .
وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنة ونبتهل إلى الله أن يجعلنا من المتمسكين بهما . « ومن استمسك بهما فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم »
(1) .
نعم ، ونجد هذه الظاهرة هي السائدة عند الشيعة قديماً وحديثاً ولا يعتمد عندهم إلا على الكتاب والسنة ولا تجد لأحدهم فتوى واحدة ناتجة عن القياس أو الاستحسان ، وقصة الإمام الصادق مع أبي حنيفة معروفة ، وكيف أنه نهاه عن القياس وقال له فيما قال : لا تقس في دين الله فإن الشريعة إذا قيست محقت ، وإن أول من قاس إبليس عندما قال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين » .
هذه هي مصادر التشريع عند الشيعة من عهد علي بن أبي طالب وإلى يومنا هذا . فما هي مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة » ؟
____________
(1) الفتاوى الواضحة للشهيد باقر الصدر ص 98 .
( 129 )
مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة »
وإذا تتبعنا مصادر التشريع عند « أهل السنة والجماعة » وجدناها كثيرة تتعدى حدود الكتاب والسنة التي رسمها الله ورسوله .
فالمصادر عندهم ـ بالإضافة إلى الكتاب والسنة ـ هي سنة الخلفاء الراشدين ، وسنة الصحابة ، وسنة التابعين وهم علماء الأثر وسنة الحكام ويسمونها صوافي الأمراء ، ثم القياس ، والاستحسان ، والإجماع ، وسد باب الذرائع .
وهي كما ترى عشرة مصادر عندهم كلها تتحكم في دين الله ، وحتى لا نتكلم بدون دليل ونلقي الكلام على عواهنه ، أو يتهمنا البعض بالمبالغة ، لابد من إعطاء بعض الأدلة من أقوالهم وكتبهم كي يتبين للقارىء الكريم ذلك واضحاً .
ونحن لا نناقش « أهل السنة والجماعة » في المصدرين الأولين المتمثلين في الكتاب والسنة ، فهو أمر لا خلاف فيه ، بل هو الواجب الذي جاء به النقل والعقل والإجماع ، وهو من باب قوله تعالى :
«ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» ( الحشر : 7 ) وقوله :
«وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول» ( المائدة : 92 ) وقوله :
«إذا قضى الله ورسوله» (الأحزاب : 36) وغيرها من الآيات البينات الدالة على وجوب تشريع الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله فقط ، ولكن نقاشنا معهم في المصادر الأخرى التي أضافوها من عندهم .
( 130 )
أولاً : سنة الخلفاء الراشدين
فقد احتجوا بحديث « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ »
(1) .
وقد بينا في كتاب « مع الصادقين » بأن المقصود من الخلفاء الراشدين في هذا الحديث هم أئمة أهل البيت ، وأضيف هنا بعض الأدلة الأخرى لمن فاته ذلك البحث .
أخرج البخاري ومسلم وكل المحدثين بأن رسول الله حصر خلفاءه في اثني عشر ، فقال : الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش . فدل هذا الحديث الصحيح على أن المقصود هم أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وليسوا الخلفاء « الحكام » الذين اغتصبوا الخلافة .
ولقائل أن يقول : سواء أكان المقصود بالخلفاء أئمة أهل البيت الاثني عشر كما يقول الشيعة ، أم الخلفاء الراشدين الأربعة كما يقول «أهل السنة» فإن مصادر التشريع ثلاثة : القرآن والسنة وسنة الخلفاء ؟
وهذا صحيح على رأي « أهل السنة » ولكنه لا يصح على رأي الشيعة لأن أئمة أهل البيت كما قدمنا لم يكونوا يشرعوا باجتهادهم وآرائهم بل كل ما قالوه هو سنة جدهم رسول الله تعلموها منه واحتفظوا بها كي يظهروها للناس إذا اقتضت الحاجة ذلك .
أما « أهل السنة والجماعة » فقد حفلت كتبهم بالاستدلال سنة أبي بكر وسنة عمر كمصدر للتشريع الإسلامي ولو خالفت الكتاب والسنة .
ومما يزيدنا يقيناً بأن أبا بكر وعمر غير مقصودين بحديث النبي ، أن علياً رفض أن يحكم بسنتهم عندما اشترط عليه الصحابة ذلك .
فلو كان الرسول يقصد بالخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر لما جاز لعلي أن يرد على رسول الله ويرفض سنتهم ، فدل الحديث على أن الخلفاء الراشدين ليس منهم أبو بكر ولا عمر .
____________
(1) أخرجه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وأحمد بن حنبل .
( 131 )
على أن « أهل السنة والجماعة » يقصدون بالخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان دون سواهم . لأن علياً لم يكن معدوداً عندهم من الخلفاء وإنما ألحق في زمن متأخر كما قدمنا ، ولأنه كان يلعن على المنابر فكيف يتبعون سنته ؟ ؟ !
وإذا قرأنا ما رواه جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء تحقق لدينا صحة ما ذهبنا إليه .
قال السيوطي نقلاً عن حاجب بن خليفة : شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة ، فقال في خطبته :
« ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه ، وما سن سواهما فإنا نرجئه »
(1) .
والحقيقة أن جل الصحابة والحكام الأمويين والعباسيين كانوا يرون أن ما سن أبو بكر وعمر وعثمان هو دين يأخذون به وينتهون إليه :
وإذا عمل هؤلاء الخلفاء الثلاثة على منع سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما عرفنا ذلك في ما سبق ، فلا يبقى بعد ذلك من السنة إلا ما سنوه ومن الأحكام إلا ما احكموه .
ثانياً : سنة الصحابة عموماً
إننا نجد أدلة كثيرة وشواهد عديدة على اقتداء « أهل السنة والجماعة » سنة الصحابة عموماً بدون اسثناء .
فهم يحتجون بحديث مكذوب وافينا البحث فيه في كتاب « مع الصادقين» والحديث يقول : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقد احتج ابن القيم الجوزية بهذا الحديث على حجية رأي الصحابي
(2) .
وقد اعترف بهذه الحقيقة أيضاً الشيخ أبو زهرة إذ قال : « لقد وجدناهم
____________
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 160 .
(2) أعلام الموقعين ج 4 ص 122 .
( 132 )
(يعني فقهاء أهل السنة ) جميعاً يأخذون بفتوى الصحابي » ثم يضيف في مقطع آخر قوله :
« والاحتجاج بأقوال الصحابة وفتاويهم هو مسلك جماهير الفقهاء وخالفهم الشيعة
(1) ولكن ابن القيم الجوزية أيد الجمهور بنحو ستة وأربعين وجهاً وكلها حجج قوية … » .
ونحن نقول للشيخ أبي زهرة : كيف تكون الحجة ـ التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله ـ قوية ؟ !
فكل الحجج التي جاء بها ابن القيم واهية كبيت العنكبوت وأنت بنفسك قد نسفتها عندما قلت :
« ولكننا وجدنا الشوكاني يقول : والحق أن قول الصحابي ليس بحجة فإن الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا إلا رسول واحد ، والصحابة ومن بعدهم مكلفون على السواء باتباع شرعه في الكتاب والسنة ، فمن قال بأنه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما ، فقد قال في دين الله بما لا يثبت وأثبت شرعاً لم يأمر الله به »
(2) .
فتحية إلى الشوكاني الذي قال حقاً ونطق صدقاً ، ولم يتأثر بالمذهب فكان قوله موافقاً لأئمة الهدى من العترة الطاهرة ورضي الله عنه وأرضاه إن كانت أعماله مطابقة لأقواله .
ثالثاً : سنة التابعين « علماء الأثر » :
كذلك نجد « أهل السنة والجماعة » يأخذون بآراء التابعين ويسمونهم « علماء الأثر » كالأوزاعي وسفيان الثوري وحسن البصري وابن عيينة وغيرهم كثير ، كما أنهم متفقون على الأخذ باجتهادات أئمة المذاهب الأربعة وتقليدهم رغم أنهم من تابعي التابعين .
____________
(1) وهذه شهادة أخرى من الشيخ أبي زهرة تؤيد ما قلناه بأن الشيعة لا يقبلون في شرع الله إلا الكتاب الكريم والسنة النبوية .
(2) كتاب الشيخ أبي زهرة ص 102 .
( 133 )
وإذا كان الصحابة أنفسهم يعترفون بخطأهم في عديد من المرات وأنهم يقولون ما لا يعلمون .
فهذا أبو بكر يقول عندما يسأل عن مسألة : سأقول فيها برأيي فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمني أو من الشيطان . وهذا عمر يقول لأصحابه : لعلي آمركم بالأشياء التي لا تصلح لكم وأنهاكم عن أشياء تصلح لكم
(1) .
وإذا كان هذا هو مبلغهم من العلم وأنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً ، فكيف يحق لمسلم عرف الإسلام أن يجعل أفعال هؤلاء وأقوالهم سنة متبعة ومصدراً من مصادر التشريع ؟ وهل يبقى بعد هذا الحديث «أصحابي كالنجوم » من أثر ؟
وإذا كان هؤلاء هم الصحابة الذين حضروا مجالس النبي وتعلموا منه يقولون مثل هذه الأقوال ، فكيف تكون حال من جاء بعدهم وأخذ عنهم وشارك في القتنة ؟
وإذا كان أئمة المذاهب الأربعة يقولون في دين الله بآرائهم مصرحين ومعترفين بإمكانية الخطأ ، فيقول الواحد منهم : هذا ما أعتقد أنه صحيح وقد يكون رأي غيري هو الصحيح ، فلماذا ألزم المسلمون أنفسهم بتقليدهم؟!
رابعاً : سنة الحكام
ويسمى عند « أهل السنة والجماعة» صوافي الأمراء ، وقد استدلدوا عليه بقوله تعالى :
«أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (النساء : 59 )
(2) .
فأولي الأمر عندهم الحكام وإن كانوا متسلطين بالقوة والقهر ، وهم يعتقدون بأن الحكام أمرهم الله على رقاب العباد فيجب لذلك طاعتهم والأخذ بسنتهم .
____________
(1) تاريخ بغداد ج 14 ص 81 .
ونحن نقول لهؤلاء : إن كان هذا هو مبلغكم من العلم ، فماذا تقدمتم من عنده علم الأولين والآخرين وحرمتم الأمة من هديه ونوره وتركتموها تتخبط في الفتنة والجهالة والضلالة ؟ !
(2) لقد أوضحنا بالأدلة في كتاب « مع الصادقين » بأن أولي الأمر هم أئمة الهدى من العترة الطاهرة وليس المقصود بهم الحكام الغاصبين ، ومن المستحيل أن يأمر الله سبحانه بطاعة الظالمين والفاسقين والكافرين .
( 134 )
ورد بان حزم الظاهري على « أهل السنة والجماعه » رداً عنيفاً بقوله : «بناء على ما تقولون فللأمراء أن يبطلوا ما شاؤوا من الشرائع التي أمر الله ورسوله بها ، كما لهم أن يزيدوا فيها ، ولا فرق بين الزيادة والنقص في ذلك ، وهذا كفر ممن أجازه بلا خلاف »
(1) .
ورد الذهبي على ابن حزم بقوله :
« هذا تقرير فاسد وخطأ فاحش ، فإن الأمة أجمعت إلا داود بن علي ومن مشى خلفه ، على أن أولي الأمر هلم الحكم بالرأي والاجتهاد إذا لم يكن في النازلة نص ، ويقولون : لا يحل لهم الحكم بالرأي والاجتهاد مع علمهم بالنص في النازلة ، فظهر بهذا أن لهم أن يزيدوا في الشرع زيادة ساغت في الشرع ولييس لهم أن يبطلوا ما شاؤوا من الشرع » .
ونحن نقول للذهبي : كيف تدعي إجماع الأمة وأنت نفسك استثنيت داود بن علي ومن مشى خلفه ! ؟ ولماذا لم تسم من مشى خلفه ؟ ثم لماذا لم تستثن الشيعة وأئمة أهل البيت ، ألأنهم عندك ليسوا من الأمة الإسلامية ؟ ! أم أن تزلفك للحكام هو الذي جعلك تبيح لهم أن يزيدوا في الشرع ، لكي يزيدوا في عطائك وشهرتك ؟
وهل كان الحكام الذين حكموا المسملين باسم الإسلام يعرفون النصوص القرآنية والنصوص النبوية حتى يقفوا عند حدودها ؟
وإذا كان الخليفتان أبو بكر وعرم تعمدا مخالفة النصوص القرآنية والنبوية كما قدمنا في أبحاث سابقة ، فكيف يلتزم من جاء بعدهما بتلك النصوص التي بذلت وغيرت وأعفيت آثارها ؟
وإذا كان فقهاء « أهل السنة والجماعة » يفتون للأمراء بأن يقولوا في دين الله ما يشاؤون ، فليس غريباً على الذهبي أن يقلدهم .
فقد جاء في طبقات الفقهاء عن سعيد بن جبير قال : سألت عبد الله بن عمر عن الإيلاء ؟ فقال : أتريد أن تقول : قال ابن عمر قال ابن عمر ؟ !
____________
(1) ابن حزم في ملخص إبطال القياس ص 37 .
( 135 )
قال : قلت : نعم ، ونرضى بقولك ونقنع . فقال ابن عمر : يقول في ذلك الأمراء ، بل يقول في ذلك الله ورسوله ومن يقول عنهما .
وعن سعيد بن جبير قال : كان رجاء بن حيوة يعد في أفقه فقهاء الشام ولكن كنت إذا حركته وجدته شاميا يقول : قضى عبد الملك بن مروان فيها بكذا وكذا
(1) .
كما جاء في طبقات ابن سعد عن المسيب بن رافع قال : كان إذا جاء النبي من القضاء وليس في الكتاب ولا في السنة سمي « صوافي الأمراء » فدع إليهم فجمع له أهل العلم ، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق
(2) .
ونحن نقول : « ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون » .
خامساً : بقية مصادر التشريع عند « أهل السنة »
ونذكر منها القياس والاستحسان والاستصحاب وسد باب الذرائع ، والإجماع فمشهورة جدا ومعروفة عندهم .
وقد اشتهر الإمام أبو حنيفة بالعمل بالقياس ورد الأحاديث كما اشتهر الإمام مالك بالرجوع لعمل أهل المدينة وسد باب الذرائع واشتهر الإمام الشافعي بالرجوع إلى فتاوى الصحابة وقد رتبهم على أقسام ودرجات فقال بأولوية العشرة المبشرين بالجنة ، ثم المهاجرين الأولين ، ثم الأنصار ، ثم مسلمة الفتح ويقصد بهم الطلقاء والذين أسلموا بعد فتح مكة
(3) .
كما اشتهر الإمام أحمد بن حنبل بعدم الاجتهاد والابتعاد عن الفتوى وأخذه برأي أي صحابي كان .
فقد نقل عنه الخطيب البغدادي أن رجلاً سأله عن مسألة في الحلال
____________
(1) طبقات الفقهاء ترجمة سعيد بن جبير .
(2) طبقات ابن سعد ج 6 ص 179 .
(3) مناقب الإمام الشافعي ج 1 ص 443 .
( 136 )
والحرام ، فقال له أحمد : سل عافاك الله غيرنا ، قال : إنما نريد جوابك يا أبا عبد الله ، قال : سل عافاك الله غيرنا ، سل الفقهاء سل أبا ثور
(1) .
كما نقل عن المروزي قوله : أما الحديث فقد استرحنا منه وأما المسائل فقد عزمت إن سألني أحد عن شيء فلا أجيبه
(2) .
ولا شك بأن أحمد بن حنبل هو الذي أوحى بفكرة عدالة الصحابة كلهم بدون استثناء فأثر مذهبه في « أهل السنة والجماعة » .
فقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد في جزئه الثاني بالإسناد عن محمد بن عبد الرحمان الصيرفي قال : قلت لأحمد بن حنبل : إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة ، هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم ، لنعلم مع من الصواب منهم ، فنتبعه ؟
فقال لي : لا يجوز النظر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت : كيف الوجه في ذلك ؟
قال : تقلد أيهم أحببت .
ونحن نقول : وهل يجوز تقليد من لا يعرف الحق من الباطل ؟ وغريب أن يفتي أحمد وهو الذي يتهرب من الفتوى ، بتقليد أي صحابي أحب وبدون النظر في أقوالهم لمعرفة الصواب !
وبعد هذا العرض الوجيز لمصادر التشريع الإسلامي عند الشيعة وعند «أهل السنة والجماعة » ، يتبين لنا بوضوح لا لبس فيه بأن الشيعة هم الذين يتقيدون بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يبغون عنها حولاً حتى كانت سنة النبي هي شعارهم كما شهد بذلك أعداؤهم .
أما « أهل السنة والجماعة » فهم يتبعون سنة أي صحابي وأي تابعي وأي حاكم .
____________
(1) تاريخ بغداد ج 2 ص 66 .
(2) مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص 57 .
( 137 )
وهذه كتبهم وأقوالهم تشهد عليهم وكفى بها شهيداً وسوف نبحث في فصل قادم إن شاء الله تعالى أفعالهم لنعرف بأنها ليست من سنة النبي في شيء.
وأترك للقارئ نفسه أن يستنتج من هم أهل السنة ، ومن هم أهل البدعة؟
( 138 )
تعليق لابد منه لإكمال البحث
وتجدر الإشارة إلى أن الشيعة تقيدوا بمصادر التشريع من الكتاب والسنة ولم يزيدوا عليها شيئاً وذلك لوجود النصوص الكافية عند أئمتهم لكل مسألة من المسائل التي يحتاجها الناس .
وقد يستغرب ذلك بعض الناس ويستبعدون أن يكون لأئمة أهل البيت نصوص كافية لكل ما يحتاجه الناس لمواكبة كل العصور حتى تقوم الساعة .
ولتقريب هذا الواقع لذهن القارئ لابد من الإشارة إلى الأمور التالية :
إذا اعتقد المسلم بأن الله سبحانه بعث محمداً بشريعة مكملة لكل الشرائع السابقة ومهيمنة عليها لتكمل مسيرة الإنسانية فوق هذه الأرض لتعود بعدها إلى الحياة الإبدية .
«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله» (التوبة : 33 ) .
وإذا اعتقد المسلم بأن الله سبحانه أراد من الإنسان أن يكون خاضعاً لأحكامه في كل أقواله وأفعاله ويسلم إليه مقاليد أموره .
«إن الدين عند الله الإسلام» ( آل عمران : 19 ) ،
«ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه» ( آل عمران : 85 ) .
وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن تكون أحكام الله كاملة وشاملة لتغطية كل
( 139 )
ما يحتاجه الإنسان في مسيرته الشاقة للتغلب على كل العقبات والصمود أمام التحديات والوصول إلى الهدف المنشود .
ولكل ذلك عبر سبحاه وتعالى عن هذه الحقيقة بقوله :
«ما فرطنا في الكتاب من شيء» ( الانعام : 38 ) .
وعلى هذا الأساس فليس هناك من شيء إلا وهو مذكور في كتاب الله تعالى ، ولكن الإنسان بعقله المحدود لا يدرك كل الأشياء التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة لا تخفى على أهل المعرفة . وذلك كقوله سبحانه وتعالى :
«وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» ( الإسراء : 44 ) .
و « إن من شيء » بدون استثناء تدل على الإنسان والحيوان والجماد يسبح وقد يقبل الإنسان تسبيح الحيوان والكائنات الحية من النباتات ولكن عقله لا يفقه تسبيح الحجارة مثلاً . قال تعالى :
«أنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» ( ص : 18 ) .
وإذا سلمنا بذلك وآمنا به ، فلابد من التسليم والإيمان بأن كتاب الله فيه كل الأحكام التي يحتاجها الناس إلى يوم القيامة ، ولكننا لا ندركها إلا إذا رجعنا لمن أنزل عليه وفهم كل معانيه ، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى :
«ونزلنا عليك لكتاب تبياناً لكل شيء» ( النحل : 89 ) .
وإذا سلمنا بأن الله سبحانه بين كل شيء إلى رسوله ليبين للناس ما نزل إليهم ، فلابد أن نسلم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بين كل شيء ولم يترك شيئاً يحتاجه الناس إلى يوم القيامة إلا وأعطى فيه حكماً .
وإذا لم يصلنا ذلك البيان أو لم نعرفه نحن اليوم فذلك ناتج عن قصورنا وتقصيرنا وجهلنا ، أو هو ناتج عن خيانة الواسطة التي بيننا وبينه أو هو ناتج عن جهل الصحابة وعدم وعيهم لما بينه صلى الله عليه وآله وسلم .
( 140 )
ولكن الله سبحانه وتعالى جلت حكمته يعلم أن كل هذه الاحتمالات ممكنة أو واقعة فلا يترك شريعته تضيع ، فاصطفى من عباده أئمة أورثهم علم الكتاب وتبيانه ، لكي لا يكون للناس على الله حجه ، قال تعالى :
«ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» ( فاطر : 32 ) .
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه واختص وصية علياً بكل ما يحتاج الناس بعده إلى قيام الساعة وذلك للمزايا التي كان يتمتع بها علي من بين الأصحاب جميعاً من ذكاء مفرط وفهم حاد وحفظ قوي ووعي لكل ما يسمع ، فعلمه النبي كل ما يعلم وأرشد الأمة إليه على أنه بابه الذي منه يؤتى.
وإذا قال قائل بأن رسول الله بعثه الله للناس كافة فليس من حقه أن يختص بالعلم أحدهم ويحرم الآخرين ، قلنا : ليس لرسول الله في ذلك الأمر شيء إنما هو عبد مأمور ينفذ ما يوحى إليه من ربه ، فالله هو الذي أمره بذلك ، لأن الإسلام هو دين التوحيد ومبني على الوحدة في كل شيء فلابد لتوحيد الناس وجمعهم من قيادة واحدة ، فهذا أمر بديهي قرره كتاب الله وحكم به العقل والوجدان قال تعالى :
«لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» ( الأنبياء : 22 ) وقال أيضاً :
«وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض» (المؤمنون : 81 ) .
كذلك لو أرسل الله رسولين في زمن واحد ، لانقسم الناس إلى أمتين وتفرق أمرهم إلى حزبين متعارضين . قال تعالى :
«وإن من أمة إلا خلا فيها نذير» ( فاطر : 24 ) .
كذلك كان لكل نبي وصي يخلفه في قومه وأمته ، كي لا يتشتت امرهم ويتفرق جمعهم .
وهذا لعمري أمر طبيعي يعرفه الناس كافة سواء كانوا علماء أو جاهلين مؤمنين أو كافرين ، ألا ترى أن كل قبيلة وكل حزب وكل دولة لابد لها من رئيس واحد يتزعمها ويقودها ، ولا يمكن أن يخضعوا لرئيسين في نفس الوقت .
( 141 )
لكل هذا اصطفى الله سبحانه من الملائكة رسلا ومن الناس ، وشرفهم بمهمة القيادة لعباده وجعلهم أئمة يهدون بأمره . قال تعالى :
«إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين» ( آل عمران : 33 ) . والأئمة الذين اصطفاهم الله سبحانه لختم الرسالة المحمدية ، هم أئمة الهدى من عترة النبي وكلهم من آل إبراهيم ذرية بعضها من بعض هؤلاء هم الذين أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : « الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش »
(1) .
ولكل زمان إمام معلوم ، فمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية .
والله سبحانه وتعالى إذا اصطفى إماماً طهره وعصمه وعلمه فلا يؤتى الحكمة إلا لأهلها ومستحقيها .
وإذا رجعنا إلى أصل الموضوع وهو معرفة الإمام كل ما يحتاج إليه الناس من أحكام الشريعة من خلال النصوص التي جاءت في الكتاب والسنة والتي تواكب مسيرة البشرية إلى قيام الساعة ، فإننا لا نجد في الأمة الإسلامية من ادعى ذلك غير أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين صرحوا عديد المرات بأن عندهم الجامعة وهي من إملاء رسول الله وخط علي بن أبي طالب وفيها كل ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش .
وقد أشرنا إلى هذه الصحيفة الجامعة التي كان يحملها علي معه وقد أشار إليها البخاري ومسلم في صحيحهما ولا يمكن لأي واحد من المسلمين تكذيب ذلك .
وعلى هذا الأساس فإن الشيعة الذين انقطعوا لأئمة أهل البيت حكموا في الشريعة بنصوص القرآن والسنة ولم يضطروا لغيرها وذلك على الأقل طيلة ثلاثة قرون حياة الأئمة الاثني عشر .
____________
(1) أخرج الحديث البخاري في صحيحه ج 8 ص 127 وصحيح مسلم ج 6 ص 3 وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم بدلاً من قريش ، وسواء أكان من بني هاشم أم من قريش فكلهم من آل إبراهيم كما هو معلوم .
( 142 )
أما « أهل السنة والجماعة » فقد اضطروا للاجتهاد والقياس وغير ذلك لفقدان النصوص وجهل أئمتهم من أيام الخلافة الأولى .
وإذا كان الخلفاء عندهم قد عمدوا لحرق النصوص النبوية والعمل على منعها وكتمانها .
وإن كان كبيرهم يقول : حسبنا كتاب الله ، ضارباً بالسنة النبوية عرض الجدار ، فمن الطبيعي جداً أن يفتقروا إلى النصوص المبينة لأحكام القرآن نفسه .
فكلنا يعلم بأن أحكام القرآن الظاهرية قليلة جداً وهي في عمومها تفتقر إلى بيان النبي ، ولذلك قال تعالى :
«وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» ( النحل : 44 ) .
وإذا كان القرآن يفتقر للسنة النبوية لتبين أحكامه ومقاصده .
وإذا كان أقطاب « أهل السنة والجماعة » قد أحرقوا السنة المبينة للقرآن ، فلم يبق عندهم بعدها نصوص لا لبيان القرآن ولا لبيان السنة نفسها .
فلابد والحال هذه أن يعمدوا للاجتهاد والقياس واستشارة العلماء عندهم فيأخذوا بالاستحسان وبما يرون فيه مصلحتهم الوقتية .
ومن الطبيعي جداً أن يحتاجوا إلى كل ذلك لفقد النصوص ويضطروا إليه اضطراراً .
( 143 )
والمرجعية عند الشيعة التقليد
لابد لكل مكلف من المسلمين ، إذا لم يكن مجتهداً ـ يمعنى أنه قادر على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة ـ أن يقلد مرجعاً جامعاً للشرائط من العلم والعدل والورع والزهد والتقوى وذلك لقوله تعالى :
«فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» ( النحل : 43 ) .
وإذا بحثنا هذا الموضوع نجد الشيعة الإمامية قد واكبوا الأحداث فلم تنقطع عندهم سلسلة المرجعية أبداً من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يوم الناس هذا.
وقد واصل الشيعة تقليد الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، وقد استمر وجود هؤلاء الأئمة أكثر من ثلاثة قرون على نسق واحد فلم يخالف واجد منهم قول الثاني لأن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة كانت هي المتبعة عندهم جميعاً ولم يعملوا بقياس ولا باجتهاد ولو فعلوا لكان الاختلاف عندهم شائعاً ، كما وقع لأتباع « أهل السنة والجماعة » .
ويستنتج من هذا أن مذهب « أهل السنة والجماعة » سواء كان حنفياً أم مالكياً أم شافعياً أم حنبلياً ، فهو مبني على رأي رجل واحد بعيد عن عصر الرسالة ولا تربطه بالنبي أية صلة .
أما مذهب الشيعة الإمامية فهو متواتر عن اثني عشر إماماً من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينقل الابن عن أبيه فيقول أحدهم : حديثي هو حديث أبي وحديث أبي هو حديث جدي وحديث جدي هو حديث أمير المؤمنين علي وحديث علي
( 144 )
هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحديث رسول الله هو حديث جبريل ( عليه السلام ) وهو كلام الله تعالى .
«ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً» ( النساء: 82).
ثم جاءت مرحلة ما بعد غيبة الإمام المعصوم الذي أرجع الناس إلى تقليد العالم الفقيه الجامع للشرائط .
وبدأت سلسلة الفقهاء المجتهدين منذ ذلك العهد إلى اليوم تتوالى بدون انقطاع ، وفي كل عهد يبرز في الأمة مرجع واحد أو عدة مراجع للشيعة يقلدونهم في أعمالهم حسب الرسائل العملية التي يستبطها كل مرجع من الكتاب والسنة ، ولا يجتهد إلا في الأمور المستحدثة التي عرفها هذا القرن بسبب التقدم العلمي والتكنولوجي ، كعملية زرع القلب أو أي عضو جسدي من شخص لآخر ، أو الحمل الاصطناعي ، أو المعاملات البنكية وغير ذلك .
وقد يبرز من بين المجتهدين أعلمهم فيسمى المرجع الأعلى للشيعة أو زعيم الطائفة والحوزة العلمية ، والذي يحظى بتقدير واحترام كل المراجع الآخرين .
ويقلد الشيعة على مر العصور الفقيه الحي الذي يعيش مشاكل الناس ويهتم بهمومهم فيسألونه ويجيبهم .
وبهذا بقي الشيعة في كل العصور يحافظون على المصدرين الأساسيين للشريعة الإسلامية من الكتاب والسنة والنصوص المنقولة عبر الأئمة الاثني عشر من العترة الطاهرة جعلت علماءهم يستغنون عن القياس والقول بالرأي ، لأن الشيعة اعتنوا بتدوين السنة النبوية من زمن علي بن أبي طالب الذي كان يحتفظ بالصحيفة الجامعة التي جمعت كل ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة كان الأئمة من ولده يتوارثونها كابراً عن كابر ويكنزونها كما يكنز الناس الذهب والفضة .
وقد نقلنا قول الشهيد آية الله الصدر في رسالته العملية والتي ذكر فيها بأنه لم يعتمد إلا على القرآن والسنة .
( 145 )
وليس ذكرنا للشهيد الصدر إلا مثالاً ، وإلا فإن كل مراجع الشيعة بدون استثناء يقولون نفس القول .
وبهذا البحث الوجيز في مسألة التقليد الشرعي والمرجعية الدينية يتبين لنا بأن الشيعة الإمامية هم أهل القرآن والسنة النبوية المنقولة مباشرة عن علي «باب مدينة العلم » العالم الرباني والمرشد الثاني للأمة بعد نبيها من كان في القرآن كنفس النبي
(1) .
فمن جاء للمدينة ودخلها من بابها فقد وصل إلى المعين الصافي وأخذ بالكيل الوافي والعلاج الشافي ، وقد استمسك بالعروة الوثقى لا انقصام لها لقوله تعالى :
«وائتوا البيوت من أبوابها» ( البقرة : 189 ) .
ومن أتى البيوت من غير أبوابها سمي سارقاً فلم يتمكن من الدخول ولم يعرف سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيعاقبه الله على عصيانه .
____________
(1) إشارة إلى قوله تعالى : «قل تعالوا ندع أنفسنا وأنفسكم» ، فدعا علي بن أبي طالب : أخرجه مسلم في صحيحه في باب فضائل علي ( عليه السلام ) .
( 146 )
التقليد والمرجعية عند أهل السنة والجماعة
وإذا بحثنا موضوع التقليد والمرجعية عند « أهل السنة والجماعة » فإننا نتحير لإيجاد علاقة تربط هؤلاء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكلنا يعلم بأن « أهل السنة والجماعة » يرجعون في التقليد إلى أئمة المذاهب الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل ، وكل هؤلاء لا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا صاحبوه .
وفي وقت كان الشيعة يقلدون علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي لم يفارق النبي طيلة حياته ومن بعده يقلدون سيدي شباب أهل الجنة الإمام الحسن والإمام الحسين سبطي النبي والإمام علي بن الحسين زين العابدين ، وابنه الإمام الباقر وحفيده الإمام الصادق ( عليهم السلام ) ، لم يكن « لأهل السنة والجماعة » وجود في ذلك العصر ولم يحدثنا التاريخ عنهم اين كانوا ومن هو إمامهم الذي يقلدونه ويرجعون إليه في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام ، من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ظهور المذاهب الأربعة ؟
ويظهر بعد ذلك على مسرح الحياة أئمة المذاهب الأربعة واحداً بعد واحد وعلى فترات متفاوتة حسب رغبة الحكام العباسيين كما قدمنا في بحث سابق.
ثم يظهر بعد ذلك تكتل يجمع المذاهب الأربعة تحت شعار براق يأخذ بالألباب ويتسمى بـ « أهل السنة والجماعة » ويلتف حوله كل من عادى علياً والعترة الطاهرة وكان من أنصار الخلفاء الثلاثة وكل الحكام من بني أمية وبني العباس ، فاعتنق الناس تلك المذاهب طوعاً وكرهاً ، لأن الحكام عملوا على تأييدها بوسائل الترغيب والترهيب والناس على دين ملوكهم .
( 147 )
ثم نجد « أهل السنة والجماعة » وبعد موت الأئمة الأربعة يغلقون باب الاجتهاد في وجه علمائهم فلا يسمحون لهم إلا بالتقليد لأولئك الائمة الميتين.
ولعل الحكام والأمراء هم الذين أغلقوا عليهم باب الاجتهاد ولم يسمحوا لهم بالنقد والنظر في شؤون الدين خوفاً من التحرر الفكري الذي قد يسبب لهم قلاقل وفتناً قد تهدد مصالحهم وكيانهم .
واصبح « أهل السنة والجماعة » مقيدين لتقليد رجل ميت لم يشاهدوه ولم يعرفوه حتى يطمئنوا لعدالته وورعه وعلمه ، وإنما كل ما هنالك أنهم أحسنوا الظن بأسلافهم الذين يروي كل فريق منهم مناقب خيالية في الإمام الذي يتبعه فجاء أغلبها فضائل منامية لا تتعدى أضغاث أحلام أو طيف منام ، أو ظناً وأوهاماً ، فكل حزب بما لديهم فرحون .
ولو نظر المثقفون من « أهل السنة والجماعة » اليوم إلى المثالب التي رواها أسلافهم أيضاً وتضارب الأقوال في بعضهم حتى وصل بهم الأمر إلى الحروب والتكفير في ما بينهم ، لراجعوا موقفهم من أولئك الأئمة ولكانوا من المهتدين .
ثم كيف يقلد المسلم العاقل في هذا الزمان رجلاً لا يعرف من مستحدثات العصر شيئاً ، ولا يجيبه إذا سأله عن حل لبعض مشاكله ، ومن المؤكد بأن مالكاً وأبا حنيفة وغيرهم سيتبرأون من « أهل السنة والجماعة » يوم القيامة ويقولون : ربنا لا تؤاخذنا بما فعل هؤلاء الذين لم نعرفهم ولم يعرفونا ، وما قلنا لهم يوماً بوجوب تقليدنا .
ولا أدري ماذا سيكون جواب « أهل السنة والجماعة » عندما يسألهم رب العالمين عن الثقلين ؟ ثم يأتي عليهم بالرسول شهيداً ، وسوف لن يقدروا على دفع شهادته ، ولو تذرعوا بطاعة ساداتهم وكبرائهم .
وإذا سألهم : هل وجدتم في كتابي أو في سنة رسولي عهداً أو ميثاقاً أو حجة على اتباع المذاهب الأربعة ؟ ؟
والجواب على هذا معروف ولا يتطلب مزيداً من العلم ، فليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيء من ذلك ، وإنما في كتاب الله وسنة رسوله أمر صريح بالتمسك بالعترة الطاهرة وعدم التخلف عنهم .
( 148 )
ولعلهم سيقولون :
«ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون» ( السجدة : 12 ) وسكون الرد : كلا ، تلك كلمة أنتم قائلوها .
وسيقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، إنني أوصيتهم بعترتي وبلغتهم ما أمرتني به من مودة قرابتي ، فنكثوا بيعتي وقطعوا رحمي ، وذبحوا ولدي وأباحوا حرمي ، فلا ترزقهم يا رب شفاعتي .
ومرة أخرى يتبين لنا بأن « أهل السنة والجماعة » لا تربطهم بالرسول صلة ولا مودة ، فمن فارق العترة فقد فارق القرآن ومن فارق القرآن فلن تجد له من دون الله وليا ولا نصيرا
«ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً» ( الفرقان : 27 ـ 29 ) .
( 149 )
الخلفاء الراشدون عند الشيعة
هم الأئمة الاثنا عشر من العترة النبوية الطاهرة ، أولهم :
* أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وسيد المسلمين ويعسوب الدين أسد الله الغالب علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) باب مدينة العلم الذي حير العقول وبهر النفوس وأنار القلوب ولولاه ـ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما قام للدين عمود .
* والثاني هو الإمام هو محمد الحسن بن علي ( عليه السلام ) سيد شباب أهل الجنة ريحانة النبي في هذه الأمة ، العابد الزاهد الناصح الأمين .
* والثالث هو الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي ( عليه السلام ) سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي في هذه الأمة ، سيد الشهداء وذبيح كربلاء الذي بذل مهجته لإصلاح أمة جده .
* والرابع هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين ( عليه السلام ) وسيد الساجدين .
* الخامس هو الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) الذي يقر علوم الأولين والآخرين .
* والسادس هو الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) الذي ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفقه منه علماً وعملاً .
( 150 )
* والسابع هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليه السلام ) سليل النبوة ومعدن العلم .
والثامن هو الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) الذي أوتي الحكمة في حال صباه .
والتاسع هو الإمام محمد بن علي الجواد ( عليه السلام ) إمام الجود والكرم والأخلاق .
والعاشر هو الإمام علي بن محمد الهادي ( عليه السلام ) صاحب الفضل والهدى .
والحادي عشر هو الإمام الحسن بن علي العسكري ( عليه السلام ) إمام الزهد والتقوى .
* الثاني عشر هو الإمام محمد بن الحسن المهدي ( عليه السلام ) الذي سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، ويصلي خلفه ابن مريم ( عليه السلام ) ويتم الهل به ويفرح به المؤمنون .
فهؤلاء هم أئمة الشيعة وعددهم اثنا عشر إماما فإذا قيل : الشيعة الإمامية ، أو الاثنا عشرية ، أو الجعفرية كانوا هم المقصودين دون سواهم . فلم يقل أحد من الفرق الإسلامية بإمامتهم غيرهم .
وإذا تتبعنا الآيات القرآنية النازلة بخصوصهم والتي تبين فضلهم وشرف منزلتهم وطيب عنصرهم وطهارة نفوسهم وعظيم شأنهم ، كآية المودة وآية إذهاب الرجس والتطهير ، وآية المباهلة ، وآية الأبرار ، وآية الصلاة والتسليم ، وغيرها كثير .
وإذا تتبعنا الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في فضلهم وتقدمهم على الأمة وأعلميتهم وعصمتهم فإننا سنسلم قطعاً بإمامتهم وأنهم آمان الأمة من الضلالة وسبيلها الوحيد إلى الهداية .
( 151 )
وسيتبين لنا جلياً بأن الشيعة هم الفائزون لأنهم تمسكوا بحبل الله المتين وهو ولاؤهم واستمسكوا بالعروة الوثقى لا انفصام لها وهي مودتهم ، وركبوا سفينة النجاة وآمنوا من الغرق والهلاك .
ولذلك نحكم ونجزم بمزيد اليقين والمعرفة بأن الشيعة الإمامية هم أهل السنة المحمدية .
«لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد» ( ق : 22 ) .
صدق الله العلي العظيم
( 152 )
الخلفاء الراشدون عند أهل السنة والجماعة
هم الخلفاء الأربعة الذين اعتلوا منصة الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأهل « السنة والجماعة » يقولون فأفضليتهم على حسب ترتيب خلافتهم وعلى سائر الخلق بعد النبي . هذا ما نسمعه اليوم ، وقد عرفنا في ما سبق من أبحاث بأن الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لم يكن معدوداً عندهم من الخلفاء العاديين فضلاً عن الراشدين ، وإنما لحقه في ركب الخلفاء الإمام أحمد بن حنبل في زمن متأخر جداً ، وكان قبلها يلعن على منابرهم في كل البلاد الإسلامية والإمبراطورية الأموية .
ولمزيد التحقيق وليطمئن القارئ إلى هذه الحقيقة المؤسفة لابد من لفت نظره إلى ما يأتي :
قد قدمنا أن عبد الله بن عمر هو من أكابر فقهاء « أهل السنة والجماعة » وقد اعتمده مالك في موطأه ، والبخاري ومسلم في صحيحهما ، وباقي المحدثين عن بكرة أبيهم .
فهذا الرجل كان من النواصب الكبار الذين عرفوا ببغضهم الصريح لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ويحدثنا التاريخ أنه رفض البيعة لولي المؤمنين وأسرع يبايع الحجاج اللعين عدو الله ورسوله
(1) .
____________
(1) الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بفسقه وكفره وجرائمه واستهتاره بالذين ، أخرج الحاكم في المستدرك ج 3 ص 556 وابن عساكر ج 4 ص 69 أن الحجاج كان يقول : يزعم ابن مسعود أنه يقرأ قرآنا من عند الله ، والله ما هو إلا رجز من رجز الأعراب . وكان يقول : اتقوا الله ما استطعتم فليس فيها مشوبة واسمعوا وأطيعوا لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فإنها المثوبة .
كما أخرج أبن عقيل في كتاب النصائح الكافية ص 81 أن الحجاج خطب بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة قال : تبا لهم إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ؟ ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله .
( 153 )
وقد كشف عبد الله بن عمر عن مكنون قلبه واباح بخالص سره ، عندما حدث بأنه لا يعد لعلي ( عليه السلام ) فضلاً ولا فضيلة ولا منفية واحدة تجعله على الأقل في المرتبة الرابعة بعد عثمان بن عفان .
وقد عرفنا بأنه يفضل أبا بكر وعمر وعثمان فقط ، أما علي ( عليه السلام ) فهو بالنسبة إليه من سوقة الناس إن لم يكن أقلهم عنده ، وإليك حقيقة أخرى أخرجها المحدثون والمؤرخون تعرب بصراحة عن نفسية ابن عمر الحاقدة والمبغضة لعلي ولكل الأئمة ( عليهم السلام ) من عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطاهرة .
قال عبد الله بن عمر وهو يفسر حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : « الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش » ، قال عبد الله بن عمر : يكون على هذه الأمة اثنا عشر خليفة وهم :
أبو بكر الصديق ، عمر الفاروق ، عثمان ذو النورين ، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة ، والسفاح ، وسلام ، ومنصور ، وجابر ، والمهدي ، والأمين ، وأمير العصب ، كلهم من بني كعب بن لؤي ، كلهم صالح لا يوجج مثله
(1) .
إقرأ واعجب أيها القارئ العزيز من هذا الفقيه المعظم عند « أهل السنة والجماعة » كيف يحرف الحقائق ويقلبها فيجعل معاوية وابنه يزيد ، والسفاح من أفضل العباد ، إذ يقول صراحة : كلهم صالح ولا يوجد مثله !
وقد أعمى بصره الحقد والجهل ، كما أعمى بصيرته الحسد والبغض
(2) فلم ير لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) فضلاً ولا فضيلة فيقدم عليه معاوية الطليق وابنه يزيد الزنديق والمجرم السفاح ، وما عشت أراك الدهر عجباً !
____________
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 140 كنز العمال ج 6 ص 67 تاريخ ابن عساكر والذهبي .
(2) اقرأ ولا تنس قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه البخاري ومسلم بأن حب علي بن أبي طالب إيمان وبغضه نفاق وإن المنافقين كانوا لا يعرفون زمن النبي إلا ببغضهم لعلي .
( 154 )
فعبد الله بن عمر هو ابن أبيه حقاً والشيء من مأتاه لا يستغرب وكل إناء بالذي فيه ينضح ، فأبوه عمل بكل جهوده لإبعاد علي ( عليه السلام ) عن الخلافة واحتقاره وانتقاصه في أعين الناس .
وهذا ابنه الحاقد البغيض ، ورغم وصول علي ( عليه السلام ) إلى الخلافة بعد مقتل عثمان إذ بايعه المهاجرون والأنصار ، نراه امتنع عن مبايعته وعمل بكل جهوده على أطفاء نوره وتأليب الناس عليه لإسقاطه فجعل يحدث ويوهم المسلمين بأن علياً ( عليه السلام ) لا فضل له وهو كسائر الناس العادين .
وقد خدم عبد الله بن عمر الدولة الأموية وتوج معاوية وابنه يزيد بتاج الخلافة كذباً وافتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعترف بخلافة السفاح والمنصور ولك فساق بني أمية وقدمهم على سيد المسلمين وولي المؤمنين بنص القرآن والسنة ولم يعترف بخلافته رغم وقوعها ، إن هذا لشيء عجيب !
ولنا مع ابن عمر لقاء آخر في بحث لاحق لنكشف الستار عنه أكثر ، مع أن فيما قدمناه كفاية لإسقاطه من الاعتبار وتجريده من العدالة ، وعده في زمرة النواصب الذين أسسوا مذهب « أهل السنة والجماعة » وأصبح عندهم من أكبر الفقهاء والمحدثين .
وأنت إذا جبت الأرض شرقاً وغرباً وصليت في مساجد « أهل السنة والجماعة » قاطبة وتحدثت مع علمائهم فسوف يملأ سمعك قول أئمتهم في كل مناسبة : « عن عبد الله بن عمر رضي اله عنهما » .
( 155 )
النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقبل تشريع « أهل السنة والجماعة »
عرفنا مما سبق بأن الشيعة اقتداءً بأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) لم يعملوا بالرأي ولا بالقياس بل حرموهما ، وذلك لأن النصوص النبوية كانت هي القاضية والحاكمة عندهم ، وقد توارثوها كابراً عن كابر ، وقد جاء ذكر الصحيفة الجامعة وطولها سبعون ذراعاً وفيها كل ما يحتاجه المسلمون إلى قيام الساعة .
كما عرفنا أيضاً بأن « أهل السنة والجماعة » اضطروا للعمل بالرأي وبالقياس وذلك لعدم وجود النصوص النبوية عندهم وافتقارهم إليها ، لأن كبراءهم وساداتهم رفضوها وأحرقوها ومنعوا من تدوينها وكتابتها .
وقد عمد أنصار الاجتهاد والقول بالرأي إلى وضع حديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتأييد مذهبهم وتلبيس الحق بالباطل ، فقالوا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وسأله : كيف تقضي إذا عرض لك القضاء ؟ فقال معاذ : أقضي بكتاب الله ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن لم تجد في كتاب الله ؟ قال : أقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : إن لم تجد في سنة رسوله ؟ فقال معاذ عند ذلك : إن لم أجد أجتهد برأيي .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله .
وهذا الحديث باطل ولا يمكن أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقول النبي لمعاذ : إن لم تجد في كتاب الله وسنة رسوله ؟ والله يقول لرسوله :
«ونزلنا
( 156 )
عليك الكتاب تبياناً لكل شيء» ( النحل 89 ) . ويقول :
«ما فرطنا في الكتاب من شيء» ( الأنعام : 38 ) وكذلك قوله :
«وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» ( الحشر : 7 ) .
وقال أيضاً لرسوله :
«انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله» ( النساء : 105 ) .
فكيف يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا لمعاذ : إن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ؟ ! وهل هذا إلا اعتراف بأن كتاب الله وسنة رسوله ناقصان ولم يبينا كل الأحكام القضائية !
ولقائل أن يقول : ربما كان هذا الحديث لمعاذ بن جبل في بداية الدعوة ولم يكمل بعد نزول القرآن .
قلنا : لا يصح ذلك ، أولاً : لقول معاذ : أحكم بكتاب الله . فدل على أن كتاب الله كامل عندهم .
وإذا أضفنا إليه قوله : أقضي بسنة رسوله ، علمنا بما لا شك فيه بأن الحديث وضع في زمن متأخر جداً عندما كثر القول بالاجتهاد مقابل النصوص ، لأن مصطلح كتاب الله وسنة رسوله كان يستعمل دائماً فيما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا يصح ثانياً لأنه يصبح حجة لكل من جهل أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقضي برأيه بما شاء ولا يكلف نفسه معرفة النصوص .
ولا يصح ثالثاُ لقول الله سبحانه :
«ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون» «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» ( المائدة : 44 ـ 45 ـ 47).
ولا يصح رابعاً لأن الذي يجهل الأحكام لا يحق له القضاء ولا الإفتاء حتى يعرف حكم الله ورسوله في ذلك .
وإذا كان النبي نفسه هو رسول الله وقد أعطاه الله سبحانه حق التشريع للأمة فقال :
«ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» ( الأحزاب : 36 ) ، ومع ذلك فإنه لم يعمل طيلة حياته ولم
( 157 )
يحكم في قضية واحدة برأي ولا بقياس ، ولا باجتهاد ، بل كان دائماً يتبع النصوص الإلهية التي ينزل بها جبريل ( عليه السلام ) كلما دعت الحاجة لذلك ، والروايات التي تخالف هذا الواقع كلها موضوعة .
ولمزيد الاطمئنان بما قدمناه ، إليك الدليل من صحاح « أهل السنة » أخرج البخاري في صحيحه قوله :
« ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول : لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ، ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى :
«بما أراك الله» ( النساء : 501 )
(1) .
نعم هذا هو رب العالمين وأحكم الحاكمين يقول لرسول الله :
«وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ..» ( المائدة :48 ) .
نعم هذا هو القرآن يقول لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم :
«إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله …» ( النساء : 105 ) .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعمل برأي ولا بقياس بشهادتهم في صحاحهم ، فكيف تسنى لهم أن يعملوا بذلك ؟ ! وكيف يخالفون أحكام الله وسنة رسوله ثم يقولون بأنهم « أهل السنة » إنه حقاً أمر عجيب وغريب .
____________
(1) صحيح البخاري ج 8 ص 148 من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ( النساء / 105 ) .
( 158 )
تنبيه لابد منه
إذا تكلمنا في الفصول القادمة عن « أهل السنة والجماعة » فإننا لا نقصد بهم المسلمين المعاصرين فقد لاحظنا في عديد الفقرات بأن هؤلاء أبرياء وليس لهم في ما اقترفه السلف من ذنب ولا إثم وقلنا بأنهم ضحايا الدس والتعتيم التاريخي الذي صاغه الأمويون والعباسيون وأذنابهم لمحق السنة النبوية وإرجاع الأمر إلى الجاهلية .
ولقد كنا منهم نسير في ركبهم ونهتدي بهديهم فمن الله علينا وهدانا إلى سفينة النجاة ، وليس لنا إلا التضرع والابتهال إليه سبحانه أن يهدي لذلك كل الأمة الإسلامية حتى لا يبقى إلا الحق .
ولقائل أن يقول : إن تناول الصحابة بهذا النقد والتجريح يخدش شعور الأغلبية من المسلمين الذين يعتقدون بعدالتهم جميعاً ويعتبرونهم أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنقول بأن المسلمين مطالبون بالاعتقاد في الله وفي رسوله والعمل بما افترضاه والوقوف عند الحدود التي رسماها ، ويتوقف نجاة المسلمين بما فيهم الصحابة على ذلك ، فمن خرج عن ذلك مصيره إلى النار ولو كان عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ولده .
وإن تناول البعض من الصحابة بالنقد والتجريح فرضته الأحداث التاريخية التي تفاعلوا معها واختلفوا وكانوا سبب اختلاف الأمة ورزيتها .
( 159 )
عداوة « أهل السنة » لأهل البيت تكشف عن هويتهم
إن الباحث يقف مبهوتاً عندما تصدمه حقيقة « أهل السنة والجماعة » ويعرف بأنهم كانوا أعداء العترة الطاهرة ، يقتدون بمن حاربهم ولعنهم وعمل على قتلهم ومحو آثارهم .
ولذلك تجد « أهل السنة والجماعة » يوثقون المحدثين إذا كانوا من الخوارج أو من النواصب العثمانية ، ويتهمون ويوهنون المحدثين إذا كانوا من شيعة أهل البيت .
وإنك تجد ذلك مذكوراً في كتبهم بصراحة عندما يحاولون تكذيب الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضائل علي بن أبي طالب ( عليه السلام) ويوهنون راويها بقولهم : وفي سنده فلان وهو رافضي
(1) .
ويصححون الأحاديث المكذوبة التي وضعت لتفضيل وتمجيد الخلفاء الآخرين ، وإن كان راويها من النواصب ، لأن النصب عندهم هو شدة وصلابة في السنة .
فهذا ابن حجر يقول عن عبد الله بن إدريس الأزدي المعروف بالنصب : يقول : إنه صاحب سنة وجماعة وكان صلباً في السنة وكان عثمانياً
(2) .
ويقول في عبد الله بن عون البصري : إنه موثق وله عبادة وصلابة في السنة ،
____________
(1) رافضي بمعنى يتشيع لعلي ويرفض خلافة الذين تقدموه .
(2) تهذيب التهذيب لابن حجر ج 5 ص 145 وكذلك ج 1 ص 82 .
( 160 )
وشدة على أهل البدع ، قال ابن سعد : وكان عبد الله بن عون البصري عثمانياً
(1) .
كما يقول في إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني المعروف ببغضه لعلي ( عليه السلام ) : إنه كان حريزي المذهب أي على مذهب حريز بن عثمان الدمشقي المعروف بالنصب
(2) .
قال ابن حيان : إنه كان صلباً في السنة حافظاً للحديث .
وتجد الإشارة هنا بأن هذا الناصبي الذي يمدحونه بالصلابة في السنة ويحفظ الحديث ، كان يغتن المحدثين على بابه ، فيبعث بجارية له ومعها دجاجة في يدها ، فتطوف في المدينة ، ثم تعود لتقول لسيدها الجوزجاني بأنها لم تجد من يذبح لها الدجاجة ، فيصيح عند ذلك قائلاً : سبحان الله ! ! فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في صحوة من نهار نيفاً وعشرين ألف مسلم !!
وبمثل هذا المكر والدهاء يحاول النواصب أعداء أهل البيت تحريف الناس عن الحق وإضلالهم بمثل هذه الأراجيف الكاذبة حتى يملأوا قلوب المسلمين وخصوصاً المحدثين منهم ، حقداً وبغضاً لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ويستبيحوا بذلك سبه وشتمه ولعنه .
وإنك لتجد هذه الظاهرة موجودة إلى يوم الناس هذا فرغم ادعاء « أهل السنة والجماعة » في زماننا بأنهم يحبون أهل البيت ويترضون عن سيدنا علي ( كرم الله وجهه ) كما يقولون ، إلا أنك عندما تروي حديثاً فيه فضيلة لعلي ( عليه السلام ) تراهم يغمزون ويهزأون ، ويرمونك بالتشيع وقول البدع والغلو في الدين .
____________
(1) المعروف أن العثمانيين هم النواصب الذين يكفرون عليا ويتهمونه بقتل عثمان وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان ابن عم عثمان ، فهو رئيسهم وزعيمهم .
(2) النواصب هم أعداء علي وأهل بيته من الخوراج والقاسطين والناكثين والذين ناصبوا له العداء وحاربوه ، وبعد استشهاده عملوا على سبه ولعنه .
( 161 )
وعندما تحدث عن الخلفاء أبي بكر وعمر وكل الصحابة بدون استثناء وتقول في فضلهم ما شئت وتغالي في ذلك ، فإنهم يطمئنون إليك ويستأنسون بحديثك ويقدموك على أنك كثير العلم واسع الاطلاع .
إنها بالضبط عقيدة سلفهم « الصالح » ، فقد نقل المؤرخون بأن الإمام أحمد بن حنبل كان يضعف من أهل الحديث كل من ينتقص أبا بكر أو عمر أو عثمان ، بينما كان يكرم إبراهيم الجوزجاني الناصبي المتقدم ذكره إكراماً شديداً ، ويراسله ويقرأ كتبه على المنبر ويحتج بها .
وإذا كان هذا حال أحمد بن حنبل الذي فرض على معاصريه القول بخلافة علي ( عليه السلام ) وربع بها ، فلا تسأل عن الآخرين الذين لم يعترفوا له بفضيلة واحدة أو الذين سبوه ولعنوه على المنابر في الجمعة والأعياد .
وهذا الدارقطني يقول : كان ابن قتيبة متكلم أهل السنة يميل إلى التشبيه ، منحرف عن العترة
(1) .
وبهذا يتبين بأن أغلب « أهل السنة والجماعة » كانوا منحرفين عن عثرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وهذا المتوكل الذي لقبه أهل الحديث بـ « محيي السنة » والذي كان يكرم أحمد بان حنبل ويعظمه ويطيع أوامره في تنصيب القضاة ، كان من أكبر النواصب لعلي ولأهل البيت ( عليهم السلام ) حتى وصل به الحقد إلى نبش قبر الحسين بن علي ومنع من زيارته ، وقتل من يتسمى بعلي . وذكره الخوارزمي في رسائله وقال بأنه كان لا يعطي مالاً ولا يبذل نوالاً إلا لمن شتم آل أبي طالب ( عليهم السلام ) ونصر مذهب النواصب
(2) .
وغني عن التعريف بأن مذهب النواصب هو مذهب « أهل السنة والجماعة » فناصر مذهب النواصب المتوكل هو نفسه « محيي السنة » فافهم .
____________
(1) لسان الميزان للذهبي ج 3 ص 357 .
(2) رسائل الخوارزمي ص 135 .
( 162 )
وهذا ابن كثير يحدثنا في البداية والنهاية بأن « أهل السنة والجماعة » عندما سمعوا الأعمش يروي حديث الطير المشوي الذي فيه فضيلة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أخرجوه من المسجد وغسلوا مكانه
(1) .
كما أنهم حاولوا منع دفن الإمام محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير الكبير والمؤرخ العظيم لا لشيء إلا لأنه صحح حديث غدير خم « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » وجمع رواياته من طرق متعدد÷ ، بلغت حد التواتر .
قال ابن كثير : وقد رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين ، وكتاباً جمع فيه حديث الطير المشوي
(2) ، وذكره أيضاً ابن حجر في لسان الميزان فقال : هو الإمام الجليل والمفسر ، ثقة ، صادق ، فيه تشيع يسير وموالاة لا تضر
(3) .
وهذا المحدث الكبير الإمام النسائي وهو صاحب أحد الصحاح الست عند « أهل السنة » ، عندما كتب كتاب الفضائل في أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ، سألوه عن فضائل معاوية ، فقال : لا أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنه ، فضربوه على مذاكيره حتى غشي عليه ونقل ومات من ذلك .
كما يحدثنا ابن كثير في تاريخه عن حوادث سنة 363 التي وقعت في بغداد بين الشيعة و « أهل السنة والجماعة » بمناسبة يوم عاشوراء ، قال :
إن جماعة من « أهل السنة » أركبوا امرأة سموها عائشة وتسمى بعضهم بطلحة ، وبعضهم بالزبير ، وقالوا : نقاتل أصحاب علي ( عليه السلام ) ، فقتل بسب ذلك خلق كثير
(4) .
وهذا بالضبط ما يقع اليوم في الهند فإن « أهل السنة والجماعة » يهجمون على الشيعة في يوم عاشوراء ليمنعوهم من موكب التعزية فيقتل بسبب ذلك خلق كثير من المسلمين الأبرياء .
____________
(1) ابن كثير في كتاب البداية والنهاية ج 11 ص 147 .
(2) البداية والنهاية لابن كثير ج 11 ص 147 .
(3) لسان الميزان لابن حجر في ترجمة ابن جرير الطبري .
(4) البداية والنهاية لابن كثير ج 11 ص 275 .
( 163 )
وبعد هذا العرض يتبين لنا بوضوح بأن النواصب الذين عادوا علياً (عليه السلام ) وحاربوا أهل البيت ( عليهم السلام ) ، هم الذين سموا أنفسهم بـ « أهل السنة والجماعة » ، وقد عرفنا ماذا يقصدون بالسنة وماذا يقصدون بالجماعة .
ومن البديهي أن من كان عدواً لعترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو عدو لجدهم رسول الله ، ومن كان عدواً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو عدو الله .
ومن البديهي أيضاً أن عدو الله ورسوله وأهل بيته ليس هو من عباد الرحمان وليس هو من أهل السنة ، إلا أن تكون سنة الشيطان هي المقصودة .
أما سنة الرحمان فهي مودة الله ورسوله وأهل البيت وموالاتهم والسير على هديهم ، قال تعالى :
«قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى» ( الشورى : 23 ) .
فأين معاوية من علي وأين أئمة الضلال من أئمة الهدى ، وأين « أهل السنة والجماعة » من الشيعة الأبرار .
«هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين» ( آل عمران : 138 )
( 271 )
الصحابة عند شيعة أهل البيت
و إذا بحثنا موضوع الصحابة بتجرد و بدون عواطف نجد أن الشيعة أنزلوهم بمنازل القرآن و السنة النبوية و ما أوجبه العقل، فلم يكفروهم بمجموعهم كما فعل الغلاة، و لم يقولوا بعد التهم جميعاً كما فعل "أهل السنة و الجماعة".
يقول الإمام شرف الدين الموسوي في هذا الموضوع: " إن من وقف علي رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء، إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم جميعاً، فإن الكاملية و من كان في الغلو على شاكلتهم قالوا بكفر الصحابة كافة، و قال "أهل السنة" بعدالة كل فرد ممن سمع النبي أو رآه من المسلمين مطلقاً واحتجوا بحديث (كل من دب أو درج منهم أجمعين أكتعين).
أما نحن و إن كانت الصحبة بمجردها عندنا فضيلة جليلة لكنها بما هي من حيث هي غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول و هم عظماؤهم و علماؤهم، و فيهم البغاة و فيهم أهل الجرائم من المنافقين، و فيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعد ولهم و نتولاهم في الدنيا و الآخرة.
أما البغاة على الوصي و أخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم و سائر أهل الجرائم كابن هند و ابن النابغة و ابن الزرقاء و ابن عقبة و ابن أرطأة ز أمثالهم، فلا كرامة لهم ولا وزن لحديثهم، و مجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره.
هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة، و الكتاب و السنة هما بينتنا على هذا الرأي كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه، لكن الجمهور بالغوا في تقديس
( 272 )
كل من يسمونه صحابياً حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين، واقتدوا بكل مسلم سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه اقتداء أعمى، و أنكروا على من يخالفهم في هذا الغلو، و خرجوا في الإنكار على كل الحدود.
و ما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية و البحث عن الصحيح من الآثار النبوية.
و بهذا ظنوا الظنون فاتهمونا بما اتهمونا رجماً بالغيب و تهافتاً علي الجهل، ولو ثابت إليهم أحلامهم و رجعوا إلي قواعد العلم لعلموا أن أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليها، ولو تدبروا القرآن الحكيم بوجوده مشحوناً بذكر المنافقين منهم و حسبك منه سورة التوبة و الأحزاب …" (إنتهى كلام شرف الدين).
و يقول الدكتور حامد حفني داود أستاذ كرسي الأدب العربي و رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عين شمس بالقاهرة: "أما الشيعة فيرون أن الصحابة كغيرهم تماماً لا فرق بينهم و بين من جاء بعدهم من المسلمين إلى يوم القيامة.
و ذلك من حيث خضوعهم لميزان واحد هو ميزان العدالة الذي توزن به أفعال الصحابة كما توزن به أفعال من جاء بعدهم من الأجيال و أن الصحبة لا تعطي بصاحبها منقبة إلا إذا كان أهلاً لهذه المنقبة و كان لديه الاستعداد نعموا برسالة صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم، و أن منهم المعصومين كالأئمة الذين نعموا بصحبة الرسولصلى الله عليه وآله وسلم كعلي وابنيه (عليهم السلام)
و منهم العدول و هم الذين أحسنوا الصحبة لعلي بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلي.
و منهم المجتهد المصيب، و منهم المجتهى المخطئ و منهم الفاسق، و منهم الزنديق، و هو أقبح من الفاسق و أشد نكالاً ويدخل في دائرة الزنديق المنافقون و الذين يعبدون الله علي حرف، كما أن منهم الكفار و هم الذين لم يتوبوا من نفاقهم و الذين ارتدوا بعد الإسلام.
( 273 )
و معنى هذا أن الشيعة - و هم شطر عظيم من أهل القبلة - يضعون جميع المسلمين في ميزان واحد ولا يفرقون بين صحابي و تابعي و متأخر، و أن الصحبة في ذاتها ليست حصانة يتحسن بها من درجة الاعتقاد.
و على هذا الأساس المتين أبا حوا لأنفسهم - اجتهاداً - نقد الصحابة و البحث في درجة عدالتهم، كما أبا حوا لأنفسهم الطعن في نفر من الصحابة أخلوا بشروط الصحبة و حادوا عن محبة أن محمدصلى الله عليه وآله وسلم.
كيف لا، وقد قال الرسول الأعظم: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله و عترتي أل بيتي، و إنهما يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما".
و علي أساس من هذا الحديث و نحوه يرون أن كثيراً من الصحابة حالفوا هذا الحديث باضطهادهم لآل محمد، و لعنهم لبعض أفراد هذه العترة، و من ثم فكيف يستقيم لهؤلاء المخالفين شرف الصحبة، و كيف يوسموا بسمة العدالة؟!
ذلك هو خلاصة رأي الشيعة في نفي صفة العدالة عن بعض الصحابة و تلك هي الأسباب العلمية الواقعية بنوا عليها حججهم".
هذا و يعترف الدكتور حامد حنفي داود في موضع آخر بأن نقد الصحابة و تجريحهم ليس هو بدعاً من مسائل العقيدة، و لم يكتفوا فيما تعرضوا له بعامة الصحابة بل تعرضوا للخلفاء أنفسهم، و كان لهم في ذلك خصوم و مؤيدون.
و قد كان موضوع نقد الصحابة قرصراً - في القرون الأولى - علي الراسخين قي العلم و لخاصة علماء المعتزلة، و و سبقهم في هذا الاتجاه رؤوس الشيعة و زعماء المتعصبين لآل محمد.
و سبق أن أشرت في غير هذا الموضع أن علماء الكلام و شيوخ المعتزلة كانوا عالة على زعماء الشيعة منذ القرن الهجري الأول، و عليه فقضية نقد الصحابة إنما هي وليدة التشيع لآل محمد، و لكنها كانت وليدة التشيع، لا لذات التشيع،
( 274 )
بل لأن المنشيعين لأل محمد عرفوا بتبحرهم في علوم العقائد بسبب ما نهلوا من موارد أئمة أل البيت و هم المصدر الأصيل و المعين الفياض الذي نهلت منه الثقافات الإسلامية منذ صدر الإسلام إلى اليوم"
(1) . إنتهى كلام الدكتور حامد داود.
و أنا أعتقد بأن الباحث عن الحقيقة لا بد له من فتح باب النقد و التجريح و إلا سيبقى محجوباً عنها، بالضبط "كأهل السنة و الجماعة" الذين بالغوا في القول بعدالة الصحابة و عدم البحث في أحوالهم فيقوا بعيدين عن الحق إلى يومنا هذا.
____________
(1) كتاب الصحابة في نظر الشيعة الإمامية صفحة 8 و ما بعدها.
( 275 )
الصحابة عند "أهل السنة و الجماعة"
أما "أهل السنة و الجماعة" فقد بالغوا قي تنزيه الصحابة، و القول بعدالتهم جميعاً بدون استثناء و خرجوا بذلك على حدود العقل و النقل عندما أنكروا على من ينتقد أحداً منهم أو يقول بعدم عدالته فضلاً عن تفسيقهم، و إليك طرفاً من أقوالهم لتعرف بعدهم عن مفاهيم القرآن و ما ثبت في السنة النبوية الصحيحة، و ما أثبته، و ما أثبته العقل والوجدان.
هذا الإمام النووي يقول في شرح صحيح مسلم: "إن الصحابة (رضي الله عنهم) كلهم هم صفوة الناس و سادات الأمة، و أفضل ممن بعدهم، و كلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، و إنما جاء التخليط ممن بعدهم، و فيمن بعدهم كانت النخالة
(1) .
و هذا يحيى بن معين يقول: كل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم دجال يكتب عنه و لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.
(2)
و هذا يحيى بن معين يقول: كل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دجال لا يكتب عنه و عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين
(3)
و هذا الذهبي يقول: من الكبائر سب أحد من الصحابة فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين و مرق من ملة المسلمين
(4)
و سئل القاضي أبو يعلي عمن شتم أبا بكر؟ فقال: كافر، قيل فيصلى عليه؟
____________
(1) صحيح مسلم ج 8 ص 22
(2) تهذيب التهذيب ج 1 ص 509
(3) تهذيب التهذيب ج 1 ص 509
(4) كتاب الكبائر للذهبي ص 233 و 235
( 276 )
قال: لا فقيل كيف يصنع به و هو يشهد أن لا إله ألا الله؟ لا تسموه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته
(1) .
و يقول الإمام أحمد بن حنبل: "خير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر، و عمر بعد أبي بكر، و عثمان بعد عمر، و علي بعد عثمان، و هم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه و عقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه و يستتيبه، فإن تاب قبل منه، و إن ثبت أعاد عليه العقوبة و خلده في الحبس حتى يموت أو يراجع".
و قال الشيخ علاء الدين الطرابلسي الحنفيـ من شتم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً أو معاوية أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال و كفر، قتل، و إن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالاً شديداُ.
(2)
و ينقل الدكتور حامد حفني داود أقوال "أهل السنة و الجماعة" باختصار، فيقول: "يرى أهل السنة أن الصحابة كلهم عدول، و أنهم جميعاً مشتركون في العدالة و إن اختلفوا في درجاتها، و أن من كفر صحابياً فهو كافر، و من فسقه فهو فاسق، و أن من طعن في صحابي فكأنما طعن علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ويرى جهابذة أهل السنة أيضاً أنه يجوز الخوض فيما جرى بين علي (رضي الله عنه) و معاوية من أحداث التاريخ.
و أن من الصحابة من اجتهد و أصاب و هو علي و من نحا نحوه، و أن منهم من اجتهد و أخطأ مثل معاوية و عائشة (رضي الله عنها) و من نحا نحوهما، و أنه ينبغي - في نظر أهل السنة - الوقوف و الإمساك عند هذا الحكم دون التعرض لذكر المثالب. و نهوا عن سب معاوية باعتباره صحابياً، و شددوا النكير على من سب عائشة، باعتبارها أم المؤمنين الثانية بعد خديجة و باعتبارها جب رسول الله.
____________
(1) كتاب الصارم المسلول ص 275
(2) كتاب معين الحكام فيها يتردد بين الخصمين من الأحكام ص 187
( 277 )
و ما زاد على ذلك فينبغي ترك الخوض فيه و أرجاء أمره إلى الله سبحانه، و في ذلك يقول الحسن البصري و سعيد بن المسيب: "تلك أمور طهر الله منها أيدينا و سيوفنا فلنطهر منها ألسنتنا".
"هذه خلاصة آراء أهل السنة في عدالة الصحابة و فيما ينبغي أن تقف منهم"
(1) . أنتهى كلامه.
و إذا أراد الباحث أن يتوسع في معرفة الصحابة و من المقصودون بهذا المصطلح على رأي "أهل السنة و الجماعة" فسيدرك بأنهم يعطون هذا الوسام الشرقي لكل من رأى النبي!
يقول البخاري في صحيحه: من صحب رسول الله ًصلى الله عليه وآله وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
و يقول أحمد بن حنبل: أفضل الناس بعد صحابة الرسول من البدريين كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً، أو رآه، وله من الصحبة على قدر ما صحبه
(2) .
و قال ابن حجر في كتاب "الإصابة قي تمييز الصحابة": طل من روي عن النبي حديثاً أو كلمة، أو رآه و هو مؤمن به فهو من الصحابة، و من لقي النبي مؤمناً به و مات علي الإسلام، طالت مجالسته معه أو صرت، روي عنه أولم يرو، غزا أولم يغز، من رآه و لم يجالسه و من لم يره لعارض"
(3)
و الأغلبية الساحقة من "أهل السنة و الجماعة" يرون هذا الرأي و يعدون من الصحابة كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ولد في حياته، و إن لم يدرك و لم يعفل، و ليس أدل علي ذلك من عدهم محمد بن أبي بكر من الصحابة و قد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و لمحمد بن أبي بكر من العمر ثلاثة أشهر فقط.
و لذلك نري ابن سعد يقسم الصحابة إلى خمس طبقات في كتابه المشهور بطبقات ابن سعد.
____________
(1) كتاب الصحابة في نظر الشيعة الإمامية ص 8 و 9
(2) الكفاية ص 51 و كتاب تلقيح فهوم أهل الآثار ص 2
(3) كتاب الإصابة لاين حجر ج 1 ص 10
( 278 )
و هذا الحاكم النبسابوري صاحب كتاب "المستدرك" يجعلهم اثنتي عشره طبقة كالآتي:
الطبقة الأولي: هم الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة كالخلفاء الراشدين.
الطبقة الثانية: هم الذين حضروا دار الندوة.
الطبقة الثالثة: هم الذين هاجروا إلي الحبشة.
الطبقة الرابعة: هم الذين حضروا العقبة الأولي.
الطبقة الخامسة: هم الذين حضروا العقبة الثانية.
الطبقة السادسة: هم الذين هاجروا للمدينة بعد هجرة الرسول إليها.
الطبقة السابعة: هم الذين شهدوا بدراً.
الطبقة الثامنة: هم الذين هاجروا بعد بدر و قبل الحديبية.
الطبقة التاسعة: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان.
الطبقة العاشرة: هم الذين هاجروا بعد الحديبية و قبل فتح مكه، أمثال خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و غيرهم.
الطبقة الحادية عشرة: هم الذين سماهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطلقاء.
الطلقة الثانية عشرة: هم صبيان و أطفال الصحابة الذين ولدوا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمثال محمد بن أبي بكر.
"فأهل السنة و الجماعة" متفقون على عدالة الصحابة أجمعين و المذاهب و الأربعة يقبلون رواياتهم بدون تردد و لا يسمحون بنقدها ولا الطن فيها.
و ناهيك أن رجال الجرح و التعديل الذين أخذوا على أنفسهم نقد المحدثين والرواة لفرز الأحاديث و تنقيتها و لكنهم إذا وصلوا إلى الصحابي مهما كانت طبقته و مهما كان عمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهم يتوقفون عند ذلك ولا يطعنون بروايته مهما أثير حولها من شبهات و مهما تعارضت مع العقل و النقل، و يقولون بأن الصحابة لا يخضعون للنقد و التجريح و كلهم عدول!
( 279 )
و هذا لعمري تكلف ظاهر ينفر منه العقل و يشمئز منه الطبع ولا يقره العلم، ولا أعتقد بأن المثقفين من شباب يقبلون هذه البدع المضحكة.
و لست أدري ولا أحد يدري من أين استمد "أهل السنة و الجماعة" هذه الأفكار الغربية عن روح الإسلام الذي قال على الدليل العلمي و الحجة البالغة، و ليتني أعلم، و ليت واحداً منهم يقنعني بدليل واحد من كتاب أو سنة أو منطق على عدالة الصحابة المزعومة!
و لكننا بحمد الله عرفنا اللغز من تلك الآراء المزيفة و سنشرحها في الفصل القادم، فعلي الباحثين أن يكتشفوا بدورهم بعض الأسرار التي مازالت تنتظر الجرأة و الشجاعة.
( 280 )
فصل الخطاب في تقييم الأصحاب
لا شك أن الصحابة بشر غير معصومين عن الخطأ، و هم كسائر الناس العاديين يجب عليهم ما يجب على كل الناس و يحق لهم ما يحق لكل الناس، و إنما لهم فضل الصحبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا احترموها و رعوها حق رعايتها، و إلا فإن العذاب يكون مضافاً لأن عدل الله سبحانه اقتضى أن لا يعذب البعيد القاضي كالقريب الداني، فليس الذي سمع من النبي مباشرة و رأى نور النبوة و شهد المعجزات و تيقن منها و حظي بتعاليم النبي نفسه، كمن عاش في زمن ما بعد النبي و لم يسمع منه مباشرة.
والعقل والوجدان يفضلان رجلاً يعيش في زماننا و يقيم علي احترام الكتاب و السنة و تنفيذ تعاليمهما، على صحابي عاش مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و صاحبه و لما يدخل الإيمان في قبله و أسلم استسلاماً أو صاحبه على البر والتقوى طيلة حياته ولكنه ارتد وانقلب بعد وفاته.
و هذا ما يقرره كتاب الله و سنة رسوله إضافة للعقل والوجدان و كل من له دراية بالقرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة، لا يرتاب في هذه الحقيقة و لا يجد عنها محيصاً.
و مثال ذلك قوله تعالى: "يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك علي الله يسيراً" (الأحزاب:" 30)
فالصحابة فيهم المؤمن الذي استكمل إيمانه، و فيهم ضعيف الإيمان، و فيهم الذي لم يدخل الإيمان قبله، و فيهم التقي الزاهد، و فيهم المتهور الذي لا يعرف
( 281 )
غير مصلحته، و فيهم العادل الكريم، و فيهم الظالم اللئليم، و فيهم أهل الحق المؤمنين، و فيهم البغاة الفاسقون، و فيهم العلماء العاملون، و فيهم الجهلة المبتدعون، و فيهم المخلصون و فيهم المنافقون و الناكثون و المارقون و المرتدون.
و إذا كان القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة و التاريخ أقروا هذه الأمور و أوضحوها بأجلى بيان، فيصبح قول "السنة و الجماعة" بأن الصحابة كلهم عدول قولاً هراء لا عبرة به ولا قيمة، لأنه يعارض القرآن و السنة و يعارض التاريخ و العقل والوجدان، فهو محض التعصب، و هو قول بلا دليل و كلام بلا منطق.
و قد يتعجب الباحث في هذه الأمور من عقيلة "أهل السنة و الجماعة" الذين يخالفون العقل و النقل و التاريخ.
ولكن عندما يقرأ الباحث الأدوار التي لعبها الأمويون و كذلك الأساليب التي اتبعها العباسيون لتركيز هذه العقيدة - أعني احترام الصحابة و عدم انتقادهم و القول بعدالتهم - يزول عجبه ولا يساوره أدني شك في أنهم إنما منعوا الحديث في الصحابة لكيلا يصل إليهم النقد و التجريح لأفعالهم الشنيعة التي ارتكبوها تجاه الإسلام و نبي الإسلام و الأمة الإسلامية.
و إذا كان أبو سفيان و معاوية و يزيد و عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و المغيرة بن شيعة و بسر بن أرطأة، كلهم من الصحابة و قد تولوا أمارة المؤمنين و حكموهم، فكيف لا يمنعون الخوض في نقد الصحابة، و كيف لا يختلقون لهم روايات مكذوبة تقول بعدالتهم جميعاً لكي تشملهم تلك الفضائل، ولا يتجرأ أحد على نقدهم أو ذكر أفعالهم.
و من يفعل ذلك من المسلمين يسموه كافراً و زنديقاً و يفتوا بقتله و عدم تغسيله و تكفينه، و إنما يدفع بخشبة حتى يواري في حفرته - كما تقدم ذكره - و كانوا إذا أرادوا قتل الشيعة، اتهموهم بست الصحابة، و معني سب الصحابة عندهم، هو نقدهم و تجريحهم فيما فعلوه، و هذه وحده يكفي للقتل و التنكيل.
بل وصل الحد إلى أبعد من ذلك، و يكفي أن يتساءل أحد عن مفهوم الحديث حتى يلاقي حتفه، فإليك الدليل:
( 282 )
أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال: ذكر عند هارون الرشيد حديث أبي هريرة: إن موسى لقي آدم فقال له: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة؟ فقال رجل قرشي كان في المجلس: أين لقي آدم موسى؟! فغضب الرشيد و قال: النطع والسيف، زنديق يطعن في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(1)
و إذا كان هذا الرجل بلا شك من الأعيان، لأنه يحضر مجلس الرشيد يلاقي الموت بقطع رأسه بالسيف لمجرد تساؤله عن المكان الذي لقي فيه آدم موسى.
فلا تسأل عن الشيعي الذي يقول بأن أبا هريرة كذاب، استناداً لتكذيب الصحابة له و على رأسهم عمر بن الخطاب. و من هنا يفهم الباحث كل التناقضات التي جاءت في الأحاديث و المنكرات و المستحيلات و الكفر الصريح. و مع ذلك سجلت بأنها صحيحة و ألبست ثوب القداسة و التنزيه.
كل ذلك لأن النقد و التجريح كانا ممنوعين و يجران إلي الموت و الهلاك. بل إن الذي يتساءل عن بعض المعاني ليصل إلي الحقيقة و يشتم منه رائحة التفتيش و التنقيب فهو مقتول لا محالة ليكون مثالاً لغيره، فلا يجرؤ أحد بعده أن يتكلم.
و قد موهوا على الناس بأن الذي يطعن في حديث أبي هريرة أو أحد الصحابة حتى العاديين منهم، بأنه طعن على رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، و بذلك وضعوا هالة على الأحاديث الموضوعة التي اختلقها بعض الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأصبحت من المسلمات.
و كنت كثيراً ما أحتج على بعض علمائنا بأن الصحابة لم يكن عندهم هذا التقديس بل كانوا أنفسهم يشككون في حديث بعضهم إذا تعارض حديثه بما يخالف القرآن، و بأن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرة و نهاه عن الحديث و اتهمه بالكذب إلي غير ذلك، فكانوا يردون علي دائماً بأن الصحابة من حقهم أن يقولوا في بعضهم ما شاؤوا ، أما نحن فلسنا في مستواهم حتى نرد عليهم أو ننتقدهم.
أقول: يا عباد الله، إنهم تقاتلوا و كفر بعضهم بعضاً و قتل بعضهم بعضاً؟!
____________
(1) تاريخ بغداد ج 14 ص 7
( 283 )
يقولون: كلهم مجتهدون للمصيب منهم أجران و للمخطئ أجر واحد، و ليس لنا نحن أن نخوض في شؤونهم.
و من المؤكد أن هؤلاء ورثوا هذه العقيدة من آبائهم و أجدادهم سلفاً عن خلف فهم يرددونها ترديد الببغاء بدون تدبر ولا تمحيص.
و إذا كان إمامهم الغزالي نفسه قد اتخذ هذا الرأي وبثه في الناس فأصبح بذلك حجة الإسلام و المسلمين، فقد قال في كتابه "المستصفي": "والذي عليه السلف و جماهير الخلف أن عدالة الصحابة معلومة بتعديل الله عز و جل إياهم و ثنائه عليهم في كتابه، و هو معتقدنا فيهم".
و أنا أتعجب من الغزالي و من "أهل السنة و الجماعة" عموماً على استدلالهم بالقرآن على عدالة الصحابة، و ليس في القرآن أية واحدة تدل على ذلك، بل في القرآن آيات كثيرة تنفي عدالتهم و تفضح سرائرهم و تكشف نفاقهم.
و قد أفردنا فصلاً كاملاً لهذا الموضوع في كتابنا "فاسألوا أهل الذكر" من صفحة 113 إلي 127 فمن أراد مزيد البحث و الوقوف على تلك الحقائق، فليرجع للكتاب المذكور ليعرف قول الله و قول الرسول فيهم. ولكي يعرف الباحث بأن الصحابة لم يكونوا يحلمون يوماً بالمنزلة التي اخترعها لهم "أهل السنة و الجماعة" فما عليه إلا قراءة كتب الحديث و كتب التاريخ التي طفحت بأفعالهم الشنيعة و تفكير بعضهم، و كيف أن الكثير منهم كان يشك في نفسه إن كان من المنافقين.
فها هو البخاري يخرج في صحيح بأن ابن مليكة أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه و ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرئل.
(1)
وها هو الغزالي نفسه يخرج في كتابه بأن عمر بن الخطاب كان يسأل حذيفة بن اليمان إن كان رسول الله سماه في جملة المنافقين الذين أعلمه بأسمائهم
(2)
____________
(1) صحيح البخاري ج 1 ص 17
(2) إحياء علوم الدين للغزالي ج 1 ص 129 و كنز العمال، ج 7 ص 24
( 284 )
ولا عبرة لقول من يقول بأن المنافقين ليسوا من الصحابة إذا عرفنا أن المصطلح الذي اتفقوا عليه هو ما سمعناه آنفاً أن كل من رأى رسول الله مؤمناً به فهو صحابي حتى لو لم يجالسه.
و قولهم: مؤمناً به، فيه أيضاً تكلف، لأن كل الذين صاحبوا النبي نطقوا بالشهادتين، و قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم ذلك الإسلام الظاهري و قال: "أمرت أن أحكم بالظاهر و الله يتولى السرائر" و لم يقل في حياته لواحد منهم: أنت منافق فلا أقبل منك إسلامك!
و لذلك أيضاً نجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمي المنافقين - بـ "أصحابي" - و هو يعلم نفاقهم، و إليك الدليل:
أخرج البخاري بأن عمر بن الخطاب طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يضرب عنق عبدالله بن أبي المنافق فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعه لا يتحدث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه.
(1)
و قد يحاول بعض العلماء من "أهل السنة و الجماعة" إقناعنا بأن المنافقين كانوا معروفين فلا نخلطهم بالصحابة، و هذا أمر مستحيل لا سبيل إليه، بل منافقون هم من جملة الصحابة الذين لا يعلم خفاياهم إلا الله سبحانه، و قد كانوا يصلون و يصومون و يعبدون الله و يتقربون إلي النبي بكل الوسائل. و إليك الدليل:
أخرج البخاري في صحيحه بأن عمر بن الخطاب طلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة أخري أن يأذن به بضرب عنق ذي الخويصرة عندما قال النبي: أعدل! ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
(2)
و لست مبالغاً إذا قلت بأن أكثرية الصحابة لم يكونوا بعيدين عن النفاق بما
____________
(1) صحيح البخاري ج 6 ص 65، كتاب فضائل القرآن سورة المنافقين، و تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 97
(2) صحيح البخاري ج 4 ص 179
( 285 )
قرره كتاب الله في العديد من الآيات و بما قرره رسول الله في العديد من الأحاديث. فمن كتاب الله قوله تعالى:
«بل جاءهم بالحق و أكثر هم للحق كارهون» (المؤمنون: 70)، و قوله
«الأعراب أشد كفراً و نفاقاً» (التوبة: 97)، و قوله
«و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم» (التوبة: 101)، و قوله
«و ممن حولكم من الأعراب منافقون» (التوبة: 101)
و تجدر الإشارة بأن بعض العلماء من "أهل السنة و الجماعة" يحاولون جهدهم تغطية الحقائق، فيفسرون "الأعراب" بأنهم ليسوا من الصحابة، و إنما هم سكان البادية من أطراف الجزيرة العربية.
و لكننا وجدنا عمر بن الخطاب عندما أشرف على الموت أوصى إلى الخليفة من بعده قائلاً: و أوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب و مادة الإسلام
(1)
فإذا كان أهل العرب و مادة الإسلام هم أشد كفراً و نفاقاً و أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله و الله عليهم حكيم، فلا قيمة لقول "أهل السنة و الجماعة" بأن الصحابة كلهم عدول.
و لمزيد البيان، و حتى يتحدث الباحث بأن الأعراب هم أنفسهم عامة الصحابة، فقد جاء في القرآن الكريم بعد ذكر الأعراب أشد كفراً و نفاقاً، قال سبحانه: "و من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر و يتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيد خلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم" (التوبة: 99)
أما ما قرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة النبوبة الشريفة فقوله: يؤخذ بأصحابي إلى النار، فأقول: يا رب هؤلاء أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً من بدل بعدي ولا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم
(2) . إلى أحاديث أخري كثيرة ضربنا عنها صفحاً من أجل الاختصار، و ليس هدفنا
____________
(1) صحيح البخاري ج 4 ص 206
(2) صحيح البخاري ج 7 ص 209 باب الحوض.
( 286 )
البحث في حياة الصحابة لكي نطعن بعدالتهم فالتاريخ كفانا مؤونة ذلك و شهد على البعض منهم بالزنا و شرب الخمر و شهادة الزور والارتداد و ارتكاب الجرائم بحق الأبرياء و خيانة الأمة، و لكن نريد فقط أن نبرز بأن مقولة عدالة الصحابة كلهم هي خرافة وهمية جاء بها "أهل السنة و الجماعة" لبستروا على سادتهم و كبرائهم من الصحابة الذين أحدثوا في دين الله و غيروا أحكامه ببدع ابتدعوها، و لنكشف ثانية بأن "أهل السنة الجماعة" باعتناقهم عقيدة "عدالة الصحابة أجمعين" قد أظهروا هو يتهم الحقيقة ألا و هي مودة المنافقين والاقتداء ببدعهم التي أحدثوها ليرجعوا بالناس إلى الجاهلية.
و بما أن "أهل السنة و الجماعة" قد حرموا على أتباعهم نقد الصحابة و تجريحهم و أغلقوا في وجوههم باب الاجتهاد و ذلك من عهد الخلفاء الأمويين و عهد اختلاق المذاهب، وورث الأتباع هذه العقيدة و أورثوها إلى أبنائهم جيلاً بعد جيل و بقي "أهل السنة و الجماعة" حتى يوم الناس هذا يمنعون من الخوض في الصحابة و يترضون عليهم جميعاً و يكفرون من ينتقد واحداً منهم.
و خلاصة القول أن الشيعة أتباع أهل البيت ينزلون الصحابة منازلهم التي يستحقونها، فيترضون على المتقين منهم و يتبرأون من المنافقين و الفاسقين أعداء الله و رسوله. و بذلك فهم وحدهم أهل السنة الحقيقة لأنهم أحبوا حبيب الله في ضلال الأغلبية الساحقة من المسلمين.
( 287 )
مخالفة أهل السنة و الجماعة لسنن النبوية
في هذا الفصل لابد لنا أن نكشف للباحث بصفة إجمالية عن مخالفة "أهل السنة و الجماعة" لمعظم السنن النبوية، كما نوضح في المقابل بأن الشيعة هم الذين تمسكوا بالسنن و لذلك حق لنا أن نسمي هذا الكتاب بعنوان "الشيعة هم أهل السنة".
و نريد في هذا الفصل طرح أمهات المسائل التي تبين للباحثين بمزيد اليقين بأن "أهل السنة و الجماعة" قد خالفوا تعاليم الإسلام في كل ما قرره القرآن و الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سنته الشريفة، و تسببوا في ضلال من ضل من الأمة، و انتكاس المسلمين و بالتالي في تخلفهم و معاناتهم.
و حسب اعتقادي أن سبب الضلالة يرجع إلى عامل رئيسي ألا و هو حب الدنيا، ألم يعقل رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" و حب الدنيا يتمثل في حب السلطة و الوصول إلى الحكم، و من أجل الحكم دمرت الشعوب و خرجت الأوطان و البلدان و أصبح الإنسان أخطر من الوحوش الضارية. و هو ما أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال لأصحابه: "إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها".
لكل ذلك لابد من دراسة موضوع الخلافة و الإمامة أو ما نسميه اليوم نظام الحكم الإسلامي، فهو الطامة الكبرى و البائقة العظمي التي جرت على الإسلام و أهله المصائب و المتاعب و الضلالة و الهلاك.
( 288 )
1 ـ نظام حكم في الإسلام
يرى "أهل السنة و الجماعة" بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على أحد و ترك الأمر شورى بيم الناس ليختاروا من شاؤوا، فهذه هي عقيدتهم في الخلافة، و قد أطبقوا على ذلك من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم و إلي اليوم.
و المفروض أن يعمل "أهب السنة و الجماعة" بهذا المبدأ الذي يؤمنون به و يدافعون عنه بكل جهودهم. غير أن البحث يوقفنا على أنهم عملوا عكس ما يعتقدون و بقطع النظر عن بيعة أبي بكر التي سموها هم أنفسهم بأنها فلتة و قي الله المسلمين شرها، فإن أبا بكر هو الذي اخترع فكرة ولاية العهد في الإسلام فعهد قبل وفاته بالخلافة لصاحبه عمر بن الخطاب.
كما عهد عمر بن الخطاب عند موته إلى عبد الرحمان بن عوف ليختار واحداً من الخمسة الذين رشحهم و يأمره بضرب أعناق المخالفين الذين يشقون عصا الطاعة.
و لما وصل معاوية للخلافة طبق هذا المبدأ (ولاية العهد) خير تطبيق إذ عين ولياً لعهده ابنه يزيد و عين يزيد ولياً لعهده انبه معاوية، و بقيت الخلاقة من ذلك الوقت يتداولها الطلقاء و أبناؤهم جيلاً بعد جيل فكل خليفة يعهد لولده أو أخيه أو أحد أقاربه، كذلك فعل الخلفاء في الدولة العباسية منذ قيامها إلى أن تلاشت و كذلك فعل خلفاء الدولة العثمانية من قيامها إلى أن ولي عصر الخلافة و اضمحل في عهد كمال أتاتورك في القرآن الحالي.
( 289 )
و بما أن "أهل السنة و الجماعة" يمثلون تلك الخلاقة أو أن تلك الحكومات المتعاقبة تمثل "أهل السنة و الجماعة" في كل بقاع الدنيا، و على مر التاريخ الإسلامي، فإنك تري اليوم في السعودية و في المغرب و الأردن و في كل دول الخليج كلهم يعملون بنظرية ولاية العهد التي ورثوها عن "سلفهم الصالح" و كلهم يمثلون "أهل السنة و الجماعة"، و على فرض صحة النظرية التي يعتقدونها و هي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك الأمر شوري و القرآن يقر الشورى، فإنهم خالفوا القرآن و السنة و قلبوا نظام الشورى "الديمقراطي" إلي نظام ولاية العهد الملكي الاستبدادي.
أما على فرض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على علي بن أبي طالب كما يقول بذلك الشيعة، فإن "أهل السنة و الجماعة" خالفوا صريح السنة النبوية و خالفوا القرآن لأن رسول الله لا يفعل شيئاً إلا بإذن ربه.
و لذلك تراهم يشعرون بفساد هذه النظرية "الشورى" لأن الخلفاء الأولين لم يطبقوها و لم يعملوا بها، كما يشعرون بفساد نظرية "ولاية العهد" أيضاً فتراهم يبررون ذلك بأحاديث "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملك عضوض"، و كأنهم يريدون إقناع غيرهم بما اقتنعوا به من أن الملك لله يعضه حيث يشاء، و أن الملوك و السلاطين ولاهم الله سبحانه على رقاب الناس فتجب بذلك طاعتهم وعدم الخروج عليهم.
و هذا بحث طويل يجرنا إلى القضاء والقدر الذي بحثناه في كتاب "مع الصادقين" ولا نريد الرجوع إليه، و نكتفي بأن نعرف بأن "أهل السنة و الجماعة" يسمون أيضاً بـ "القدرية" لقوهم بذلك.
و النتيجة هي أن "أهل السنة و الجماعة" يؤمنون بولاية العهد و يعتبرونها خلافة شرعية، لا لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بها، أو أنه عين ولياً لعهده، فهم ينكرون ذلك أشد الإنكار، ولكن لأن أبا بكر عهد إلي عمر و عمر عهد إلى الستة، و معاوية عهد إلي يزيد و هكذا، و لم يقل أحد من العلماء عندهم ولا أحد من أئمة المذاهب الأربعة، بأن الحكم الأموي أو الحكم العباسي أو
( 290 )
الخلافة العثمانية هي غير شرعية. بل نراهم يسارعون إلى البيعة و التأييد و تصحيح خلافتهم بل ذهب أكثرهم للقول بشرعية الخلاقة لكل من تغلب عليها بالقوة والقهر، ولا يهمهم إن كان براً أم فاجراً تقياً أم فاسقاً عربياً قرشياً أم تركياً و كردياً.
يقول الدكتور أحمد محمود صبحي في هذا الصدد: "موقف أهل السنة في مسألة الخلاقة، هو التسليم بالأمر الواقع، دون تأييد أو خروج عليه"
(1)
ولكن الواقع أن "أهل السنة" يؤيدون أيضاً، فقد ذكر أبو يعلي الفراء عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "إن الخلافة تثبيت بالغلبة والقهر ولا تفتقر إلى العقد".
و قال في رواية عبدوس بن مالك العطار: "من غلب بالسيف حتى صار خليفة و سمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أم فراجاً". واحتج بقول عبد الله بن عمر: "نحن مع من غلب"، و بذلك أصبح "أهل السنة و الجماعة" رهينة هذه البدعة - بدعة ولاية العهد - فهم يبايعون الغالب و المتغلب بقطع النظر عن ورعه وتقواه و علمه (براً كان أم فاجراً) والدليل على أن أغلب الصحابة الذين قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاوية بن أبي سفيان في عدة غزوات، بايعوه فيما بعد على أنه أمير للمؤمنين، كما قلبوا لخلافة مروان بن الحكم الذي سماه رسول الله "الوزع" و طرده من المدينة و قال: "لا يساكنني حياً ولا ميتاً".
بل قبلوا بخلافة يزيد بن معاوية و بايعوه بإمارة المؤمنين و لما خرج عليه الحسين سبط النبي قتلوه و أهل بيته لتثبيت ملك ليزيد و تصحيح خلافته، و ذهب علماؤهم إلي القول بأن الحسين قتل بسيف جده و منهم من يكتب حتى اليوم كتب على حقائق "أمير المؤمنين يزيد بن معاوية" كل ذلك تأييداً منهم لخلافة اليزيد و إدانة الحسين لأنه خرج عليه.
و إذا عرفنا كل هذا، فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن "أهل السنة و الجماعة"
____________
(1) نظرية الإمامة لمحمود صبحي ص 23
( 291 )
قد خالفوا السنة نسبوها إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم و هي قولهم بأنه ترك الأمر شوري بين المسلمين.
أما الشيعة فقد تمسكوا في مبدأ الإمامة بقول واحد و هو "النص من الله و رسوله علي الخليفة"، فالإمامة عندهم لا تصح إلا بالنص ولا تكون إلا للمعصوم والأعلم والأتقى و الأفضل، فلا يجوز عندهم تقديم المفضول على الفاضل، و لذلك نراهم رفضوا خلافة الصحابة أولاً كما رفضوا خلافة "أهل السنة و الجماعة" ثانياً.
و بما أن النصوص التي يدعيها الشيعة في شأن الخلافة لها وجود فعلي و مصداق حقيقي في صحاح "أهل السنة و الجماعة" فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن الشيعة هم الذين تمسكوا بالسنة النبوية الصحيحة.
وسواء أقلنا بأن الأمر شورى، أو هو بالنص في شأن الخلافة، فإن الشيعة وحدهم على حق، لأن الشخص الوحيد الذي تعين بالنص و بالشورى معاً هو علي بن أبي طالب. ولا قائل من المسلمين شيعياً كان أم سنياً يقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى ولاية العهد من قريب أو بعيد.
ولا قائل من المسلمين سيناً كان أم شيعياً يقول بأن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه: "تركت أمركم شوري فاختاروا من شئتم لخلافتي".
و نحن نتحدى العالمين أن يأتونا بحديث واحد من هذا القبيل، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، فليرجعوا إلى السنة النبوية الثابتة و التاريخ الإسلامي الصحيح لعلهم يرشدون، أم أنهم يقولون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهمل هذا الأمر الخطير و لم يتبين معالمه ليدخل أمته في صراع دائم و فتنة عمياء تمزق وحدتهم و تفرق شملهم وتنحرف بهم عن صراط الله المستقيم، و نحن نري اليوم بأن الفاسقين من الحكام الجائرين يكفرون في مصير شعوبهم من بعد خلافتهم فيعمدون إلي تعيين خلف لهم في حالة الشغور، فكيف بمن أرسله الله رحمة للعالمين!؟
( 292 )
2 - القول بعدالة الصحابة يخالف صريح السنة
إذا نظرنا إلي أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم و أقواله تجاه الصحابة نجده قد أعطى كل ذي حق حقه، فهو يغضب لله و يرضي لرضاه و كل صحابي خالف أمر الله سبحانه تبرأ منه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما تبرأ مما صنع خالد بن الوليد في قتله بني جذيمة، و كما غضب علي أسامة عندما جاءه ليشفع للمرأة الشريفة التي سرقت، فقال قولته المشهورة: "و يلك أتشفع في حد من حدود الله؟ و الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، إنما أهلك من كان قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه و إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد."
و نجدهصلى الله عليه وآله وسلم أحياناً يبارك و يترضى على بعض أصحابه المخلصين و يدعو لهم و يستغفر لهم، كما نجده يلعن البعض منهم الذين يعصون أوامره و لا يقيمون لها و زناً أحياناً أخرى، مثل قوله "لعن الله من تخلف عن جيش أسامة" و ذلك عندما طعنوا في تأميره و رفضوا الالتحاق بجيشه بحجة أنه صغير السن.
كما نجده صلى الله عليه وآله وسلم يوضح للناس ولا يتركهم يغتروا ببعض الصحابة المزيفين، فيقول في أحد المنافقين: "إن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من المرمية". و قد يتوقف فلا يصلي علي أحد الصحابة الذين استشهدوا في غزوة خيبر ضمن جيش المسلمين، و يكشف على حقيقته و يقول. "إنه غل في سبيل الله" و لما فتشوا متاعه وجدوا فيه خرزاً من خرز اليهود.
( 293 )
و يحدثنا الماوردي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عطش في غزوة تبول فقال المنافقون: إن محمداً يخبر بأخبار السماء، و لا يعلم الطريق إلى الماء، فنزل جبريل و أخبره بأسمائهم، و أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم سعد بن عبادة، فقال له سعد" إن شئت ضربت أعناقهم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، و لكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا"
(1)
و قد سار فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما أشار به القرآن الكريم في حقهم، فقد رضي الله عن الصادقين منهم و غضب على المنافقين و المرتدين و الناكثين منهم، و لعنهم في العديد من الآيات المحكمات، و قد وافينا البحث لهذا الموضوع في كتاب "فاسألوا أهل الذكر" في فصل "القرآن الكريم يكشف حقائق بعض الصحابة" فمن أراد التحقيق فعليه بالرجوع إلى الكتاب المذكور.
و يكفينا مثل واحد من أعمال بعض الصحابة المنافقين التي كشفها الله سبحانه و فضح أصحابها و كانوا أثني عشر رجلاً من الصحابة تذرعوا ببعد المسافة و أن الوقت لا يسعهم للحضور مع النبي، فبنوا مسجداً لأداء الصلاة في وقتها، فهل ترى إخلاصاً و رفاء أكبر من هذا؟ أن يصرف العبد أموالاً طائلة لبناء مسجد حرصاً منه على أداء فريضة الصلاة في وقتها و في جماعة يجمعهم مسجد واحد؟
ولكن الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، علم سرائرهم و ما تخفي صدورهم، فأوحي إلى رسوله بأمرهم و أطلعه على نفاقهم بقوله:
«والذين اتخذوا مسجداً ضراراً و كفراً و تفريقاً بين المؤمنين و إرصاداً لمن حارب الله و رسوله من قبل و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى و الله يشهد إنهم لكاذبون» (التوبة: 107)
و كما أن الله لا يستحي من الحق فكذلك رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لأصحابه صراحة بأنهم سيتقاتلون على الدنيا و أنهم سيتبعون قي الضلالة سنن اليهود
____________
(1) قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، و لكن نحسن صحبتهم .." فيه دليل واضح علي أن المنافقين هم من الصحابة، فقول "أهل السنة و الجماعة" بأن المنافقين ليسوا من الصحابة مردود عليهم، لأنه رد على رسول الله الذي يسميهم أصحابه.
( 294 )
و النصارى شبراً بشبر و ذراعا بذراع، و أنهم سينقلبون بعده علي أدبارهم و يرتدون، و أنهم يوم القيامة سيدخلون إلي النار ولا ينجو منهم إلا القليل الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهمل النعم، و أنهم و أنهم …
فكيف يحاول "أهل السنة و الجماعة" إقناعنا بعد كب هذا بأن الصحابة كلهم عدول و أنهم في الجنة جميعاً، و أن أحكامهم ملزمة لنا، و أن أراءهم و بدعهم واجبة الاتباع، و أن الطعن على أي واحد منهم مروق عن الدين يوجب القتل؟؟!
إنه قول لا يقبله المجانين فضلاً عن العقلاء، إنه قول زور و بهتان لفقه الأمراء و السلاطين و الذين ساروا في ركابهم من علماء السوء المتطفلين على العلم و نحن لا يمكن لنا قبول هذا القول أبداً مادامت لنا عقول لأنه رد علي الله و رسوله و من رد قول الله و قول الرسول فقد كفر، و لأنه يصادم العقل والوجدان.
و نحن لا نلزم "أهل السنة و الجماعة" بالعدول همه أو برفضه، فهم أحرار فيما يعتقدونه و هم وحدهم المسؤولون عن نتائجه و عواقبه الوخيمة.
ولكن عليهم أن لا يكفروا من يتبع القرآن و السنة في عدالة الصحابة فيقول للمحسن منهم: أحسنت و يقول للمسيء منهم: أخطأت و أسأت، و يتولى أولياء الله و رسوله منهم و يتبرأ من أعداء الله و رسوله منهم أيضاً.
و بهذا يتبين لنا أيضاً بأن "أهل السنة و الجماعة" خالفوا صريح القرآن و صريح من سب صحابياً، إذا قلت له: كيف لا تكفر معاوية و كل الصحابة الذين اتبعوه على سب و لعن علي من فوق المنابر؟ فسيجيبك حتماً كما هو معروف:
«تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لا تسألون عما كانوا يعملون» (البقرة: 134).
( 295 )
3- النبي يأمر المسلمين بالاقتداء بعترته و أهل السنة يخالقونه
لقد أئبتنا فينا سبق من أبحاث بأن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي عرف بحديث الثقلين، و هو قوله: "تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أنباني أنهكا لن يفترقا حتى يرد علي الحوض"
و أثبتنا بأن هذا الحديث هو حديث صحيح متواتر أخرجه الشيعة كما أخرجه "أهل السنة و الجماعة" في صحاحهم و مسانيدهم. و المعروف بأن "أهل السنة و الجماعة" نبذوا أهل البيت وراء ظهورهم
(1) ، وولوا وجوههم شطر أئمة المذاهب الأربعة الذين فرضتهم السلطات الجائرة والتي حظيت بدورها بتأييد و بيعة "أهل السنة و الجماعة".
و إذا شئنا التوسع في البحث لقنا بأن "أهل السنة و الجماعة" هم الذين حاربوا أهل البيت النبوي بقيادة الحكام الأمويين و العباسيين. ولذلك لو فتشت في عقائدهم و كتب الحديث عندهم فسوف لا تجد لفقه أهل البيت شيئاَ عندهم يذكر. و سوف تجد كل فقههم و أحاديثهم منسوبة لأعداء أهل البيت من النواصب و المحاربين لهم كعبد الله بن عمر و عائشة و أبي هريرة و غيرهم.
فنصف الدين عندهم يؤخذ عن عائشة الحميراء و فقيه أهل السنة هو
____________
(1) ولنا نقول بأن أهل السنة و الجماعة قد لعنوهم و حاربوهم و قتلوهم، هذا إذا فهمنا بأن زعيم أهل السنة هو معاوية و ما جرأ معاوية عليهم إلا أبو بكر و عمر و عثمان، كما اعترف معاوية نفسه بذلك.
( 296 )
عبد الله بن عمر، و رواية الإسلام عندهم هو أبو هريرة شيخ المضيرة، والطلقاء و أبناء الطلقاء هم القضاة و المشرعون في دين الله عندهم.
والدليل أن "أهل السنة و الجماعة" لم يكن لهم وجود معروف بهذا الاسم، ولكنهم كانوا قي مجموعهم المعارضين لأهل البيت من يوم السقيفة و هم الذين تآمروا على انتزاع الخلافة من أهل البيت والعمل على إقصائهم عن المسرخ السياسي للأمة.
و تكونت فرقة "أهل السنة و الجماعة" كرد فعل على الشيعة الذين تكتلوا وراء أهل البيت و انقطعوا إليهم، و قالوا بإمامتهم اتباعاً للقرآن والسنة.
و من الطبيعي أن يكون المعارضون للحق هم الأكثرية الساحقة من الأمة خصوصاً بعد الفتن و الحروب، أضف إلي ذلك أن أهل البيت لم يتمكنوا من الحكم إلا أربعة أعوام و هي خلافة الإمام علي و قد أشغلوه قيها بالحروف الدامية.
أما "أهل السنة و الجماعة" المعارضون لأهل البيت فقد حكموا مئات السنين و امتد ملكهم و سلطانهم شرقاً و غرباً و كان لهم الحول و الطول و الذهب و الفضة، فكان "أهل السنة و الجماعة" هم الغالبون لأنهم الحاكمون، و كان الشيعة بقيادة أهل البيت هم المغلوبون لأنهم محكومون و مضطهدون بل مشردون و مقتولون.
و نحن لا نريد الإطالة في هذا الموضوع بقدر ما نريد الكشف عن خفايا "أهل السنة و الجماعة" الذين خالفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته و في تركته التي تضمن الهداية و تمنع من الضلالة، أما الشيعة فقد تمسكوا بوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم و اقتدوا بعترته الطاهرة و تحملوا من أجل ذلك العناء والأتعاب.
و الحقيقة أن هذا الخلاف والعصيان من "أهل السنة و الجماعة" و هذا القبول و الرضا من الشيعة بخصوص الثقلين و التمسك بهما معاً ظهرت معالمه من يوم الخميس الذي سمي يوم الرزية، عندما طلب إليهم الرسول إحضار الكتف والدواة ليكتب لهم ذلك الكتاب الذي يعصمهم من الضلالة، فوقف عمر ذلك الموقف الخطير و رفض أمر النبي مدعياً بأن كتاب الله يكفيهم و لا حاجة
( 297 )
للعترة، فكأن النبي يقول تمسكوا بالثقلين القرآن والعترة ، وعمر يرد عليه حسبنا ثقلاً واحداً و هو القرآن و لا حاجة لنا بالثفل الثاني، و حذا قوله بالضبط "حسبنا كتاب الله يكفينا"
و قول عمر يمثل موقف "أهل السنة و الجماعة" لأن قريش المتمثلة قي أبي بكر و عثمان و عبد الرحمان بن عوف و أبي عبيدة و خالد بن الواليد و طلحة بن عبيد الله كل هؤلاء وقفوا يؤيدون عمر في موقفه. قال ابن عباس: فنهم من يقول ما قال عمر، و منهم من يقول قربوا للرسول ليكتب الكتاب.
و من البديهي أن علياً و شيعته من ذلك اليوم تمسكوا بوصية النبي ولو لم تكتب و عملوا بالقرآن و السنة معاً. ولم بعمل أعداؤهم حتى بالقرآن الذي قبلوه في بداية الأمر ولكنهم عطلوا أحكامه عندما وصلوا إلى الحكم فاجتهدوا بآرائهم و نبذوا كتاب الله و سنة رسوله وراء ظهورهم.
( 298 )
4- "أهل السنة و الجماعة" و مودة أهل البيت
لا يشك أحد من المسلمين في أن الله سبحانه و تعالي جعل مودة أهل البيت (عليهم السلام) ضريبة علي المسلمين مقابل منحهم الرسالة المحمدية و ما فيها من فضائل النعم، فقال عز و جل:
«قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى» (الشورى" 23)
و قد نزلت هذه الآية الكريمة تفرض علي المسلمين مودة العترة الطاهرة و هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين، بشهادة أكثر من ثلاثين مصدراً من مصادر "أهل السنة و الجماعة"
(1) ، حتى قال الإمام الشافعي في ذلك:
يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
فإذا كانت محبتهم نزل بها القرآن و جعلنا فرض على أهل القبلة كافة كما اعترف بذلك الإمام الشافعي! و إذا كانت مودتهم هي أجر الرسالة المحمدية كما نطق صريح البيان، و إذا كانت مودتهم عبادة يتقرب بها إليه سبحانه، فما بال "أهل السنة و الجماعة" لا يقيمون لأهل البيت و زناً ولا ينزلونهم إلا دون منزلة الصحابة
(2) ؟
و لنا أن نسأل "أهل السنة و الجماعة" بل لنا أن نتحداهم أن يأتونا بآية قرآنية
____________
(1) راجع في ذلك كتاب "مع الصادقين" للمؤلف
(2) فـ "أهل السنة و الجماعة" كلهم يقولون بتفضيل أبي بكر و عمر و عثمان على علي بن أبي طالب، و إذا كان علي هو سيد العترة و أفضل أهل البيت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أهل البيت عند "أهل السنة و الجماعة" يأتون بعد الصحابة الثلاثة المعروفين عندهم بالخلفاء الراشدين.
( 299 )
واحدة أو بحديث نبوي واحد يفرض على المسلمين مودة أبي بكر أو عمر أو عثمان أو أي واحد من الصحابة؟!
كلا وأنى لهم مثل ذلك، فلا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيء من ذلك، بل يوجد في القرآن آيات عديدة تشير إلي منزلة أهل البيت الرفيعة و تفضلهم علي سائر العباد.
و في السنة النبوية أحاديث كثيرة تفضل أهل البيت و تقدمهم على سائر المسلمين تقديم الإمام علي المأموم و العالم على الجاهل.
و يكفينا من القرآن آية المودة التي نحن بصدد ذكرها، و أية المباهلة و آية الصلاة علي النبي و آله، و آية إذهاب الرجس و التطهير، و أية الولاية، و أية الاصطفاء و وراثه الكتاب.
و يكفينا من السنة النبوية حديث الثقلين و حديث السفينة، و حديث المنزلة، و حديث الصلاة الكاملة، و حديث النجوم، و حديث مدينة العلم، و حديث الأئمة بعدي اثنا عشر.
ولا نريد القول بأن ثلث القرآن نزل في مدح أهل البيت (عليهم السلام) و ذكر فضائلهم كما يقول بعض الصحابة كابن عباس، ولا أن ندعي بأن ثلث السنة النبوية كله تنويه و تمجيد في أهل البيت و توجيه الناس إلى فضلهم و فضائلهم كما ألمح لذلك الأمام أحمد بن حنبل.
و يكفينا من القرآن و السنة ما أوردناه من صحاح "أهل السنة و الجماعة" للدلالة على تفضيل أهل البيت على من سواهم من البشر.
و بعد نظرة و جيزة إلى عقائد "أهل السنة و الجماعة" و إلى كتبهم و إلى سلوكهم التاريخي تجاه أهل البيت، ندرك بدون غموض بأنهم اختاروا الجانب المعاكس و المعادي لأهل البيت (عليهم السلام) و بأنهم أشهروا سيوفهم لقتالهم و سخروا أقلامهم لانتقاصهم و النيل منهم و لرفع شأن أعدائهم و من حاربهم.
و يكفينا على ذلك دليل واحد يعطينا الحجة البالغة، و كما قدمنا بأن "أهل السنة و الجماعة" لم يعرفوا إلا في القرن الثاني للهجرة كرد فعل على الشيعة الذين
( 300 )
والوا أهل البيت وانقطعوا إليهم فإننا لا نجد شيئاً في فقههم و عباداتهم و كل معتقداتهم يرجعون فيه إلى السنة النبوية المروية عن أهل البيت.
(1)
و رغم أن أهل البيت أدري بما فيه فهم ذرية المصطفي وعترته، و رغم أنهم لم يسبقهم أحد في علم ولا في عمل، و أنهم واكبوا مسيرة الأمة طوال ثلاثة قرون و تداولوا الإمامة الروحية و الدينية عبر الأئمة الاثني عشر الذين لم يخالف منهم واحد رأي الثاني، فإننا نجد "أهل السنة و الجماعة" يتعبدون بالمذاهب الأربعة التي لم تخلق إلا في القرن الثالث للهجرة و التي يخالف فيها بعضهم رأي البعض الآخر، و مع ذلك نبذوا أهل البيت وراء ظهورهم و وقفوا منهم موقف العداء بل و حاربوا كل من تشيع لهم ولا زالوا يحاربونهم حتى يوم الناس هذا.
و إذا أردنا دليلاً آخر، فما علينا إلا أن نحلل موقف "أهل السنة و الجماعة" من ذكرى يوم عاشوراء ذلك اليوم المشؤوم الذي هدم فيه ركن الإسلام بقتل سيد شباب أهل الجنة والعترة الطاهرة من ذرية المصطفى و النخبة الصالحة من أصحابه المؤمنين.
أولاً: نلاحظ أنهم يقفون من قتلة الحسين موقف الراضي الشامت المعين، ولا يستغرب منهم ذلك فقتلة الحسين كلهم من "أهل السنة و الجماعة" و يكفي أن نعرف بأن قائد الجيش الذي ولاه ابن زياد لقتل الحسين و هم عمر بن سعد بن أبي وقاص. و لذلك فـ "أهل السنة و الجماعة" يترضون على الصحابة أجمعين بما فيهم قتلة الحسين و الذين شاركوهم، و يوثقون أحاديثهم، بل وفيهم من يعتبر الإمام الحسين "خارجياً" لأنه خرج على أمير المؤمنين يزيد بن معاوية!
و قد قدمنا فيما سبق بأن فقيه "أهل السنة و الجماعة" عبد الله بن عمر قد بايع يزيد بن معاوية و حرم أن يخرج أحد من أتباعه على يزيد، و قال: "نحن مع من غلب".
____________
(1) وهب أنهم كما يزعمون اليوم و يقولون: نحن أولى بعلي و أهل البيت من الشيعة، فلماذا ترك علماؤهم و أئمة المذاهب عندهم فقه أهل البيت و كان عندهم نسياً منسياً؟ واتبعوا مذاهب ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالي :"إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه"، أما الذين لم يتبعوه فليسوا أولي به كما لا يخفي
( 301 )
ثانياً: نرى بأن "أهل السنة و الجماعة" على مر التاريخ من يوم عاشوراء إلى يوم الناس هذا، يحتفلون بيوم عاشوراء و يجعلونه عيداً يخرجون فيه زكاة أموالهم و يوسعون فيه علي عيالهم، و يروون بأمه يوم بركات و رحمات.
ولا يكفيهم كل ذلك فتراهم إلى اليوم يشنعون علي الشيعة و ينتقدون بكاءهم علي الحسين، و في بعض البلدان الإسلامية يمنعونهم من إقامة ذكرى العزاء و يهجمون عليهم بالسلاح و يعملون فيهم ضرباً و تقتيلاً بدعوى محاربة البدع.
و في الحقيقة هم لا يحاربون البدع بقدر ما يمثلون دور الحكام الأمويين و العباسيين الذين حاولوا جهدهم القضاء على ذكرى عاشوراء ووصل بهم الأمر إلى نبش قبر الحسين و إعفائه و منع الناس من زيارته. فهم إلى الآن يريدون القضاء على إحياء تلك الذكرى خوفاً من أن يعرف الناس، و من يجهلون حقيقة أهل البيت - واقع الأمور فتنكشف بذلك عورات أسيادهم و كبرائهم، و يعرف الناس الحق من الباطل و المؤمن من الفاسق.
و بهذا يتبين لنا مرة أخرى، بأن الشيعة هم أهل السنة النبوية لأنهم اتبعوا سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى في الحزن و البكاء علي أبي عبد الله الحسين، و ذلك بروايات ثابتة أنه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على ولده الحسين عندما أعمله جبريل بمقتله في كربلاء و ذلك قبل الواقعة بخمسين عاماً.
و يتبين لنا أيضاً بأن "أهل السنة و الجماعة" يحتفلون بيوم عاشوراء لأنهم اتبعوا سنة يزيد بن معاوية و بني أمية في احتفالهم بذلك اليوم لأنهم انتصروا فيه على الحسين و أخمدوا ثورته التي كانت تهدد كيانهم، و قطعوا بذلك دابر الشغب على حد زعمهم.
و التاريخ يحدثنا بأن يزيد و بني أمية، احتفلوا بذلك اليوم احتفالاً كبيراً حتى وصل إليهم رأس الحسين و سبايا أهل البيت ففرحوا بذلك و شمتوا برسول لله صلى الله عليه وآله وسلم و قالوا في ذلك أشعاراً.
و تقرب إليهم علماء السوء من "أهل السنة و الجماعة" فضعوا لهم أحاديث في فضل ذلك اليوم، و أن عاشوراء هم اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، و هو اليوم
( 302 )
الذي رست فيه سفينة نوح على جبل الجودي، و هو اليوم الذي كانت فيه النار برداً و سلاماً على إبراهيم، و هو اليوم الذي خرج فيه يوسف من السجن و رد فيه بصر يعقوب، و هو اليوم الذي انتصر فيه موسى على فرعون، و هو اليوم الذي نزلت فيه على عيسى مائدة من السماء.
و هذه الروايات كلها يرددها علماء "أهل السنة و الجماعة" و أئمتهم على المنابر حتى اليوم بمناسبة عاشوراء، و هي روايات كلها من وضع الدجالين الذين تزيوا بزي العلماء و تقربوا إلى الحكام بكل الوسائل، فباعوا آخرتهم بدنياهم فما ربحت تجارتهم و هم في الآخرة من الخاسرين.
و قد أمعنوا في الكذب عندما رووا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هاجر إلى المدينة فصادف دخوله إليها يوم عاشوراء، فوجد يهود المدينة صياماً، فسأهم عن السبب، قالوا: هذا اليوم الذي انتصر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نحن أولي بموسى منكم، ثم أمر المسلمين بصوم عاشوراء و تاسوعاء لمخالفة اليهود.
و هذا كذب مفضوح إذ أن اليهود يعيشون معنا، و لم نسمح لهم بعيد يصومون فيه يسمونه عاشوراء.
و هل لنا أن نسأل ربنا عز و جل: كيف جعل هذا اليوم مباركاً علي كل أنبيائه و رسله من أدم إلي عيسي، إلا محمد، فقد كان عليه هذا اليوم مصيبة و عزاء و شؤماً إذ قتل فيه ذريته و عترته و ذبحوا ذبح الغنم و أخذت بناته سبايا؟
والجواب" إنه
«لا يسأل عما يفعل و هم يسألون» (الأنبياء: 23)
«فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» (آل عمران" 61)
( 303 )
5 - أهل السنة و الجماعة و الصلاة البتراء
بعدما قدمنا فصل سابق نزول الآية و تفسيرها من قبل الرسول نفسه و تعليمهم كيفية الصلاة الكاملة، و نهيهم عن الصلاة البتراء التي لا يقبلها الله سبحانه، و مع ذلك نجد إصراراً كبيراً من طرف "أهل السنة و الجماعة" على الصلاة البتراء لئلا يذكرون أن محمد ضمن الصلاة، و إذا ما ذكروهم غصباً تراهم يضيفون الصحابة معهم، و إذا قلت أمام أحدهم: صلي الله عليه و أله، فإنه يفهم علي الفور بأنك شيعي، و ذلك لأن الصلاة الكاملة على محمد و آل محمد أصبحت شعاراً للشيعة وحدهم.
و هذه حقيقة لا مرية فيها و قد اعتمدنها شخصياً في بداية البحث فكنت أعرف تشيع الكاتب من قوله بعد ذكر محمد: صلي الله عليه و أله و سلم، و عندما لا أجد إلا لفظة صلى الله عليه و سلم أعرف أنه سني.
كما أفهم تشيع الكاتب عندما يكتب "علي عليه السلام" و لكنه عندما يكتب كرم الله وجهه أعرف بأنه سني.
و نري من خلال الصلاة الكاملة بأن الشيعة اقتدوا بالسنة النبوية الشريفة، بينما خالف "أهل السنة و الجماعة" أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم و لم يقيموا لها وزناً، فتراهم دائماً يصلون الصلاة البتراء، و إذا ما اضطروا إلى إضافة الآل فأنهم عند ذلك يضيفون معهم الصحابة أجمعين بدون استثناء حتى لا يبقوا لأهل البيت فضلاً ولا خصوصية.
( 304 )
و هذا كله ناتج عن موقف الأمويين تجاه أهل البيت و العداوة التي كانوا يحملونها لهم حتى وصل بهم الأمر أن أبدلوا الصلاة عليهم بلعنهم على المنابر و حمل الناس على ذلك بوسائل الترهيب و الترغيب.
فـ "أهل السنة و الجماعة" لك يجاورهم في السب و اللعن لأهل البيت، ولو فعلوا ذلك لافتضحوا المسلمين و لعرفوا على حقيقتهم و تبرأ منهم الناس، فتركوا السب و اللعن ولكنهم أضمروا العداوة و البغضاء لأهل البيت و حاولوا بكل جهودهم إطفاء نورهم بأن رفعوا مكانة أعدائهم من الصحابة و اختلقوا لهم فضائل خيالية لا تمت للحق بصلة.
و الدليل على ذلك أنك تجد "أهل السنة و الجماعة" حتى اليوم يقولون شيئاً في معاوية و الصحابة الذين لعنوا أهل البيت طيلة ثمانين عاماً، بل و يترضون عليهم أجمعين، و في الوقت يكفرون أي مسلم ينتقص أحداً منهم (من الصحابة) و يكشف عن جرائمه، فيفتون بقتله.
و قد حاول بعض الوضاعين أن يضيف إلى الصلاة الكاملة - التي علمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلي أصحابه - جزءاً أخر ظناً منه بأن ذلك سينقص من مكانة أهل البيت و فيمتهم فروى بأنه قال: قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد و على أزواجه و ذريته. و الباحث يفهم بأن هذا الجزء قد أضيف لكي تلحق عائشة بركب أهل البيت.
و نحن نقول لهم: لو سلمنا جدلا بصحة الرواية، و قلبنا أمهات المؤمنين ضمنها، فإن الصحابة لا دخل لهم فيها و أنا أتحدى أن يأتي أحد المسلمين بدليل من القرآن أو من السنة في هذا المعني، فنجوم السماء أقرب إليه من ذلك.
و القرآن و السنة أمرا كل الصحابة و كل من يأتي بعدهم من المسلمين إلي قيام الساعة بالصلاة على محمد و أل محمد. و هذه وحدها مرتبة عظيمة تقصر عنها كل المراتب و منقبة جليلة لا يلحقهم فيها لاحق.
فأبو بكر و عمر و عثمان و كل الصحابة أجمعين و كل المسلمين في العالم و الذين
( 305 )
يعدون بمئات الملايين عندما يصلون يقولون في تشهدهم: اللهم صلي على محمد و آل محمد! و إذا لم يقولوا ذلك فصلاتهم مردودة لا يقبلها الله سبحانه.
و هذا هوا المعني بالضبط الذي قصده الإمام الشافعي عندما قال:
يكفيكم من عظيم الشأن أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
و قد اتهم الشافعي بالتشيع من أجل قوله هذا، فإن أذناب الأمويين و العباسيين يتهمون بالتشيع كل من صلى على محمد و آل محمد، أو قال فيهم شعراً أو حدث بفضيلة من فضائلهم.
و على كل حال فالبحث في هذا المجال واسع قد يتكرر في العديد من الكتب، فلا بأس بالإعادة إذا كان فيها إفادة.
و المهم أننا عرفنا خلال هذا الفصل بأن الشيعة هم أهل السنة النبوية و صلاتهم كاملة و مقبولة حتى رأي من خالفهم، و "أهل السنة و الجماعة" خالفوا في ذلك صريح السنة النبوية و صلاتهم بتراء غير مقبولة حتى على رأي أئمتهم و علمائهم "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكاً عظيماً" (النساء: 54)
( 306 )
6- عصمة النبي و تأثيرها على "أهل السنة و الجماعة"
إن نظرية العصمة مختلف فيها عند المسلمين، و هي في الحقيقة العامل الوحيد الذي يفرض على المسلمين أن يتقبلوا أحكام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدون نقاش ولا جدال، إذا ما اعتفدوا في أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، فلا يؤمنون بأن أقوال النبي و أحكامه إذا لم تكن قرأناً يتلى، فهي مجرد اجتهاد منه.
أما إذا اعتقدوا هذا الاعتقاد وسلموا بأن الأمر كله الله وليس النبي إلا واسطة للتبليغ والبيان فقط، فهم شيعة و قد اشتهر كثير من الصحابة بهذا الاعتقاد و على رأس هؤلاء الإمام علي (عليه السلام) الذي ما كان يغير من سنة النبي قليلاً و لا كثيراً باعتبارها من وحي الله، فلا يجوز استعمال الرأي و الاجتهاد مقابل أحكام الله سبحان و تعالى.
و أما إذا اعتقدوا أن النبي غير معصوم في أقواله و أفعاله و العصمة لا تختص إلا بالقرآن الكريم و ما يتلى من آياته، و ما عدا ذلك فهو كسائر البشر يخطئ و يصيب، أما إذا قالوا بهذا فإنهم "أهل السنة و الجماعة" الذين يجوزون أن يجتهد الصحابة و العلماء مقابل أقوال و أحكام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يتماشى و المصلحة العامة طبقاً للظروف التي تقتضيها الحال حسب رأي الحاكم في كل زمان.
و إنه غني عن البيان بأن مدرسة الخلفاء الراشدين (باستثناء الإمام علي) قد اجتهدوا بآرائهم مقابل السنة النبوية ثم ذهبوا شوطاً أبعد فاجتهدوا مقابل
( 307 )
النصوص القرآنية أيضاً، و أصبحت آراؤهم فيما بعد أحكاماً عند "أهل السنة و الجماعة" يعلمون بها و يفرضونها على المسلمين.
و قد تكلمنا عن اجتهادات أبي بكر و عمر و عثمان في كتاب "مع الصادقين" و كذلك في كتاب "فاسألوا أهل الذكر" و قد نفرد لهم كتاباً خاصاً في المستقبل إن شاء الله تعالي.
و قد عرفنا أن "أهل السنة و الجماعة" يضيفون إلى المصدرين الأساسين للتشريع الإسلامي (القرآن والسنة) مصادر أخري كثيرة من جملتها سنة الشيخين (أبي بكر و عمر) و اجتهاد الصحابي، و هذا ناتج عن اعتقادهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن معصوماً، و إنما كان يجتهد رأيه و كان بعض الصحابة يصوب رأيه و يصلح خطاه.
و بهذا يتبين لنا بأن "أهل السنة و الجماعة" عندما ما يقولون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس معصوماً، فهم يجوزون بذلك مخالفته و عصيانه من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون.
لأن غير